المقدمة

المقدمة

يعتبر فقه النوازل من أهم فروع الفقه الإسلامي، لدوره الكبير في بيان أحكام الشريعة الإسلامية المرتبطة بواقع الحياة في جميع مجالاتها، فدوره هو تنزيل أحكام الشريعة على الواقع الحياتي ليصبغه بصبغتها، ويجري عليه أحكامها.

وهو لذلك المحك الذي تعرف من خلاله واقعية الشريعة الإسلامية ومدى مراعاتها لأحوال المكلفين، ومدى انسجامها مع طبيعة البيئة الزمانية والمكانية الحادثة.

ويعتبر كذلك، وبدرجة أهم، هو المنهج الذي من خلاله يستطيع الفقيه أن يجعل الشريعة هي الحاكم في كل شؤون الحياة، بالبحث عن الأحكام والبدائل المتناسبة مع القيم التي جاءت الشريعة لتحقيقها، ولذلك لا يقف فقيه النوازل منتظرا أن يستفتى فيفتي، بل يبادر فيبحث عن الأحكام، ويبحث في نفس الوقت عن البدائل الشرعية في حال الحاجة إليها.

ولهذه الأهمية الكبيرة، فإن تحصيل ملكة الاجتهاد فيه يتطلب – قبل كل شيء – معرفة منهج البحث فيه خطوة خطوة، حتى لا يقع الباحث فيما حذر منه القرآن الكريم من الفتوى بغير علم، أو الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال تعالى:{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ}([1])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)([2])

وقد حصل في الواقع بعض ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تصدي بعض من لم تتوفر فيهم القدرات العلمية الكافية على الفتوى في مسائل خطيرة، بناء على اجتهادات لم تستكمل أدواتها، فشوهوا بذلك شريعة الله السمحة، المبنية على العلم والحكمة والعدل والرحمة.

وقد أتاحت تلك الفتاوى الشاذة الفرصة للعلمانيين واللادينيين للسخرية من الشريعة الربانية، واستعمال هذه الفتاوى ذريعة لذلك، دون تفريق بين ما هو رباني في الشريعة، وبين ما هو اجتهاد بشري يقبل الخطأ والصواب.

وقد رأينا أن السبب الأكبر فيما نراه في واقع الفتوى هو المنهج الذي يعتمده الفقهاء والمفتون على الساحة الإسلامية، فالمنهج هو الأصل الذي يعتمد عليه المفتي، ولا يمكن أن نرقى بالفتوى في النوازل ما لم نتعرف على المنهج الصحيح الذي طلبت الشريعة التزامه.

انطلاقا من هذا، حاولنا استقراء مناهج الفقهاء في الفتوى في النوازل، وقد رأينا أنه يمكن تقسيمها إلى ستة مناهج:

1 ــ المنهج الاستدلالي.

2 ــ المنهج المذهبي.

3 ــ المنهج المذاهبي.

4 ــ منهج التيسير.

5 ــ منهج التشديد.

6 ــ المنهج المقاصدي.

وقد حاولنا في هذه الدراسة أن نبين – باختصار- الخصائص التي يتميز بها كل منهج، مع الأعلام الذين تبنوه، والآليات التنفيذية المرتبطة بتحقيق المنهج في الواقع.

وقد قسمنا الدراسة إلى ستة مباحث، بالإضافة إلى تمهيد وخاتمة، وهي على الشكل التالي:

التمهيد: تناولنا فيه مفهوم فقه النوازل وأهميته.

المبحث الأول: تناولنا فيه المنهج الاستدلالي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الثاني: تناولنا فيه المنهج المذهبي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الثالث: تناولنا فيه المنهج المذاهبي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الرابع: تناولنا فيه منهج التيسير وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الخامس: تناولنا فيه منهج التشديد وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث السادس: تناولنا فيه المنهج المقاصدي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.


([1]) سورة النحل: 116.

([2])  رواه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم رقم ( 100) (انظر: صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422هـ، ج1، ص31)

ورواه مسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان رقم ( 2673) ( صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ج4 ص 2058)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *