المبحث الأول: التهم الموجهة من جمعية العلماء للطرق الصوفية

المبحث الأول:  التهم الموجهة من جمعية العلماء للطرق الصوفية

كما عرفنا سابقا، وفي مواضع مختلفة أن من الأهداف الأساسية التي أسست لأجلها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بل أسس لأجلها التيار السلفي بنوعيه، هو مواجهة الطرق الصوفية والرد عليها ومحاربتها بكل الوسائل.

وقد ذكرنا الأدلة الكثيرة الدالة على هذا، سواء من الناحية الرسمية المتمثلة في قانون الجمعية، أو من خلال تصريحات أعضاء الجمعية، وقد عرفنا أن الخلاف بين أعضاء الجمعية في هذا ليس إلا في طريقة التعامل مع المخالف أو في بعض القضايا الفرعية.

بناء على هذا، فإنا سنحاول في هذا المبحث أن نطرح التهم التي على أساسها قررت الجمعية إعلان الحرب على الطرق الصوفية، بل تقديم الحرب عليها على حرب الاستعمار نفسه.

وقد عبرنا عن هذه المواقف بكونها (تهما) بناء على التصريحات التي بثها رجال الجمعية، وهي تهم من جهة أنها تفتقر إلى الدليل، أو أن الدليل قد يختلف فيه، وبالتالي تبقى تهما مهما كان، خلافا لبعض الباحثين الذين يتصورون أن ما تقوله الجمعية حقائق لا انفكاك عنها، والأمر ليس كذلك، كما أن الأمر بالنسبة للمخالفين ليس كذلك.

وكمثال بسيط على ذلك أن الكثير من المواقف من الطرق الصوفية يعتمد فيها هؤلاء الباحثون على عدو الطرق الأكبر الشيخ الزاهري، فإذا اعتبر الزاهري الشيخ ابن عليوة أميا قبلوه ونشروا أقواله واعتبروها، لكنه إن تكلم عن الشيخ الإبراهيمي، ووصفه بأدنى مما وصف ابن عليوة، نجدهم يستنكرون موقفه، ويعتبرونه عميلا وخائنا وأوصاف كثيرة.

ونحن نقول لهؤلاء (الباحثين): حددوا موقفكم بدقة، فإن كان الزاهري خائنا، فلا تجوز شهادته، لا على ابن عليوة، ولا على الإبراهيمي، وإن لم يكن خائنا، فلماذا لا تقبلون شهادته في الإبراهيمي كما قبلتموها في ابن عليوة.. أما إن قلتم: إنه كان مخلصا في وقت انضمامه للجمعية خائنا بعد خروجه منها، فهذا يفتقر إلى أدلة كثيرة لا يمكن لبشر أن يأتي بها، لأنها تتعلق بالسرائر، ولا يعلم السرائر إلا الله.

بناء على هذا، فقد رأينا، ومن خلال استقراء أصول التهم التي وجهتها الجمعية للطرق الصوفية انحصارها فيما يلي:

1 ــ تهمة البدعة والخرافة

2 ــ تهمة الكفر والشرك

3 ــ تهمة ابتزاز الأموال

4 ــ تهمة مداهنة الاستعمار

ولكل تهمة من هذه التهم فروعها المرتبطة بها.

وقد حاولنا في هذا المبحث أن نذكر التهم، ونربطها بالتوجه الفكري للجمعية، مع ذكر الأدلة الدالة عليها، أو الأدلة الناقضة لها في حال كون الاتهام باطلا في تصورنا.

وقد وضعنا لكل تهمة مطلبا خاصا بها.

المطلب الأول: تهمة التعبد بالبدعة والخرافة

وهي أشهر التهم، وأكثرها طرحا، حتى صارت لفظة (الطرق) لا تذكر إلا مقرونة بكلمة البدع، وهي من التهم التي اتفق عليها المعتدل والمتشدد من أعضاء الجمعية، وليس الفرق بينهما إلا في التعميم، فبينما نرى المتشددون يرمون كل أفعل الطرق بالبدعة والخرافة وما يستتبع ذلك من البعد عن الكتاب والسنة، نرى المعتدلين أقل حدة في هذه الجوانب، فلا يعممون أحكامهم.

وبما أنا سنتناول بتفصيل الفروع المرتبطة بما تعتبره الجمعية بدعة أو خرافة من سلوك الصوفية أو عرفانها، فإنا سنقتصر هنا على التصريحات الرسمية أو الشخصية الدالة على هاتين التهمتين:

أولا ــ البدعة:

صرحت الجمعية عند بيانها لأهدافها وغاياتها من حركتها الإصلاحية أن من لب أهدافها مواجهة ما تسميه ببدعة الطرق الصوفية، فقد نصت المادة السادسة عشر على أن (الأوضاع الطرقية بدعة لم يعرفها السلف ومبناها كلها على الغلو في الشيخ والتحيز لاتباع الشيخ وخدمة دار الشيخ وأولاد الشيخ إلى ما هناك من استغلال ومن تجميد للعقول وإماتة للهمم وقتل للشعور وغير ذلك من الشرور)([1])

ومن خلال تتبع منهج الجمعية في تعاملها مع الطرق الصوفية في هذا الجانب يمكن أن نلاحظ بعض الملاحظات:

1 ــ انعدام الطرح العلمي:

فمع أن علماء الجمعية اعتبروا الممارسات الطرقية بدعة إلا أني لم أجد طرحا علميا، يصنف الأوضاع الطرقية واحدا واحدا، ويتكلم عنها وعن أحكامها بطريقة الفقهاء المعتبرين، ليكون في ذلك فرصة لاطلاع المخالف، أو رده عليها، ليقوم على أساس ذلك الإصلاح.

لا نستثني من ذلك إلا رسالتين قصيرتين سنتحدث عن منهجهما في الطرح عند الحديث عن وسائل الجمعية في تعاملها مع الطرق الصوفية، وهما رسالة (بدعة الطرائق في الإسلام)، ورسالة (الشرك ومظاهره)، وكلاهما أقل من جميع من النواحي من أن تستطيع أداء ما تتصور الجمعية أنها تواجهه من البدع.

وللأسف – بدل أن تتوجه الجمعية للنقد بهذا الأسلوب- اختارت المنهج الخطابي، أو – أحيانا كثيرة – منهج السخرية والبذاءة، ولا يمكن بهذا الطريق أن يتحقق الإصلاح، لأن العامي، وإن اقتنع بما ذكرت الجمعية، فسخر من الطرق، وسقطت من عينه، فإنه سيسخر أيضا من الجمعية، وتسقط من عينه، وبالتالي لا يبقى أي ممثل للإسلام.

وهذا الذي وقع في الجزائر للأسف، ولهذا ولت الجزائر قبلتها بعد الاستقلال للعلمانيين وغيرهم، لأنها لم تجد من يستطيع بنزاهة وعلم وخلق وكفاءة أن يمثل الدين.

2 ــ إعطاء المختلف فيه حكم البدعة:

والأمثلة على ذلك كثيرة منها حديثهم عن السبحة وقراءة القرآن الكريم جماعة والذكر الجماعي وبعض العادات المرتبطة بالجنائز من الذكر والقراءة ونحوها مما سنراه بتفصيل في الجزء الثالث من هذه السلسلة.

3 ــ التركيز على قضايا فرعية جدا:

وهذا ما نعتبره خطأ منهجيا خطيرا حيث نلاحظ أن الجمعية ركزت عند ذكر البدع على قضايا فرعية جدا، وخلافية جدا، وحتى لو سلمنا بأنها من المجمع عليه، فلم تكن لها في ذلك الحين الأولوية، ولا أن تزاحم قضايا أخرى أكثر خطرا، وسنرى الأمثلة على ذلك في الجزء الثالث من هذه السلسلة.

4 ــ تقديمها لمواجهة البدع على مواجهة الاستعمار والتبشير:

والتصريحات الدالة على هذا كثيرة جدا، وقد صدرت للأسف من أركان الجمعية الكبار، وخصوصا الشيخ الإبراهيمي، وقد سبق ذكر بعض ذلك، ونضيف إليه هنا مقالة نشرت في الشريعة، التي كانت حينها لسان جمعية العلماء كتبها (محمد جير فودة) تحت عنوان (الدّين الإسلامي بين المبشرين والمبتدعين)([2])

وقد عقد في هذا المقال الخطير مقارنة بين ما تقوم به الطرق الصوفية من بدع حسب تصوره، وبين ما يقوم به المبشرون، وخلص إلى نتيجة فضل فيها المبشرين على الطرقيين.

وسر تفضيله – كما يذكر – هو (أن جماعة المبشرين إنما يدعون إلى الخروج على الدين إطلاقا ويروجون لاعتناق دين غيره، وتلك دعوة ينبني على مجرد الجهر بها النفور عنها، اللهم إلا عند نفر قليل تدفعهم الحاجة إلى الاستسلام وتغريهم الفاقة بالاستكانة, وهؤلاء لا يلبثون أن يصدوا عن الدعوة ويرجعوا إلى الهدى عندما يرون بأعينهم أن المنشآت التي أعدت لهم بين أهل دينهم ستغنيهم عن التردد على أماكن المبشرين فتكتب لهم النجاة من المهاوي السحيقة التي كانوا على وشك التردي فيها, ولكن ما ظنك بجماعة ليسوا من المبشرين حتى نجتنبهم, ولا يدعون للخروج على الإسلام حتى نتحاشاهم, وإنما هم مسلمون أولا, يلبسون لباس الإسلام, ويتزيون بزيه وجاءوا تحت ستار لباسهم الزائف يجتذبون نفرا من المسلمين, ينفثون فيهم سموم خرافات وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان بدعوى أن تلك الخرافات من الدين وأن من لم يتبعها وينسج على منوالهم فيها يبوء بغضب من الله ورسوله ويكون من الكافرين)([3])

وقد أجاب عن هذا التساؤل بقوله: (لا شك أن هؤلاء أشد ضررا على الإسلام من المبشرين الذين قدمنا أن معالجة أمرهم باتت وشيكة النجاح, وأن دعوتهم عند الكثيرين لا تصادف ما قدر لها من رواج)([4])

وعندما عاد للحديث عن التفاصيل التي جعلت من الطرق شرا من المبشرين، لم يجد إلا أن (أرباب الطرق الذين يزعمون أنهم ينتسبون إلى (الصوفية) يصرفون جهدهم في إفهام عامة الشعب أن طريقتهم هي المثلى وأن خطتهم هي القويمة, وأن من لم يخضع لتقاليدهم لا يزكيه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه, وهم في هذا المضمار يتسابقون ويتنافسون, كل يرمي الآخر بالمروق والزندقة, وكل يدعي لنفسه السبق والتفوق)([5])

ولم يذكر هو الآخر مصدره على هذه الدعوى الخطيرة، وغيرها من الدعاوى، لأن رجال الجمعية للأسف لم يعودوا كتابهم أن يلتزموا المنهج العلمي، وإنما عودوهم أن يكتبوا المقالات الإنشائية التي لا يستقيم جمالها إلا بقدر ما تحمله من أصناف المبالغات.

وقد خلص في الأخير إلى نتيجة عملية عبر عنها بقوله: (من أجل هذا كان حقا على من يهمهم أمر الدين ويعنون بشؤون المسلمين أن يعملوا على تطهيره من أمثال هذه البدع وأن يضربوا بيد من حديد على رؤوس الذين يتخذون الدين ستارا يخفون وراءه أغراضهم ومآربهم)([6])

عندما قرأت هذا المقال، وخاصة من شخصية لم أستطع أن أظفر بترجمتها لم أشك في أن الاستعمار اخترق الجمعية عبر أمثال هؤلاء، وعبر أمثال هذه المقالات، فإذا أقنعهم بأن المبشرين أفضل من رجال الطرق، أقنعهم بعدها بأن الاستعمار أفضل من الأتراك، لأن الأتراك كانوا يشجعون رجال الطرق، والاستعمار يشجع المبشرين، بل هذا ما كاد يصرح به ابن باديس كما ذكرنا ذلك سابقا عند تمجيده للكماليين، حتى في إلغائهم الخلافة، لسبب بسيط، وهو أن الخلافة كانت ملاذا وحضنا للطرق الصوفية.

ثانيا ــ الخرافة:

ولعل أشد الألسنة لهجا بهذه التهمة، بل تكاد تكون تهمته الكبرى لهم هو الشيخ البشير الإبراهيمي، وذلك باعتباره – بالإضافة إلى ميله إلى الاتجاه السلفي المحافظ- يميل إلى التنويريين، وهم لا يريدون أن يظهر المسلم بتلك الصورة التي يظهر بها رجال الطرق الصوفية.

وقد كتب في خصوص هذا مقالات طويلة تحت عنوان (تعالوا نسائلكم)([7])، وقد صدر هذه المقالات بيان دافعه إليها، وهو ما عبر عنه بقوله: (الشعب الجزائري المسلم بفطرته، الكريم في عنصره، الجاهل بحقائق دينه- في أكثريته- واقع اليوم بين قوّتين تتجاذبانه: قوّة العلماء المصلحين الداعين إلى الله وإلى الإسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يبغون على ذلك جزاء ولا شكورًا، وقوة الشيوخ الطرقيين الذين وقفوا- إلا أقلّهم- سدًا حائلًا بين العلماء وبين أتباعهم من عامّة الأمة.. فكان من واجب النصح للعامة أن تعرّف بحقيقة هؤلاء الشيوخ تعريفًا يتركهم أمام الأمة على حقيقة حالهم دون أي زيادة عليهم ولا تنقيص لشخصياتهم، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } [الأنفال: 42])([8])

وهذه المقالات من حيث أسلوبها وقوتها وتأثيرها جيدة جدا، وهي تدل على بعض ما يحصل في الواقع الجزائري في ذلك الحين، ولكن الإبراهيمي– للأسف – في قضايا خطيرة مثل هذه يغلب الخطاب الأدبي على الخطاب العلمي، فيطرح تهمه وأدلته عليها من غير تحقيق ولا توثيق إلا ما يسمعه، أو ما يتمكن من رؤيته، ثم يعمم ذلك تعميما.

فقد اعتبر الإبراهيمي دليله على رمي الطرق جميعا هو ذلك التسليم المطلق الذي يقوم العوام حول المشايخ والصالحين، بل منهم من يعتقد فيهم ما يعتقد في الله نفسه، وقد عبر الإبراهيمي عن هذا الدليل بقوله: (نريد لهذا العامي أن يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا.. وتريدون منه أن يؤمن مع ذلك أو قبل ذلك أو بعد ذلك بأنكم أولياء الله، وإن استبحتم الحرمات وركبتم المحرمات، وأن يشرككم مع الله في الدعاء أو يدعوكم من دونه وأن يلتجئ إليكم حتى فيما هو من خصائص الألوهية، وأن يشدّ الرحال لبيوتكم كما يشدّها لبيت الله، فاجبهونا بالتكذيب إن استطعتم)([9])

ثم خاطبهم بحدة قائلا: (أليس فيكم من يبيع الأولاد للعقيم ويبيع الراحة للسقيم؟.. أليس فيكم من يهدّد المسلم بخراب البيت وموت الأولاد وهلاك الحرث والماشية إذا هو قطع عادة أو قصر في شيء من رسوم الخدمة؟.. أليس فيكم من يقول في صراحة إِنه يتصرّف في الوجود ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء ثم ينحل هذا التصرف غيره لتكون له أسوة؟ إن وجودًا يكله الله لتصرّفكم لأهون وجود، وهل بلغ هذا الكون البديع من الهوان على الله أن يكله إلى تدبيركم أيها الحمقى ونحن نراكم أعجز الناس عن تدبير (خبزة) فلا تبلغونها إلا بدفع دينكم ثمنًا لها)([10])

وما ذكره الإبراهيمي من هذا الدليل – كما ذكرنا سابقا – يفتقر إلى تحديد وجهة الخطاب بدقة حتى لا يدخل البريء في التهمة، وذلك لا يكون إلا بحصر الطرق الصوفية، ثم بيان القائل منهم بهذا، ثم تبيين المحل الذي يدل على هذا.

هذا هو المنهج العلمي الذي نراه في تقرير التهم، وخاصة تهمة خطيرة كهذه، أما استناده للعوام في تقرير التهم، فهو كاستناد من يريد اتهام أستاذ من الأساتذة بما كتبه تلميذه، مع أن التلميذ قد يكون بليدا، أو كتب ما لم يمله أستاذه عليه.

وهذا للأسف هو الوصف الصحيح لما تتعامل به الجمعية مع الطرق الصوفية في تقرير تهمها، فهي لا تلجأ لصاحب الشأن، وإنما تلجأ للعامة، ثم تختار من العامة أكثرهم بلادة لتصوره بصورة تلميذ الطرق النجيب.

والأمر في هذا الباب ليس كذلك، بل إن مشايخ الطرق، وخاصة أولئك المشايخ الكبار الذين عاصروا الجمعية وسردنا سيرهم كانوا أبعد الناس عن مثل هذه الدعاوى.

نعم، لهذا الدليل وجه صحيح، ولكن لا يمثله رجال الطرق الصوفية، وإنما يمثله أولئك المشعوذون والعرافون الذين يسمون المحال التي يمارسون فيها شعوذتهم زوايا، والاتفاق في الاسم لا يدل على الاتفاق في المسمى.

بل إن الشيخ الإبراهيمي يكاد ينطق بهذا الذي ذكرناه، فهو يقر بأن فيهم من ينكر هذا من غير تحديد من هو، وكم يشكل في عالم الطرق، ولكنه لا يكتفي منه بذلك، بل يريده أن يستعمل نفس المنهج الحاد الذي يستعمله الإبراهيمي، يقول في ذلك: (وإننا لنعلم أن منكم من ينكر هذا في نفسه ويبرأ منه، ولكن لماذا لا يمدّ يده إلينا ويرفع صوته معنا بالإنكار لهذه الشناعات التي صارت لكم سمة ونعتًا وعرفتم بها وعرفت بكم؟ لماذا لا ينضمّ إلينا فيكون لنا من بعضكم الصالح عون على بعضكم الطالح لولا أنكم تتقارضون سكوتًا بسكوت لأن ضلالكم (مصلحي) والمصلحة أنواع)([11])

ولسنا ندري هل نسي الإبراهيمي أم تناسى تلك الدعوات الكثيرة التي وجهها رجال الطرق للجمعية للصلح، بل للتعاون في المتفق عليه، وهذا من المتفق عليه، لكن الجمعية رفضت، بل تشددت في رفضها كما رأينا ذلك سابقا.

وعلى نمط الإبراهيمي نجد الشيخ مبارك الميلي لا يعمد إلى مؤلفات الطرق الصوفية الكثيرة، ولا إلى مشايخهم ليستفسرهم، وإنما يعمد لبعض العوام يسمع منهم حكايات لا يدري ما زادوا فيها ولا ما أنقصوا، بل يعمد إلى الكهان، ويعمم حكمهم على الطرق الصوفية، ومن الحكايات التي حدثه به من لم يسمه، قال: (حدثني بقرية أبي سعادة من حضر مجلساً فيه كاهن سكير ممن يعرفون في العرف بالمرابطين، فطلب رجل من مرابطه ذلك ولداً ذكراً، فأعطاه إياه، وعيَّن له علامة تكون بجسمه عند الوضع، وقال له: إن وضع بها، فهو مني، وإن خلا منها؛ فهو من الله!!)([12])

وذكر حادثة أخرى، فقال: (وقد كنت سنة أربع وأربعين مع فقيه ميلي بمقهى في قسنطينة، فقص علينا رجل مصيبة أيس من السلامة منها، ثم حصل له الفرج، فعبر عن خطورتها قائلًا: لو ما الناس الصالحين… فقال له صاحبي مرشداً أو منكتاً: وربي؟ فأجابه: ربي والناس الصالحين. فقال له: وربي وحده. فلم يجاره، وقال له: هكذا سمعنا الناس يقولون)([13])

ويذكر تحت عنوان (كلاب ابن الحملاوي) قوله: (فقد تواتر أن كلاب عبد الرحمن بن الحملاوي هامت ذات سنة في عدة جهات، فكان الناس يكرمونها بالذبائح والضيافات، ولكنهم يؤلمونها بانتزاع شعورها تبركاً وزلفى)([14])

وقد عمم بناء على هذه الحكايات وغيرها حكمه على الطرق الصوفية بذكر أنهم يعتمدون (في دينهم على الخرافات والمنامات وما يربي هيبتهم في قلوب مريديهم من حكايات، ولا يتصلون بالعلماء إلا بمن أعانهم على استعباد الدهماء، والرد على المرشدين النصحاء؛ بتأويل ما هو حجة عليهم، وتصحيح الحديث الموضوع إذا كان فيه حجة لهم)([15])

وتحدث تحت عنوان (تبليه الطرقيين للناس) عن دور الطرق في (بث الجمود في الناس، وتلقيح غفلتهم، ثم حثهم على زيارتهم والرحلة إليهم لاستدرار أموالهم ولاستغلال جمودهم وغفلتهم.. فمن أقوالهم الجارية: سلم تسلم، سلم للرجال في كل حال، اعتقد ولا تنتقد، زوروا تنوروا!! ومرادهم من الرجال الذين يسلم لهم ويعتقد فيهم من كان على مثل حالهم- لا علماء الدين ومن كان من أهل الغيرة الناصحين)([16])

إلى آخر الحكايات والأحكام الكثيرة المرتبطة بها، ونحن من باب الحقائق العلمية لا يمكن أن ننكر هذا، بل إن مشايخ الطرق أنفسهم لم ينكروا وجود المخرفين والمشعوذين بينهم، وإنما الإشكال في التعميم.

وكمثال يضاف إلى ما ذكره الشيخ مبارك الميلي من أمثلة ما ذكره الشيخ ابن عليوة عن نفسه قبل أن يهتدي للشيخ المربي، وكيف وقع فريسة بين أيدي بعض الطرق التي تميل إلى الخرافة، بل تمارس الخرافة من أوسع أبوابها.

فقد حدث أنه في أول اهتمامه بالتصوف كان منجذبا لتلك الخوارق التي تمارسها الطريقة العيساوية، فقال: (أول ميل كان وقع لي لأهل النسبة على الإجمال، تعلقي بأحد الرجال من السادات العيساوية، كنت أراه متعففا يظهر عليه أثر الصلاح، وبعد ذلك اشتغلت بما تقتضيه تلك النسبة اشتغالاً كُلياً، وأعانني على ذلك حالة الصِّبا، وما عليه الطبع الفطري من جهة ميله للخوارق، وقد مهرت في ذلك وكانت لي حظوة بين رجال تلك النسبة، وكانت عقيدتي فيما أتعاطاه إلا التقرب إلى الله عز وجل جهلاً منّي، ولما أراد الله أن يُلهمني، كنا ذات يوم ببعض اجتماعاتنا فرفعت نظري إلى ورقة كانت في حائط ذلك المنزل، فوقع بصري اتفاقاً على كلام ينسبه صاحبه حديثاً، فاستفدت منه ما ألزمني بترك ما كنت أتعاطاه من الخوارق، وألزمت نفسي على أن أقتصر في تلك النسبة على ما كان من قبل الأوراد والأدعية والأحزاب، ومن ذلك الحين أخذت أتنصل وأعتل للجماعة، إلى أن تركت جميع ذلك، وكنت أُريد أن أزحزح الجماعة بتمامها، ولكنه لم يتيسر. أما أنا فتنصلت كما كانت نيتي، ولم يبق لي من ذلك إلا أخذ الحية، فقد استمريت على أخذها بانفرادي، أو مع بعض الأحباب)([17])

ثم ذكر كيف استغل الشيخ المربي ذلك الحال ليوجه الشيخ ابن عليوة من خلاله، فقال: (إلى أن اجتمعت بالأستاذ الشيخ سيدي محمد البوزيدي رضوان الله عليه. فقال لي ذات يوم وهو عندنا بدكاننا: إنه بلغني أنك تأخذ الحية ولا تخشى من لسعها. فقلتُ له: نعم، كذلك كنت. فقال لي: هل يمكنك الآن أن تأتينا بواحدة فتأخذها بحصورنا؟ فقلت له: مُتيسر. وذهبت من حيني إلى خارج البلد، وبعد ما مر علي نصف يوم لم أجد إلا واحدة صغيرة يقرب طولها من نصف ذراع، فجئت بها ثم وضعتها بين يديه، وأخذت أقلب فيها كما هي عادتي، وهو ينظر رضي الله عنه إلى ذلك، ثم قال لي: هل تستطيع أن تأخذ أكبر من هذه الحية مما هو أكبر منها جرما؟ فقلت له: إنها عندي على السواء، فقال لي: ها أنا أدلك على واحدة أكبر وأشد منها بأساً، فإن أمسكتها وتصرفت فيها فأنت الحكيم. فقلت له: فأين هي؟ فقال: نفسك التي بين جنبيك، فإن سمها أشد من سم الحية، فإن أمسكتها وتصرفت فيها فأنت الحكيم. ثم قال لي: اذهب وافعل بهاته الحية ما هو عادتك أن تفعل بها ولا تعُد لمثل ذلك. فخرجت من عنده، وأنا أتخيل في شأن النفس وكيف يكون سمها أشد بأساً من سم الحية)([18])

وهكذا استطاع الشيخ محمد البوزيدي، وهو من مشايخ الطريقة الدرقاوية الكبار أن يوجه الشيخ ابن عليوة إلى الطريق الصحيح في السلوك، وقد استفاد منه كثيرا، بل تحول تحولا جذريا.

ولهذا كان من مقتضى ما ذكره الإبراهيمي أن لا يكتفي بما تفعله العيساوية، بل يعلم أن في الطرق الصوفية رجالا كثيرين مثل الشيخ محمد البوزيدي، وأنه لا يصح لذلك التعميم.

أما تعظيم المشايخ والتأدب معهم، والذي اعتبره الإبراهيمي وغيره من الخرافة، فليس كذلك، بل إنه لولا تعظيم الطرق الصوفية لمشايخهم لما استطاع رجال المقاومة أن يجندوا تلك الآلاف المؤلفة في حرب المستعمر.

بل إن من النتائج الخطيرة التي أفرزها التوجه السلفي وتوجه الجمعية بناء عليه هو عدم احترام العلماء والصالحين، وذلك أدى إلى عدم احترام الدين نفسه، لأن أول من يمثل الدين هم العلماء والصالحون.

المطلب الثاني: الوقوع في الكفر والشرك

وهذه التهمة الخطيرة التي لم تصب على مشايخ الطرق الصوفية فقط، وإنما صبت على العوام أيضا هي نتيجة حتمية للتأثر المبالغ فيه من طرف علماء الجمعية بالتيار الوهابي الجارف، والذي لم يستنكف عن تكفير العوام بحجة أنهم – لزيارتهم الأضرحة أو تعلقهم بالصالحين – قد وقعوا في الشرك الجلي، وقد كان دليل الجمعية أو المتشددين من أعضائها على رمي الطرق الصوفية بهذا الأدلة التالية:

الأول: زيارة الأضرحة وإقامة الموالد

والاهتمام بهذه الناحية يدل على مدى الصلة بين الجمعية والوهابية التي قصرت نشاطها الدعوي على مواجهة مثل هذه الأمور الفرعية الخلافية.

ومما يدل على هذه الصلة هذا الخطاب الذي وجهه الميلي لزوار الأضرحة وغيرهم مشبها لهم بعباد الأوثان، فقد جاء فيه: (أين أنتم من هذا يا من اتخذتم من القبور والمزارات أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا، وشيدتم عليها القصور، ورفعتم القباب، وأشركتموها برب الأرباب وجاوزتم ذلك تكثيرا لمظاهر الشرك؛ فبنيتم على القبور، واتخذتم من شجر البطم والسدر وغيرهما ذات أنواط تعلقون به الخرق والخيوط، وتسرجون له الأضواء، وتعطرونه بالمباخير والرياحين، وجاوزتم ذلك إغراقا في الشرك إلى الصخور الضخمة والأودية الموحشة، واستبدلتم بالتبرك المسنون تبرككم المبتدع المأفون؟! ها قد أوضحنا لكم ما في الزيارة من رشد وغي؛ فكونوا من عباد الله الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا تكونوا ممن حقت عليهم كلمة الله: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } [الأعراف: 146])([19])

وعلى نفس المنهاج كتب ابن باديس شارحا لما ورد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي)([20])، فقال: (من اعتقد مثل عقيدتهم أو فعل مثل أفعالهم أو قال مثل أقوالهم فقد لحق بهم، وقد يكون اللحوق تاما مخرجا عن أصل الإسلام، وقد يكون دون ذلك. فأصل عقيدة الشرك عند عرب الجاهلية أنهم يعلمون أن الله هو خلقهم وهو يرزقهم وهو المالك لجميع مخلوقاته، ولكنهم كانوا يجعلون توجههم وتقربهم وتضرعهم لآلهتهم على اعتقاد أنها هي تقربهم إلى الله. وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تتوجه لبعض الأموات وتتضرع لهم وتقف أمام قبورهم بخضوع وخشوع تامين وتتضرع وتناديهم على اعتقاد أنهم يقربونها إلى الله ويتوسطون لها إليه. ويزيدون أنهم يتصرفون لها بقضاء الحوائج وجلب الرغائب ودفع المصائب. ومن أعمال المشركين في الجاهلية أنهم يسوقون الأنعام لطواغيتهم فينحرونها عندها طالبين رضاها ومعونتها. وفي الناس اليوم طوائف كثيرة تسوق الأنعام إلى الأضرحة والمقامات تنحرها عندها إرضاءً لها وطلبا لمعونتها أو جزاء على تصرفها وما جلبت من نفع أو دفعت من ضر.. ومن أقوال المشركين في الجاهلية حلفهم بطواغيتهم تعظيما لها، وفي الناس اليوم طوائف كثيرة يحلفون بالله فيكذبون ويحلفون بمن يعظمونه من الأحياء أو الأموات فلا يكذبون. فهذه الطوائف الكثيرة كما قد لحقت بالمشركين وصدق رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- في قوله: (لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين)([21])

ونلاحظ من خلال المقارنة بين موقف الجمعية من هذه المسائل وموقف الوهابية الاشتراك التام في أصول هذه المسائل وفروعها، وبالتالي يمكن اعتبار الجمعية في هذا المحل خصوصا وهابية صرفة، وسننقل هنا لمن يشاء المقارنة بعض مقولات الوهابية في هذا، ونرى ردود الطرق الصوفية عليها في المبحث الثاني من هذا الفصل.

فحد الشرك الأكبر الذي يجمع أنواعه وأفراده – عند الوهابية أو السلفية المحافظة – هو: (أن يصرف العبد نوعاً أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله.. فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع، فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر) ([22])

ومما تضمنه (البيان المفيد) لعقائد الوهابية: (ونعتقد أن عبادة غير الله شرك أكبر، وأن دعاء غير الله من الأموات والغائبين وحبه كحب الله، وخوفه ورجائه، ونحو ذلك شرك أكبر، وسواء دعاه عبادة، أو دعاه دعاء استعانة في شدة أو رخاء، فإن الدعاء مخ العبادة، وأن اعتقاد أن لشيء من الأشياء سلطاناً على ما خرج عن قدرة المخلوقين شرك أكبر، وأن من عظّم غير الله مستعيناً به فيما لا يقدر عليه إلا الله كالاستنصار في الحروب بغير قوة الجيوش.. والاستعانة على السعادة الأخروية أو الدنيوية بغير الطرق والسنن التي شرعها الله لنا، يكون مشركاً شركاً أكبر)([23])

وهم يتفقون في جزء من هذا مع سائر المسلمين، بمن فيهم الصوفية، فالصوفية – كما سنرى – يعتقدون شركية مثل هذه الأفعال، ولكنهم يعتبرونها من الشرك الخفي بخلاف الوهابية الذين يعتقدون أنها شرك جلي مخرج عن الملة، ومبيح لدم معتقده، وهم لذلك يرون أنه إذا ثبت أن الذبح لله من أجل العبادات وأكبر الطاعات، فالذبح لغير الله شرك أكبر مخرج عن دائرة الإسلام([24]).

وهكذا يرون بما أن النذر عبادة، لمدح الله الموفين به، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوفاء به، فإن صرفه لغير الله شرك([25]).

وقد أورد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جوابه على ردود ابن سحيم عليه في مسألة (النذر لغير الله)، وأنه (حرام ليس بشرك)، فقال مخاطباً ابن سحيم: (فدليلك قولهم أن النذر لغير الله حرام بالإجماع، فاستدللت بقولهم حرام على أنه ليس بشرك، فإن كان هذا قدر عقلك فكيف تدعي المعرفة؟ يا ويلك ما تصنع بقول الله تعالى: { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [الأنعام: 151] فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر يا هذا الجاهل الجهل المركب، ما تصنع بقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا } [الأعراف: 33] هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه؟ يا ويلك في أي كتاب وجدته، إذا قيل لك هذا حرام، أنه ليس بكفر، فقولك أن ظاهر كلامهم أنه ليس بكفر، كذب وافتراء على أهل العلم، بل يقال ذكر أنه حرام، وأما كونه كفر فيحتاج إلى دليل آخر، والدليل عليه أنه مصرح في (الإقناع) أن النذر عبادة، ومعلوم أن لا إله إلا الله معناها لا يعبد إلا الله، فإذا كان النذر عبادة وجعلتها لغيره كيف لا يكون شركاً) ([26])

ويذكر الشيخ ابن عبد الوهاب قاعدته في هذا، فيقول مخاطبا ابن سحيم: (فاعرف قاعدة أهملها أهل زمانك، وهي أن لفظ (التحريم) و(الكراهة) وقوله (لا ينبغي) ألفاظ عامة تستعمل في المكفّرات، والمحرّمات التي هي دون الكفر، وفي كراهة التنزيه التي هي دون الحرام، مثل استعمالها في المكفرات: قولهم لا إله إلا الذي لا تنبغي العبادة إلا له. وقوله:{وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 92] ولفظ التحريم مثل قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } [الأنعام: 151]، وكلام العلماء لا ينحصر في قولهم (يحرم كذا) لما صرحوا في مواضع أخر أنه كفر، وقولهم (يكره) كقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] إلى قوله: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا } [الإسراء: 38]، وأما كلام الإمام أحمد في قوله: (أكره كذا) فهو عند أصحابه على التحريم، إذا فهمت هذا، فهم صرحوا أن الذبح للجن ردة تخرج وقالوا: الذبيحة حرام ولو سمى عليها) ([27])

الثاني: القول بالحلول والاتحاد

بالإضافة إلى اتهام الجمعية للطرق الصوفية بالوقوع في الشرك، والذي شمل العوام والخواص، فقد اتهموها أيضا بالقول بالحلول والاتحاد، وهو لاشك من العقائد المكفرة، والشواهد الدالة على اتهام الجمعية للطرق الصوفية بهذا لا تكاد تحصر، وسنكتفي هنا باقتباس بعض النماذج من مقالات مختلفة من صحيفة الشريعة النبوية:

فقد جاء في العدد الرابع من صحيفة الشريعة النبوية تحت عنوان (بلاد القبائل والطريقة الحلولية، جواب عن كتاب (إلى أهالي زواوة): (قرأنا في عدد أخير من جريدة (السنة النبوية الغراء) ما كتبه الأستاذ الزاهري ووجهه إلى بلاد القبائل تحت عنوان (إلى أهالي زواوة) كسؤال لنا معاشر أهالي هذه البلاد عن صحة ما زعمته الطريقة الحلولية المخذولة، ونشرته للناس في بعض الأعداد الأخيرة من ورقتها الضالة المزورة وهو كله افتراء للكذب على المسلمين وزور وبهتان كما سيأتي في البيان والجواب.. وقبل أن نجيب عن هذا الزعم الباطل وهذا الادعاء الفارغ نقول: إن ورقة أو طائفة تدعي في أهالي (اليمن) حيث ذلك الإمام المصلح العظيم ما ادعته وزعمته من ذلك النفوذ الموهم لا يعسر عليها أن تأتي بما هو أشنع منه في بلادنا.. ثم الذي نقوله هذا باختصار كجواب عن أسئلة الأخ الشيخ السعيد الزاهري الذي نشكره دائما على اهتمامه بشؤون الإسلام في سائر البلاد الإسلامية والذي يغار على الحقائق أن تشوه وتداس بالأقدام تحت ستار تلك المزاعم الباطلة هو أن أهالي (زواوة) ما كانوا يعرفون عن هذا الشيخ الحلولي الذي يقود هذه الطائفة الشريرة إلى التعدي على الأشخاص والأعراض وهتك الحرمات إلا أنه واحد من هؤلاء الذين زعم أنه أنقذ مئات الآلاف من أيديهم وأسلم على يده الكثير.فلا يكادون يجدون أدنى فرق بين أخطار تبشيرهم وتبشيره الحلولي فذاك يلتقط الصغار من اليتامى فيشملهم بعطفه وحنانه وهذا يلتقط الكبار فيشملهم بعفوه وإنقاذه ويغدق عليهم من نعمه ودراهمه وكلاهما مضمر للشر على قاعدة تسمين الكبش..) ([28])

وفي الصفحة التالية نجد أمثال هذه العبارات: (فقد قالوا أخيرا في ورقتهم الضالة أنهم أسسوا مدرسة في مجاهل فلسطين وزارها اثنان منهم فكان ما سمعاه من تلاميذ هذه المدرسة التي لا وجود لها إلا في سطرين من ورقتهم هذه… أناشيد حلولية لا يبعد أن تكون من أحسن وأبلغ ما لم يقل وأفصح ما ضمه ديوان شيخ الحلول المشهور الذي تحسده دواوين غير الشعر على رواجه حتى أنه لو طبع ألف مرة لما بقيت منه نسخة مادام حلولي يمشي فوق الثرى ومادامت بلاد (ناطحات السحاب) تهيئ مدارسها من يفهمه ويغوص في بحر لآليه لاستخراج أسراره وأحجاره.. على أن هذا الديوان قد سد فراغا عظيما من الأدب الحلولي وولد كتبا كثيرة كلها تبحث في محاسن الحلول ولا يفهمها إلا علامة المعقول والمنقول! (وأنا لو كنت أضرب بسهم في علم الحلول وكان لي بعض إلمام بتطبيق قواعده المقررة لاقتنيت البعض منها للإحراق) وهكذا كانوا يطيرون بمفترياتهم وأضاليلهم من مركزهم فينزلون بها مرة (بنيويورك) ومرة (بلندن) أو (باريس) ثم يعلنون على رواجها فوق ورقتهم الحلولية حيثما وقعوا وطاروا وإن كان الواقع يكذبهم حيثما حلوا وارتحلوا، وقد راموا هذه المرة أن يطيروا ويسقطوا ببلاد القبائل كما يسقط الذباب على الطعام وينصبوا ظل أخبيتهم هناك فسقطوا ووقعوا في بعض الأودية التي لم يجدوا فيها إلا مخلوقا أو مخلوقين من أمثالهم (والطيور على أمثالها تقع)([29])

وهكذا لا تكاد تمر بصفحة في هذه الصحيفة إلا وتجد فيها هذه التهمة، وهي طبعا من التهم التي حفظها رجال الجمعية من ابن تيمية والوهابية مع أن الصوفية في كل الأزمنة يصيحون بإنكارهم الحلول وردهم عليه كما سنرى في الجزء الثالث من هذه السلسلة.

الثالث: بعض الفروع الفقهية

مع اتفاق العلماء على عدم التكفير بالفروع الفقهية إلا أنا للأسف نجد من الجمعية من راح يكفر بسببها، وقد سبق ذكر بعض الأمثلة على ذلك كالزيارات والذبح والتوسل وغيرها، ونضيف إليها هنا تهمة الكفر بسبب الرقص الصوفي، وقد استدل بعضهم بتكفير من يستحلّ الرقص مطلقا بقول ابن وهبان حيث قـال: (ومن يستحل الرقص قالوا بكفره ولا سيما بالدف يلهو ويزمر) ([30])

وقد رد الشيخ ابن عليوة على هذا التكفير المبالغ فيه بقوله: (ألا ترى أنّه تقرّر لديك أنّ مستحل الرقص قالوا بكفره، فكيف بك إذا بلغك أنّ الحبشة دخلوا مسجد النبّي صلى الله عليه وآله وسلم يوم العيد على هيئتهم المعروفة من الرقص ونحوه) ([31])

الرابع: بعض الدعاوى:

وأهم نموذج على هذا ما كتبه ابن باديس في فتواه المتعلقة بصلاة الفاتح([32]) التي يرددها التيجانيون، ويعتقدون لها فضلا خاصا، كما رأينا ذلك سابقا.

وهي فتوى لا تزال تجد صداها مع خطورتها، ولذلك نرى أن ندرسها على ما يقتضيه المنهج العلمي، وخاصة أن لازم قوله فيها كفر أكبر تجمع إسلامي في العالم، وهو التجمع التيجاني المنتشر في جميع أنحاء العالم، وخاصة إفريقيا.

ونص السؤال هو حكم بعض الدعاوى المنسوبة للتيجانية، وهي أنهم:

1- يعتقدون أن قراءة (صلاة الفاتح) أفضل من تلاوة القرآن ستة آلاف مرة متأولين بأن ذلك بالنسبة لمن لم يتأدب بآداب القرآن.

2- أن (صلاة الفاتح) من كلام الله القديم، ولا يترتب عليها ثوابها إلا لمن اعتقد ذلك.

3- وأن (صلاة الفاتح) علمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصاحب الطريقة ولم يعلمها لغيره.

4- وأن مؤسس الطريقة التيجانية أفضل الأولياء.

5- وأن من انتسب إلى تلك الطريقة يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب وتغفر ذنوبه الصغار والكبار، حتى التبعات.

ومع خطورة المسألة، ومع الانتشار الكثيف للتيجانية في الجزائر، وخصوصا الجنوب الجزائري، لم يتحرز ابن باديس، ولم يستفسر عن مدى صحة هذه الدعاوى، بل راح يطلق الأحكام التي يخرج منها قارئها لا بتصديق الاتهامات فقط، وإنما بكفر معتقدها أيضا.

وسنذكر هنا باختصار بعض ما أجاب به، وما يستنتج منه الحكم بالكفر:

1 ــ القرآن كلام الله و(صلاة الفاتح) من كلام المخلوق ومن اعتقد أن كلام المخلوق أفضل من كلام الخالق فقد كفر، ومن جعل ما للمخلوق مثل ما لله فقد كفر بجعله لله نداً فكيف بمن جعل ما للمخلوق أفضل مما للخالق.. هذا إذا كانت الأفضلية في الذات فأما إذا كانت الأفضلية في النفع فإن الأدلة النظرية والأثرية قاضية بأفضلية القرآن على جميع الأذكار وهو مذهب الأئمة من السلف والخلف([33]).

2- أن من زعم – متأولا لتلك الأفضلية الباطلة – بأن (صلاة الفاتح) خير لعامة الناس من تلاوة القرآن لأن ثوابها محقق ولا يلحق فاعلها إثم والقرآن إذا تلاه العاصي كانت تلاوته عليه إثماً لمخالفته لما يتلوه، واستدلوا على هذا بقول أنس الذي تحسبه العامة حديثاً: (رب تال للقرآن والقرآن يلعنه)([34]) فهو زعم باطل لأنه مخالف لما قاله أئمة السف والخلف من أن القرآن أفضل الأذكار، ولم يفرقوا في ذلك بين عامة وخاصة ولا بين مطيع وعاص، ومخالف لمقاصد الشرع من تلاوة القرآن([35]).

3- ليس عندنا من كلام الله إلا القرآن العظيم، هذا إجماع المسلمين حتى أن ما يلقيه جبريل – عليه السلام – في روع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سماه الأئمة بالحديث القدسي، وفرقوا بينه وبين القرآن العظيم ولم يقولوا فيه كلام الله، ومن الضروري عند المسلمين أن كلام الله هو القرآن وآيات القرآن، فمن اعتقد أن (صلاة الفاتح) من كلام الله فقد خالف الإجماع في أمر ضروري من الدين وذلك موجب للتكفير([36]).

4- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث معلما، وعاش معلما آخر لحظة من حياته، وقد أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، وانقطع الوحي وانتهى التبليغ والتعليم، وهذا كله مجمع عند المسلمين، وقطعي في الدين، فمن زعم أن محمداً مات وقد بقي شيء لم يعلمه للناس في حياته فقد أعظم على الله الفرية وقدح في تبليغ الرسالة، وذلك كفر، فمن اعتقد أن (صلاة الفاتح) علمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصاحب الطريقة التيجانية دون غيره، كان مقتضى اعتقاده هذا أنه مات ولم يبلغ وذلك كفر، فإن زعم أنه علمه إياها في المنام فالإجماع على أنه لا يؤخذ شيء من الدين في المنام مع ما فيه من الكتم وعدم التبليغ المتقدم([37]).

ومن مقتضى الاعتقاد الباطل المتقدم أنه صلى الله عليه وآله وسلم كتم عن أفضل أمته ما هو الأفضل وحرم منه قرونا من أمته وهو الأمين على الوحي وتبليغه، الحريص على هداية الخلق وتمكينهم من كل كمال وخير، فمن قال عليه ما يقتضي خلاف هذا فقد كذب عليه وكذب ما جاء به، ومن رجح صلاته على ما علمه هو صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه – رضي الله عنهم – بوحي من الله واختيار منه تعالى فقد دخل في وعد: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا))[الأحزاب:36].

5- لا تثبت الأفضلية الشرعية إلا بدليل شرعي ومن أدعاها لشيء بدون دليل فقد تجرأ على الله وقفا ما ليس به علم وقد أجمعت الأمة على تفضيل القرون المشهود لها بالخيرية من الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام فاعتقاد أفضلية صاحب الطريقة التيجانية تزكية على الله بغير علم وخرق للإجماع، موجب للتبديع والتضليل([38]).

6- عقيدة الحساب والجزاء على الأعمال قطيعة الثبوت ضرورية العلم، فمن اعتقد أنه يدخل الجنة بغير حساب فقد كفر([39]).

وبناء على هذه الأدلة التي ساقها ابن باديس، خرج بنتيجة عبر عنها بقوله: (فالمندمج في الطريقة التيجانية على هذه العقائد ضال كافر، والمندمج فيها دون هذا العقائد عليه أثم من كثر سواد البدعة والضلال)([40])

ثم نقل من كلام الأستاذ محمد بن الحسن الحجوي وزير معارف الحكومة المغربية مقرا له قوله: (لهذه وغيره نقول أن الطريقة التيجانية ليست كسائر الطرق في بدعها.. بل هي طريقة موضوعة لهدم الإسلام تحت اسم الإسلام)([41])

وقد علق ابن باديس على هذا بذكر مضار هذه الطريقة، والتي تؤهلها كما يرى لكفر المنتسب لها، فقال: (فبهذا صارت الطريقة التيجانية في نظر أهل العلم بالسنة والكتاب كأنها مسجد الضرر ضد الإسلام، فالله يقول في نبيه خاتم النبيين، وهو يقولون في الشيخ التيجاني هو الختم وهو لبنة التمام للأولياء فحجروا على الله ملكه وقطعوا المدد المحمدي وهم لا يبالون أو لا يشعرون، وحتى إن شعروا فالمقصد يبرر الواسطة، وإذا سمعوا أن النبي أفضل النبيين قالوا إن التيجاني رجله على رقبة كل ولي لله، بهذه العبارة الجافة من كل أدب الجارحة لعواطف كل مسلم لأن الولي في عرفهم يشمل النبي إذ يقولون أن ولاية النبي أفضل من نبوته، ولا يبالون أن يكون أصابهم أفضل من أبي بكر وعمر والعشرة المبشرين بالجنة الذين كانوا يخافون الحساب ولا يأمنون العقاب، ولم يكن عندهم بشارة بالنجاة منهما، إذ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.. دعاء الإسلام إلى الجد ومحاسبة النفس والعمل على الخوف والرجاء في جميع نواحي الحياة الدنيا على أن يكون ذلك على السداد والإخلاص ليكون ذخراً لسعادة الأخرى فجاءت عقيدة ضمان الشيخ ودخول الجنة بلا حساب)([42])

هذا ما ذكره وما نقله ابن باديس في فتواه، ولم ينقل أي نص من كتب التيجانية المعتمدة، أو من شيوخهم المعتبرين في ذلك الحين، والذين زار بعضهم الجزائر، وصرح بخلاف التصريحات التي نقلت لابن باديس.

بل إن الدليل الذي ذكره هو ما تعود رجال الجمعية على الاستدلال به من الحكايات والقصص، فقد حكى عن الحجوري قوله: (حكي لي بعض القضاة قال: كان في محكمتي تسعون عدلا في البادية، وقد تقصيت أخبار الصالح والطالح منهم لأعلم مقدار ثقتي بهم في حقوق المسلمين فوجدت عشرين منهم متساهلين لا يؤتمنون على الحقوق، وحين دققت النظر في السبب تبين لي أنهم جميعاً تيجانيون، فبقيت متحيرا حتى انكشف لي أن السبب هو اتكالهم على أنه لا حساب ولا عقاب يترصدهم فانتزع الخوف من صدورهم)([43])

وقد علق ابن باديس على هذه الحكاية بقوله: (هذا في العدول وهم من أهل العلم فكيف بالعامة؟ فهذه الطريقة ما وضعت إلا لهدم الإسلام، ولا أجزم بأن صاحبها هو الذي وضعها هذا الوضع فقد يكون فيمن أتصل به من كاد هذا الكيد، ودسّ، وليس مثل هذا الكيد جديداً على الإسلام)([44])

ثم ختم فتواه بهذه الرسالة التي وجهها إلى العلماء، وفي مقدمتهم صديقه العلامة الأستاذ البشير النيفر التونسي، قال فيها: (إنني ادعوا كل عالم تيجاني إلى النظر في فصول السؤال والجواب فإن اقروا ما أنكرناه فليعلنوا إقرارهم له، وإذا أنكروا ما أنكرناه فليعلنوا إنكارهم له، يصرحوا:

1- بأن (صلاة الفاتح) ليست من كلام الله.

2- وأنها ليست مثل الصلاة الإبراهيمية.

3- وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلمها لصاحب طريقتهم.

4- وأن لا فضل له ولا لاتباعه إلا بتقوى الله.

5- وأن المنتسب إلى طريقتهم لا يمتاز من المسلمين عن غير المنتسب إليها.

ثم ختم هذا الإعلان بقوله: (ومن لم يصرح بهذا باء بوزره ووزر الهالكين من الجاهلين وكان عليه أثم الكاتمين من العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل)([45])

انطلاقا مما ذكرناه، فإن المنهج العلمي السليم الذي نراه ليس هو أن نكتب مثل هذه الإعلانات، ثم نختمها بتلك الخاتمة المستفزة، لأن أي إنسان يربأ أن تلصق به التهم قبل أن يحقق معه.

ولذلك فإن الفقهاء يعتبرون المسائل المرتبطة بالتكفير مسائل قضائية لما يترتب عليها من أحكام شرعية كثيرة، ذلك أن من مقتضى فتوى ابن باديس هذه أنه لا يجوز الزواج من المرأة التيجانية، والمرأة التي تكون في ذمة تيجاني يفسخ زواجها منه، ولا يصلى على تيجاني، ولا يصلى خلفه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.. وغير ذلك كثير.

وكان الأجدى بابن باديس مع مكانته الاجتماعية أن يتصل بمشايخ وعلماء التيجانية الكثيرين، ليستوضح منهم حقيقة ما ينسب إليهم، ولا يرجع في ذلك إلى استفتاء أو إلى كتب لا ندري من طبعها، خاصة إذا أنكرها علماء التيجانية([46])، وتبرأوا مما فيها.

المطلب الثالث: تهمة ابتزاز الأموال

وهذه من أكثر التهم ورودا عند أعضاء الجمعية جميعا – على حسب ما نعلم- لأنهم يعتبرون الهدف الأساسي من الطرق هو استغلال أموال المريدين لمصالحهم الشخصية، بل يعتبرون أنه لولا ما يدر به المريدون والعوام من أموال على الزوايا ومشايخ الطرق لما بقيت هذه الطرق.

ونحب قبل أن نتحدث عن هذه التهمة التي وجهتها الجميعة للطرق الصوفية، وخصوصا الطريقة العلاوية أن نذكر المصادر المالية لهذه الطريقة، بناء على ما أوردته الدراسة المهمة التي أشرنا إليها سابقا، والتي تحمل عنوان (الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909) للباحثة غزالة بوغانم.

فقد ذكرت في دراستها أن الشيخ ابن عليوة عندما تصدر للإرشاد كان ينفق على من يقصده من الفقراء مما كان بين يديه من الأموال حتى اضطر لبيع أثاث مترله، واستمرت الضائقة المالية حتى بعد الحرب العالمية الأولى. ويذكر الشيخ أن نفسه لم تكن تسمح له بالأخذ من الفقراء.

وحتى بعد أن اشتهر أمره وكثر المتجردون للخدمة في الزاوية ومرافقها وكثر أتباعه، كان مما يوصي به الشيخ ابن عليوة المذكرين الذين يوجه وفودهم السياحية لمختلف المناطق لتذكير الناس، بعدم النظر لما بأيدي الناس، ويأمرهم بأن لا يسألوا الناس شيئا إلا الماء للوضوء([47]).

وتنقل عن بروباست بيرابان بأن الشيخ لم يفرض على أتباعه أي اشتراك سنوي بل ورفض عطاياهم، وأنه لم يستغل أبدا فقراءه ولم يغتن على حسابهم، وهو ما أكده الفرنسي الذي اعتنق الإسلام عبد الكريم جوصو أيضا، لكنه بعد أن كثر أتباعه، وكثرت حاجات الزاوية، وأصبح صاحب مشروع إصلاحي نهضوي تغير موقفه، وصار يقبل ما يسمى في عرف الزوايا (الزيارة)([48])، وهي عادة عبارة عن عطاءات عينية ونقدية، وهي واجبة ومحددة، وعادة يرسل المقدم الشاوش إلى من تخلف من الأتباع في دفعها لتحصيلها، ولكن غالبا ما كانت عملية الدفع تتم عن طيب خاطر([49])، وهي بذلك كمن يدفع الاشتراك للتنظيم الحزبي أو النقابي الذي ينتمي إليه.

ويذكر الدكتور أبو القاسم سعد الله أن هذه الزيارات أصبحت المفتاح الذي تتحكم به السلطات الفرنسية في الطرق الصوفية، فمن شاءت وفرتها له وسمحت له بها فاستغنى وتنفذ وسكت، ومن شاءت منعتها عنه فغلب على أمره ولجأ إلى حيل أخرى أو افتقر([50]).

بالإضافة إلى الزيارة كان من مصادر الدخل في الزاوية العلاوية بفروعها المختلفة عمل المتجردين من الخدمة في ممتلكات الشيخ دون أجرة، ومقابل عملهم يوفرون إنتاجا دون مصاريف تقريبا، حيث تقتصر مصاريفهم على تأمين المأوى لهم وكذا الأكل والشرب، فكانت عائدات الأراضي الفلاحية وإيرادات المحلات التجارية التي يعمل بها المتجردون، تستعمل للإنفاق على الزاوية الكبرى بمستغانم ومرافقها المختلفة.

كما كان الشيخ ابن عليوة يتلقى صدقات الأتباع حتى من الخارج، مما أثار ضده ضجة وأنه يأكل أموال الزكاة وهو ليس من مستحقيها، فطلب من مرسلي الصدقات إليه توضيح طبيعتها لينفق ما كان منها زكاة في وجوهها الشرعية([51]).

بالإضافة إلى هذا كان من مصادر الزاوية المالية جمع الإعانات والتبرعات، حيث كانت الزاوية ترسل لجمع التبرعات والإعانات كلما همت بإنجاز مشروع، وتخصص وفودا تقوم بالسياحة لهذا الغرض، أعلنت عنها لسان الدين الثانية، ولم أجد في البلاغ- فيما بين يدي من أعداده- مثل ذلك لكن جريدة البلاغ الجزائري نظمت حملة لجمع التبرعات لتأمين صدورها المنتظم. بعد أن مرت بأزمة مالية اضطرتها للتوقف عن الصدور بعض الوقت، وقد نشرت الصحيفة قوائم المتبرعين لها والمبالغ المتبرع بها.

بالإضافة إلى هذا كله شكلت أموال الزكاة مصدرا هاما لمداخيل الزاوية، لذا شن المصلحون حملة على مشايخ الزوايا الذين يتمعشون من أخذ الزكاة، وهي محرمة عليهم، لكون أصحاب الزوايا إما من أهل البيت، أو ليسوا من الأصناف الثمانية الذين شرعت لأجلهم الزكاة وقصدوا بحملتهم هذه بوجه خاص الشيخ ابن عليوة. وقد نشرت جريدة النجاح مقالا يتساءل فيه صاحبه عما يدفع من الأموال لأرباب الزوايا أو يستجلبونه بواسطة المقدمين بقصد الزكاة هل هو مجزي أم لا؟

فكتب ابن عليوة لجريدة النجاح يقول: أن صرف الزكاة لغير الأصناف الثمانية لا يحتمل الجواز لأنها فريضة من الله، ولكن لا يمتنع أن يكون في أرباب الزوايا من يصدق عليه الوصف بعينه، كأن يكون مسكينا أو مدينا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يحتمل أيضا أن يوجد من أرباب الزوايا من يأخذها ليصرفها في أبوابها. لذا أقر بأن دفعها له غير سديد، ولكنه لم يمنع إرسالها إليه، الشيخ ألح فقط على من أراد بإحسانه دفع زكاة أمواله- وأراد أن يتم صرف تلك الأموال بواسطته- أن يبين للشيخ أنها زكاة ليصرف ذلك المال في وجوهه الشرعية([52]).

بناء على هذا الواقع، فقد وقفت الجمعية سلبيا من هذه المصادر التي تمون بها الزوايا، من الملاحظات التي يمكن توجيهها للجمعية بسبب هذه التهمة:

الملاحظة الأولى:

أن حاجة الزوايا للمال لا تختلف عن حاجة الجمعية باعتبارها تمارس ما تمارس الجمعية من التربية والتعليم وتحفيظ القرآن، بل تمارس فوق ذلك دور الكفالة الاجتماعية، ونحوها مما سبق الحديث عنه عند ذكرنا لمشروع الطرق الصوفية الإصلاحي، وهو مما لا يختلف فيه، بل تقر الجمعية به، بل إن أكثر علماء الجمعية درس في تلك الزوايا.

وهذه المدارس– باتفاق الجميع – نظامها داخلي، وهي لذلك تتكفل بكل حاجات الطلاب، بل تتكفل الفقراء منهم تكفلا تاما.

وهذا يدعو إلى التساؤل عن الكيفية التي تمون بها هذه الزوايا إن قطع عنها المدد المالي الذي ينفقه المرتبطون بها من العوام أو المريدين.

ولسنا ندري كيف تنكر الجمعية هذا، وقد أفتى شيخ الفتوى فيها الشيخ العربي التبسي بأحقية المؤسسات التي تهدف إلى حفظ الدين والعلم في أخذ أموال الزكاة، فقال([53]): (الزكاة مشروعة لنشر الإسلام وإقامته ولسد حاجات الفقير المسلم. ذلك هو المقصد المستفاد من أصناف مصارف الزكاة التي منها سبيل الله. والفقهاء إذا اختلفوا قديما في جواز صرف أموال الزكاة لبناء المسجد مثلا إنما كان ذلك أيام كان بناء المساجد من واجبات الحكومة الإسلامية. أما الآن وقد عدمنا حكومة إسلامية فلا يعقل أن يقال ببقاء الأمة في مدنها وقراها من غير مساجد ولا مدارس. لأن منع صرف صرف الزكاة في هذه المصالح الدينية يؤدي إلى ذهاب الإسلام بعباداته ومظاهره الاجتماعية كالجماعة والجمعة، وإلى موت لغة الإسلام بين المسلمين)

وبين وجه الاستدلال في هذا مما ينطبق على الزويا انطباقا تاما، فقال: (ونحن اليوم في وطننا هنا إن لم نستعن بالزكاة لبناء المساجد والمدارس بقينا بلا مساجد ولا مدارس. وهذا يؤدي إلى ضياع الإسلام شعائره ومظاهره ولغته. وإن استعنا بها في بناء المساجد، وإقامة الشعائر الدينية، وتعليم الإسلام، وصلنا إلى المحافظة على مساجدنا وعلى مظاهرنا الاجتماعية، وتربى أبناؤنا على ما يجب أن تتربى عليه الناشئة الإسلامية في علومها وآدابها ولغتها. فصار صرف الزكاة لبناء المساجد والمدارس وسيلة مباشرة لبناء المساجد والمدارس والمدارس اللذين لا إسلام ولا دين ولا عربية بعدمهما. وشاهد ذلك ما وصلت إليه الأمة يوم أضاعت التعليم بسبب فقرها وانتثار جماعتها، وجمود فقهائها اللذين باتت فتاويهم حجر عثرة في طريق الإسلام وتعليم الأمة، وتبين أن صرف الزكاة في ذلك وسيلة لأداء هذا الواجب، ووسيلة الواجب واجبة)

والخلاصة التي خلص إليها من فتواه هي (أن الذي ندين الله به هو جواز صرف الزكاة للمساجد بناء وتعميرا، وللمدارس بناء وتسييرا)

ولا نرى فرقا بين زاوية التعليم ومدارس التعليم إلا في الأسماء، والأسماء لا تؤثر في المعاني والحقائق.

بعد هذا فإن الجمعية لو أنها – عند نقدها لهذا السلوك الذي تمارسه الزوايا – كانت عفيفة زاهدة، تنشئ المدارس من أموال أعضائها واشتراكاتهم لربما عذرناها في ذلك، ولكنها تتبع نفس الأسلوب الذي تتبعه الطرق الصوفية، بل إنها تكاد تستجدي الناس استجداء، حتى صارت تلقب كما عرفنا سابقا (جمعية العشور)

ونحن لا نلومها في هذا لأن المهام الخطيرة التي نذرت نفسها لها تستدعي ذلك، ولكن نلومها للمكاييل المزودجة.، أو كما قالت العرب: (رمتني بدائها وانسلت)، أو كما ورد في الحديث (يبصر القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه)([54])

وحتى لا يكون حديثنا مجرد دعوى، فإنا سيؤيده بهذا الاقتباس من محاضرة طويلة ألقاها الإبراهيمي بنادي الترفي بالعاصمة عام 1929 م([55]) في الفترة التي كان يحضر فيها لتأسيس الجمعية، وقد كان كل جهد الإبراهيمي في هذه المحاضرة بيان الحاجة للمال لتأسيس الجمعية، فقد قال بعد أن بين الأهداف الكبرى التي تريد الجمعية تحقيقها: (ودوننا في الوصول إلى القدر الصالح منه عقبات أكبرها فقدان المال، فلو اجتمعنا وتظاهرنا وملأنا الدنيا أقوالا لما أفادنا ذلك من العلم قليلا ولا كثيرا بدون مال.. إذن فالواجب على هيئاتنا المجتمعة محاربة الجهل بالعلم، ولا يتم ذلك إلا بالمال وأين المال وما أقل ما يكفي منه)([56])

ثم ذكر العقبات المرتبطة بهذا الجانب، فقال: (لا ننكر أن عند أغنيائنا مالا يكفي لبعض الواجب، ولكن يحول دون إخراجه في المشاريع النافعة أسباب: شح مطاع في البعض وجهل بطرق النفع العام في البعض، وأخرى نشكو منها إلى الله وهي عدم ثقة بعضنا بالبعض، هذا الخلق المشؤوم الذي أصبح خلقا ذاتيا فينا ولا نبحث عن أسبابه في هذا الحديث) ([57])

ولست أدري لم يعتبره خلقا مشؤوما، وهو قبل أن يحاضر هذه المحاضرة كان يحذر الناس من إعطائهم المال لرجال الزوايا، ويقول لهم: إنهم يبتزونكم، وأنهم ليسوا بأهل لإعطائهم أموالكم.

والناس عندما يسمعون هذا قد يكفون عن إعطاء أموالهم للزوايا ورجالها، ولكنهم أيضا لا يعطون أموالهم للجمعية، فمن يضمن أن تصرف تلك الأموال في محالها الصحيحة؟

ثم فوق ذلك كيف يتركون معلوما واضحا أمامهم، وهو الزوايا وما قامت به من أدوار فاعلة إلى جمعية لا يدرون مصيرها، ومصير أموالهم معها.

وقد ذكر الإبراهيمي، أنه وجد في هذا القطر في عهده الأخير جماعة من أبنائه البررة حاولوا التعليم بأسلوب قريب وطريقة منظمة، كل في دائرة اختصاصه، وجعلوا أعمالهم وأوقاتهم تضحية وطنية متكلين على التضحية الوطنية من جانب الأغنياء، لكنهم – كما يذكر الإبراهيمي – (ما جاوزوا مبادئ العمل حتى أعوزهم المال وأخطأ الاتكال، هنا وقعت المشادة الكبرى- قالوا للأغنياء: هاتوا المال، فقال بعضهم: هاتوا الثقة، وقال البعض: هاتوا الثبات، وقال بعضهم: لا أدفع مالي في غير ما يخص أهلي وعيالي.. أما الفريق الثالث فقد عذرناه لأنه مخلص لشحه وأنانيته، وأما الفريقان قبله فهما تحت رجم الظنون. وكانت خلاصة هذه المشادة أن تعطلت تلك المؤسسات العلمية النافعة في أول نشأتها وحرم الوطن من فوائدها وخرج الفريقان بالأعذار الباردة كل يتنصل من العهدة والعهدة على الجميع) ([58])

وبناء على هذا الطرح المنطقي ذكر الإبراهيمي أنه لو وجدت (جمعيات منظمة تقوم بهذا العمل لما كنا نحرم هذا الحرمان المؤلم ولشدت عضد هؤلاء المجاهدين، ولكان لها من مكانتها شفيع عند الأغنياء يقطع عذر المعتذر منهم ويخفف عاطفة الشح من الشحيح)([59])

ويتحدث الإبراهيمي – على حسب ما فقهه من مدرسة التنوير- عن تأثير المال وكونه عصب الحياة، (وأن مكان المال من الحياة مكان الوريد من البدن، وأن الزمان قد دار دورته وقضى الله أن يصبح المال والعدم سلاحين لا يطمع طامع في الحياة بدونهما فلننظر مكاننا منهما ومكانهما منا)([60])

هذا هو موقف الإبراهيمي من ضرورة المال في أي مشروع، وخاصة المشاريع الخيرية، ولسنا ندري لم يمنع الطرق الصوفية باعتبارها جمعية خيرية في أن يكون لها حظ من هذا المال لتؤدي به رسالتها.

ولم يقف الأمر بالنسبة للجمعية عند حد المحاضرات والخطب، بل كانت تسعى بكل الوسائل لتحصيل المال، وكانت تمد يدها كل حين للمجتمع ليمدها بما تقوم به مشاريعها، فهذا الإبراهيمي في افتتاحه لمعهد سطيف يخاطب الحضور قائلا: (إن الجمعية الدينية تفخر بما تم على يدها من هذا المشروع الواسع وتعترف بأنها إنما قامت ببعض الواجب، وهي ساعية بتوفيق الله في إتمام بقية هذا الواجب وهي المدارس القرآنية.. وما وسائل التعمير إلا المال الذي يرصد لتكون حياة الجامع مضمونة وحياة هذه المؤسسات مضمونة. وما التعمير الحقيقي إلا العلم والتعليم)([61])

وبناء على هذا طلب (من المحسنين أن يتعاهدوها بالإحسان ويمدوها بالمال فلا بقاء لهذه المؤسسات إلا بالإحسان المتواصل والمدد المتوالي.. وإنها تعد نفسها قائمة بواجب كفائي لا ترجو عليه من المخلوق جزاء ولا شكورا وقد أحسن إليها قوم وأساء إليها آخرون، فقالت للمحسنين أحسنتم وللمسيئين هداكم الله، عالمة أن من أساء اليوم سيحسن غدا إذا ظهر الحق واتضح السبيل، فهي تقابل الإساءة بالعذر تمهيدًا لمقابلة إحسانه بالشكر)([62])

ولسنا ندري سر هذه التفرقة العنصرية بين مؤسسات الجمعية ومؤسسات الزوايا، ولسنا ندري سر حاجة مؤسسات الجمعية ومراكز تعليمها إلى المال، بينما لا تحتاج الزوايا إلى المال، والأخطر من ذلك أن يعبر عن إعطاء المال لمدارس الجمعية بكونه إحسانا، بينما يعبر عن إعطاء المال لأختها من زوايا الطرق الصوفية ومدارسها بكونه بلاهة، ويعبر عن مستجدي المال لمؤسسات الجمعية من كونه داعية ومصلحا، ويعبر عن مستجدي المال للزوايا بكونه محتالا نصابا.

الملاحظة الثانية:

قد يقر البعض بما ذكرنا، ولكنه يعتذر لذلك بأن في الجمعية ثقاة محترمون، بخلاف الزوايا والطرق الصوفية، وإثبات هذا صعب جدا من الناحية الواقعية لأن المتعاملين مع الزوايا ومع الجمعية كلاهما بشر، وكلاهما يحب المال، وكلاهما يخطئ ويصيب، وكلاهما قد يخطئ فيمد يده لما لا يحل له، وما دام الأمر كذلك، فلم نصف الجمعية بالعصمة المطلقة، ونصف الزوايا بالخطأ المطلق؟

ولا حاجة لنا لإثبات ذلك، فالزاهري الذي كان محل احترام عظيم من الجمعية، بل رأس صحفها، صار بعد ذلك عميلا، بل صار متهما في أمانته، وقد نقلنا موقف الإبراهيمي منه، وحديثه عن خيانته المالية.

بناء على كل هذا نقول بأن الانحراف في التعامل مع الأموال، واستغلالها للمصالح الشخصية موجود في الزوايا – كما ذكر علماء الجمعية- ولكن لا يوجد فيها وحدها، بل في كل المحال، والمصلح هو الذي يتعامل مع الأصل، لا مع الانحراف.

بل إنا نرى أن الجمعية لا تقل في هذا السلوك عن الزوايا، بل الأخطر من ذلك أن نرى تشريع ابتزاز الأموال عبر فتاوى لا نرى لها أي دليل عليها، وفي حال وجود الدليل عليها من الصعب تحقيق مناطها.

فقد قال الشيخ العربي التبسي في فتواه السابقة: (والموضوع لست بمحتاج في إلى الاستشهاد بنصوص العلماء في جواز دفع الزكاة للفقهاء ولو كانوا أغنياء. لأن العلة في ذلك هي اليوم في تعليم الأمة وبناء المعاهد والمدارس أبين منها في الفقهاء. ولست أيضا في حاجة إلى نقل كلام الأئمة في نقل حق من لم يبق من الأصناف الثمانية إلى من يشبههم في المعنى الذي استحقوا من أجله الزكاة مادامت المسألة في بيان حكم فقهي إلى العامة التي لا تطالبنا بالدليل. ونحن نوافق فتوى أخذ الفقهاء من الزكاة إذا كان أولئك الفقهاء قد حبسوا جهودهم وعلومهم وحياتهم للجهاد في سبيل الإسلام، ونشره، والدفاع عنه. أما فقهاء السوء طلاب الدنيا فإننا لا نقول بجواز أخذهم من الزكاة)([63])

ولسنا ندري كيف يعرف العامة الفرق بين الفقهاء الصالحين وفقهاء السوء، لأن ذلك يستدعي البحث في النيات، والنيات محلها القلب، والقلب لا يطلع عليه إلا ربه.

بل إن الشيخ العربي التبسي بهذه الفتوى الخطيرة أعطى الرخصة لأي طويلب علم أن يبتز أموال الناس، بل زكواتهم، ثم يصرفها لنفسه حتى لو كان غنيا بحجة أنه فقيه، وأنه صالح.

بل إني أرى على وزارة شؤون الدنيا أن تمنع من تسرب هذه الفتوى للأئمة والمشرفين على صناديق الزكاة وإلا فلن يرى الفقراء منها لا قليلا ولا كثيرا.

المطلب الرابع: مداهنة الاستعمار

وهي من التهم المشتهرة، والتي لا تزال تتداول على الرغم من أن أكثر المقاومات كانت من رجال الطرق الصوفية، ولكن ذلك – مع ذلك- لا يشفع لهم عند أكثر الباحثين، نظرا لبعض التصريحات التي أدلوا بها، والتي تنسخ جميع ما قاموا به من أعمال تدل على غيرتهم على وطنهم.

مع أن الكثير من أمثال تلك التصريحات صدرت من رجال الجمعية، ووجدت التبريرات التي تسيغها، وكأمثلة على ذلك نذكر بعض مواقف ابن باديس من أحداث متفرقة، وكيف كان يتعامل معها بلغة دبلوماسية قوية تجمع بين المطالبة والاحتجاج مع الحكمة التي تبعده وتبعد جمعيته عن التعرض لأي ضغوط من المستعمر:

ففي التقرير الأدبي الذي ألقاه الشيخ ابن باديس في افتتاح اجتماع الجمعية السنوي سنة 1935م صور طريقة الجمعية في معالجة القضايا السياسية، وهي طريقة تحاول أن تجمع بين الاحتجاج وإظهار الثقة، فمما جاء فيه قوله: (لقد أبدت الجمعية ألم الأمة وألمها من ناحيتها الخاصة بها بما نشر لها وبما أبرقت من برقيات وما أرسلت من كتب، وقد أبدت ما لها من أمل يوم قابل رجالها وزير فرنسا (م. ريفي) وسمعت منه ما قوى ذلك الأمل.. وكم كان يسرني- وأنا رجل مسلم طبعتني تربيتي الإسلامية على الاعتراف بالجميل- أو استطعت أن أذكر لكم اليوم شيئا من تحقق ذلك الأمل. لكن بغاية الأسف لا أستطيع أن أقول لكم إلا أنه لم يتحقق شيء منه، فالمساجد ما تزال موصدة الأبواب في وجوه الوعاظ والمرشدين والمكاتب العربية ما زالت تلقى العراقيل الشديدة، وصحيفة الجمعية ما تزال في نطاق المنع والتحجير وما يزال رجال من أشخاص الجمعية البارزين تحت الرقابة والشدة بغير ذنب، غير أننا لا نقطع حبل الرجاء ما دام على رأس الإدارة رجل عالم خبير يقدر العلم وأهله ربما انفسح أمامه المجال للعمل في عهد الولاية الجديدة، ومع ذلك فإنني إبقاء لصوت الحق أرفع باسم جمعكم هذا إلى المراجع العليا الاحتجاج على بقاء هاته الحالة التي يحال فيها بين علماء الإسلام ومساجد الإسلام، ويحال فيها بين الأمة وتعلم دينها في أماكن دينها ويعرقل فيها المسلمون على تعليم أبنائهم، لغة وعقائد وآداب دينهم. ويخنق فيها صوت جمعية دينية علمية فيحال بينها وبين الصحافة التي هي الأداة المشروعة المعترف بها لكل جمعية لنشر دعوتها والدفاع عن نفسها)([64])

وفي خطبة ألقاها الشيخ ابن باديس بقصر الجمعيات الفرنسية بتونس، نرى التكتيك الذي كانت تمارسه الجمعية في تعاملها مع الشؤون السياسية، فمما جاء فيها قوله: (كانت مطالب الجزائر قبل انعقاد المؤتمر الجزائري الشهير مطالب متفرقة يقوم بها أفراد موزعون، ولما تأسس المؤتمر الجزائري في السنة الفارطة توجهت الأمة بمطالب عامة- سياسية، اقتصادية، علمية، عربية قومية- ومطالب الجزائر لا تزال في حيز الانتظار إلى الآن كما لا تزال مطالب تونس في حيز الانتظار.. وقد حدث شيء بعد ذلك وهو مشروع فيوليت الذي هو شيء واحد من المطالب التي قدمناها، وهو يعطى حق الانتخاب لعشرين ألف وبضعة آلاف وحق التصوت في جملة الفرنسويين.. ولقد صعب تنفيذ هذا المشروع لما اشترطه المؤتمر من المحافظة على الصفة الشخصية الإسلامية العربية، وها هو الآن في مهب الريح يمكن أن يتم ويمكن أن لا يتم.. وقد قبلت أكثرية الأمة مشروع فيوليت بالشرط المذكور وباعتباره أقل المطالب، أما الأقلية فقد أبت قبوله تماما لأنها تخشى بعض الألاعيب التي لا تدري متى تكون.. ونحن نحترم رأي هذه الأقلية ونؤمل بقاءها على رأيها، وهي تطالب بالاستقلال وأي إنسان يا سادة لا يحب الاستقلال؟ إن البهيمة تحن إلى الاستقلال الذي هو أمر طبيعي في وضعية الأمم.. أما موقف الحكومة التي أعطيناها ثقتنا من أول يوم فهو موقف التريث والتردد، تشاهد المعارضة من الرجعيين أصحاب المال الأقوياء، ونشاهد مطالب الجزائريين الضعفاء فتارة تعد كما قال م. فيانو وتارة تتوعد كما قال م. أوبو الذي يقول إذا أردنا الاحتفاظ على الشمال الإفريقي فلنحافط على القوة وقد أخطأ في ذلك، ولو كانت الحكومة تقبل نصيحتي كإنسان لنصحتها باستعمال الإحسان، الذي يمكنها به المحافظة على صداقة هذا الشمال الإفريقي)([65])

وقد حاول أحد أنصار ابن باديس أن يفرق بين ما كان يقوم به الشيخ ابن باديس باسم الجمعية وما كان يقوم به باسمه الشخصي، فهو في الحالة الأولى كان لا يخرج عن دائرة القوانين والتشريعات الجارية عندئذ، ولكنه في الحالة الثانية كان لا يتردد في استعمال لهجة العنف والاحتجاج ضد الإدارة الفرنسية([66]).

ولكن هذا – كما يذكر د. سعد الله – ليس صحيحا دائما، ففي (الشهاب) التي كانت تمثل وجهة نظر ابن باديس الشخصية أكثر من وجهة نظر الجمعية كانت كثيرا ما تحتوي على مجاملات قد ينظر إليها غير المعاصرين على أنها مفرطة في المجاملة، من ذلك نشرها لصور الوالي العام وتهنئته وتعزيته ووصف بعض رجال الإدارة بالعلم والخبرة ونحو ذلك([67]).

ومن ذلك – وهو أخطر من مجرد المجاملات- استدعاء ابن باديس للشرطة عند وقوع الهرج في نادي الترقي للمحافظة على الأمن، وقد انتقد في ذلك نقدا لاذعا وليم على استدعاء الشرطة (الفرنسية طبعا) لفض تنازع العلماء، لكن ابن باديس دافع عن الشرطة بحرارة([68]).

وقد دافع سعد الله عن هذا الموقف الحرج الذي وقع فيه ابن باديس والجمعية، فقال: (ومن هنا يتضح أن موقف العلماء لم يكن سهلا، فقد كانوا يمشون على البيض كما يقول المثل الأجنبي، فهم من جهة كانوا يريدون تحقيق مبادئهم وأهدافهم بأية وسيلة مشروعة، ومن جهة أخرى كانوا واقعين تحت طائلة إجراءات استثنائية مستعدة لعرقلة سيرهم، بل وضعهم في قفص الاتهام، لذلك كانوا يناورون ما وسعتهم الحيلة والمناورة ويجاملون ولكنهم لا يتنازلون عن مبادئهم، ومن أجل ذلك اصطدموا مرات بالإدارة)([69])


([1])  آثار ابن باديس (3/ 131)

([2])  جريدة الشريعة النّبويّة، العدد السّادس , الصّادر يوم الاثنين  29 ربيع الثاني 1352 للهجرة الموافق ل 21 أوت 1933 للميلاد.

([3])  جريدة الشريعة النّبويّة، العدد السّادس , الصّادر يوم الاثنين  29 ربيع الثاني 1352 للهجرة الموافق ل 21 أوت 1933 للميلاد.

([4])  جريدة الشريعة النّبويّة، العدد السّادس , الصّادر يوم الاثنين  29 ربيع الثاني 1352 للهجرة الموافق ل 21 أوت 1933 للميلاد.

([5])  جريدة الشريعة النّبويّة، العدد السّادس , الصّادر يوم الاثنين  29 ربيع الثاني 1352 للهجرة الموافق ل 21 أوت 1933 للميلاد.

([6])  جريدة الشريعة النّبويّة، العدد السّادس , الصّادر يوم الاثنين  29 ربيع الثاني 1352 للهجرة الموافق ل 21 أوت 1933 للميلاد.

([7])  مقال متسلسل نشره الشيخ تباعًا باسم (كاتب نقّاد) من أعضاء جمعية العلماء.

المقال الأول: العدد (7) من جريدة “السنّة”، 22 ماي 1933م.

المقال الثاني: العدد (9) من نفس الجريدة، في 5 جوان 1933م.

المقال الثالث: العدد (11) من نفس الجريدة، في 19 جوان 1933م.

([8])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 113)

([9])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 116)

([10])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 116)

([11])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 117)

([12])  رسالة الشرك ومظاهره (ص: 194)

([13])  رسالة الشرك ومظاهره، ص194

([14])  رسالة الشرك ومظاهره، ص441.

([15])  رسالة الشرك ومظاهره، ص442.

([16])  رسالة الشرك ومظاهره، ص442.

([17])  الشيخ عدة بن تونس، الروضة السنية، المطبعة العلاوية، مستغانم، ص21.

([18])  الشيخ عدة بن تونس، الروضة السنية، ص22

([19])  رسالة الشرك ومظاهره (ص: 364)

([20])  سنن الترمذي، (4/ 499)، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح)

([21])  آثار ابن باديس: (2/237)

([22])  عبد الرحمن بن ناصر السعدي، (القول السديد في مقاصد التوحيد)، مكتبة المعارف، الرياض، ص43.

([23])  البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد، ص 6.

([24])  البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد، ص42 .

([25])  البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد، ص 47، 48.

([26])  محمد بن عبد الوهاب، مجموعة مؤلفات الشيخ، مكتبة ابن تيمية،  5/229.

([27])  مجموعة مؤلفات الشيخ، 3/ 66.

([28])  الشريعة النبوية المحمدية، العدد4، ص7.

([29])  الشريعة النبوية المحمدية، العدد4، ص7.

([30])  الشيخ عثمان بن المكي التوزري الزبيدي، المرآة لإظهار الضلالات، دار الوطن للنشر، السعودين، ص14.

([31])  الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي، رسالة القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف،  المطبعة العلاوية، مستغانم، الطبعة الثانية، ص81.

([32])  نص صلاة الفاتح هي: (اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، الهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره) (أحمد محمد الحافظ التيجاني، أحزاب وأوراد القطب الرباني والعارف الصمداني، دار الحسام، الطبعة رقم 1، ص 12)

([33])  آثار ابن باديس (3/ 143)

([34])  ذكره الغزالي في الإحياء(1/324) بدون سند، وذكر نحوه عن بعض السلف، وأقرب ما حديث إليه ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (ج:6 ص:2017) عن ميمون بن مهران قال: إن الرجل ليصلي ويلعن نفسه في قراءته فيقول({أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18]) وإنه لظالم.

([35])  آثار ابن باديس (3/ 144)

([36])  آثار ابن باديس (3/ 146)

([37])  آثار ابن باديس (3/ 147)

([38])  آثار ابن باديس (3/ 147)

([39])  آثار ابن باديس (3/ 148)

([40])  آثار ابن باديس (3/ 148)

([41])  آثار ابن باديس (3/ 148)

([42])  آثار ابن باديس (3/ 149)

([43])  آثار ابن باديس (3/ 149)

([44])  آثار ابن باديس (3/ 150)

([45])  آثار ابن باديس (3/ 150)

([46])  سنرى الوثائق الدالة على إنكار التيجانية لمثل هذه العقائد في محلها.

([47])  غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص 151.

([48])  غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص151.

([49])  أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 4، المرجع السابق. ص 20.

([50])  أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج 4، المصدر السابق. ص 20.

([51])  أحمد بن مصطفى العلاوي : أعذب المناهل، ص 180، نقلا عن: غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص153.

([52])  أحمد بن مصطفى العلاوي : أعذب المناهل في الأجوبة والرسائل، ص 18، نقلا عن: غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص154.

([53])  نشرت هذه الفتوى في جريدة البصائر، السلسلة الثانية، السنة الثالثة، عدد 119، الإثنين 15/ماي/1950م الموافق 28/رجب/1369هـ، ص 2.

([54])  قال عنه العجلوني، إسماعيل بن محمد الجراحي في (كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس، دار إحياء التراث العربي، (2/ 388): (رواه أحمد عن أبي هريرة، وابن أبي الدنيا في المداراة عن بكر بن عبد الله المزني قال إذا رأيتم الرجل موكلا بذنوب الناس ناسيا لذنبه فاعلموا أنه قد مكر به، وروى الديلمي عن أنس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس)

([55])  مجلة الشهاب (الأجزاء5، 6، 7) المجلد الخامس، جوان، جويليه، أوت 1929.

([56])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 53)

([57])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 53)

([58])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 53)

([59])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 53)

([60])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 55)

([61])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 95)

([62])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 95)

([63])  جريدة البصائر، السلسلة الثانية، السنة الثالثة، عدد 119، 15/ماي/1950م الموافق 28/رجب/1369هـ، ص 2.

([64])  سجل مؤتمر العلماء المسلمين الجزائريين ص 74 – 76/ 16 جمادى الأخيرة 1354هـ – 15 سبتمبر 1935م.

([65])  آثار ابن باديس: 4/333، وانظر: البصائر: السنة الثانية العدد 71 الجمعة 9 ربيع الثانى 1356ه 18 جوان 1937م. ص4، ع 1 و2 و3 وص 5، ع 1 و2.

([66])  بوكوشة، (المعرفة) الجزائرية، أبريل 1964، ص17.

([67])  الحركة الوطنية: 3/92.

([68])  انظر: الشهاب: ج 8، م 8، ص 401 – 409 غرة ربيع الأول 1351ه – أوت 1632م، وانظر: آثار ابن باديس: 4/321.

([69])  الحركة الوطنية: 3/93.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *