المبحث الثاني: المشروع الإصلاحي للطرق الصوفية

المبحث الثاني: المشروع الإصلاحي للطرق الصوفية

بعد التعرف على التوجه الفكري للطرق الصوفية الجزائرية في فترة الاستعمار الفرنسي، وبالضبط في الفترة التي ظهر فيها نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، نحاول في هذا المبحث التعرف على المشروع الإصلاحي الذي حاولت الطرق الصوفية تحقيقه على أرض الواقع، وذلك لتحصل المقارنة التامة بين المدرستين.

وقد واجهتنا أثناء البحث عن هذا المشروع صعوبات كثيرة، أهمها أن الطرق الصوفية، وإن اتفقت في كثير من شروط السلوك أو مراحله أو نتائجه إلا أنها تختلف اختلافا جذريا في رؤيتها الإصلاحية، ذلك لأنها عادة ما تكون تابعة لشيخها، فإن كان لشيخها نشاط سياسي صارت الطريقة طريقة سياسية واقتحمت الحياة السياسية ومارست السياسة من أوسع أبوابها.

وإن كان شيخ الطريقة مقاوما عسكرية، صارت الطريقة بمريديها ومقدميها وزواياها جنودا لتحقيق غايته، فإن وضع السلاح وضعت السلاح معه، ثم لا تتحرك بعد ذلك إلا بأمره، وهكذا.

وهذا من أساسيات السلوك الصوفي كما رأينا، فالصوفية يقدسون المشايخ، ويرددون في مجالسهم عادة ما ذكره ابن حجر الهيثمي حين قال: (مَنْ فتح باب الاعتراض على المشايخ والنظر في أحوالهم وأفعالهم والبحث عنها فإن ذلك علامة حرمانه وسوء عاقبته، وأنه لا يَنْتُج قط، ومن ثَمَّ قالوا: (من قال لشيخه لِم؟ لَمْ يفلح أبداً)([1])

بغض النظر عن مدى صحة هذا السلوك أو فساده، فإن هذا هو الواقع الصوفي، فالطريقة بشيخها، تحيا بحياته، وتموت بموته إلا أن يخلفه خليفة له قوة مؤسس الطريقة، وقلما يحصل هذا.

وقد ذكر الشيخ ابن عليوة مثالا على هذا عندما سئل عن سبب إقبال الناس عليه على اختلاف نحلهم ومشاربهم؟ فأجاب: (مثل المرشد في القيام بدعوته، كمثل الإمام، إذا أحرم في صلاته فإن الناس من خلفه كلهم يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، ولا ينفض عن متابعته أحد، ولكن مادام متوجها إلى الله، فإذا أطلق السلام وتوجه إلى الخلق مدبرا عن الحق، انتشر كل منهم لمصالحه الدنيوية)، ثم قال لسائله: (فأقبل أنت على الله، ولا تطلب إقبال الناس عليك، والله يتولاك)([2])

وقد جعلنا هذا بدل البحث في أسماء الطرق الكثيرة، نبحث عن الطريقة الحية التي كان لها وجود فاعل في الواقع إبان نشاط الجمعية، وما أسرع ما وجدنا هذه الطريقة، وقد دلتنا عليها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أنفسهم، فقد رأيت من خلال تتبع أحاديثهم عن التصوف والطرق الصوفية أنهم يركزون على طريقتين:

إحداهما يقبل المعتدلون منهم بعض نشاطاتها العلمية والتربوية، كما يقرون بجهودها في المقاومة العسكرية للمستعمر، وهي الطريقة الرحمانية.

والثانية يتفقون في الإنكار عليها، بل يتفقون في تكفير شيخها، ومن تبعه، ويسمونه شيخ الحلول، ويرمونه بتهم كثيرة سنراها في الفصل الثالث من هذا الباب.

ولعل سبب احتلال الإنكار على هذه الطريقة خصوصا أكبر حيز من نشاط جمعية العلماء حول الطرق الصوفية هو كونها طريقة أسسها شيخها ابن عليوة على تقاليد عصرية، مستفيدا من الأنظمة الداخلية للأحزاب والهيئات السياسية، فوضع قواعدا وأصولا لها، ورسخ تقاليد يمضي عليها مريدوه، وذلك بتنظيم أهل طريقته، كسن الاجتماعات الأسبوعية التي كانت تمجد التصوف ورجالاته، وتتدارس الفكر الصوفي عامة، والفكر الصوفي العليوي خاصة([3]).

 ومن تجديداته أنه أسس جريدة تعمل على الدفاع ونشر تعاليم الطريقة، وهي جريدة البلاغ الجزائري التي ظلت في صراع مع الجرائد الإصلاحية، وقد كانت هذه المظاهر العصرية هي التي جعلت (أغسطين بيرك) يرفع ابن عليوة على درجات عالية، ويجعله من فلاسفة العصر، ويعتبره (مرابطا عصريا)([4])

بالإضافة إلى هذا ذلك الاستفزاز الذي كان يستفز به الشيخ ابن عليوة كل حين أولئك العلماء القادمين من تونس أو من القاهرة بشهادات عليا، ليفاجئهم بأنه هو – لا هم – المرشد الحي المجدد لدين الأمة وإيمانها على رأس القرن كما يقول في ديوانه الذي كان يحفظه العوام ويرددونه([5]):

ولما جاد الوهاب عني بنشرها
 
أهلني للتجريد من حيث لا أدري
 
وقلدني سيف العزم والصدق
 
والتقى ومنحني خمرا فيا له من خمر
 
فصرت لها ساق وكنت عاصرها
 
وهل لها من ساق سواي في ذا العصر؟
 

وبعد أن انتشر أتباعه في أكثر الشمال الجزائري، بل صار المريدون يزورونه من كل النواحي حتى من خارج الجزائر، قام أعضاء الجمعية قبل تأسيسها وبعدها بحملة للإنكار عليه، كان قد بدأها الشيخ عبد الحميد بن باديس عام 1922 برسالة (جواب سؤال عن سوء مقال)([6]) انتقد فيها أبياتا في ديوان ابن عليوة، ووجه الرسالة إلى كبار علماء تونس والجزائر والمغرب من أبناء المدرسة السلفية، فقرضوها وأيدوا ما جاء فيها.

وقد رد عليها ابن عليوة برسالة وقرضها هي الأخرى بتقاريظ من المشرق والمغرب ليثبت لهم أن هناك علماء آخرين يمكن أن يرجع إليهم، وأنهم يتبنون التصوف الذي يتبناه.

وبهاتين الرسالتين بدأ الصراع يتجسد على أرض الواقع بين المدرستين الكبيرتين السلفية والصوفية، كما قدمنا سابقا.

وبذلك أصبحت الطريقة العلاوية في ذلك الحين هي الممثل الوحيد للطرق الصوفية، كما كانت الطريقة الرحمانية في عهد الشيخ ابن الحداد هي زعيمة الطرق في حينها، وبفضلها استطاع أن يجيش الجيوش لمقاومة المستعمر.

لكن الشيخ ابن عليوة فوجئ بالتيار الإصلاحي الذي يقطع عليه الوصول إلى الزعامة التي وصل إليها الأمير عبد القادر والشيخ ابن الحداد من قبله، مع أنه كان بما يكتبه وينشره يمثل دور الزعامة على جميع الطرق الصوفية، بل يقوم بنفس الدور الذي قام به الأمير عبد القادر عندما جعل من طريقته القادرية أشهر طريقة في الجزائر عند قيادته للمقاومة، ونفس الدور الذي قامت به الطريقة الرحمانية بمشايخها المختلفين حين تزعمت المقاومة على الاستعمار.

ويمكننا بالمقارنة بين رسائل الأمير ورسائل ابن عليوة أن نجد صلات كثيرة بينهما، فقد كان الشيخ ابن عليوة يخاطب مشايخ الطرق يقول لهم بعتاب ممزوج بألم: (ما كان يجمل بمثلي…أن ينتصب لتذكيركم وأنتم المذكرون، أو ينتدب لوعظكم وأنتم الواعظون…لولا أن في القوم من فشلت عزائمه، وتضعضعت دعائمه، فأصبح يعمل على خلاف ما يطلبه منه المقام الذي لم يكن إلا لمحض التذكير)([7])

ويدعوهم بحكم ما أوتوا من مكانة اجتماعية ودينية أن يمارسوا ما طلب منهم من إصلاح (لتجديد مجد الأمة التي لا مجد للأمة إلا بمجدد دينها، ومن لم يستغل نفوذه لهذه الغاية فلا أبقى الله بيده نفوذا)([8])

ويتعجب من سكوتهم في الوقت الذي أصبح الدين فيه غريبا بين أهله مهددا من أعدائه حتى طمع في تنصير أبنائه المبشرون، وفي تشكيك أفراده الملحدون([9]).

بالإضافة إلى هذا كله، فإن البحث عن المشروع الإصلاحي للطرق الصوفية عبر بوابة الطريقتين الرحمانية والعلاوية لا يعني أن هاتين الطريقتين مجرد نموذج للإصلاح، وإنما هما في الحقيقة تعبير ظاهر عن المشاريع الإصلاحية للطرق الصوفية.

وسنرى من خلال عرضنا لهذا المشروع أنه لا يتناقض مع ما تتبناه سائر الطرق الصوفية من مفاهيم تنطلق أولا من قناعاتهم بسبب الفساد وجذوره.

بناء على هذه الاعتبارات نحاول في هذا المبحث – بمثل ما تحدثنا عن المشروع الإصلاحي لجمعية العلماء – أن نتحدث عن المشروع الإصلاحي للطرق الصوفية، حتى تتيسر علينا المقارنة.

ونحب أن نشير فقط إلى أن بعض الكتب للطريقة العلاوية تكاد تصير في حكم المفقود، ولذلك اعتمدنا في بعض التوثيقات على الدراسة التي أشرنا إليها في مقدمة الرسالة، وهي عبارة عن رسالة (الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909) للباحثة غزالة بوغانم، وهي رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر من جامعة منتوري بقسنطينة، قسم التاريخ والآثار.

المطلب الأول: الإصلاح الديني عند الطرق الصوفية

يعتبر الصوفية عموما أن السبب في كل ما يحدث في الواقع من أحداث هو العلاقة مع الله المعبر عنها بالتدين، فبقدر ما تكون العلاقة مع الله متينة صلبة حية، بقدر ما تستقيم الحياة، وبقدر ما تنهار تلك العلاقة تنهار الحياة، ولذلك لا يتشتت أصحاب الطرق في البحث عن أي حل، فالحل عندهم واضح.

وأذكر في هذا أن مشايخ الطرق الصوفية في الجزائر في الوقت الذي حصلت فيه تلك الفتن التي راح عشرات الآلاف ضحية لها، كانوا ينصحون أتباعهم بأوراد معينة، وبذكر كثير، يوحون لهم بأنه كلما كثر الذكر والدعاء والتضرع والقرب، كلما ارتفعت الفتن.

ولذلك فإن الإصلاح الديني بهذا المعنى كان هو الإصلاح الأساسي الذي يمكن أن نقصر عليه دور الطرق الصوفية، ذلك أن دور الشيخ المربي – الذي هو مركز دائرة الطريقة – هو التوجيه الديني لمريديه أو الرقي بهم إلى درجات معينة من سلم الكمال الإيماني حسبما يراه.

وهذا لا يعني أن سائر أنواع الإصلاح مستبعدة من الطريقة أو من شيخها، ولكن المراد هو أن المنطلق في الإصلاح هو الدين، وأما ما عداه من سياسة أو تربية أو مجتمع هو نتيجة حتمية لتحقق التدين بمفهومه الشرعي.

ولهذا نجد الصوفية دائما يرددون في مجالسهم الأثر المعروف: (كما تكونوا يولى عليكم)([10])، أي أن ما يحصل في عالم السياسية من تغيرات ليس سببها الاستبداد الخارجي فقط، وإنما سببها أيضا الانحراف عن المنهج القويم الذي رسمه الدين.

وهم في يطبقون مفهوم الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [الرعد: 11]

وقد وصف الشيخ محمد السعيد الزاهري – بعد أن تخلى عن حربه للطريقة العلاوية- الشيخ ابن عليوة بأنه من دعاة الإصلاح الديني الإسلامي، في الوقت الذي يعتبر نفسه ضمن تيار الإصلاح الوطني السياسي([11]).

وهذا أيضا ما صرح به محمد العوادي الذي وصف الشيخ ابن عليوة بقوله: (كان الأستاذ العلوي رجلا دينيا محضا، لا يحب من الأحزاب السياسية إلا ما يقرر ترجيح الديانة على السياسة، ولا تربطه به أية رابطة سواها)([12])

ولعل هذا ما جعل الشيخ ابن عليوة يظهر بصورة المدافع عن الاستعمار عندما يعاتب أو يوبخ الشعب الجزائري على تقصيره في الالتزام بالدين، فهو يذكر أن (حالة مسلمي الجزائر الدينية اليوم ليست هي عين حالتهم بالأمس… بل لا يوجد فيما بين الحالتين أدنى شبه إذا قابلنا ما بين مساجدنا الآن، وبين عددها بالأمس.. فعدد مساجد مدينة الجزائر وحدها كان يزيد على المائة مسجد ما بين حنفي ومالكي فضلا عن المدارس والزوايا وعدد مساجدها الآن لا يتجاوز عدد الخمسة)([13])

ثم يعقب على بيان السبب في هذا، وهو عنده ليس المستعمر، بل الشعب نفسه، بل إنه يكيل للمستعمر الثناء في تنوير الشعب، ويلومه في نفس الوقت لأنه لم يفقه الطريق الحقيقية المؤدية إلى الإصلاح، يقول في ذلك: (فكم هذا والقطر الجزائري متسربلا بالراية الفرنسوية متجملا برونقها، والكل يعترف من أنها دولة من أسرع الدول سيرا في سبيل الإصلاح، ومع هذا لم نستفد من ذلك الإصلاح إلا ما نراه كاللازم من عمارة السجون بسفهائنا والطرقات بأبنائنا الفارغين من أعمال الدنيا والآخرة، ومع هذا فلست بقائل أن الحكومة تعمدت ترك الإصلاح، كلا! إنما أقول: جهلت الطريق الموصلة إليه فأتت البيت من غير بابه)([14])

بل إنه فوق هذا يدافع عن فرنسا ضد من يرى بأن (أولي الأمر لا يسمحون بإظهار شعائر الإسلام)، ويستدل لذلك بأن الحكومة الفرنسية هي الأعرق في تقرير حرية الأديان على اختلافها([15]).

يقول معبرا عن هذا: (فمتى اجتمع المسلمون على نحو تأسيس مدرسة علمية، أو جماعة دينية فعارضتهم الحكومة في ذلك فما سمعنا به. ولن نسمع به إن شاء الله هل يريد المسلمون أن تأمرهم بنحو ذلك رسميا. كلا! لأن ذلك ليس هو من وظيفتها، فهي لا تأمر أبناء جنسها بمثله، كما أنها لا تنهاهم أيضا عن تعاطيه. فكيف تريد أنت أيها المسلم أن تجعل لك درسا تأمرك فيه بتأسيس دينك…ألم يكفك أنها حملت على عاتقها احترام دينك وعوائدك؟)([16])

وخشية أن يساء الفهم من هذه النصوص نذكر أن هذا الكلام الذي يقال عادة في التقية قد قال مثله كبار رجال الجمعية، وقد سبق ذكر أمثلة عنه.

ولكن المغرضين للأسف يأخذون هذه المقولات، ثم يرمون بها الصوفية بحجة أنهم صنيعة المستعمر، فإذا ما ووجهوا بمثلها أو بما هو أشد منها من مقولات الجمعية تجده يعتذر لها، ويبررها، ونرى هذا من ازدواجية المكاييل التي تتنافى مع الموضوعية العلمية.

انطلاقا من هذا ركزت الطرق الصوفية على برنامج للإصلاح الديني يصحح الوضع في الجزائر، بل يطمح إلى غيرها من البلاد كما سنرى.

ويركز هذا البرنامج على نشر القيم الروحية في أوساط العامة والخاصة، بل والتبشير بها في العالم أجمع، لعدم اعتراف رجال الطرق الصوفية بالحدود الجغرافية، وما ينبني عليها من قومية ووطنية، ويمكن تقسيم القيم الروحية التي دعت إليها إلى قسمين:

قسم خاص بالعامة المقصرين في أمور دينهم، وهو دعوتهم إلى ممارسة الشعائر التعبدية الأساسية التي لا يستقيم الدين من دونها.

وقسم خاص بالخاصة، وهوالسير بهم عبر السلوك الصوفي إلى مراتب الكمال بحسب المنهج الصوفي، ولهؤلاء سلوكهم الخاص من الأوراد والخلوة وغيرها كما رأينا ذلك في المبحث السابق.

وسنتحدث عن منهج الطريقة العلاوية في تحقيق هذين الهدفين في العنوانين التاليين:

1 ـ الاهتمام بالشعائر التعبدية:

كما رأينا في الباب الأول من هذه الرسالة، فقد كان الواقع الجزائري بكل عناصره في منتهى التدهور والسقوط، ولم يكن الواقع الديني بمنأى عن ذلك، وقد رسم عمر راسم صورة ذلك الواقع المزري فقال::(كيف يكون المسلم مسلما في بلد خلت مساجده من الراكعين الساجدين، وامتلأت شوارعه من اللصوص والفجار والسكيرين؟)([17])

ولذلك فقد رأت الطريقة العلاوية أن الإصلاح الديني لا يتم إلا بإعادة التدين للجماهير التي سلب منها دينها، فوقعت في الانحراف وبعده في الاستعباد.

والتدين – حسب تصور الطريقة العلاوية- لا يعود إلا بإحياء شعائره جميعا، ولا تحيا الشعائر إلا بإظهارها والإعلان بها وملأ المساجد بجميع أنواع الممارسات التعبدية من القرآن والذكر وغيرها، ليجد المنحرف فيها بعد ذلك ضالته الروحية التي تحميه من الانحراف، يذكر هذا ابن عليوة بأسلوبه الخاص الذي يمتزج فيه العتاب بالنصح، فيقول: (المؤذن في بعض المساجد بين الأساطين تحت السقف يسرد جمل الآذان شبه الإقامة تبركا، وكأني بحال الإمام من خلفه يقول له: (اذكر ربك في نفسك فإنك لا تدعو غائبا ولا أصم!!!)…فيا للفضيحة! أيبلغ بنا معشر الجزائريين التهاون إلى أن نصير لا نستطيع إظهار شعائر ديننا مع أننا مسلمون في بلاد إسلامية وفي حال أن حكومة البلد نفسها تسعى بجهدها في تأسيس مسجد من أعظم المساجد في (باريس) كل ذلك ركونا منها إلى الدين الإسلامي، واستجلابا لعواطف المسلمين)([18])

ولم يكن الاهتمام بهذا قاصرا على المقالات أو بعض الممارسات، وإنما كان يشكل نشاطا مهما لمريدي الطريقة العلاوية، فهم في أثناء سياحاتهم – التي هي جزء من سلوكهم الروحي- يقومون بحث الناس على أداء الصلوات المفروضة في وقتها، ولو لم ينتسبوا لطريقتهم أو يأخذوا عنهم العهد([19]).

وكان يأخذ العهد على مريديه على القيام بواجب التذكير والنصيحة في المجتمعات العامة، وأماكن الغفلة، على أن لا يخرجوا في تذكيرهم عن موضوع الصلاة وقواعد الإسلام([20]).

وقد كان يخص بهذا الاهتمام المناطق التي تتعرض لضغط المستعمر قصد تغيير هويتها، فكان الشيخ ينشر تلاميذه ورسائله إليهم يتعهدهم كل حين، وكمثال على ذلك هذه الرسالة التي كانت تقرأ في المجالس المختلفة: (إلى حضرات أصدقائنا ببلاد القبائل، ومن حولهم أخصّ بالذكر رؤساءهم وفقهاءهم ومشايخهم، وجماعة المتقدمين، ومن له أدنى ارتباط بنسبتنا واعتماد كلامنا، عليكم جزيل السلام ما دمتم لله ذاكرين، ولشرعه ناصرين. هذا أيّها السادة، ألهمني الله وإيّاكم لما فيه نفع الدارين، وفي يقيني أنّه لا نفع أنفع من اتباع سنّة سيد المرسلين وإحيائها، والعمل على مقتضياتها، وبالخصوص في هذا الزمان الصعب، الذي صار فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر، كلّ ذلك لضعف اليقين، وقلّة المعين، وقد كنّا نعهد من أفرادهم الصدق، والتبّصر على نصرة الحقّ، ورجوت الله بوجودكم تحيى البلاد والعباد، وقد كان من ذلك ما يستحق الذكر والحمد لله، حتى اعترف به العدو والصديق، فشكرنا سعيكم وحمدنا الله لنا ولكم، غير أنّه في هذا الأخير بلغني ما كدّرني، وللكتابة ألجأني، وهو أنّ بعض المساجد في أرضكم تخريب، وهكذا بعض الكتاتيب تعطلت، ولست أدري هل ذلك ثابت أم لا؟ وإن كان ذلك يقع مع وجودكم، فوجودكم إذن والعدم على السواء، وأنتم على علم من إنّنا ما صحبناكم، وعاهدناكم إلاّ على قيام شرائع الدين، واتباع سنّة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم لّى، وهذا هو العهد الذي قطعناه وقطعتموه مع الله في السرّ والجهر، ومن أوفى منكم بعهده فهنيئا له، ولعشيرته ودائرته، ومن نكص على عاقبيه، أو خان ما عاهد الله عليه، فإنّ الله لا يحبّ الخائنين، وإنّه لا ذمّة بيني وبينه، بل بينه وبين أهل السلسلة من يومنا هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ من تاب: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة: 222]، وهذا ما لم يكن مغلوبا على عقله، وإلاّ فلا يلتفت إليه، وقد أخبرني في هذا الأخير أحد الأصدقاء، أنّه رأى في منامه أنّ قائلا يقول له: (ها هو ذا كلب أسود يأكل في الدين، قال فخرجت، وإذا بالدين تمثّل لي كأنّه جوف شاة معلّق على حبل، وكلب أسود ينهش فيه نهشا، قال: فقمت مرعوبا) فهذا هو الزمان الأسود، ترى ينهش في الدين نهشا، فهل يحسن من أبناء الدين أن ينهشوا معه، أم يحرزوه؟ وبعد هذا فإنّي أحذركم الله، وأحذر نفسي معاشر المسلمين، أن تهملوا كتاب الله، وتعطّلوا مساجد الله، فيسرع إليها الخراب مع وجودكم، فإنّ الله تعالى يقول في الشق الأول إخبارا عن نبيّه حيث يقول يوم القيامة: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30]، وما كتبت هذا إلاّ تحذيرا وظنّي فيكم جميل، وإن تخلّفتم فإنّي قد أنذرتكم، والله يتولّى إصلاحكم، وهو خير المصلحـين)([21])

هذا نموذج من رسائل الشيخ نقلناه كاملا، ومثله كثير، والغرض منه أن يطلع عليه أولئك المتسرعون الذين يرمون الشيخ والطريقة والطرق بالانحلال من الشريعة.

2 ـ نشر السلوك الصوفي:

لا تكتفي الطرق الصوفية بالشعائر التعبدية الواجبة في الدين، بل يضمون إليها ما يعتبر في الأبواب الفقهية من النوافل التي لا حرج على المكلف في تركها، ككثرة الذكر والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخلوات التعبدية ونحوها، وكل ذلك بصحبة المعاني الروحية الباطنية التي يلقنها الشيخ لمريديه، أو يتذاكرها المريدون فيما بينهم.

وسبب ذلك اعتقادهم أن الممارسات التعبدية الظاهرية لا تكفي وحدها ما لم تصاحبها المعاني الباطنية في عالم الروح، والتي لا تتحقق إلا بالسلوك على يدي الشيخ المربي، الذي من ظفر به ظفر بالإكسير الأحمر.

وقد مر بنا في المبحث السابق الممارسات الخاصة للطرق الصوفية، وسنرى في الجزء الثالث من هذه السلسلة العلل والدوافع التي جعلت أصحاب الطرق يختارون تلك الممارسات.

المطلب الثاني: الإصلاح التربوي عند الطرق الصوفية

إن كان الكثير يحكم على الدور السياسي للطرق الصوفية في الفترة التي تلت المقاومات الشعبية والطرقية للاستعمار بالسلبية، فإن القليل جدا من الباحثين المنصفين من يحكم على دورهم التربوي والتعليمي بذلك، فقد كانت الزوايا ــ مهما اختلفت الطرق التي تنتمي إليها ــ تمارس هذا الدور بفاعلية في المدن والأرياف، وفي أي محل يكون لها وجود فيه.

ولهذا لم تنكر الجمعية ما تقوم به الزوايا والطرق الصوفية من أدوار في هذا الاتجاه، وإنما تنكر عليها بعض ما يطرح في تلك المؤسسات من أفكار لا تتفق معها الجمعية.

وقد شهد أحمد توفيق المدني للطرق بدورها الكبير في هذا الجانب، فقال في (كتاب الجزائر): (لا زال للطرق الصوفية بقطر الجزائر حظوة كبرى ونفوذ عظيم… إن لبعض الطرق الصوفية بقطرنا هذا مزية تاريخية لا يستطيع أن ينكرها حتى المكابر، تلك هي أنها استطاعت أن تحفظ الإسلام بهذه البلاد في عصور الجهل والظلمات، وعمل رجالها الأولون على تأسيس الزوايا، يرجعون فيها الضالين إلى سواء السبيل ويقومون بتعليم الناشئة وبث العلم في صدور الرجال ولولا تلك الجهود العظيمة التى بذلوها والتي نقف أمامها موقف المعترف لما كنا نجد الساعة في بلادنا أثرا للعربية ولا لعلوم الدين)([22])

ونفس الأمر يشهد به البشير الإبراهيمي، ولكنه كما ذكرنا لشدته في هذا الباب كان ينظر إليه نظرة مخالفة مع إقراره بأن هناك زوايا كثيرة، وأن هناك تعليما فيها، وهذا الذي يهمنا في هذا المحل، فقد قال: (.. والكثرة الغالبة في علماء الجزائر قبل اليوم تعلمت بالزوايا أو علمت العلم في الزوايا، فمن الزوايا المبدأ وإليها المصير. وزوايا الطرق في باب العلم كمدارس الحكومات هذه معامل لتخريج الموظفين، وتلك معامل لتخريج المسبحين بحمد الزوايا والمقدسين. أما العلم وحقيقته وصراحته وحريته فلا رائحة لها في هذه ولا في تلك)([23])

وما يقوله الإبراهيمي في هذا عجيب، لأن للزوايا الصوفية منة في عنق الكثير من رجال الجمعية بمن فيهم هو نفسه، فعلى الرغم من انتمائه إلى أسرة علمية، إلا أنه لم يستغن عن الانتماء للزوايا، فقد ذكر في ترجمته أنه تلقى تعليمه الأول على يد أبيه، ثم في زاوية (ابن علي الشريف) في (شلاطة) بجبال القبائل([24])، وهي – كما هو معلوم- من زوايا الطريقة الرحمانية التعليمية.

ومثله الشيخ العربي التبسي، فقد ذكر الدكتور أحمد عيساوي في كتابه (جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية) أن أهم المدارس التي انطلق منها الشيخ العربي التبسي هي الزوايا التي تنتمي إلى الطريقة الرحمانية، فقد بدأ حياته العلمية بعد الكتاب في زاوية أولاد رشاش بالزوي، ومكث فيها سنتين وبضعة شهور، وحفظ فيها القرآن الكريم، ثم انتقل إلى (خنقة سيدي ناجي)([25])، ومكث فيها ست سنوات أتقن حفظ القرآن بالقراءة المغربية وتعلم مبادئ العلوم العربية والدينية، ثم انتقل إلى زاوية سيدي مصطفى بن عزوز النفطي الجريدي الرحماني([26]) سنة 1910م بالجريد التونسي جنوبا، وبها حفظ متون العقيدة وعلم الكلام والمنطق والفقه وعلم الأصول واللغة العربية والأدب شعره ونره وبلاغته.. فأتقن متونها من المكودي، والأجرومي، وابن عاشر، ومتن سيدي خليل، ومكث بها ثلاث سنوات وبضعة شهور، ليعود بعدها إلى دوار اسطح في صيف سنة 1912م منتزعا توصية من شيوخه في الزاوية تزكيه للالتحاق بالجامعة الزيتونية([27]).

وهكذا عندما ندرس البداية التعليمية لأكثر مشايخ الجمعية نجد أن لهم صلة قريبة أو بعيدة بالزوايا أو الطرق الصوفية.

وسر ذلك بسيط، وهو أن زمام التعليم العربي والديني في ذلك الوقت كان بيد الزوايا والطرق الصوفية، وقد كانت تمارس فيه الطريقة التقليدية التي كانت متبعة في جميع بلاد العالم الإسلامي، بل في مؤسساته التعليمية الكبرى كالأزهر والزيتونة وغيرها.

وسنحاول هنا باختصار أن نذكر المؤسسات التي كانت تمارس الطرق الصوفية وظيفتها التربوية من خلالها، ثم نتحدث عن المقررات الدراسية، والتجديد الذي حصل فيها من طرف الطرق الصوفية إما من تلقاء ذاتهم أو مواجهة للتجديد الذي جاءت به الجمعية، وحصل مثله في العالم الإسلامي.

أولا ـ المؤسسات التعليمية للطرق الصوفية:

يطلق على المؤسسات التعليمية الخاصة بالطرق الصوفية اسم الزوايا، وهي تصنف ضمن المرحلة الثانية للتعليم بعد الكتاب([28])، وتتميز بأن دورها لا ينحصر في التعليم فقط، بل بالإضافة إلى ذلك كانت محلا للتوجيه والتربية ودارا للقضاء والفتوى، ومقرا للتواصل الاجتماعي بين أهل المنطقة، أو بين المناطق المخلفة.

وبذلك فإن الطالب الدارس فيها يكتسب بالإضافة إلى العلوم والمعارف الخبرة بالواقع الاجتماعي والسياسي، وذلك مما يدعم تكوينه العلمي.

وقد كان في الجزائر ابتداء من العهد العثماني وفي خلال الاحتلال الفرنسي زوايا كثيرة، فحسب إحصاء (1871) كان عدد الزوايا 2000 زاوية موزعة على كل القطر الجزائري شمالا وجنوبا، وقد قامت بتعليم 28.000 تلميذ تقريبا، فكانت توجد في قسنطينة 90 مدرسة تحتوي على 14.000 تلميذ سنة 1873، وكان في نواحي تلمسان حوالي 40 زاوية، وفي الجزائر العاصمة 1000 مدرسة لتعليم القراءة والكتابة والحساب([29]).

وقد كانت هذه الزوايا -كما يظهر من تواريخها التفصيلية – تتنافس في الحصول على أفضل الأساتذة والمدرسين، لأن عدد طلبتها وشهرتها والدعم المادي الذي تتلقاه من الأهالي يتناسب طرديا مع ذلك.

وكمثال على ذلك ما ورد في ترجمة العلامة الشيخ أبي حفص الزمّوري([30]) ورحلته العلمية بين الزوايا المختلفة، وكيف كان يستقبل فيها، ويلتف حوله طلبة العلم ومشايخه، فقد ذكر مؤلف (مشائخ خالدون وعلماء عاملون) كيف خرج الشيخ من وادي زناتي وكيف استقبل بعدها في عين الفكرون بولاية أم البواقي، قال: (انتقل الشيخ إلى جامع (عين الفكرون) في جو احتفالي بهيج أقامه أعيان وادي زناتي على شرفه اعترافا بما قدمه لسكان الجهة من العلم والمحبة الصادقة، ورافقوه إلى عين الفكرون حيث استقبله أعيانها وسكانها الطيبون استقبالا كبيرا قوامه الحفاوة البالغة، والترحاب الكريم، اعترافا منهم بمكانته العلمية والدينية تعبيرا صادقا على قبوله دعوتهم للتدريس والإمامة بمسجد مدينتهم)([31])

وقد بلغ عدد المؤسسات التي تدرس القرآن الكريم للأطفال في الأوراس حوالي 68 مدرسة خصصت لهم أقسام لذلك، بحيث لا يقل عددهم عن 10 في كل قسم، وهذه المدارس عامرة طول السنة خاصة في فصل الشتاء، أما في فصل الصيف فيتوجه معظمهم إلى الحقول والمزارع لمساعدة ذويهم في الحصاد والدرس، وقد بلغ عددهم في مطلع القرن 19 حوالي 2400 تلميذ، وحسب صرير المقاطعة الإدارية الفرنسية (أن عدد التلاميذ الذين يتابعون دروسهم لدى مختلف الأساتذة يتضاعف بشكل معتبر كل سنة خاصة في أولاد عبدي ومنعة وأولاد داوود ومدوكال وتبرماسين وقد مس حتى الكبار لضرورة العبادة)([32])

ولو أعطينا أمثلة عن ذلك، فإننا نجد الزاوية المختارية بأولاد جلال قد سطرت لنفسها برنامجا علميا ثريا بمختلف المواد، وكان هدفها الأساسي هو تحفيظ القرآن وتدريس العلوم الأخرى كالفقه والتفسير والحديث والأصول والنحو والبلاغة والعروض والمنطق والفلك، وقد كان الطلاب يأتونها من كل حدب وصوب (الزيبان، الجلفة، الحضنة…) ففي عهد شيخها الأول وصل عدد الطلبة إلى نحو 700 تلميذ، فخرجت بذلك أجيالا من رجال العلم والفقه والإصلاح([33]).

أما زاوية آل دردور فقد اهتمت كذلك بتعليم القرآن وأصول الدين وقواعده، وقد كان شيخها الهاشمي بن علي دردور يقوم بتدريس المواد الدينية، كالفقه والسيرة النبوية والتربية وكذلك علوم اللغة العربية كالنحو والصرف، وكان يلقن قصائد المبشرات، وهي من تأليفه في التربية ومدح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته ويقول أنه ربى بهذه الطريقة 400 رجل و100 امرأة([34]).

أما الزاوية العثمانية بطولقة فقد اهتمت هي الأخرى بتحفيظ القرآن للقادمين إليها من كل المناطق، وما زالت إلى يومنا هذا تقوم بهذا الدور، وكذلك مبادئ اللغة العربية والفقه، وتتكفل الزاوية بالمأكل والمرقد مجانا، ومن العلماء الذين درسوا بهذه الزاوية الشيخ أبو القاسم الديسى والمدني عثماني ومحمد الدراجي وعبد الله لخذاري وأحمد بن مسعود القنطري، بالإضافة إلى الذين كانوا يترددون على الزاوية، فهم كثيرين نذكر منهم أحمد الأمين بن محمد، المدنى بن عزوز، محمد الأخضر الحسين([35]).

وأشهر العلماء الذين تخرجوا من هذه الزاوية الشيخ الأخضر بن عمر الطولقي، ثم الشيخ الغسيري ومحمد خير الدين، وعمر دردور وموسى وعبد القادر بن الموهوب الدوكالي الأزهري([36]).

وقد وصل تأثير الزاوية إلى مجال جغرافي واسع داخل الوطن وخارجه، فظهرت زوايا على طريقتها وكأنها فروع لها مثل زاوية الشيخ عبد الحفيظ الخنقي وسيدي سالم في وادي سوف، والشيخ الخياري وزاوية الهامل، وزاوية بن عبد الله الصدقي بالأوراس وهي امتدادات لها([37]).

وكذلك كانت زاوية منعة القادرية من مراكز تعليم القرآن والعلوم الدينية واللغوية ومن الشيوخ الذين عملوا بالزاوية محمد الصغير بن عباس، ومحمد بن محمد بن عباس، ومن أبنائها الذين تخرجوا شها، الشيخ ابن عباس زين العابدين، والشيخ ابن العباس بن محمد الصغير، وقد بلغ عدد الطلبة بها 300 طالب، بالإضافة إلى جملة من المشايخ الذين درسوا في هذه الزاوية فيما بين (1760 إلى سنة 2004)

ونفس الشيء بالنسبة لزاوية الشيخ عبد الصمد، فقد كانت تنظم فيها مناظرات علمية وأدبية بين العلماء بقرية عيون العصافير، وقد برز في هذا المجال الشيخ محمد بن عبداش، كما تقوم بإحياء المناسبات الدينية.

 واهتمت زاوية مول القرقور في نشر العلم بمنطقة سريانة وما جاورها بفضل شيوخ الزاوية وعلماء آخرين، وقد ضايقتها السلطات الفرنسية مرات عديدة لتحد من نشاطها العلمي.

وإذا اتجهنا إلى الجنوب الشرقي للأوراس، نجد زاوية خنقة سيدي ناجي، فإنها كانت من أكثر الزوايا اهتماما بالعلم والعلماء، ولعل الدور يعود فيها إلى المسجد الذي بني على منوال جامع الزيتونة بتونس.

وكانت الزاوية الناصرية بجامعها الكبير ومدرستها قد أشعت الناحية بالعلم والمعرفة طيلة قرنين من الزمن، فكانت مقصد لعلماء الزاب والصحراء والأوراس وقسنطينة وحتى من تونس وليبيا، ومن العلماء الذين درسوا في هذه الزاوية بن صديق ومحمد بن نروق والعربي التبسي.

أما منطقة (زواوة)، فقد اشتهرت بكثرة الزوايا التعليمية حتى وصلت إلى اثنتين وأربعين زاوية، وانتشرت الزوايا بالخصوص في سهل وادي مسعود (الصومام) وفي النواحي المجاورة، ولم يقتصر إنشاء الزوايا التعليمية على أهل الطرق الصوفية أو المرابطين، بل على بعض الفئات الاجتماعية التي أنشأت الزوايا لنشر العلم والمحافظة على الدين ومن أبرز زوايا زواوة التي اهتمت بالتعليم زاوية شلاطة بـ(أڤبو)([38])، فهي من أقدم الزوايا التعليمية في المنطقة، ولو أنها فقدت بالتدريج مكانتها العلمية في العهد الفرنسي نظرا لقبول رئيسها عندئذ محمد السعيد بن على الشريف الوظيف الرسمي من الفرنسيين مع ذلك بقيت الزاوية تؤدي مهمة التعليم في العهد الفرنسي ووظيفة صاحب الزاوية قد حمت معلميها وطلابها من شر الإدارة الفرنسية، وقد درس فيها عدد من العلماء ومنهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي قبل هجرته إلى المشرق، وقد عرفت بتخصصها في حفظ القرآن وقراءته وتفسيره، وكانت مدرسة لعلوم الدين والفلك والحساب والنحو وعن مشايخ هذه الزاوية نذكر الشيخ الكتاني، الشيخ دحمان بن السنوسي، الشيخ محمد بن عبد الرحمن وغيرهم.

ومنها الزاوية السحنونية، ومؤسسها هو عمرو الشريف، ومن أبرز رجال هذه الزوايا محمد السعيد السحنوني، وقد ظهرت أيام ضعف التعليم العربي الإسلامي في الجزائر توغل الإدارة الفرنسية في نواحي البلاد سيما منذ ثورة 1871، أما ما تميزت به فهو إرسال البعثات من التلاميذ إلى تونس للتعلم واستقبالها للتلاميذ من البلدان المجاورة في إطار تشجيع الحصول على العلوم الإسلامية خاصة باللغة العربية من البلدان المجاورة، ولم تكتف الزاوية بإرسال التلاميذ بل إنها جلبت إليها بعض الشيوخ من تونس للتدريس فيها أمثال الشيخ إبراهيم جمادح وقد كثر الطلبة بالزاوية حتى بلغ نحو 300 طالب([39])

وقد نشطت الزاوية في عهد الشيخ محمد السعيد ومحمد الشريف الأول، وكان للشيح محمد السعيد تلاميذ نذكر منهم ابن طعيوج، محمد أمزيان بودريو، أما من تلاميذ الشيخ محمد الشيخ محمد الشريف فنذكر الشيخان البارزان في جمعية العلماء أحمد حسين وعبد الرحمن شيبان([40])

أما في الجنوب الجزائري، فمن أشهر الزوايا زاوية طولڤة التي أسسها الشيخ ابن عمر، فقد تطور نشاطها التعليمي وبذلت جهدا كبيرا في نشر التعليم العربي والعلوم الإسلامية، وقد اشتهرت بالخصوص في عهد علي بن عثمان الذي طال عهده ( 1842-1896)، فتحت أبواب الزوايا للتلاميذ من مختلف النواحي، ويروي المؤرخون أن والد الشيخ الحفناوي مؤلف (تعريف الخلف) قد تولى التدريس بالزاوية فكانت تضم ما بين 40 و50 تلميذا بالإضافة إلى جمع غفير من العامة يضاف لهم جامع الزاوية، كما استقبلت عددا من التلاميذ الذين برزوا في ميادين أخرى منهم بعض أعضاء جمعية العلماء فيما بعد([41]).

ثانيا ــ المقررات الدراسية:

لقد كانت المقررات الدراسية – على حسب ما يبدو من مناهج الزوايا المختلفة – تخضع للظروف التي تمر بها الزاوية من كثرة الطلبة ونوعيتهم ونحو ذلك، بالإضافة إلى توفر الأساتذة في المادة التي يراد تدريسها، وهذا عادة ما يكون فيما يرتبط بالتعليم العالي، أما التعليم العادي، فكان لا يخلو من هذه المواد:

القرآن الكريم: لا تختلف الطرق الصوفية عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الاهتمام بالقرآن الكريم باعتباره المصدر الأول للإسلام، ويتجلى هذا التعظيم من خلال الاهتمام بتخريج حفاظ القرآن، وهو جهد لم تستطع الجمعية ولا غيرها تحقيقه، ولا يزال للزوايا دور كبير في هذا الباب.

الحديث الشريف: وقد كان هذا خاصا ببعض الزوايا لا بها جميعا، فقد كان الطلبة يستمعون لصحيح البخاري وموطأ مالك في زوايا منطقة توات([42]).

وربما يكون لعلاقة الشيخ عبد الحي الكتاني بالطرق الصوفية في الجزائر تأثيره الكبير في توجيههم إلى الاهتمام بدراسة الحديث وعلومه، فقد كان الشيخ أحد أبرز العلماء الموسوعيين في الفقه والأصول والتفسير والحديث والتصوف والتاريخ واللغة والبيان وغيرها، ومؤلفاته التي تربو على المائتين في مختلف العلوم شاهدة له بذلك، بالإضافة إلى هذا فهو يعتبر من كبار المحدثين في هذا العصر.

وبما أن هذا مما يتصور بعض أعضاء الجمعية أنه من اختصاصهم، وأن الجديد الذي جاءوا به للجزائر هو علم الحديث، فقد كان هذا داعية لهم لانتقاد الشيخ عبد الحي الكتاني، لجمعه بين الحديث والتصوف، وكأن الحديث لا يهتم به أو لا يتعلمه إلا من كان سلفيا، فقد قال الشيخ الإبراهيمي في مقال له بعنوان (عبد الحي الكتاني: ما هو؟ وما شأنه؟)، وهو مقال يغلب عليه الأدب أكثر من العلم، ومما جاء فيه قوله منتقدا تحركات عبد الحي الكتاني التوجيهية للطرق الصوفية، والتي اعتبرها تحركات مشبوهة: (كان عبد الحي فيما مضى يزور هذا الوطن داعيًا لنفسه أو مدعوًّا من أصدقائه، وهم طائفة مخصوصة، فكنّا نولّيه ما تولّى، ولا نأبه له، وكانت تبلغنا عنه هنات كاختصاصه بالجهّال وهو عالم، وانتصاره للطرقية وهو محدّث، إلى هنات كلها تمسّ شرف العلم وكرامة العالم، فكنّا نحمّله ما تحمّل ولا نبالي به، وكان يزور لمامًا، ويقيم أيامًا، ولكنه- في هذه المرّة- جاء ليتمّم خطّة، ودخل الباب ولم يقل حطّة، وصاغ في الجزائر حلقات من تلك السلسلة التي بدأ صنعها في المغرب، دلّتنا على ذلك شواهد الأفعال والأقوال والملابسات والظروف)([43])

ثم ذكر سر هذا الموقف من رحلة عبد الحي وأنه عائد إلى (أن الحكومة أحسّت بإعراض من رجال الزوايا، وانصراف عما تريده منهم بطرقها القديمة، فأرادت أن تؤيّد قوّة القهر بقوّة السحر، فكان عبد الحيّ الساحر العليم)([44])

بغض النظر عما تحمله هذه الكلمات من تجريح للشيخ الحافظ الفقيه عبد الحي الكتاني، إلا أن الإبراهيمي في ضمن كلامه شهد بالدور التوجيهي العلمي الذي قام به الشيخ عبد الحي الكتاني بين الطرق الجزائرية، فقد قال في نفس المقال: (ثم نسأل عبد الحي: لماذا لم يفعل في المغرب ما فعله في الجزائر، فيجمع الزوايا على الدعوة إلى التعليم؟ إنه لم يفعل لأنه لا يرى زاوية قائمة إلا زاويته، وكلّ ما عداها فمنفرجة أو حادّة كما يقول علماء الهندسة، ونسأل رجال الزوايا: لماذا لم يجتمعوا لمؤتمرهم قبل مجيء عبد الحي؟ وهل هم في حاجة إلى التذكير بلزوم العلم والتعليم حتى يأتيهم عبد الحي بشيء جديد في الموضوع؟ يا قوم، إن الأمر لمدبَّر، إن الأمر لمدبّر علمه مَن علِمه منكم وجهِله مَن جهِله، وما نحن بمتزيّدين ولا متخرّصين)([45])

ونحن نتعجب من هذه الشدة التي لا نرى لها مبررا، فما الحرج في أن يخص الشيخ عبد الحي الجزائريين بدعوته، خاصة إن قصر المغاربة في الاستجابة له؟ ثم أين هذا من دعوته للوحدة الإسلامية، أم أن ذلك مجرد شعارات؟

الفقه: ويبدأ عادة باستظهار بعض المتون الفقهية على المذهب المالكي كمتن ابن عاشر ومتن الأخضري والرسالة لأبي زيد القيرواني وأسهل المسالك ومختصر خليل وتحفة الحكام لابن عاصم، وأثناء الحفظ يقوم الشيخ بشرحها بالوقفة – أي يشرح كل يوم أجزاء من فصول متفرقة – يأخذ كل تلميذ واحدة حسب مستواه، ويقوم هو بدوره بحفظها واستظهارها، كما يقوم الشيخ في جلساته العامة وهيئة التدريس في الحصص الخاصة بشرح ذلك وإجراء التطبيقات العملية عليه.

علم التوحيد: ويتم بحفظ المتون المتضمنة لذلك (كمتن السنوسية والجوهرة)، وكلاهما من متون المدرسة الأشعرية العقدية، وشرحها في دروس خاصة وعامة، إضافة إلى ما يتعرض له الشيخ أثناء شرحه للمتون الفقهية في الأبواب المتعلقة بالتوحيد.

قواعد اللغة العربية: ومن أهم المتون المعتمدة في هذا المجال متن الأجرومية، وملحة الإعراب وألفية ابن مالك وقطر الندى، والدراسة تكون بنفس الطريقة السابقة التي تدرس بها المتون الفقهية، وهي تعتمد في التمثيل على القرآن والحديث وشواهد من كلام العرب.

بالإضافة إلى هذا فقد كان للزوايا التي يكون فيها علماء لغة نشاط علمي أكثر كثافة وعمقا، ومن الأمثلة على ذلك أن الشيخ أبا حفص الزموري الذي سبق الحديث عنه كان يدرس في الزاوية العلاوية بعنابة علم البلاغة من خلال كتاب (الجوهر المكنون في البلاغة لعبد الرحمان الأخضري)، ويدرس النحو من خلال كتاب (شذور الذهب في النحو لابن هشام)، ويدرس علم العروض من خلال كتاب (الصّبّان في علم العروض والقوافي)([46])

العلوم الاجتماعية والعقلية: كالفرائض، والحساب، والتاريخ والجغرافيا، والمنطق، فقد أولت بعض الزوايا الكبرى عناية كبيرة لهذه العلوم، فجلسوا لتدريسها ونشرها بين طلبة المنطقة، وقاموا بشرح مصنفاتها والتعليق عليها، وتبسيط محتواها، حتى يسهل فهمها، خاصة إذا علمنا أن أكثر هذه العلوم تحتاج إلى التبسيط والشرح، كعلم الفرائض والحساب والمنطق.

ومن الزوايا الكبرى التي اهتمت بهذه العلوم زاوية قمار التيجانية، وهي من كبار الزوايا الجزائرية، وربما يكون لقربها من تونس دور في اهتمامها بهذه العلوم.

المطلب الثالث: الإصلاح الاجتماعي عند الطرق الصوفية

مما لا خلاف فيه بين الباحثين هو أن الطرق الصوفية ظلت إلى فترة طويلة منذ العهد العثماني في الجزائر هي الأكثر تغلغلا في المجتمع من بين جميع التيارات الفكرية الأخرى، ولذلك نرى الكم الكبير من الزوايا في المدن والأرياف وغيرها، والتي مارست الطرق الصوفية من خلالها جميع الوظائف الاجتماعية بالإضافة إلى وظائفها الدينية والتربوية، وسنذكر هنا باختصار بعض الوظائف الاجتماعية التي قامت بها زوايا الطرق الصوفية في المجتمع الجزائري إبان الاستعمار.

أولا ـ تحقيق الوحدة الاجتماعية:

ونريد بهذه الوظيفة ما تقوم به الطرق الصوفية من نشر للأفكار والقيم التي تحقق الوحدة بين أفراد المجتمع وطبقاته المختلفة، وهي وظيفة يشهد لها واقع الزوايا التي تضم جميع أصناف الناس مهما اختلفت مراتبهم أو لغاتهم أو وظائفهم أو ألوانهم، بل حتى الحدود الجغرافية لم تكن تحول بينهم وبين إقامة هذه العلاقات الاجتماعية القوية، فالعلاقة التي تربط المريد الصوفي بشيخه وبطريقته أكبر من العلاقة التي تربطه بوطنه وقومه.

وهذه مفاهيم صوفية متفق عليها، وقد فلسفها الشيخ ابن عليوة عند شرحه للحديث الذي يصف فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين بأنهم (كالجسد الواحد)([47]) بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر المجتمع بمثابة الجسد وأفراده أعضاء ذاك الجسد، ومن المعلوم أن أعضاء الجسد تختلف فيما بينها من حيث طبيعتها وقيمتها ووظيفتها، ومع ذلك لا يستغنى عن عضو بعدمه أو بوجود ما هو أشرف منه، فكل ما يحتاج إليه شريف مادام محققا لحاجات الجسد، كذلك أفراد المجتمع مختلفون وكل ميسر لما خلق له (فليكتف من الأعمال بما يراه مرتكزا في فطرته، وليتوسع فيه بقدر استطاعته فإنه أوفق له وأنفع لأبناء نوعه، لأن الحقائق لا تنعكس وإن مع المحاولة، فالسمع في البدن لا يتأتى منه أن يكون بصرا، واليد لا يمكن لها أن تكون لسانا وقس على ذلك، وليس على جارحة في البدن أن تقوم بأكثر مما خلقت لأجله)([48])

وانطلاقا من هذا فقيمة الفرد عند الشيخ ــ كما هي عند الصوفية ــ هي ما يحسنه، وإن تفاوت الأفراد في المكانة والشرف، (فمرتبة العين في البدن ليست كمرتبة الجفن مثلا، لكن كما أن لكل عضو فائدة تتحقق بأدائه لوظيفته فإنه إن لم يفعل يكون بمثابة العضو الأشل مهما كانت طبيعته وأهميته، وعليه لا يوجد دور هين فيحتقر وآخر شريف يؤدي إلى التعالي والتكبر، وإنما على كل أن يمارس صلاحياته في نطاق وظيفته وطبقته)([49])

وهذا التفسير الذي ذكره الشيخ ابن عليوة ــ كما ذكرنا ــ متفق عليه عند الصوفية سواء كانوا من مدرسة السلوك أو مدرسة العرفان، وقد فلسف ابن عربي ذلك من الوجهة العرفانية، فقال([50]):

لا تحقرن عباد الله إن لهم
 
قدرا ولو جمعت لك المقامات
 
أليس أسماؤه تبدي حقائقهم
 
ولو تولتهم فيها الجهالات
 

وعبر عن ذلك في وصية له يقول فيها: (وعليك بمراعاة كل مسلم من حيث هو مسلم، وساو بينهم كما سوى الإسلام بينهم في أعيانهم، ولا تقل هذا ذو سلطان وجاه ومال وكبير وهذا صغير وفقير وحقير ولا تحقر صغيرا ولا كبيرا في ذمته، واجعل الإسلام كله كالشخص الواحد، والمسلمين كالأعضاء لذلك الشخص، وكذلك هو الأمر فإن الإسلام ما له وجود إلا بالمسلمين، كما إن الإنسان ما له وجود إلا بأعضائه وجميع قواه الظاهرة والباطنة وهذا الذي ذكرناه هو الذي راعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما ثبت عنه من قوله في ذلك (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد واحدة على من سواهم) ([51])([52])

ولكن هذا لا يعني خرق المراتب وعدم حفظها، فـ (كما أنك تعامل كل عضو منك بما يليق به وما خلق له فتغض بصرك عن أمر لا يعطيه السمع، وتفتح سمعك لشيء لا يعطيه البصر وتصرف يدك في أمر لا يكون لرجلك وهكذا جميع قواك فتنزل كل عضو منك فيما خلق له كذلك وإن اشترك المسلمون في الإسلام وساويت بينهم فأعط العالم حقه من التعظيم والإصغاء إلى ما يأتي به وأعط الجاهل حقه من تذكرك إياه وتنبيهه على طلب العلم والسعادة وأعط الغافل حقه بأن توقظه من نوم غفلته بالتذكر لما غفل عنه مما هو عالم به غير مستعمل علمه وكذلك الطائع والمخالف)([53])

وبناء على هذا قسم الشيخ ابن عليوة الناس إلى ثلاث طبقات بحسب حركاتهم الفكرية والبدنية، فأعلى طبقة على مستوى الحركة الفكرية هم العلماء من رجال الدين، أما أعلى مستوى الحركة البدنية فيمثلها ذوي النفوذ السياسي والمالي والجاه([54]).

ثانيا ــ إزالة الفوارق الاجتماعية

ومن هنا سعت إلى إزالة الفوارق الاجتماعية بين الفئات والشرائح المختلفة فقربت بين الفقراء والأغنياء والعلماء والأميين والشرفاء وغيرهم، وحصرتهم جميعا في بوتقة واحدة.

ثالثا ــ الصلح بين المتخاصمين

وهذه من وظائف الزوايا في جميع بلاد العالم الإسلامي، فمكانة الشيخ الروحية في المجتمع تجعل له من السلطة ما يستطيع به أن يتوسط بين المتخاصمين، ويفرض ما يراه حلا سليما بينهم، سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو القبائل أو حتى مع ممثلي السلطة([55]).

بل في بعض الحالات يتدخل شيخ الزاوية لتحقيق الصلح بين المتنازعين على السلطة، وهو بذلك بشكل عامل استقرار وأمن لأنه يطفئ نار الفتن والحروب الأهلية ويحقن الدماء ويؤلف بين القلوب المتنافرة والاتجاهات المتصارعة([56]).

وكمثال على ذلك ما قامت به زاوية قمار بقيادة شيخها الأول علي التماسيني من دور في استقرار منطقة وادي سوف. حيث تمكن من إخماد فتن قديمة وصرا عات مميتة بين قبائل المنطقة بقوله: (لقد حفرنا حفرة الأحقاد القديمة ودفناها، ومن أخرجها فلا يلومن إلا نفسه)، وعمل خلفاؤه على نهجه في إصلاح ذات البين وتهدئة النفوس([57]).

وكانت زاوية عبد الصمد تقوم بإصلاح ذات البين بين الأعراش والقبائل في المنطقة التي كانت تتولى قيادتها، وبذلك مثلت دور الحاكم، وتمتع المجتمع بالاستقرار النفسي والخلقي واتخذ من شيوخ هذه الطرق الصوفية قادة له بدلا من الحكام المدنيين وقضاتهم الرسميين([58]).

بالإضافة إلى هذا، فإنه بسبب استبدال السلطات الفرنسية القوانين الإسلامية في المجال القضائي، بالقوانين الفرنسية، ففي 18 فيفري 1841، صدر أمر من السلطات يتضمن التنظيم القضائي في الجزائر، انتزعوا بموجبه من القضاة المسلمين البت في الأمور الجزائية، وأصبح القضاء الإسلامي مقتصر على الأحوال الشخصية، وحتى هذه الأخيرة حاولت السلطات الفرنسية إخضاعها للقوانين الفرنسية وإلغاء الاحتكام للشريعة الإسلامية.

أمام هذا الوضع وفي ظل هذه الظروف أصبحت الزوايا ملجأ للسكان من أجل فك نزاعاتهم وحل خصوماتهم، سواء كانت بين الأفراد أو بين القبائل والأعراش، حيث يذكر أن قضايا الأحوال الشخصية أو قضايا الجنايات والخلافات على الأراضي، كان يفصل فيها بالزاوية، ويحتكم فيها إلى شيخ الزاوية، وأصبحت الزاوية المرجع الأعلى في القضايا والمحكمة العليا بالنسبة للأفراد والقبائل في تلك الفترة، وهو الأمر الذي لفت انتباه الكاتب الفرنسي Lehraux Leon، خلال زيارته إلى الجزائر حيث يقول: (تعتبر الزاوية مقرّا للقضاء، فهي تختصّ بالفصل في القضايا المدنيّة والجنائيّة، حيث كانت تحلّ من قبل الشيخ بحكم مكانته العلميّة والاجتماعيّة وما هو مشهود عنه من عدل وحكمة وعلم، ويكون فصله إمّا بالصلح والتراضي، أو بالتعويض، أو الفدية، فالقضايا المدنيّة متمحورة في النزاعات حول الأراضي، والمباني أو الميراث، والقضايا الجنائيّة تتمثّل في جرائم القتل وتدخّل الأعراش للثأر. كما تعتبر الزاوية مقرا لعقد القران، والتعاقد بين الأفراد([59])

رابعا ــ التكافل الاجتماعي:

والمتمثل في الإيواء والإطعام ونحو ذلك، فالزوايا الصوفية مارست هذا الدور، ولا تزال تمارسه في كثير من المناطق، وليس هذا خاصا بالزوايا الجزائرية، بل إن الزوايا ــ مهما اختلف اسمها، وفي أي منطقة من العالم ــ كانت تعتني بهذه الناحية

وقد كان لهذه الوظيفة الاجتماعية تأثيرها في جذب عدد كبير من الناس إلى الطرق الصوفية، لأنهم كانوا يضمون إلى الإطعام والإيواء الطقوس الصوفية التي تتوفر على جاذبية خاصة تجعل من المتكفل بهم مريدين شعروا أو لم يشعروا، كما ورد في هذه الرواية: (تساءل بعض الطلبة في فاس عن كيفية قضاء ليلتهم، فقال بعضهم: هل لكم في المبيت معهم (المريدين) فتتفرج في حضرتهم، أي السماع، ونشبع من الكسكس)([60])

وقد ذكر الدكتور عبد اللطيف الشاذلي العلاقة القديمة بين التصوف والتكافل الاجتماعي، فقال: (تمثل عمليات الإيواء والإطعام عنصرا أساسيا في الجهاز الصوفي.. وهو نظام تطوعي تكافلي مبني على التعامل بالمثل بكيفية توفر لكل مسافر من الصوفية إمكانية الاستفادة من بنية استقبال في أي مكان ذهب إليه)([61])

ولا حاجة لنا إلى الأمثلة عن دور الزوايا الجزائرية في هذا الجانب، فهو معروف مشتهر، فالزوايا تقوم باستقبال كل أصناف الناس حتى المجانين منهم، لتكفلهم، أو تسخرهم في أعمال الزاوية الكثيرة، أو ليصبحوا بعد ذلك مريدين للطريقة التي تنتمي إليها.

أما المصادر التي تؤهل الزاوية للقيام بهذه الوظيفة، فتتمثل في الاشتراك الذي يقدم من طرف المريدين، والذي يطلق عليه في مصطلح الطرق الصوفية (الزيارة)، ويعطى عادة للشيخ أو أحد مقدميه، تعبيرا عن الولاء والطاعة، وهو عبارة عن عطاءات عينية ونقدية، وهي واجبة ومحددة، وعادة يرسل المقدم الشاوش إلى من تخلف من الأتباع في دفعها لتحصيلها، ولكن غالبا ما كانت عملية الدفع تتم عن طيب خاطر([62])، وهي بذلك لا تختلف عن الاشتراك الذي يقدم في التنظيمات الحزبية أو النقابية.

بالإضافة إلى أموال الزكاة، والتي كانت من المصادر المهمة لمداخيل الزوايا، وقد كان هذا من مواضع الخلاف بين جمعية العلماء والطرق الصوفية، فقد كان الإصلاحيون يرون حرمة أخذ الزوايا للزكاة باعتبارهم ليسوا من الأصناف الثمانية الذين شرعت لأجلهم الزكاة، وكما هو معلوم، فقد كان مقصودهم الأكبر بهذا الشيخ ابن عليوة. وقد نشرت جريدة النجاح مقالا يتساءل فيه صاحبه عما يدفع من الأموال لأرباب الزوايا أو يستجلبونه بواسطة المقدمين بقصد الزكاة هل هو مجزي أم لا؟

فكتب ابن عليوة لجريدة النجاح يقول: (إن صرف الزكاة لغير الأصناف الثمانية لا يحتمل الجواز لأنها فريضة من الله، ولكن لا يمتنع أن يكون في أرباب الزوايا من يصدق عليه الوصف بعينه، كأن يكون مسكينا أو مدينا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يحتمل أيضا أن يوجد من أرباب الزوايا من يأخذها ليصرفها في أبوابها. لذا أقر بأن دفعها له غير سديد، ولكنه لم يمنع إرسالها إليه، الشيخ ألح فقط على من أراد بإحسانه دفع زكاة أمواله- وأراد أن يتم صرف تلك الأموال بواسطته- أن يبين للشيخ أنها زكاة ليصرف ذلك المال في وجوهه الشرعية)([63])

بالإضافة إلى هذا كله كان هناك المتجردون الذين يقومون بالخدمة دون أجرة مقابل عملهم، وقد كان هذا من الأمور التي أنكرتها الجمعية على الطرق الصوفية، وخصوصا الطريقة العلاوية، فقد جاء في مقال للشيخ البشير الإبراهيمي منتقدا فيه إصلاحات الطريقة العلاوية قوله: (وكان من تنقيحاتهم المضحكة تحديد مراحل التربية (الخلوية) لمعرفة الله بثلاثة أيام (فقط لا غير)، تتبعها أشهر أو أعوام في الانقطاع لخدمة الشيخ من سقي الشجر، ورعي البقر، وحصاد الزرع، وبناء الدور مع الاعتراف باسم الفقير، والاقتصار على كل الشعير، ولئن سألتهم لم نزلتم مدة الخلوة إلى ثلاثة أيام؟ ليقولن فعلنا ذلك مراعاة لروح العصر الذي يتطلب السرعة في كل شيء، فقل لهم: قاتلكم الله. ولم نقصتم مدة الخلوة، ولم تنقصوا مدة الخدمة أيها الدجاجلة؟)([64])

خامسا ـ مواجهة الانحرافات الاجتماعية:

وهذا يظهر من خلال اهتمام الطرق الصوفية بالشريعة، من تحريم الحرام، وتحليل الحلال، وأداء الواجبات، فالشريعة –كما يتفق كل مشايخ الصوفية- هي البوابة للسلوك الصوفي.

ومن هذا المنطلق دعت الطريقة العلاوية المنكرين عليها من أعضاء جمعية العلماء إلى الاهتمام بمواجهة الرذائل الاجتماعية التي تريد أن تنحرف بالمجتمع الجزائري عن هويته بدل الاهتمام بالجزئيات المرتبطة بالطرق الصوفية، يقول الشيخ ابن عليوة في هذا بلغته البسيطة والعميقة: (دائرة الإسلام أوسع من أن تضيق بمذاهبه، إنما تضيق بارتكاب الرذائل والموبقات التي أراها الآن على تم (كذا) انتشار.. الأمر الذي يقضي على الدين، والمروءة والأخلاق.. إذا فلم لا نتضامن على حطم ما يرى عند الجميع منكرا)([65])

ولانشغال التيارات الوطنية في ذلك الحين بالعمل الحزبي، فقد دعا الشيخ ابن عليوة إلى تشكيل حزب ديني لحفظ دين الأمة وهويتها، واقترح في صحيفة (البلاغ الجزائري) إحياء العمل بنظام الحسبة في الإسلام بإنشاء جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لصيانة الأخلاق ومحاربة المنكرات، بواسطة رجال الحكومة ونواب الأمة([66]).

المطلب الرابع: الإصلاح السياسي عند الطرق الصوفية

نحب قبل أن نتحدث عن تصور الطرق الصوفية للإصلاح السياسي أن نذكر أن من الحقائق التاريخية التي لا يجادل فيها أحد أن أول وأقوى من واجه المستعمر الفرنسي عند احتلاله الجزائر هم الصوفية، ابتداء من الأمير عبد القادر الذي كان صوفيا عرفانيا بامتياز، وانتهاء بالمقاومات المتفرقة التي قامت بها الطريقة الرحمانية بفروعها المختلفة.

وهكذا جرت حروب كثيرة أدرك بعدها الجزائريون – بما فيهم الصوفية – أن الوقت لم يكن في صالح هذه المقاومات المتفرقة، وأن العدة والعدد والظروف الدولية وأشياء أخرى كثيرة تحول دون نجاح الجزائريين في طرد المستعمر من بلادهم.

وقد اختلف الجزائريون حينذاك في النهج السلمي الذي يختارونه، كما هو معروف في تاريخ الحركة الوطنية، وقد رأت الطرق الصوفية أن كل تلك الحلول غير مجدية، فلذلك عارضت الحزبية بكل قوة، بل عارضت دعاة الوطنية والقومية أيضا، لأن طروح هؤلاء ستغذي من العصبيات ما يحول دون المشروع الذي هو في صميم منهجهم، والذي انتهجه من قبلهم الذين استطاعوا أن يحولوا التتار من عدو إلى صديق.

وهذه السياسة التي انتهجوها أساء خصومهم – للأسف- فهمها، فاعتبروا هذه الطرق صديق فرنسا الصدوق، وأنهم صنيعة الاستعمار، وأشياء كثيرة لا زالوا يرمونهم بها، وهي التي جعلت بعد ذلك من الدولة الجزائرية تقوم بتعتيم كبير على الطرق الصوفية وعلى الجهود الإصلاحية التي قاموا بها.

وسنحاول هنا باختصار أن نذكر أسس مشروع الإصلاح السياسي كما تتصوره الطرق الصوفية، وخاصة أنشط الطرق في ذلك الحين الطريقة العلاوية.

أولا ــ تجنب المواجهة المباشرة مع الاستعمار:

وهذا الأساس يشكل الأرضية لما بعده، فقد كان الاحتلال الفرنسي ينقض على كل مجاهر بالعداوة له، ليحول بينه وبين الظهور على الساحة أولا، ثم على تفعيل ما يريد تحقيقه من أغراض ثانيا، وهذا ما جعل الجمعية – على الرغم من توجهها الإصلاحي- تجامل الاستعمار في محال كثيرة كما سبق ذكره.

بالإضافة إلى هذا يذكر الباحثون المذهب العقدي الذي ينتمي إليه صوفية الجزائر، وهو المذهب الأشعري، الذي يسوغ الخضوع للإمام الجائر إذا اشتدت وطأته، ولم يمكن مواجهته.

بالإضافة إلى هذين العاملين العامل المميز للصوفية، وهو التصوف نفسه، فالصوفي ابن وقته، وهو يتجنب المواجهة مع الآخر ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وخاصة المواجهة التي تكون نتائجها سلبية.

بالإضافة إلى هذا كله ربما يكون ما يسمى بـ (مراعاة المصالح)، وهو مبدأ فقهي اتفقت عليه جميع الأمة هو السبب الأكبر في هذا، فقد كانت جميع المصالح بيد فرنسا، ولم تكن الظروف لتسمح لأي طرف بانفراده أن يتمرد عليها، ولذلك كان الأصلح في مثل هذه الأحوال أن تداهن لينال منها كل طرف ما يخدم مصالح الأمة، ولهذا آثرت الجمعية هذا التوجه، واستطاعت من خلاله أن تجني الكثير من النتائج الإيجابية.

ثانيا ـــ المحافظة على الشخصية الجزائرية:

كان الشيخ ابن عليوة يرى – كما يرى غيره من مشايخ الصوفية- أن المشكلة في الجزائر ليست مشكلة سياسية، ولا مشكلة استعمار، وإنما هي مشكلة دين، فعندما هزل التدين في الجزائريين صارت لهم القابلية للاستعمار، وإذا رفع هذا الهزال بعودة الدين إلى المجتمع، فإن المصيبة لا محالة ترتفع، فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة.

وقد كان يخاطب الجزائريين بهذا، فيذكر لهم أن الغرب وإن كان أستاذ العالم في الماديات، لكن العالم الإسلامي جدير بأن يكون أستاذا للغرب أخلاقيا وعقائديا، (فلو اهتدينا بهدي ديننا، وعملنا بتعاليمه وتعاونا على تبليغه لاستفاد العالم الغربي من أخلاقنا ومعتقداتنا فيصبح العالم الإسلامي أستاذا للعالم الغربي في الأدبيات، كما أضحى هو أستاذ العالم الشرقي في الماديات، ولكن أين العاملون؟)([67])

ولهذا ابتعد الشيخ وأتباعه عن الممارسات السياسة التي كانت تمارسها بعض الحركات الوطنية في ذلك الحين، واقتصروا على تعميق الدين في المجتمع بإحياء الشعائر التعبدية ومقاومة الانحرافات الخلقية، وقد وصف الشيخ محمد السعيد الزاهري – بعد أن تخلى عن حربه للطريقة العلاوية- الشيخ ابن عليوة بأنه من دعاة الإصلاح الديني الإسلامي، في الوقت الذي يعتبر نفسه ضمن تيار الإصلاح الوطني السياسي([68]).

وهذا أيضا ما صرح به محمد العوادي الذي وصف الشيخ ابن عليوة بقوله: (كان الأستاذ العلوي رجلا دينيا محضا، لا يحب من الأحزاب السياسية إلا ما يقرر ترجيح الديانة على السياسة، ولا تربطه به أية رابطة سواها)([69])

ولعل هذا ما جعل الشيخ ابن عليوة يظهر بصورة المدافع عن الاستعمار عندما يعاتب أو يوبخ الشعب الجزائري على تقصيره في الالتزام بالدين، فهو يذكر أن (حالة مسلمي الجزائر الدينية اليوم ليست هي عين حالتهم بالأمس.. بل لا يوجد فيما بين الحالتين أدنى شبه إذا قابلنا ما بين مساجدنا الآن، وبين عددها بالأمس.. فعدد مساجد مدينة الجزائر وحدها كان يزيد على المائة مسجد ما بين حنفي ومالكي فضلا عن المدارس والزوايا وعدد مساجدها الآن لا يتجاوز عدد الخمسة)([70])

ثم يعقب على بيان السبب في هذا، وهو عنده ليس المستعمر، بل الشعب نفسه، بل إنه يكيل للمستعمر الثناء في تنوير الشعب([71])، ويلومه في نفس الوقت لأنه لم يفقه الطريق الحقيقية المؤدية إلى الإصلاح، يقول في ذلك: (فكم هذا والقطر الجزائري متسربلا بالراية الفرنسوية متجملا برونقها، والكل يعترف من أنها دولة من أسرع الدول سيرا في سبيل الإصلاح، ومع هذا لم نستفد من ذلك الإصلاح إلا ما نراه كاللازم من عمارة السجون بسفهائنا والطرقات بأبنائنا الفارغين من أعمال الدنيا والآخرة، ومع هذا فلست بقائل أن الحكومة تعمدت ترك الإصلاح، كلا! إنما أقول: جهلت الطريق الموصلة إليه فأتت البيت من غير بابه)([72])

بل إنه فوق هذا يدافع عن فرنسا ضد من يرى بأن (أولي الأمر لا يسمحون بإظهار شعائر الإسلام)، ويستدل لذلك بأن الحكومة الفرنسية هي الأعرق في تقرير حرية الأديان على اختلافها([73]).

يقول معبرا عن هذا: (فمتى اجتمع المسلمون على نحو تأسيس مدرسة علمية، أو جماعة دينية فعارضتهم الحكومة في ذلك فما سمعنا به. ولن نسمع به إن شاء الله هل يريد المسلمون أن تأمرهم بنحو ذلك رسميا. كلا! لأن ذلك ليس هو من وظيفتها، فهي لا تأمر أبناء جنسها بمثله، كما أنها لا تنهاهم أيضا عن تعاطيه. فكيف تريد أنت أيها المسلم أن تجعل لك درسا تأمرك فيه بتأسيس دينك…ألم يكفك أنها حملت على عاتقها احترام دينك وعوائدك؟)([74])

انطلاقا من هذا ركزت الطريقة العلاوية بقيادة شيخها على برنامج للإصلاح الديني يصحح الوضع في الجزائر، من غير أن يصطدم في ذلك مع الاستعمار، فساهمت في بناء الزوايا التعليمة والتربوية الكثيرة، بل ذهبت إلى المناطق التي قصدت من طرف المبشرين كبلاد القبائل، فقامت بجهود كبيرة لحمايتها من غير أن تصطدم مع المستعمر، وقد نقلت البلاغ الجزائري عن صحيفة النجاح قولها: (إن الشيخ ابن عليوة أنقذ مئات الآلاف من القبائل الذين استحوذت عليهم جمعية الآباء البيض في زواوة والحمامات وغيرهما) ([75])

وهذا يرد على تلك الاتهامات التي وجهت للشيخ وطريقته من أنهم كانوا يدعمون التبشير، حتى أن صاحب صحيفة (المرصاد) نعته ب (الكاردينال المتروي)([76])، وبمثل ذلك اتهم سعيد الزاهري الشيخ وطائفته بالدعوة المسيحية الإسلامية وأنه بين المسلمين مبشرا من (المبشرين بالمسيح)([77])

وهذا كله بسبب سوء الفهم من كيفية التعامل في ذلك الوضع الخاص الذي تعيشه الجزائر من جهة، وعن تأثير التسامح في التغلب على الخصم الذي يملك من أدوات القوة ما لا يستطيع أن يواجه بمثلها.

ثالثا ــ تقريب المستعمر من الإسلام:

وهو منهج استعمله الصوفية قديما مع التتر ومع غيرهم، أي أن (يدخل الغالب في دين المغلوب)، والفلسفة التي ينطلق منها هذا المنهج بسيطة، وهي أنه عندما يصبح للمغلوب من القوة الروحانية والإيمانية ما يستطيع أن يقهر به غالبه، فلابد أن يستسلم له أخيرا حتى لو كان منتصرا عليه بالقوة المادية، لأن القوة الروحية أقوى من القوة المادية.

وقد عبر ابن عليوة عن هذا بقوله: (لو أن الإسلام ظهر بتعاليمه الحقيقية على الأسلوب الملائم للعصر الحاضر، لوجد من الأنصار في أهل أوربا، أكثر مما وجدته المسيحية في إفريقيا الشمالية وغيرها من الأنصار، على أن أنصار التعاليم الإسلامية يعتبرون من الطبقة العالية بين أهل العصر الحاضر….لو كان في الأمة من يقوم بهذه الدعوة الجليلة القدر بانتظام وحسن دراية، لكان الإسلام يعمل بسهولة في أواخر القوم أكثر مما عمل في أولهم…وعلى الأقل…لحسن ثقة الأجانب بتعاليم دينه، الذين (كذا) هم يتخيلونه الآن أشبه شيء بشبح مبهم…)([78])

وقد رأى أن تقريب المستعمر من الإسلام عبر هذا الأسلوب يستدعي أمرين:

الأول: أن يتحول الجزائريون إلى مستوى ديني وأخلاقي صالح لأن يجعلهم نموذجا صالحا لتمثيل الإسلام.

والثاني: هو الدعاية التبشيرية للإسلام باللغة التي يفهمها الغرب، والتي يرى أنه بحاجة إليها، وفي هذه الحالة ينظر رجال الطرق إلى المستعمر لا كمحارب، وإنما كإنسان يملك عقلا وقلبا وروحا، وبذلك يمكن مخاطبة هذه اللطائف فيه، واستعمالها في إصلاحه، أو على الأقل التخفيف من حدة عدوانه.

ولهذا كان الشيخ ابن عليوة يرى أن الدعوة للإسلام في الغرب ممكنة، وأنه يمكن تحويل الغرب إلى مسلمين إذا انتهجنا منهج الحكمة والموعظة الحسنة ونشر الكتب والمجلات والمحاضرات والمسامرات([79]).

ولهذا كان يرى أن تعرض تعاليم الإسلام بما يتناسب مع العقل الأوروبي، وخاصة العقل الجاف البعيد عن الروحانية، ولهذا حاول أن يفسر سورة النجم بما يتناسب مع العقل الأوروبي المسيحي ليقرب له بذلك الإسلام.

وقد لقيت هذه المحاولة إنكارا وطعنا شديدا من بعض أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى درجة أن سعيد الزاهري أرسل سؤلا إلى جريدة البلاغ على صفحات جريدة الشهاب يسألها: (لماذا فسر شيخها العلوي سورة والنجم بتعاليم يسوع المسيح عليه الصلاة والسلام، وبما جاء في الإنجيل؟)([80])، فلم يتلق جوابا فعلق موضحا هدفه من السؤال بقوله: (سألتها هذا السؤال لأني أعتقد أن مبشرا مسيحيا…قد كتب هذا التفسير ثم أخرجه للناس باسم الشيخ ابن عليوة)([81]) موحيا بأن القس الكاثوليكي بالجلفة الأب جياكوبيتي الذي يدير نشريه الاتحاد الكاثوليكي الأهلي هو صاحب التفسير، لكن الرسالة في طبعتها الأولى كانت قد صدرت عام 1916، أي قبل التقائه بالأب جياكوبيتي بعشر سنوات.

وكان هذا الموقف من الزاهري من الأمور التي أنكرها عليها ابن باديس بعد ذلك، لما يعرفه عن جهود الشيخ ابن عليوة في إنقاذ المسلمين من الوقوع في حبائل المبشرين([82]).

ولم يكتف الشيخ ابن عليوة بجهوده الفردية، بل دعا إلى تأسيس مؤسسة في الغرب تقوم بالتعريف بالإسلام والتحبيب فيه، وقد عبر عن هذه الرغبة بقوله: (سأكون سعيدا، إذا تمكنت في يوم ما أن أكون جماعة تكون لي ترجمانا بين أوروبا والمسلمين، لأنني متيقن من أنه إلى حد الآن لا تزال أوربا تجهل خصوصيات الإسلام، إذا أمكننا تأسيس هذه النواة القادرة على إيصال مقاصد الإسلام، لا أشك لحظة واحدة في زوال المسائل التي تفرقنا)([83])

وقد بدأت نواة هذه الجمعية، والتي سميت بـ (أحباب الإسلام)([84]) في عهد الشيخ من طرف بعض الفرنسيين الذين أسلموا، وكانت لهم بهم علاقة روحية، ولعل أهمهم (شارل طابيي) الذي كان سبب شروعه في تحرير كتاب الأجوبة العشرة، و(عبد الكريم جوصو)، بالإضافة إلى الفيلسوف الفرنسي الكبير (روني قينون)، والذين كان يوجه الأوربيين الذين دخلوا الإسلام لسلوك الطريق على يدي الشيخ ابن عليوة.

خاتمة الفصل

من النتائج المهمة التي يمكننا استخلاصها من هذا الفصل ما يلي:

1 ــ أن انقسام الصوفية إلى اتجاهات ومدارس هو الاعتقاد السائد عند أكثر الباحثين في التصوف سواء كانوا من المؤيدين له أو المنكرين عليه، وإن كان هناك من يرى الصوفية شيئا واحدا، ومنهم بعض أعضاء جمعية العلماء المسلمين، وقد تعاملنا مع الاعتقاد السائد بتقسيم الصوفية إلى مدارس متعددة، لنرى من خلال ذلك الاتجاه الذي ينتمي إليه صوفية الجزائر الذين تعاملت معهم جمعية العلماء.

2 ــ رأينا أنه يمكن أن يقسم التصوف – بحسب وجوده في الواقع- إلى قسمين، أو مدرستين قد تتداخلان فيما بينهما، فيكون الصوفي الواحد في القسمين جميعا، ثم إن لكل قسم أنواعه الخاصة به كذلك، وهذان القسمان هما: التصوف السلوكي، والتصوف العرفاني.

3 ــ التصوف السلوكي هو التصوف الذي يهتم بالسلوك والمجاهدات والأذكار ونحوها، ويمكن تقسيمه بحسب الممارسات السلوكية فيه إلى قسمين: قسم متفق على ممارساته السلوكية، وهو يدخل ضمن ما يسمى بالتصوف السني، وقسم مختلف في ممارساته، وهو الذي يسميه أعداؤه (التصوف البدعي)، ونحن نؤثر تسميته بـ (التصوف المختلف فيه)، باعتبار أنه يستدل لممارساته باجتهادات فقهاء ومحدثين كبار من القدماء والمحدثين، ومثل هذا لا يستعجل فيرمى بالبدعة، وسنرى تفاصيل الخلافات الواردة في هذا النوع في الفصل الخاص بالسلوك الصوفي الظاهري.

4 ــ التصوف العرفاني هو الذي يطلق عليه كذلك لقب (التصوف الفلسفي)، وهو موجود في كل الطرق الصوفية، وهو عادة تصوف النخبة من المثقفين الصوفيين، لأن فيه جوانب فلسفية لا يطيقها العامة، ولعل أحسن من يمثله في وقت الجمعية الشيخ ابن عليوة، وهو في الواقع أيضا ينقسم بحسب المعارف التي يهتم بها هذا النوع إلى أقسام كثيرة، تبدأ من العرفان الإلهي، وتنتهي إلى الاهتمام بالسحر والشعوذة.

5 ــ حصل نوع من الجدل بين الجمعية والطرق الصوفية حول العلاقة بين التصوف والطرق الصوفية، فهناك من الجمعية من يرى الطرق الصوفية شيئا آخر غير التصوف، وهناك من يراهما شيئا واحدا، ويحمل عليهما حملة واحدة.

6 ــ رأينا أن هناك في الواقع الجزائري من لا يفرق بين زوايا الطرق الصوفية التي تنشر الذكر وتربي المريدين عبر مناهج معينة، وبين زوايا المشعوذين والكهان وغيرهم، بحجة أن الجميع يسمي البناء الذي يمارس فيه وظيفته (زاوية)، حتى أن الأمر تعدى إلى الزوايا العلمية، فنسبت هي الأخرى إلى الشعوذة والخرافة بحجة أنها تسمى (زاوية)

7 ــ تتفق الطرق الصوفية جميعا مهما اختلفت توجهاتها وأساليبها في السلوك على شرطين: الشيخ المرشد، والذكر.

8 ــ رأينا أن الطرق الصوفية، وإن اتفقت في كثير من شروط السلوك أو مراحله أو نتائجه إلا أنها تختلف اختلافا جذريا في رؤيتها الإصلاحية، ذلك لأنها عادة ما تكون تابعة لشيخها، فإن كان لشيخها نشاط سياسي صارت الطريقة طريقة سياسية واقتحمت الحياة السياسية ومارست السياسة من أوسع أبوابها، وإن كان شيخ الطريقة مقاوما عسكرية، صارت الطريقة بمريديها ومقدميها وزواياها جنودا لتحقيق غايته، فإن وضع السلاح وضعت السلاح معه، ثم لا تتحرك بعد ذلك إلا بأمره، وهكذا.

9 ــ يعتبر الصوفية عموما أن السبب في كل ما يحدث في الواقع من أحداث هو العلاقة مع الله المعبر عنها بالتدين، فبقدر ما تكون العلاقة مع الله متينة صلبة حية، بقدر ما تستقيم الحياة، وبقدر ما تنهار تلك العلاقة تنهار الحياة، ولذلك لا يتشتت أصحاب الطرق في البحث عن أي حل، فالحل عندهم واضح.

10 ــ يعتبر الإصلاح الديني هو الإصلاح الأساسي الذي يمكن أن نقصر عليه دور الطرق الصوفية، ذلك أن دور الشيخ المربي – الذي هو مركز دائرة الطريقة – هو التوجيه الديني لمريديه أو الرقي بهم إلى درجات معينة من سلم الكمال الإيماني حسبما يراه، وهذا لا يعني أن سائر أنواع الإصلاح مستبعدة من الطريقة أو من شيخها، ولكن المراد هو أن المنطلق في الإصلاح هو الدين، وأما ما عداه من سياسة أو تربية أو مجتمع هو نتيجة حتمية لتحقق التدين بمفهومه الشرعي.

11 ــ إن كان الكثير يحكم على الدور السياسي للطرق الصوفية في الفترة التي تلت المقاومات الشعبية والطرقية للاستعمار بالسلبية، فإن القليل جدا من الباحثين المنصفين من يحكم على دورهم التربوي والتعليمي بذلك، فقد كانت الزوايا ــ مهما اختلفت الطرق التي تنتمي إليها ــ تمارس هذا الدور بفاعلية في المدن والأرياف، وفي أي محل يكون لها وجود فيه، ولهذا لم تنكر الجمعية ما تقوم به الزوايا والطرق الصوفية من أدوار في هذا الاتجاه، وإنما تنكر عليها بعض ما يطرح في تلك المؤسسات من أفكار لا تتفق معها الجمعية.


([1])  أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس، الفتاوى الحديثية، دار الفكر، ص55.

([2])  أحمد بن مصطفى العلاوي: أعذب المناهل، ص 67، نقلا عن: غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر، جامعة منتوري قسنطينة، قسم التاريخ والآثار، د.ط، د.ت، ص186.

([3])  عبد المالك مرتاض: ادب المقاومة الوطنية. المرجع السابق. ص 358.

([4])  نقلا عن: غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص221.

([5])  أحمد بن مصطفى بن عليوة، الديوان، ص 55.

([6])  أحمد حماني: صراع بين السنة والبدعة، ج 1، ص 71.

([7])  أضاميم المد الساري لصحيفة البلاغ الجزائري، ج 1، قدم له وحققه: عبد السلام بن أحمد الكنوني، راجعه وأشرف عليه: عدلان خالد بن تونس، ط 1، طنجة، 1406 ه.1986، ج 1، ص 182.

([8])  المصدر نفسه.

([9])  المصدر نفسه. ص 183.

([10])  قال العجلوني في (كشف الخفاء): (رواه الطبراني عن الحسن البصري أنه سمع رجلا يدعو على الحجاج فقال له لا تفعل أنكم من أنفسكم أوتيتم إنما نخاف إن عزل الحجاج أو مات أن يتولى عليكم القردة والخنازير فقد روى أن أعمالكم عمالكم وكما تكونوا يولى عليكم) (العجلوني، إسماعيل بن محمد الجراحي، كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس، دار إحياء التراث العربي، (1/ 147)

([11])  أضاميم المد الساري، ج 2، ص 469.

([12])  محمد العوادي: (جمعية التذكير)، لسان الدين، ع: 35، الجزائر: 30 جمادى الأولى 1356 ه..

([13])  (مسلمو الجزائر وحالتهم الدينية)، لسان الدين، ع: 8، الجزائر: 20 فيفري 1923.

([14])  (كيف نتوخى الإصلاح؟)، لسان الدين، ع: 2، الجزائر: 9 جانفي 1923.

([15])  ح. ع: ( مسلمو الجزائر وحالتهم الدينية)، لسان الدين، ع: 5، الجزائر: 30 جانفي 1923.

([16])  المصدر السابق.

([17])  محمد ناصر: المقالة الصحفية الجزائرية، نشأتها، تطورها، أعلامها ( 1903- 1931 )، ج 1، ص 79.

([18])  (مسلمو الجزائر وحالتهم الدينية)، لسان الدين، ع: 8، الجزائر: 20 فيفري 1923، وقد اهتمت صحيفة لسان الدين بظاهرة عزوف المسلمين عن عمارة المساجد وإقامة الصلاة بإتقان، مع عمارة الأوقات فيها بقراءة القرآن، انظر مثلا: غيور: (نظرة تقتضي الأسف)، لسان الدين، ع: 9، الجزائر: 27 فيفري 1923.، نقلا عن: غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص225.

([19])  محمد العوادي: جمعية التذكير، لسان الدين، ع: 35، الجزائر: 30 جمادى الأولى 1356 ه..

([20])  المصدر السابق.

([21])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص178.

([22])  المدني، الجزائر،، ص 375.

([23])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 186)

([24])  انظر عادل نويهض : معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر، بيروت : 1980 م، ص 13.

([25])  سيأتي الحديث عنها وعن دورها.

([26])  نسبة إلى الشيخ مصطفى بن محمد( 1288هـ – 1866م ) شيخ الطريقة الرحمانية بتونس، والتي جاءها قاصدا من بسكرة لنشرها بنفطة بالجريد التونسي. محمد محفوظ. تراجم المؤلفين التونسيين. ج 3. ص 379.. 381.

([27])  انظر: الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص285.

([28])  الكتاتيب: وهي المدارس الابتدائية التي يبدأ بها المتعلم تكوينه، وهي مخصصة عادة لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ القراءة والكتابة للأطفال، وكان يركز فيها على قراءة القرآن وكتابته ولفظه واستظهاره على ألواح الخشب، ولم تكن هناك طريقة تدريس غير الاستظهار، كما لم تكن هناك مواقيت محددة للتعليم أي (استعمال الزمن) وإنما الطالب(المعلم) هو الذي يحدد وقت التدريس، وكان التلاميذ الذين يلتحقون بالكتاب صغار تتراوح أعمارهم عموما بين 6 و10 سنوات.

ومما يميز كثرة الإقبال على هذه المؤسسة التعليمية هو مكانتها الاجتماعية وما حظيت به من احترام وتقدير من طرف الشعب الجزائري بحيث كان لها دور فعال متمثل في التعليم الديني للأطفال الصغار والحرص على حفظ القرآن، ولها وظيفة أخلاقية وعلمية (انظر: آسيا بلحسين رحوي، (وضعية التعليم الجزائري غداة الاحتلال الفرنسي)، دراسات نفسية وتربوية، مخبر تطوير الممارسات النفسية والتربوية، عدد 7، ديسمبر 2011، ص74)

([29])  الطاهر زرهوني، 1993، ص14.

([30])  ولد سنة 1913 وتوفي سنة 1990، مارس التدريس والإمامة بعدة زوايا ومساجد عبر التراب الوطني، منها زاويته العامرة بزمورة الغراء، مرورا بزاوية الجعافرة ببرج بوعريريج إلى مسجد تيوريرين ببني عيذل بالقرب من تامقرة ببجاية إلى زاوية الشيخ الحاج الطرابلسي بعنابة إلى زاوية شلاطة الشهيرة والعظيمة ثم زاوية سيدي موسى في تينبذار ببجاية إلى وادي زناتي بقالمة، ثم عين فكرون بأم البواقي ثم زاوية أجداده بزمورة ليتوقف أخيرا بمسجد سيدي رمضان بحي القصبة بمدينة الجزائر المحروسة من سنة 1965 إلى غاية وفاته في 10 ماي 1990، انظر ترجمته المفصلة في: مشائخ خالدون وعلماء عاملون: ص60 فما بعدها.

([31])  انظر: مشائخ خالدون وعلماء عاملون: ص62.

([32])  عبد الحميد زوزو : الأوراس إبان فترة الاستعمار الفرنسي التطورات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية (1937 – 1939)، ترجمة الحاج مسعود، ج2، دار هومة للطباعة و النشر و التوزيع، ط1،2005، ج 1، ص 359.

([33])  صلاح مؤيد: الطبق الصوفية والزوايا في الجزائر، ص 390..

([34])  علي عزوزي: زاوية آل دردور بالأوراس، الملتقى الأول حول الأمير عبد القادر وأعلام من الأوراس، مؤسسة الأمير عبد القادر، باتنة 2003، ص 34.

([35])  عبد الباقي مفتاح: أضواء على الطريقة الرحمانية، ص 160.

([36])  صلاح مؤيد: الصوفية ووالزوايا في الجزائر، ص407.

([37])  الدكتور عوني: فهرس مخطوطات زاوية مول القرقور، ص 66.

([38])  أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج3، ص  184.

([39])  أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج3، ص 198.

([40])  أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج. 3، ط. 1، ص 202.

([41])  أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج. 3، ط. 1، ص 215.

([42])  أحميدة بن زيطة، الهيكل التنظيمي والوظيفي للزوايا بمنطقة توات، الملتقى الوطني الأول للزوايا، الجزائر، وزارة الثقافة، مديرة الثقافة لولاية ادرار، أيام:1، 2، 3ماي 2000م، ص12.

([43])  آثار البشير الإبراهيمي: 3/543.

([44])  آثار البشير الإبراهيمي: 3/543.

([45])  آثار البشير الإبراهيمي: 3/544.

([46])  انظر: مشايخ خالدون: 61.

([47])  نص الحديث: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) صحيح مسلم (8/ 20)

([48])  أحمد بن مصطفى العلاوي: الأبحاث العلاوية في الفلسفة الإسلامية، أحباب الإسلام، باريس، 1984. ص 10.

([49])  المصدر نفسه.

([50])  الفتوحات المكية، 3/527.

([51])  أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، السنن الصغير، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، جامعة الدراسات الإسلامية، كراتشي ـ باكستان، لطبعة الأولى1410هـ ، 1989م (3/ 206)

([52])  الفتوحات المكية (4/ 464)

([53])  الفتوحات المكية: 4/464.

([54])  ساعد خميسي: ابن عليوة والفلسفة، ص 221، نقلا عن: غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص168.

([55])  جمال الدين القادري بودشيش، مؤسسة الزاوية بالمغرب بين الأصالة والمعاصرة، دكتوراه الدولة، د/ عبد السلام الإدغيري، المملكة المغربية.، ص 383.

([56])  محمد مفتاح، الخطاب الصوفي مقاربة وظيفية، دار الرشاد الحديثة تاريخ النشر: 1997 الطبعة: 1، ص 5.

([57])  بن سالم بلهادف: الزاوية التيجانية بقمار، ص 46..

([58])  يحي بوعزيز: ثورات القرن 19و20، ص346.

([59])  نقلا عن: حنفوق إسماعيل، الطرق الصوفية في الأوراس، بحث مقدم لنيل شهادة الماجستير في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر، تخصص تاريخ الأوراس، إشراف الدكتور صالح فركوس، سنة2010، ص150، وانظر: مقال بعنوان: (عن التصوف والصوفية في الجزائر)، التاريخ: 14-9-1427 هـ، الشهاب الثقافي، عبد المنعم القاسمي الحسني، الرابط: موقع الشهاب للإعلام، www.chihab.net

([60])  الفاسي، محمد المهدي، ممتع الأسماع في ذكر الجزولي والتباع وما لهما من الأتباع، طبعة المغرب 1994، ص 98.

([61])  د. الشاذلي عبد اللطيف، التصوف والمجتمع نموذج القرن العاشر الهجري، مطبعة سلا ،1989، منشورة جامعة الحسن الثاني، ص، 134.

([62])  أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 4، المرجع السابق. ص 20.

([63])  أحمد بن مصطفى العلاوي : أعذب المناهل في الأجوبة والرسائل،ص 18، نقلا عن: غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص154.

([64])  آثار الإبراهيمي: 1/171.

([65])  البلاغ: (إلى كتاب أمتنا ومفكريها)، البلاغ الجزائري، ع: 34، مستغانم: 27 صفر 1346- 26 أوت 1927..

([66])  محمد عوادي، إرشاد النبيل لمقالات الأستاذ الجليل، مخطوط بأرشيف المطبعة العلاوية بمستغانم ص 217، وص 166، نقلا عن: غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص215.

([67])  أضاميم المد الساري لصحيفة البلاغ الجزائري، ج 1، قدم له وحققه: عبد السلام بن أحمد الكنوني، راجعه وأشرف عليه: عدلان خالد بن تونس، ط 1، طنجة، 1406 ه.1986، ص 179.

([68])  أضاميم المد الساري لصحيفة البلاغ الجزائري، ج 2، ص 469.

([69])  محمد العوادي: (جمعية التذكير)، لسان الدين، ع: 35، الجزائر: 30 جمادى الأولى 1356 ه..

([70])  (مسلمو الجزائر وحالتهم الدينية)، لسان الدين، ع: 8، الجزائر: 20 فيفري 1923.

([71])  نحب أن ننبه هنا إلى أن ما اقتبسناه من نصوص عن ثناء ابن عليوة على الاستعمار، والتي كانت من باب المجاملات التي تستخدم لتحقيق المصالح العامة، قد ورد مثلها كثير عن كثير من الحركات الوطنية، بما فيها جمعية العلماء المسلمين أنفسهم.

([72])  (كيف نتوخى الإصلاح؟)، لسان الدين، ع: 2، الجزائر: 9 جانفي 1923.

([73])  ح. ع: ( مسلمو الجزائر وحالتهم الدينية)، لسان الدين، ع: 5، الجزائر: 30 جانفي 1923.

([74])  ح. ع: ( مسلمو الجزائر وحالتهم الدينية)، لسان الدين، ع: 5، الجزائر: 30 جانفي 1923.

([75])  أضاميم المد الساري، ج 1، ص 372 ،1349.

([76])  أحمد توفيق، حياة كفاح، ص 224.

([77])  أحمد حماني: صراع بين السنة والبدعة، ج 1، ص 297.

([78])  البلاغ الجزائري، ع: 5. مستغانم: 5 جانفي 1927.

([79])  البلاغ: (إننا لمحتاجون لبث دعاية إسلامية)، البلاغ الجزائري، ع: 150، الجزائر: 2 شعبان 1348،. أضاميم المد الساري، ج 1، ص 178..

([80])  أحمد حماني: الصراع بين السنة والبدعة، ج 1، ص 297.

([81])  المصدر نفسه.

([82])  من ذلك إنقاذه لجماعة من المسلمين من أيدي (جمعية الميتوديست البروتستانتية) وقد غطت صحيفة البلاغ الجزائري الحدث وأشركت معها أهل الأريحية من رجال قسنطينة لمساعدة المجموعة العائدة إلى دائرة الإسلام، بعد أن طردت جمعية الميتوديست من كفالتها مبارك بن سليمان السوفي الڤماري، مع بعض الفتيات حين كاتب الأستاذ العلوي الشيخ ابن باديس في الموضوع فسر بالعمل وأعانهم ماديا انظر: (استلفات لأهل الأريحية من رجال قسنطينة أضاميم المد الساري،. ج 1، ص 144.

([83])  El morchid, n° 48, 4e Année, Mostaganem :1 er Redjeb 1370- 8 avril 1951.p 6 نقلا عن: غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص261.

([84])  جمعية أحباب الإسلام: أنشأها الشيخ عدة بن تونس ومقاصدها: التبشير بالدين الإسلام وبث تعاليمه بين المسلمين وغيرهم من مختلف الأديان والأجناس، وإعطاء صورة صحيحة عن الإسلام وتاريخه المجيد بعد أن شوهه كتاب مغرضون، ولم شعث الأوربيون الذين اعتنقوا الإسلام على يد الطائفة العلاوية ومدها بأنواع الإرشاد والتوجيه الديني، وتطورت هذه الجمعية وصارت لها هياكلها، وندواتها وإصداراتها لتقوم بعملها الدعوي في الخارج وفي الجزائر أيضا. عدة بن تونس: تنبيه القراء إلى كفاح مجلة المرشد الغراء، ج 1.149- ص 147.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *