المقدمة

مقدمة

على الرغم من الحساسية الكبيرة التي يشكلها الحديث عن أبي هريرة إلا أنه لا مناص لنا من ذلك، ليس باعتباره شخصا محبوبا ومقربا من المدرسة السلفية في جميع عصورها فقط، وإنما باعتباره مصدرا للكثير من العقائد والمفاهيم والقيم التي نسبت للإسلام، ولذلك نحتاج إلى التأكد من سلامة المصدر حتى نحقق النسبة، فالإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.

وأحب أن أنبه أولئك المستعجلين الذين لا تتسع صدورهم لأمثال هذه الأحاديث، أنني لا أضع أبا هريرة ومعاوية في سلة واحدة.. فشتان بينهما.. فمعاوية رأس الفتنة، ورئيس الفئة الباغية، وفرعون هذه الأمة.. أما أبو هريرة فليس سوى إنسان بسيط، صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فترة قصيرة من الزمن، وكانت فيه بعض الصفات التي جعلته مقربا ومرضيا عنه من طرف معاوية والفئة الباغية معه.. ولذلك مكنوه من الكثير من الصلاحيات، وأتاحوا له الكثير من التلاميذ والرواة، لا ليمرروا مشروعهم الانقلابي فقط، وإنما ليظهروا بمظهر ديني يتيح لهم أن يطيعهم الناس طواعية بعد أن أطاعوهم قهرا.

ولذلك، فإن أحاديثه، أو الروايات التي رواها لا يصح إقصاؤها، ولا رفضها جميعا، فلا يمكن لأحد من الناس أن يسقي الناس سما دون أن يخلطه بالعسل، أو أن يصدق الناس كذباته دون أن يكون فيها بعض الصدق أو الكثير من الصدق.

ولذلك لا نريد من خلال هذا البحث رمي أحاديث أبي هريرة، ولا طرحها، ولا تكذيبها جميعا، وإنما ندعو إلى تمحيصها حتى نميز السم عن العسل، والصدق عن الكذب، والإلهي عن البشري، والمقدس عن المدنس.

ذلك أن الكثير من الروايات التي رواها أبو هريرة نجدها مروية من طرق غيره من الصحابة، بل نجدها عند الشيعة أو غيرهم من فرق المسلمين بأسانيدهم الخاصة بهم.

لكن غيرها، وخاصة مما اختص به، نحتاج فيه إلى تحقيق كبير، ذلك أن أبا هريرة لم يكن من الصحابة السابقين، ولا من الذين اكتفوا بالتلمذة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل كان تلميذا نجيبا لغيره، وخاصة لكعب الأحبار، ولذلك اختلطت ـ باتفاق العلماء والمحدثين ـ أحاديثه التي رواها عن كعب بأحاديثه التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان له فوق ذلك اجتهاداته في بعض روايات الحديث، حيث كان يروي الحديث، ثم يضيف له بعض الإضافات التي يسميها العلماء إدراجا، ويعبر عنها هو بأنها من كيسه..

ولهذا كله نحتاج إلى التحقيق في أبي هريرة باعتباره إماما من أئمة السلفية لوثوقهم فيه ثقة مطلقة، ودفاعهم عنه دفاعا شديد، حتى أنهم يعتبرون الطاعن فيه أو الناقد له ناقدا للسنة نفسها.

ولذلك ثارت حميتهم على كل من دعا إلى مراجعة رواياته، وأقاموا عليه القيامة، وألفوا في الرد العاطفي عليه الكتب الكثيرة المشحونة بأصناف التكفير والتضليل والتبديع.

ولعل الشيخ العلامة المحقق محمود أبو رية ـ وهو عالم من علماء الأزهر الكبار ـ أكبر من تعرض للأذى بسبب دعوته إلى التحقيق في أحاديث أبي هريرة في كتابيه المهمين والجديرين بالدراسة [أضواء على السنة المحمدية]، و[شيخ المضيرة]، والذي قال في مقدمته مشيرا إلى تلك المواجهة الشديدة التي تلقاها بسبب أطروحاته العلمية فيهما: (فإن بعض من أصيبوا بالحشوية والجمود قابلونا بالشتم القاذع، والسب الوضيع فلم نلتفت إليهم، وتركناهم في ضلالهم يعمهون. ولو أن هذه الفئة قد التزمت معنا الطريق السوى، الذى يقضى به النقد العلمي النزيه، لقابلناهم مسرورين ولنازلناهم فرحين، ولكنها ارتطمت في حمأة السباب، وزاغت عن سبيل الصواب، فلذلك سقط معها الخطاب. ولقد كان أكثر ما نالنا من شتم الشاتمين، وقذف القاذفين، مرده إلى ما بيناه من تاريخ (أبى هريرة) وما أظهرناه في هذا التاريخ من حقائق مذهلة لم تكن معروفة لهم من قبل، فصدموا بها، ودهشوا لها، وكادوا منها يصعقون ! ولم يلبثوا أن هبوا ليخففوا عنهم ما أصابهم من هول الصدمة، فلم يجدوا غير الوسيلة التى يحسنونها، فأطلقوا ألسنتهم بسبنا، وشهروا أقلامهم لشتمنا) ([1])

وقد ذكر الشيخ الكتب التي ألفت في الرد عليه في تلك الفترة القصيرة التي تلت صدور الكتابين، فذكر أنها بلغت (خمسة عشر كتابا، في مصر، والحجاز والشام. هذا عدا جميع المجلات التى تتجر بالدين في بلاد المسلمين، ولا نعلم ماذا سيظهر غدا)

وقد أضيف إلى تلك الكتب التي ألفت في عصره عشرات الكتب التي ألفها أبناء المدرسة السلفية في تكفيره وتضليله([2])، واعتباره رأسا من رؤوس الطاعنين في السنة، ولو أنهم فقهوا عنه، وحققوا فيما ذكره لاعتبروه جنديا أو رأسا من رؤوس تحرير السنة من الدجل والخرافة والضلالة.

وهكذا كان حالهم مع كل من يذكر أبا هريرة، أو يشكك في بعض رواياته من أمثال شيخنا الجليل العلامة محمد الغزالي في كتابه العظيم [السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث]، والذي لم يكن يقل في تحرره من كتابي الشيخ محمود أبو رية.

وقد لقي الشيخ محمد الغزالي نفس ما لقيه الشيخ محمود أبو رية، وألفت في الرد عليه، وتبديعه وتضليله، واعتباره رأسا من رؤوس الطاعنين في السنة الكتب والمقالات الكثيرة.

وهكذا يتعرض كل من يدعو إلى التحقيق وإعادة النظر فيما ينسب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحاديث قد تنحرف بالدين انحرافا شديدا.

ولكن لا مناص من أن نسير على خطى أولئك الصادقين المحققين، وإن كنا نعلم أن مصيرنا لن يقل عن مصيرهم، فضريبة التواصي بالحق ـ كما يذكر القرآن الكريم ـ هي التواصي بالصبر.. وليس هناك من دعا لحق، وسكت عنه.

فالشيطان لا يسمح لأحد من الناس بأن يواجه مشروعه القائم على تحول الدين إلى دجل وخرافة وضلالة وعنف وإرهاب.

وهو بسبب يأسه من تحريف القرآن الكريم راح إلى الرواة والروايات يستعملهم لينسخ بهم حقائق القرآن، وليوقع البشرية في دينه الممتلئ بالدجل.

ولذلك فإن بحثنا عن أبي هريرة، لا علاقة له بكونه صحابيا أو غير صحابي، ولا بكونه من أهل الجنة أو من غير أهلها، وإنما حديثنا عنه مرتبط برواياته، لتمييز المقبول منها مما وافق القرآن الكريم، ورفض ما عداه من الذي أملاه أبو هريرة من كيسه أو من كيس كعب الأحبار وغيره من اليهود.

وقد قسمنا بحثنا ـ بحسب العنوان ـ إلى قسمين:

الفصل الأول: حول مفاتيح شخصية أبي هريرة، باعتباره راوية، يخضع لكل ما يقتضيه الجرح والتعديل من أحكام، وقد حاولنا من خلال استعراض رواياته عن نفسه أن نتعرف على طبيعته وشخصيته، ومدى أثرها في رواياته.

الفصل الثاني: حول روايات أبي هريرة، وأصنافها والانتقادات الموجهة لها.


([1]) شيخ المضيرة، ص8.

([2]) من الكتب المؤلفة حول أبي هريرة والدفاع عنه ما كتبه الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه (دفاعٌ عن السنة)، والدكتور مصطفى السباعي في كتابه (السنةُ ومكانتها في التشريع الإسلامي)، والدكتور محمد أبو زهو في كتابه (الحديثُ والمحدثون)، والأستاذ محمد عجاج الخطيب في كتابه (أبو هريرة راوية الإسلام).. والأستاذُ عبد المنعم صالح العلي العزّي،  في كتابه (دفاعٌ عن أبي هريرة)، وغيرُهم أمثال: الدكتور محمد السماحي، والشيخ عبدِ الرحمن العلمي اليماني مديرِ مكتبة الحرم المكي، والشيخِ محمد عبد الرزاق حمزة مديرِ دار الحديث بمكة المكرمة..

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *