المبحث الرابع: منهج التيسير

المبحث الرابع

منهج التيسير

وهو المنهج الذي يعتمد التيسير على المستفتي بأن يختار له من أقوال الفقهاء أو يستنبط له من النصوص مباشرة ما يراعي حاجته، وييسر عليه تنفيذ التكاليف، ولو بأدنى مراتبها.

وهذا المنهج يتبنى المنهج السابق من حيث اعتقاده بإمكانية الاستفادة من جميع التراث الفقهي، ويضيف إليه بعد التيسير، لاعتقاده أن التيسير على المكلفين مقصد من مقاصد الشريعة لا يصح تجاوزه.

إلا أن هذا المنهج، ومن خلال الواقع، نراه ينشئ في المتبنين له، وخاصة في أوساط العامة، نوعا من التحرر من أحكام الشريعة، وذلك عبر بعض الظواهر التي تحدث عنها الفقهاء، واختلفوا في مواقفهم منها، وهي: ظاهرة التلفيق، وظاهرة تتبع الرخص، وظاهرة الحيل الشرعية، والتي سنتحدث عنها هنا في هذا المبحث.

بناء على هذا سنعرض هنا – باختصار– لمثل ما عرضنا إليه في المباحث السابقة من أعلام هذا المنهج الذين يمثلونه وأدلتهم والمنهج أو الآليات التنفيذية التي يعتمدون عليها في الفتوى.

أولا ـ أعلامه:

ليس من السهولة أن نجد أعلاما خاصين بهذا المنهج لا يتجاوزونه أو لا يخالفونه مطلقا، ولكنا ومن خلال تتبع الفتاوى التي يجنح أصحابها إلى التيسير ورفع ثقل التكاليف عن المستفتي نجد ثلاثة أصول كبرى من اعتقدها جميعا، أو اعتقد ببعضها، يمكن أن نطلق عليه أنه من أصحاب هذا المنهج، وهذه الأصول هي:

الأصل الأول: جواز تتبع الرخص.

الأصل الثاني: جواز التلفيق بين المذاهب.

الأصل الثالث: جواز الحيل الفقهية.

وسنتحدث عن هذه الأصول ومواقف الفقهاء منها في هذا المطلب.

الأصل الأول: جواز تتبع الرخص

ليس المراد بالرخص([1]) هنا ما يقابل العزيمة([2])، باعتبار أن كليهما من أقسام الحكم الشرعي، لأنه لا خلاف بأن هذا النوع من الرخص مشروع بالكتاب والسنة، ومعلوم من الدين بالضرورة، ولا حرج على من أخذ به. وإنما المراد به رخص المذاهب الفقهية، فكل مذهب قد ييسر في محل، ويشدد في محل آخر.

وقد عرف هذا النوع من الرخص تعريفات كثيرة منها تعريف بدرُ الدِّين الزَّركشيُّ الشَّافعيُّ بأنَّها (اختيارُ المرء من كلِّ مذهب ما هو الأهون عليه)([3])

وعرفه المجمع الفقهيُّ الدَّوليُّ بأنَّه: (ما جاء من الاجتهادات المذهبيَّة مبيحًا لأمر في مقابلة اجتهادات أخرى تحظره)([4])

ومع كون أكثر الفقهاء ينكرون تتبع الرخص، إلا أنه ظهر ولا يزال يظهر من الفقهاء من لا يرى حرجا في تتبع الرخص، ويفتي على أساسها، وقد ذكر الشاطبي مدى انتشار ذلك في زمانه، فقال:(وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية؛ حتى صار الخلاف في المسائل معدودا في حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف([5])؛ فإن له نظرا آخر، بل في غير ذلك، فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع؛ فيقال: لم تمنع والمسألة مختلف فيها، فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة حيث جعل ما ليس بمعتمد متعمدا، وما ليس بحجة حجة)([6])

وقد اعتبر الشاطبي هذا من تتبع الهوى، ومتنافيا مع الاستقامة والتقوى التي أمرت بها الشريعة، فقال: (والقائل بهذا راجع إلى أن يتبع ما يشتهيه، ويجعل القول الموافق حجة له ويدرأ بها عن نفسه، فهو قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه، لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلا لأمر الشارع، وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه)([7])

والأمر الأخطر في هذا الباب هو ما أشار إليه الشاطبي من قيام بعض المفتين بالانتقاء في الفتوى، فيفتي لكل شخص بحسبه في المسألة الواحدة، لا مراعاة لحاله، وإنما مراعاة لأمور أخرى عبر عنها بقوله: (وقد أدى إغفال هذا الأصل إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بما لا يفتي به غيره من الأقوال؛ اتباعا لغرضه وشهوته، أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق.. ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة فضلا عن زماننا كما وجد فيه تتبع رخص المذاهب اتباعا للغرض والشهوة)([8])

وقد أشار إلى هذا أيضا ابن حزم، فقد وصف بعض الفقهاء في زمانه، فقال: (قد يحمل اسم التقدم في الفقه في بلد ما عند العامة من لا خير فيه، ومن لا علم عنده، ومن غيره أعلم منه، وقد شهدنا نحن قوما فساقا حملوا اسم التقدم في بلدنا وهم ممن لا يحل لهم أن يفتوا في مسألة من الديانة، ولا يجوز قبول شهادتهم، وقد رأيت أنا بعضهم، وكان لا يقدم عليه في وقتنا هذا أحد في الفتيا، وهو يتغطى الديباج الذي هو الحرير المحض لحافا، ويتخذ في منزله الصور ذوات الأوراح من النحاس والحديد تقذف الماء أمامه، ويفتي بالهوى للصديق فتيا، وعلى العدو فتيا ضدها، ولا يستحي من اختلاف فتاويه على قدر ميله إلى من أفتى، وانحرافه عليه، شاهدنا نحن هذا منه عيانا، وعليه جمهور أهل بلدنا، إلى قبائح مستفيضة لا نستجيز ذكرها؛ لأننا لم نشاهدها)([9])

وأشار الشاطبي إلى أمر أخطر من الفتوى، وهو القضاء، حيث ذكر أن بعض القضاة يتخير في الفتوى ما يتناسب مع هواه في الحكم بين الخصوم، مع أن (القصد من نصب الحكام رفع التشاجر والخصام على وجه لا يلحق فيه أحد الخصمين ضرر، مع عدم تطرق التهمة للحاكم، وهذا النوع من التخيير في الأقوال مضاد لهذا كله)([10])

 ونقل في هذا عن ابن عبد البر أن قاضيا من قضاة قرطبة كان كثير الاتباع ليحيى بن يحيى، لا يعدل عن رأيه إذا اختلف عليه الفقهاء، فوقعت قضية تفرد فيها يحيى وخالف جميع أهل الشورى؛ فأرجأ القاضي القضاء فيها حياء من جماعتهم، وردفته قضية أخرى كتب بها إلى يحيى، فصرف يحيى رسوله، وقال له: لا أشير عليه بشيء؛ إذ توقف على القضاء لفلان بما أشرت عليه. فلما انصرف إليه رسوله وعرفه بقوله قلق منه، وركب من فوره إلى يحيى وقال له: لم أظن أن الأمر وقع منك هذا الموقع، وسوف أقضي له غدا إن شاء الله. فقال له يحيى: وتفعل ذلك صدقا؟ قال: نعم. قال له: فالآن هيجت غيظي؛ فإني ظننت إذ خالفني أصحابي أنك توقفت مستخيرا لله متخيرا في الأقوال، فأما إذ صرت تتبع الهوى وتقضي برضى مخلوق ضعيف؛ فلا خير فيما تجيء به، ولا في إن رضيته منك، فاستعف من ذلك فإنه أستر لك، وإلا رفعت في عزلك)، فرفع يستعفي فعزل([11]).

وذكر حادثة أخرى عن بعضهم أنه (اكترى جزءا من أرض على الإشاعة، ثم إن رجلا آخر اكترى باقي الأرض، فأراد المكتري الأول أن يأخذ بالشفعة وغاب عن البلد، فأفتى المكتري الثاني بإحدى الروايتين عن مالك أن لا شفعة في الإجارات، قال لي: فوردت من سفري، فسألت أولئك الفقهاء -وهم أهل حفظ في المسائل وصلاح في الدين- عن مسألتي؛ فقالوا: ما علمنا أنها لك؛ إذ كانت لك المسألة أخذنا لك برواية أشهب عن مالك بالشفعة فيها. فأفتاني جميعهم بالشفعة، فقضي لي بها) ([12])

بل وصل الأمر ببعضهم – كما يذكر الشاطبي- إلى الى أن يعتبر ذلك من حقوق الصداقة، قال: (أخبرني رجل عن كبير من فقهاء هذا المصنف مشهور بالحفظ والتقدم أنه كان يقول معلنا غير مستتر: إن الذي لصديقي علي إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه) ([13])

ثم ذكر الشاطبي مدى انتشار هذه الظاهرة في عصره، وموقفه منها، فقال: (وكثيرا ما يسألني من تقع له مسألة من الأيمان ونحوها: لعل فيها رواية؟ أم لعل فيها رخصة؟ وهم يرون أن هذا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو كان تكرر عليهم إنكار الفقهاء لمثل هذا لما طولبوا به ولا طلبوه مني ولا من سواي، وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق، رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه، وإنما المفتي مخبر عن الله تعالى في حكمه؛ فكيف يخبر عنه إلا بما يعتقد أنه حكم به وأوجبه، والله تعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}[14]؛ فكيف يجوز لهذا المفتي أن يفتي بما يشتهي، أو يفتي زيدا بما لا يفتي به عمرا لصداقة تكون بينهما أو غير ذلك من الأغراض؟ وإنما يجب للمفتي أن يعلم أن الله أمره أن يحكم بما أنزل الله من الحق، فيجتهد في طلبه، ونهاه أن يخالفه وينحرف عنه، وكيف له بالخلاص مع كونه من أهل العلم والاجتهاد إلا بتوفيق الله وعونه وعصمته؟!)([15])

ولكن مع هذا نجد من العلماء من أباح هذا وبرره، وذكر أن للمقلِّد أن يختار ما شاء مما يجد فيه سهولة ويسراً على نفسه من التكاليف الشرعية، لأن ذلك من متطلبات الشريعة، مشددين على أن لا يكون في ذلك تهرباً من التكليفات الشرعية أو تشهّياً من المكلف، أو عودةً منه عن تقليد التزمه في المسألة)([16])

ويقول العطار في حاشيته: (يجوز اتباع رخص المذاهب، ولا يمنع منه مانع شرعي… لا أدري ما يمنع منه عقلاً وشرعاً)([17])

ولعل أكثر من اهتم بتتبع الرخص، وحاول أن يسوغها شرعا بعض علماء المذهب الحنفي، وهذا ما رجحه الكمال بن الهمام في (فتح القدير)، حيث يقول: (وأنا لا أدري ما يمنع هذا؟ النقل أو العقل؟ وكون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، ما علمت من الشرع ذمةً عليه، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحب ما خفف عن أمته)([18])

بل روي أن من الفقهاء من صنف في هذا، قال إسماعيل القاضي: دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابا نظرت فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب([19]).

ونحب أن ننبه هنا إلى أنه ليس كل تتبع للرخص أنكره الفقهاء الكبار، فمنه ما جوزوه، بل دعوا إليه، كما ذكرنا ذلك في المنهج السابق.

ومن ذلك ما روي أن الإمام أحمد سئل عن مسألة في الطلاق فقال: (إن فعل حنث) فقال السائل: (إن أفتاني إنسان: لا أحنث) فقال: (تعرف حلقة المدنيين؟) قلت: (فإن أفتوني حلّ)، قال (نعم)، وروي عنه روايات أنه سئل عن الرجل يسأل عن المسألة فدله على إنسان، هل علي شيء؟ قال: (إن كان متبعاً أو معيناً فلا بأس، ولا يعجبني رأي أحد)([20])

وقال ابن عقيل: يستحب إعلام المستفتي بمذهب غيره إن كان أهلا للرخصة. كطالب التخلص من الربا، فيدله على من يرى التحيل للخلاص منه، والخلع بعدم وقوع الطلاق([21]).

وذكر القاضي أبو الحسين في فروعه في كتاب الطهارة عن أحمد: أنهم جاءوه بفتوى، فلم تكن على مذهبه. فقال: عليكم بحلقة المدنيين، (ففي هذا دليل على أن المفتي إذا جاءه المستفتي، ولم يكن عنده رخصة له أن يدله على مذهب من له فيه رخصة)([22])

الأصل الثاني: جواز التلفيق بين المذاهب

بناء على الاعتبارين اللذين يراعيهما أصحاب هذا المنهج بشدة، وهما:

  1. جواز الأخذ من أي مذهب من المذاهب الفقهية وغيرها، بل والتنقل بينها بحرية.
  2. أن التيسير مقصد من مقاصد الشريعة، ولا حرج في استعماله في أي موضع.

فقد ظهر في الواقع الإسلامي ما يسمى بالتلفيق، أو تلفيق المقلد([23])، ويقصدون به (أخذ صحة الفعل من مذهبين معاً بعد الحكم ببطلانه على كل واحد منهما بمفرده)([24]) أو هو (الإتيان بكيفية لا يقول بها المجتهد)([25])

ومعنى هذا أن الفقيه أو المفتي أو طالب العلم الذي ترسخت لديه المفاهيم السابقة يأخذ من كل مذهب ما يتناسب مع مصالحه، ولو أدى ذلك إلى أن يقوم بعمل يحكم الجميع بحرمته.

ومن الأمثلة التي يذكرها الفقهاء لهذا في أبواب العبادات (متوضئ لَمَسَ امرأة أجنبية بلا حائل، وخرجت منه نجاسة – كالدم – من غير السبيلين، فإن هذا الوضوء باطل باللمس عند الشافعية، وباطل بخروج الدم عند الحنفية، ولا ينتقض بخروج الدم من غير السبيلين عند الشافعية، ولا ينقض كذلك بلمس المرأة عند الحنفية، فإذا صلى بهذا الوضوء فإن صحة صلاته ملفقة بين المذهبين معاً)

ومن الأمثلة في باب النكاح (أن يتزوج الرجل امرأة بلا ولي ولا صداق ولا شهود، مقلداً كل مذهب يقول بواحدة من هذه لوحدها، كتقليد أبي حنيفة في عدم اشتراط الولي، وبعدم اشتراط الشهود مقلداً المالكية.. وهكذا)([26])

أو (أن يطلق زوجته ثلاثاً، ثم تتزوج بابن تسع سنين بقصد التحليل، مقلداً في زواجها في صحة النكاح عند الشافعي، فأصابها، ثم طلقها مقلداً في صحة الطلاق وعدم العدة للإمام أحمد، ليجوز لزوجها الأول العقد عليها تلفيقاً بين هذا المذهب وذاك)([27])

والمسألة – كما نرى – ترجع إلى ما طرحه المتشددون من أصحاب المنهج المذهبي من ضرورة الالتزام بالمذاهب، وعدم الخروج عنها، وبالتالي فإن من يرى هذا يرى حرمة التلفيق، ومن يرى جواز التنقل بين المذاهب، ولو في القضية الواحدة، يرى جواز التلفيق.

وقد أشار إلى هذا، والخلاف الوارد فيه، الزركشي، فقال: (فلو التزم مذهبا معينا، كمالك والشافعي، واعتقد رجحانه من حيث الإجمال فهل يجوز أن يخالف إمامه في بعض المسائل ويأخذ بقول غيره من مجتهد آخر؟ فيه مذاهب: (أحدها): المنع، وبه جزم الجيلي في الإعجاز، لأن قول كل إمام مستقل بآحاد الوقائع، فلا ضرورة إلى الانتقال إلا التشهي، ولما فيه من اتباع الترخص والتلاعب بالدين. و(الثاني) يجوز، وهو الأصح في الرافعي، لأن الصحابة لم يوجبوا على العوام تعيين المجتهدين، لأن السبب – وهو أهلية المقلد للتقليد عام بالنسبة إلى أقواله، وعدم أهلية المقلد مقتض لعموم هذا الجواب ووجوب الاقتصار على مفت واحد بخلاف سيرة الأولين)([28])

ثم ذكر الزركشي صورتين لجواز التلفيق:

 (إحداهما): إذا كان مذهب غير إمامه يقتضي تشديدا كالحلف بالطلاق الثلاث على فعل شيء، ثم فعله ناسيا أو جاهلا، وكان مذهب مقلده عدم الحنث فخرج منه لقول من أوقع الطلاق، فإنه يستحب له الأخذ بالاحتياط والتزام الحنث قطعا، ولهذا قال الشافعي: إن القصر في سفر جاوز ثلاثة أيام أفضل من الإتمام.

و(الثانية): إذا رأى للقول المخالف لمذهب إمامه دليلا صحيحا ولم يجد في مذهب إمامه دليلا قويا عنه ولا معارضا راجحا عليه، فلا وجه لمنعه من التقليد حينئذ محافظة على العمل بظاهر الدليل([29]).

ونقل العطار الشافعي أقوال عدد من العلماء أجازوا التلفيق لغرض الأخذ بالرخصة والأيسر، فقال: (نقل الشرنبلالي الحنفي عن السيد أمير باد شاه في شرح التجريد: يجوز اتباع رخص المذاهب، ولا يمنع منه مانع شرعي، إذ للإنسان أن يسلك المسلك الأخف عليه من مذهب إلى مذهب، إذا كان له إليه سبيل، بأن لم يكن عمل بقول آخر مخالف لذلك الأخف.. وقال ابن أمير الحاج إن مثل هذه التشديدات التي ذكروها في المتنقل من مذهب إلى مذهب إلزامات منهم لكف الناس عن تتبع الرخص، وإلا فأخذ العامي بكل مسألة بقول مجتهد يكون قوله أخف عليه فلا أدري ما يمنع منه عقلاً وشرعاً)([30])

ونحب أن ننبه هنا فقط إلى أن التلفيق الذي أجازه هؤلاء العلماء لا علاقة له بما ذكره بعض المتحللين من أحكام الشريعة المتلاعبين بها، والذين عبر ابن الرومي عنهم، فقال:

أباح العراقي النبيذ وشربه

  وقال الحرامان المدامة والسكر

وقال الحجازي: الشرابان واحد

   فحلت لنا من بين اختلافهما الخمر

سآخذ من قوليهما طرفيهما

  وأشربها لا فارق الوازر الوزر([31])

الأصل الثالث: جواز الحيل الفقهية

ومعناها – كما يذكر ابن القيم- (سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه، بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة.. وأخص من هذا استعمالها في التوصل إلى الغرض الممــنوع منه شرعاً أو عقلاً أو عادةً، فهذا هو الغالب عليها في عرف الناس)([32])

وقد ذكر ابن تيمية بداية نشوء هذه الظاهرة، فقال: (أما الإفتاء بها وتعليمها للناس وإنفاذها في الحكم، واعتقاد جوازها فأول ما حدث في الإسلام في أواخر عصر صغار التابعين بعد المئة الأولى بسنين كثيرة، وليس فيها ولله الحمد حيلة واحدة تؤثر عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل المستفيض عن الصحابة أنهم كانوا إذا سُئلوا عن فعل شيء من ذلك أعظموا وزجروا عنه)([33])

ومن المشهور في تاريخ التشريع الإسلامي أن الحنفية من أكثر من اهتم بهذا الجانب، وأن لهم فيها مؤلفات، منها (المخارج في الحيل) للإمام محمد بن الحسن الشيباني الحنفي، وقد حصل خلاف في نسبة الكتاب إليه، ومنها (الحيل والمخارج) للخصاف الحنفي، وغيرها.

وتروى عن أبي حنيفة الكثير من القصص في هذا، منها ما رواه محمد بن الحسن، قال: دخل على رجل اللصوص، فأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثا أن لا يعلم أحدا، قال: فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه، وليس يقدر يتكلم من أجل يمينه، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة، فقال له أبو حنيفة: (أحضرني إمام حيك والمؤذن والمستورين منهم)، فأحضرهم إياه، فقال لهم أبو حنيفة: (هل تحبون أن يرد الله على هذا متاعه؟) قالوا: نعم، قال: (فاجمعوا كل داعر وكل متهم فأدخلوهم في دار، أو في مسجد، ثم أخرجوهم واحدا واحدا، فقولوا له: هذا لصك، فإن كان ليس بلصه قال: لا، وإن كان لصه، فليسكت، فإذا سكت فاقبضوا عليه)، ففعلوا ما أمرهم به أبو حنيفة، فرد الله عليه جميع ما سرق منه([34]).

ومنها ما رواه عن وكيع قال: كان لنا جار من خيار الناس، وكان من الحفاظ للحديث، فوقع بينه وبين امرأته شيء وكان بها معجبا، فقال لها: أنت طالق إن سألتيني الطلاق الليلة، إن لم أطلقك الليلة ثلاثا، فقالت المرأة: عبيدها أحرار، وكل مال لها صدقة إن لم أسألك الطلاق الليلة، فجاءني هو والمرأة في الليل، فقالت المرأة: إني بليت بكذا، وقال الرجل: إني بليت بكذا، فقلت ما عندي في هذا شيء، ولكنا نصير إلى الشيخ أبي حنيفة فإني أرجو أن يكون لنا عنده فرج، وكان الرجل يكثر الوقيعة في أبي حنيفة وبلغه ذلك عنه، فقال: أستحيي منه، فقلت: امض بنا إليه، فأبى، فمضيت معه إلى ابن أبي ليلى وسفيان، فقالا: ما عندنا في هذا شيء، فمضينا إلى أبي حنيفة، فدخلنا عليه، وقصصنا عليه القصة وأخبرته أنا مضينا إلى سفيان وابن أبي ليلى، فعزب الجواب عنهما، فقال: إني والله ما أجد الفرض إلا جوابك، وإن كنت لي عدوا، فسأل الرجل: كيف حلف؟ وسأل المرأة: كيف حلفت؟ وقال: وأنتما تريدان الخلاص من الله في أيمانكما ولا تحبان الفرقة، فقالت: نعم، وقال الرجل: نعم، قال: سليه أن يطلقك، فقالت: طلقني، فقال للرجل: قل لها أنت طالق ثلاثا إن شئت، فقال لها ذلك، فقال للمرأة قولي: لا أشاء، فقالت: لا أشاء، فقال: قد بررتما وخرجتما من طلبة الله لكما، فقال للرجل: تب إلى الله من الوقيعة في كل من حمل إليك شيئا من العلم ” قال وكيع: فكان الرجل بعد ذلك يدعو لأبي حنيفة في دبر الصلوات، وأخبرني أن المرأة تدعو له كلما صلت([35]).

ولكن هذا وإن اشتهر به الحنفية، فليس خاصا بهم، حيث نجد من فقهاء المذاهب الأخرى من أخذ بهذا الأصل أيضا.

يقول النووي: (ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرّمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلباً للترخيص لمن يروم نفعه، أو التغليظ على من يريد ضرّه وأما من صحّ قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها لتخليص من ورطة يمين ونحوها، فذلك حسن جميل، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان: (إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد)([36])

ثانيا ـ أدلته:

لا يمكن استيعاب الأدلة التي يستند إليها أصحاب هذا المنهج، ولكن يمكن أن نجمعها في المجامع التالية:

الدليل الأول:

ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة من بيان سماحة الشريعة الإسلامية ويسرها، وأن من مقاصد الشرع الحكيم التيسير والتخفيف على المكلفين، كقوله تعالى تعقيبًا على أحكام الصيام: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}([37])، وقوله تعالى: { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}([38])، وقوله: { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا }([39])

ومن الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)([40])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أيها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا. وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)([41])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)([42])

ولذا أوصى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن فقال: (يَسّرا ولا تُعَسّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفّرا)([43])

ولهذا، فإن أصحاب هذا المنهج يرون في التشديد مخالفة لما ورد في هذه النصوص وغيرها من الأمر بمراعاة التيسير.

وقد استنبط الفقهاء –بمختلف مناهجهم -من تلك النصوص وغيرها الكثير من القواعد الشرعية التي استنبطوها من النصوص وغيرها، والتي تدل على أن التيسير غرض شرعي محترم لا جناح على الفقيه أن يعتمده، بل يجب عليه أن يعتمده في فتاواه.

ومن هذه القواعد:

1 ـ قاعدة: (المشقة تجلب التيسير) المستنبطة من قوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }([44])، وقوله: { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ }([45])، وقوله:{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }([46])، وقوله:{ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا }([47])

2 ـ قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) وهي مستنبطة من قوله تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }([48])

3 ـ قاعدة (كلما ضاق الأمر اتسع) وهي مستنبطة من قوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}([49])وقوله: { سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}([50])، وقوله: { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) }([51])

4 ـ قاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور) المستنبطة من قوله تعالى: { رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}([52])، وقوله: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا}([53])، وقوله: { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}([54])، وقوله: { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ }([55])

الدليل الثاني:

أنه كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو المفتي الأول في الإسلام مراعاة التيسير، والنهي عن التشدد، ولذلك فإن الفقيه الذي يميل إلى التيسير إنما يطبق سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الفتوى.

ففي الحديث عن عائشة أنها قالت: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها)([56])

وعنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أَمَرَهُم أَمَرَهُم من الأَعمَال بما يُطيقُون)([57])

وعن عمار بن ياسر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حاجة فأجنبْت فلم أجد ماءً، فمرغت في الصعيد كما تمرّغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فقال: « إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا » ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه([58]).

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)([59])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يشق على أصحابه في أمر حتى في أوقات تعليمهم، فقد روى ابن مسعود أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا)([60])

وعن أنس، قال: (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه)([61])

وهكذا كان الصحابة المنتجبون، وهم أدرى الناس بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد حدث عمر بن إسحاق: (لما أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر ممن سبقني منهم؛ فما رأيت قوماً أيسر سيرة ولا أقلّ تشديداً منهم)([62])

الدليل الثالث:

ما ورد من النصوص في النهي عن التشدد في الدين، وهي كثيرة جدا، منها ما حدث به ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (هلك المتنطعون) (قالها ثلاثًا) وفي رواية: (ألا هلك المتنطعون)([63])، والمتنطعون هم المتعمقون والمتشددون في غير موضع التشديد.

وفي الحديث عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها وعندها امرأة، فقال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (مه عليكم بما تطيقون ! فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إلى الله ما دوام عليه صاحبه)([64])

وعن أبي هريرة، قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)([65])

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

يمكن تقسيم الفقهاء الذين اعتمدوا هذا المنهج إلى فريقين:

الفريق الأول:

وهم الذين اعتبروا التيسير مقصدا شرعيا مطلقا غير منضبط بالضوابط الأخرى، ولهذا أجازا تتبع الرخص مطلقا، بل أجازوا ما يسمونه بالحيل الفقهية على اعتبار أنها تحقق مقصد التيسير.

وقد ذكر من كتبوا في الرد على الحيل كابن تيمية وابن القيم الكثير من المناهج التي يعتمدها هؤلاء في مراعاة حاجات وأهواء المستفتين، ومن ذلك ما ورد في الحيل المرتبطة بالتهرب من الزكاة وهي كثيرة جدا، وتصطدم مع ما ورد في الشرع من مقاصد الزكاة.

ومن الأمثلة التي ذكرها ابن القيم، وهي للأسف منتشرة بين الناس: أن يكون على من وجبت عليه الزكاة على رجل مال، وقد أفلس غريمه وأيس من أخذه منه، وأراد أن يحسبه من الزكاة، فيعطيه من الزكاة بقدر ما عليه، ومن ثم يطالبه بالوفاء، فإذا أوفاه برئ وسقطت الزكاة عن الدافع، وقد ذكر ابن القيم هذه الحيلة، وقال: (وهذه حيلة باطلة، سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه أو ملكه إياه بنية أن يستوفيه من دينه فكل هذا ليسقط عنه الزكاة ولا يعد مخرجاً لها شرعاً ولا عرفاً)([66])

ومن الحيل المنتشرة في هذا الباب إسقاط الدين على المعسر قائلاً: الدينُ الذي لي عليك هو لك، ويحسبه من الزكاة، وقد سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – عن هذه المسألة فأجاب بقوله: (هذا لا يجوز؛ لأن الله تعالى قال:{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ}([67])، والأخذ لا بد أن يكون ببذل من المأخوذ منه، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد)([68])، فقال: (تؤخذ من أغنيائهم فترد)، فلابد من أخذ ورد، والإسقاط لا يوجد فيه ذلك؛ ولأن الإنسان إذا أسقط الدين عن زكاة العين التي في يده، فكأنما أخرج الرديء عن الطيب، لأن قيمة الدين في النفس ليست كقيمة العين، فإن العين ملكه وفي يده، والدين في ذمة الآخرين قد يأتي وقد لا يأتي، فصار الدين دون العين، وإذا كان دونها فلا يصح أن يخرج زكاة عنها لنقصه، وقد قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}([69])

وهكذا أفتى ابن القيم فيمن (كان له على رجل مال، وقد أفلس غريمه، وأيس من أخذه منه، وأراد أن يحسبه من الزكاة، فيعطيه من الزكاة بقدر ما عليه، ومن ثم يطالبه بالوفاء، فإذا أوفاه برئ وسقطت الزكاة عن الدافع)

فقد أجاب على هذا بقوله: (وهذه حيلة باطلة، سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه أو ملكه إياه بنية أن يستوفيه من دينه فكل هذا ل يسقط عنه الزكاة ولا يعد مخرجاً لها شرعاً ولا عرفاً)([70])

وهكذا نجد العلماء المحققين يشتدون على هذا النوع من الحيل، باعتباره تملصا من الشريعة، ولا يختلف عما فعله أصحاب السبت من بني إسرائيل، يقول الشاطبي: (وقد أذكر في هذا المعني جملة مما في اتباع رخص المذاهب من المفاسد سوى ما تقدم ذكره في تضاعيف المسألة كالانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، وكالاستهانة بالدين؛ إذ يصير بهذا الاعتبار سيالاً لا ينضبط، وكترك ما هو معلوم إلى ما ليس بمعلوم.. وكانخرام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى أمر معروف، وكإفضائه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم وغير ذلك من المفاسد التي يكثر تعدادها)([71])

وقال ابن القيم: (وقد استقرت سنة الله في خلقه شرعاً وقدراً على معاقبة العبد بنقيض قصده، كما حُرِمَ القاتلُ الميراث، وورَّثَ المُطلَّقة في مرض الموت، وكذلك الفار من الزكاة لا يسقطها عنه فراره ولا يعان على قصده الباطل فيتمُ مقصُودُه ويسقطُ مقصودُ الرب تعالى، وكذلك عامة الحيل إنما يُساعِدُ فيها المُتحيلُ على بلوغ غرضه ويبطل غرض الشارع)([72])

الفريق الثاني:

وهم الذين احترموا ما ورد في النصوص من اعتبار التيسير والتسهيل على المكلفين، ولهذا راعوا رفع الحرج في التكاليف من غير أن يصطدموا مع مقاصد الشرع التي راعاها في التكاليف المختلفة، وهذا المنهج يقبل الرخص الفقهية، وقد يتبعها، ولكن بشرط عدم أدائها لتساهل المكلف في أحكام الشريعة.

يقول الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه) في باب التمحل في الفتوى ذاكرا هذا النوع من التيسيرات التي يحتاج المفتي إلى مراعاتها:(متى وجد المفتي للسائل مخرجاً في مسألته، وطريقاً يتخلص به أرشده إليه ونبهه عليه، كرجل حلف أن لا ينفق على زوجته ولا يطعمها شهراً، أو شبه هذا، فإنه يفتيه بإعطائها من صداقها، أو دين لها عليه، أو يقرضها ثمن بيوتها، أو يبيعها سلعة وينويها من الثمن، وقد قال الله تعالى لأيوب عليه السلام لما حلف أن يضرب زوجته مئة { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ}[73])([74])

ثم ساق الخطيب آثاراً كثيرة في هذا المعنى، منها ما رواه عن علي: في رجل حلف، فقال: امرأته طالق ثلاثا إن لم يطأها في شهر رمضان نهارا، قال: (يسافر بها ثم ليجامعها نهارا) ([75])

ومنها ما رواه عن حماد قال: قلت لإبراهيم: أمر على العاشر فيستحلفني بالمشي إلى بيت الله، قال: (احلف له، وانو مسجد حيك)([76])


([1]) من التعاريف التي عرفت بها الرخص المتفق على جواز الأخذ بها: (الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر مع كونه حراما في حق غير المعذور) (البحر المحيط في أصول الفقه، ج2، ص 32)

([2]) من التعاريف التي عرفت بها العزيمة: أنها (عبارة عن الحكم الأصلي السالم موجبه عن المعارض)، كالصلوات الخمس من العبادات، ومشروعية البيع وغيرها من التكاليف. (انظر: البحر المحيط في أصول الفقه، ج2، ص 30)

([3]) البحر المحيط: ج6، ص325.

([4]) قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي: (159-160)، قرار رقم (70).

([5]) سنتحدث عنه في منهج التشديد.

([6]) الموافقات، ج5، ص92.

([7]) المرجع السابق، ج5، ص92.

([8]) المرجع السابق، ج5، ص84.

([9]) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، ج6، ص 167.

([10]) الموافقات، ج5، ص86.

([11]) المرجع السابق، ج5، ص86.

([12]) المرجع السابق، ج5، ص90.

([13]) المرجع السابق، ج5، ص90.

([14]) سورة المائدة: 49.

([15]) المرجع السابق، ج5، ص91.

([16]) انظر : موقع دار الإفتاء المصرية على الانترنت، الموضوع ( 1103 )، التلفيق للتقليد فى مسألة واحدة باطل، منشور بتاريخ : 10/ 2 / 1954م، جواب للشيخ حسنين محمد مخلوف على الرابط التالي: (www.dar-alifta.com)

([17]) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، حسن بن محمد بن محمود العطار الشافعي، دار الكتب العلمية، ج 2، ص 442.

([18]) فتح القدير، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام، دار الفكر، ج7، ص258.

([19]) البحر المحيط في أصول الفقه، ج8، ص 383.

([20]) انظر : شرح الكوكب المنير، تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد المعروف بابن النجار الحنبلي ، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، ط2، 1418هـ – 1997 مـ، ج4، ص589.

([21]) المرجع السابق، ج4، ص589.

([22]) المرجع السابق، ج4، ص589.

([23]) ويقابله التلفيق في الاجتهاد، ويسمى: الاجتهاد المركب: هو أن يجتهد اثنان أو أكثر في موضوع، فيكون لهم فيه قولان، ثم يأتي من بعدهم من يجتهد في الموضوع نفسه، ويؤدي اجتهاده إلى الأخذ من كل قول ببعضه، ويكون مجموع ذلك مذهبه في الموضوع، فيكون اجتهاده هذا اجتهادا مركبا بالنظر إلى ما سبقه من اجتهاد، انظر: التلفيق ورأي الفقهاء فيه، مصطفى كمال التارزي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، منظمة المؤتمر الاسلامي بجدة، ع8، ض277.

([24]) انظر: أصول الفقه الإسلامي، محمد سلام مدكور، دار النهضة العربية، القاهرة، ط1، ص 351 .

([25]) الرخصة الشرعية في الأصول والقواعد الفقهية، د. عمر عبد الله الكامل، دار ابن حزم للطباعة والنشر، بيروت، ط1( 1999م ).ص 215 – 216.

([26]) الفتاوى الكبرى، أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي الشافعي، منشورات المكتبة الإسلامية، ج 3، ص 289 .

([27]) أصول الفقه الإسلامي، د. وهبة الزحيلي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت ، الطبعة الأولى ( 1986 م) ج 2، ص 1142.

([28]) البحر المحيط في أصول الفقه، 8، ص 375.

([29]) المرجع السابق، ج8، ص 376.

([30]) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي، حسن بن محمد بن محمود العطار الشافعي، دار الكتب العلمية – بيروت، ج 2، ص 442

([31]) محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم – بيروت، ط1، ، 1420 هـ، ج1، ص769.

([32]) علام الموقعين، ج5، ص188.

([33]) بيان الدليل على بطلان التحليل، ابن تيمية، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، المكتب الإسلامي، ص121.

([34]) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، ج2، ص 413.

([35]) المرجع السابق، ج2، ص 413.

([36]) المجموع شرح المهذب (مع تكملة السبكي والمطيعي)، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار الفكر، ج1، ص 46.

([37]) سورة البقرة: 185.

([38]) سورة المائدة: 6.

([39]) سورة النساء: 28.

([40]) صحيح البخاري، ج1، ص 16.

([41]) صحيح البخاري، ج1، ص 17..

([42]) صحيح البخاري، ج 1، ص 16.

([43]) صحيح البخاري ، ج4، ص 65.

([44]) سورة البقرة: 185.

([45]) سورة المائدة: 6.

([46]) سورة الحج: 78.

([47]) سورة البقرة: 286.

([48]) سورة المائدة: 3.

([49]) سورة النساء: 28.

([50]) سورة الطلاق: 7.

([51]) سورة الانشراح: 5- 6.

([52]) سورة البقرة: 286.

([53]) سورة الطلاق: 7.

([54]) سورة الأعراف: 157.

([55]) سورة النور: 61.

([56]) صحيح البخاري (4/ 189)

([57]) صحيح البخاري، ج1، ص 13، صحيح مسلم، ج1، ص 540.

([58]) صحيح البخاري، ج 1، ص 75، وصحيح مسلم، ج1، ص 280.

([59]) صحيح البخاري، ج2، ص 4.

([60]) صحيح البخاري ج 8، ص 88.

([61]) صحيح البخاري، ج1، ص 143.

([62]) مسند الدارمي المعروف بسنن الدارمي، أبو محمد عبد الله الدارمي، التميمي السمرقندي، تحقيق: نبيل هاشم الغمري، دار البشائر (بيروت)

ط1، 1434هـ – 2013م، ص128.

([63]) صحيح مسلم ج4، ص 2055.

([64]) صحيح البخاري، ج2، ص 54، وصحيح مسلم، ج1، ص 540.

([65]) صحيح البخاري، ج1، ص 54.

([66]) إعلام الموقعين، ج 3، ص240.

([67]) سورة التوبة: من الآية103.

([68]) صحيح البخاري ، ج2، ص 104، صحيح مسلم ، ج1، ص 50.

([69]) سورة البقرة:267.

([70]) إعلام الموقعين، ج 3، ص240.

([71]) الموافقات، ج5، ص 102.

([72]) إعلام الموقعين ، ج3، ص193.

([73]) سورة ص: 44.

([74]) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، ج2، ص 411.

([75]) المرجع السابق، ج2، ص 411.

([76]) المرجع السابق، ج2، ص 412.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *