المبحث الثاني: التهم الموجهة من الطرق الصوفية لجمعية العلماء

المبحث الثاني: التهم الموجهة من الطرق الصوفية لجمعية العلماء

تنطلق الطرق الصوفية في تعاملها مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من وصف يتكرر كثيرا، ويعتبر بوابة لكل التهم التابعة له، وهي كون جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ليست سوى فرع من فروع الوهابية في الجزائر، وقد ذكرنا في الفصول السابقة أسباب هذه التهمة، وما يصح منها، وما لا يصح.

وهذا الاسم الذي أعطته الطرق الصوفية للجمعية هو الذي يسر عليها إسداء ما تشاء من التهم إليها، ذلك أن الشيخ محمدا بن عبد الوهاب وأتباعه قد لقوا من العالم الإسلامي منذ ظهور حركتهم حربا شعواء، وألفت في الرد عليه وعليهم المصنفات الكثيرة، والتي كان يصل أكثرها إلى زوايا الطرق الصوفية([1])، فيجدون فيها القواسم الكثيرة المشتركة بين كلتا الحركتين، ولعل هذا ما يسر لظهور المؤلفات الكثيرة في الرد على ما تطرحه الجمعية على الطرق الصوفية من إشكالات وتهم.

بناء على هذا نحاول في هذا المبحث أن نذكر أصول التهم التي وجهتها الطرق الصوفية إلى الجمعية، ونذكر علاقتها بالتهم الموجهة للحركة الوهابية، وذلك لما ذكرناه سابقا من ضرورة العودة إلى جذور الخلاف.

وقد رأينا من خلال استقراء التهم الموجهة من طرف الطرق الصوفية للجمعية، أو للحركة الوهابية أنها أربع تهم كبرى، هي:

التهمة الأولى: تهمة الجهل والغرور

التهمة الثانية: تهمة المسارعة إلى التكفير

التهمة الثالثة: تهمة إنكار الولاية وما يترتب عليها

التهمة الرابع: تهمة العنف في التعامل مع الآخر

وقد خصصنا كل تهمة منها بمطلب خاص.

المطلب الأول: تهمة الجهل والغرور

ويعتبرها الصوفية أساس جميع الأخطاء التي تتصور أن الطرف الآخر وقع فيها، ولهذا كثيرا ما نجد الشيخ ابن عليوة على الخصوص يوجه المخالفين له إلى المطالعة والبحث، أو يتهمهم في كونهم لم يبذلوا جهدهم في البحث في المسائل التي يطرحونها، وكمثال على ذلك قوله للمخالف مخاطبا له: (.. قبّح الله الجهل وما في معناه، وأنّ تقصير المعارض في طريقة القوم فهو أشهر من أن يستدل عليه، لأنّه لو تكرّر على مسمعه من اصطلاحاتهم، وتمكّنت من قلبه بعض عباراتهم، وعلم أنّ ألفاظهم أقرب إلى المجاز منه إلى الحقيقة، لوجد في ذلك مجالا أوسع من أن يضيق من أقوالنا، وبالأقل كان يحمل ما في (المنح القدوسيّة) من قوله (تطور في أطوار شتى لتظهر عظمته) على المجاز بالحذف، لأنّ من أنواعه ما يدلّ العقل على حذفه كقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22]، فدلّ العقل على أنّ فاعل جاء محذوفا، لاستحالة تصوّر المجيء من الحقّ، ولم لا يقدر هذا المعارض محذوفا، إذا علم أنّ التطوّر لا يصحّ من الحقّ، ويقول تطور سرّه أو نوره وما هو من هذا القبيل، ولكن التعصّب يعمي ويصم)([2])

وختم هذا الوصف بقوله: (لأنّ عقل العموم أضعف من أن يتوّصل لعلم القوم)([3])

ومثل ذلك كتب للشيخ (محمد الهلالي) المدّرس بالحرم النبويّ الشريف يقول له: (أمّا أنا فلا أراكم إلاّ أنّكم قستم من تعرفونهم على من لا تعرفونهم، حكمتم على الجنس بحكم النوع، وهو لا شكّ حكم تفتخرون به بين المناطقة، وتصولون بمثله على الأصوليين !، أيّها الشيخ، أليس يكفيك أن تقوم بتدريس ما تعرفه من ضروريات الدين، وتتجنب ما لا تعرفه، حتى تكون على بينة ويقين؟ ألم يبلغك: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]، فالأحرى بنا وبكم أيّها الشيخ أن لا نحكم بالسلب أو الإيجاب، إلاّ على ما نعرفه من نفوسنا، وإن كان ولا بدّ، فعلى ما نعرفه ونتحقّقه في بعض أبناء جنسنا، أمّا ما غاب عنّا وعنكم من أسرار الخلق، فتكل أمره للملك الحقّ، وهذا ما عن لنا نصحناك به لوجه الله تعالى، وعلينا وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)([4])

وهكذا يخاطب الشيخ عثمان ابن المكي بقوله: (وكلّ ذلك أصابك ولعلّه من عدم الفقه في دين الله، ولهذا اشترط عليه الصلاة والسلام في حق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهى عنه، لئلا يأمر بمنكر وينهى عن معروف، ومن أجل ذلك تورّع أكابر العلماء عن القول في دين الله بغير نصّ صريح، أو ما هو كالصريح.. فإنّ من الحق عليك أن تنكر ما علمت إنكاره من الدين بالضرورة، وتأمر بما تحققت معروفيته من الدين بالضرورة، وتحسن الظنّ فيما تفرّع عن اجتهاد المجتهدين من أئمة الدين من الصوفيّة وغيرهم، أو ليس في علمك قد يوجد من المشتبه ما ثبت حرمته في مذهب وإباحته في آخر، أو ندبه في مذهب، وكراهيته في الآخـــــر؟)([5])

بل دله فوق ذلك على المراجع التي يرجع إليها في ثبوت هذه المسائل، بل ذكر له المراجع التي تتناسب مع توجهه المالكي المتشدد في موقفه من البدعة، فقال: (وإن أردت الاستطلاع على ذلك والتتبع لفتاوى الفقهاء الماهرين والأئمة العاملين في ذلك، فانظر ما على هامش رائية الشريشي فقد جمع من فتاوى الفقهاء قديما وحديثا ما يتعذّر عليّ نقله، ولا تظنّ أنّ المومى إليهم هم من أطراف الفقهاء، أو هم ممن اشتهروا بالتصوّف حتى تطرقهم التهمة، لأنّ المذهب عندك متهم، إنّما هم من محقّقي مذهب الإمام مالك كالشبرخيتي، وأضرابه، ومن محقّقي مذهب الإمام الشافعي كجلال الدين السيوطي وأصحابه، ومن محقّقي مذهب أبو حنيفة كالفيروزبادي صاحب (القاموس) وأمثاله، ومن هذه الطبقة جماعة) ([6])

وبهذا يوقف الشيخ ابن عليوة المخالفين له في موقف حرج، بل يثبت لهم أنهم لا يطالعون، بل لا يطالعون كتب المذهب المالكي الذي يدعون نسبتهم إليه، وسنرى عند الحديث عن فتاوى الجمعية، وفتاوى الاتجاه السلفي عموما انتقائية عجيبة في التعامل سواء مع النصوص، أو مع أقوال العلماء عند الحديث عن أساليب التعامل بين الجمعية والطرق الصوفية.

وأمثال هذا كثير في رسائله، كما هي في رسائل غيره من الصوفية، وهم في هذه التهمة مقلدون للعلماء الذين اتهموا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحركته، والتي لم تكن الطرق الصوفية ترى أي فرق بينهما.

ومن المؤلفات التي ألفت في هذا ما كتبه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف، وهو أحد شيوخ محمد بن عبد الوهاب في الإحساء، فقد كتب رسالة يرمي فيها الشيخ بالجهل بعنوان (سيف الجهاد لمدعي الاجتهاد)

كما ألفّ محمد بن عبد الرحمن بن عفالق رسالة وجهها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان عنوانها (تهكم المقلدين في مدعي تجديد الدين)، وقد تضمنت هذه الرسالة أسئلة علمية طلب من الشيخ أن يجيب عنها، ومما ورد فيها قوله: (وبعد فأسألك عن قوله تعالى: {وَالْعَادِيَاتِ} [العاديات: 1] إلى آخر السورة هي من قصار المفصل كم فيها من حقيقة شرعية وحقيقة لغوية وحقيقة عرفية، وكم فيها من مجاز مرسل ومجاز مركب، واستعارة تحقيقية، واستعارة وثاقية واستعارة عنادية واستعارة عامية واستعارة خاصية واستعارة أصلية واستعارة تبعية واستعارة مطلقة واستعارة مجردة واستعارة مرشحة وموضع الترشيح والتجريد فيها وموضع الاستعارة بالكناية والاستعارة التخيلية وما فيها من التشبيه الملفوف والمفروق والمفرد والمركب والتشبيه المجمل والمفصل. إلى آخر هذه الأسئلة)([7])

بالإضافة إلى الجهل، فقد اتهمت الطرق الصوفية الجمعية بالغرور، واهتمامها بصناعة الألفاظ دون الغوص في المعاني، وأنها لا تبحث في الحقائق بقدر بحثها في الألفاظ.

ومن أمثلة ذلك ما رد به الشيخ ابن عليوة على من تستعبدهم الألفاظ ولا تروقهم المعاني، فقال عند حديثة عن العلم الباطن عند الصوفية: (فإذا كان هؤلاء القوم يستخرجون الجدّ من الهزل، فكيف لا يستخرجون الجــــدّ مـــن الجدّ، بل لهم ذلك لكونهم لا يقفون عند ظاهر الألفاظ، وإنّما ينظرون إلى المعاني الدالّة على المراد، ولا يلتفتون للحن ولا للإعراب، بل يأخذون المعاني من حيث وجدوها، فهم ناظرون لإشارة الأرواح، غافلون عما يتلفظ به اللسان، تراهم مع الله في كلّ حال وشأن، مع انّه كلّ يوم هو في شأن، ما اتخذ الله وليّا جاهلا إلاّ علّمه، وابتداء التعليم به ثمّ بأحكامه، وأمّا بقيّة العلوم فليست شرطا في صحّة الولاية وإنّما هي شرط كمال وذلك كالنحو والصرف، والمعاني والبيان، وعلم اللغة، حيث من لم تغنه معرفة الله، فذلك هو الشقي) ([8])

وفيما ذكره الشيخ تلميح إلى تلك السخرية التي كان يعاني منها من أعضاء جمعية العلماء لكون لغته بسيطة ولا تجاري لغتهم القوية، ولكونها بعد ذلك ممتلئة باللحن، ومخالفة لقواعد اللغة من النحو والصرف.

ولهذا ينقل عن (أحمد بن عجيبة) قوله في هذا المقام: (إصلاح اللسان دون إصلاح القلب فسق وضلال، وإصلاح القلب دون إصلاح اللسان كمال دون كمال، وإصلاح القلب واللسان كمال الكمال)([9])

وينقل عن الفقيه (ميمون) قوله: (أقبح كلّ قبيح أن يتعلّم الإنسان نحو اللسان ويعلّمه، ولا يتعلّم نحو القلب ويعلّمه، مع أنّه محلّ نظر الربّ، فإذا كان نحو اللسان مع نحو الجنان كان صاحبهما في أمان، ولا يخشى عليه الخسارة والخذلان، يوم وقوفه بين يدي الرحمن، لأنّ الله تبارك وتعالى لا يثيب العباد على إعرابهم، وإنّما يثيبهم على قلوبهم)([10])

وينقل عن الشيخ العربي الدرقاوي قوله: (ما عرفنا من النحو إلاّ إعراب قوله تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32]، إنّ حرف شرط، ويغنهم جواب الشرط، والمقصود بالغنى الغنى الأكبر فيكون خطابه للمتوجهين على طريق أهل الإشارة)([11])

بالإضافة إلى هذا نجده في مناقشاته مع الجمعية أو مع الاتجاه السلفي يرشدهم إلى المراجع التي يحتاجون إلى الرجوع إليها للتعرف على الحقائق، وسيأتي ذكر الأمثلة على هذا عند الحديث عن المناقشات الفقهية بين الجمعية والطرق الصوفية في الجزء الثالث من هذه السلسلة.

المطلب الثاني: تهمة المسارعة إلى التكفير

وهي من التهم التي وجهها رجال الطرق الصوفية إلى الجمعية بناء على ما ذكرناه سابقا من اتهام الجمعية للطرق الصوفية بالكفر والشرك، ولو لأبسط الأسباب، وقد كتبت في هذا الإطار (البلاغ الجزائري) رسالة مفتوحة للشيخ ابن باديس تقول له فيها:(نحن لا يسوؤنا أيها الأخ أن تختار ذلك لنفسك لعلمنا بأن الإنسان أحرص على نجاة نفسه من حرص غيره عليه، إنما يسوؤنا أن تحمل الناس عليه، في حال أنه لم يتضح دليله للسابقين الأولين، فهو بالأحرى يخفى على الآخرين؟…وها هي كتب الأئمة الأربعة فهل رأيت فيها من ذكر في باب الردة أن من زار قبرا على قصد التبرك أو التوسل بصاحبه إلى الله في قضاء حاجته فقد أشرك بالله أو ارتد عن دينه والعياذ بالله)([12])

وهذه التهمة لا يمكن دفعها، ذلك أن الجمعية بما كانت تنشره في صحفها كاف لإثبات التهمة، فهي تتهم كل مخالف لها من رجال الطرق الصوفية إما بكونه شيخ حلول، أو كونه عابد وثن، ونحو ذلك مما مر بنا ذكره، وضرب الأمثلة عليه.

هذا هو المبرر الأول، أما المبرر الثاني فهو أنهم يجدون (الوهابية) التي دافعت عنها الجمعية دفاعا مستميتا من أكثر الجماعات الإسلامية مسارعة إلى تكفير المخالف، حتى أن مصطلح (نواقض الإسلام) يعتبر ابتكاراً وهابياً، فقد وضع مؤسس الوهابية الشيخ محمد بن عبد الوهاب رسالة في مصنّفه (كتاب التوحيد) بعنوان (نواقض الإسلام)، وحدّدها في عشرة نواقض على النحو التالي:

1 ـ الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48]، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر، أو للقباب.

2ـ من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكّل عليهم كفر إجماعا.

3ـ من لم يكفّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.

4ـ من اعتقد أن غير هدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضّل حكم الطاغوت على حكمه فهو كافر.

5 ـ من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولو عمل به كفر.

6 ـ من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو ثواب الله أو عقابه كفر..

7 ـ السحر ومنه الصرف والعطف فمن فعله أو رضي به كفر.

8 ـ مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [المائدة: 51]

9 ـ من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج من شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى عليه السلام فهو كافر.

10ـ الإعراض عن دين الله تعالى لا يتعلّمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22]

ثم يختم بالقول: (لا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره. وكلها من أعظم ما يكون خطراً، ومن أكثر ما يكون وقوعاً)([13])

فهذا ما يتصوره الشيخ ابن عبد الوهاب وأتباعه من نواقض الإسلام، ولعلها كانت مرجعا للجمعية في كثير من أحكامها التكفيرية، كما عرفنا ذلك سابقا.

والأخطر مما ذكرنا من المكفرات هو ما ورد فيها من عبارات غامضة وأحكام مطلقة، تجعل لكل من يشاء أن يكفر أحدا أن يستخدمها بسهولة، ولعله لأجل هذا خرجت الحركات التكفيرية من رحم الوهابية.

وكمثال على ذلك نرى الشيخ ابن عبد الوهاب يربط بين الذبح الذي لا يقصد به إشراك أحد في عبادة غير الله، بالشرك بالله مع أنه قد يكون عادة جرت أن يذبح في مكان ولي للبركة، وليس للتعبد، ثم يوزع لحم الذبيحة على الفقراء، وهذا ما جرى به العمل في العالم الإسلامي، بما فيها الجزائر، والتي كانت تسمى (زردة)، ولقبها علماء الجمعية بـ (أعراس الشيطان)

وهكذا الأمر بالنسبة لما ذكره في الناقض الثاني، فهو يعتبر (الواسطيّة) وكأنها شرك يزاحم الله تعالى، مع أن المسلم إنما يرجو نيل شفاعة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، كما في أحاديث مستفيضة عن شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم للعصاة من أمته يوم القيامة، وكقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } [النساء: 64]، فالآية الكريمة لا تقف عند المعنى الظاهر في {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} [النساء: 64]، لوجود آية أخرى صريحة: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ } [آل عمران: 135]، ولكن ضمّ استغفار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للقوم الذين أرادوا التوبة رجاء لقبولها من الله. وهناك مواقف عديدة لجأ فيها الصحابة لبعضهم في مواقف شديدة طلباً لتحقيق أمر أو نزول بركة أو رحمة من الله، وكما فُعل مع العباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد رد الصوفية مدافعين عن أنفسهم منذ ظهرت هذه المقولات عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في العالم الإسلامي، وتركزت ردودهم على تفنيد ما يزعمه الوهابيون من أن تعظيم الصوفية للصالحين أو لأضرحتهم أو توسلهم بهم إلى الله لا يعني الشرك، ولا علاقة له بما كان يفعله أهل الجاهلية.

 فهذا الشيخ القباني يخاطب الشيخ ابن عبد الوهاب قائلا: (فهل سمعت عن أحد من المستغيثين أنه يعتقد في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو في الولي المستغاث به أنه إله مع الله تعالى يضر وينفع، ويشفع بذاته كما يعتقد المشركون فيمن عبدوه..) ([14])

ويذكر (الحداد) عن أتباعه أنهم (مهما عظموا الأنبياء والأولياء، فإنهم لا يعتقدون فيهم ما يعتقدون في جناب الحق تبارك وتعالى من الخلق الحقيقي التام العام، وإنما يعتقدون الوجاهة لهم عند الله في أمر جزئي، وينسبونه لهم مجازاً، ويعتقدون أن الأصل والفعل لله سبحانه) ([15])

ويقرر (دحلان) ما قرره سائر المسلمون في جميع العصور قبل مجيئ الوهابية، وهو أن الشرك في حقيقته ليس سوى اعتقاد التأثير لغير الله، وليس هناك مسلم يعتقد التأثير لغير الله، يقول في ذلك: (فالذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد ألوهية غير الله سبحانه، أو اعتقاد التأثير لغير الله.. ولا يعتقد أحد من المسلمين ألوهية غير الله تعالى، ولا تأثير أحد سوى الله تعالى) ([16])

وهذا نرى (الزهاوي) يؤكد مثل من سبقه على أن المشركين الأولين كانوا يعتقدون لأصنامهم أنها تنفع وتضر بذواتها فيقول: (إن المشركين إنما كفروا بسبب اعتقادهم في الملائكة والأنبياء والأولياء أنهم آلهة مع الله يضرون وينفعون بذواتهم) ([17])

ويرد (العاملي) على ابن عبد الوهاب في ادعائه أن مشركي العرب ينكرون ربوبية الله – كما ذكر ذلك ابن عبد الوهاب في رسالتيه: (كشف الشبهات)، و(أربع قواعد) – فيقول: (لا شيء يدلنا على أنهم – أي مشركي العرب – لا يعتقدون في الأصنام والأوثان ومعبوداتهم أنه لا تأثير لها في الكون، وأن التأثير وحده لله تعالى وهي شافعة فقط، إذ يجوز أن يعتقدوا أن لها تأثير بنفسها بغير ما في الآيات المستشهد بها، فتشفي المرض وتكشف الضر) ([18])

ويذكر الشطي في معتقد الوهابية في الاستغاثة، فيقول: (فإنهم يصرحون بأن من يستغيث بالرسول عليه السلام، أو غيره، في حاجة من حوائجه، أو يطلب منه أو يناديه في مطالبه ومقاصده، ولو بيا رسول الله، أو اعتقد على نبي أو ولي ميت وجعله واسطة بينه وبين الله في حوائجه فهو مشرك حلال الدم والمال …)([19])

ويرد على ذلك بأن ما يفعله العوام لا يرقى إلى هذه الدرجة، فبذكر حكاية مهمة لجده تبين دوافع العوام فيما يفعلونه من التعلق بالأولياء والصالحين، فقال: (ومرة دخل جدي جامع بني أمية في الشام، فسمع عجوزاً تقول: يا سيدي يحيى عاف لي بنتي، فوجد هذا اللفظ بظاهره مشكلاً، وغير لائق بالأدب الإلهي، فأمرها بالمعروف، وقال لها: يا أختي قولي بجاه سيدي يحيى عاف لي بنتي، فقالت له: أعرف أعرف، ولكن هو أقرب مني إلى الله تعالى، فأفصحت عن صحة عقيدتها من أن الفعال هو الله تعالى، وإنما صدر هذا القول منها على وجه التوسل والتوسط إلى الله تعالى، بحصول مطلوبها منه)([20])

ويرد ابن عفالق على كل ما يذكره الوهابية من مكفرات، بل يعتبر أنها في أشد أحوالها ليست سوى ذنوب ومعاص لا ترقى لحد الكفر، فقد قال – في معرض نفيه أن يكون الذبح والنذر لغير الله شركاً -: (فاجتمعت الأمة على أن الذبح والنذر لغير الله حرام، ومن فعلها فهو عاص لله ورسوله.. والذي منع العلماء من تكفيرهم أنهم لم يفعلوا ذلك باعتقاد أنها أنداد لله)([21])

بل إن الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، وهو الأخ الشقيق لمحمد بن عبد الوهاب يستنكر استنكارا شديدا موقف أخيه من تكفير من ذبح أو نذر لغير الله، ويستغرب من تكفير من دعا غير الله فيقول: (من أين لكم أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إذا دعا غائباً أو ميتاً أو نذر له، أو ذبح لغير الله، أن هذا هو الشرك الأكبر الذي من فعله حبط عمله وحل ماله ودمه) ([22])

ويضيف في موضع آخر: (لم يقل أهل العلم من طلب من غير الله فهو مرتد ولم يقولوا من ذبح لغير الله فهو مرتد..) ([23])

وهكذا بالنسبة للاستغاثة، فالشيخ محمد بن محمد القادري لا يرى في الاستغاثة بغير الله – ما دام أن المستغيث بغير الله، لا يعتقد أن غير الله هو الموجد، وأنه لا تأثير إلا لله وحده شركا – يقول في تقرير ذلك: (وقول يا سيدي أحمد أو شيخ فلان ليس من الإشراك؛ لأن القصد التوسل والاستغاثة.. ولا يشك في مسلم أن يعتقد في سيدي أحمد أو غيره من الأولياء أن له إيجاد شيء من قضاء مصلحة أو غيرها إلا بإرادة الله وقدرته..)([24])

ومثل ذلك النذر للأولياء، فهو عندهم من الشرك الذي لم ينص عليه غير الوهابية، فيقول:

(وأما نص النجدي بمنع النذر مطلقاً للأكابر، فمن افترائه على كتب الشريعة وجهله المركب) ([25])

وبناء على هذه فإن هذه النواقض العشرة التي تبناها الوهابية، وتبناها أتباعهم في العالم الإسلامي تعتبر – كما يذكر بعض الباحثين- (المدخل الذي يرد منه كل من أراد الترويج لثقافة التكفير، على قاعدة أن من لم يكفّر كافراً فهو كافر، ومن شكّ في كفره فهو كافر، الأمر الذي يشجّع الناس على الإنغماس في عقائد بعضهم، فيخرجون من يشاءون من الدين ويدخلون إليه من يشاءون، ويعقدون نادياً للتداول فيما انعقدت عليه قلوب المؤمنين، فهذا مؤمن، وذاك كافر، وذلك منافق، وقد يصدرون أحكاماً بقتل فلان بتهمة الردّة عن الدين، لمجرد أنه يختلف مع المذهب الرسمي، وتطال آخر تهمة الإنحراف عن العقيدة، والضلال، ويتكفّل رسل الموت من أهل الدعوة بإيصال رسائل التهديد للكتّاب كما فعل الفوزان)([26])

وكمثال على هذه النزعة التكفيرية ما نشأ من حركات متطرفة كثيرة لا تزال تنشر سمومها في المجتمع الإسلامي لتشوة الإسلام وتشوه السلام الذي جاء به، ولعل من أشد تلك الحركات سرعة إلى التكفير (جماعة الهجرة والتكفير)، والتي انطلقت في أحكامها المتسرعة من كونها (جماعة المسلمين)، وأن الخارج عليها ضال مضل إلى أوصاف كثيرة تزعمها لنفسها.

وللأسف نجد مثل هذه النزعة عند الجمعية في تعاملها مع المخالف، فهي تتصور أنها الحق المطلق، والآخر هو الشر المطلق، وقد مضى ذكر الكثير من الأمثلة على هذا، ونضيف إليه ما صرح به الشيخ التبسي – بمناسبة سقوط الخلافة الإسلامية – فقد كتب مقالا مطولا، حاول أن يبرهن فيه على أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي (الطائفة التي توفرت فيها أوصاف جماعة المسلمين الشرعية)([27]) التي لا ينبغي التعامل معها إلا بالطاعة المطلقة.

ومن ضمن ما جاء في مقاله قوله: (وقد وجب على كل مسلم في الجزائر أن يعترف بأن جماعة المسلمين في الجزائر هي جمعية العلماء لا ينازع في ذلك إلا من أضله الله على علم أو جهل، أو كان من الذين سبقت عليهم الشقوة، فأنساهم الشيطان والهوى وحظوظ أنفسهم القيام بالقسط والشهادة ولو على أنفسهم)([28])

ثم ذكر المبررات التي تصور من خلالها أحقية الجمعية لهذا اللقب العظيم، فقال مخاطبا الجزائريين: (فيا أيها المسلمون الجزائريون: اعلموا أنه إذا كانت جماعة المسلمين بالعلم، فأكثر علماء الجزائر في هذه الجمعية، وإذا كانت الدعوة إلى الله فهي الجماعة المخلصة المؤمنة المجاهدة التي عاهدت ربها، وكتبت ميثاقا على نفسها، أنها الداعية بجماعتها وأفرادها إلى دين الله، وإلى كتابه، وسنة نبيه، وإذا كانت بالعمل لتوريث الجيل الجديد الميراث الإسلامي الأخلاقي والأدبي بما فيه من علوم، ومن مآثر رجال وشخصيات تاريخية، وما في الإسلام من فضل على الإنسانية، وما في ظهوره يوم ظهر من هداية وسعادة. فإن الجمعية بدروس رجالها وبمدارسها تقوم بنقل هذا الميراث إلى الأحداث والجيل الجديد حتى يعرف نفسه ويعمل بدينه ويرتبط بتاريخه، وحتى يمتد الإسلام إلى من يأتي بعدنا،      وإذا كانت باعتراف الأمة الإسلامية، وبالأهلية الدينية والعلمية والتضحيات المبذولة عن طيب نفس. فإن الأمة الجزائرية تعترف بذلك لجمعية العلماء، وترجع إليها في دينها وعلومها. تسلم إليها أبناءها ليتلقوا الإسلام وعلومه على يد هذه الجمعية)([29])

ولسنا ندري بعد هذا كيف نرد على هذه التهمة، وقد ثبتها رجال الجمعية بما لا مزيد عليه، فلم تجرؤ جماعة في يوم من الأيام – عدا جماعة الهجرة والتكفير – أن تعتبر نفسها (جماعة المسلمين)، وأنها الحق المطلق، لأن الحق المطلق ليس إلا عند المعصوم، أما سائر الناس، فيصيب ويخطئ.

المطلب الثالث: تهمة مخالفة جماهير العلماء

وهي من التهم الكبرى التي تخفي خلفها الكثير من ألوان التهم الفرعية، وقد ذكر الإبراهيمي اتهام الطرق له وللجمعية بهذه التهمة، فقال: (إن الجزء الأخير من كلامك مقتبس مما يشنع به علينا خصوم الإصلاح، وهو أننا ننبش القبور ولا نحترم الأموات، وننكر كرامات الأولياء ومراتبهم (من غوثية وقطبانية) إلى أكاذيب يلفقونها وأراجيف يتناقلونها عنّا)([30])

وهو يقرر أن ما يذكره رجال الطرق الصوفية من الخلاف في ذلك، وأن من العلماء الكبار من يؤديهم فيه صحيح، ولكن الحق أحق أن يتبع، وأن (حجة الإسلام قائمة، وميزانه منصوب، وآدابه متمثلة في سيرة الصحابة والتابعين، واننا لا نعرف في الإسلام بعد قرونه الثلاثة الفاضلة ميزة لقديم على محدث، ولا لميت على حي، وإنما هو الهدى أو الضلال، والاتباع أو الابتداع، وليست التركة التي ورثناها الإسلام عبارة عن أسماء تطفو بالشهرة وترسب بالخمول ويقتتل الناس حولها كالأعلام، أو يفتنون بها كالأصنام. وإنما ورثنا الحكمة الأبدية والأعمال الناشئة عن الإرادة، والعلم المبني على الدليل)([31])

بناء على هذا الإقرار على مصداقية هذه التهمة يذكر الصوفية مخالفة الجمعية لما عليه جماهير العلماء قديما وحديثا، يقول الشيخ ابن عليوة: (أما جمهور الأمة وأكابر الملة فجميعهم مطبقون على أن التصوف هو زبدة الدين والغاية القصوى من سنن الموحدين، وكفاه فضلاً أنه عبارة عن السير في مقامات الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة المصرح بها في حديث جبريل عليه السلام.. وماذا عسى تقوله الأئمة ومن لهم اطلاع على أحوال قوم وهبوا أنفسهم لله وبذلوا جهدهم في طاعة الله، وأسسوا قوائم مجدهم على تقوى من الله إلى أن عرفوا بين الخصوص والعموم بأنهم أهل الله وخاصته من خلقه، دانوا لله بخالص التوجه، فدانت لهم العباد وأشرقت بأنوار هداهم النواحي والبلاد)([32])

بل إن الشيخ ابن عليوة – كسائر علماء الطرق الصوفية- يقتبس من كلام جماهير العلماء، بل من كلام العلماء الذين تزعم الجمعية أنها تستند إليهم سواء من علماء السلفية المحافظة، أو السلفية التنويرية، ما يبين مخالفة الجمعية لهم.

وسنذكر هنا – باختصار- بعض ما ذكره الشيخ في معرض رده على علماء الجمعية من بيان أن من يستند إليهم علماء الجمعية سواء كانوا من أئمة المذاهب الأربعة ومن تبعهم من الفقهاء الكثيرين، أو من أئمة السلفية المحافظة كابن القيم وابن تيمية، أو من أئمة السلفية التنويرية كمحمد عبده والأفغاني ورشيد رضا لا يرون رأيهم.

أولا ــ مخالفة الجمعية لفقهاء المذاهب الأربعة:

يذكر الشيخ ابن عليوة مخالفة الجمعية في موقفها من التصوف والطرق الصوفية لما عليه أئمة المذاهب الأربعة، فيقول: (إن الأئمة المجتهدين رضي الله عنهم كانوا في عصرهم أحرص الناس على متابعة السنة واجتناب المبتدعات ومذهب التصوف كان في عصرهم شائعاً ذائعاً وإذاً فلم لم ينقل عنهم التنبيه عنه والتحذير منه لو كان مخالفاً للدين أو جاء على غير سنن الموحدين؟ وكنا إذاً نجده في كتبهم ونرويه عن أتباعهم بالتواتر، وبكل صراحة كما بلغنا عنهم التحذير من الخوض في علم الكلام وغير ذلك مما لم يكن الخوض فيه مأثوراً عن الصدر الأول، إذ لا مذهب إلا وتجده يعلن التحذير من ذلك بكل صراحة)([33])

وبناء على هذا ينقل الأدلة من المصادر المالكية على مخالفة الجمعية لمذهب مالك، فيقول: (وأما ما جاء صريحاً عن الإمام مالك في هذا الباب ونقل عنه في غير ما كتاب قوله: (من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق) نقله التتائي في شرحه على مقدمة ابن رشد، وكذلك الشيخ زروق في القاعدة الرابعة من قواعده، ونحن حيث تلقينا هاته القولة عن الإمام من أوثق المصادر اتضح عندنا يقيناً أنه رحمه الله كان صوفياً، لا محباً للصوفية فقط، وإلا لزم تسلط الحكم عليه المستفاد من صريح قوله (فقد تفسق) برأه الله من ذلك) ([34])

ثم يستخلص من تلك المقولة المنسوبة لمالك ما يحاول به أن يجعل منه صوفيا كسائر الصوفية، فيقول: (وهذه الصراحة من الإمام كافية في إعظامه لمذهب التصوف، وكفى أنه جعله قريناً للفقه بدونه عاطل كما أن التصوف بدون الفقه باطل، وخلاصة القول أن الإمام رضي الله عنه كان جامعاً بين التصوف والفقه، وهذا لا يستبعد من الإمام ما دام التصوف عبارة عن صدق التوجه إلى الله عز وجل)([35])

وأجاب على الشبهة التي يوردها بعضهم، وهي أن مالك لو كان صوفيا أو له علاقة بالتصوف لاشتهر ذلك عنه أو لألف فيه كما فعل المشتهرون بالتصوف ممن هم في طبقته كالحارث المحاسبي وغيره، فقال: (إن عذر الإمام (يعني الإمام مالك) في ذلك هو قيامه بما دعت إليه الضرورة من لزوم حفظ القواعد الفقهية وضبط النقول الشرعية خصوصاً وهو يرى من نفسه الكفاءة للأمر الذي لم يتوفر لغيره غالباً، وكل ذلك لا يمنع أن يختص الإمام في خاصته وحد ذاته بما اختص به غيره من خاصة المتصوفة بأن تكون له المشاركة في علمهم ودقائق أسرارهم التي أمروا بعدم إفشائها لغير أهلها)([36])

ويستدل لهذا بما نقله عن الشاطبي في كتاب الموافقات من قوله: (وأخبر مالك عن نفسه أنه عنده أحاديث وعلوم ما تكلم فيها ولا حدث بها) ([37])

ثم علق على ذلك بقوله: (وعليه، فهل ترى أيها الأخ أن هذا العلم المخبر عنه هو من مدخول الفقه؟ فما أظن. إذ لو كان كذلك لما ساغ له كتمانه لما أن الفقه في الدين يشترك في لزوم معرفته جميع المكلفين ويجل عن كتمانه العلماء الأعلام لما في آية الكتمان وحديث الإلجام، ولكنك تستبعد أن يكون لما لك من العلوم الموروثة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير ما دونه للعموم، وهذا الاستبعاد إنما يتصور مع عدم الاطلاع على ما اشتملت عليه دفاتر السنة من النصوص المثبتة لنظير ذلك)([38])

ثم استدل لهذا بما ورد في الحديث عن أبي هريرة قال: (حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعائين من العلم أما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم مني هذا البلعوم)([39])

أما ما يستند إليه المخالفون مما رواه عنه عبد الملك بن زياد قال: كنا عند مالك فذكرت له صوفية بلادنا، فقلت له: يلبسون فواخر ثياب اليمن ويفعلون كذا وكذا فقال: ويحك أوهم مسلمون؟)([40])

وقد رد الشيخ ابن عليوة على هذا الاستدلال بمحاولة فهمه على عكس قصد الجمعية، فذكر بأنه (إذا حددنا النظر في مضمون هذا النقل على فرض صحته لابد أن نستخلص منه مسائل)، وهذه المسائل – كما ذكرها الشيخ ابن عليوة – هي([41]):

1 ــ ما أوردوه من قول مالك – على فرض صحته – دليل على (أن مذهب القوم ثابت الدعائم من عصر التابعين، لأن مالك كان من معاصريهم)([42])

2 ــ أن المذهب كان في نظرهم في غاية الإعظام لأن السائل لم يسأل الإمام على المذهب، ولا الإمام أخبر على فساده، (وإنما السؤال يفيدنا أن هناك جماعة انتسبت للتصوف مع أنها تفعل كذا وكذا، فكان جواب الإمام يفيد استبعاد أن يكون أولئك من عامة المسلمين، فضلاً على أن ينتسبوا للتصوف الذي هو عبارة عن السير في مراتب الإحسان، وهذا ما تعطيه العبارة عن مضمون السؤال) ([43])

وبمثل هذا المنهج يذكر مخالفة الجمعية للشافعي، فينقل النصوص الدالة على احترامه للصوفية ومجالسته لهم، ويعقب عليها بقوله: (ونحن إذا نظرنا إلى انتماء الإمام للصالحين وحبه للمتصوفة وكثرة مجالسته لهم لا تستبعد أن يكون له نصيب من المشاركة في علومهم حسبما تقدم عن الإمام مالك)([44])

ويرد على ما يورده المخالفون من أن الشافعي قال: (لو أن رجلاً تصوف أول النهار لا يأتي عليه الظهر حتى يصير أحمق) بقوله: (ونحن إذا استخلصنا من أقوال الإمام ما به الحاجة بعد فرض ثبوتها عنه فنجد الأمر منحصراً في إثبات الحمق لمن ينتسب إلى المتصوفة لا غير مع أننا لا ندري هل إثبات الحمق لهم إنما هو في نظر من سواهم كما سيأتي أم هو ثابت في نفس الأمر؟ فإن قلنا بالأخير فلابد أن يكون مطرداً في عموم أفراد المتصوفة وعليه فإن يكن الأول فالأمر محتمل وإن يكن الثاني فالواقع يجري على خلافه بدليل المشاهدة.. ولا أراني متغالياً يا حضرة الأخ إن قلت لكم أنه قد يوجد في رجال التصوف من يكاد عقله يرجح بعقول سائر كتاب عصرنا، وإن كنت أنا وأنت من أفرادهم.. وهب أنه يثبت عنهم نوع من الطيش في طباعهم فهل يصح أن يكون عنواناً على فساد العقيدة؟ فيبعد يا حضرة الأخ أن نستخلص من ذلك النقل ما نحتج به لأنك بصدد إثبات فساد المذهب لا بصدد إثبات تفاوت العقول ورجحانها، وزيادة أنك تعلم من أن رجحان العقل في مرتبة يعتبر نقصاناً في الأخرى، ألا ترى أن العاقل بين أهل الدنيا يعتبر أحمق عند أهل الآخرة) ([45])

وهكذا نقل عن الإمامين أبي حنيفة وأحمد بن حنبل، ثم عقب على ذلك بقوله: (وإلى هنا ينتهي بنا ما وعدنا بنقله عن الأئمة الأربعة، وفي ظني أنه يعتبر كافياً في نقض ما حاولتم إثباته عنهم من كونهم كانوا برأهم الله لا يقيمون وزناً للتصوف وأهله اعتماداً منكم على مجرد ما وقع بأيديكم من كتاب (تلبيس إبليس) قاطعين النظر عما وراء ذلك مما حوته كتب الفروع والأصول وفي ظني أن هذا مما يعتبر شبه خيانة في النقل لفاعله وتدليساً في الرواية وشأن الناقل أن يكون أميناً)([46])

ثانيا ــ مخالفة الجمعية لأئمة السلفية المحافظة:

لم يكتف الشيخ ابن عليوة ببيان مخالفة الجمعية للأئمة الأربعة في موقفها من التصوف، بل بين مخالفتها لأئمة السلفية الكبار وخصوصا لابن تيمية وابن القيم.

حيث يذكر الشيخ ابن عليوة مخالفة الجمعية لابن القيم، فيقول: (أما ابن قيم الجوزية رحمه الله فقد ينقل عنه أكثر بكثير مما ينقل عن غيره من جهة ما يرجع لاحترام مذهب التصوف ورجاله ولو لم يوجد عنه إلا هاته الفقرة الآتية لكانت كافية في الموضوع)([47])

ثم ينقل قول ابن القيم: (الصوفية ثلاثة أقسام: صوفية الأرزاق وصوفية الرسوم وصوفية الحقائق وبدع الفريقين المقلدين يعرفها كل من له إلمام بالسنة والفقه وإنما الصوفية صوفية الحقائق الذين خضعت لهم رؤوس الفقهاء والمتكلمين فهم في الحقيقة علماء حكماء)([48])

ويعلق عليه بقوله: (فتأمل قوله يرحمك الله: (فهم في الحقيقة علماء حكماء، خضعت لهم رؤوس الفقهاء والمتكلمين)، أليست هذه قولة شافية وصراحة كافية في إثبات شرف القوم على غيرهم من الفقهاء خصوصاً، وقد قالها ابن القيم الذي لا يفوتكم ماله من حدة الانتقاد، والذي ترجون أن يكون لكم أكبر صاعقة على المتصوفة، لولا أن النتيجة جاءت عن خلاف ما في الآمال)([49])

ولا يكتفي الشيخ ابن عليوة بهذا الاقتباس من ابن القيم الدال على احترامه للصوفية، وإنما ينقل عنه ما هو أخطر من ذلك، وهو تقريره لما يذكره الصوفية من العرفان، أو ما يعبر عنه الشيخ ابن عليوة بغوامض التصوف، كما سنرى ذلك عند الحديث في الجزء الثالث من هذه السلسلة عند الحديث عن العرفان الصوفي.

وينقل عنه حديثه عن الشطحات الصادرة من الصوفية، والتي تحكم الجمعية كالتيار السلفي المتشدد على الواقعين فيها بالكفر، بل بأبشع أنواع الكفر، بينما يتحدث ابن القيم عن بلغة علمية مهذبة، فيذكر أنها (أوجبت فتنة على طائفتين من الناس أحدهما: أحجبت عن محاسن الطائفة ولطف نفوسهم وصدق معاملتهم فأهدروها لأجل هذه الشطحات وأنكروها غاية الإنكار وأساؤوا الظن بها مطلقاً، وهذا عدوان وإسراف، فلو كان من أخطأ أو غلط ترك جملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معاملتها، والثانية: حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائمهم وحسن معاملتهم عن عيوب شطحاتهم ونقصانها فسحبوا عليها ذيل المحاسن، وأجروا عليها حكم القبول والانتصار وهؤلاء مقتدون مفرطون، والطائفة الثالثة وهم أهل العدل والإنصاف وهم الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته فلم يحكموا على الصحيح بحكم المعلول ولا على المعلول السقيم بحكم الصحيح)([50])

وبعد أن نقل هذا النص بطوله قال مخاطبا المخالف له ومن وقف موقفه من أصحاب الاتجاه السلفي: (وما كان بودي أن نبعثك ايها الأخ على مطالعة هاته النقول، ولا نبعث غيرك لولا ما فاجأتمونا به من نقولكم المتضمنة كون الجنيد وعصباته كانوا أحط درجة من الخوارج في نظر كثير من الأئمة)([51])

ويرد على هذه الدعوى المتشددة بذكر ما كان عليه ابن القيم من احترام للجنيد وغيرهم من الصوفية، فيقول: (وذلك هو الأمر الذي بعثنا على الاستغراب، ولربما يبعث الغير عن تصديقكم مهما كان خالي الذهن مما ينقل عن الأئمة على أن ابن القيم رحمه الله ينقل عنه في الجنيد وعصابته خلاف ما حكيتموه أنتم)([52])

وبعد أن نقل الشيخ ابن عليوة للجمعية وللاتجاه السلفي المتشدد ما نقله عن ابن القيم ذكر لهم ما يقوله ابن تيمية، والذي يتصورون أنهم منتهجون لنهجه، فقال: (ولا شك أنكم تعتبرون هاته النقول عن ابن القيم من الغرابة بمكان، ولكن الأغرب من ذلك أن الكثير من أبناء العصر يعتقدون في الإمام ابن تيمية أنه على أبلغ ما يكون في تخطئة القوم وتسفيه أحكامهم، وهذا الزعم الفاسد هو الذي دفعهم إلى المشي في الأرض مرحاً، حتى إذا أوقفت أحدهم على ما صح من النقول عن الإمام المذكور، أو عثر هو بنفسه على شيء من ذلك مما يخالف ظنه وزعمه على خط مستقيم، رجع مبهوتاً خجلا من سوء ظنه وفهمه، وكان حينئذٍ مضطراً لأحد أمرين: إما الرجوع عما كان يعتقده، واما ظنه بأن النقل قد اختلف عن الإمام المذكور)([53])

ثم دعا إلى العودة إلى تراث ابن تيمية ودراسته للتأكد والتثبت من موقفه، فقال: (وإني أرجوك أيها الأخ أن تعطي هاته النقول حقها من الاهتمام رجاء أن تكون هي الباعث على تحويل معتقداتكم في رجال التصوف على أن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي على الباطل وهذا مقرر عند العقلاء بإجماع)([54])

بعد هذا التقرير ذكر الشيخ ابن عليوة منهج ابن تيمية في التعامل مع الصوفية والتصوف، فقال: (إن ابن تيمية رحمه الله ما كان من عادته أن يجر ذيل الإنكار على مذهب التصوف برمته، ولا عرف بنظير ما تظاهرتم به أنتم ومن تقاسمكم في غلطكم، انما في غلطكم إنما ينتقد بعض كلمات على جماعة مخصوصين، ومع ذلك تجده يلتمس ما يستطاع من الأعذار لرجال التصوف، وهكذا تجده يحرص جهده في طريق حمل ما يصدر عن القوم من الألفاظ المبهمة والمتشابهة على ما ينبغي حمله عليه)([55])

ثم نقل عنه بعض النصوص التي عذر فيها من وقعوا في بعض الشطحات أو الألفاظ الموهمة للحلول والاتحاد من الصوفية، كما سنراه في الجزء الثالث من هذه السلسلة، ثم علق عليه بقوله: (وأطال النفس في ذلك كثيراً، وهذا شأنه في التماس المخارج للسادات الصوفية وكثيراً ما يشاركهم في أذواقهم ومشاربهم العذبة)([56])

ونقل عنه موقفه من المصادر الغيبية التي يعتمدها الصوفية كالكشف وغيره، وهو قوله: (وأما حجة أهل الذوق والوجد والمكاشفة والمخاطبة فإن أهل الحق من هؤلاء لهم إلهامات صحيحة مطابقة كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (قد كان في الأمم محدَّثون فإن يكن في الأمة أحد فعمر)([57])، وكان عمر يقول: اقتربوا من أفواه المطيعين فإنها تجلى لهم أمور صادقة)([58])

بل ينقل عنه ما توجه إليه علماء الجمعية بالنقد الشديد، وهو (مجالس الذكر المعهودة عن الصوفية، واعتباره لها من السنة بمكان)([59])، كما سنرى ذلك في الجزء الثالث من هذه السلسلة.

وما ذكره الشيخ ابن عليوة من مخالفة الجمعية لابن تيمية وابن القيم ذكر مثله الكثير من الذين اهتموا بالرد على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في هذه المسائل أو غيرها، ولعل الشيخ اقتبس منهم ذلك، فقد كانت كتب الرد على الوهابية منتشرة في الزوايا، وكان الحجاج – قبل احتلال الوهابية للحجاز – يأتون بها، كما يأتون بها من تركيا وغيرها.

فابن عفالق ينقل كلام لابن تيمية في الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم جاء فيه: (فإن كان الاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما هو اللايق لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو كافر إن أنكر ما يكفر، وإما مخطيء ضال) ([60])

وعقب ابن عفالق على هذ النص بقوله: (فانظر هذا الكلام النفيس، وتأمل قوله: (فإن كان الاستغاثة..)، فهذا حال المنكر للتوسل به صلى الله عليه وآله وسلم يدور بين الكفر والضلال، فكيف بمن أنكرها، وقال من قال: يا رسول الله فهو كافر، ومن لم يكفره فهو كافر …)([61])

 وفي موضع آخر بين كيفية تعامل ابن عبد الوهاب مع كتب ابن القيم، فقال: (والذي أوقع هذا الرجل في هذه الورطة العظيمة أنه ينظر في كتب ابن القيم فيأخذ منها ما وافق هواه، ويترك ما خالفه، ويأخذ من أول الفصل ويترك آخره …)([62])

ويذكر ابن عفالق قول البوصيري:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به
 
سواك عند حلول الحادث العمم
 

والذي اعتبره ابن عبد الوهاب وأتباعه نوعا من الشرك الأكبر، فيقول: (وهو كذب صراح إن كان ينقله عن العلماء، وإلا فهو افتراء منه وبهت، فإن ابن القيم مع تعصبه وخلافه لجميع الأمة في مثل هذا الباب عدّ هذا من الشرك الأصغر.. انظروا كتبه كـ (شرح المنازل) في باب الشرك الأصغر، و(إغاثة اللهفان) ([63])

وهكذا نجد منهج سليمان بن عبد الوهاب في رسالته التي رد بها على أخيه فقد كان يذكر له كل حين ما كتبه ابن تيمية وابن القيم، ثم يعقب عليها بما يدل على قصور أخيه عن فهمها أو عن الاطلاع عليها.

وكمثال على ذلك ما نقله عن ابن تيمية من قوله: (النـذر للقبور، ولأهل القبور، كالنذر لإبراهيم الخليل عليه السلام، أو الشيخ فلان نذر معصية لا يجوز الوفاء به وإن تصـدق بما نذر من ذلك على من يستحقه من الفقراء أو الصالحين كان خيراً له عند الله وأنفع)([64])

ثم عقب على هذا بقوله: (فلوا كان الناذر كافراً عنده لم يأمره بالصدقة؛ لأن الصدقة لا تقبل من كافر، بل يأمره بتجديد إسلامه، ويقول له خرجت من الإسلام بالنذر لغير الله)

ومثل ذلك ما نقله عنه من قوله: (من نذر إسراج بئر أو مقبرة أو جبل أو شجرة أو نذر له أو لسكانه لم يجز، ولا يجوز الوفاء به، ويصرف في المصالح ما لم يعرف ربه)

ثم عقب عليه بقوله: (فلو كان الناذر كافراً لم يأمره برد نذره إليه، بل أمر بقتله)

وبعد إيراده مثل هذه النصوص عن ابن تيمية قال: (فانظر كلامه هذا، وتأمله، هل كفّر فاعل هذا، أو كفّر من لم يكفره، أو عد هذا في المكفرات هو أو غيره من أهل العلم كما قلتم أنتم)

ونفس الشيء ذكره عن ابن القيم، (الذي ذكر النذر لغير الله في فصل الشرك الأصغر من (المدارج)، واستدل بالحديث الذي رواه أحمد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (النذر حلفة)([65])، وذكر غيره من جميع من تسمونه شركاً وتكفرون به في فصل الشرك الأصغر، وأما الذبح لغير الله، فقد ذكره في المحرمات ولم يذكره في المكفرات، إلا أن ذبح للأصنام، أو لما عبد من دون الله كالشمس والكواكب، وعدّه الشيخ تقي الدين في المحرمات الملعون صاحبها كمن غيّر منار الأرض، وقال الشيخ تقي الدين: كما يفعله الجاهلون بمكة شرفها الله تعالى وغيرها من بلاد المسلمين من الذبح للجن، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذبائح للجن.. ولم يقل الشيخ من فعل هذا فهو كافر، ومن لم يكفره فهو كافر كما قلتم أنتم) ([66])

بل إن داود بن جرجيس كتب كتابا في مخالفة الوهابية للشيخين ابن تيمية وابن القيم سماه (صلح الإخوان من أهل الإيمان وبيان الدين القيم في تبرئة ابن تيمية وابن القيم)

ثالثا ـــ مخالفة الجمعية لأئمة السلفية التنويرية:

من باب إدراك الشيخ ابن عليوة لقيمة أئمة السلفية التنويرية بالنسبة للجمعية، فإنه ينبههم إلى مواقفهم المعتدلة من التصوف مقارنة بمواقف الجمعية.

وقد أشاد في ذلك بكتاب (النصرة النبوية) الذي جمع فيه صاحبه (جملاً كافية ونقولاً كثيرة من ذلك النوع تختص بعلماء مصر ونواحيها، وكذلك علماء تونس لم يشتهر عنهم إلا الذب عن مذهب التصوف بكل ما في استطاعتهم كبيرهم وصغيرهم، ويكفينا دليلاً على ذلك ما كتبوه في هذا العصر الأخير من تقريظاتهم لكتاب (السيف الرباني) لخير المتأخرين الشيخ (المكي بن عزوز) رحمه الله الذي كان ينافح فيه عن الإمام الجيلاني رداً على من كان يحاول تنقيصه من جهة النسب والمشرب، وقد توفر عدد الكتاب في ذلك إلى ما يزيد عن الأربعين عالماً مما يرجع إيلهم في المعضلات من علماء تونس جزاهم الله خيراً) ([67])

وبناء على إدراكه لأهمية الشيخ محمد عبده خصوصا عند الجمعية، فإنه يذكره ويذكر مواقفه من التصوف كلما اقتضى المقام ذكره ليبين لهم أنهم مع احترامهم له يخالفونه فيما يرتبط بالتصوف، وكأنه بذلك يريد أن ينفي صلتهم به ليؤكد صلتهم بالوهابية.

فقد جاء في معرض رده على ما تبثه الجمعية وغيرها من المواقف ضد التصوف – بعد إيراده للنصوص المنقولة عن كثير من العلماء المتقدمين -: (ظهر لي أن أزيدكم نافلة مما ينقل عن نقاد المتأخرين وممن اشتهر بالذكر في الخافقين خصوصاً بين أبناء العصر الآخر كجناب الشيخ محمد عبده رحمه الله، وها أنا الآن أتكلم فيما يخص جنابه، لا من ناحية كونه كان صوفياً بأتم معنى الكلمة)([68])

وقد بدأ حديثه عنه، وبيان مخالفة الجمعية له، ببيان علاقته القديمة بالصوفية، ونقل من ذلك ما ذكره الشيخ رشيد رضا – الذي كان من أخص أتباع الشيخ محمد عبده ــ وسنرى ذلك في الجزء الثالث من هذه السلسلة عند بيان موقف الطرق الصوفية من ضرورة الشيخ المربي.

وبعد أن نقل ذلك قال: (وفي ظني أن هذا النقل كاف في صحة ما أثبتناه من كون الأستاذ المذكور كان صوفياً حقيقياً، أو تقول كان صوفياً بكل معنى الكلمة)([69])

بل إنه ذكر أن الشيخ محمد عبده لم يكن صوفيا سلوكيا فقط، بل كان فوق ذلك صوفيا عرفانيا، يقول الشيخ ابن عليوة: (أما معلوماته في مشرب القوم الصوفية فهي تبرهن بنفسها على أن له قدماً راسخةً في معلوماتهم رضي الله عنهم وإن شئت قلت: رحمه الله من المتغالين في إثبات وحدة الوجود على ما يشبه مشرب (ابن العربي الحاتمي) حسبما قدمناه)([70])

وما ذكره الشيخ ابن عليوة صحيح، بل إن الوهابية المعاصرة تكفر الشيخ محمد عبده، وتتهمه بالقول بوحدة الوجود؟

وهكذا نقل موقفه من الصوفية الذين يتعامل معهم الكثير من علماء الجمعية بشدة وقسوة، بينما كان الشيخ محمد عبده على عكس ذلك تماما، يقول الشيخ ابن عليوة: (أما ما يرجع لأفراد المتصوفة في نظر هذا الإمام يتضح لكم بما ذكره في شرحه على مقامات (بديع الزمان الهمذاني) عند قول المصنف: (فلما تجلينا وأخبرنا بحالنا أسفرت القصة عن أصل كوفي ومذهب صوفي)([71])

ثم نقل ما قاله الشيخ محمد عبده، وهو قوله: (والصوفي نسبة إلى الصوفية وهم طائفة من المسلمين همهم من العمل إصلاح القلوب وتصفية السرائر والاستقبال بالأرواح وجهة الحق الأعلى جل شأنه حتى تأخذهم الجذبات لله عمن سواه وتفنى ذواتهم في ذاته وصفاتهم في صفاته، والعارفون منهم البالغون إلى الغاية من سيرهم في أعلى مرتبة من الكمال البشري بعد النبوة)([72])

ثم عقب عليه بقوله: (فلتتأمل يا حضرة الأخ قوله: في درجات الكمال البشري بعد النبوة)([73])

بل إنه فوق ذلك ينقل عن الشيخ محمد عبده نصا مهما يعبر عن منهج إصلاحي ذكره الشيخ يدل على مدى اهتمامه بالتصوف ومدى تعلقه به، وهو ما ذكره تلميذه العلامة رشيد رضا قال: (قال لي يعني (الشيخ محمد عبده) مرة أخرى: إن بقاء الأزهر متداعياً على حاله في هذا العصر محال، فهو إما أن يعمر، وإما أن يتم خرابه، وإني أبذل الجهد المستطاع في عمرانه، فإذا دفعتني الصوارف إلى الإياس من إصلاحه، فإني لا آيس من الإصلاح الإسلامي، بل أترك الحكومة، واختار أفراداً من المستعدين فأربيهم على طريقة التصوف التي ربيت عليها، ليكونوا خلفاء لي في خدمة الإسلام)([74])

ويعلق على هذا بقوله: (ولاشك أن بهذا النقل تتجلى لك نفسية الشيخ محمد عبده في أجلى مظاهرها من جهة علاقته بالتصوف)([75])

بل إنه يذكر أن سر العلاقة الحميمية التي جمعته بالشيخ الأفغاني كان مبدؤها التصوف، فيقول: (وبالجملة إن رغبتهم في الفن هي التي جمعتهم بالسيد جمال الدين الأفغاني رحمه الله، وهي التي أحدثت تلك الرغبة بينهما في أول الصحبة)([76])

وينقل للدلالة على هذا، ما ذكره الشيخ رشيد رضا من قوله: (وأما ملاقاته – يعني الشيخ محمد عبده لجمال الدين الأفغاني – فهي أن أحد المجاورين برواق الشام، قال له: جاء من مصر عالم أفغاني عظيم، وهو يقيم في خان الخليلي، فسر به وأخبر الشيخ حسناً ودعاه إلى زيارته معه، فألفياه يتعشى، فدعاهما إلى الأكل معه، فاعتذروا، فطفق يسألهما عن بعض آيات القرآن، وما قاله المفسرون والصوفية فيها ثم يفسرها لهم، فكان هذا مما زاد فقيدنا به عجباً وشغفه حباً، لأن التصوف والتفسر هما قرة عينه أو كمال مفتاح سعادته)([77])

وبناء على هذا كله ذكر الشيخ ابن عليوة أن البناء الإصلاحي التنويري مختلف تماما عما تمارسه الجمعية، وأنها لذلك وهابية أكثر منها عبدوية، فيقول: (إن هاته التعاليم التي أخذت مأخذها من نفس الشيخ محمد عبده والسيد جمال الدين الأفغاني، والتي هي نفس التعاليم التي ثبتت جذور أصولها في صميم علماء السنة خلفاً عن سلف حسبما تقدم لكم نقله هي التي تبقى راسخة في قلوب الأشحة على دينهم ما دام للدين جناب يحترم بين أبناء المسلمين، وهي التي نرى خاصة الكتاب المعتدلين محتفظين بها إلى الآن وما كان احتفاظهم بها إلا احتفاظاً بجوهر الدين من أن يلحقه ما يهذب بصبغة أو يمس بجوهره على أن التصوف عند من حقق مباديه هو منتزع الجوهر من خصال الدين الحميدة وممثل للطائفة الروحية وعلى هذا التعريب تنطبق سائر التعاريف في القديم والحادث)([78])

بل إن الشيخ ابن عليوة يذهب إلى أبعد من ذلك حين يبين للجمعية مخالفتها لصديقها الحميم محمد رشيد رضا، فيعقب على بعض النصوص التي تبين موقفه المسالم للتصوف بقوله: (وفي ظني أنه لا شيء أبين من هذا فيما نريد إثباته وزاد على ذلك حضرة الكاتب ما أثبته للصوفية من تأثير الإرادة وغيرها من الخوارق التي تعتبر عند البعض من أهل العصر الحاضر من الخرافات ولا مستند لهم في ذلك إلا سوء الظن وعدم اعتبارهم ما للروح من الكمالات والخصائص الذاتية وهذا من حضرة الكاتب أبلغ ما يعتبر في الصراحة وأوضح ما يتأتى في التعريف)([79])

المطلب الرابع: تهمة العنف في التعامل مع المخالف

وهي من التهم التي توجهت بها الطرق الصوفية للجمعية، كما توجهت بها الجمعية للطرق الصوفية كما رأينا ذلك سابقا، وكما سنراه في الباب التالي، ولكنا بالبحث والتدقيق في دلائل عنف أعضاء الجمعية سواء كانوا من الصادقين في نسبتهم أو من المحسوبين عليها، فإنا نجد عنفهم أشد وعلى مستوى أعلى، بخلاف الطرق الصوفية، التي لم تتعد تهم العنف فيها أفرادا من العامة، من دون أن يتبناها شيوخ الطرق أو يهتموا بها.

بخلاف العنف الذي مارسه بعض رجال الجمعية أو عوامها، فإنا نجد الجمعية في صحفها الرسمية تتبناه وتشجعه، ووكمثال على ذلك نسوقه هنا لما نرى من تعتيم عليه من المتحدثين عن الجمعية ومآثرها ما حدث للشيخ الحافظي بعد خروجه من الجمعية، أو طرده منها، فقد ذهب إلى عنابة التي كانت معقلا من معاقل الطريقة العلاوية، وذهب كما يذهب أي رئيس جمعية أو حزب إلى المؤيدين له، لكنه للأسف قوبل من المؤيدين الجمعية بما وصفته (صحيفة الصراط) متهكمة في مقالة تحت عنوان رئيسي يقول: (كيف دخل الحافظي عنابة وكيف خرج منها)([80])، وتحته عنوان فرعي يقول (دخلها متشعّب الأطماع عظيم الآمال بين الشّكّ واليقين وخرج منها مُنكسر الخاطر بخُفّ حُنين)، وتحت هذين العنوانين الممتلئين بالإثارة كتبت تصف ما حصل بنبرة ممتلئة بالتهكم والسخرة والحقد مقالا طويلا هذا بعض ما جاء فيه: (وما جاء ضُحى الغد حتّى شاع وذاع أنّ الإذن قد دُبّر له بإلقاء خطاب في الجامع الكبير فانتشرت شيعة العليوي في البلد لدعوة النّاس فضلا عن إطلاق برّاح , وما طرق هذا النّبأ أسماع رجال بونة الأحرار وحظرت ساعة الحافظي المُعيّنة حتّى هرعوا إلى المسجد من كلّ فوج على مُختلف طبقاتهم فغصّت أفنيته واكتضّت رحابه.. شرع الحافظي في إعادة سرد الآيات , وفي تلك الأثناء سمعنا صوتا من سدّة المسجد: (فاقوا)، فدخلت أوجه الشيعة المُتهلّلة وشيخهم في طور الاصفرار وانكشف لهم ما وراء السّتار وذهل الحافظي، فأشير عليه بالتّمادي وما كاد يفوه بكلمات بعد سرد الآيات حتّى ارتفعت الأصوات بالسّخط عليه وعلى شيخه العليوي من كلّ جانب وأُسمع أيضا ألفاظا بذيئة.. وفي الحال نادى مناد أيّها النّاس الخروج الخروج فائتمروا مُبادرين وتجمهروا بصحن المسجد وخارجه محيطين به من كلّ جانب وعلا الضجيج: (أخرجوه أخرجوه أخرجوا الحافظي أخرجوا بائع الذّمّة أخرجوا نصير العليوي وخديمه), عند ذاك شاهد الموت الأحمر بعينيه فانقلب فرحه ترحا وسروره غمّا وصار يُفكّر في الخروج من هذا المأزق وإلى أين الفرار وكيف النّجاة فبادر العليويون إلى الكوميساريّة وأعوانها.. وبقي مُختفيا بالمسجد هُنيهة حتّى قدم بعض الأعوان مع رئيسهم فأخرج محروسا بهم تعلوه الكآبة مُنتقع اللّون مُرتجف الفؤاد, وما تخطّى باب المسجد حتّى دخل في دور الطّماطم والبيض وحتّى الهندي رغما عن كونه مُحاطا بالأعوان ودفاعهم , ولنكتف عن ما وراء هذا بما نشرته الصّحف الفرنسويّة والعربيّة.. وبعد فراره في سيّارة أحضرت لهذا المهم.. فأمطرت عليها حجارة من سجّيل وكثر الصّياح والضّجيج حولها مُدّة سيرها إلى فرع الزّاوية العليويّة بقي بها مُستترا تحرسه شيعته حتّى أتاه على السّاعة الحادية أو الثّانية عشرة ليلا أمر رسمي يقتضي عدم السّماح له بالمبيت فيها فغادرها حالا غير مأسوف عليه إلى قرية مندوفي قانعا من الغنيمة بالإياب)([81])

والعجيب أن الصحيفة الرسمية للجمعية، والتي نقلت هذا الخبر بطريقة ممتلئة بالإثارة، لم تنتبه إلى أن هؤلاء الذين أخرجوا الحافظي من المسجد، ومنعوه من الكلام، ورموه بما رموه به لم يكن لأجل أفكار طرحها لم تكن مقبولة لديهم، فالرجل بمجرد بدئه بقراءة القرآن كمقدمة لحديثه بدأ الإنكار عليه كما تنقل الصحيفة.

وفي هذا رسالة واضحة تدعو من خلالها الجمعية إلى عدم سماع الآخر، بل المباردة لطرده ورميه بالطماطم والبيض والهندي كما فعل بالحافظي، لأن الصحيفة وصفت هؤلاء الذين قاموا بذلك بكونهم (أحرار عنابة)

ونحن في هذا الموقف – مع إنكارنا لكثير من الأساليب القمعية التي مارسها المستعمر الفرنسي مع الشعب الجزائري – إلا أنا لا نستطيع أن ننكر عليه إغلاق مثل هذه الصحيفة الداعية إلى الفتنة والشغب الذي لا مبرر له.

بل إن الجمعية في صحفها الرسمية لم تكتفي بتشجيع العنف المحلي، بل راحت تشجع العنف الذي مارسه الوهابيون، وغيروا على أساسه معالم التاريخ الإسلامي التي كانت محفوظة لأجيال طويلة في الجزيرة العربية.

فقد ذكر الزاهري في صحيفة الشريعة النبوية، وهي صحيفة رسمية للجمعية، ما فعله الوهابيون بالأضرحة وغيرها في الحجاز مؤيدا، وذلك في بعض قصصه في الشريعة، حيث قال: (.. وأما القباب المهدومة فإن الحكومة العربية الإسلامية السعودية قد أحسنت كثيرا إلينا معشر الحجاج؛ فإنها بذلك قد وجهت وجهتنا كلها إلى الله وحده فأقبلنا عليه تعالى بأفئدتنا وقلوبنا وبأسماعنا وأبصارنا وكان حجنا إليه خالصا وكنا نقضي مناسكنا مخلصين له الدين، ولولا ذلك لتوزعت نياتنا، ولكان لنا في حجنا من هذا القباب شركاء مع الله على أننا ذهبنا بنية أن نحج إلى بيت الله الحرام ونزور قبر سيد الوجود صلى الله عليه وآله وسلم ولم تكن نيتنا أن نحج إلى تلك القباب المنصوبة أو المهدومة ولو لم يكن ذلك مرادنا لما حملنا أنفسنا مشقة السفر إلى الحجاز ولاكتفينا بزيارة هذه القباب التي ملأت علينا بلادنا سهولها وجبالها فمن منا يصعد جبلا أو يهبط أرضا أو يقطع واديا دون أن يجد كثيرا من القباب و((المزارات))؟ وإني أعتقد أن بعض المطوفين في الحجاز هم أيضا يهولون من أمر هذه القباب المهدومة, ويبالغون في تعظيمها ويكثرون من التأسف عليها ويصفونها بعبارات مؤثرة تبعث في أنفس الحجاج الحسرة والأسى وتسثتير حزنهم على ذهابها وحنقهم على هادمها (!!) يقول المطوف للحاج مثلا: هنا كانت قبة سيدنا فلان صفتها كيت وكيت, وهدمها الملك! وهنالك في موضع كذا كانت قبة سيدتنا فلانة, ويصف هذه القبة بأروع الصفات وأجمل النعوت, ثم يقول له: وقد هدمها الملك أيضا! فيظن الحاج المسكين أنه بذهاب هذه القباب قد فاته خير كثير.. ولو أن الحكومة العربية السعودية قد نظرت في أمر هؤلاء المطوفين الذين يشوهون سمعتها عند الحجاج فوضعت لهم نظاما كالنظام الذي وضعته كثير من حكومات أروبا للأدلاء والمترجمين الذين يرافقون السواحين الذين يزورون بلادها لحسنت سمعتها ولقضت على هذا النكير الذي يثيره عليها الجامدون من المسلمين ولسلمت من هذه التهم والأقاويل التي تشاع عنها في كثير من بلاد الإسلام ولعلها فاعلة إن شاء الله)

بل إن الجمعية لم تكتف بتشجيع ما فعله الوهابيون في الحجاز، وإنما راحت تشجع ما يفعله الوهابيون في الجزائر، أو تنشئ وهابيين جدد في الجزائر، وكمثال على ذلك ما ورد في صحيفة الشريعة النبوية في عددها الثاني، فقد جاء فيه تحت عنوان (داعية السنة في جبل أوراس) هذا الخبر: (جاءنا كتاب من بعض سكان هذا الجبل يثنون فيه على ما قام به الأخ الشيخ المسعود بن علي من مقاومة الشركية الكبرى المنتشرة في جهات عديدة من القطر وهي الشجرة التي تزار وتقام حولها الزردات وتذبح لها الذبائح وتنذر لها النذور وتدعى بالشجرة أم الخبوط. فقد كانت عندهم شجرة عظيمة من هذا النوع, فقام الشيخ بوعظ الناس وإرشادهم وتذكيرهم بالقرآن العظيم والأحاديث النبوية حتى أقلعوا عنها وتأسف الذين كاتبونا على أن لم يكن غير هذا الشيخ يقوم بمثل ما قام به.. نحن نشكر لهذا الأخ عمله جازاه الله بأحسن الجزاء ونذكر غيره من جميع الإخوان أهل العلم أن يقوموا في نواحيهم بمثل ما قام به فإن الأمة متهيئة لسماع الحق وقبوله وإن لكلام الله تعالى وحديث نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من فم مرشد مخلص حكيم لأبلغ الأثر في القلوب وأنجح الدواء للنفوس, وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)([82])

وهذا من أكبر الأدلة على مدى الصلة الرابطة بين الجمعية والفكر الوهابي المتطرف، والذي لم يكتف بالعنف اللفظي، بل راح يضم إليه العنف بكل أصنافه.

خاتمة الفصل

من النتائج المهمة التي يمكننا استخلاصها من هذا الفصل:

1 ــ بما أن كلا من الجمعية والطرق الصوفية تنتمي إلى مدارس خاصة لها امتدادها في العالم الإسلامي، فقد كان لذلك أثره في التهم المتبادلة بين الطرفين، وهذا ما جعلنا نعود إلى الجذور الفكرية التي ينتمي إليها كلا من الجمعية والطرق الصوفية عند سرد التهم المتبادلة.

2 ــ رأينا، ومن خلال استقراء أصول التهم التي وجهتها الجمعية للطرق الصوفية انحصارها في: ــ تهمة البدعة والخرافة ــ تهمة الكفر والشرك  ــ تهمة ابتزاز الأموال ــ تهمة مداهنة الاستعمار ولكل تهمة من هذه التهم فروعها المرتبطة بها.

3 ــ تعتبر تهمة التعبد بالبدعة والخرافة من أشهر التهم التي وجهتها الجمعية للطرق الصوفية، وأكثرها طرحا، حتى صارت لفظة (الطرق) لا تذكر إلا مقرونة بكلمة البدع، وهي من التهم التي اتفق عليها المعتدل والمتشدد من أعضاء الجمعية، وليس الفرق بينهما إلا في التعميم، فبينما نرى المتشددون يرمون كل أفعل الطرق بالبدعة والخرافة وما يستتبع ذلك من البعد عن الكتاب والسنة، نرى المعتدلين أقل حدة في هذه الجوانب، فلا يعممون أحكامهم.

4 ــ تعتبر تهمة وقوع الطرق الصوفية في الكفر والشرك من أخطر التهم التي لم تصبها جمعية العلماء على مشايخ الطرق الصوفية فقط، وإنما صبتها على العوام أيضا، وهي نتيجة حتمية للتأثر المبالغ فيه من طرف علماء الجمعية بالتيار الوهابي الجارف، والذي لم يستنكف عن تكفير العوام بحجة أنهم – لزيارتهم الأضرحة أو تعلقهم بالصالحين – قد وقعوا في الشرك الجلي.

5 ــ تعتبر تهمة ابتزاز الطرق الصوفية الأموال من أكثر التهم ورودا عند أعضاء الجمعية جميعا – على حسب ما نعلم- لأنهم يعتبرون الهدف الأساسي من الطرق هو استغلال أموال المريدين لمصالحهم الشخصية، بل يعتبرون أنه لولا ما يدر به المريدون والعوام من أموال على الزوايا ومشايخ الطرق لما بقيت هذه الطرق.

6 ــ تعتبر تهمة مداهنة الطرق الصوفية الاستعمار من التهم المشتهرة، والتي لا تزال تتداول على الرغم من أن أكثر المقاومات كانت من رجال الطرق الصوفية، ولكن ذلك – مع ذلك- لا يشفع لهم عند أكثر الباحثين، نظرا لبعض التصريحات التي أدلوا بها، والتي تنسخ جميع ما قاموا به من أعمال تدل على غيرتهم على وطنهم، مع أن الكثير من أمثال تلك التصريحات صدرت من رجال الجمعية، ووجدت التبريرات التي تسيغها.

7 ــ تنطلق الطرق الصوفية في تعاملها مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من وصف يتكرر كثيرا، ويعتبر بوابة لكل التهم التابعة له، وهي كون جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ليست سوى فرع من فروع الوهابية في الجزائر، وقد ذكرنا في الفصول السابقة أسباب هذه التهمة، وما يصح منها، وما لا يصح.

8 ــ أن هذا الاسم الذي أعطته الطرق الصوفية للجمعية هو الذي يسر عليها إسداء ما تشاء من التهم إليها، ذلك أن الشيخ محمدا بن عبد الوهاب وأتباعه قد لقوا من العالم الإسلامي منذ ظهور حركتهم حربا شعواء، وألفت في الرد عليه وعليهم المصنفات الكثيرة، والتي كان يصل أكثرها إلى زوايا الطرق الصوفية، فيجدون فيها القواسم الكثيرة المشتركة بين كلتا الحركتين، ولعل هذا ما يسر لظهور المؤلفات الكثيرة في الرد على ما تطرحه الجمعية على الطرق الصوفية من إشكالات وتهم.

9 ــ رأينا من خلال استقراء التهم الموجهة من طرف الطرق الصوفية للجمعية، أو للحركة الوهابية أنها أربع تهم كبرى، هي: تهمة الجهل والغرور، وتهمة المسارعة إلى التكفير، وتهمة إنكار الولاية وما يترتب عليها، تهمة العنف في التعامل مع الآخر.


([1])  سنرى بعض تلك المصنفات عند الحديث عن مؤلفات الطرق الصوفية في الرد على الجمعية.

([2])  ابن عليوة، القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف، ص21.

([3])  ابن عليوة، القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف، ص21.

([4])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص173.

([5])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص193.

([6])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص202.

([7])  (تهكم المقلدين)، ق5، نقلا عن: الشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف، دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، وقد ذكر أن هذه الرسالة لا تزال مخطوطة في مكتبة الجامعة الملكية في تبونجن بألمانيا.

([8])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، ص24.

([9])  النص كما وجدته في إيقاظ الهمم شرح متن الحكم (ص: 190) هو قوله: (كان شيخ شيخنا رضي الله عنه إذا ذكر من تقدم له في العربية يقول له أنت اترك شيئاً من عربيتك وأنا أترك شيئاً من جبليتي، يعني من اللغة الجبلية، ونلتفت للطريق، والحاصل أن من اجتمع فيه الحال وفصاحة المقال فهو كمال الكمال، وذلك لأنه ينتفع بكلامه بعدموته كالغزالي والشترى والشاذلي والمرسي والشيخ رضي الله عنهم، فقد عظم النفع بكلامهم)

([10])  ابن عليوة، المنح القدوسية، ص20.

([11])  ابن عليوة، المنح القدوسية، ص21.

([12])  ( نصيحة ثمينة وموعظة عظيمة إليكم يا حضرة ابن باديس)، البلاغ الجزائري، ع: 301، السنة الثامنة، الجزائر: 28 ربيع الأول. 1352 ه، 21 جويلية 1933.

([13])  الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان، الرسالة التاسعة، (نواقض الإسلام)، موسوعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص  385 ـ 387.

([14])  الشيخ القباني، فصل الخطاب في رد ضلالات ابن عبد الوهاب، ق61 (نقلا عن: الشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف، دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص233)

([15])  (مصباح الأنام)، ص5. (نقلا عن: الشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف، دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص156)

([16])  المرجع السابق، ص 234.

([17])  الفجر الصادق في الرد على منكري التوسل والكرامات والخوارق، ص 51 باختصار (نقلا عن: الشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف، دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص2346)

([18])  كشف الارتياب، ص 170. (نقلا عن: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص235)

([19])  الشيخ القباني، فصل الخطاب في رد ضلالات ابن عبد الوهاب، ق61. (نقلا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص237)

([20])  النقول الشرعية، ص 100. (نقلا عن دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص234)

([21])  جواب ابن عفالق على رسالة ابن معمر، ق60. (نقلا عن: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص234)

([22])  الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، ص 6. (نقلا عن: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص237)

([23])  المرجع السابق، ص 7. (نقلا عن: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص237)

([24])  الشيخ القباني، فصل الخطاب في رد ضلالات ابن عبد الوهاب، ق61. (نقلا عن: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص237)

([25])  مصباح الأنام، ص 44. (نقلا عن: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص237)

([26])  سعد الشريف، الــوهــابــيــّـة: مـذهـب الـكـراهـيـة، مـشـايــخ الـتـكـفـيـــر، الجزء الخامس ـ 2، مجلة الحجاز الإلكترونية على هذا الرابط (http://www.alhejazi.net/qadaya/0310802.htm)

([27])  نقلا عن: منارات من شهاب البصائر (آثار الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي) للدكتور أحمد عيساوي، ص93..

([28])  المرجع السابق، ص93.

([29])  المرجع السابق، ص94.

([30])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 173)

([31])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 173)

([32])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص21.

([33])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص21.

([34])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص25.

([35])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص25.

([36])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص74.

([37])  إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، الموافقات، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م، (5/ 171)، وانظر: ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص26.

([38])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص26.

([39])  صحيح البخاري (1/ 41)

([40])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص9.

([41])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص10.

([42])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص10.

([43])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص10.

([44])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص29.

([45])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص11.

([46])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص32.

([47])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص59.

([48])  لم أجد النص في كتب ابن القيم كما ذكر الشيخ، ووجدته في مجموع الفتاوى لابن تيمية، (انظر: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، مجموع الفتاوى، تحقيق: أنور الباز – عامر الجزار، دار الوفاء، الطبعة : الثالثة، 1426 هـ / 2005 م، (11/ 19)

([49])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص59.

([50])  محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق : محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الثانية، 1393 – 1973، (1/ 225)

([51])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص62.

([52])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص62.

([53])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص62.

([54])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص63.

([55])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص63.

([56])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص65.

([57])  صحيح البخاري (4/ 211)

([58])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص65.

([59])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص65.

([60])  رسالة ابن عفالق لابن معمر ق 45، 46 (هكذا نقل ابن عفالق العبارة)، (نقلا عن: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص249)

([61])  رسالة ابن عفالق لابن معمر ق 45، ، (نقلا عن: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص249)

([62])  المرجع السابق ق 46. ، (نقلا عن: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص249)

([63])  المرجع السابق ق 52 . ، (نقلا عن: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص250)

([64])  تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، الفتاوى الكبرى، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا – مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1408هـ – 1987م، (2/ 448)

([65]) ذكر ابن القيم هذا الحديث في (مدارج السالكين)، وعزاه إلى السنن من حديث عقبة بن عامر. انظر: (مدارج السالكين) 1/345، ولم أجده .

([66])  (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) ص 8، 9. ، (نقلا عن: دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص156)

([67])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص76.

([68])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص67.

([69])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص69.

([70])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص69.

([71])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص71.

([72])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص72.

([73])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص72.

([74])  مجلة المنار (8/ 453)

([75])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص72.

([76])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص72.

([77])  مجلة المنار (8/ 379)

([78])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص73.

([79])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص75.

([80])  جريدة الصراط السوي، العدد (05). 26 جمادى الثانية 1352هـ. ص 07.

([81])  جريدة الصراط السوي، العدد (05). 26 جمادى الثانية 1352هـ. ص 07.

([82])  جريدة الشريعة النبوية المحمدية، العدد 2، ص5.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *