المبحث الخامس: منهج التشديد

المبحث الخامس

منهج التشديد

وهو المنهج الذي يعتمد التشديد على المستفتي بأن يختار له من أقوال الفقهاء أو يستنبط له من النصوص مباشرة ما يشدد عليه تنفيذ التكاليف، أو يختار له أشدها وأكثرها احتياطا.

وهذا المنهج يرى إمكانية الاستفادة من جميع التراث الفقهي، ويضيف إليه بُعد التشديد والاحتياط والورع، لاعتقاده أن التشديد والاحتياط مقصد من مقاصد الشريعة لا يصح تجاوزه.

بناء على هذا سنعرض هنا – باختصار شديد – لمثل ما عرضنا إليه في المباحث السابقة من أعلام هذا المنهج الذين يمثلونه، وأدلتهم، والمنهج أو الآليات التنفيذية التي يعتمدون عليها في الفتوى.

أولا ـ أعلامه:

من خلال تتبع الفتاوى التي يجنح أصحابها إلى التشديد على المستفتين نجد ثلاثة أصول كبرى من اعتقدها جميعا، أو اعتقد بأحدها، يمكن أن نطلق عليه أنه من أصحاب هذا المنهج، وهذه الأصول هي:

الأصل الأول: ترجيح العزيمة على الرخصة

الأصل الثاني: القول بسد الذرائع

الأصل الثالث: مراعاة الخلاف

وسنتحدث عن هذه الأصول ومواقف الفقهاء منها في هذا المطلب.

الأصل الأول: ترجيح العزيمة على الرخصة

 أو ما يسمى في الأصول بمبحث الاحتياط([1])، أو الأخذ بالأحوط، أو التحرز، أو التحري ([2])، أو التوقف ([3])، أو التورع([4]).

وهو منهج اعتمده الكثير من العلماء مقابل المنهج السابق، يقول ابن تيمية: (وسلك كثير من الفقهاء دليل الاحتياط في كثير من الأحكام بناء على هذا، وأما الاحتياط في الفعل فكالمجمع على حسنه بين العقلاء في الجملة)([5])

ومثله صرح الشاطبي بأن الشريعة (مبنية على الاحتياط والأخذ بالأحزم، والتحرز مما عسى أن يكون طريقا إلى مفسدة، فإذا كان هذا معلوما على الجملة والتفصيل، فليس العمل عليه ببدع في الشريعة، بل هو أصل من أصولها)([6])

ومثلهما ابن العربي الذي ذكر أن (للشريعة طرفين: أحدهما: طرف التخفيف في التكليف، والآخر: طرف الاحتياط في العبادات، فمن احتاط استوفى الكل، ومن خفف أخذ بالبعض)([7])

ومثلهم جميعا العز بن عبد السلام الذي اعتبر الاحتياط أصلا من الأصول المهمة التي لا يمكن تحقق مقاصد الشريعة من دونها.

وقد قسمه إلى قسمين([8]):

الاحتياط المندوب: وهو المعبر عنه بالورع، ومثل له بأمثلة كثيرة منها: غسل اليدين ثلاثا إذا قام من النوم قبل إدخالهما الإناء، وكالخروج من خلاف العلماء عند تقارب المأخذ، وكإصلاح الحكام بين الخصوم في مسائل الخلاف، وكاجتناب كل مفسدة موهمة، وفعل كل مصلحة موهمة؛ فمن شك في عقد من العقود، أو في شرط من شروطه، أو في ركن من أركانه، فليعده بشروطه وأركانه، وكذلك من فرغ من عبادة، ثم شك في شيء من أركانها، أو شرائطها بعد زمن طويل، فالورع أن يعيدها.

الاحتياط الواجب: لكونه وسيلة إلى تحصيل ما تحقق تحريمه، فإذا دارت المصلحة بين الإيجاب والندب، والاحتياط، حملها على الإيجاب؛ لما في ذلك من تحقق براءة الذمة، فإن كانت عند الله واجبة فقد حصل مصلحتها، وإن كانت مندوبة فقد حصل على مصلحة الندب وعلى ثواب نية الجواب، فإن من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، وإذا دارت المفسدة بين الكراهة والتحريم فالاحتياط حملها على التحريم، فإن كانت مفسدة التحريم محققة، فقد فاز باجتنابها، وإن كانت منفية فقد اندفعت مفسدة المكروهة، وأثيب على قصد اجتناب المحرم، فإن اجتناب المحرم أفضل من اجتناب المكروه، كما أن فعل الواجب أفضل من فعل المندوب([9]).

وكما كان الحنفية من أكثر المذاهب ميلا إلى منهج التيسير في الفتوى، فإن الذهب المالكي من أكثرها ميلا إلى منهج التشديد مراعاة للاحتياط، يقول ابن عبد البر عن الإمام مالك: (وكان رحمه الله متحفظا كثير الاحتياط للدين)([10])

ويقول ابن العربي: (فإن اللفظ إذا كان غريبا لم يخرج عند مالك أو كان احتياطا لم يعدل عنه)([11])

وقال الحطاب: (ومذهبه (أي مالك) مبني على سد الذرائع واتقاء الشبهات، فهو أبعد المذاهب عن الشبه)([12])

وهذا لا يعني أن سائر الفقهاء لم يأخذوا به، ولكن درجاتهم أخذهم به كانت أخف من درجة أخذ المالكية به.

يقول السرخسي عن أصول المذهب الحنفي: (الأخذ بالاحتياط في العبادات أصل)([13])

ويقول الزركشي: (فإن الشافعي يرى تقديم الأحوط، لأنه أقرب إلى مقصود الشارع)([14])

ولعل من أكبر المغالين في الأخذ به بعض الصوفية، كما ذكر ذلك السيوطي والشعراني والمناوي وغيرهم.

فهم يرون أن (يؤخذ من كل مذهب بالأشد والأحوط والأورع، فإذا كان في مذهب الشافعي – مثلا – الجواز في مسألة، والتحريم في أخرى، ومذهب غيره بالعكس، يأخذون بالتحريم احتياطا، وإذا كان مذهبه الوجوب في مسألة، والاستحباب في أخرى، ومذهب غيره بالعكس، يأخذون بالوجوب في المسألتين احتياطا، فيقولون بنقض الوضوء بلمس النساء، ومس الفرج، وبالقيء، والدم السائل، ويقولون بوجوب النية في الوضوء، ومسح كل الرأس، ووجوب الوتر، إلى غير ذلك)([15])

وقد خرج التشدد ببعضهم إلى الوقوع في الحرج المنهي عنه شرعا، وقد ذكر هؤلاء ابن القيم، فقال: (وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم في الدنيا قبل الآخرة، وأخرجهم عن اتباع الرسول وأدخلهم في جملة أهل التنطع والغلو، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)([16])

وبين الفرق بين الورع المستحسن شرعا والوسوسة التي هي نتاج المبالغة في الاحتياط بعيد عن فهم مقاصد الشارع، فقال: (والفرق بين الاحتياط والوسوسة أن الاحتياط الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من غير غلو ومجاوزة ولا تقصير ولا تفريط، فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه الله ورسوله. وأما الوسوسة فهي ابتداع ما لم تأت به السنة، ولم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أحد من الصحابة زاعما أنه يصل بذلك إلى تحصيل المشروع وضبطه كمن يحتاط بزعمه ويغسل أعضاءه في الوضوء فوق الثلاثة، فيسرف في صب الماء في وضوئه وغسله، ويصرح بالتلفظ بنية الصلاة مرارا أو مرة واحدة، ويغسل ثيابه مما لا يتيقن نجاسته احتياطا، ويرغب عن الصلاة في نعله احتياطا إلى أضعاف هذا مما اتخذه الموسوسون دينا، وزعموا أنه احتياط، وقد كان الاحتياط باتباع هدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما كان عليه أولى بهم، فإنه الاحتياط الذي من خرج عنه فقد فارق الاحتياط وعدل عن سواء الصراط. والاحتياط كل الاحتياط الخروج عن خلاف السنة، ولو خالفت أكثر أهل الأرض، بل كلهم)([17])

الأصل الثاني: القول بسد الذرائع

بما أن المذهب المالكي هو أميل المذاهب إلى هذا المنهج، فقد كان من أكثرها عملا بسد الذرائع، قال القرطبي: (وسد الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه وخالفه أكثر الناس تأصيلا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلا)([18])

ثم حرر معناه عند المالكية، ومواضع الخلاف بينهم فيه، فقال: (حرر موضع الخلاف فقال: اعلم أن ما يفضي إلى الوقوع في المحظور إما أن يلزم منه الوقوع قطعا أو لا، والأول ليس من هذا الباب، بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه ففعله حرام من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والذي لا يلزم إما أن يفضي إلى المحظور غالبا أو ينفك عنه غالبا أو يتساوى الأمران وهو المسمى ب (الذرائع) عندنا: فالأول لا بد من مراعاته، والثاني والثالث اختلف الأصحاب فيه، فمنهم من يراعيه، ومنهم من لا يراعيه، وربما يسميه التهمة البعيدة والذرائع الضعيفة)([19])

ولأجل مبالغة مالك في سد الذرائع كرّه بعض المندوبات لئلا يعتقد في وجوبها أو سننها، وذلك شأنه في كراهة كُلّ النَّوافل التي تتخذ على طريقة الورد في أيام معلومات، ومن ذلك أنَّه كره صيام السِّتة أيام من شهر شوال، لئلا يعتقد العامّة أنَّها كصيام رمضان واجبة([20])، وأوَّل الحديث: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)([21])، على أنَّ المقصود بشوال طول السَّـنة أي ما يقابل رمضان، فاستحب صيام النَّافلة دون تحديد يوم أو أيّام معيّنة من السَّـنة، قال مالك في الموطأ: (ما رأيت أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني عن أحد من السَّلَف، وإنَّ أهل العلم يكرهون ذلك مخافة بدعته، وأنْ يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم أو هم يعلمون ذلك)([22])

على خلاف هذا نجد الشافعي يؤكد استحباب صومها، فيقول: (هذا الحديث الصَّحيح الصَّريح، إذا ثبتت السُّـنَّة فلا تُترك لترك بعض النَّاس أو أكثرهم أوكُلّهم لها، وقوله: قد يظن وجوبها، ينتقص يوم عرفة وعاشوراء، وغيرهما من الصَّوم المندوب)([23])

ومن الأمثلة على هذا أيضا موقف الإمام مالك من مجموعة من بيوع الآجال سدا لذريعة الربا، ففي الموطأ: (قال مالك في الذي يشتري الطعام فيَكْتَالُه، ثم يأتيه من يشتريه منه، فيخبر الذي يأتيه أنه قد اكتاله لنفسه واستوفاه، فيريد المبتاع أن يصدقه ويأخذه بكيله: إن ما بِيعَ على هذه الصفة بنقد، فلا بأس به، وما بِيعَ على هذه الصفة إلى أجل، فإنه مكروه حتى يكتاله المشتري الآخر لنفسه، وإنما كره الذي إلى أجل، لأنه ذريعة إلى الربا، وتخوف أن يدار ذلك على هذا الوجه بغير كيل ولا وزن، فإن كان إلى أجل، فهو مكروه، ولا اختلاف فيه عندنا)([24])

لكن المبالغة في هذا الأصل جعلت بعض الفقهاء يقابلون النص بسد الذرائع، وهو ما لقي النكير الشديد من أصحاب المنهج الأول، وقد بدأت هذه الظاهرة في العصر الأول، وتصدى لها الصحابة، وكمثال على ذلك ما روي أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها). فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقول والله لنمنعهن)([25])

وهذا القول لم يبق قول بلال بن عبد الله وحده، بل صار قولا فقهيا له جمهوره العريض، قال الشوكاني:(وفرق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها وفيه نظر لأنها إذا عرت مما ذكر وكانت متسترة حصل الأمن عليها ولا سيما إذا كان ذلك بالليل)([26])

الأصل الثالث: مراعاة الخلاف

وهو من الأصول الكبرى التي اعتبرها أصحاب هذا المنهج، وخصوصا المالكية منهم([27])، وقد عرفه ابن عرفة بأنه (إعمال دليل في لازم مدلول الذي أعمل في نقيضه دليل آخر)([28])

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في الموطأ في (مسألة في افتتاح الصلاة)، حيث ورد فيه: سئل مالك عن رجل دخل مع الإمام، فنسي تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع، حتى صلى ركعة، ثم ذكر أنه لم يكن كبر تكبيرة الافتتاح، ولا عند الركوع، وكبر في الركعة الثانية، فقال: يبتدئ صلاته أحب إلي، ولو نسيها مع الإمام عند تكبيرة الافتتاح وكبر في الركوع الأول، رأيت ذلك مجزيا عنه، إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح)([29])

ومن الأمثلة على ذلك إعمال المالكية دليل المخالفين لهم القائل بعدم فسخ نكاح الشغار في لازم مدلوله الذي هو ثبوت الإرث بين الزوجين المتزوجين بالشغار فيما إذا مات أحدهما. فالمدلول هو عدم الفسخ وأعمل مالك في نقيضه وهو الفسخ دليل آخر فمذهب مالك وجوب الفسخ وثبوت الإرث إذا مات أحدهما([30]).

وقد أخذ بهذا الأصل أيضا أصحاب هذا المنهج من أتباع المذاهب الأخرى، وخصوصا المذهب الشافعي، كالشعراني والسيوطي وغيرهما، كما عرفنا سابقا.

وقد ذكر العز بن عبد السلام تقسيما جيدا لكيفية مراعاة الخلاف في المسائل المختلفة، قدم له بقوله: (وقد أطلق بعض أكابر أصحاب الشافعي – رحمه الله – أن الخروج من الخلاف حيث وقع أفضل من التورط فيه وليس كما أطلق، بل الخلاف على أقسام)([31])

ثم ذكر هذه الأقسام، ونذكرها هنا باختصار:

القسم الأول: أن يكون الخلاف في التحريم والجواز فالخروج من الاختلاف بالاجتناب أفضل.

القسم الثاني: أن يكون الخلاف في الاستحباب أو الإيجاب، فالفعل أفضل.

القسم الثالث: أن يكون الخلاف في الشرعية، كقراءة البسملة في الفاتحة، فإنها مكروهة عند مالك، واجبة عند الشافعي، فالفعل أفضل،، وكذلك رفع اليدين في التكبيرات فإن أبا حنيفة لا يراه من السنن، وكذلك مالك في إحدى الروايتين عنه، وهو عند الشافعي سنة للاتفاق على صحة الأحاديث وكثرتها فيه، وصلاة الكسوف على الهيئة المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنها سنة عند الشافعي، وأبو حنيفة لا يراها، والسنة أن يفعل ما خالف فيه أبو حنيفة وغيره من ذلك وأمثاله.

ثم ذكر الضابط لهذا، فقال: (والضابط في هذا أن مأخذ المخالف إن كان في غاية الضعف والبعد من الصواب فلا نظر إليه.. ولا سيما إذا كان مأخذه مما ينقض الحكم بمثله، وإن تقاربت الأدلة في سائر الخلاف بحيث لا يبعد قول المخالف كل البعد فهذا مما يستحب الخروج من الخلاف فيه، حذرا من كون الصواب مع الخصم، والشرع يحتاط لفعل الواجبات والمندوبات، كما يحتاط لترك المحرمات والمكروهات)([32])

وذكر زكريا بن غلام قادر الباكستاني أن مراعاة الخلاف معتبر عند أهل الحديث، فقد ذكر تحت عنوان (القاعدة السادسة: الخروج من الخلاف مستحب): (الأدلة متكاثرة في الاعتصام وعدم التفرق والاتفاق على كلمة واحدة فهي دالة على استحباب الخروج من الخلاف) ([33])

لكنه قيد ذلك بشرطين:

الشرط الأول: أن لا يكون في ذلك طرح لدليل من الأدلة.

الشرط الثاني: أن لا يوقع الخروج من ذلك الخلاف في الوقوع في خلاف آخر)([34])

ويدل لهذا قول ابن تيمية في (شرح عمدة الفقه): (أما الخروج من اختلاف العلماء، فإنما يفعل احتياطا إذا لم تعرف السنة ولم يتبين الحق، لأن من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه، فإذا زالت الشبهة وتبينت السنة، فلا معنى لمطلب الخروج من الخلاف، ولهذا كان الإيتار بثلاث مفصولة أولى من الموصولة، مع الخلاف في جوازهما من غير عكس، والعقيقة مستحبة أو واجبة مع الخلاف في كراهتها، وإشعار الهدي سنة مع الخلاف في كراهته، والإجماع على جواز تركه، وفسخ الحج إلى العمرة لمن يريد التمتع أولى من البقاء عليه اتباعا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع الخلاف الشائع في جواز ذلك)([35])

ثانيا ـ أدلته:

لا يمكن استيعاب أدلة القائلين بهذا هنا، ولكن يمكن أن نجمعها في المجامع التالية:

الدليل الأول:

ما ورد من النصوص الدالة على وجوب الاحتياط والورع، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فى الشبهات كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه. ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله فى أرضه محارمه، ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. ألا وهى القلب)([36])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة)([37])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يَدَع ما لا بأس به حذراً لما به بأس)([38])

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((البرُّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)([39])

وقد استخرج العلماء من هذه النصوص وغيرها الكثير من القواعد الفقهية، ومنها:

  • درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
  • الخروج من الخلاف مستحب.
  • إذ اجتمع المانع والمقتضي غُلب المانع.
  • الأخذ بأقل ما قيل.
  • الشبهة تقوم مقام الحقيقة فيما يُبني على الاحتياط.

الدليل الثاني:

ما جاء في الشريعة من الأمر بالوقوف مع مقتضى الأمر والنهي مجردًا، والصبر على حلوه ومره، وإن انتقض موجب الرخصة، ومن ذلك قوله تعالى: { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ }([40])، فهذا مظنة التخفيف، فأقاموا على الصبر والرجوع إلى الله، فأثنى عليهم بقوله: { فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }([41])

ومنه قوله تعالى: { إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}([42])، وبعد أن ذكر المشهد كاملاً مدح الصابرين على هذا كله بقوله تعالى: { رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا }([43])

وقد علق الشاطبي على هذه الآيات بقوله: (فمدحهم بالصدق مع حصول الزلزال الشديد والأحوال الشاقة التي بلغت القلوب فيها الحناجر، وقد عرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه أن يعطوا الأحزاب من ثمار المدينة؛ لينصرفوا عنهم فيخف عليهم الأمر؛ فأبوا من ذلك، وتعززوا بالله وبالإسلام؛ فكان ذلك سببا لمدحهم والثناء عليهم)([44])

وضرب الأمثلة الكثيرة على ذلك من فعل الصحابة، ومن ذلك تطبيق الصحابة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير له من أن يسأل أحدا، فيعطيه أو يمنعه)([45])

وقد علق الشاطبي على هذا الحديث بقوله: (فحمله الصحابة — على عمومه، ولا بد أن يلحق من التزم هذا العقد مشقات كثيرة فادحة، ولم يأخذوه إلا على عمومه)([46])

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

بناء على ما سبق، فإن المنهج المتبع للفتوى لدى هذا الفريق يعتمد على ما يلي:

أولا مراعاة الخلاف الفقهي: ولهذا فإنه يمكن اعتبارهم من هذه الناحية من المذاهبيين، أي أنهم لا يلتزمون مذهبا بعينه، بل يتخيرون من أقوال الفقهاء أشدها، وأكثرها احتياطا، وقد بنى الشيخ عبد الوهاب الشعراني كتابه الميزان على هذا المبدأ الذي عبر عنه بقوله: (إن الشريعة المطهرة قد جاءت من حيث الامر والنهي: علي مرتبتين: تخفيف وتشديد، لا علي مرتبة واحدة، كما يظنه غالب الناس. ولكل من المرتبتين رجال في حال مباشرتهم للتكاليف، فمن قوي منهم خوطب بالعزيمة والتشديد الوارد في الشريعة صريحا، او المستنبط منها في مذهبه او غيره، ومن ضغف منهم: خوطب بالرخصة والتحقيق الوارد في الشريعة صريحا او مستنبطا منها في مذهبه او غيره. فلا يؤمر القوي بالنزول الي مرتبة الرخصة، مع قدرته علي فعل العزيمة. ولا يكلف الضعيف بالصعود الي مرتبة العزيمة، مع عجزه عنها. فالمرتبتان علي الترتيب الوجودي، لا علي التخيير)([47])

ثانيا ـ مراعاة سد الذريعة، فلهذا نرى أصحاب هذا المنهج لا يكتفون بما ورد من النصوص أو أقوال الفقهاء، بل ينظرون أيضا في إمكانية تحايل المكلفين على الأحكام الشرعية، فلهذا يعتبرون نياتهم ويسدونها على خلاف المنهج السابق.

وقد ذكر الشَّاطبيّ أن قاعدة سدّ الذَّرائع على قصد الشَّارع إلى النَّظر في مآلات الأفعال سواء أكانت موافقة أو مخالفة؛ لأنَّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصَّادرة عن المكلّفين بالإقدام أو الإحجام إلاَّ بعد النَّظر إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه. وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإنْ أُطلق القول في الأوَّل بالمشروعيّة فربما أدَّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعيّة، وكذلك إذا أطلق القول في الثَّاني بعدم المشروعيّة وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلاَّ أنَّه عذب المذاق، محمود الغيب، جارٍ على مقاصد الشَّريعة([48]).


([1]) عرفه الجرجاني بأنه (حفظ النفس عن الوقوع في المآثم) (كتاب التعريفات، علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني، دار الكتب العلمية بيروت –لبنان، ط1، 1403هـ -1983م ، ص12)، وعرفه ابن عبد البر بأنه (الكف عن إيجاب ما لم يأذن الله بإيجابه)( التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ج2، ص63)، وعرفه ابن تيمية بأنه (اتقاء ما يخاف أن يكون سببا للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح) (مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م ، ج 20، ص138.

([2]). عرفه السرخسي بأنه (عبارة عن طلب الشيء بغالب الرأي عند تعذر الوقوف على حقيقته)( المبسوط، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي ، دار المعرفة – بيروت، 1414هـ – 1993م ، ج10، ص185)

([3]) عرفته الموسوعة الكويتية بأنه (عدم إبداء قول في المسألة الاجتهاديّة لعدم ظهور وجه الصّواب فيها للمجتهد) (الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، دارالسلاسل – الكويت ، 1404 – 1427 هـ، ج14، ص176)

([4]) عرف بأنه (اجتناب الشبهات خوفا من الوقوع في المحرمات) (التعريفات، ص 346)

([5]) مجموع الفتاوى، ج 20، ص262.

([6]) الموافقات، ج3، ص85.

([7]) أحكام القرآن، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط2، 1424 هـ – 2003 م ، ج2، ص63.

([8]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج2، ص 18.

([9]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ، ج2، ص 20.

.

([10]) الاستذكار، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي ، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1421 – 2000، ج3، ص380.

([11]) أحكام القرآن، ج1، ص558.

([12]) مواهب الجليل، للحطاب، ج1، ص37.

([13]) أصول السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي، دار المعرفة – بيروت، ج1، ص52.

([14]) البحر المحيط، ج 6، ص177.

([15]) جزيل المواهب، السيوطي، ص32.

([16]) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية، ج1، ص135.

([17]) الروح، لابن القيم، ص 249.

([18]) نقلا عن: البحر المحيط في أصول الفقه، ج8، ص 90.

([19]) المرجع السابق، ج8، ص 90.

([20]) يقول الشاطبي في الاعتصام مبررا رأي مالك في هذه المسألة: (فكلام مالك هنا ليس فيه دليل على أنه لم يحفظ الحديث كما توهم بعضهم، بل لعل كلامه مشعر بأنه يعلمه، لكنه لم ير العمل عليه وإن كان مستحبا في الأصل؛ لئلا يكون ذريعة لما قال، كما فعل الصحابة في الأضحية، وعثمان في الإتمام في السفر) (الاعتصام، ج2، ص 492)

([21]) صحيح مسلم، 2، ص 822.

([22]) الموطأ، مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية – أبو ظبي – الإمارات، ط1، 1425 هـ – 2004 م، ج3، ص447.

([23]) شرح مسلم للنَّوويّ، ج8، ص56.

([24]) موطأ مالك ج4، ص 974.

([25]) مسند أحمد ج4، ص 486، صحيح مسلم، ج1، ص 327.

([26]) نيل الأوطار، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، مصر، ط1، 1413هـ – 1993م، ج3، ص157.

([27]) هناك خلاف في اعتبار المالكية لهذا الأصل، قال الونشريسي: (إن مراعاة الخلاف قد عابه جماعة من الفقهاء منهم اللخمي وعياض وغيرهما من المحققين، حتى قال عياض: (القول بمراعاة الخلاف لا يعضده القياس، وكيف يترك العالم مذهبه الصحيح عنده ويفتي بمذهب غيره المخالف لمذهب هذا لا يسوغ إلا عند الترجيح وفوت فوات النازلة فيسوغ له التقليد ويسقط عنه التكليف في تلك الحادثة)( إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، أبو العباس الونشريسي، تحقيق: الصادق الغرياني، دار ابن حزم، 1427 هـ ، ص: 160.

([28]) شرح حدود ابن عرفة، تحقيق محمد أبو الأجفان والطاهر المعموري. دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1993م، ج1، ص263.

([29]) موطأ مالك، ج2، ص 105.

([30]) الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة، حسن مشاط، دراسة وتحقيق د عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان. دار الغرب الإسلامي، ط1، ص: 235.

([31]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، ص 253.

([32]) المرجع السابق، ج1، ص 253.

.

([33]) من أصول الفقه على منهج أهل الحديث، زكريا بن غلام قادر الباكستاني، دار الخراز، الطبعة الاولى 1423هـ-2002م، ص182.

([34]) المرجع السابق، ص182..

([35]) شرح عمدة الفقه (من كتاب الطهارة والحج)، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق: د. سعود صالح العطيشان، مكتبة العبيكان – الرياض، ط1، 1413، ج1، ص417.

([36]) صحيح البخاري، ج3، ص 53، وصحيح مسلم، ج3، ص 1221.

([37]) سنن الترمذي ، محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي، تحقيق وتعليق: إبراهيم عطوة شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، ط2 ، 1395 هـ – 1975 م ، ج4، ص 668.

([38]) سنن ابن ماجه، ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد – محمَّد كامل قره بللي – عَبد اللّطيف حرز الله، دار الرسالة العالمية، ط1، 1430 هـ – 2009 م ، ج5، ص 298.

([39]) مسند أحمد، ج29، ص 528.

([40]) سورة آل عمران: 173.

([41]) سورة آل عمران: 173.

([42]) سورة الأحزاب: 10.

([43]) سورة الأحزاب: 23.

([44]) الموافقات، ج1، ص 499.

([45]) صحيح البخاري، ج3، ص 57.

([46]) الموافقات، ج1، ص 501.

([47]) كتاب الميزان للشعراني، ص8.

([48]) الموافقات، ج4، ص195.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *