المريد الصادق

المريد الصادق

في هذه الأيام أتذكر ـ سيدي ـ أمك فاطمة التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يناديها أمي.. لقد كانت تسير بجنب الكعبة، وهي حامل بك، وشاء الله أن تولد في الكعبة([1])، كما شاء أن تستشهد في مسجد الكوفة.. وبين ولادتك واستشهادك كانت حياتك كلها مسجدا وعبادة وتقوى، وكأنها تردد بلسان حالها قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الأنعام:162]

في هذه الأيام، وفي كل الأيام، أتذكر ـ سيدي ـ تلك الضائقة المباركة التي نزلت بوالدك، وأنت لا تزال في صباك الباكر، حينها طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عمّيه وعميك حمزة والعباس أن يتحمّلا ما نزل بأخيهما، حينها أخذ العباس أخاك طالبا، وأخذ حمزة أخاك جعفرا.. أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أخذك أنت، لأنه يعلم من تكون، وإلام يصير إليه أمرك.

ومنذ ذلك الوقت وإلى آخر يوم من حياته صلى الله عليه وآله وسلم، وأنت بجانبه، وهو لك مقام الوالد والأخ والأستاذ والمربي.. وكل شيء..

وحتى عندما أمر بغلق الأبواب المفتوحة إلى المسجد أمر بترك بابك مفتوحا، وكيف لا يتركه، وفيه أنت.. وفيه ابنته الزهراء.. وفيه عترته الطاهرة وريحانتاه وسيدا شباب أهل الجنة؟

لقد ورد في الحديث الذي حاول الكثير التشكيك فيه، لا من باب البحث العلمي، وإنما رغبة عنك، ما يدل كل عاقل على ذلك، فعن زيد بن أرقم، وغيره من الصحابة قال: (كانت لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبواب شارعة في المسجد، فقال صلى الله عليه وآله وسلم يوماً: سدّوا هذه الأبواب الاّ باب عليّ قال: فتكلّم في ذلك ناس، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد، فاني أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم، والله ما سددت شيئاً ولا فتحته، ولكن أمرت بشيء فاتبعته) ([2])

وهكذا روى الحرث بن مالك، قال: (أتيت مكة فلقيت سعد بن أبي وقاص، فقلت له: هل سمعت لعلّي منقبة؟ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد فنودي فينا لسدّه ليخرج من في المسجد الا آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فخرجنا، فلما أصبح أتاه عمّه، فقال: يا رسول الله، أخرجت أصحابك وأعمامك وأسكنت هذا الغلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنا أمرت بإخراجكم ولا بإسكان هذا الغلام، ان الله هو أمر به)([3])

لقد ذكرتَ ذلك ـ سيدي ـ لأعدائك الذي جهلوا مقامك، وراحوا يضعونك في محل واحد مع الطلقاء والبغاة والظلمة.. لقد كنت تقول لهم بكل تواضع، وأنت تذكر الحقيقة التي لم ولن يستطيع أحد إنكارها: (وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا وليد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه. وكان يمضغ الشّيء ثمّ يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل. وكنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به)([4])

وذكرت لهم تلك الحقيقة التي لا يعقلها إلا من يقدر النبوة حق قدرها، فقلت: (ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله وسلم من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به) ([5])

أذكر جيدا ـ سيدي ومولاي ـ أنك في تلك السنوات التي سبقت البعثة، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متوجها توجها كليا إلى ربه.. كنت أنت ترى ذلك منه، وتتأثر به.. وكنت ـ إذا ما ذهب إلى غار حراء ليتعبد لربه ـ توصل له الطعام، وتلبث معه.

لقد ذكرت ذلك كله لمن جهل مقدارك، فقلت: (ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجتمع بيت واحد يومئذ في الإسلام، غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة، وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله! ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلا أنك لست بنبي، ولكنك وزير، وإنك لعلى خير)([6])

وقلت: (لقد عبدت الله تعالى قبل أن يعبده أحد من هذه الأمّة) ([7])، وقلت: (إني عبدالله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي الاّ كاذب، صلّيت قبل الناس بسبع سنين قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأمة) ([8])

ولذلك لم تدنسك الجاهلية بأدناسها، وكيف تدنسك وأنت تربية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخالصة.. وهل يمكن لأحد ربي في أحضان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يلم بما يلم به أهل الجاهلية من الشرك والفسوق والعصيان؟

وقد ظللت ـ سيدي ـ ملتزما بتلك التربية النبوية لا تحيد عنها إلى آخر لحظة من حياتك، أذكر جيدا ذلك اليوم الذي عوتبت فيه على تقلّلك من الدنيا وشدّة عيشك.. حينها بكيت بحرقة.. ثم قلت: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبيت اللّيالي طاوياً وما شبع من طعام أبداً، ولقد رأى يوماً ستراً موشى على باب فاطمة فرجع ولم يدخل وقال: مالي ولهذا غَيِّبوه عنّي، ومالي وللدنيا، وكان يجوع فيشدّ الحجر على بطنه وكنتُ أشدّه معه، فهَل أكرمَهُ الله بذلك أم أهَانهُ؟ فاِن قال قائل اَهانَهُ كذب ومرق، وان قال اكرَمَهُ فيعلم ان الله قد أهان غيره حيث بسَط له الدنيا وزوَاها عن أقرب الناس اليه وأعزّهُم عليه حيث خرَجَ منها خميصاً وورَدَ الآخرة سليماً، لم يرفع حجراً على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولقد سَلكنا سبيله بعده، والله لقد رَفعتُ مدرعتي هذه حتى استحييتُ من راقعها، ولقد قيل لي الا تستبدل بها غيرها، فقلت للقائل ويحك اعزُب، فعند الصباح يحمد القوم السرى) ([9])

الركن الشديد:

ولهذا، فإنه لا غرابة أن تكون أول الناس إسلاما.. لأنك أسلمت نفسك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك، فكنت فانيا فيه، وفي كل ما جاء به.. وهل يمكن لأحد في مثل عقلك وأدبك، يعيش مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتربى على يديه الشريفين، ثم يعرض عنه، أو يسبقه أحد إليه؟

ولم تكتف بإعلان إسلامك فقط، ولا بصلاتك مع حبيبك صلى الله عليه وآله وسلم فقط.. بل كنت معه في كل المحال تتلقى بخضوع مطلق كل ما يتنزل عليه من أوامر إلهية.. فعندما تنزل عليه الأمر بقيام الليل، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّل (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل:1-6] كنت معه في ذلك.. وظللت طول عمره معه في ذلك.

 وعندما نزل عليه قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين} [الشعراء:214] دعاك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وطلب منك أن تقف معه في هذا الموقف الذي لا يزال خصومك يتسترون عليه، بل يتمنون لو قدروا أن يحذفوه من دواوين المؤرخين.

لكنه مع ذلك وصلنا بالأسانيد الكثيرة، لأن الباطل لا يمكن أن يقاوم الحق، ونور الله لا يمكن أن تطفئه أفواه البشر.. لقد بلغنا حديثك عن ذلك المشهد، لقد بلغنا قولك: (لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين} [الشعراء:214]، دعانى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي: يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين.. فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رحل شاة، واملأ لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم، وأبلغهم ما أمرت به، ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلا، يزيدون رجلا أو ينقصونه، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حذية من اللحم، فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال: خذوا بسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة وما أرى إلا موضع أيديهم، وأيم الله الذي نفس علي بيده، وإن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم ثم قال: اسق القوم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا منه حتى رووا منه جميعا، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال: لهدما سحركم صاحبكم! فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: الغد يا علي، إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم إلي، قال: ففعلت، ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة ثم قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعا، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت: وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا، أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي، ثم قال: (إن هذا أخي ووصى وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)، فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع) ([10])

وهكذا كنت معه عندما نزل عليه قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين} [الحجر:94]، حينها تعرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو والسابقون من الصحابة لكل أصناف الأذى، وكنت معه في ذلك كله تعاني مثلما يعاني، وتصد عنه مثلما كان أبوك يصد عنه.

فعندما حوصر في الشعب الذي دام ثلاث سنوات كاملة، كنت معه في الشعب، وفي ذلك الحصار الشديد.. ولم يكن معك أحد من الصحابة إلا من آمن من بني هاشم وأبو سلمة وزوجه أم سلمة.. وهذه السنوات والمعاناة التي كنت تعاني فيها، وتتربى على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتستمع إلى القرآن الكريم، وهو ينزل غضا طريا كفيلة لأن تعطيك من المرتبة ما لا تناطحه الجوزاء، وما لا يدانيك فيه أحد.

وهكذا ظللت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن أخرجه أبو سفيان وحزبه، والذين حولتهم الأمة بعدك إلى صحابة أجلاء، وقرنتهم بك وبالسابقين من أصحابك، وحينها قدمت درسا من دروس الفداء العظيمة، حين خلفته في فراشه، وحين اتشحت ببردته الخضراء لتوهم أولئك المشركين المتربصين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنك هو.. وكنت حينها مصداقا لقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ الله وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد} [البقرة:207]

لقد قال بعض الشعراء يعبر عن تضحيتك العظيمة تلك:

ومواقف لك دون أحمد
جاوزت
  بمقامك التّعريف والتّحديدا

فعلى الفراش مبيت ليلك والعدى

  تهدي إليك بوارقا ورعودا

فرقدت مثلوج الفؤاد كأنّما

  يهدي القراع لسمعك التّغريدا

فكفيت ليلته وقمت معارضا

  بالنّفس لا فشلا ولا رعديدا

واستصبحوا فرأوا دوين مرادهم

  جبلا أشمّ وفارسا صنديدا

رصدوا الصّباح لينفقوا كنز الهدى

  أوما دروا كنز الهدى مرصودا

وعندما ذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمدينة، كنت سنده فيها، كما كنت سنده في مكة المكرمة، بل كنت تتولى أصعب المهام وأشدها وأخطرها، ولذلك فليس غريبا أن يتخذك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخا له عندما آخى بين المهاجرين والأنصار.. بل إنه آخى بينك وبينه قبل ذلك في مكة المكرمة، كما حدث بذلك المحدثون الثقاة.

فقد حديث ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين أصحابه، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، فقال علي: يا رسول الله: إنك قد آخيتَ بين أصحابك، فمن أخي؟، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما ترضى يا علي أن أكون أخاك؟.. أنت أخي في الدنيا والآخرة)([11])

بل إن في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)([12]) ما يدل دلالة واضحة على تلك الأخوة، التي لم تكن أخوة عاطفية فقط، بل كانت أخوة مشاركة في تنفيذ المهام العظيمة التي تتطلبها الرسالة الإلهية الخاتمة، والتي عبر عنها قوله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل:5]

ولذلك كنت سند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما مر به وبالدعوة الإسلامية من شدائد ومحن.. لعل أعظمها تلك الحروب التي ووجه بها الإسلام في المدينة المنورة.. فالتاريخ يحفظ لك بطولاتك العظيمة.. فليس هناك معركة ولا غزوة إلا كنت بطلها الذي ترتعد منه قلوب الأعداء.. وكنت بحق سيف الله المسلول على أعدائه.

أذكر جيدا موقفك يوم بدر، وفي أول معركة جمعت معسكر الإيمان مع معسكر الشيطان.. حينها طلب صناديد المشركين من يبارزهم.. وكنت حينها شابا يافعا، وكان يمكنك أن تختبئ في أي محل، أو تنشغل بأي شيء، لتحفظ حياتك.. لكنك لم تفعل، وتعرضت لصناديد المشركين، وأبطالهم الكبار، وجرعتهم مرارة سيفك.

وهكذا كان حالك في كل المواقف.. لقد قال ابن أبي الحديد يصف شجاعتك: (وأمّا الشجاعة فإنّه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله، ومحا اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة تضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة. وهو الشجاع الذي ما فرّ قطّ، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحدا إلاّ قتله، ولا ضرب ضربة قطّ فاحتاجت الأولى إلى الثانية)([13])

وقد شهد لك أعداؤك بتلك الشجاعة والبطولة، فقد روي أنه لمّا دعوت معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدكما، قال له عمرو: لقد أنصفك، فقال معاوية: ما غششتني منذ صحبتني إلاّ اليوم، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق، أراك طمعت في امارة الشام بعدي([14])..

بل إن أعداءك كانو يفتخرون بأنك أنت الذي قتلتهم.. فقد روي أن أخت عمرو بن عبد ودّ قالت ترثيه([15]):

لو كان قاتل عمرو غير قاتله

   بكيته ما أقام الرّوح في جسدي

 لكنّ قاتله من لا نظير له

  وكان يدعى أبوه بيضة البلد

وما تلك الشجاعة والبطولة التي وهبك الله إياها من دون كثير من الناس إلا لما كان في قلبك من قوة الإيمان التي زرعها فيك وتعهدها حبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. لذلك كنت تخرج في أيام صفّين وحدك بغير حماية، ولما قيل لك: تقتل أهل الشام بالغداة وتظهر بالعشي في إزار ورداء؟ قلت: (بالموت تخوّفوني؟ فو الله ما أبالي سقطت على الموت أم سقط عليّ!)([16])

أذكر جيدا موقفك يوم الخندق.. إن صورتك يومها لا تبرح بالي، لأنها عجيبة من عجائبك، فقد وصف الله تلك الأيام الشديدة التي اجتمع فيها الشرك والنفاق واليهودية لضرب الإسلام بقوله: {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب:10]

في ذلك اليوم الذي ارتعدت فيه القلوب، وبلغت الحناجر، وقال { الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا} [الأحزاب:12] كان قلبك ثابتا ممتلئا قوة وإيمانا.

في ذلك اليوم خرج عمرو بن عبد ود، ونادى بكل كبرياء: هل من مبارز؟ فلم يجبه أحد من المسلمين، فاستأذنت حينها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لك: (إنّه عمرو).. ثم كرّر النداء ثانية وثالثة، وأنت في كل حين تستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيجيبك بمثل ذلك، إلى أن اكتشف من كان حاضرا في تلك المعركة أنه لا يمكن لأحد أن يبرز له، حينها أذن لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولم يؤخرك حرصا عليك، وإنما أخرك ليعرف الجمع مقامك.

وعندما برزت له، ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليك، وإلى الأنوار التي تشع منك، قال: (برز الايمان كلّه إلى الشرك كلّه)([17])

وعندما دنوت من عدوك اللدود صاحب القوة والبطش، لم تستعجل بضربه، وإنما رحت تدعوه إلى الله،وتقول له: (يا عمرو إنّك كنت تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلاّ قبلتها أو واحدة منها)، قال: أجل، فقلت: (إنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وأن تسلم لربّ العالمين)، فقال: أخّر هذا عنّي، فقلت: (أما أنّها خير لك لو أخذتها)، ثمّ قلت له: ها هنا أخرى، قال: وما هي؟ قلت: ترجع من حيث أتيت، قال: لا، تحدّث نساء قريش عنّي بذلك أبداً، فقلت: ها هنا أخرى، قال: وما هي؟ قلت: أبارزك وتبارزني.

حينها تعجب عمرو من جرأتك، وضحك ضحكة سخرية، وقال: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أحداً من العرب يطلبها منّي، وأنا أكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك نديماً لي، فقلت: وأنا كذلك، ولكنّي أحبّ أن أقتلك ما دمت أبيّاً للحق.

بعدها حصل ما عبر عنه جابر بن عبد الله بقوله: (وتجاولا وثارت بينهما فترة، وبقيا ساعة طويلة لم أرهما ولا سمعت لهما صوتاً، ثمّ سمعنا التكبير فعلمنا أنّ علياً قد قتله)([18])

لم يكن ذلك موقفك الوحيد.. بل كانت له أخوات كثيرة..

من بينها موقفك يوم خيبر ذلك الذي شهد له التاريخ، وحفظه الرواة، ونقلوه بالأسانيد الكثيرة التي لا مجال للشك فيها، منها ما حدث به عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: كان علي يخرج في الشتاء في إزار ورداء، ثوبين خفيفين، وفي الصيف في القباء المحشو، والثوب الثقيل، فقال: الناس لعبد الرحمان: لو قلت لأبيك فإنه يسهر معه، فسألت أبي، فقلت: إن الناس قد رأوا من أمير المؤمنين شيئا استنكروه، قال: وما ذاك؟ قال: يخرج في الحر الشديد في القباء المحشو، والثوب الثقيل، ولا يبالي ذلك، ويخرج في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين، والملاءتين، لا يبالي ذلك، ولا يتقي بردا، فهل سمعت في ذلك شيئا؟ فقد أمروني أن أسألك أن تسأله إذا سمرت عنده، فسمر عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تفقدوا منك شيئا، قال: وما هو؟ قال: تخرج في الحر الشديد في القباء المحشو، والثوب الثقيل، وتخرج في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين، وفي الملاءتين، لا تبالي ذلك ولا تتقي بردا، قال: وما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر؟ قال: قلت: بلى، والله قد كنت معكم، قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر، فسار بالناس فانهزم، حتى رجع إليه، وبعث عمر، فانهزم بالناس، حتى انتهى إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله له، ليس بفرار، فأرسل إلي فدعاني، فأتيته وأنا أرمد لا أبصر شيئا، فتفل في عيني، وقال: اللهم اكفه الحر والبرد، قال: فما آذاني بعد حر ولا برد([19]).

لقد شهد الكثير من الصحابة ذلك الموقف، وكلهم تمنوا أن يحصل لهم مثله.. لقد ورد في الحديث عن سعد بن وقاص قوله، وهو يذكر مناقبك: (وسمعته يقول يوم خيبر: (لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فتطاولنا لها فقال: ادعو لى عليًا، فأتى به أرمد، فبصق فى عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه)([20])

المناقب الشريفة:

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشيد بك في كل محل، ليعرفوك، وليقتدوا بك في تقواك وإخلاصك وشجاعتك وتسليمك التام لله ورسوله.. بل إن الله تعالى هو الذي كان يتولى ذلك.

لقد ذكرت ذلك، فقلت: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبى صلى الله عليه وآله وسلم دعا النبى صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعانى النبى صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أدرك أبا بكر فحيثما لحقته، فخذ الكتاب منه، فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم، فلحقته بالجحفة، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله نزل فى شيء، قال: (لا، ولكن جبريل جاءنى، فقال: لن يؤدى عنك إلا أنت أو رجل منك)([21])

وقد وصلنا بالأسانيد الصحيحة أنك قلت حينها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكأنك تعتذر له: (يا نبي الله إني لست باللسن ولا بالخطيب)، فقال: (ما بد أن أذهب بها أنا، أو تذهب بها أنت)، فقلت حينها: (فإن كان ولا بد، فسأذهب أنا)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (فانطلق، فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك)، ثم وضع يده الشريفة على فمك الشريف ([22]).

وهكذا اختارك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من ربه سبحانه وتعالى لتكون معه يوم المباهلة التي ذكرها الله تعالى، فقال: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61]

ففي الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله، قال: قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة. قال: فغدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيئا، وأقرا بالخراج، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي بعثني بالحق لو قالا لا لأمطر عليهم الوادي نارا)، قال جابر: فيهم نزلت { تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ }

وقد قال جابر في تفسير الآية الكريمة: { وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي بن أبي طالب { نَدْعُ أَبْنَاءَنَا} الحسن والحسين { وَنِسَاءَنَا } فاطمة([23]).

وهكذا قال يوم سار صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك، حينها تركك في المدينة.. وذكر لك ولجميع من حضر تبوك أنك منه بمنزلة هارون من موسى.. ولا فارق بينكما إلا في النبوة، لأن النبوة ختمت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ففي الحديث عن سعيد بن المسيب، قال: قلت لسعد بن مالك: إني أريد أن أسألك عن حديث، وأنا أهابك أن أسألك عنه، فقال: لا تفعل يا ابن أخي، إذا علمت أن عندي علما فسلني عنه، ولا تهبني، قال: فقلت: قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي حين خلفه بالمدينة في غزوة تبوك، فقال سعد: خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا بالمدينة في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، أتخلفني في الخالفة في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: فأدبر علي مسرعا كأني أنظر إلى غبار قدميه يسطع([24]).

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينتهز أي مناسبة لبيان فضلك، ولترغيب المؤمنين في ولايتك ومحبتك ونصرتك لأنه يعلم المصير الذي ينتظرك من طرف الطلقاء والمنافقين ومرضى القلوب.

ومن تلك المناسبات ما صار يسمى [حديث الطير]، والذي اجتهد كل مناوئيك على إنكاره على الرغم من أسانيده الكثيرة([25]).. ولو أن أحدها فقط كان في أعدائك، لطاروا به فرحا، ولحفظوه كما يحفظون السورة من القرآن.

لقد حدث أنس بن مالك قال: كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقدم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرخ مشوي، فقال: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير) قال: فقلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار فجاء علي، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حاجة، ثم جاء، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حاجة ثم جاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (افتح) فدخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما حبسك علي) فقال: (إن هذه آخر ثلاث كرات يردني أنس يزعم إنك على حاجة)، فقال: (ما حملك على ما صنعت؟) فقلت: يا رسول الله، سمعت دعاءك، فأحببت أن يكون رجلا من قومي، فقال رسول الله: (إن الرجل قد يحب قومه)([26])

بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتف بذلك، وخاصة عندما كان يرى المنافقين ومرضى القلوب وهم ينظرون بحقد شديد إلى مواقفك وبطولاتك ونصرتك للإسلام وحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لك.. فلذلك أخبر صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو الذي لا ينطق عن الهوى ـ أن بغضك علامة من علامات النفاق.

ففي الحديث عنك قلت: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)([27])

وحدث ابن عمر قال: (ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا ببغضهم عليا ً)

وحدث جابر قال: (ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار إلا ببغضهم لعلي)([28])

وحدث أبو سعيد الخدري قال: (إنما كنا نعرف منافقي الأنصار ببغضهم عليا)([29])

وحدث أبو عثمان النهدي، قال: قال رجل لسلمان: ما أشد حبك لعلي؟ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من أحب عليا ً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله عز وجل، ومن أبغض عليا ً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل) ([30])

لقد اتفق هؤلاء وغيرهم كثير على ما لك من منزلة، وعلى أن الله تعالى شاء، ولا راد لاختياره أن تكون ميزانا توزن به القلوب، ويميز به بين المؤمنين والمنافقين، كما شاء قبل ذلك أن يجعل آدم عليه السلام محكا لتمييز المستكبرين عن المتواضعين المخلصين.

بل كما شاء أن يجعل ناقة ثمود معيارا يميز به المؤمنون الخالصون من أصحاب الأهواء والقلوب المريضة.. فالله يخلق ما يشاء.. ويختار ما يشاء… وويل لمن يعارض اختيار الله، أو يجادل فيه، أو يستكبر عليه..

لقد ذكر الله تعالى ذلك عن سائر الأمم، وأنها لم تبتل فقط بأنبيائها، وإنما ابتليت أيضا بأبنائهم وأحفادهم، قال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} [النساء:54]

ولهذا ورد في الحديث عن رسو الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (عليّ قسيم الجنة والنار)([31])

وقد فسره أحمد بن حنبل، الذي يدعي الكثير ممن يناصبونك العداء نسبتهم إليه، فقد حدث محمد بن منصور الطوسي قال: كنّا عند أحمد بن حنبل فقال له رجل: يا أبا عبد الله، ما تقول في هذا الحديث الذي يروى أنّ علياً قال: (أنا قسيم النار)؟ فقال: وما تنكرون من ذا؟ أليس روينا أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي: (لايحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق)؟ قلنا: بلى. قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنة. قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار، قال: فعليٌّ قسيم النار ([32]).

بل إن أحمد نفسه أقام الحجة على من يدعي نسبته إليه من أنه لم يرد في حق أحد من الصحابة ما ورد في فضلك، فقد روي عنه قوله: (ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الفضائل ما جاء لعلي) ([33])

بل إنه اعتبر كل ما ورد في فضل أعدائك مدسوسا ومكذوبا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليجعلوك وأعداءك في مرتبة واحدة، فقد حدث عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي فقلت: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثم قال:إيش أقول فيهما؟إنّ علياً كان كثير الأعداء، ففتش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطرَوه كياداً منهم له([34]).

وقد علق ابن حجر على هذه الرواية بقوله: (فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من الفضائل ممّا لا أصل له، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصحّ من طريق الإسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما)([35])

الولاية الشاملة:

لقد قرأت سيدي بشغف وشوق وحنين تلك الكلمات المقدسة التي نطق بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يتحدث عنك، وعن فضلك، وعن الدور العظيم الذي كلفت به في هذه الأمة، والذي لا يختلف أبدا عن دور هارون مع أخيه موسى عليهما السلام.

لكني لم أجد موقفا ممتلئا بالعبر لمن يعتبر مثل موقفه في غدير خم.. فقد كان موقفا عجيبا واضحا.. ولست أدري كيف غيب، ولا كيف طمس، ولا كيف أهيلت عليه كل ألوان الكتمان والتحريف، مع كونه قد روي بكل صيغ التواتر التي يؤمنون بها، فقد رواه مائة وعشرة من الصحابة كما ذكر ذللك المحققون الصادقون، لا المحققون المتلاعبون ([36]).

دعني سيدي أستعيد تلك المشاهد التي كافأك الله بها على صدقك وإخلاصك وتحققك بالإسلام المحمدي الأصيل الذي لم يمزج بأي جاهلية، ولا مرض، ولا نفاق.. ولا أي غرض من الأغراض، أو شائبة من الشوائب.

بعد أن قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مناسكه([37]) وقفل راجعا إلى المدينة، فلمّا انتهى إلى غدير خم، في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة نزل عليه قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين} [المائدة:67]

حينها طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقام له من حدائج الإبل، فصعد عليه، ثم قال: (إنّي أوشك أن أدعى فأجيب، وإنّي مسئول، وأنتم مسئولون، فما ذا أنتم قائلون؟)، فقالوا: نشهد أنّك قد بلّغت، ونصحت وجهدت فجزاك الله خيرا.

ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ، وأنّ ناره حقّ، وأنّ الموت حقّ، وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور…)، فقالوا: بلى نشهد بذلك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهمّ اشهد)

ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّي فرط على الحوض، وأنتم واردون عليّ الحوض، وإنّ عرضه ما بين صنعاء وبصرى، فيه أقداح عدد النّجوم من فضّة، فانظروا كيف تخلّفوني في الثّقلين؟.. الثّقل الأكبر كتاب الله، طرف بيد الله عزّ وجلّ، وطرف بأيديكم فتمسّكوا به لا تضلّوا، والآخر الأصغر عترتي، وإنّ اللّطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض، فسألت ذلك لهما ربّي، فلا تقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا) ([38])

ثمّ أخذ صلى الله عليه وآله وسلم يده الشريفة بيدك الشريفة، ثم رفعها، حتى بان بياض إبطيهما، ثم قال مخاطبا الجموع الكثيرة التي احتشدت لتشهد تتويجك بتلك المكرمة العظيمة: (أيّها النّاس، من أولى النّاس بالمؤمنين من أنفسهم؟)، فأجابوا: الله ورسوله أعلم.

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه)

وكرر ذلك وأكده، ثم ختمه بقوله: (اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار، ألا فليبلّغ الشّاهد الغائب…)([39])

 لكن هذا الموقف مع وضوحه وجلائه لم يزد أعداءك إلا رغبة عنك.. فراحوا يشككون فيه، ويؤولونه.. بل يحولونه إلى مذمة، بدل أن يكون منقبة.

وأحسنهم حالا من زعم أن الولاء لك لا يختلف عن الولاء لسائر المؤمنين، من المحبة والنصرة وإلقاء السلام.. وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عابثا عندما جمع كل تلك الجموع، وأوقفها ليخبرها بذلك البلاغ الخطير الذي نفذ به قوله تعالى:: { يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين} [المائدة:67]

بل إن بعضهم راح يفسر ذلك تفسيرا عجيبا يسيء إليك، حين زعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد الرفع من شأنك، والذب عنك لأن بعض أهل اليمن وقع فيك، وتنقصك لأجل بعض متاع الدنيا القليل..

وقد نسي هؤلاء الذين يزعمون لأنفسهم العلم أن أهل اليمن قد عادوا من مكة إلى اليمن، وأن ما حصل لا يحتاج لجمع الناس وإيقافهم تحت الشمس بعد أن اقتربوا من المدينة..

ونسوا أكثر من ذلك أنهم يستدركون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فهو ذكر كل ذلك مطلقا من دون تحديد.. فلم يأتِ على ذكر اليمنيين أصلاً، وإنما كان كلامه عن المستقبل، فقد أخبر أنه سيأتي داعي ربه فيجيبه.. وداعي ربه هو الموت..

لم تقتصر ـ سدي ـ إساءتهم إليك في ذلك.. بل إنهم ـ بالحقد الذي يعمر قلوبهم ـ راحوا يشيعون بين الناس أنك رغبت عن فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأردت أن تتزوج بنت أبي جاهلة.. ويلهم كيف يتجاسرون عليك، وعلى مقامك الرفيع.. وهل يمكن لمن يكون في بيته سيدة نساء العالمين أن يضم إليها بنت عدوه اللدود؟

وهل يمكن لمثلك، وأنت العاشق لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفاني في حبه، أن تؤذيه وتؤذي ابنته، وأنت تعلم مكانتها ودرجتها عند الله؟

لا يمكنني لك ـ سيدي ـ وأنا أعيش في رحاب ذكراك أن أذكر لك كل ما أساءوا به إليك.. ولا يمكنني أن أذكر لك كيف حولوا من سبك شريعة ودينا، وعلموه الصبيان.. وحفظوه لأولادهم كما يحفظونهم القرآن.. حتى صار من يذكرك متهما، ومن يحبك زنديقا ومجوسيا.

حتى أنهم في ذلك الزمان الذي انتصر فيه الطلقاء، وأقاموا دولتهم صار التسمي باسمك سبة وعارا.. بل صاروا يحاكمون من يفعل ذلك.. وكأنهم يريدون أن يخمدوا ذكرك.. بل يخمدوا كل شيء فيك حتى اسمك.. وينسون أنهم حين يفعلون ذلك.. إنما يحاربون الله.. و{يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون} [التوبة:32].. {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون} [الصف:8]

المهام الجسيمة:

لكنك.. ومع كل ما ورد في شأنك.. كنت في منتهى السلام والمحبة مع كل من خالفك.. لأنك لم تكن تعيش لنفسك.. وإنما كنت تعيش لربك ولدينك وللمهمة العظيمة التي كلفت بها.

لقد وردت الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي تعبر عن تلك المهمة، وأنها امتداد للنبوة، وتصحيح لمسارها، بعد أن يتلاعب المحرفون والمتأولون بها، مثلما تلاعب أصحاب موسى بعد غياب موسى عليه السلام عنهم.

ومن تلك الأحاديث ما حدث به أبو سعيد الخدري قال: كنا جلوسا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، قال: فقمنا معه، فانقطعت نعله، فتخلف عليها علي يخصفها، فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومضينا معه، ثم قام ينتظره، وقمنا معه، فقال: (إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن، كما قاتلت على تنزيله)، فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: لا، ولكنه خاصف النعل. يعني عليا، قال: فجئنا نبشره، فلم يرفع رأسه، كأنه قد كان سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([40])

كان في إمكان كل الذين يناصبونك العداء أن يكتفوا بهذا الحديث الذي هو نبوءة من نبوءات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ونبوءاته صلى الله عليه وآله وسلم يستحيل أن تتخلف، فهو الصادق المصدوق.

لكنهم أبوها، وأعرضوا عنها.. وأعرضوا معها على كل تلك الأحاديث التي تضع العلامات الدالة على الفئة الصادقة المحافظة على نور النبوة، وهديها.

ومن بينها إشادته صلى الله عليه وآله وسلم بكل أولئك الذين وقفوا معك، وكانوا في صفك في كل ما حل بك.. فقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله أوحى إلي أنه يحب أربعة من أصحابي، وأمرني بحبهم، فقيل له من هم يا رسول الله؟ قال: علي سيدهم، وسلمان، والمقداد، وأبو ذر)([41])

فمع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبر في هذا الحديث على أن هذا الأمر وحي أوحي إليه من ربه إلا أن كل الحجب أسدلت عليه، وكتم لئلا يسمع به أحد.. فإن سمع.. راحوا إلى ما تعلموه من الطلقاء الدهاة الذين انقلبوا عليك، يصبغون على كل ألوان التأويل والتحريف والتبديل.

فهكذا فعلوا مع حبيبك وصاحبك والمخلص لك عمار بن ياسر.. الذي عاش حياته كلها مواليا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ومواليا لك.. إلى أن ختم حياته بالشهادة.

لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يشيد به كل حين.. لأنه يعلم أنه سيكون علامة لمن أصابت أعينهم الغشاوة.. فلم يعرفوك إلا بغيرك.

ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار)([42])

ومنها قوله: (ابن سمية ما خير بين أمرين إلا اختار أرشدهما)([43])، وقوله: (ابن سمية ما عرض عليه أمران قط إلا أخذ بالأرشد منهما)([44])

بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتف بالتلميح، فراح إلى التصريح، حتى يرفع كل الذرائع على من تخلف عنك.. فقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم قال: (أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم)([45])

وقال في حديث آخر غاضبا بعدما رأى بعضهم يؤذيك: (ما تريدون من علي؟ إن عليا مني، وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي)([46])

وقال في حديث آخر: (رحم الله علياًً، اللهم أدر الحق معه حيث دار)([47])

وقد شهد لك بذلك الكثير من الصحابة.. منهم ميمونة بنت الحارث زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعن جري بن كليب العامري قال: لما سار علي إلى صفين كرهت القتال، فأتيت المدينة،فدخلت على ميمونة بنت الحارث فقالت: ممن أنت؟، قلت: من أهل الكوفة، قالت: منأيهم؟، قلت: من بني عامر، قالت: رحبا على رحب، وقربا على قرب، تجيء ما جاءبك؟، قال:قلت: سار علي إلى صفين وكرهت القتال، فجئنا إلىها هنا، قالت: أكنت بايعته؟، قال: قلت: نعم،قالت: (فارجع إليه، فكن معه، فوالله ما ضل، ولا ضل به) ([48])

ومنهم أم سلمة، زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد روى محمد بن إبراهيم التميمي، قال: (إن فلاناً دخل المدينة حاجاً، فأتاه الناس يسلمون عليه فدخل سعد فسلم فقال: وهذا لم يعنا على حقنا على باطل غيرنا. قال: فسكت. فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقال ك هاجت فتنة وظلمة، فقال لبعيري: إخ إخ، فانحنت حتى انجلت. فقال رجل: إني قرأت كتاب الله من أوله إلى آخره فلم أر فيه إخ إخ. فقال: أما إذا قلت، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (علي مع الحق، أو الحق مع علي حيث كان)، قال: من سمع ذلك؟. قال: قاله في بيت أم سلمه، قال: فأرسل إلى أم سلمه فسألها. فقالت: قد قاله رسول الله في بيتي، فقال الرجل لسعد: ما كنت عندي ألوم منك الآن. فقال: ولم؟ قال: لو سمعت هذا من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم أزل خادماً لعلي حتى أموت)([49])

ومنهم أبو سعيد الخدرى، فقد قال: كنا عند بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفر من المهاجرين والأنصار فقال: ألا أخبركم بخياركم قالوا: بلى، قال: الموفون المطيبون، إن الله يحب الخفى التقى، قال: ومر علي بن أبى طالب فقال: (الحق مع ذا الحق مع ذا)([50])


([1])  يشكك البعض في ولادة الإمام علي في الكعبة، ويتصور أن ذلك قول الشيعة، وهذا غير صحيح، فالمصادر السنية والشيعة تذكر ذلك، ومن علماء السنة الذي نصوا على هذا، الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك، حيث قال: (وقد تواترت الأخبار ان فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في جوف الكعبة) (المستدرك 3 / 483)

ومنهم العلامة المحدث شاه ولي الله أحمد الدهلوي في (إزالة الخفاء)، حيث قال : (قد تواترت الاخبار ان فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علياً في جوف الكعبة)

([2])  رواه الترمذي، وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد سمع مني محمد بن إسماعيل ـ يعني البخاري ـ هذا الحديث، سنن الترمذي ج5 ص305، ورواه ابن المغازلي في المناقب ص260 الحديث 308 وابن عساكر في ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ مدينة دمشق ج1 ص258.

ومثلهم رواه أحمد في المسند (2/26)، وفي الفضائل (955)، وقال الحافظ ابن حجر: (هو حديث مشهور له طرق متعددة كل طريق منها على انفراده لا تقصر عن رتبة الحسن، ومجموعه مما يقطع بصحته على طريق كثير من أهل الحديث) [القول المسدد (20)]

([3])  خصائص أميرالمؤمنين للنسائي، ص13.

([4]) نهج البلاغة، الخطبة 192.

([5]) نهج البلاغة، الخطبة 192.

([6]) نهج البلاغة، الخطبة 190.

([7]) صفة الصفوة 1: 162.

([8]) المستدرك على الصّحيحين ج 3 ص 112.

([9]) تذكرة الخواص: ص117.

([10]) تاريخ الطبري، (2/ 319)

([11])  المستدرك للحاكم 3/ 14، سنن الترمذي (6/ 80)

([12]) هذا الحديث من الأحاديث المتواترة التي نقلها الفريقان بأسنادهم الكثيرة عن رسول الله a عند توجّهه إلى غزوة تبوك. وهو مذكور في أغلب المجاميع السنيّة والشيعية.

([13])  شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1/ 20.

([14])  شرح نهج البلاغة 1/20 و5/217، محاضرات الاُدباء للجاحظ 1/131.

([15])  شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1/ 20.

([16])  العقد الفريد 1/ 102.

([17])  كشف الغمة: 1/205،  وإعلام الورى ص194 ، ومناقب آل أبي طالب: 3/136.

([18])  انظر: البيهقي في دلائل النبوة، السيرة النبوية لابن كثير ج3 ص204.

([19]) رواه أحمد 1/99 (778) و1/133 (1117)، وابن ماجة 117، ورواه البخاري: 4/64 (2975) و5/23 (3702) وفي 5/171 (4209)، ومسلم: 7/122 (6303)

([20]) رواه الترمذى فى المناقب: مناقب على بن أبى طالب، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. صحيح الترمذى: 5/638؛ وأخرجه مسلم من الطريقين جميعًا فى فضائل الصحابة: من فضائل على بن أبى طالب: 5/268.

([21]) رواه أحمد (1/151، رقم 1296)، وعبد الله فى زوائده على المسند، وأبو الشيخ، وابن مردويه، [كنز العمال 4400]

([22])  انظر الحديث في: مسند أحمد 1 ص 150.

([23]) مسلم 97/119 (6295و6296)، والنسائي في الكبرى: 8381، وغيرهم كثير.

([24]) مسلم 97/119 (6295و6296)، والنسائي في الكبرى: 8381، وغيرهم كثير.

([25])  رواه من الصحابة: أنس بن مالك، وعلي، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي رافع، ويعلى بن مرة، وسفينة.. ولذلك فإنه يكاد يصير من الأحاديث من المتواترة، بل هناك من صرح بتواتره.. قد ذكر ابن كثير: أنّ الحافظ الذهبي ألف جزءا في طرق الحديث، فبلغ عدد من رواه عن أنس: بضعة وتسعين نفسا [البداية والنهاية (4/416)]، وقال الذهبي: (له طرق كثيرة جدا قد أفردتــُها بمصنــَّف، ومجموعها يوجب أن يكون الحديث له أصل) [تذكرة الحفاظ (3/1043)]

([26])  المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/ 141)،وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

([27])  مسلم في صحيحه (78)، والترمذي (5/306) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه(114) والنسائي (8/117) وفي خصائص علي (100-102)، وعبد الله بن أحمد في زياداته على الفضائل (1102) وأبو نعيم في الحلية (4/185)

([28])  البزار (كشف الأستار 3/169)، وعبد الله في زيادات الفضائل (1086)

([29])  أحمد في فضائل الصحابة بإسناده على شرط البخاري.

([30])  انظر: المستدرك (3/130) الطبراني في المعجم الكبير(23/380/901) عن أم سلمة، وقال الهيثمي في المجمع (9/132): (وإسناده حسن)، وقد علق عليه الشيخ ممدوح بقوله: (فهذا طريقان للحديث كلاهما حسن لذاته، فالحديث: صحيح بهما)

([31])  مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري 3/127..

([32]) رواه ابن أبي يعلى في الطبقات(358/2)

([33]) المستدرك على الصحيحين:3/107.

([34]) الموضوعات لابن الجوزي: 2/24..

([35]) فتح الباري:7/104.

([36])  انظر موسوعة الغدير، المحقّق الأميني: 1: 14 ـ 61.

([37])  ما أورده هنا هو من روايات متفرقة وردت في الصحاح والسنن وغيرها.

([38])  صحيح مسلم (2408) والترمذي (3788) واللفظ له. وغيرهما كثير.

([39])  الشطر الأول من الحديث ـ كما ينص المحدثون ـ: متواتر، نص على تواتره عدد من الحفاظ، وأما الزيادة الواردة في الحديث، وهي قوله a: (اللهم وال من والاه،وعاد من عاداه) فهي صحيحة، وقد وردت عن عدد من الصحابة، وصححها عدد من الحفاظ من رواية أنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، وسعد بن أبي وقاص.. وقد خصص الحافظ ابن عقدة لها مصنفا مستقل، استوعب فيه طرقها، ومثله السيد أحمد بن الصديق الغماري في: (الإعلام بطرق المتواتر من حديثه عليه السلام)، بل إن الإمام أحمد نفسه ذكر في (الفضائل)، والنسائي في (الخصائص)، وابن الجزري في (المناقب)، والهيثمي في (المجمع) روايات كثيرة في الدلالة عليه وعلى معناه.

([40])  رواه النسائي في  خصائص علي  (ص 29) وابن حبان (2207) وأحمد (3 / 33 و82) وأبو يعلى (1 / 303 – 304) وأبو نعيم في  الحلية  (1 / 67) وابن عساكر (12 / 179 / 2 – 180 / 2)، والحاكم (3 /122 – 123)، وقال: صحيح على شرط الشيخين.

([41])  رواه أحمد في المسند (5/351)، والترمذي (3718)، وابن ماجه في مقدمة سننه (149)

([42])  رواه أحمد (5/306، رقم 22663) ، ومسلم (4/2235، رقم 2915)، والبيهقى (8/189، رقم 16566) ، وأبو نعيم فى الحلية (7/198)، وغيرهم كثير.

([43])  ابن أبى شيبة (6/385، رقم 32246)

([44])  أحمد (1/389، رقم 3693) ، والحاكم (3/438، رقم 5664) وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبى.

([45])  فضائل الصحابة (1350)، ورواه الحاكم في المستدرك (3/149) وقال: (هذا حديث حسن من حديث أبي عبد الله أحمد بن حنبل)، وله شواهد عند الترمذي (5/699)، وابن ماجه(1/52)، والطبراني في الكبير (3/149)، والحاكم في المستدرك (3/149) وغيرهم.

([46])  رواه الطيالسي (829)، وابن أبي شيبة (12/79). وأحمد في المسند (4/437)، وفي الفضائل (1035)،والترمذي (5/269)، والنسائي في الخصائص (88)،وابن حبان (6929)،والحاكم (3/110)

([47])  مستدرك الحاكم، حديث رقم: (4686)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

([48])  مستدرك الحاكم، حديث رقم: (4735)، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

([49])  مجمع الزوائد: ج 9 ، ص 134.

([50])  رواه أبو يعلي ورجاله ثقات، انظر: مجمع الزوائد: 7/234.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *