المقدمة

مقدمة

لقد لقيت آراء الغزالي وتوجهاته الفكرية اهتمام الكثير من الدارسين منذ بداية هذا القرن، ابتداء من منصور فهمي وزكي مبارك وسليمان دنيا وغيرهم، بحيث شملت بحوثهم جوانبه العقدية والفلسفية والصوفية والأخلاقية وغيرها.

ومن التساؤلات الهامة التي أفرزتها تلك الدراسات ما يتعلق بتأثر الغزالي الاجتماعي، وهل كان ما رآه من آراء، أو ما اختاره من اتجاهات، أو ما قام به من أعمال ترفا فكريا وبحثا نظريا لا صلة له بواقعه، فهو يعيش بفكره في عصر غير عصره وبيئة غير بيئته، أم أنها نتيجة لبيئته، وأثر لها، ولكن من جانبها السلبي فهي تمثل العصر الذي أنتحها، وما الغزالي بذلك إلا اسقاط لعصره، منطو فيه.. أو أن الغزالي ـ كما اعتبر نفسه ـ مجدد ديني، ومصلح اجتماعي، اطلع على ما في واقعه من علل وعمل لاصلاحه، وكان له دور إيجابي في ذلك؟

وقد كانت الإجابة على هذه التساؤلات مختلفة لدى الباحثين فبينما نجد من يعتبره مجدد قرون لا قرن واحد، ومصلح أجيال لا جيله فقط، نرى من يعتبره سلبيا منطويا غارقا في حلوته، واذا ما خرج الى المجتمع فهو ينشر أفكاره عن الزهد وبغض الدنيا والفقر مما يزيد في تخلف المجتمع وإفساده.

وقد رأينا أن الإجابة الموضوعية على هذه الأسئلة تتطلب البحث في علاقة فكر الغزالي بالإصلاح الاجتماعي، لا في علاقة شخصه به، وأن المرجع في ذلك كتبه، لا حياته، لأن الذين اتهموه بالسلبية انطلقوا من توجهه الصوفي، وركونه إلى العزلة، ولم ينظروا إلى صلة ماكتبه في عزلته بالمجتمع سلبا أو إيجابا، فقط كان موقفهم منه نابعا عن موقف مسبق من التصوف وحكم مسبق على رجاله.

ولذلك اخترت (الإصلاح الاجتماعي عند الغزالي) عنونا لهذا البحث مدفوعا بما يلي:

1 ـ أن معظم الدراسات المتعلقة بالإصلاح الاجتماعي تكاد تقتصر على الفترة ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين، وعلى أشخاص معينين أو حركات معينة، بحيث أصبحت هذه الوضيفة الأساسية في الإسلام قصرا على مدارس محدودة، وهذا غمط لحق كثير من رجال الإصلاح السابقين من جهة، وتوجيه لمسيرة الإصلاح في إتجاه معين من جهة أخرى.

و أكبر ما يدلي به هؤلاء من حجج هو الواقعية التي يدعمها قرب الزمان، مع أن كثيرا من الأنظمة الحديثة ترجع منابعها إلى أسس نظرية أو فلسفية قديمة.

2 ـ أن مجتمعنا المعاصر بسبب ما سلطت عليه من مؤامرات استهدفت أصالته، أو ما حوى من متناقضات شوهت خصائصه، يشبه في كثير من نواحيه مجتمع الغزالي، نلاحظ ذلك سواء في كتابات الغزالي أو كتابات المؤرخين لعصره، وهو مما يعطي هذا البحث بعدا واقعيا زيادة على البعد التاريخي.

3 ـ أن الغزالي يمثل في تاريخ الفكر الإسلامي مدرسة شملت الكثير من الأعلام، ويحظى بشعبية قل من وصل إليها من العلماء والمصلحين، ويشكل منعرجا في التوجهات العلمية والتربوية امتد إلى أجيال كثيرة، فلذلك لا زال ـ مع كثرة الدراسات المؤلفة حوله ـ يحتاج إلى مزيد بحث وتعمق خاصة في هذا الجانب.

4 ـ أن تأصيل العمل الإصلاحي في الميدان الاجتماعي يقتضي ربطه بمصادره الشرعية، وذلك يتطلب مراجعة ماكتبه العلماء والمصلحون الذين جمعوا بين العلم الشرعي كإطار مرجعي، والنظر في الواقع ومحاولة تغييره.

5 ـ أن أكثر الحركات الإسلامية المعاصرة انشغلت عن الإصلاح الاجتماعي بتفريغ جهودها في محاولة الوصول الى الإصلاح السياسي، وقد أثبتت التجارب عقم هذا السبيل وعدم جدواه.

هذه بعض الدوافع لاختيار هذا الموضوع، والذي تكمن أهميته في محاولة معرفة موقف الغزالي من الإصلاح الاجتماعي، عن طريق عرض آرائه في ذلك، وبيان إمكانية الإستفادة منها في واقعنا.

وقد كان الاهتمام بهذه الناحية من فكر الغزالي ضئيلا من قبل الباحثين حيث انصب التركيز على الجانب الفلسفي أو الصوفي أو العقدي فقط، دون محاولة ربط ذلك بغرضه الإصلاحي، بل انصب جهد بعضها ككتاب (الأخلاق عن الغزالي) لزكي مبارك على إظهار الغزالي في صورة المفكر السلبي المنطوي على نفسه، وقد طغى جانبا النقد فيه على البحث، وتغلبت الذاتية على الموضوعية، وكان له أثر سلبي على الدراسات التي أتت بعده، وتأثرت بمواقفه، دون البحث في مدى صحتها.

وقد استفدنا من تلك الدراسات ـ بغض النظر عن مواقفهاـ مع ربطها بموضوع بحثنا، ولعل أهمها كتاب (الحقيقة في نظر الغزالي) لسليمان دنيا الذي وضع في حسابه عنصر الإصلاح الاجتماعي أثناء تحليله لآراء الغزالي العقدية وكتاب (الفيلسوف الغزالي) لعبد الأمير الأعسم الذي بحث في الدراسات الغزالية مصنفا لها، وكتاب (الفلسفة التوازنية القرآنية عند الغزالي) لزكريا بشير امام الذي أعاد الاعتبار لآراء الغزالي الإشراقية مع ربطها بالنصوص الشرعية، وغيرها من البحوث والدراسات.

وقد حاولت أن ألتزم في هذا البحث بالمنهج التحليلي التركيبي،حيث جمعت آراء الغزالي المتعلقة بموضوع الإصلاح الاجتماعي، ثم رددتها إلى عناصرها الأساسية، مع موازنتها بآراء غيره من المصلحين عند الضرورة، ثم التعقيب عليها بعد ذلك.

وقد جاءت الرسالة في أربعة فصول بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

ففي الفصل الأول درست عصر الغزالي وحياته باعتبارهما مدخلا أساسيا لفهم آرائه ومواقفه، وقد ركزت على ما يتعلق منها بالجوانب الاجتماعية.

وفي الفصل الثاني بينت تصور الغزالي العام لمفهوم الإصلاح الاجتماعي محاولا استنباط تعريف جامع لأركانه، ومن خلاله تناولت ضوابط الإصلاح الاجتماعي الشرعية حسب اجتهادات الغزالي واختياراته الفقهية.

وفي الفصل الثالث تناولت الأصوال التي اعتمد عليها منهج الغزالي في الإصلاح الاجتماعي، وهي القرآن والسنة والتصوف والعقل والثقافات الأجنبية.فقد اهتم الكثير ببيان مصادر فكر الغزالي، وكان تصنيفهم له باعتبارها، فلذلك حاولت أن أبين استمداد الغزالي من كل تلك المصادر، وأنه لا تنافر بينها، وأن الإصلاح الشامل يستدعي الجمع بينها.

وفي الفصل الرابع عرضت أسس بيناء المجتمع عند الغزالي باعتبارها الميدان الأول لعمل المصلح الاجتماعي، وقد بينت أنها تنطلق من الفرد فتربيته على الإيمان، وتؤديه بالعلوم والمعارف، وتزكية بالتربية الروحية العالية، ثم تربط بينه وبين أفراد المجتمع بالأخوة الإيمانية، ومايصدر عنها من سلوكيات إجتماعية.

وقد رجعت لإنجاز البحث إلى حملة من المصادر والمراجع منها:

أولاـ المصادر: وهي معظم كتب الغزالي ورسائله وخاصة:

1 ـ إحياء علوم الدين وهو أهم كتبه وأجمعها لآرائه وخاصة ما يتعلق منها بالإصلاح الاجتماعي، فلذلك جعلناه مصدرنا الأساسي.

2 ـ المنقذ من الضلال، وفيه التأريخ لفكر الغزالي وتطوره وبيان موقفه من بعض القضايا المتعلقة بالإصلاح الاجتماعي.

3 ـ جواهر القرآن، وفيه بيان مواقفه من طريقة التعامل مع المصادر الشرعية.

4 ـ المستصفى من علم الأصول، وهو إن كان كاتبا في أصول الفقه إلا أنه يؤصل كثيرا من آرائه الفقهية

وغيرها من كتب الغزالي الكثيرة، أما بعض كتبه المشكوك في نسبتها إليه كـ(مشكاة الأنوار) و(الرسالة اللدنية) و(روضة الطالبين) و(منهاج العابدين) و(معارج القدس) وغيرها فقد استندت إليها واقتبست منها ما رأيته متناسبا مع تفكير الغزالي العام، والمصرح به في كتبه الصحيحة، وخاصة (إحياء علوم الدين) ومع ذلك فإن هناك من يرجح صحة نسبة الكثير من تلك الكتب إليه بأدلة لا يمكن رفضها، ومنهم عبد الرحمن بدوي، وأبو العلا العفيفي، وسليمان دنيا وغيرهم، وكلهم باحثون مختصون في دراسة الغزالي.

ثانيا ـ المراجع: وهي الكتب التي رجعت إليها للتأريخ، أو التعريف، أو الموازنة، كالكتب التاريخية والإجتماعية والتربوية والفلسفية بالإضافة للموسوعات والقواميس والدراسات المتعلقة بالغزالي.

والحمد لله رب العالمين.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *