المبحث الثالث: المنهج المذاهبي

المبحث الثالث

المنهج المذاهبي

نريد بالمنهج المذاهبي المنهج الذي يتميز أصحابه بثلاث خصائص:

الأولى: أنهم لا يرون ضرورة الالتزام بالمذهب الواحد، على عكس أصحاب المنهج المذهبي.

الثانية: أنهم يرون صعوبة الاجتهاد أو سد بابه، ولهذا لا يرون ضرورة العودة إلى النصوص مباشرة لاستنباط الأحكام منها، على خلاف المنهج الاستدلالي.

الثالثة: وهي التي على أساسها اكتسبوا هذا الوصف، وهي أنهم يرون أن كل ما كتبه الفقهاء سواء كانوا من أتباع المذاهب الأربعة أو غيرهم، يمكن الاعتماد عليه والرجوع إليه، إما لاعتبارهم أن كل مجتهد في الفروع مصيب، أو أن المصيب واحد ولكن لا نستطيع أن نعينه.

وبناء على هذا فإن المفتي على حسب هذا المنهج يبحث في كل التراث الفقهي عن المسألة التي سئل عنها، ويورد الأقوال فيها ليترك للمستفتي حرية الاختيار بينها.

بناء على هذا سنعرض هنا – باختصار شديد – لمثل ما عرضنا إليه في المبحثين السابقين من أعلام هذا المنهج الذين يمثلونه وأدلتهم والمنهج أو الآليات التنفيذية التي يعتمدون عليها في الفتوى.

أولا ـ أعلامه:

على عكس ما ذكرنا في المنهج السابق، فإن عدد المتبنين لهذا المنهج في الواقع الإسلامي، طيلة التاريخ الإسلامي محدود جدا، لأنه لا ينطبق إلا على القائلين بأن كل مجتهد في الفروع مصيب، وعدد هؤلاء محدود جدا.

وقد ذكر السيوطي في رسالته التي وضعها لنصرة هذا المنهج، والتي أسماها بـ (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب) أن (ترجيح القول بأن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله في كل واقعة تابع لظن المجتهد، هو أحد القولين للأئمة الأربعة، ورجحه القاضي أبو بكر، وقال في (التقريب): الأظهر من كلام الشافعي، والأشبه بمذهبه ومذهب أمثاله من العلماء القول بأن كل مجتهد مصيب، وقال به من أصحابنا: ابن سريج، والقاضي أبو حامد، والداركي، وأكثر العراقيين، ومن الحنفية: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبو زيد الدبوسي، ونقله عن علمائهم جميعاً)([1])

ولكن مع ذلك، وفي الفروع الفقهية المختلفة يمكن أن نجد الكثير من الفقهاء المتبنين لهذا المنهج:

فالشيخ عبد الوهاب الشعراني – مثلا – مع كونه شافعي المذهب، يمكن اعتباره من أعلام هذا المنهج، فقد سلك مسلكا في إرجاع مسائل الخلاف الفقهي إلى الوفاق، بأن حمل كل قول من أقوال المختلفين على حال من أحوال المكلفين، وقد بنى كتابه (الميزان) على هذا المبدأ الذي عبر عنه بقوله: (إن الشريعة المطهرة قد جاءت من حيث الامر والنهي: على مرتبتين: تخفيف وتشديد، لا على مرتبة واحدة، كما يظنه غالب الناس، ولكل من المرتبتين رجال في حال مباشرتهم للتكاليف، فمن قوي منهم خوطب بالعزيمة والتشديد الوارد في الشريعة صريحا، أو المستنبط منها في مذهبه أو غيره، ومن ضعف منهم: خوطب بالرخصة والتحقيق الوارد في الشريعة صريحا أو مستنبطا منها في مذهبه أو غيره. فلا يؤمر القوي بالنزول إلى مرتبة الرخصة، مع قدرته على فعل العزيمة، ولا يكلف الضعيف بالصعود إلى مرتبة العزيمة، مع عجزه عنها، فالمرتبتان على الترتيب الوجودي، لا على التخيير)([2])

 ومثله ابن القيم، فمع كونه من علماء، بل من أعيان المنهج الاستدلالي إلا أنه في بعض المسائل يميل إلى هذا المنهج، وقد أشار إلى هذا، بل اعتمده ـ مع قوله بعدم صحة اعتبار أن كل مجتهد مصيب ـ عند بيانه لمخارج الطلاق، فقد عقد فصولا مهمة للمخارج من الوقوع في التحليل، قال في مقدمتها:(أي قول من أقوال المسلمين خرج به من لعنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أعذر عند الله ورسوله وملائكته وعباده المؤمنين من ارتكابه لما يلعن عليه ومباءته باللعنة)([3])

ثم ذكر مصدره الذي اعتمده لاستنباط هذه المخارج، فقال: (فإن هذه المخارج التي نذكرها دائرة بين ما دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما أو أفتى به الصحابة بحيث لا يعرف عنهم فيه خلاف، أو أفتى به بعضهم، أو هو خارج عن أقوالهم، أو هو قول جمهور الأمة أو بعضهم أو إمام من الأئمة الأربعة، أو أتباعهم أو غيرهم من علماء الإسلام، ولا تخرج هذه القاعدة التي نذكرها عن ذلك، فلا يكاد يوصل إلى التحليل بعد مجاوزة جميعها إلا في أندر النادر، ولا ريب أن من نصح لله ورسوله وكتابه ودينه، ونصح نفسه ونصح عباده أن أيا منها ارتكب فهو أولى من التحليل)([4])

ثانيا ـ أدلته:

يستند أصحاب هذا المنهج إلى أدلة كثيرة نلخص أهمها فيما يلي:

الدليل الأول:

اعتبار أن الخلاف الفقهي الحاصل في الأمة خلاف رحمة وتوسعة على عكس ما يرى أصحاب المنهج الأول، يقول السيوطي في كتابه (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب): (اعلم أن اختلاف المذاهب في الملة نعمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة؟ ! ومن العجب أيضاً من يأخذ في تفضيل بعض المذاهب على بعض تفضيلاً يؤدي، إلى تنقيص المفضل عليه وسقوطه، وربما أدى إلى الخصام بين السفهاء، صارت عصبية وحمية الجاهلية، والعلماء منزهون عن ذلك. وقد وقع الاختلاف في الفروع بين الصحابة (رضى الله عنهم وأرضاهم)، وهم خير الأمة، فما خاصم أحد منهم أحداً، ولا عادى أحد أحداً، ولا نسب أحد أحداً إلى خطأ ولا قصور)([5])

ولهذا نرى أعيان هذا المنهج– على عكس المنهج الأول – يدافعون عن حديث (اختلاف أمتي رحمة)([6])، وقد نقل النووي عن الخطابي قوله: (وقد اعترض على حديث: اختلاف أمتي رحمة رجلان: أحدهما مغموض عليه في دينه، وهو عمر بن بحر الجاحظ، والآخر معروف بالسخف والخلاعة، وهو إسحاق بن إبراهيم الموصلي؛ فإنه لما وضع كتابه في الأغاني، وأمكن في تلك الأباطيل لم يرض بما تزود من إثمها حتى صدر كتابه بذم أصحاب الحديث، وزعم أنهم يروون ما لا يدرون، وقال هو والجاحظ: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابا، ثم زعم أنه إنما كان اختلاف الأمة رحمة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة؛ فإذا اختلفوا سألوه، فبين لهم والجواب عن هذا الاعتراض الفاسد: أنه لا يلزم من كون الشيء رحمة أن يكون ضده عذابا، ولا يلتزم هذا ويذكره إلا جاهل أو متجاهل. وقد قال الله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }([7])، فسمى الليل رحمة، ولم يلزم من ذلك أن يكون النهار عذابا، وهو ظاهر لا شك فيه. قال الخطابي: والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام: أحدها: في إثبات الصانع ووحدانيته، وإنكار ذلك كفر، والثاني: في صفاته ومشيئته، وإنكارها بدعة، والثالث في أحكام الفروع المحتملة وجوها، فهذا جعله الله تعالى رحمة وكرامة للعلماء، وهو المراد بحديث: اختلاف أمتي رحمة)([8])

ومثل ذلك ما استدل به السيوطي في رسالته (جزيل المواهب) بقوله: (روى البيهقي في المدخل بسنده عن ابن عباس – -، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مهما أوتيتم من كتاب الله تعالى، فالعمل به لا عذرَ لأحدٍ في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله تعالى، فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني، فما قال أصحابي. إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة)([9])

ثم علق عليه بقوله: (في هذا الحديث فوائد: إخباره صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف المذاهب بعده في الفروع، وذلك من معجزاته؛ لأنه من الإخبار بالمغيبات، ورضاه بذلك، وتقريره عليه، ومدحه له حيث جعله رحمة، والتخيير للمكلف في الأخذ بأيها شاء من غير تعيين لأحدها، واستنبط منه أن كل المجتهدين على هدي، فكلهم على حق، فلا لوم على أحد منهم، ولا ينسب إلى أحد منهم تخطئة، لقوله: (فأيما أخذتم به اهتديتم)، فلو كان المصيب واحداً، والباقي خطأ، لم تحصل الهداية بالأخذ بالخطأ)([10])

وذكر في موضع آخر بعض وجوه الرحمة في الخلاف الفقهي الحاصل في الأمة، فقال: (فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الأمة خصيصة فاضلة لهذه الأمة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة، فكانت الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبعث أحدهم بشرع واحد، وحكم واحد، حتى إنه من ضيق شريعتهم لم يكن فيها تخيير في كثير من الفروع التي شرع فيها التخيير في شريعتنا؛ كتحريم القصاص في شريعة اليهود، وتحتم الدية في شريعة النصارى، ومن ضيقها أيضاً: لم يجتمع فيها الناسخ والمنسوخ ليعمل بهما معاً في هذه الملة في الجملة، فكأنه عمل فيها بالشرعين معاً، ووقع فيها التخيير بين أمرين شرع كل منهما في ملة، كالقصاص والدية، فكأنها جمعت الشرعين معاً، وزادت حسناً بشرع ثالث، وهو التخيير الذي لم يكن في أحد الشريعتين. ومن ذلك: مشروعية الاختلاف بينهم في الفروع. فكانت المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة، كل مأمور بها في هذه الشريعة، فصارت هذه الشريعة كأنها عدة شرائع بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجميعها. وفي ذلك توسعة زائدة لها، وفخامة عظيمة لقدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخصوصية له على سائر الأنبياء، حيث بعث كل منهم بحكم واحد، وبعث هو صلى الله عليه وآله وسلم في الأمر الواحد بأحكام متنوعة، يحكم بكل منها وينفّذ، ويصوب قائله، ويؤجر عليه، ويهدي به) ([11])

الدليل الثاني:

ما ورد من الآثار من اعتبار الخلاف توسعة ورحمة ومن ذلك ما ذكره الحافظ ابن عبد البر عن رجاء بن جميل قال: اجتمع عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، فجعلا يتذاكران الحديث، قال: فجعل عمر يجيء بالشيء يخالف فيه القاسم قال: وجعل ذلك يشق على القاسم حتى تبين فيه فقال له عمر: (لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم)([12])

وروى عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنه قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: (ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولا واحدا كان الناس في ضيق وإنهم أئمة يقتدى بهم، ولو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة)([13])

وروى عن أسامة بن زيد قال: سألت القاسم بن محمد، عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه فقال: (إن قرأت فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة، وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة)([14])

وروى عن يحيى بن سعيد قال: (ما برح المستفتون يستفتون فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحلل هلك لتحليله، ولا يرى المحلل أن المحرم هلك لتحريمه)([15])

ونحب – من باب الأمانة العلمية – أن ننبه هنا إلى أن ابن عبد البر مع روايته لهذه الآثار إلا أنه رجح خلافها، باعتباره كان يدعو الى المنهج الاستدلالي، فقد قال تعقيبا عليها بعد روايته لها: (هذا مذهب القاسم بن محمد ومن تابعه وقال به قوم، وأما مالك والشافعي ا، ومن سلك سبيلهما من أصحابهما وهو قول الليث بن سعد، والأوزاعي، وأبي ثور وجماعة أهل النظر أن الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب، والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول على الصواب منها وذلك لا يعدم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا لم يبن ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد واستعمل عند إفراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك)([16]) هذا حال من لا ينعم النظر ولا يحسنه وهو حال العامة التي يجوز لها التقليد فيما نزل بها وأفتاها بذلك علماؤها، وأما المفتون فغير جائز عند أحد ممن ذكرنا قوله لأحد أن يفتي ولا يقضي إلا حتى يتبين له وجه ما يفتي به من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو ما كان في معنى هذه الأوجه)([17])

الدليل الثالث:

هو ما ذكره القائلون بأن كل مجتهد مصيب من أدلة، وقد بسط الغزالي القول فيها، وأجاب عن الشبهات التي أوردها المخالفون، وقد قال بعد ذكره للخلاف في المسألة: (والمختار عندنا وهو الذي نقطع به ونخطئ المخالف فيه أن كل مجتهد في الظنيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين لله تعالى)([18])

وقد أجاب على ما يورده المخالفون من أصحاب المناهج الأخرى من (أن هذا المذهب في نفسه محال، لأنه يؤدي إلى الجمع بين النقيضين، وهو أن يكون قليل النبيذ مثلا حلالا حراما والنكاح بلا ولي صحيحا باطلا، والمسلم إذا قتل كافرا مهدرا ومقادا إذ ليس في المسألة حكم معين وكل واحد من المجتهدين مصيب)([19]) بالتنبيه إلى نوع الخطاب بالحكم الشرعي، فهو ليس – كما يعتقده الكثير من الناس – من أنه يتعلق بالأعيان، بل إن الشرع علقه بأفعال المكلفين، فلذلك لا يتناقض أن يحل لزيد ما يحرم على عمرو، فالمرأة تحل للزوج وتحرم على الأجنبي، والميتة تحل للمضطر دون المختار، والصلاة تجب على الطاهر وتحرم على الحائض.

والتناقض الحقيقي ليس في هذا، وإنما هو أن يجتمع التحليل والتحريم في حالة واحدة لشخص واحد في فعل واحد من وجه واحد، فإذا تطرق التعدد والانفصال إلى شيء من هذه الجملة انتفى التناقض، فالصلاة في الدار المغصوبة حرام قربة في حالة واحدة لشخص واحد لكن من وجه دون وجه، فاختلاف الأحوال ينفي التناقض.

وهذا عام في الأحوال المختلفة والأسباب المختلفة، ولا فرق بين أن يكون اختلاف الأحوال بالحيض والطهر والسفر والحضر أو بالعلم والجهل أو غلبة الظن، فالصلاة حرام على المحدث إذا علم أنه محدث واجبة عليه إذا جهل كونه محدثا.

وبناء على هذا نص الغزالي على وجه الورع في التزام الأقوال، فليس الورع فيها بمراعاة أعيانها، وإنما بالقناعة التي ينطلق صاحبها منها، والتي تختلف باختلاف الأحوال، يقول الغزالي: (ولو قال الشارع: يحل ركوب البحر لمن غلب على ظنه السلامة، ويحرم على من غلب على ظنه الهلاك، فغلب على ظن الجبان الهلاك، وعلى ظن الجسور السلامة حرم على الجبان وحل للجسور لاختلاف حالهما، وكذلك لو صرح الشارع وقال: من غلب على ظنه أن النبيذ بالخمر أشبه فقد حرمته عليه، ومن غلب على ظنه أنه بالمباحات أشبه فقد حللته له لم يتناقض)([20])

وبناء على هذا المثال يتوجه ما ذكرنا من اعتبار الأحوال المختلفة التي لا يجدي معها التعصب لقول بعينه.

ثم إن الغزالي – بأسلوبه الجدلي على طريقة المتكلمين – سلم للمخالفين ما أوردوه من اعتبار الحل والحرمة وصفا للأعيان، ورد بأن القول بذلك أيضا لا يتناقض مع ما ذكره، لأنه يكون من الأوصاف الإضافية، فلا يتناقض عقلا أن يكون الشخص الواحد أبا ابنا لكن لشخصين، وأن يكون الشيء مجهولا ومعلوما لكن لاثنين، وتكون المرأة حلالا حراما لرجلين، كالمنكوحة حرام للأجنبي، حلال للزوج، والميتة حرام للمختار، حلال للمضطر.

وعلى هذا المنوال نجد السيوطي يدافع عن هذه المقولة في كتبه ورسائله المختلفة، بل إنه قرر أنه من الناحية العملية، ولو مع عدم القول بهذا، فقد نص كثير من العلماء على أنه لا الإنكار في المسائل المختلف فيها، فلا يصح الإنكار على من أخذ بقول من الأقوال لأي قناعة من القناعات.

وقد نقل عن الزركشي قوله في المسألة:(الإنكار من المنكر إنما يكون فيما اجتمع عليه، فأما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد ولا نعلمه، ولم يزل الخلاف بين السلف في الفروع ولا ينكر أحد على غيره مجتهدا فيه، وإنما ينكرون ما خالف نصا أو إجماعا قطعيا أو قياسا)([21])

ومثلهما ابن عليش الذي لم يكتف بالأدلة العقلية أو النقلية، بل راح – بمنهجه الصوفي- يذكر عن بعض الصوفية كالشعراني وغيره ما يؤيد هذا القول عن طريق المكاشفة، فقال: (وسمعت([22])بعض أهل الكشف يقول: إنما يعبد الله تعالى المجتهدون بالاجتهاد ليحصل لهم نصيب من التشريع وتثبت لهم فيه القدم الراسخة فلا يتقدم عليهم في الآخرة سوى نبيهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيحشر علماء هذه الأمة وحفاظ أدلة الشريعة المطهرة العارفون بمعانيها في صفوف الأنبياء والرسل لا في صفوف الأمم، فما من نبي أو رسول إلا وبجانبه عالم من علماء هذه الأمة أو اثنان أو ثلاثة أو أكثر وكل عالم نهم له درجة الأستاذية في علم الأحكام والأحوال والمقامات والمنزلات إلى ختام الدنيا.. ومن هنا يعلم أن جميع المجتهدين تابعون للشارع في التخفيف والتشديد، فيا سعادة من أطلعه الله تعالى على عين الشريعة الأولى كما أطلعنا، ورأى أن كل مجتهد مصيب ويا فوزه وكثرة سروره إذا رآه جميع العلماء يوم القيامة وأخذوا بيده وتبسموا في وجهه، وصار كل واحد يبادر إلى الشفاعة فيه ويزاحم غيره على ذلك ويقول ما يشفع فيه إلا أنا ويا ندامة من قال المصيب واحد والباقي مخطئ فإن جميع من خطأهم يعبسون في وجهه لتخطئته لهم وتجريحهم بالجهل وسوء الأدب وفهمه السقيم)([23])

ثم رد على ما يورده المخالفون من الاستدلال بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر)([24]) بقوله: (الجواب أن المراد بالخطأ هنا هو خطأ المجتهد في عدم مصادفة الدليل في تلك المسألة لا الخطأ الذي يخرج به عن الشريعة؛ لأنه إذا خرج عن الشريعة فلا أجر له لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد)([25])، وقد أثبت الشارع له الأجر فما بقي إلا أن معنى الحديث أن الحاكم إذا اجتهد وصادف نفس الدليل الوارد في ذلك عن الشارع فله أجران: أجر التتبع وأجر مصادفة الدليل، وإن لم يصادف عين الدليل، وإنما صادف حكمه، فله أجر واحد وهو أجر التتبع، فالمراد بالخطأ هنا الخطأ الإضافي، لا الخطأ المطلق)([26])

ثم ختم فتواه فيها ببيان المنطلقات العقدية التي ينطلق منها أصحاب هذا المنهج، فقال – ناقلا عن الشعراوي -: (فإن اعتقادنا أن سائر أمة المسلمين على هدى من ربهم في جميع أقوالهم، وما ثم إلا قريب من عين الشريعة وأقرب وبعيد عنها وأبعد بحسب طول السند وقصره، وكما يجب علينا الإيمان بصحة جميع شرائع الأنبياء قبل نسخها مع اختلافها ومخالفة أشياء فيها لظاهر شريعتنا، فكذلك يجب على المقلدين اعتقاد صحة جميع مذاهب المجتهدين وإن خالف كلامهم ظاهر كلام إمامهم، فإن الإنسان كلما بعد عن شعاع نور الشريعة خفي مدركه ونوره وظن غيره أن كلامه خارج عن الشريعة، وليس كذلك، ولعل ذلك سبب تضعيف العلماء كلام بعضهم بعضا في سائر الأدوار إلى عصرنا هذا فتجد أهل كل دور يطعن في صحة قول بعض الأدوار التي قبله وأين من يخرق بصره في هذا الزمان جميع الأدوار التي مضت قبله حتى يصل إلى شهود اتصالها بعين الشريعة الأولى التي هي كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممن هو محجوب عن ذلك، فإن بين المقلدين الآن وبين الدور الأول من الصحابة نحو خمسة عشر دورا من العلماء فاعلم ذلك)([27])

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

يعتمد أصحاب هذا المنهج على النظر في التراث الفقهي لكل المذاهب، لغرضين:

أولهما: انتقاء ما يرونه مناسبا من الأقوال للحادثة التي يستفتون فيها، وكمثال على ذلك ما فعله ابن القيم عند ذكره لمخارج الطلاق، فقد حاول أن يستفيد من كل الخلافات الموجودة ليسد باب الطلاق، وقد نص على أنه إذا حلف بالطلاق ألا يكلم فلانا أو لا يدخل داره، فأفتاه مفت بعدم وقوع الطلاق في هذه اليمين، اعتقادا لقول علي وطاوس وشريح، أو اعتقادا لقول أبي حنيفة والقفال في صيغة الالتزام دون صيغة الشرط، أو اعتقادا لقول أشهب أنه إذا علق الطلاق بفعل الزوجة أنه لم يحنث بفعلها، أو اعتقادا لقول أبي عبد الرحمن الشافعي أجل أصحاب الشافعي إن الطلاق المعلق لا يصح كما لا يصح النكاح والبيع والوقف المعلق، وهو مذهب جماعة من أهل الظاهر.

قال ابن القيم:(لم يحنث في ذلك كله، ولم يقع الطلاق، ولو فرض فساد هذه الأقوال كلها فإنه إنما فعل المحلوف عليه متأولا مقلدا ظانا أنه لا يحنث به، فهو أولى بعدم الحنث من الجاهل والناسي، وغاية ما يقال في الجاهل إنه مفرط حيث لم يستقص، ولم يسأل غير من أفتاه، وهذا بعينه يقال في الجاهل إنه مفرط حيث لم يبحث، ولم يسأل عن المحلوف عليه، فلو صح هذا الفرق لبطل عذر الجاهل ألبتة، فكيف والمتأول مطيع لله مأجور إما أجرا واحدا أو أجرين؟)([28])

ثانيهما: ذكر الأقوال للمستفتي ليختار ما يتناسب مع حاجته، أو ليختارها جميعا إن كان يمكن الجمع بينها، ومن ذلك ما روى ابن أبي شيبة عن إبراهيم، قال: أدرك مسروق وجندب ركعة من المغرب، فلما سلم الإمام قام مسروق فأضاف إليها ركعة، ثم جلس وقام جندب فيهما جميعا، ثم جلس في آخرها فذكر ذلك لعبد الله، فقال: كلاهما قد أحسن وأفعل كما فعل مسروق أحب إلي([29]).

وكما أشرنا سابقا، فإن أصحاب هذا المنهج لا يكتفون بالمذاهب الأربعة، بل يرجعون إلى أقوال غيرهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولو لم يقل بها إمام من أئمة المذاهب الأربعة، وذلك خلافا لمنهج المذهبيين الذين يتعاملون مع المذاهب الأربعة فقط، وكأن اتفاقها إجماع يحرم خرقه، ويعتبر شاذا من لا يقول به، ثم ينتقون من أقوال هذه المذاهب ما يرونه معتمدا أو مشهورا أو عليه العمل، ويعتبرون ما عداه ضعيفا أو مهجورا مع أنه قد يهجر في زمان ليحيا في غيره، أو يضعف مع شخص ليقوى مع غيره.

وقد عقد ابن القيم لهذا فصلا في الإعلام قال فيه:(فصل: القول في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوي الصحابية، وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين، وهلم جرا وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب، وهذا حكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد فرد من المسائل، كما أن عصر التابعين، وإن كان أفضل من عصر تابعيهم فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل شخص شخص، ولكن المفضلون في العصر المتقدم أكثر من المفضلين في العصر المتأخر، وهكذا الصواب في أقوالهم أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم ; فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين)([30])

ثم بين خطأ الاقتصار في الفتوى على مذاهب المتأخرين وهجر أقوال المتقدمين مع كونها أقرب لزمن الوحي، فقال:(ولعله لا يسع المفتي والحاكم عند الله أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الأئمة ويأخذ برأيه وترجيحه ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري، وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمد بن نصر المروزي، وأمثالهم، بل يترك قول ابن المبارك والأوزاعي وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وأمثالهم، بل لا يلتفت إلى قول ابن أبي ذئب والزهري والليث بن سعد، وأمثالهم، بل لا يعد قول سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وسالم وعطاء وطاوس وجابر بن زيد وشريح، وأبي وائل وجعفر بن محمد، وأضرابهم مما يسوغ الأخذ به، بل يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلده على فتوى أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبادة بن الصامت، وأبي موسى الأشعري، وأضرابهم، فلا يدري ما عذره غدا عند الله إذا سوى بين أقوال أولئك وفتاويهم، وأقوال هؤلاء وفتاويهم، فكيف إذا رجحها عليها؟ فكيف إذا عين الأخذ بها حكما، وإفتاء، ومنع الأخذ بقول الصحابة، واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين لها، وشهد عليه بالبدعة والضلالة ومخالفة أهل العلم) ([31])


([1]) جزيل المواهب فى اختلاف المذاهب، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، تحقيق: عبد القيوم محمد شفيع البستوي، دار الاعتصام، ص35.

([2]) كتاب الميزان، أبو المواهب عبد الوهاب بن أحمد الشعراني، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن عميره، عالم الكتب، ط1، 1409هـ – 1989م، ص8.

([3]) إعلام الموقعين: 4/47.

([4]) إعلام الموقعين: 4/47.

([5]) جزيل المواهب في اختلاف المذاهب، ص 25.

([6]) انظر على سبيل المثال: فيض القدير، المناوي، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، 1356، ج 1 ص: 210.

([7]) سورة القصص: 73.

([8]) شرح النووي على صحيح مسلم، ج 4، ص 258.

([9]) جزيل المواهب، ص19.

([10]) المرجع السابق، ص20.

([11]) المرجع السابق ، ص28.

([12]) جامع بيان العلم وفضله، ج2، ص 901.

([13]) المرجع السابق ، ج2، ص 902.

([14]) المرجع السابق ، ج2، ص 902.

([15]) المرجع السابق ، ج2، ص 902.

([16]) مسند أحمد، ج29، ص 533.

([17]) جامع بيان العلم ، ج2، ص 902.

([18]) المستصفى في علم الأصول، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، تحقيق: محمد بن سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1417هـ/1997م، ص352.

([19]) المستصفى: 1/355.

([20]) المستصفى: 1/355.

([21]) المنثور في القواعد الفقهية، أبو عبد الله بدر الدين الزركشي، وزارة الأوقاف الكويتية، ط2، 1405هـ – 1985م: ج 2، ص140.

([22]) هو ينقل الكلام هنا عن الشيخ عبد الوهاب الشعراني.

([23]) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام ، مالك ، ج1، ص 97.

([24]) صحيح البخاري، ج9، ص 108، صحيح مسلم، ج3، ص 1342. َ

([25]) صحيح البخاري، ج3، ص 184، صحيح مسلم ، ج3، ص 1343.

([26]) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، ج1، ص 98.

([27]) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، ج1، ص 98.

([28]) إعلام الموقعين: ج 4، ص89.

([29]) الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، أبو بكر بن أبي شيبة، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد – الرياض، ط1، 1409، ج2، ص234.

([30]) إعلام الموقعين: 4/118.

([31]) إعلام الموقعين، ج4، ص118.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *