المقدمة

المقدمة

تحاول هذه الرسالة ـ بحدود الطاقة ـ التعريف بجوانب مهمة من حياة وشخصية الإمام علي باعتباره من الشخصيات التي حظيت بما لم يحظ بها غيرها من مناقب وفضائل في أحاديث كثيرة جدا اتفقت الأمة عليها، بل خصصت لها الكتب والرسائل من لدن فحول المحدثين المعتبرين لدى المدارس المختلفة.

وهي بذلك تحاول إثبات ما في تلك الأحاديث من دلائل صدق النبوة.. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ينطق عن الهوى، ولم يكن يجامل أحدا حينما كان يشيد بالإمام علي، ويذكر فضله، أو يدعو إلى توليه، أو يخبر أنه أخوه، أو أنه نفسه، أو أنه معه مثلما كان هارون من موسى، أو يعتبره دائرا مع الحق حيثما دار، أو أنه سلم لمن سالم، وحرب لمن حارب..

فكل هذه النصوص الواردة في كتب السنة، وغيرها كثير، وكثير منها متواتر ومنقول في التراث الحديثي للمدارس المختلفة.. لا ينبغي أن نمر عليها مرور الكرام، ولا يصح أن نؤولها، ونعتبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متكلفا أو مجاملا أحدا من الناس.

وإنما الفهم الصحيح لها هو الدعوة للبحث عن هذه الشخصية، وأخلاقها وآدابها، لأن الولاية والمحبة والنصرة ناتجة عن المعرفة.. فلا يمكن أن نحب ولا أن نوالي ولا أن ننصر، ولا أن نقتدي بمن لا نعرفه، وإنما نكتفي بسماع بعض الأحاديث عنه.

وبذلك فإن الهدف الأول من هذه الرسالة ليس هو شخص الإمام علي، وإنما الهدف هو إثبات صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما ذكره عنه.

فالإمام علي ـ بالإضافة إلى كونه من آل البيت ـ هو أكثر الصحابة ملازمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد ربي في حجره مذ كان صبيا صغيرا جدا.. وصحبه في الشعب.. وفي كل مكان كان فيه.. وكان أكثر الناس له ملازمة.. ولذلك فإنه يعتبر النموذج الأمثل للصحابة السابقين الصادقين، ويعتبر النموذج الأمثل للتربية النبوية في قمة قمم كمالها.

ولذلك فإن العقل يقتضي منا البحث عن هذا النموذج، والتعرف على سيرته وهديه، حتى نخرج علمنا من الإجمال إلى التفصيل، ومن التقليد إلى التحقيق، ومن المعرفة العاطفية المجردة إلى المعرفة العقلية المحققة.

بناء على هذا حاولنا في هذه الرسالة أن نعرض ـ باختصار شديد ـ عشرة جوانب في شخصية الإمام علي المتميزة، وهي:

المريد الصادق: ونريد من خلاله إثبات تلمذة الإمام علي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكاملة والخالصة، وإشادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به، وبصدقه، والأدلة الواقعية على ذلك.

الحاكم العادل: ونريد من خلاله إثبات الأسس الكبرى التي تقوم عليها العدالة عند الإمام علي، والتي تجلت في الفترة القصيرة التي ولي فيها الحكم، وأعطى فيها النموذج المثالي للخلافة على منهاج النبوة.

التقي الورع: ونريد من خلاله إثبات مفهوم التقوى عند الإمام علي، وصورة الشخصية المسلمة من كل جوانبها كما تصورها أحاديثه وخطبه، وكما تمثلها حياته وشخصيته.

العفيف الزاهد: ونريد من خلاله إثبات تلمذة الإمام علي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عفته وزهده، سواء في الجانب النظري الذي تحدث عنه في خطبه ورسائله، أو في جانبه العملي، كما عاشه.

الأواب العابد: ونريد من خلاله إثبات تلمذة الإمام علي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التعبد والخشوع والخضوع لله تعالى، وسنته في ذلك.

الولي العارف: ونريد من خلاله إثبات أنواع المعارف والحقائق التي عبر عنها الإمام علي، والتي تمثل الأساس الذي تقوم عليه المعرفة الصحيحة البعيدة عن الدجل والأسطورة.

العالم البصير: ونريد من خلاله إثبات صدق تلك الشهادات التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن علم الإمام علي، وبصيرته النافذة في المجالات المتعددة.

الواعظ الناصح: ونريد من خلاله بيان المكانة الكبيرة التي احتلها الإمام علي ومواعظه، وتأثيرها الكبير على الواقع الإسلام في عصره أو ما بعده من العصور.

الحكيم المعلم: ونريد من خلاله إثبات حكمة الإمام علي، وكيف صاغها في قوالب جميلة لقيت ولا تزال تلقى إعجاب الجميع حتى من غير المسلمين.

الإنسان الكامل: ونريد من خلاله إثبات كون الإمام علي نموذجا مثاليا للشخصية الممثلة للإسلام في أرقى جوانبه، والشهادات الدالة على ذلك.

وقد حاولنا أن نعبر عن هذه الحقائق بمثل ما ذكرناه في أول هذه السلسلة، وهو التعبير العاطفي الممزوج باللغة العلمية.. لأن الحديث عن هذا الإمام يمتزج فيه كلا الجانبين.

أما المصادر التي اعتمدناها عليها، فهي مصادر متنوعة، وأهمها ما وصل إلينا من تراث الإمام علي نفسه من خطبه ورسائله وغيرها.. والتي جمعها الشريف الرضي وغيره من المحققين.

ولا يعنينا من يشكك في أمثال هذه المصادر، لأنه لايعتمد منهجا علميا ولا أخلاقيا.. ذلك أنه يضع كل الحوائل التي تحول بين ذلك التراث العظيم الذي تركه الإمام علي، وبين استفادة الأمة منه.. فهو يضع شرطا مستحيلا لقبول أحاديثه، وهو أن يكون رواة أحاديث الإمام علي من أصحاب الفئة الباغية، أو ممن ساندها ورضي عنها، أو ممن سكت عنها، ولم ينكر عليها، لأن ما عدا هؤلاء يعتبرون شيعة عند هؤلاء المنكرين.. ولذلك يرفضون حديثهم وأسانيدهم ورواياتهم.

وهذه شروط لا تتسم بالعلمية، ذلك أنه من المستحيل أن يروي عن الشخص إلا من صحبه، وتأثر به، وعايشه.. أما البعيد عنه، أو الذي ينظر إليه نظرة سلبية، أو يخاف على نفسه من الاقتراب منه، فإنه يستحيل أن يسمع كلامه، فكيف بروايته.

ونحب أن ننبه إلى أن اعتبار نهج البلاغة أو غيره من المصادر التي حوت أحاديث الإمام علي من كتب الشيعة التي ينص التيار السلفي خصوصا على تكذيبها وحرمة الاقتراب منها، كذب محض، فالكثير من أعلم المدرسة السنية في القديم والحديث يقتبسون من هذه المصادر سواء كانوا من الصوفية، أو من المعتزلة أو من الأشاعرة أو غيرهم.

ومن أكبر الأدلة على ذلك أن أكبر شارح لنهج البلاغة وهو ابن أبي الحديد، وهو يتبنى مواقف المدرسة السنية من الصحابة.. ومن شراحها الشيخ صبحي الصالح، وهو من علماء الحديث المعاصرين.. من شراحها الشيخ محمد عبده.. وهو داعية التنوير المعروف.. ومنهم الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، وهو العالم الأزهري المعروف.

بل إن الشيخ محمد عبده أشاد بها كثيرا، واعتبرها من المصادر الضرورية للثقافة الإسلامية الراقية، فقال في مقدمة شرحه له، وبداية علاقته به: (عرفت (نهج البلاغة) في صدر الصبا.. وبقيت نغمات في الأذن، ثم أخذت أسمع بعد ذلك – كلَّما لمع خطيب على منابر السياسة – قول الناس تعليقا على بلاغة الخطيب: لقد قرأ (نهج البلاغة) وامتلأ بفصاحته وها أنا أعيد القراءة هذه الأيام فإذا البلاغة قد ازدادت في الأذنين حلاوة، وإذا العبارات كأنما أضافت طلاوة إلى طلاوة..)([1])

ثم قال بعد إطناب شديد في وصفه: (فقلب معي الصفحات الرائعة الأدبيّة من (نهج البلاغة) وقل لي: أين ينتهي الأديب ليبدأ الفيلسوف، وأين ينتهي الفيلسوف ليبدأ الفارس، ثم أين ينتهي هذا ليبدأ السياسي إنّه لا فواصل ولا فوارق، ففي هذه المختارات خطب ورسائل وأحكام، وحجاج وشواهد امتزج فيها الأدب بالحكمة، والحكمة بالأريحيّة وهاتان بما نسميه اليوم سياسة يسوس بها الحاكم شعبه، أو يداور بها المفاوض خصمه.. وإنّ النصوص ليطول بنا نقلها إلى القارئ ما طال (نهج البلاغة) فخير للقارئ أن يرجع اليه ليطالع نفسا قد اجتمع فيها ما يصور عصرها من حيث الركون في إدراك حقائق الأمور إلى سلامة السليقة، وحضور البديهة، وصدق البصيرة بغير حاجة إلى تحليلات العقل وتعليلاته، ولا إلى طريقة المناطقة في جمع الشواهد وترتيب الشواهد على المقدمات)

ومثله قال الاستاذ محمد محي الدين عبد الحميد في مقدمة شرحه: (أوفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب (نهج البلاغة) مصادفة بلا تعمل، فتصفحت بعض صفحاته، وتأملت جملا من عباراته، فكان يخيل لي في كل مقام أن حروبا شبت، وغارات شنت، وان للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة.. ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي – رحمه الله – من كلام سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، جمع متفرقة وسماه (نهج البلاغة) ولا أعلم اسما أليق بالدلالة على معناه منه، وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد مما دل عليه اسمه، ولا أن آتي بشيء في بيان مزيته فوق ما أتى به صاحب الإختيار)

وهكذا نجد أعلاما كبارا في المدرسة السنية يقبلون الكتاب، ويثنون عليه، بل يدعون إلى دراسته والاستفادة منه في كل الجوانب القيمية والأدبية.

ومنهم على سبيل المثال الشيخ محمود شكري الآلوسي الذي قال عنه: (نهج البلاغة، ذلك الكتاب الذي أقامه الله حجة واضحة على أن عليا كان أحسن مثال حي لنور القرآن وحكمته، وعلمه وهدايته، وإعجازه وفصاحته.. اجتمع لعلي في هذا الكتاب ما لم يجتمع لكبار الحكماء، وأفذاذ الفلاسفة، ونوابغ الربانيين، من آيات الحكمة السابغة، وقواعد السياسة المستقيمة، ومن كل موعظة باهرة، وحجة بالغة تشهد له بالفضل، وحسن الأثر.. خاض علي في هذا الكتاب لجة العلم، والسياسة والدين، فكان في كل هذه المسائل نابغة مبرزا، ولئن سألت عن مكان كتابه من الادب بعد أن عرفت مكانه من العلم، فليس في وسع الكاتب المترسل، والخطيب المصقع، والشاعر المفلق أن يبلغ الغاية من وصفه، أو النهاية من تقريظه. وحسبنا أن نقول: أنه الملتقى الفذ الذي التقى فيه جمال الحضارة، وجزالة البداوة، والمنزل المفرد الذي اختارته الحقيقة لنفسها منزلا تطمئن فيه، وتأوي اليه بعد أن زلت بها المنازل في كل لغة)([2])

ومنهم عباس محمود العقاد الذي قال عنه: (نهج البلاغة: هو ما اختاره الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو الكتاب الذي ضم بين دفتيه عيون البلاغة وفنونها، وتهيأت به للناظر فيه أسباب الفصاحة ودنا منه قطافها، إذ كان من كلام أفصح الخلق – بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم – منطقا، وأشدهم اقتدارا، وأبرعهم حجة، وأملكهم للغة يديرها كيف شاء الحكيم الذي تصدر الحكمة عن بيانه، والخطيب الذي يملأ القلب سحر بيانه، والعالم الذي تهيأ له من خلاط الرسول، وكتابة الوحي، والكفاح عن الدين بسيفه ولسانه منذ حداثته ما لم يتهيأ لأحد سواه)([3])

وغيرهم كثير.. فكلهم شهد بذلك.. ما عدا المدرسة السلفية، والتي سيطرت بطرق مختلفة على مقاليد الأمة في هذا الزمان، واحتكرت السنة، وحرمت هذا الجيل وما قبله من الأجيال من الاستفادة من هذا التراث الجليل لهذا الإمام.. لتحوله عن صورته التي أشاد بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى صورة هشة ضعيفة.. وتجعل العلاقة معه مجرد علاقة عاطفية مجردة عن أي دليل علمي.. بدليل لو أنك سألتهم عن أحاديث الإمام علي، لما أتوك بشيء.. بل إن أحاديثهم التي يذكرونها عن غيره من صغار الصحابة والتابعين أكثر من أحاديثه التي يروونها عنه.

بل إن أحاديثهم عنه مملوءة بالتشويه والتضليل.. ولذلك تجنبنا في هذه الرسالة كل تلك النصوص التي وضعها النواصب عنه، والتي أرادوا من خلالها تشويه شخصه الشريف من أمثال كونه خطب ابنة أبي جهل، ونهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له عن ذلك.. لأن مثل هذا الحديث لا يشوه شخص الإمام علي فقط، وإنما يشوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك، ويجعله يعارض النص القرآني المجوز للتعدد.. بل يجعله لا يرضى لابنته ما يرضاه لسائر البنات.. ثم كيف يعقل أن يجمع الإمام علي بين فاطمة بنت حبيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين ابنة عدوه أبي جهل؟

وهكذا بعض الأحاديث التي نتوسم فيها البعد الأموي الذي كان يستعمل كل الوسائل لتشويه هذا الإمام وصرف المسلمين عنه.. بل إنه شرع سبه على المنابر لعقود طويلة.

وبناء على ذلك كان تركيزنا على النصوص التي قالها هو.. فهو أحسن من يعبر عن نفسه.. وسيرى القارئ الكريم من خلال تلك التعابير ـ التي لم نختر إلا جزءا قليلا منها ـ ما يملؤه بالعجب.

هذه أغراض رسالتنا للإمام علي.. وهي نقطة من بحره العميق.. فمن ذا يطيق الحديث عنه.. ومن ذا يستطيع أن يلم بجميع مكارمه؟


([1])  انظر مقدمة الشيخ محمد عبده لشرحه على « نهج البلاغة ».

([2])  جولات اسلامية للاستاذ محمد أمين النواوي ص ٩٨.

([3])  عبقرية الإمام ص ١٧٨.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *