المبحث السادس: المنهج المقاصدي

المبحث السادس

المنهج المقاصدي

وهو المنهج الذي يعتمد ما يفهمه من مقاصد الشارع في الأحكام التفصيلية، باعتبار أن الأحكام الشرعية ليست تعبدية محضة، بل هي مفهومة المعنى، يقول الشيخ محَمَّد الطاهر ابن عاشور: (مقاصد التشريع العَامَّة هي: المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختصُّ ملاحظتها بالكون في نوع خاصٍّ من أحكام الشريعة.. فيدخل في هَذَا أوصافُ الشريعة وغايتها العَامَّة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها. ويدخل في هَذَا أَيضًا معانٍ من الحِكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام وَلَكِنَّهَا ملحوظة في أنواع كثيرة منها)([1])

وقد عرفها بعض المحدثين، فقال: (هي القيم العليا التي تكمن وراء الصيغ والنصوص يستهدفها التشريع كليات وجزئيات)([2])

بناء على هذا التعريف سنعرض هنا – باختصار شديد – لمثل ما عرضنا إليه في المباحث السابقة من أعلام هذا المنهج الذين يمثلونه وأدلتهم والمنهج أو الآليات التنفيذية التي يعتمدون عليها في الفتوى.

أولا ـ أعلامه:

يتفق جميع أعلام الأمة – من الناحية النظرية – على أن الشريعة الإسلامية مبنية على مقاصد واضحة لابد على الفقيه والمفتي أن يلاحظها في فتاواه.

يقول ابن القيم: (إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها، ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضررها وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فهي ليست من الشريعة)([3])

ولهذا فإن الشاطبي – بناء على أهمية المقاصد- لا يرى حصول درجة الاجتهاد إلا (لمن اتصف بوصفين: الوصف الأول: فهم مقاصد الشريعة على كمالها. لأن الإنسان إذا بلغ مبلغاً فهم عن الشارع قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها؛ فقد حصل له وصف ينَزّله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في التعليم والفُتيا والحكم بما أراه الله.. والوصف الثاني: التمكّن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها، بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولاً، وفي استنباط الأحكام ثانياً)([4])

ويرى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أنَّ المجتهد محتاجٌ إلى معرفة المقاصد وفهمها في كل الأنحاء التي يقع بها تصرفهم في الشريعة، سواءٌ في فهم أقوال الشريعة واستفادة مدلولات تلك الأقوال بحسب الوضع اللُّغوي والاستعمال الشرعي، أو في البحث عمّا يعارض الأدلة فيما يلوح للمجتهد وقد استكمل نظره في استفادة مدلولاتها ليستيقن سلامة تلك الأدلة مما يبطل دلالتها، أو عند قياس ما لم يرد حكمه في أقوال الشارع على حكم ما ورد حكمه فيه على ضوء العلل، أو عند تلقّي الأحكام التعبُّدية التي لا يعرف عللها ولا حكمة الشارع فيها متهماً نفسه بالقصور عن إدراك الحكمة فيها، وغير ذلك مما يتصرّف المجتهد بفقهه في الشريعة([5]).

ويبين عبد الوهاب خلاف ضرورة التعرف على المقاصد ودورها في حل الإشكالات التي قد يقع فيها المجتهد، فيقول: (ومعرفة المقصد العام من التشريع من أهم ما يستعان به على فهم نصوصه حق فهمها، وتطبيقها على الوقائع، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه، لأن دلالة الألفاظ والعبارات على المعاني، قد تحتمل عدة وجوه، والذي يرجح واحداً من هذه الوجوه هو الوقوف على مقصد الشارع، لأن بعض النصوص قد تتعارض ظواهرها، والذي يرفع هذا التعارض ويوفق بينها أو يرجح أحدها هو الوقوف على مقصد الشارع. لأن كثيراً من الوقائع التي تحدث ربما لا تتناولها عبارات النصوص، وتمس الحاجة إلى معرفة أحكامها بأي دليل من الأدلة الشرعية بنصوصه وروحه ومعقوله. وكذلك نصوص الأحكام التشريعية لا تفهم على وجهها الصحيح إلا إذا عرف المقصد العام للشارع من تشريع الأحكام، وعرفت الوقائع الجزئية التي من أجلها نزلت الأحكام القرآنية، أو وردت السنة القولية أو الفعلية)([6])

ولكنهم – من الناحية التطبيقية – يختلفون اختلافا شديدا، وبناء على هذا، فإنا نريد بأتباع هذا المنهج هنا ليس من يصرح فقط بكونه يقبل بأن للشريعة مقاصد وغايات، وإنما من يعتبرها في الفتوى، وخاصة في المتغيرات الحادثة في الواقع.

وبناء على هذا يمكننا أن نتتبع الفتاوى لنجد من يراعي هذا، ومن يقصر فيه، ولا يهمنا تنظيره للمقاصد أو اعتقاده بها، لأن كل مسلم يعتقد بأن الشريعة – كما يذكر ابن القيم – (عدل كلها، ورحمة كلها، وحِكمة كلها)([7])

وبناء على هذا، ومن خلال النظر في واقع الفتوى نجد صنفين ممن يمكن اعتبارهم من أعلام هذا المنهج:

الصنف الأول:

ويمثلهم الكثير من الفقهاء من المدارس السابقة، حتى المدارس التي تؤمن بالتمذهب، حيث نجد لها في فقه النوازل أحيانا ما تراعى فيه مقاصد الشريعة.

ومن الأمثلة على ذلك:

 المثال الأول: استفتي الشاطبي عن (بيع الأشياء التي منع العلماء بيعها من أهل الحرب كالسلاح وغيره، لكون أهل الأندلس محتاجين إلى النصـارى في أشياء أخـرى كالأكـل واللبـاس وغيـرها…وسؤاله عن الشمـع، وهل يتنزّل منـزلة ما ذُكِر سابقا في بيعـه…؟ وهل هناك فرق بين أهل الأندلس وغيرهم من أرض الإسلام في بيع مثل هذه الأشياء؟)([8])

فأجاب بالمنع ولم يلتفت إلى الضرورة التي تعلّل بها المستفتي؛ لأنه رأى أن حماية المسلمين من العدو وما تقتضيه تلك الحماية من عدم تمكينه بما يعينه على أمر أهل الأندلس، وهذا أولى من حاجة بعض الناس إلى الطعام.. وبيع السـلاح والطعـام إلى أهـل الحـرب داخـل فيما يكون أداؤه إلى المفسـدة كثيـرا لا نـادرا، ورأى أنه ليس هناك موجب لتسويغ البيع منهم مستدلا بقوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا }([9])، (فالآية نبّهت على أنّ الحاجة إليهم في جلب الطعام إلى مكة لا ترخّص لهم في انتهاك حرمة الحرم، فكذلك الأمر هنا: لا تـرخُص في استـباحة الإضـرار بالمسلمين)([10])

وبين أنه سار في هذا على خطى سلفه الفقيه المـازري المالكي الذي منـع بيع كل ما يكـون لأهل الحرب به قوة على المسلمين كالطعام والسلاح وحتى الشمع؛ لأنهم – كما بيّن الشاطبي – يستعينون به في الإضرار بالمسلمين.

قال الشاطبي: (و أما صنع الشمع للنصارى فإن كان لأنهم يستعينون به علينا فـيُمنع كما ذُكر في بيعه من النصارى، وأما ما يعلم أنهم يصنعونه لآلهتهم فينبغي ألا يصنع لهم، ولا يباع منهم نظير ما قاله ابن القاسم في بيع الشاة منهم مع العلم بأنهم يذبحونها لأعيادهم، فإنه يُكرِّهه كراهية تنـزيه وأن البيع إن وقع لم يفسخ وهو في العتبية)([11])

المثال الثاني: ذكر الشيخ ابن عاشور أمثلة كثيرة عن رعاية المفتين في النوازل خصوصا لمقاصد الشريعة، ولو بمخالفة مذاهبهم التي يقلدونها، وذلك عند ذكره للضرورة العامة المؤقتة، كأن يعرض الاضطرار للأمة أو طائفة عظيمة منها يستدعي الإقدام على الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي من سلامة الأمة أو إبقاء قوتها أو نحو ذلك.

ولا شك أن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصة([12])وأنها تقتضي تغييرًا للأحكام الشرعية المقررة للأحوال التي طرأت عليها تلك الضرورة. ومن الأمثلة التي ذكرها لهذا:

الكراء المؤبد في أرض الوقف حين زهد الناس في كرائها للزرع: لما تحتاجه الأرض من قوة الخدمة، ووفرة المصاريف لطول تبويرها؛ وزهدوا في كرائها للغرس والبناء، لقصر المدة التي تكترى أرض الوقف لها، ولامتناع الغارس أو الباني من أن يغرس أو يبني لمدة قصيرة ثم يجبر على أن يقلع ما أحدثه في الأرض.

في مثل هذه الحالة جرت فتوى لابن السراج وابن منظور من علماء الأندلس في أواخر القرن التاسع بجواز الكراء على التأبيد، واعتبروا هذا الكراء المؤبد لا غرر فيه، لأن الأرض باقية غير زائلة، ولأن طول المدة من شأنه أن يحقق مصلحة عامة منجرة من وفرة إنتاجها، وهي راجحة على ما يمكن أن يخالط الآماد الطويلة من خطر([13]). وكراء أرض الحبس على التأبيد قد أجازه التسولي إلى ما شاء الله من السنين. وقد جرى العمل بكراء أرض الحبس على التأبيد في المغرب ومصر والبلاد التونسية، وهو المعروف بالإنزال في تونس في اصطلاح المالكية، والكردار في اصطلاح الحنفية.

الترخيص في تغيير الحبس الذي تعطلت منفعته تحصيلاً للمنفعة من وجه آخر، وقد ذكره الونشريسي في المعيار([14])فقال: أما مسألة دار الوضوء، فإن بطلت منفعتها، وتعذر إصلاحها، ولم ترج عودتها في المستقبل، وجاز أن تتخذ فندقًا. ولذلك جاز للناظر أن يستغلها في أي شأن يعود على المسجد الجامع بالنفع البين.

وكذلك أجازوا أن يستغل ناظر الوقف غلات الحبس الذي يتعطل عمله فيحقق بها مصلحة أخرى مشابهة. ويعتبر هذا العمل من الإقدام على الفعل الممنوع ضرورة، لتحقيق مقصد شرعي فيه سلامة الأمة.

وكذلك أجازوا للناظر أن يصرف من أموال الأحباس على المساجد، إذا كانت زائدة على الحاجة، في بعض وجوه البر كالتدريس، وإعانة طلبة العلم، وتحفيظ القرآن العظيم، لنفس الرخصة المتقدمة، ولنفس الضرورة.

وأجازوا أيضا بيع العقار الحبس وتعويضه بآخر. وجاء في المعيار للونشريسي: وفي نوازل سحنون: لم يجز أصحابنا بيع الحبس، إلا دارًا جوار مسجد ليوسع بها، ويشترى بثمنها دارا مثلها تكون حبسًا. وقد أدخل في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم دورًا كانت محبسة)([15])

الصنف الثاني:

ويمثلهم بعض من المحدثين ممن تشربوا الثقافة الغربية، أو تأثروا بها، ولم يدرسوا الشريعة أو يتفقهوا فيها، وتصوروا أنهم بما لديهم من أفكار حديثة يستطيعون أن يحددوا مقاصد الشارع، ويستطيعوا من خلالها أن يفتوا على أساسها.

ومع أنه لا يمكن اعتبار هؤلاء من الفقهاء، ولكن مع ذلك نجد أن هناك من يقوم بنشر آرائهم وأفكارهم تحت شعارات التجديد والإصلاح ونحو ذلك.

وربما يكون نجم الدين سليمان بن عبد القويِّ الطوفيُّ (ت: 716هـ) مثالا لهم في فقهائنا القدامى([16])، فقد بالغ في مراعاة المصلحة، إذ اعتبرها دَلِيلاً شرعيًّا مستقلاًّ عن النصوص، بل اعتبرها أقوى أَدِلَّة الشرع، وقدَّمها عَلَى النصِّ والإجماع من باب التخصيص والبيان([17])، لا من باب الإبطال لهما وعدم اعتبارهما.

وقد رد ابن تيمية على هذا المنهج في مواضع كثيرة من كتبه، منها قوله في معرض رده على من أجاز نكاح التحليل بحجّة أن رجوع الزوجين لبعضهما عمل صالح يُثاب عليه المحلل: (وقولهم إن قصد تراجعهما قصد صالح لما فيه من المنفعة، قلنا هذه مناسبة شهد الشارع لها بالإلغاء والإهدار، ومثل هذا القياس والتعليل هو الذي يحلل الحرام ويحرم الحلال، والمصالح والمناسبات التي جاءت الشريعة بما يخالفها إذا اعتبرت فهي مراغمة بَيّنة للشرع مصدرها عدم ملاحظة حكمة التحريم، وموردها عدم مقابلته بالرضا والتسليم، وهي في الحقيقة لا تكون مصالح وإن ظنّها الناس مصالح، ولا تكون مناسبة للحكم وإن اعتقدها معتقد مناسبة، بل قد علم الله ورسوله ومن شاء من خلقه خلاف ما رآه هذا القاصد في نظره؛ ولهذا كان الواجب على كل مؤمن طاعة الله ورسوله فيما ظهر له حسنه وما لم يظهر، وتحكيم علم الله وحكمه على علمه وحكمه؛ فإن خير الدنيا والآخرة وصلاح المعاش والمعاد في طاعة الله ورسوله)([18])

وقال في موضع آخر: (القول الجامع: أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا حدثنا به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد بها فأحد أمرين لازم له: إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر، أو أنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة، لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة، كما قال تعالى: { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا }([19]) وكثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف وأهل الرأي وأهل الملك، حسبوه منفعة أو مصلحة نافعا وحقا وصوابا وليس كذلك فإذا كان الإنسان يرى حسنا ما هو سيئ كان استحسانه أو استصلاحه قد يكون من هذا الباب)([20])

ومثله قال الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي – بعد أن عرف المصلحة ثم ذكر أقسامها وحصر الخلاف في المصلحة المرسلة – (والذي أرجح وأراه أخيرا أن بناء الأحكام على المصلحة ليس مقصورا عليها فقط، بل لا بد أن يكون الشارع اعتبر جنس هذه المصالح فلا يترك تحديد ما هو مصلحة أو مفسدة للبشر فهم لا يستطيعون ذلك استقلالا دون سند من شرع الله، ولو قلنا أن البشر يستطيعون تحديد المصالح والمفاسد ثم يبنون عليها الأحكام وتكون تشريعا في حقهم لأجزنا لهم وضع التشريعات، ثم إن القول بأن هناك مصالح أغفلتها الشريعة طعن في كمالها وشمولها وعمومها وقد دلت الأدلة القاطعة على إكمال الله للدين، وحفظه من التغيير والتبديل، وعليه فإذا كان جنس المصلحة قد اعتبره الشارع جاز بناء الحكم عليها إذا لم يوجد أي دليل آخر مقدم عليها، ولا يجوز للمسلم أن يتصرف في تشريع ما لم يجعل الله له ذلك الحق، وكثير من الأمور المبنية على المصالح كالسياسة الشرعية والولايات العامة والخاصة والأنظمة كل هذه قد أعطى الله أصحابها حقوقا يتصرفون في دائرتها وإن لم ينص على جزئيات التصرف)([21])

ثانيا ـ أدلته:

لا يمكن استيعاب أدلة القائلين بهذا هنا، ولكن يمكن أن نجمعها في المجامع التالية:

الدليل الأول:

ما جاء في الشريعة من النصوص الكثيرة الدالة على أن أحكام الشريعة الإسلامية – في جملتها – معلله كما ذكرنا بعض الأمثلة على ذلك سابقا.

بالإضافة إلى أن أن خلو الشريعة من المقاصد يثير شبهة العبث الذي تنزه عنه البارئ سبحانه وتعالى، يقول ابن القيم: (إنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئاً عبثاً ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة، هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا، وهذا في مواضع لا تكاد تحصى ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها)([22])

وقال ابن تيمية: (إن العقل الصريح يعلم أن من فعل فعلا لا لحكمة، فهو أَولى بالنقص ممن فعل لحكمة كانت معدومة، ثم صارت موجودة في الوقت الذي أحب كونها فيه. فكيف يجوز أن يقال فعله لحِكْمة تستلزم النقص وفعله لا لحكمة لا نقص فيه)([23])

الدليل الثاني:

 أنه لا يمكن للفقيه أن ينزل أحكام الشريعة للواقع والمتغيرات الحاصلة فيه إلا من خلال فهمه لمقاصد الشريعة، وإلا تخلفت الشريعة عن الواقع، ولأجل هذا يرى أصحاب هذا المنهج أنه لا تحصل درجة الاجتهاد إلا لمن اتصف بوصفين([24]):

 الأول: فهم مقاصد الشريعة على كمالها لأن الإنسان إذا بلغ مبلغاً فهم عن الشارع قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها؛ فقد حصل له وصف ينَزّله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في التعليم والفُتيا والحكم بما أراه الله.

والثاني: التمكّن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها، بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولاً، وفي استنباط الأحكام ثانياً.

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

بناء على التصنيف السابق لأعلام هذا المنهج، فإنه يمكن أن نرى منهجين للفتوى قد يتفقان في بعض الغايات، ولكن يختلفان اختلافا شديدا في آليات التنفيذ:

المنهج الأول:

وهو يعتمد على اعتبار الدليل الشرعي هو الأساس في التعرف على مقاصد الشريعة – أولا – ثم يطبق هذا المبدأ على الفروع المختلفة، مع مراعاة ما ورد فيها من النصوص الخاصة.

ولهذا، فإن أول ما ينطلق منه أصحاب هذا المنهج لتحديد المقاصد الشرعية والوسائل المحققة لها هي المصادر الأصلية من القرآن الكريم والسنة المطهرة.

يقول الشاطبي: (نصوص الشارع مفهمة لمقاصده بل هي أول ما يتلقى منه فهم المقاصد الشرعية)([25])

ويقول الدكتور محمد سعد اليوبي: (إذا كان من المعلوم أن القرآن هو أساس الشريعة الإسلامية وأصلها، فإنه من الضروري للباحث عن مقاصدها، الطالب لأهدافها أن يبحث عن المقاصد التي اشتمل عليها أصلها، وتضمنها ينبوعها ألا وهو كتاب الله)([26])

وقد ذكر في كتابه (مقاصد الشريعة وعلاقتها بالأدلة الشرعية) بعض الأمثلة على المقاصد الواردة في القرآن الكريم نذكر بعضها هنا([27]) من باب المثال:

فقد ذكر الله تعالى مقاصد الصلاة، فقال:: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}([28])

وذكر مقاصد الزكاة، فقال: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ }([29])

وذكر مقاصد الحج، فقال: { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ }([30])

وذكر مقاصد الصيام، فقال:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }([31])

وذكر مقاصد الوضوء، فقال:{مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }([32])

وذكر مقاصد القصاص، فقال:: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }([33])

وذكر مقاصد حد السرقة، فقال: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }([34])

وهكذا وضحت السنة المطهرة مقاصد الشريعة الإسلامية، كما قال الشاطبي: (وإذا نظرنا إلى السنّة وجدناها لا تزيد على تقرير هذه الأمور فالكتاب أتى بها أصولاً يرجع إليها، والسنّة أتت بها تفريعاً على الكتاب وبياناً لما فيه منها فلا تجد في السنّة إلا ما هو راجع إلى تلك الأقسام فالضروريات الخمس كما تأصّلت في الكتاب تفصّلت في السنّة)([35])

المنهج الثاني:

وهو يعتمد على ما يتصوره أو يتوهمه من المصالح، ثم يحاول أن يفسر الشريعة على أساسها، فيقدم المصلحة المتوهمة على النص القطعي.

بل إن بعض الفقهاء تصوروا أن لهم مطلق الحرية في ابتداع الوسائل التي تحقق المقاصد التي يرون شرعيتها، حتى لو خالفت الظاهر من النصوص.

ومن الأمثلة المشهورة على ذلك ما فعله يحيى بن يحيى الليثي عميد الفقهاء المالكية بالأندلس، الذي أفتى الأمير عبد الرحمن بن الحكم بما يخالف النص، بل بما يخالف مذهبه أيضا([36]).

وقد ذكر المقري وقائع النازلة قائلاً: (جمع الأمير عبد الرحمن بن الحكم الفقهاء في عصره، وكان وقع على جارية يحبها في رمضان، ثم ندم أشد الندم، فسألهم عن التوبة والكفارة، فقال يحيى: تكفِّر بصوم شهرين متتابعين، فلما بادر يحيى بهذه الفتيا سكت الفقهاء حتى خرجوا، قال بعضهم لـه: لِمَ لم تفت بمذهب مالك بالتخيير؟، فقال: لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود)([37])

فقد رأي يحيى إلزام الأمير عبد الرحمن بصيام شهرين متتابعين، فخالف مالكا في التخيير، وآثر تقديم ما توهمه من مصلحة الزجر والردع، إلا أن المصلحة التي تركها، والتي دل عليها النص أولى بالاعتبار والنظر؛ ذلك أن المصلحة المترتبة إذا ما أفطر الأمير وأعتق كل يوم رقبة، أعظم من صومه بكثير، فمن مقاصد الشريعة العناية بالحرية، وقد جعل لذلك العتق أحد الوسائل لتحقيقها، ومثله اعتنى بإطعام المساكين، ولو بشق تمرة، فإطعام ستين مسكيناً مصلحة أعظم في ميزان الشرع من صومه.. هذا إن صامه.

وقد وصف الحجوي فتوى يحيى بأنها شاذة؛ لأخذه بالمصلحة في مقابل النص، (وذلك لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى تغيير حدود الشريعة بتغير الأحـوال، فتنحل رابطة الدين وتنفصم العـرى في معناه من أفتى أميرًا مترفهًا سافر من المجاورة للبحر في سفينة أمينة بعدم قصر الصلاة لعدم المشقة، وليس بصحيح؛ لأن الشرع علَّق القصر على السفر, فيكفي أنه مظنة المشقة وهي غير منضبطة، ومثل ذلك السفر في السكة الحديدية والسيارة والمناطيد الجوية, فيسنُّ القصر في مسافته ولو قطعها في جزء يوم وأدركته الصلاة وهو في السفر)([38])

ومن الأمثلة على ذلك أيضا ما نقله ابن القيم عن ابن عقيل في الفنون أنه قال: (جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية أنه هو الحزم، ولا يخلو من القول به إمام، فقال الشافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع.. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول. فإن أردت بقولك إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف، فإنه كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة([39]).

ونرى أن هذا قد يفتح المجال واسعا نحو مضاهاة الشارع، ولهذا نحتاج إلى التشدد فيه، لأن هناك من صار يعمد إلى بعض المقاصد الشرعية المعتبرة، لكنه يخترع لها من الوسائل ما يناقض به مقاصد شرعية أخرى، وكمثال على ذلك مخالفة بعض الباحثين لما ورد في النصوص القطعية من ضرورة الوحدة الإسلامية، ويخالفون ما يظهر في الواقع من دور الأحزاب السياسية في تقطيعها، ونشر الفرقة، ليقولوا بشرعية التعددية السياسية في الإسلام تأثرا بما يرونه في الغرب، لا انفعالا لما ورد في النصوص الشرعية، وكمثال على ذلك يقول الدكتور صلاح الصاوي: (أصبح من الصعب التعرف على من يجب مشاورتهم، ومن هم أهل لذلك، ومتى وكيف تتم عملية مشاورتهم، كما أصبح من الصعب قيام معارضة منظمة وجادة وقادرة وهادفة، بدون تنظيمات سياسية لها من الإمكانيات والوسائل ما تقدر به على التعبير عن الرأي ونشره وحمايته والدفاع عنه، الأمر الذي لا يتوافر حديثاً إلا في صورة الأحزاب السياسية، المفيدة في أهدافها ومبادئها بأصول الشريعة الإسلامية المتفق عليها)([40])


([1]) مقاصد الشريعة الإِسلاَمِيَّة، محَمَّد الطاهر ابن عاشور، الشركة التونسية للتوزيع، تـونس، ط1، ص51.

([2]) هو الدكتور فتحي الدريني. في كتابه خصائص التشريع الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت ، ط 2 ، 1434 هـ – 2013 م، ص194.

([3]) إعلام الموقعين، ج 3، ص3.

([4]) الموافقات ، ج5، ص 41.

([5]) مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور، ص 15– 17.

([6]) علم أصول الفقه، ص197.

(([7]) ) إعلام الموقعين، ج3، ص3.

([8]) الفتاوى، الشاطبي، تحقيق: محمد أبو الأجفان، مطبعة الاتحاد العام التـونسي ، تونس، ط1، 1984.ص 144، 145.

([9]) سورة التوبة: 28.

([10]) الفتاوى، ص 145.

([11]) الفتاوى، ص 146.

([12]) مقاصد الشريعة: ص 133.

([13]) المرجع السابق، ص 134.

([14]) المعيار المعرب، الونشريسي، بيروت، دار الغرب الإسلامي ، ج 5، ص149.

([15]) المرجع السابق، ج 1 ، ص 245.

([16]) نسبت له رسالة في شرح الأربعين النووية تكلم في أثنائها على حديث: (لا ضرر ولا ضرار)، وقال فيها بتقديم المصلحة على النص بطريق التخصيص والبيان بشرط أن يكون الحكم من أحكام المعاملات أو العادات أو السياسات الدنيوية أو شبهها، لا أن يكون من أحكام العبادات أو المقدرات ونحوها، لأن العبادات حق للشارع خاص به، ولا يمكن معرفة حقه كما وكيفا وزمانا ومكانا إلا من جهته فيأتي به العبد بما رسم له، فأحكام العبادات والمقدرات لا مجال للعقل في فهم معانيها على التفصيل (انظر: رسالة في رعاية المصلحة، نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي، تحقيق: أحمد عبد الرحيم السايح، الدار المصرية اللبنانية، ط1، 1413هـ / 1993م)

([17]) وقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى خلاف هذا، فحمل كلام الطوفي على جادة عموم الأصوليين في الموضوع كالباحث أيمن جبريل الأيوبي في رسالته القيمة (مقاصد الشريعة في تخصيص النص بالمصلحة)؛ حيث جمع كلام الطوفي بعضَه إلى بعض فجعله لا يخرج عن المنهجية الأصولية، غير أنه في تقرير الطوفي من العبارات المشتبهة والمجملة والملتبسة ما دفع بأكثرية المعاصرين إلى مخالفة هذا الرأي وحمل كلامه على تقديم المصلحة العقلية على النص أو تقديمها على النص القطعي أو نحو هذا مما يعد فيه الطوفي شاذاً عن الطريق الأصولي، ومن هؤلاء – على سبيل المثال – مصطفى زيد في المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي، ومحمد سعيد رمضان البوطي في ضوابط المصلحة في الشريعة الاسلامية، وأحمد الريسوني في نظرية المقاصد عند الامام الشاطبي، حسين حامد حسان في نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، وغيرهم كثير. (انظر: مع نظرية المصلحة عند نجم الدين الطوفي، د. فهد بن صالح العجلان، مجلة البيان، العدد : 290 )

([18]) بيان الدليل على بطلان التحليل، ابن تيمية، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، المكتب الإسلامي، 1418 – 1998 ، ص 250 .

([19]) سورة البقرة: 219.

([20]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميّة، ج11، ص 342.

([21]) أصول مذهب الإمام أحمد، د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، 1410 هـ ، ص469، وما بعدها.

([22]) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1398هـ/1978م، ص190.

([23]) شرح العقيدة الأصفهانية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، تحقيق: محمد بن رياض الأحمد، المكتبة العصرية – بيروت، ط1، 1425هـ، ص362.

([24]) الموافقات ، ج5، ص 41.

([25]) الموافقات، ج3، ص 125.

([26]) مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، محمد سعد بن أحمد بن مسعود اليوبي، دار الهجرة، ط1، 1418 – 1998، ص417.

([27]) المرجع السابق، ص424.

([28]) سورة العنكبوت: 45.

([29]) سورة التوبة: 103.

([30]) سورة الحج: 27، 28.

([31]) سورة البقرة: 183.

([32]) سورة المائدة: 6.

([33]) سورة البقرة: 179.

([34]) سورة المائدة: 38.

([35]) الموافقات، ج4، ص 346.

([36]) مذهب مالك في كفارة من أفطر متعمدا في رمضان على التخيير بين العتق وصوم شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً، واستحب مالك الإطعام (الكافي في فقه أهل المدينة، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، تحقيق: محمد محمد أحيد ولد ماديك الموريتاني، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط2، 1400هـ/1980م ، ج1، ص342.)

([37]) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر- بيروت – لبنان، ج2، ص11.

([38]) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، محمد بن الحسن بن العربيّ الفاسي، دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان، ط1، 1416هـ- 1995م، ج1، ص 159.

([39]) الطرق الحكمية، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، مكتبة دار البيان، ص13.

([40]) التعددية السياسية في الدولة الإسلامية، صلاح الصاوي، دار الإعلام الدولي، ط1، 1992، ص653.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *