المقدمة

المقدمة

كما أن الشرع الحكيم بين لنا السبل والوسائل والأساليب التي نمارس بواسطتها التربية بأفضل ما يمكن وأجداه، كما عرفنا ذلك في الجزء السابق من هذه السلسلة، فإنه في الركن التالي للتربية، وأهم أسسها، وهو (أبعاد التربية) لم يتركنا ـ كذلك ـ لأنفسنا، لنعجن طينة فلذات أكبادنا بما تتطلبه أهواؤنا المتباينة، بل وضع لنا ملامح الشخصية السوية المتكاملة التي تمثل الإنسان في أرقى درجات كماله الممكنة، وأمرنا أن نبني من خلالها أنفسنا، ومن ولينا أمره من أهلنا.

ولذلك لم يكن البحث في هذه الأبعاد فضولا من القول أو حشوا من الكلام، بل هو من صميم الدين، وهو في الدين من صميم الفقه، لأن الفقيه ـ كما ذكرنا في الأجزاء السابقة ـ هو من يبحث عن تنفيذ الأوامر الإلهية وفق مقاصدها الحكيمة، لا الذي ينتظر ما أحدثه الناس ليحكم فيه صحة أو بطلانا، أو إباحة أو تحريما.

وقد رأينا من خلال استقراء النصوص، ومن خلال ما نتصوره من مواصفات الشخصية المتكاملة: أن هناك خمسة أبعاد، من استكملها كملت شخصيته، وصار متحققا بمراد الله من وجوده، وهذه الأبعاد الخمسة هي:

البعد الإيماني: وهو المعارف الإيمانية العميقة التي تشكل قناعات المؤمن العقلية والروحية، والتي تبرمجه بعد ذلك ليسير في الحياة وفق ما تمليه حقيقة الكون والإنسان والحياة.

البعد الروحي: وهو ما ينتجه البعد الإيماني من آثار في روح المؤمن ليصلها بالله عبودية وخشوعا وإذعانا وترق في مقامات السلوك إلى الله.

البعد الأخلاقي: وهو تهذيب النفس وفق الآداب الشرعية، وكسوتها بكسوة الإنسانية التي ترفع عنها ما تتطلبه طبيعتها من سلوكات قد تخرجها عن الكمال الإنساني إلى البهيمية.

البعد الاجتماعي: وهو الارتباط الصحي بالمجتمع، فيتأدب معه وفق ما تتطلبه العلاقات الاجتماعية من آداب، ويكون عضوا إيجابيا فيه.

البعد المعرفي: وهو التزود بكل العلوم والمعارف التي أتاحها الله للإنسان، ليتعرف من خلالها على أسرار حقيقته وحقيقة الكون، وليسهل ما تتطلبه حياته من مرافق.

وبهذه الأبعاد الخمسة يبنى الإنسان، كما أنه بالأركان الخمسة يبنى الإسلام([1])، وهذه الأبعاد اقتباس من تلك الأركان:

فالشهادتان بما تحملانه من معارف عميقة تشيران إلى البعد الإيماني.

والصلاة بما تحمله من صلة بالله تشير إلى البعد الروحي.

والصيام بما يحمله من تهذيب للطبيعة الإنسانية يشير إلى البعد الأخلاقي.

والزكاة بما تحمله من تكافل اجتماعي وإحساس بآلام الآخرين تشير إلى البعد الاجتماعي.

والحج بما يحمله من سياحة في الأرض، وتعرف على أرض الله وخلق الله يشير إلىالبعد المعرفي.

وقد حاولنا في هذا الجزء الذي طال ـ رغما عنا ـ أن نبحث عن الطرق العملية في تحصيل كل ما يحتاج إليه من هذه الأبعاد، وقد رجعنا في ذلك إلى المصادر المختلفة من القرآن الكريم الذي هو الأصل، والسنة المطهرة([2])، وإلى كلام العلماء والمختصين فيما يتطلبه كل محل من معارف.

ونحب أن نبين ـ هنا ـ إلى أنا في كثير من الأحيان قد نهتم بذكر الأمثلة والنماذج، وقد نطيل فيها إذا اقتضى الأمر ذلك، وذلك لأن المربي قد يحتاج هذا النوع من النماذج.

وسبب ذلك هو أن الكلام النظري الإجمالي وحده قد يساء فهمه، وقد يصعب تطبيقه، فلذلك نذكر ما يوضح إجماله، ويفسر غموضه، كما نذكر من الأدلة ما نرى أنه يوصل إلى برد اليقين، ولو طالت، لأن العبرة بالنتيجة، لا بالوسيلة.

وكمثال على ذلك ما ذكرنا في المبحث الأول من البعد الإيماني، فقد فصلنا الكلام في (ضرورة البعد الإيماني) ودوره في تكوين الشخصية، وذلك لأن هناك قناعة منشرة باعتبار هذا البعد أمرا ثانويا، أو لا علاقة له بالشخصية السوية، فلذلك أطلنا الكلام فيه، لإقناع المربي بضرورته وأهميته.

وقد حاولنا أن نبحث عن الأدلة النصية لكل ما نذكره من أحكام، ولو من باب الإشارة، فلذلك اعتبرنا موعظة لقمان u أصلا رجعنا إليه في كل محل، باعتبارها لم تذكر في القرآن الكريم حكاية أو مجرد قضايا، تنوع طرحها فيه، وإنما باعتبارها مقصودة بحد ذاتها في تشكيل شخصية الأولاد وتربيتهم.


([1]) نحب أن بين أن كون هذه الخمسة هي أركان الإسلام من المتفق عليه بين المسلمين جميعا، خلافا لمن يزعم أن الشيعة يخالفون المسلمين في ذلك، ففي (وسائل الشيعة 1: 27 حديث(33) أبواب مقدّمة العبادات، أمالي الطوسي: 518 المجلس(10) حديث(1134): عن الرضا، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (بني الإسلام على خمس خصال: على الشهادتين والقرينتين)، قيل له: أمّا الشهادتان فقد عرفناهما فما القرينتان؟ قال: (الصلاة، والزكاة، فإنّه لا تقبل إحداهما إلاّ بالأُخرى، والصيام، وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً، وختم ذلك بالولاية)

وفي (وسائل الشيعة:1: 19 حديث(15) أبواب مقدّمة العبادات، الكافي 2: 31 كتاب الإيمان والكفر): عن أبي جعفر في حديث، قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلى الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصيام شهر رمضان)

أما اعتبار الولاية من الأركان، فالولاية عندهم تعني الحاكمية، وقد تدخل في مضمون الشهادتين، لأن من مضامينها حاكمية الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ولاه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

([2]) تساهلنا في هذا الجزء في تخريج الأحاديث، فاكتفينا بالرجوع إلى تخريجات العلماء، وخاصة ( كنز العمال )، و(الجامع الصغير ) دون أن نرجع إلى المصادر الأصلية.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *