المقدمة

مقدمة السلسلة

تتعرض الأسرة المسلمة اليوم إلى حرب معلنة صريحة تريد أن تجتثها من أصولها لتبني على أساسها نمط الأسرة الغربية بفكرها وسلوكها وقيمها.

ويتبنى هذه الحرب علانية أو إسرارا أكثر المنظمات العالمية ذات الطابع الاجتماعي، بل حتى ذات الطابع السياسي، ويوشك لو استمر الأمر على هذه الحال أن تفرض قوانين الأحوال الشخصية كما تفرض غيرها من القوانين.

وقد ساعد على هذه المواجهة الخارجية عاملان داخليان أمداها بما يكفي لتحقيق أهدافها.

يتمثل أولهما في دعاة التغريب وتحرير المرأة وفك الأسرة الذين يلتمسون مختلف الأساليب، ويتذرعون بأوهى الحيل، ويتلبسون بمختلف الأسماء ليستبدلوا ببنيان الأسرة الذي وضعه الشرع ببنيان اختلقوه من أهوائهم، وأسسوه على طبائعهم، ومزجوه بشهواتهم.

أما العامل الثاني، وهو أخطر العاملين، فيتمثل في الفقهاء المتزمتين الذين يبحثون عن علاج هذه الواقعة أو تحدي هذه المواجهة بما عولجت به وقائع القرون السالفة، فينصرون من حيث لا يعلمون حزب العامل الأول، ويمدون معه التمرد على الأحكام الشرعية أو الاحتيال عليها.

وهذا الواقع والمواقف حوله تستدعي البحث عن البديل الشرعي الذي يجمع بين مقتضيات الواقع وأحكام الشرع، الواقع الذي أراده الإسلام لا الذي يريد فرضه المنحلون، والشرع الذي يشمل الشريعة جميعا بمصادرها المختلفة، لا الذي يتزمت لرأي أو يتعصب لقول، ويحجر على غيره اختيار غيره.

وقد اختلفت المدارس الفقهية في البحث عن هذا البديل الشرعي، ولعل أكبر مدرستين تنتشران الآن في العالم الإسلامي، من كليهما تصدر الفتوى فيما يتعلق بهذا الجانب، كما تصدر الفتاوى في غيره:

المدرسة المذهبية: وهي التي تختار مذهبا واحدا ترجح الآراء على أساسه، كائنا ما كان ذلك الرأي، وترجع عادة إلى كتب المتأخرين من الفقهاء تعتمدها كما تعتمد النصوص القرآنية والنبوية، بل قد تقدمها عليها في بعض الأحيان.

المدرسة اللامذهبية: وتتمثل في التيار الذي يريد طرح كل الاجتهادات الفقهية، والاستعاضة عنها بما ورد في النصوص، وقد تفهم تلك النصوص فهما حرفيا يبعدها عن الواقع بقدر سوء فهمها وبقدر سوء تحميلها لما لا تحتمله.

ومن بين هاتين المدرستين نجد مدرسة تجمع بين كلتا المدرستين من ناحية المصادر، وتضيف إليهما الاهتمام بالبعد الواقعي والمصلحي للأحكام الشرعية، وقد تمثلت في علماء من مختلف المذاهب، وفي العصور المختلفة للتشريع الإسلامي، قد يصطلح على تسميتها بالمدرسة المقاصدية.

ولا نريد بها من شذ عن العلماء والمذاهب الفقهية والنصوص الشرعية وادعى الاجتهاد من غير استكمال أدواته، فخرق الإجماع باجتهاده، ولوى أعناق النصوص، واتهم الفقهاء، التفاتا لمقاصد لم يردها الشرع، وإنما فرضتها الأهواء ودعا لها الانسياق وراء المذاهب والتيارات المختلفة.

وإنما نريد بهذه المدرسة: من تراعي في آرائها النصوص الأصلية لهذا الدين، وتعتبرها الأساس الذي تنبني عليه المصالح والمفاسد، وتراعي في نفس الوقت اجتهادات العلماء والمذاهب الفقهية وتحترمها، بل تراها خزانها الذي تستمد منه الآراء التي تخدم بها المقاصد الشرعية.

فهي نصية من حيث اعتماد الأدلة النصية، ومذهبية من حيث الرجوع للمذاهب المختلفة، بل مذاهبية، لأنها لا تنصر مذهبا على مذهب ولا تتعصب لمذهب دون مذهب، بل ترى الجمع بينها جميعا ولو في المسألة الواحدة إذا اقتضى الحال ذلك، لأن الفقهاء اختلفت أقوالهم ومذاهبهم بحسب حاجات المجتمع، فلذلك من الحرج الشديد طرح أي رأي من الآراء أو رميه بالشذوذ أو التشنيع عليه بالبدعة لعدم انسجامه مع عقل من العقول أو طريقة من طرق التفكير.

فالمذاهب الفقهية جميعا مهما اختلفت مصادرها، والآراء الفقهية جميعا مهما اختلف القائلون بها تشكل الشريعة الإسلامية، فلا ينفرد بالشريعة رأي دون رأي ولا مذهب دون مذهب، وما يرجح من هذا المذهب هنا لهذه الحالة، قد يرجح غيره في مسألة أخرى لحالة أخرى.

انطلاقا من هذه الرؤية حاولنا في هذه السلسلة من (فقه الأسرة)أن نجمع ما أمكن من المسائل المتعلقة بفقه الأسرة في نواحيها المختلفة:

  1. ناحية تأسيس الحياة الزوجية بمقدماتها وأركانها وموانعها والضوابط التي تحمي هذا التأسيس من عبث العابثين.
  2. ناحية الحياة الزوجية، وما تتطلبه من حقوق وواجبات على كلا الزوجين، ثم كيفية حماية الحياة الزوجية من أسباب الخلاف وآثاره.
  3. ناحية حل العصمة الزوجية بأنواعها المختلفة وبضوابطها الشرعية.
  4. ناحية ثمرة الزواج والمقصد الأكبر من مقاصده، وهم الأولاد ببيان حقوقهم والضوابط الشرعية التي تحميها وتنفذها التنفيذ الصحيح وفق مقاصد الشرع.

لنجيب بذلك عن أهم التساؤلات المطروحة حول النظرة الإسلامية المفصلة للأسرة، أو الأسس الشرعية التي تقوم عليها علاقة الزوجية في الأسرة المسلمة، والحقوق المترتبة على هذه العلاقة، والضوابط الشرعية لإنهاء هذه العلاقة، والحقوق المتعلقة بالأولاد، باعتبارهم ركنا أساسيا من أركان الأسرة.

وقد حاولنا للإجابة عن هذه التساؤلات أن نذكر الأقوال المختلفة بأدلتها المفصلة، لعلمنا أن الشريعة تتكون من هذه الأقوال جميعا، وقد وجدنا من خلال البحث في المصادر المختلفة للعلماء المتقدمين الإجابات الوافية عن الأسئلة المعاصرة بدقة وموضوعية ومقاصدية، بل وجدنا فيها الحلول للكثير من القضايا التي يتصور البعض تقصير التشريع الإسلامي في شأنها.

وقد عنونا البحوث المرتبطة بهذا الجانب بـ (فقه الأسرة برؤية مقاصدية)، ولا بأس أن نشرح هنا مرادنا من هذا العنوان لدلالته على ما نريده من هذه السلسلة:

أما كلمة الفقه فنريد بها المسائل العملية المتعلقة بالأسرة، فلذلك لم نتحدث عن الجوانب النظرية أو الفلسفية المحضة إلا ما كان له علاقة بالجانب العملي.

وقد اخترنا اصطلاح الأسرة بدل اصطلاح الأحوال الشخصية، للدلالة المقاصدية لمصطلح الأسرة، والذي يعني أن هذه الأحكام لا تتعلق بحالة شخصية قد يتصرف فيها من تعلقت به كما يملي عليه هواه الشخصي، وإنما تتعلق بمجموعة وتركيبة تستدعي مراعاة كل جزء فيها للأجزاء الأخرى.

أما الرؤية المقاصدية، فنريد بها الإشارة إلى أن ما سنذكره في هذا البحث من ترجيحات أو طرق تصنيف مجرد رؤى حاولنا فيها أن نراعي المقاصد الشرعية كما فهمناها، وهي بالتالي وجهات نظر نعرضها للمناقشة والبحث، ونحن مستعدون في أي لحظة للتنازل عن أي شيء منها إن تبين لنا الحق في خلافه، ولذلك ميزنا ما أوردناه من آراء عما ذكره الفقهاء بقولنا (نرى)

وقد دفعنا لكتابة هذه السلسلة الدوافع التالية:

1. الحاجة الواقعية الملحة للإجابة عن كثير من التساؤلات في هذا الجانب، والتي يتولى الإفتاء فيها في أحيان كثيرة من لا يحسن النظر في المقاصد الشرعية، فيفتي بناء على رأي من الآراء لو عاش صاحبه لتركه أو لأفتى بغيره، أو بناء على نص قد لا يصح ثبوتا، أو قد يساء فهمه دلالة، وهذا ما دعانا إلى البحث عن أكثر ما نجده من مسائل، وتصنيفها بطريقة هي أقرب إلى الفتوى منها إلى الموضوع الفقهي العادي.

2. الحاجة إلى معرفة الأقوال المختلفة في المسائل الشرعية، سواء كانت هذه الأقوال داخل المذاهب الفقهية المشهورة أو خارجها، لأن الإفتاء بقول واحد، أو الاقتصار على رأي واحد قد يوهم الإجماع في المسألة، وقد يضيق بذلك ما وسع الله، فقد يصلح لزيد من الأقوال ما لا يصلح لعمرو.

فلذلك كان تكليف الخلق بقول واحد فيما أراد الشرع وجود الخلاف فيه متنافيا مع المقاصد الشرعية،والتي على أساسها فرق بين قطعي النصوص وظنيها، والزعم بأن هذا القول هو الأرجح، وأن غيره ضعيف أو شاذ نوع من احتكار أحكام الله التي لم يختص بها فقيه دون فقيه، وسنرى في هذه السلسلة كيف شنع بعض العلماء على آخرين لقولهم بأن أقصى مدة الحمل تسعة أشهر، ورماهم بأنواع الشذوذ المقاربة للكفر لهذا القول مع كونه هو الأرجح الذي قطع بصحته العلم كما قطع بصحته قبله الكتاب والسنة.

3. الحاجة إلى ذكر الأدلة بتفاصيلها وفروعها المختلفة، ولو اقتضى الأمر الإطناب في ذلك، لأن كثيرا من الآراء ترد وتعتبر خارجة من الشريعة مع قيمتها الواقعية، فإذا ما سئل عن سبب ذلك قيل: ليس معهم دليل، أو رأيهم مرجوح، ولسنا ندري كيف يمكن أن يوجد قول فقهي لإمام مجتهد دون أن يكون له دليله الذي يستند إليه، فلذلك تقتضي الموضوعية العلمية التي حثنا الشرع على اتباعها أن نبحث عن الأدلة من مصادرها المختلفة، ثم بعد ذلك لا بأس أن نتوجه لها بالنقد والتمحيص، أما نقدها من غير ذكرها، فهو نوع من المصادرة على المطلوب.

وقد راعينا في هذه السلسلة مجموعة مناهج وطرق بحسب الموضوع الذي يراد بحثه، وسنلخص هنا عملنا فيه ليسهل التعامل معه:

تصنيف المسائل الفقهية: وذلك بحسب موضوعاتها، وقد حاولنا في هذه السلسلة أن نطرق كل ما تمس إليه الحاجة من مواضيع الباب دون أن نستثني منها الدقيق أو الجليل.

وقد استبعدنا الكلام عن كثير من المسائل الفقهية التي لا ترتبط بواقعنا كالمسائل المتعلقة بالإماء والعبيد، وإذا ذكرناها فإنما نذكرها لبعض ما نرى الحاجة إليه، أو للتعرف على أدلتها التي نستفيد منها في المواضيع التي لها صلة بالواقع.

والواقع الذي نقصده هنا هو واقع المجتمعات الإسلامية جميعا، فلم نستثن منها مجتمعا دون مجتمع، فهناك المجتمعات المحافظة المتشددة، وهناك المجتمعات المتساهلة البعيدة عن كثير من الأحكام الشرعية، فلذلك من الخطأ أن نحكم على بعض ما سنذكره بأنه بعيد عن الواقع، أو ليست له صلة واقعية بحجة عدم تناسبه مع واقع معين.

حصر الأقوال الفقهية في المسائل المختلفة: وقد حاولنا لضرورة هذا الحصر سواء للأقوال أو للأدلة المتعلقة بها أن نتبنى بعض الاصطلاحات التصنيفية التي نوضحها فيما يلي:

1. ذكرنا الاتجاه العام للفقهاء في المسألة معبرين عنه بصيغة [القول] وعادة ما يكون في المسائل اتجاهان، اتجاه مثبت واتجاه ناف، فيعبر عنهما بالقول الأول والقول الثاني.

ولا يخالف هذا ما قد يذكره الفقهاء من أن في المسألة أقوالا كثيرة، لأن الاصطلاح الذي أردناه بالقول ليس مجرد الخلاف، وإنما الاتجاه العام الذي ينطلق منه الخلاف.

2.تحليل التفريعات المختلفة لكل قول معبرين عن ذلك بالآراء، مع اتفاق هذين المصطلحين في الدلالة على الخلاف عند كل الفقهاء، وإنما دعانا إلى هذا: الضرورة التصنيفية، فالآراء المختلفة والمتفرعة عن قول واحد لها دليل واحد في اتجاهها العام، وإن كانت تختلف عنه في التفاصيل، ولو ذكرنا لكل قول أدلته لأدى ذلك إلى التكرار.

والغرض من هذه الطريقة في ذكر الخلاف هو أنها أسهل في التعرف على الآراء من ذكر المذاهب الفقهية، لأن من يبحث مثلا عن الخلاف الفقهي في شرط من الشروط كما تذكره كثير من الكتب الناقلة للخلاف الفقهي يصعب عليه ذلك في أكثر المسائل بحيث يتطلب ذلك منه الاطلاع على آراء كل مذهب في الشروط جميعا ليتوصل بعدها وبعد الموازنة لما يريده.

زيادة على أن تلك الطريقة تحول دون التعرف على الخلاف الفقهي غير المشتهر، والذي أوليناه أهمية كبرى في هذه السلسلة.

وقد حاولنا أن نسلك هذا في أكثر ما نطرحه من مسائل الخلاف، ولكنا مع ذلك قد نذكر أحيانا آراء المذاهب الفقهية المنتشرة في العالم الإسلامي فيما يصعب حصر الخلاف فيه، أو بغية الاطلاع على وجهات النظر العامة للمذاهب الفقهية، أو كمقدمة لذكر الفروع المختلف فيها.

3. ذكر الأدلة المختلفة لكل قول، وقد حاولنا استيعاب أكبر قدر من الأدلة في ذلك، وحرصا على أمانة النقل، ذكرنا الأدلة كما وردت في مصادرها مع بعض التصرف في الأسلوب لتسهيل ما نراه معقدا من العبارات.

4. ترتيب الأدلة، وقد حاولنا تصنيف الأدلة في وحدات مرتبة بحسب المصادر الشرعية، فبدأنا بالأدلة القرآنية، ثم بالأحادبث النبوية الشريفة، ثم بالآثار المنقولة عن السلف وغيرهم، ثم بالأدلة العقلية مع التركيز على الأدلة المقاصدية من اعتبار المصالح وسد الذرائع وغيرها.

والغرض من هذا التقسيم للأدلة هو سهولة الاطلاع على كل دليل ومناقشته بخلاف ما لو سيق جملة واحدة، فقد يخفي بعض الدليل بعضه الآخر.

الترجيح: وقد ختمنا كل خلاف فقهي بذكر ما نراه من ترجيح، وقد اعتمدنا مناهج مختلفة في الترجيح، فقد نختار قولا من الأقوال في المسألة، فتكون أدلة ترجيحنا هي أدلة القول المرجح، وقد نجمع بين قولين لرؤيتنا عدم التعارض بينهما، أو لتكافئ الأدلة بحيث يصعب الانتصار لقول دون قول، وقد نرى رأيا غير ما ذكرنا من الأقوال، وذلك لعدم الإجماع في المسألة، ونطرحه في هذه الحالة عادة كرأي نراه لا كترجيح نعتمده.

ونحاول في أكثر الترجيحات أن ندعم ما نراه من آراء بنصوص لعلماء ذهبوا لنفس الترجيح أو قريب منه، تأييدا لما ذكرنا من الرأي، أو بيانا لاحتمال الخلاف فيه.

ونحب أن ننبه هنا إلى أن هذه الترجيحات قد تنطلق من وجهة نظر معينة في مسألة من المسائل لتسري بعدها لكل الرؤى الترجيحية بعدها.

وقد ناقشنا في بعض الترجيحات أصول الأدلة التي يعتمد عليها أصحاب الأقوال في ما ذهبوا إليه، وفي حال اعتمادهم على النصوص الحديثية تكون مناقشتنا للأدلة في الهامش الذي خصص لمعرفة درجة الحديث، فنذكر ما قال فيه العلماء تصحيحا أو تضعيفا.

التوثيق: وهو أهم عملية في المنهج الذي حاولنا سلوكه في هذه السلسلة، وسنذكر هنا منهجنا في التوثيق بحسب المعلومة أو النص المراد توثيقه:

القرآن الكريم: وقد ذكرنا تخريج الآيات بجانب كل آية مع شكل الآية، ولم نتوخ الرسم العثماني من باب التيسير على من ليست له معرفة بهذا الرسم.

السنة المطهرة: وقد ذكرنا تخريج الأحاديث في الهامش، وذلك بذكر المصادر التي توجد فيها الأحاديث باختلاف درجاتها، فلهذا قد أذكر البخاري مع ابن أبي الدنيا، لأن الغاية هي بيان مصادر الروايات المختلفة للحديث، فالحديث قد يكون صحيحا في أصله، ولكن الاستدلال يتوجه للروايات الضعيفة فيه، فلذلك حاولنا ذكر أكثر مصادر الحديث الواحد للرجوع إليها في رواياته المختلفة خاصة إن كان الحديث مما له علاقة بأحكام المسألة.

أما إن لم يكن له علاقة كبرى بأحكام المسائل، فنكتفي فيه بعزوه إلى من خرجه انطلاقا مما أوردته المصادر المهتمة بالتخريج.

وقد ذكرنا في الأحاديث التي تتعلق بها الأحكام أقوال المحققين من متأخري المحدثين كابن حجر والزيلعي والمناوي وابن الجوزي والشوكاني وابن القيم وابن تيمية وغيرهم ممن كتبوا في تخريج الأحاديث الفقهية أو توجهوا إليها بالنقد.

المذاهب الفقهية: وقد رجعنا إلى المصادر المختلفة لهذه المذاهب سواء كانت من كتب المتقدمين، أي أصول المذاهب، أو من كتب المتأخرين من المتون والشروح والحواشي.

وقد ذكرنا المصادر المعتمدة في كل فقرة في الهامش دون كثرة اللجوء للهامش للتوثيق خشة الإطالة، لأن المصادر المذكورة تفي بالغرض، ولأن الكلام في أحيان كثيرة يكون ملخصا من المصادر المختلفة المذكورة في بداية الفقرة.

الأدلة الفقهية: ومرجعنا فيها عادة كتب التفسير والحديث والفقه المقارن والكتب الموسعة للمذاهب الفقهية، وقد ذكرنا توثيقها إما عند ذكر الاستدلال أو ضمن كل استدلال، أو عند ذكر الآراء الفقهية.

***

ويمكن تصنيف المراجع التي اعتمدت عليها في هذه السلسلة إلى نوعين من المراجع:

مراجع المذاهب والآراء الفقهية: ويمكن تقسيمها إلى نوعين:

مراجع الفقه المقارن: وهي التي أرجع إليها عادة في البحث عن الخلاف الواقع في كل مسألة، وأهمها المغني لابن قدامة، فقد رأيت أنه المرجع المعتمد عند كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين، ومنها المحلى لابن حزم فقد ذكر فيه كثيرا من الأقوال المخالفة لقوله، ومنها المصنفات الخاصة بفقه السلف كمصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق، بالإضافة إلى كتب التفسير وشروح الحديث التي اهتمت بالمقارنة بين المذاهب الفقهية وخاصة التمهيد لابن عبد البر وفتح الباري لابن حجر.

ومع ذلك لا أكتفي في أكثر الأحوال بهذه المراجع، بل أرجع لكتب المذاهب للتأكد من صحة ما ذكر في هذه المراجع، وأحيانا أشير إلى مخالفتها لما ذكره أصحاب المذاهب.

مراجع الآراء الفقهية المختلفة: وهي كتب المذاهب الفقهية، سواء كانت أصولا أم متونا وشروحا وحواش، وأرجع إليها عادة للتأكد مما ذكره من كتبوا في الخلاف في المسألة، زيادة على ذكر الفروع المتعلقة بالمسائل.

مراجع الأدلة: وهي زيادة على ما ذكر سابقا:

كتب التفسير المهتمة بفقه الأحكام الشرعية كالقرطبي والجصاص، أو غيرها كابن كثير والألوسي وبعض تفاسير الإمامية المعاصرين.

كتب الحديث من الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها من الكتب التي اشتملت على سرد الأحاديث النبوية وبيان درجاتها.

شروح الحديث باختلاف أنواعها وخاصة نيل الأوطار وسبل السلام وشرح النووي على مسلم وشرح معاني الآثار وغيرها.

الكتب والرسائل الفقهية المتخصصة كأحكام أهل الذمة وطلاق الغضبان لابن القيم وأكثر كتبه وكتب ابن تيمية.

***

ومن الصعوبات التي صادفتها في هذه السلسلة المنهج المقارن الذي حاولت تبنيه في أكثر المسائل المطروحة، بحيث يصعب في كثير من الأحيان تمييز الأقوال مع التوثيق للقائلين بها.

ومن الصعوبات الكبرى كذلك أن الأدلة على بعض المسائل قد تعتمد على رأي أصحاب القول في المسائل الأخرى، والتي قد تتعارض مع المتفقين معهم في القول في تلك المسألة، ولذلك ذكرنا عند بيان الاستدلال في أكثر مواضعه عبارة (ومن الأدلة على ذلك) لبيان أن هذه الأدلة قد يتفق على الاستدلال بها أصحاب القول نفسه وقد يختلفون.

وهذا كله زيادة على الصعوبات المتعلقة بالتوثيق للأقوال، وذلك مما تطلب منا في بعض الأحيان ذكر نصوص أقوال أئمة المذاهب أو أقوال كبار الفقهاء أو حتى أقوال المتأخرين إما لضرورة توثيق ما تمس الحاجة إلى زيادة التأكيد في توثيقه أو لبيان وجه الاستدلال مما يصعب ذكره على الطريقة التي حاولنا تبنيها.

وأخيرا، فإن أصبت في بعض ما انتهجته في هذه االسلسلة، فإني أحمد الله عليه، فله وحده المنة والفضل، وإن أخطأت أو قصرت، فهو جهد الضعيف، وأنا شاكر لكل من نبهني لخطأ أو دلني على صواب، وأستغفر الله أولا وآخرا.

 مقدمة الكتاب

لا يمكن للبيت المسلم، والأسرة المسلمة أن تؤسس أساسا صحيحا إلا إذا صحت الأسس التي تقوم عليها تلك الأسرة، وأول تلك الأسس هي المقدمات التي يبدأ بها البيت المسلم وجهته لتحقيق عبوديته لله، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، وما صلح أوله حفظ آخره.

فلذلك كان أول ما ينبغي الاهتمام به هو البحث عن هذه المقدمات على ضوء ما أرادت الشريعة، وعلى ضوء ما يقصد الشرع في هذا من مقاصد.

وقد رأينا أن هذه المقدمات لا تعدو المقدمات الستة التالية:

  1.  حقيقة الزواج وحكمه
  2. المقاصد الشرعية من الزواج
  3. تشريعات الإسلام لحفظ كيان الأسرة
  4. الضوابط الشرعية لاختيار الزوجين
  5. أحكام الخطبة
  6. أحكام الزفاف

لأن من أراد الزواج يحتاج أولا إلى معرفة الحكم الشرعي المتعلق بحاله، حتى يقدم عليه انطلاقا من أمر الله لا من هواه، فيتعبد الله بزواجه.

ثم يحتاج إلى معرفة مقاصد الزواج ليراعيها، أو ليضبط نفسه على مراعاتها، حتى تنطلق حياتته الزوجية انطلاقة صحيحة.

ثم يحتاج إلى معرفة تشريعات الإسلام لحفظ كيان الأسرة حتى يطبقها في حياته الزوجية لتستمر وفق الرؤية الشرعية.

ثم يقدم على اختيار من يرغب في الزواج منها، أو تقدم على القبول بمن تقدم إليها، انطلاقا من الضوابط الشرعية التي تحفظ الحياة الزوجية، لا انطلاقا من الأهواء التي قد تنحرف بالمقاصد عن وجهتها الشرعية.

ثم تكون الخطبة والزفاف ـ وكلاهما من مقدمات الزواج الشرعية والواقعية ـ انطلاقا من الضوابط الشرعية لا الأعراف والتقاليد.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *