المقدمة

المقدمة

إن الشرع الحكيم، مع حرصه على استقرار الحياة الزوجية وتوفير كل السبل الكفيلة بتحقيق ذلك، كما رأينا في الأجزاء السابقة، إلا أنه ـ مع ذلك، ومراعاة للواقع، ودرءا للمفاسد التي قد تنتج عن استمرار هذه الحياة الزوجية ـ شرع الأحكام التي تنهي العلاقة الزوجية، وضبطها بضوابط دقيقة حتى يقلل من آثار التفريق وأسبابه ما أمكن.

والبحث المقاصدي في هذه الناحية يطرد مع مقاصد الشرع في الناحيتين السابقتين، وهو الحرص على استمرار الحياة الزوجية واستقرارها، فلذلك كان أكثر عملنا في هذا الجزء هو البحث عن القيود التي تحد من عملية التفريق، وتجعلها محصورة في الرغبة الأكيدة من الزوج أو من الزوجة في التفريق مع إتاحة فرص الرجعة بعد ذلك ما أمكن.

وقد لجأنا لهذا ـ مثلما فعلنا سابقا ـ لتراثنا الإسلامي بمذاهبه المختلفة، زيادة على اللجوء لمصادر الدين الأصلية من الكتاب والسنة، وكانت أكثر آرؤانا الترجيحية في هذا الباب تميل إلى تضييق أبواب التفريق إلا في الحدود التي نراها تدل دلالة كافية على توفر حقيقة قصد التفريق من الزوجين.

وقد قسمنا الحديث في هذا الجزء إلى أربعة أقسام:

الأول: ويبحث في حق كلا الزوجين في إيقاع الطلاق، تناولنا فيه بالتفصيل الضوابط الشرعية التي تحفظ هذا الحق لكلا الزوجين، وفي نفس الوقت تحمي من استعماله في غير ما قصده الشرع من مقاصد، وقد قدمنا له بفصل تمهيدي مهم جعلناه مقدمة لسائر الأقسام.

الثاني: وقد خصصناه للتفريق الذي جعله الشارع لولي الأمر، حماية للزوجة من تعسف الزوج، أو تعضيدا لما جعل لها من حق في حل عصمة الزوجية، وقد خصصناه بقسم خاص بناء على اختلاف أحكامه عن سائر انواع التفريق.

الثالث: وقد خصصناهللصيغ التي يتم بها التطليق، وهي الركن الثالث من أركان الطلاق، بل اعتبرها بعضهم الركن الوحيد في الطلاق لأهميتها، وقد تحدثنا فيه عن التعابير التي يمكن استعمالها للتطليق من اللفظ والكتابة والإشارة وغيرها، ثم صيغ التعابير اللفظية، باعتبارها هي الأصل في الاستعمالات العادية للطلاق، ثم تحدثنا عن تقييد صيغ الطلاق بمختلف التقييدات من الشرط والاستثناء والعدد ونحوها.

وبالإضافة إلى ذلك تحدثنا عن الصيغ المشابهة للطلاق مع أنه لا يقع بها، بل لها أحكامها الخاصة، كالظهار والإيلاء.

الرابع: وقد خصصناه للآثار الناتجة عن الفرقة الزوجية، فتناولنا في الحديث عن أحكام العدة، وعن الضوابط الشرعية للرجعة، مع بيان الحلول التي وضعها الشارع لإعادة الحياة الزوجية إلى مسارها الأصلي، وذلك إما بالرجعة في العدة، أو الرجعة بعد انتهائها، ثم تحدثنا عن المتعة، باعتبارها من الحقوق المالية التي تنتج عن الطلاق.

وبذلك شملت هذه الأقسام الأربعة الحديث عن كل أنواع الفرقة الزوجية وضوابطها مع محاولة طرحها بالأسلوب الدقيق المبسط، والحمد لله أولا وآخرا.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *