المبحث الأول: الاتجاه الفكري للطرق الصوفية

المبحث الأول: الاتجاه الفكري للطرق الصوفية

قد يتبادر إلى الذهن – بادئ الرأي – أنه ليس من الصعب التعرف على الاتجاه الفكري للطرق الصوفية، فالطرق الصوفية تنتسب إلى التصوف، وإذن فإن توجهها توجه صوفي.

وهذا يصح لو كان التصوف شيئا واحدا، أو كان الصوفية أصحاب مدرسة واحدة، والواقع التاريخي يقول خلاف ذلك، فالصوفية مثلهم مثل السلفية ليسوا شيئا واحدا، ولا مدرسة واحدة، بل هم مدارس متعددة، وأحيانا متناقضة، حالهم حال السلفية، وهذا من أسباب تعدد الطرق الصوفية، وكثرة الخلاف بين مدارس الصوفية في كثير من القضايا، وقد يصل الخلاف أحيانا إلى درجة التبديع والتضليل مثلما عرفنا في التوجه السلفي تماما.

وانقسام الصوفية إلى اتجاهات ومدارس هو الاعتقاد السائد عند أكثر الباحثين في التصوف سواء كانوا من المؤيدين له أو المنكرين عليه، وإن كان هناك من يرى الصوفية شيئا واحدا، ومنهم بعض أعضاء جمعية العلماء المسلمين، كما عرفنا ذلك سابقا عند عرضنا لآراء المتشددين.

ولكنا مع ذلك فإنا سنتعامل هنا مع الاعتقاد السائد بتقسيم الصوفية إلى مدارس متعددة، لنرى من خلال ذلك الاتجاه الذي ينتمي إليه صوفية الجزائر الذي تعاملت معهم جمعية العلماء.

ولعل أدق تقسيم قديم للصوفية من المعارضين لها، ومن الذين تبنت المدرسة السلفية منهجهم تقسيم ابن تيمية، فهو يقسم التصوف إلى قسمين كبيرين، ثم يقسم كل قسم منهما إلى ثلاثة أقسام، أما القسم الكبير الأول، فهو من جهة النظر إلى السلوك الصوفي العملي، وينقسم الصوفية فيه ــ بحسب نظر ابن تيمية ــ إلى ثلاثة أقسام، هي: صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق، وصوفية الرسم.

أما القسم الكبير الثاني، فهو من جهة النظر إلى معتقدات الصوفية النظرية، وينقسم الصوفية فيه إلى ثلاثة أقسام كذلك، وهي: السلفية، والأشعرية، والحلولية والاتحادية([1]).

هذا هو المنهج الذي اختاره ابن تيمية والكثير من أتباعه بما فيهم الكثير من أعضاء جمعية العلماء عند الحديث عن التصوف، بينما يرى أكثر الصوفية – المتأخرين منهم خصوصا – أن هذه التقسيمات اعتبارية لا حقيقية، أو كما عبر شاعرهم بقوله:

عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُكَ وَاحِدٌ
 
وَكُلٌّ إلَى ذَاكَ الْجَمَالِ يُشيرُ
 

أو كما ينقل الشيخ ابن عليوة كل حين([2]):

وكم بين حذّاق الجدال تنازع
 
وما بين عشّاق الحبيب تنازع
 

أو كما عبر الشيخ أحمد زروق في (القاعدة 60)، والتي هي كأصول الفقه عند الصوفية، فقد قال تحت عنوان (تعدد وجوه الحسن، يقضي بتعدد الاستحسان): (تعدد وجوه الحسن، يقضي بتعدد الاستحسان، فمن ثم كان لكل فريق طريق: فللعامي تصوف حوته كتب المحاسبي، ومن نحا نحوه، وللفقيه تصوف رحاه ابن الحاج في مدخله، وللمحدث تصوف حام حوله ابن العربي في سراجه، وللعابد تصوف دار عليه الغزالي في منهاجه، وللمتريض تصوف نبه عليه القشيري في رسالته، وللناسك تصوف حواه القوت والإحياء، وللحكيم تصوف أدخله الحاتمي في كتبه، وللمنطقي تصوف نحا إليه ابن سبعين في تآليفه، وللطبائعي تصوف جاء به البوني في أسراره. وللأصولي تصوف قام الشاذلي بتحقيقه، فليعتبر كل بأصله من محله)([3])

وانطلاقا من هذين التقسيمين، وانطلاقا من صحبتي لبعض الطرق الصوفية، ومشايخها الكبار في الجزائر، وخاصة الشيخ عبد الباقي مفتاح، صاحب المؤلفات الكثيرة في التاريخ الصوفي في الجزائر، بالإضافة إلى كتبه في الفلسفة الصوفية، أرى أنه يمكن أن يقسم التصوف – بحسب وجوده في الواقع- إلى قسمين، أو مدرستين قد تتداخلان فيما بينهما، فيكون الصوفي الواحد في القسمين جميعا، ثم إن لكل قسم أنواعه الخاصة به كذلك، وهذان القسمان هما:

التصوف السلوكي: وهو التصوف الذي يهتم بالسلوك والمجاهدات والأذكار ونحوها، ويمكن تقسيمه بحسب الممارسات السلوكية فيه إلى قسمين: قسم متفق على ممارساته السلوكية، وهو يدخل ضمن ما يسمى بالتصوف السني، وقسم مختلف في ممارساته، وهو الذي يسميه أعداؤه (التصوف البدعي)، ونحن نؤثر تسميته بـ (التصوف المختلف فيه)، باعتبار أنه يستدل لممارساته باجتهادات فقهاء ومحدثين كبار من القدماء والمحدثين، ومثل هذا لا يستعجل فيرمى بالبدعة، وسنرى تفاصيل الخلافات الواردة في هذا النوع في الفصل الخاص بالسلوك الصوفي.

التصوف العرفاني: وهو الذي يطلق عليه كذلك لقب (التصوف الفلسفي)، وهو موجود في كل الطرق الصوفية، وهو عادة تصوف النخبة من المثقفين الصوفيين، لأن فيه جوانب فلسفية لا يطيقها العامة، ولعل أحسن من يمثله في وقت الجمعية الشيخ ابن عليوة، كما سنرى، وهو في الواقع أيضا ينقسم بحسب المعارف التي يهتم بها هذا النوع إلى أقسام كثيرة، تبدأ من العرفان الإلهي، وتنتهي إلى الاهتمام بالسحر والشعوذة.

انطلاقا من هذا التقسيم الذي رأيناه نحاول في هذا المبحث أن نبين العلاقة بين الطرق الصوفية الجزائرية المعاصرة للجمعية وبين كلتا المدرستين الكبيرتين، وقبل ذلك نحاول أن نبين الصلة بين الطرق الصوفية والتصوف، لأن هناك من يشكك في هذه الصلة.

وبناء على هذا قسمنا هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: حقيقة التصوف وعلاقة الطرق الصوفية به

المطلب الثاني: التصوف السلوكي وعلاقة الطرق الصوفية به

المطلب الثالث: التصوف العرفاني وعلاقة الطرق الصوفية به

المطلب الأول: حقيقة التصوف وعلاقة الطرق الصوفية به

لقد حصل نوع من الجدل بين الجمعية والطرق الصوفية حول العلاقة بين التصوف والطرق الصوفية، فهناك من الجمعية من يرى الطرق الصوفية شيئا آخر غير التصوف، وهناك من يراهما شيئا واحدا، ويحمل عليهما حملة واحدة، ولهذا فقد آثرنا أن نبدأ الحديث عن التوجه الفكري للطرق الصوفية من خلال تعريف التصوف، وتعريف الطريقة، ثم بيان العلاقة بينهما.

أولا ــ حقيقة التصوف والطرق الصوفية:

لم يحظ مصطلح من المصطلحات بجدل فكري مثلما حظي مصطلح التصوف، حتى أننا نجد سريان هذا الجدل إلى تعريفه اللغوي واشتقاقه ومصدره، أما حقيقته فالجدل فيها لا ينتهي، ولهذا فإن المنهج العلمي يقتضي البحث عن الحدود الضابطة لهذا المصطلح حتى نخرج منه ما ليس منه.

لأن هناك في الواقع الجزائري من لا يفرق بين زوايا الطرق الصوفية التي تنشر الذكر وتربي المريدين عبر مناهج معينة، وبين زوايا المشعوذين والكهان وغيرهم، بحجة أن الجميع يسمي البناء الذي يمارس فيه وظيفته (زاوية)، حتى أن الأمر تعدى إلى الزوايا العلمية، فنسبت هي الأخرى إلى الشعوذة والخرافة بحجة أنها تسمى (زاوية)

ولهذا نحاول هنا أن نضع الحدود الجامعة في تصورنا للتصوف والطرق الصوفية، وذلك عبر بعض البحث في الجدل الذي حام حولها.

1 ــ حقيقة التصوف

لغة:

اختلف الباحثون في أصل كلمة (تصوف)، فمنهم من يذكر أنها مشتقة من (الصفة) أو (صفة المسجد) وهو مكان في مؤخرة مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، كان يجلس إليه المتعبدون والزهاد من فقراء المسلمين، ويرى آخرون أنها مشتقة من (الصف)، ويقصدون به الصف الأول، في إشارة إلى أن الصوفية هم الذين يجلسون في الصف الأول في المسجد أثناء الصلاة، ويرى آخرون أن التصوف نسبة إلى (صفوة) أو (بني صفوة) وهم قوم كانوا في الجاهلية يخدمون الكعبة ويجهزون الحجيج، ويقول أبو عبيدة أنهم قبائل اجتمعوا وتشبكوا كما يتشبك الصوف([4]).

والصوفية يميلون إلى أنه مشتق من (الصفاء) , ويرددون مع أبي الفتح البستي([5]):

تنازع الناس في الصوفي واختلفوا
 
وظنه البعض مشتقا من الصوف
 
ولست أمنح هذا الاسم غير فتى
 
صافي فصوفي حتى سمى الصوفي
 

والقول الأشهر والذي رجحه الكثير، ويدل عليه البناء اللغوي للكلمة هو اشتقاقها من (الصوف)، ويقول ابن تيمية: (هؤلاء- الصوفية- نسبوا إلى ظاهر اللبسة وهي لباس الصوف، فقد قيل في احدهم صوفي وليس طريقهم مقيدا بلباس الصوف، ولا هم أوجبوا ذلك ولا علقوا الأمر به ولكن أضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال)([6])

وقد علل ذلك بقوله: (فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن، وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر أهل الأمصار؛ ولهذا كان يقال فقه كوفي وعبادة بصرية)([7])

وكثير من الصوفية يقبلون هذه النسبة، فالسهروردي الصوفي ذكر صحة هذه النسبة، واستدل لها بأدلة كثيرة ليس هذا محل ذكرها([8]).

وهذه الأقوال جميعا محل نقد إما بالاعتبار اللغوي لبناء الكلمة([9])، أو لاعتبار المعنى، فقد يصح البناء، ولكن لا يتوافق مع المعنى، وقد يصح المعنى ولا يساعد عليه البناء، ولهذا نجد محققي الصوفية يرفضونها جميعا، يقول أبو القاسم القشيري في رسالته: (فأما قول من قال:إنه من الصوف, ولهذا يقال:تصوّف إذا لبس الصوف كما يقال: تقمص إذا لبس القميص, فذلك وجه. ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف. ومن قال: إنهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فالنسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفي. ومن قال: إنه مشتق من الصفاء, فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة. ومن قال:أنه مشتق من الصف, فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم فالمعنى صحيح, ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف)([10])

بل إنه يصرح بأنه (ليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية، قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب)([11])

ومثله قال الهجويري: (واشتقاق هذا الاسم لا يصح على مقتضى اللغة، من أي معنى؛ لأن هذا الاسم أعظم من أن يكون له جنس يشتق منه، وهم يشتقون الشيء من شيء مجانس له، وكل ما هو كائن ضد الصفاء، ولا يشتق الشيء من ضده، وهذا المعنى أظهر من الشمس عند أهله، ولا يحتاج إلى العبارة)([12])

ولعل هذا ما جعل البعض يميل إلى أن الكلمة غير عربية، ويدلّل أصحاب هذا الرأي على صحته بانتشاره في بغداد وما حولها بعد حركة الترجمة النشطة في القرن الثاني الهجري، بينما لم تعرف في نفس الفترة في جنوب وغرب العالم الإسلامي.

ويضاف إلى هذا التشابه في أصل الفكرة عند الصوفية واليونان، حيث أفكار وحدة الوجود والحلول والإشراق والفيض، كما استدلوا على قوة هذا الرأي بما ورد عن كبار الصوفية مثل السهروردي المقتول بقوله: (وأما أنوار السلوك في هذه الأزمنة القريبة فخميرة الفيثاغورثيين وقعت إلى أخي أخميم- ذي النون المصري- ومنه نزلت إلى سيار ستري وشيعته،أي سهل التستري)([13])

ونحب أنشير هنا إلى أن مبارك الميلي، وهو أحد أعضاء جمعبة العلماء المسلمين الجزائريين انتصر لهذا الرأي، وهو يدل على موقفه الشخصي من جهة، وموقف الجمعية من من التصوف من جهة أخرى، قال في (تاريخ الجزائر في القديم والحديث): (فإن التصوف معرب تيوصوفية (théosophie) يوناني مركب من تيوص بالمعنى الإله وصوفية بمعنى الحكمة… ودخلت لفظة التصوف اليونانية إلى العربية لما ترجمت كتب اليونانية والهند في الدور العباسي رسميا أيام المأمون… فأخذ من التصوف كل فريق حسب استعداده وصورة بما يلائم غايته، واختلفت قواعد (التصوف ونظمه باختلاف جنسية المتصوف وعصره ومصره وميله)([14])

اصطلاحا:

كما اختلفت مواقف الباحثين في الاشتقاق اللغوي لكلمة (التصوف)، فكذلك حصل الاختلاف في تعريفه اصطلاحا اختلافا شديدا، حتى أن بعض العلماء ذكر أن تعريفات التصوف قد تصل إلي الألف([15])، ولا بأس من إيراد بعض التعريفات هنا، ثم نستخلص بعدها ما نراه من تعريف جامع لما ذكروه:

عرفه الهجويري بقوله: (الصوفي هو الفاني عن نفسه، والباقي بالحق، قد تحرر من قبضة الطبائع، واتصل بحقيقة الحقائق، والمتصوف هو من يطلب هذه الدرجة بالمجاهدة، ويقوم نفسه في الطلب على معاملاتهم)([16])

وعرفه المحقق الصوفي الكبير محيي الدين بن عربي شعرا، فقال([17]):

فاعلم أن التصوف تشبيه بخالقنا
 
لأنه خلق فانظر ترى عجبا
 

ومثله عرفه الكاشاني في (اصطلاحات الصوفية)، فقال: (التصوف: هو التخلق بالأخلاق الإلهية)([18])

وأما السهروردي، فقد أورد باباً خاصاً في كتابه المتداول بكثرة لدى الصوفية (عوارف المعارف) سماه (الباب الخامس في ماهية التصوف)، وقد ذكر فيه أن أساس التصوف هو الفقر، قال: (فالفقر كائن في ماهية التصوف وهو أساسه وبه قوامه)، ونقل أقوالاً كثيرة عن صفة هذا الفقر الصوفي، منها: ما قاله الشبلي حين سئل عن حقيقة الفقر فقال: (ألا يستغني بشيء دون الحق)، ونقل عن مظفر القرميسني أنه قال: (الفقير الذي لا يكون له إلي الله حاجة)([19])

بعد هذا فإنا نرى أن سر الاختلاف في تعريف التصوف، وهو ما نشأ عنه بعد ذلك الاختلاف بين الطرق الصوفية، هو أن التصوف ليس شيئا واحدا، بل هو أشياء كثيرة([20])، ومدارس مختلفة، وأحيانا متناقضة، ولهذا، فإن الأحرى لمن يريد أن يعرف ماهية التصوف أن يبحث أولا عن الجماعة التي تتبناه، ويحلل معارفها وسلوكها ليستنبط من خلال ذلك التعريف المرتبط بها.

وقد أشار إلى هذا ابن تيمية عندما حلل صوفية عصره، فقسمهم إلى ثلاثة أقسام، وهي: (صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق، وصوفية الرسم)، ثم عرف القسم الأول بأنهم من (عِنْدهم حقائق وأحوال مَعْرُوفَة كَقَوْلِه بَعضهم الصُّوفِي من صفا من الكدر وامتلأ قلبه من الْفِكر واستوى عِنْده الذَّهَب وَالْحجر والتصوف كتمان السِّرّ وَترك الدَّعَاوَى وَهَؤُلَاء يشيرون إِلَى معنى الصدْق)([21])

وعرف القسم الثاني بقوله: (وأما صوفية الأرزاق فهم الذين وقفت عليهم الوقوف كالخوانك، فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق فإن هذا عزيز، وأكبر أهل الحقائق لا يتصدون بلوازم الخوانك ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط) ثم ذكرها , وهي: (وجود العدالة الشرعية فيهم , والتأدب بآداب الشرع , وألا يكون متمسكاً بفضول الدنيا)([22])

وعرف القسم الثالث بقوله: (وأما صوفية الرسم فهمهم المقتصرون على النسبة، فهمُّم في اللباس والآداب الوصفية ونحو ذلك)([23])

وهكذا الفخر الرازي، فقد أفرد في كتابه (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين) بابا خاصا للصوفية هو (الباب الثامن في أحوال الصوفية) وقسمهم إلى([24]):

1 ــ أصحاب العادات، وهم قوم منتهي أمرهم وغايته تزيين الظاهر كلبس الخرقة وتسوية السجادة.

2 ــ أصحاب العبادات، وهم قوم يشتغلون بالزهد والعبادة مع ترك سائر الأشغال.

3 ــ أصحاب الحقيقة، وهم قوم إذا فرغوا من أداء الفرائض لم يشتغلوا بنوافل العبادات بل بالفكر وتجريد النفس عن العلائق البدنية.

4 ــ النورية، وهم طائفة يقولون أن الحجاب حجابان نوري وناري، فالنوري هو الاشتغال باكتساب الصفات المحمودة كالتوكل والشوق والتسليم والمراقبة والأنس والوجد والحال، وأما الناري فهو الاشتغال بالشهوة والغضب والحرص والأمل لأن هذه الصفات نارية.

5 ــ الحلولية، وهم طائفة من هؤلاء القوم الذين ذكرناهم يرون في أنفسهم أحوالا عجيبة، وليس لهم من العلوم العقلية نصيب وآخر يتهمون أنهم قد حصل لهم الحلول أو الاتحاد فيدعون دعاوى عظيمة.

6 ــ المباحية، وهم قوم يحفظون طاعات لا أصل لها، وتلبيسات في الحقيقة، وهم يدعون محبة الله، ويخالفون الشريعة ويقولون إن الحبيب رفع عنا التكليف.

وهكذا، فقد صار في الصوفية أصناف كثيرون، هناك من يجعلهم جميعا شيئا واحدا، وهناك من يفرق بينهم، وكمثال على ذلك التفريق بين الزهد والتصوف، فالبعض يعتبر الزهاد صوفية، والبعض يفرق بينهم، فلا يسم الزهاد باسم الصوفية.

فمن الذين يفرقون بين الزهد والتصوف شهاب الدين السهروردي الذي قال في ذلك: (التصوف غير الفقر، والزهد غير الفقر، والتصوف غير الزهد، فالتصوف: اسم جامع لمعاني الفقر، ومعاني الزهد، مع مزيد أوصاف وإضافات، لا يكون بدونها الرجل صوفيا، وإن كان زاهدا فقيرا)([25])

ومثله ابن الجوزي، الذي ذهب إلى أن: (التصوف مذهب معروف يزيد على الزهد، ويدل على الفرق بينهما: أن الزهد لم يذمه أحد، وقد ذموا التصوف)([26])

ومثلهما نيكلسون الذي قال: (والصوفية الأولون كانوا في الحقيقة زهادا وادعين، أكثر منهم متصوفة)([27])

وإلى هذا أيضا ذهب الدكتور عبد الحليم محمود الذي قال: (الزهد في الدنيا شيء، والتصوف شيء آخر، ولا يلزم عن كون الصوفي زاهدا، أن يكون التصوف هو الزهد)([28])

في مقابل هؤلاء نجد الكثير من الباحثين، وخاصة ممن يعارضون التصوف، يذكرون في معرض نقدهم للتصوف سلوك بعض الزهاد الذي لا يعتبرهم الصوفية من طائفتهم، بل قد يعارضونهم وينتقدونهم هم كذلك.

وهذا ما يبين ضرورة ضبط المصطلح بحسب الموقع الذي يكون فيه الحديث عنه، وبما أننا نتحدث عن التصوف الجزائري الذي عبرت عنه الطرق، فإنه من الضروري الرجوع إلى أصحاب هذه الطرق للتعرف على تصورها للتصوف، وسنحاول أن نبحث عن ذلك عند الحديث عن نوع الاتجاه الصوفي للطرق الصوفية الجزائرية.

2 ــ حقيقة الطرق الصوفية

لغة: تطلق الطريقة على مذهب الشخص وحاله. وطريقة الرجل مذهبه. يقال: (ما زال فلان على طريقة واحدة أي حالة واحدة)([29])

اصطلاحا: يربط الصوفية عادة بين ثلاثة مصطلحات لا يمكن التعرف على حقيقة (الطريقة الصوفية) إلا من خلالها، وهي: الشريعة، والطريقة، والحقيقة، وهم يربطونها بأركان الدين الكبرى (الإسلام، الإيمان، الإحسان) باعتبارها مراحل يسير فيها السالك، أو يعرج من خلالها إلى الله ليتحقق بما وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله في تعريف الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فهو يراك)([30])

وقد وضح الشيخ ابن عجيبة، وهو من مصادر الطرق الصوفية الجزائرية الكبار، وخاصة الفروع المرتبطة بالطريقة الشاذلية، كالطريقة العلاوية، أسرار هذه الأقسام ووجه الحاجة إليها، والمصطلحات المرتبطة بها، فقال: (الأعمال عند أهل الفن – أي الصوفية- على ثلاثة أقسام: عمل الشريعة، وعمل الطريقة، وعمل الحقيقة، أو تقول عمل الاسلام، وعمل الإيمان، وعمل الأحسان، أو تقول عمل العبادة، وعمل العبوديه، وعمل العبودة، أي الحرية، أو تقول عمل أهل البداية، وعمل أهل الوسط، وعمل أهل النهاية)([31])

بعد أن سرد هذه المصطلحات بين الصوفية للتعبير عن مراحل السير، ذكر التعريفات المرتبطة بها، والتي تدل على المقصد منها، فقال: (فالشريعة أن تعبده، والطريقة أن تقصده، والحقيقة أن تشهده، أو تقول الشريعة لإصلاح الظواهر، والطريقة لإصلاح الضمائر، والحقيقة لإصلاح السرائر)([32])

ثم فصل الممارسات المرتبطة بكل جهة، فقال: (واصلاح الجوارح بثلاثة أمور بالتوبة والتقوى والاستقامة، واصلاح القلوب بثلاثة أمور بالإخلاص والصدق والطمأنينة، واصلاح السرائر بثلاثة أمور بالمراقبة والمشاهدة والمعرفة، أو تقول إصلاح الظواهر باجتناب النواهي وامتثال الأوامر، واصلاح الضمائر بالتخلية من الرذائل والتحلية بأنواع الفضائل، واصلاح السرائر وهي هنا الأرواح بذلها وانكسارها حتى تتهذب وترتاض الأدب والتواضع وحسن الخلق)([33])

ثم بين ارتباط هذه المراحل بعضها ببعض، فقال: (ولا يصح الانتقال إلى مقام حتي يحقق ما قبله، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فلا ينتقل إلى عمل الطريقة حتى يحقق عمل الشريعة وترتاض جوارحه معها بأن يحقق التوبة بشروطها ويحقق التقوي بأركانها ويحقق الاستقامة بأقسامها وهي متابعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، فإذا تزكي الظاهر وتنور بالشريعة انتقل من عمل الشريعة الظاهرة إلى عمل الطريقة الباطنة، وهي التصفية من أوصاف البشرية.. فإذا تطهر من أوصاف البشرية تحلى بأوصاف الروحانية، وهي الأدب مع الله في تجلياته التي هي مظاهره)([34])

ونحب أن نبه هنا إلى أن ابن باديس – على حسب ما يبدو- لا ينكر هذا التقسيم، فقد نشر في مقالة الأستاذ البكري في وصيته: (إن أهل الطريق يجب عليهم أن لا يخطوا خطوة ينكرها الشرع عليهم فإن من خالف الشريعة المحمدية تاه وضل عن الطريقة المرضية، فالشريعة أصل والحقيقة فرعها، فمن لم يحكم الأصل لا ينتفع بالفرع)([35])

وبناء على هذا، فإن الطريقة عند الصوفية هي المرحلة الوسطى في السلوك، والتي يخرج بها المريد الصوفي من العموم إلى الخصوص، أو هي المرحلة التي ينتقل فيها المريد من رعاية جوارحه إلى رعاية قلبه، أو هي المرحلة التي لا يكتفي فيها المريد باسم الإسلام، وإنما ينتقل إلى اسم الإيمان، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]

وبناء على هذا يرى الصوفية أنه لا تنافر بين هذه الثلاثة، بل هي مراحل في التعمق في التحقق بالدين، لا على مستوى الجوارح فقط، بل على مستوى الكيان كله.

وقد سئل الشيخ ابن عليوة عن معنى الشريعة، والطريقة، والحقيقة، وهل هناك تنافر بينها، وكان مما أجاب به قوله: (إنّ الشريعة هي عبارة عن الأحكام المنزلة على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم المستفادة من قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر: 7]، والطريقة هي عبارة عن تطبيق تلك الأحكام على أعمال المكلّف، ظاهرا وباطنا، تطبيقا محكما، والحقيقة هي ما يحصل للمريد من المعارف والعلوم الناشئة عن أعماله، قال تعالى: {واتَّقوا اللهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللهُ } [البقرة: 282]، وإذا لا تنافر بهذا الاعتبار، إنّما هي ألفاظ منها ما وضع لتدل على الأحكام المجرّدة باصطلاح، ومنها ما وضع لتدل على العمل بها، ومنها ما وضع لتدلّ على النتائج الحاصلة عن ذلك العمل، وإذا حققت لم تجد هناك إلاّ الشريعة)([36])

فقال السائل: ولم سمينا تطبيق أوامر الشرع على أفعال المكلّف بالطريقة، وما هي المناسبــــــــــــــــــة؟ فأجاب قائلا: (إنّ تطبيقه ذلك يعتبر منه تزحزحا في سبيل القرب إلى الله عزّ وجلّ، لما في الحديث القدسيّ: (ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه)([37])، فيصح أن يطلق على ذلك العمل سيرا وطريقا أيضا)([38])

بعد هذا التوضيح الضروري يمكن تعريف الطريقة الصوفية بما عرفها به الشيخ مولاي التهامي بقوله: (الطريقة عند الصوفية: هي إقامة ناموس العبودية عبر الرحلة الممتدة من الخلق إلى الحق، وهو السبيل العارج من العالم الفاني إلى حضرة الباقي عز وجل، وقد استخدم القوم لفظة (السلوك) للإشارة إلى الطريق الصوفي لما تحمله من دلالات خاصة بالخروج والدخول معا.. فالطريق خروج من وهمه الغفلة وحب الدنيا ودخول في طاعة المولى وصحبته)([39])

وفي موضع آخر يقول: (الطريقة هي أسلوب عملي يطلق عليها أيضا: المذهب والرعاية والسلوك لإرشاد المريد عن طريق اقتفاء أثر طريقة تفكير وشعور وعمل تؤدي من خلال تعاقب مراحل المقامات في ارتباط متكامل مع النفسية المسماة حالات أو أحوال إلى معايشة تجربة الحقيقة المقدسة.. وكانت الطريقة تعني أولا ببساطة ذلك المنهج التدريجي للتصوف التأملي تحرير الروح) ([40])

وبناء على هذا يعرف الطرق الصوفية بأنها (منظمات شعبية يتكون كل منها من شيخ وطائفة من المريدين أو الأتباع، وكل شيخ يحاول قدر طاقته وتوفيقه، وعلى مبلغ إيمانه وإخلاصه أن يوجه مريديه وأتباعه إلى الطريق المستقيم وإلى عبادة الله سبحانه وتعالى وإلى التحلي بالأخلاق الفاضلة عن المراقبة لله والخوف منه في الانفراد والاجتماع)([41])

ويمكن اختصار هذه التعاريف بأن (الطريقة هي المنهج الذي يسلكه المريد ليتحقق بحقيقة الإيمان والإسلام دون الاكتفاء بالظواهر التي جاءت بها الشريعة)

وهي بالتالي تحتاج إلى مرشد وبرنامج، كما يحتاج سالك ظاهر الشريعة إلى فقيه وفقه، وبناء على الاختلاف الذي حصل في الفقه فنشأت المذاهب، حصل الاختلاف في مناهج السلوك، فنشأت الطرق الصوفية.

ولتبسيط هذا نضرب مثالا على ذلك بالصلاة، فللصلاة – حسب الصوفية – شريعة وطريقة، أما شريعتها، فأن تؤدى كما ذكر الفقهاء بشروطها وأركانها على حسب آراء المذاهب الفقهية المختلفة، وأما تحولها إلى طريق إلى السلوك إلى الله، فيحتاج إلى أشياء أخرى لا يذكرها الفقهاء، وإنما يذكرها الصوفية، وأهمها الخشوع.

وقد ذكر أبو حامد تقصير الفقهاء في هذا الجانب، وهو ما جعل الصوفية يتولون الحديث عنه، فقال في حديثه عن فتاوى الفقيه المرتبطة بالصلاة: (وأما الصلاة فالفقيه يفتي بالصحة إذا أتى بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط وإن كان غافلا في جميع صلاته من أولها إلى آخرها مشغولا بالتفكير في حساب معاملاته في السوق إلا عند التكبير وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة كما أن القول باللسان في الإسلام لا ينفع ولكن الفقيه يفتي بالصحة أي أن ما فعله حصل به امتثال صيغة الأمر وانقطع به عنه القتل والتعزير فأما الخشوع وإحضار القلب الذي هو عمل الآخرة وبه ينفع العمل الظاهر لا يتعرض له الفقيه، ولو تعرض له لكان خارجا عن فنه)([42])

ومثله الصوم فقد عرفه الشيخ ابن عليوة بأنه مطلق الامساك، و(أنه يأخذ حكمه في المقامات الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، فإذا أكل الصائم بطل صومه في الشريعة، وإذا اغتاب مثلا بطل صومه في الطريقة وإذا أثبت ما سوى الله بطل صومه في الحقيقة)([43])

ويذكر ابن عليوة أن القرآن أشار الى هذه المقامات الثلاث، وقدم أهل الشهادة في قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، أي فمن حصل على مقام فليتعين عليه الصوم على الوجه الأكمل، ومن كان مريضا وهو عبارة عن المحجوب المتقاعد عن طلب الله، أو على لسفر أي سائر في الطريق، فعدة من أيام أخر، بمعنى لهم حكم غير حكم أهل المشاهدة)([44])

وهذا الكلام واضح لمن تأمله، بل هو يشير إلى أن الصوفية لا يرضون من الدين مجرد الحركات الظاهرة البعيدة عن المقاصد التي قصدت لأجلها الشعائر التعبدية، وقد عجبت لما كتبته الباحثة أنيسة زغدود في رسالة جامعية محترمة عنوانها (جهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مقاومة الانحرافات الطرقية) تستنكر هذا القول، ثم لا تعتمد دليلا على هذا الاستنكار سوى قولها: (ونحن نتساءل من أين استنبط ابن عليوة هذا الحكم الصوفي، وعلى أي أساس قسم درجات الصوم بين الشريعة والطريقة والحقيقة؟)([45])

مع أن هناك نصوصا كثيرة جدا نقلتها في رسالتها عن الجمعية، ولم يذكروا لها أي دليل، ومع ذلك قبلتها من غير أن تطالبهم بدليل.

بعد هذا التعقيب الذي رأينا ضرورته، ومن خلال الأمثلة التي سقناها وتطبيقاتها نرى الشريعة محدودة لا يزاد فيها ولا ينقص، ولا مجال فيها للآراء والتجارب، بخلاف الطريقة، فقد نجد مثلا شخصا استطاع ببعض الرياضة أن يصير خاشعا في صلاته فنستفيد منه في ذلك، وبذلك نشأت الطرق وتعددت.

وبناء على ما ذكرنا، فإن القصد الأول من إطلاق الصوفية لمصطلح (الطريقة) هو التفريق بينها وبين (الشريعة)، فالشريعة تحتاج إلى نبي مرسل معصوم، بينما الطريقة لا تحتاج إلا إلى خبير بمسالك النفس يمكنه أن يربي المريدين من خلال تجربته.

ولذلك، فإن الشريعة واحدة بينما الطرق لا حد لها، كما لا حد للطبائع الإنسانية، أو كما قال الشيخ محي الدين بن عربي: (الطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق)([46])

وبذلك فإن الطرق الصوفية مع مشربها الواحد، وهو الشريعة إلا أنها تختلف في تطبيقها باعتبارين:

الاعتبار الأول: هو رؤية الشيخ لكيفية التربية، فالبعض يغلب في تسليكه للمريدين طريقة المجاهدة، وآخرون يستعملون طرقا أخرى، ومن هنا نجد في الطرق الصوفية وصف بعض الطرق بكونها طريقة مجاهدة، أو طريقة شكر، أو غير ذلك.

الاعتبار الثاني: هو اختلاف طبائع المريدين وحاجاتهم، وهذا من يجعل الشيخ يبحث في الشريعة عما يتناسب مع حاجة هذا المريد أو ذاك، كما عبر عن ذلك الشيخ عبد القادر عيسى، فقال عند حديثه عند تعدد الأوراد في الطرق: (وبما أن صيغ الأذكار كثيرة متنوعة، ولكل صيغة تأثير قلبي خاص ومفعول نفسي معين، فإن مرشدي السادة الصوفية – أطباء القلوب وورَّاث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة والتوجيه والتربية – يأذنون لمريديهم بأذكار معينة تتناسب مع أحوالهم وحاجاتهم، وترقيهم في السير إلى رضوان الله تعالى، وذلك كما يعطي الطبيب الجسماني للمريض أنواعاً من الأدوية والعلاجات تتلاءم مع علله وأسقامه، ثم يبدل له الدواء حسب تقدمه نحو الشفاء، ولهذا لا بد للمريد السالك أن يكون على صلة بالمرشد، يستشيره ويذاكره، ويعرض عليه ما يجده في الذكر من فوائد روحية، وأحوال قلبية، وحظوظ نفسية، وبذلك يترقى في السير، ويتدرج في السمو الخُلقي والمعارف الإلهية)([47])، أما السؤال عن كون بعض هذه الأذكار أو أعدادها لا يوجد لها أصل في الشريعة، فإن هذا يعود للمدرسة الفقهية التي تنتمي إليها الطرق الصوفية، والتي سنتحدث عنها بتفصيل في الباب الثاني من هذه الرسالة عند عرض مناقشات الجمعية مع الطرق الصوفية.

ثانيا ــ علاقة الطرق الصوفية بالتصوف

بناء على ما ذكرنا في الفصل الثالث من تفريق المعتدلين من جمعية العلماء بين التصوف والطرق الصوفية، فقد جعل هذا الطرق الصوفية – وخصوصا الطريقة العلاوية – تحاول أن تبرهن على صلتها بالتصوف، وأنه لا فرق بينها وبين من يجله المعتدلون من علماء الجمعية من مشايخ الصوفية.

وحتى نتعرف على الأمر من جميع زواياه نحاول أن لا نقصر الأمر على الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية، بل نعممه إلى الخلاف الفكري في هذه المسألة بين المفكرين المسلمين.

وقد رأينا من خلال استقراء الاتجاهات الفكرية في هذه المسألة أن هناك رأيان متعارضان أحدهما يعارض هذه العلاقة، والآخر يؤيدها.

1 ــ الاتجاه المعارض للعلاقة بين التصوف والطرق الصوفية

وهو الذي يعتبر الطرق الصوفية ثمرة خبيثة من ثمار التصوف، أو تطبيقا خاطئا له، أو مرحلة سوداء من مراحله، وهو موقف المعتدلين من جمعية العلماء، وخصوصا مع بعض الطرق الصوفية كالعلاوية والتيجانية.

وممن أيد هذا الاتجاه الدكتور حسين المروة في كتابه (النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية)، فقد قال: (لكن التصوف أخذ بعد ذلك ليتحول إلى حركة وحيدة الجانب بدا هذا التحول بطغيان الأساليب الآلية الجسدية على أساليب النظر الفلسفي، ثم انتهى إلى نظم وتقاليد وطقوس شكلية خاصة، فانقسمت حركة التصوف إلي طرق و(مشيخات) على أساس هذه الشكليات البهلوانية وحدها، وبذلك فرغت الحركة نهائيا من مضمونها الإيديولوجي بل انقلبت إلى حركة رجعية طفيلية لعبت دورا خطيرا في عملية التخدير الاجتماعي وفي خدمة اديولوجية الطبقات الرجعية)([48])

وبذلك فإن الطريقة عند الدكتور حسين مروة هي (حركة رجعية طفيلية لعبت دورا خطيرا في عملية التخدير الاجتماعي وفي خدمة اديولوجية الطبقات الرجعية)

وقد ذكرنا حديثه مع طوله حتى نبين أن الكاتب – كشأن كثير من الباحثين- يفرق بين التصوف والطرق الصوفية، فبينما يمدح التصوف أو على الأقل يتقبله نجده يرفض الطريقة باعتبارها انحرافا عن التصوف.

وهذا الموقف هو الموقف الذي وقفه أكثر علماء الجمعية – وخاصة المعتدلون منهم- وذلك من خلال تفريقهم بين متقدمي الصوفي، وبين ما هو عليه رجال الطرق.

فقد اعتبر رجال الجمعية الكثير من مشايخ الصوفية المتقدمين، وأثنوا عليهم، وفرقوا بينهم وبين الطرق الصوفية، ومن ذلك ما عبر به الشيخ العربي التبسي في مقارنة له بين الطرق الصوفية وبين مشايخ الصوفية الأوائل، فقال:(الحق أن متصوفة الزمان ومن تقدمهم بزمن كانوا وصمة عار لا تنمحي، ونقطة سوداء في جبين الإسـلام البـريء من النقص، والمسـلمين الذين فهموا الإسـلام كما رأوا صاحبه وأهـل التصوف الحقيقي، أمثال: الجنيد والقشيري والمحاسبي، الذين كانوا خلاصة أهل السنة في أيامهم، فانتسبت إليهم هذه النابتة المتأخرة، وصيرت طريقتهم كالملة المسـتقلة عـن ملة الإسـلام، وكل أمورهم جاءت على خلاف طريقة القوم، ولم يحتفظوا بغير الاسم، فجاء تصوفهم خلقا جديدا، مشوه الصورة، بشع المنظر، سيء المآل)([49])

ويذكر ابن باديس أنه كان يحاكم صوفية عصره إلى الجنيد الذي هو سيد الطائفة كما يقال، فينكرون تحكيمه، فقد ذكر (أن أحد الشيوخ المنتمين إلى الطريق لما سمعني أستدل بكلام الجنيد على لزوم وزن الأعمال والأقوال والأحوال والفهوم بالكتاب والسنة قال لي: (وما الجنيد إلا واحد من الناس) وما صار الجنيد واحداً من الناس إلا يوم استدللت بكلامه)([50])

ويبدو أن الشيخ البشير الإبراهيمي بالرغم من تشدده مع التصوف والصوفية يحسن الظن بهذا النوع من التصوف، فقد قال عند تأريخه للتنوع الصوفي: (وقد افترق النازعون إلى هذه النزعة من أول خطوة فرقًا. وذهبوا فيها مذاهب، من القصد الذي يمثّله أبو القاسم الجنيد، إلى الغلو الذي يمثّله أبو منصور الحلّاج، إلى ما بين هذين الطرفين، وكانت لأئمة السنّة وحماتها- الواقفين عند حدودها ومقاصدها ومأثوراتها- مواقف مع الحاملين لهذه النزعة، وموازين يزنون بها أعمالهم وآراءهم وما يبدر على ألسنتهم من القول فيها، ولسان هذه الموازين هو صريح الكتاب وصحيح السنّة، وكانت في أول ظهورها بسيطة تنحصر في الخلوة للعبادة أو الجلوس لإرشاد وتربية من يشهد مجالسهم، ثم استفحل أمرها فاستحالت علمًا مستقلًا، يشكّل معجمًا كاملًا للاصطلاحات)([51])

ولعل هذا الموقف أخذه علماء الجمعية من موقف ابن تيمية أب السلفية بمدارسها المتعددة، فهو يعتبر السالكين الأولين من المتصوفة من المستقيمين بخلاف المتأخرين، فيقول فيهم: (فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم)([52])

ويصف الجنيد وعبد القدر الجيلاني بأنهم أئمة الصوفية، فيقول: (وأما أئمة الصوفية والمشايخ المشهورون من القدماء مثل الجنيد بن محمد وأتباعه ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله فهؤلاء من أعظم الناس لزوماً للأمر والنهي وتوصية بإتباع ذلك , وتحذيرا من المشي مع القدر كما مشى أصاحبهم أولئك وهذا هو الفرق الثاني الذي تكلم فيه الجنيد مع أصحابه , والشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على إتباع المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور ولا يثبت طريقاً تخالف ذلك أصلا, لاهو ولا عامة المشايخ المقبولين عند المسلمين ويحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون إتباع الأمر والنهي)([53])

بل يصل الأمر بابن تيمية إلى حد تضليل من يشك في إمامة الجنيد وأمثاله، يقول في الفتاوى: (والجنيد وأمثاله أئمة هدى، ومن خالفه في ذلك فهو ضال. وكذلك غير الجنيد من الشيوخ تكلموا فيما يعرض للسالكين وفيما يرونه في قلوبهم من الأنوار وغير ذلك؛ وحذروهم أن يظنوا أن ذلك هو ذات الله تعالى)([54])

2 ــ الاتجاه المؤيد للعلاقة بين التصوف والطرق الصوفية

وهو الذي يعتبر الطرق الصوفية ثمرة من ثمار التصوف، أو تطبيقا عمليا له، أو مرحلة من مراحله، وهؤلاء صنفان:

الصنف الأول: وهو من يرفض الجميع: التصوف وطرقه، وهو موقف المتشددين من علماء الجمعية، كما ذكرنا سابقا، ومنهم جل الوهابية المعاصرين، كمحمود عبد الرؤوف القاسم صاحب كتاب (الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ)، والذي يعتبر من أكثر الكتب تحاملا على التصوف وكل ما يرتبط به، فهو يذكر في كتابه هذا إلى أن الطرق الصوفية لا يصلح أن يطلق عليها اسم طرق (وإنما هي مشيخات أخذت أسماءها من أسماء مشايخها الذين كان وما يزالون حولهم المريدين والسالكين ليحصلوا بذلك على المدد، أي: الأموال التي تنهمر عليهم، إما من المريدين مباشرة، أو بسبب هؤلاء المريدين)([55])

وهو كلام ينطبق تماما على الطروحات التي يطرحها التيار المتشدد من أعضاء الجمعية والتي سبق الإشارة إلى بعضها.

الصنف الثاني: وهو من يقبل الجميع، وتمثله الطرق الصوفية التي تعتبر نفسها امتدادا للتصوف، ولذلك تضع الأسانيد التي تربطها بمشايخ الصوفية الأوائل، بل تضع الأسانيد التي تربط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاعتقادها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أول من أسس التصوف.

وقد ذكر الشيخ ابن عليوة في رده على الجمعية الأدلة الكثيرة التي تدل على مدى ارتباط الطرق بالتصوف، ومن ذلك ما كتبه للشيخ (محمد الهلالي) المدّرس بالحرم النبويّ الشريف الذي كتب في مجلة الشهاب مقالا في العدد (172) يحاول أن يفرق فيه بين الصوفية الأوائل والطرق الصوفية المعاصرة له، فرد عليه الشيخ ابن عليوة بقولة: (إلى حضرة الشيخ (محمد الهلالي) المدرّس بالحرم النبويّ الشريف: أيها المحترم زادكم الله احتراما، ووقانا وإيّاكم شرّ ما تنشره الأقلام..         قد كنّا وفقنا أيّها المحترم في العدد (172) من مجلة (الشهاب) على مقال ينسب لحضرتكم  ومن جملة ما ذكرتموه فيه: إنّكم تجلّون رتبة رجال التصوّف المتقدمين (كالجنيد، الغزالي، السنوسي، الجيلاني، وعبد السلام الأسمر، الدسوقي، ومعروف الكرخي، وهلم جرا ) وقد ذكرتم أنّكم تعترفون لهم بأنّهم كانوا – رضوان الله عليهم – على جانب عظيم من الزهد والتقوى.. ولكن لست أدري، وغيري لا يدري أيضا – إلاّ أنتم – بماذا أثبتم لهم بأنّهم كانوا على جانب عظيم من الزهد والتقوى وغير ذلك من الخصال الشريفة؟، وبماذا نفيتم أن يوجد من بين المتأخرين ولو رجل رشيد حسبما صرّحتم بذلك في مقالكم الأول؟، أليس ذلك – يرحمكم الله – مجرد تحكّم منكم أولا وآخرا؟، وما هي حجّتكم في الحكم على المتأخرين بسلب الرشد من بينهم، فهل كنتم المهيمنين عليهم، فسبرتم غور الظواهر منهم والبواطن، فلم تجدوا منهم ولو واحدا يصلح أن يرتبط بمن سلف، ولو بشيء في الجملة؟، فنحن، وأيم الله في تشوّف عظيم، لأن تطلعونا على المآخذ)([56])

المطلب الثاني: التصوف السلوكي وعلاقة الطرق الصوفية به

من خلال ما سبق، فإن المراد بالتصوف السلوكي، هو التصوف الذي يهتم بالأعمال والممارسات التي يطلب السالك من ورائها أمرين:

الأول: التخلق بما ورد في الشريعة من أخلاق ظاهرة وباطنة.

الثاني: التحقق بالحقائق التي هي المقصود الأول من السلوك الصوفي.

وهذا النوع من التصوف لا يهتم إلا بممارسات السالك سواء الممارسات الظاهرة أو الباطنة

بناء على هذا نحاول في هذا المطلب أن نتعرف على المناهج السلوكية عند الطرق الصوفية الكبري التي عاصرت الجمعية، والتي كان لها بعض التعامل معها، وننبه – كما ذكرنا سابقا – إلى أننا في هذا المطلب نذكر الممارسات السلوكية مبتورة عن أدلتها، لأننا سنتحدث عن تلك الأدلة بتفصيل في الجزء الثالث من هذه السلسلة.

أولا ــ تعريف السلوك:

لغة: يراد بالسلوك- لغة – النفاذ فى الطريق والذهاب فيه، وهو يقال فى المحسوسات وغيرها، فمن الأول قوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)} [نوح: 19، 20]، ومن الثانى قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)} [المدثر: 38 – 42])([57])

اصطلاحا: عرف الصوفية السلوك تعريفات مختلفة بحسب الغرض منه، وبحسب الحالة التي يريد السالك أن يسلك إليها، وهكذا، وهذه بعض التعريفات الدالة بمجموعها على حقيقة السلوك وأنواعه ومراحله:

عرفه ابن عربي بأنه (تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف، وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن. والعبد في ذلك مشغول بنفسه عن ربه، إلا أنه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول)([58])

وعرفه كمال الدين القاشاني بأنه (عبارة عن الترقي في مقامات القرب إلى حضرات الرب تعالى شأنه، فعلاً وحالاً، وذلك: بأن يتحد باطن الإنسان وظاهره فيما هو بصدده مما يتكلفه من فنون المجاهدات، وما يقاسيه من مشاق المكابدات، بحيث لا يجد في نفسه حرجاً من ذلك)([59])

ومن الباحثين المعاصرين عرفه الدكتور عبد المنعم الحفني بقوله: (السلوك هو تهذيب الأخلاق ليستعد العبد للوصول، بتطهير نفسه عن الأخلاق الذميمة مثل حب الدنيا والجاه، ومثل الحقد والحسد والكبر والبخل والعجب والكذب والغيبة والحرص والظلم ونحوها من المعاصي، وبالنهج على الأخلاق الحميدة، مثل العلم والحلم والحياء والرضا والعدالة ونحوها)([60])

ثانيا ــ شروط السلوك الصوفي:

تتفق الطرق الصوفية جميعا مهما اختلفت توجهاتها وأساليبها في السلوك على شرطين: الشيخ المرشد، والذكر، وسنتحدث عن كليهما باختصار هنا مرجئين المناقشة الحاصلة بسببهما بين الجمعية والطرق الصوفية إلى الجزء الثالث من هذه السلسلة.

1 ــ الشيخ المرشد:

يتفق الصوفية على اعتبار الشيخ المرشد شرطا في السلوك الخاص، الذي يريد به السالك أن يتحقق بغايات التصوف العرفانية، أما إن لم يرد ذلك، فلا يشترطونه، إلا إذا غلبته نفسه، ولم يستطع رياضتها، فحينئذ يحتاج إلى شيخ عارف المسالك يقيه في طريقه المهالك – كما قال ابن عاشر-

وقد عبر ابن عباد النفري (ت:792هـ)، وهو من شيوخ صوفية الأندلس الكبار في عصره عن وجه الحاجة إلى الشيخ المرشد، فقال([61]): (المرجوع إليه في السلوك ينقسم إلى قسمين: شيخ تعليم وتربية وشيخ تعليم بلا تربية، فشيخ التربية ليس بضروري لكل سالك، وإنما يحتاج إليه من فيه بلادة ذهن واستعصاء نفس، وأما من كان وافر العقل منقاد النفس، فليس بلازم في حقه، وأما شيخ التعليم فهو لازم لكل سالك)([62])

لكن بما أن العادة في السالكين طريق التصوف هو البحث عن غاياته العرفانية الوجدانية، فإنهم يتفقون على لزومه، بل لا يعتبرون السالك سالكا من دونه، بل إنه يعتبرونه في هذه النواحي ضروريا كضرورة النبوة نفسها، وقد قال الغزالي مشيرا إلى هذا، أو مصرحا به: (الشيخ في قومه كالنبي في أمته([63])، ومن ليس له شيخ فالشيطان شيخه، قال أهل التحقيق: (ومن مات بغير شيخ فقد مات ميتة الجاهلية)، لأنه يعلمه ويدله ويعرفه طريق الوصول إلى الله تعالى)([64])

بناء على هذا نحاول – هنا باختصار – أن نعرف مرادهم بالشيخ، ثم دوره في السلوك، أما الأدلة الشرعية على ضرورته، فسنذكرها عند مناقشة جوانب الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية، فقد كان الخلاف في هذه المسألة خصوصا من أمهات الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية.

1 ــ تعريفه:

لغة: يقال لمن طعن فى السن كقوله تعالى: {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23]، وقوله: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا } [غافر: 67]، ويقال لمن يكثر علمه شيخ، لما كان من شأن الشيخ أن يكثر تجاربه ومعارفه([65]).

اصطلاحا: عرفه الكاشانى بقوله: (الشيخ هو الإنسان الكامل في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة، البالغ إلى حد التكميل فيها، لعلمه بآفات النفوس وأمراضها وأدوائها ومعرفته بدوائها وقدرته على شفائها، والقيام بهداها إن استعدت ووفقت لاهتدائها)([66])

وعرفه الشيخ أبو مدين شيخ مشايخ الطرق المغربية بقوله: (الشيخ هو من شهدت له ذاتك بالتقديم، وسرك بالتعظيم.. الشيخ: من هذبك بأخلاقه، وأدبك بإطراقه، وأنار باطنك بإشراقه.. الشيخ: من جمعك في حضوره، وحفظك في مغيبه)([67])

وعرفه الشيخ أحمد الرفاعي الكبير شيخ الطريقة الرفاعية بقوله: (الشيخ: من إذا نصحك أفهمك، وإذا قادك دلك، وإذا أخذك نهض بك.. الشيخ: هو من يلزمك الكتاب والسنة، ويبعدك عن المحدثة والبدعة.. الشيخ: ظاهره الشرع، وباطنه الشرع، الطريقة والشريعة)([68])

وعرفه شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي بلغة شاعرية قائلا: (الشيخ يطير بأجنحته إلى عوالم الخلق، يسمعهم نداء الحق ويوقفهم تحت الودق، ويودع فيهم سر الخوف، والطمع بالبرق، فتارة يداوي العليل بالدليل، وتارة يصححه بآيات التنـزيل، وتارة يحييهم بالنظر، ومرة يميتهم بالخبر، فهو الذي وصل إليه ميراث الأسماء ووجد مفتاح الدعاء، ودخل باب الاستجابة بحسن القبول والوفاء)([69])

2 ــ دوره في السلوك:

اختلفت تعابير مشايخ الصوفية في التعبير عن دور الشيخ المربي، فمنهم من يسميه الأستاذ، وكأنه يشبهه في ذلك بدور الأستاذ التعليمي والتربوي، ومن ذلك قول أبي حامد الغزالي في بيان ضرورة الشيخ للسلوك: (يحتاج المريد إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة، ليهديه إلى سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض! وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه، قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة، فمن سلك سبل البوادي المهلكة بغير خفير، فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها، فإنها تجف على القرب وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر، فمعتصم المريد شيخه فليتمسك به)([70])

وقد ذكر أبو حامد بناء على هذا بعض الممارسات التي يقوم بها الشيخ المربي عند تربيته المريدين، وقدم لذلك بعض التوجيهات، فذكر أن على (الشيخ المتبوع الذي يطبب نفوس المريدين ويعالج قلوب المسترشدين ينبغي أن لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص وفي طريق مخصوص ما لم يعرف أخلاقهم وأمراضهم، وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم فكذلك الشيخ لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم وأمات قلوبهم، بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله بنيته من الرياضة، ويبني على ذلك رياضته)([71])

ثم ذكر نماذج عما يمارسه الشيخ المربي الكامل مع تلاميذه ومريديه فإن (كان المريد مبتدئا جاهلا بحدود الشرع، فيعلمه أولا الطهارة والصلاة وظواهر العبادات، وإن كان مشغولا بمال حرام أو مقارفا لمعصية، فيأمره أولا بتركها، فإذا تزين ظاهره بالعبادات وطهر عن المعاصي الظاهرة جوارحه نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه ليتفطن لأخلاقه وأمراض قلبه، فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر ضرورته أخذه منه وصرفه إلى الخيرات وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه، وإن رأى الرعونة والكبر وعزة النفس غالبة عليه فيأمره أن يخرج إلى الأسواق للكدية والسؤال فإن عزة النفس والرياسة لا تنكسر إلا بالذل ولا ذل أعظم من ذل السؤال فيكلفه المواظبة على ذلك مدة حتى ينكسر كبره وعز نفسه.. وإن رأى الغالب عليه النظافة في البدن والثياب ورأى قلبه مائلا إلى ذلك فرحا به ملتفتا إليه استخدمه في تعهد بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان حتى تتشوش عليه رعونته في النظافة، فإن الذين ينظفون ثيابهم ويزينونها ويطلبون المرقعات النظيفة والسجادات الملونة لا فرق بينهم وبين العروس التي تزين نفسها طول النهار، فلا فرق بين أن يعبد الإنسان نفسه أو يعبد صنما، فمهما عبد غير الله تعالى فقد حجب عن الله ومن راعى في ثوبه شيئا سوى كونه حلالا وطاهرا مراعاة يلتفت إليها قلبه فهو مشغول بنفسه)([72])

وهكذا، بل يذكر أبو حامد – كما يذكر الصوفية جميعا – أن للشيخ المربي أن يستعمل أحيانا من الحيل ما يستطيع أن يهذب به مريديه، فإذا كان المريد – مثلا – (لا يسخو بترك الرعونة رأسا أو بترك صفة أخرى ولم يسمح بضدها.. فينبغي أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه، كالذي يغسل الدم بالبول، ثم يغسل البول بالماء إذا كان الماء لا يزيل الدم، كما يرغب الصبي في المكتب باللعب بالكرة والصولجان وما أشبهه، ثم ينقل من اللعب إلى الزينة وفاخر الثياب، ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرياسة وطلب الجاه، ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الآخرة، فكذلك من لم تسمح نفسه بترك الجاه دفعة، فلينقل إلى جاه أخف منه، وكذلك سائر الصفات وكذلك إذا رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم وتقليل الطعام، ثم يكلفه أن يهيءالأطعمة اللذيذة ويقدمها إلى غيره وهو لا يأكل منها حتى يقوى بذلك نفسه فيتعود الصبر وينكسر شرهه)([73])

وهكذا يذكر الشيخ أبو حامد وهو الفقيه الأصولي أن للشيخ أن يمنع بعض المباحات عن المريد أو يكلفه ببعض ما لم يوجبه الشرع لتستقيم نفسه بذلك، ولعل ما ذكره القرآن الكريم من نهي طالوت لجنده من شرب الماء مع توفره، بل مع كثرته إشارة إلى هذا، قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } [البقرة: 249]، وذلك لأن الجندي الذي لا يطيق أن يصبر على الماء لا يمكنه أن يصبر على مواجهة جالوت، وكم في النفس من (جالوت)

ولعله لأجل هذا يقوم مشايخ الطرق الصوفية باختبار المريدين قبل قبولهم في الانضمام للتملذة عليهم، ومن ذلك ما يرويه الشيخ ابن عجيبة عن قصة تلمذة الششتري عند شيخه ابن سبعين([74])، وذلك أن (الششتري كان وزيراً وعالماً، وأبوه كان أميراً، فلما أراد الدخول في طريق القوم قال له شيخه: (لا تنال منها شيئاً حتى تبيع متاعك، وتلبس قشابة، وتأخذ بنديراً، وتدخل السوق)، ففعل جميع ذلك، فقال له: ما تقول في السوق؟ فقال: قل بدأت بذكر الحبيب)، فدخل السوق يضرب بنديره، ويقول: بدأت بذكر الحبيب، فبقي ثلاثة أيام وخرقت له الحجب، فجعل يغني في الأسواق بعلوم الأذواق ومن ذلك قوله:

شويخ من أرض مكناس
 
في وسط الأسواق يغني
 
اش علي من الناس
 
واش على الناس مني
 

وقد كانت الطريقة العلاوية كسائر الطرق الصوفية تمارس هذه الأساليب مع المريدين لتختبر طباعهم وتهذبها، فلذلك يلتحق أكثر المريدين بخدمة الزاوية قبل أن يسمح لهم بدخول الخلوة، وقد أنكر الإبراهيمي كسائر رجال الجمعية هذا إنكارا شديدا، وعبر عن ذلك بسخرية قائلا: (..وقد كان قدماؤهم يتخذون من مراحل التربية مدارج للوصول إلى معرفة الله فيما يزعمون وفي ذلك تطويل للمسافة وإشعار بأن المطلوب شاق. حتى جاء الدجال ابن عليوه واتباعه بالخاطئة، فأدخلوا تنقيحات على الطريق ورسومًا أملاها عليهم الشيطان. وكان من تنقيحاتهم المضحكة تحديد مراحل التربية (الخلوية) لمعرفة الله بثلاثة أيام (فقط لا غير)، تتبعها أشهر أو أعوام في الانقطاع لخدمة الشيخ من سقي الشجر، ورعي البقر، وحصاد الزرع وبناء الدور مع الاعتراف باسم الفقير، والاقتصار على كل الشعير، ولئن سألتهم لم نزلتم مدة الخلوة إلى ثلاثة أيام؟ ليقولن فعلنا ذلك مراعاة لروح العصر الذي يتطلب السرعة في كل شيء، فقل لهم: قاتلكم الله. ولم نقصتم مدة الخلوة، ولم تنقصوا مدة الخدمة أيها الدجاجلة؟)([75])

وما ذكره الإبراهيمي عن الخدمة وطولها صحيح، ولكن يبدو أن الشيخ لم يكلف نفسه السؤال عن سر تلك الأعمال، والمصالح الناتجة عنها سواء للمريد أو للزاوية، والزاوية لم تكن تعني شخصا، وإنما تعني المصالح العامة، فقد كانت تؤوي الفقراء وأبناء السبيل وتعلم وتمارس كل الوظائف التي سيأتي ذكرها في المبحث الثاني من هذا الفصل.

أما المريد، والذي أسف الإبراهيمي لحاله، فقد كان يستفيد من تلك الخدمة أيما استفادة، سواء من الناحية الدينية أو الناحية الدنيوية:

أما الدينية، فإنه يجد نفسه في الخدمة مع رفقه من المريدين والمقدمين، ويخلطون خدمتهم بالذكر والمذاكرة، وفي تلك المحال (يدلهم الشيخ على الله على الوجه الأكمل ليصل بهم إلى درجة العرفان وسر التحقيق والإيقان وانفتاح البصائر واكتحالها بأثمد التوحيد الخاص والتمتع بالشهود والعيان وإفراد الوجهة القلبية بالتوجه لله سبحانه وتعالى وانقطاعها عما سواه بالكلية. وإخلاصها له بالعبودية ببلوغ مرتبة الإحسان)([76])

أما من الناحية الدنيوية، فقد كان المريدون من أكثر المناطق الجزائرية فقرا، فكان الشيخ يستخدمهم في خدمة المصالح العامة المرتبطة بالزاوية مقابل تلقيهم كل الدعم المادي والمعنوي من الشيخ وإخوانهم في الطريق، فيتبنى الشيخ قضاياهم ويسعى في مصالحهم، ويتكفل بهم وبأسرهم أوقات الشدة والأزمات والاضطرابات والنكبات، فيجدون في مختلف زواياها المأوى والإطعام، وإن تعذر على الزوايا استضافتهم فإنها تؤمن لهم المأوى سواء بالكراء أو عند إخوانهم، كما تتكفل الزاوية بمن تعرض للإفلاس من أتباعها وقد يضمنه الشيخ المدين منهم لدى الدائنين، وقد يقترض لأجلهم([77]).

مع العلم أن المريدين كانوا يتنافسون على هذه الخدمة، ولو كان فيها أي أذى لهم، لما كان ذلك التنافس.

بعد هذا فإن الشيخ ابن عليوة – كما يذكر جميع المقربين له- كان أقرب إلى الزهد، ولم يكن له أولاد، ووقف كل أمواله على الزاوية.

ولكن الجمعية للأسف لم تكن تنظر إلى كل ذلك، ولم تكن تنظر إلى تلك الخدمة الإجبارية التي يقوم بها شباب الجزائر في خدمة المصالح الاستعمارية، بل يقدمون أنفسهم فداء لها، ويكتفون بالشيخ وبالطرق الصوفية، ولم يكلفوا أنفسم البحث عن سر ذلك.

وبما أن القيام بمثل هذه الخدمات وغيرها والصبر على هذا النوع من السلوك يحتاج من المريد إلى التسليم للشيخ وعدم الاعتراض عليه، لأنه لا يمكن أن يشفى من المرض من يعترض على طبيبه يذكر الصوفية أن من آداب المريد التسليم للشيخ وطاعته في جميع أوامره ونصائحه، من باب التسليم لذي الاختصاص والخبرة بعد الإيمان الجازم بمقدمات فكرية أساسية، منها التصديق الراسخ بإذنه وأهليته واختصاصه وحكمته وأنه جمع بين الشريعة والحقيقة.

ومنها عدم الاعتراض على شيخه في طريقة تربية مريديه، لأنه مجتهد في هذا الباب عن علم واختصاص وخبرة، كما لا ينبغي أن يفتح على نفسه باب النقد لكل تصرف من تصرفات شيخه، فهذا من شأنه أن يضعف ثقته به ويحجب عنه خيراً كثيراً ويقطع الصلة القلبية والمدد الروحي بينه وبين شيخه.

وينقلون في هذا عن بعض المشايخ قوله: (من فتح باب الاعتراض على المشايخ والنظر في أحوالهم وأفعالهم والبحث عنها، فإن ذلك علامة حرمانه وسوء عاقبته وإنه لا ينتج قط، ومن ثم قالوا: -من قال لشيخه لم؟ لم يفلح أبداً)([78])

وقد كانت هذه المقولات محل إنكار شديد من الجمعية، وسنرى ذلك بتفصيل مع إجابات الطرق عنها عند الحديث عن المناقشات الفكرية بين الطرق والجمعية.

وقد أحسن الشيخ ابن عليوة التعبير عن دور الشيخ، فقد شبهه بدور الإمام في الصلاة، فقال في شرحه الصوفية لمتن ابن عاشر، عند ذكره لفرائض الصلاة وبالضبط الفريضة الخامسة عشرة في المذهب المالكي، وهي (متابعة الإمام)، فقد ربط إمام الصلاة بإمام التربية، فقال: (متابعة الإمام)، وهو المرشد في طريق الله الدالّ عليه، فينبغي لصاحب السير أن يتبع إمامه في الإحرام، وهو الدخول إلى حضرة الله إذا أدخله، وكذلك يتبعه في السلام وهو الرجوع للخلق، والتمسّك بأذيال الشريعة المحمديّة، وإن لم يتبعه بأن زج به في حضرة الحقّ، ولم يتبعه أو خرج به إلى الحضرة المحمديّة، ولم يساعده فصلاته باطلة لكن هذا مع الشعور وإلاّ فلا تبطل، لأنّ فاقد الشعور صلاته تجـبر)([79])

ومثل ذلك ذكر في (الفريضة السادسة عشرة) في المذهب المالكي، وهي (نيّة الاقتداء)، فقد ربطها بسلوك المريد مع شيخه، فقال: (وهذه النيّة تطلب من مريد الدخول على الله أن ينوي الاقتداء بإمامه، وهو الأستاذ الدّال على الله في جميع الأمور الدينيّة والدنيويّة بأن لا يعترض عليه بقلبه ولا بلسانه، ولا يتهاون بأمره ويدور معه من حيث دار ويسير معه حيث سار، ولا ينبغي الانبرام عليه ولو بقدر يسير لكون الإمام شافعا في المقتدي به، ثمّ اعلم أنّ الإمام وهو الدّال كذلك ينوي الإمامة أن ينوي بأنّه دّال على الله وإن لم يجد من يقتدي به ليحصل له فضل الجماعة، ويكون يوم القيامة من الداعين إلى الله لكن هذا إن كان له إذن من الله ورسوله وهو المعبّر عنه بإمام الراتب، وإن لم يجد من يتبعه في توجهه إلى الله عزّ وجلّ فعليه أن ينوي الإمامة ليحصل له فضل الجماعة، وعلى الله الكمال) ([80])

وكما ذكرنا أهمية الشيخ وضرورة التسليم له، فإنا نحب أن ننبه هنا – من باب الحقيقة والواقع – أن الكثير من المشايخ استغلوا هذا التسليم لمصالحهم الشخصية، فأساءوا إلى الإسلام وأساءوا إلى التصوف، ولو أن النقد الموجه من طرف الجمعية ركز على هؤلاء، ولم يعمم إلى الكل لكان ذلك أفضل من التعميم، فـ {لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [الأنعام: 164]

2 ــ الذكر:

يمثل الذكر الركن الأساسي في السلوك الصوفي، ولهذا لا نجد طريقة من دون أوراد أو أذكار، بل إن الاختلاف بين الطرق يكاد ينحصر في أنواع الأذكار وأعدادها وهيئاتها، وهو ما كان محل خلاف بينها وبين المخالفين لها كما سنرى في محله.

بناء على هذه الأهمية التي يكتسيها الذكر في السلوك الصوفي نحاول أن نبين هنا – باختصار – محل الذكر وأهميته ودوره عند السلوكيين من الصوفية، أما ما يتعلق بالخلاف الذي حصل حوله بين الطرق والجمعية وأدلة كل فريق، فسنتركها للباب الرابع المخصص لهذه المناقشات.

تعريفه:

لغة: هو الحفظ للشيء، وجريانه على اللسان، وهو – لغة- نوعان([81]):

1- ذكر بالقلب، ويراد به هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا بإحرازه، والذكر يقال اعتبارا باستحضاره، وحضور الشيء في القلب ذكره وتذكره، بإرادة أو بغير إرادة وضده نسيانه وتناسيه، بإرادة أيضا أو بغير إرادة، قال تعالى: ({ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)(الكهف: 63)

2- ذكر باللسان سواء باستحضار القلب أو غيره، ومنه قوله قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)} [الأحزاب: 41، 42]

اصطلاحا: وردت تعريفات كثيرة من الصوفية المتقدمين والمتأخرين للذكر، وهي تدل على اختلاف مدلوله عندهم بحسب حال المكلف ومقامه، وقد جمع تلك الأحوال المختلفة الكاشانى (ت:735هـ) حين قسم الذكر إلى أنواع كثيرة([82]) سنشرحها هنا باختصار:

ذكر العامة: وهو ما يتقرب به عامة أهل الإيمان، من ذكر الله تعالى إما بكلمة الشهادة، وإما بغيرها من التسبيحات والأدعية والأذكار.

ذكر الخصوص: وهو الذكر الذى يكون من تلقين الشيخ المرشد كتلقينه كلمة (لا إله إلا الله)، أو (الاسم المفرد) أو غيرها، وهو يختلف باختلاف الطرق الصوفية، والغرض منه إزالة حجاب معين مرشد إلى إزالته شيخ عارف بأدواء.

الذكر الظاهر: ويعنى به ذكر اللسان، الذى بمداومته يحصل الخلاص من الغفلة والنسيان.

الذكر الخفى: وهو الذكر بالجنان مع سكوت اللسان.

ذكر السر: وهو ما يتجلى له من الواردات.

الذكر الشامل: يعنى به استعمال الظاهر والباطن، فيما يقرب من الله تعالى بحيث يكون اللسان مشغولا بالذكر، والجوارح بالطاعات، والقلب بالواردات.

الذكر الأكبر: يعنى به ما وقعت الإشارة إليه، بقوله تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } [العنكبوت: 45]، والمراد به كمال المعرفة والطاعة.

الذكر الأرفع: وهو الذكر الأكبر لأنه أرفع الأذكار، ويسمى الذكر المرفوع أيضا، وإليه الإشارة بقوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4]، فإنه تعالى رفعه بذكره وطاعته له، إلى مرتبة في الذكر لا يعلوها غيره من الخلائق.

 دوره في السلوك:

يتفق الصوفية على أن الذكر والإكثار منه هو أقرب الطرق إلى الله، بل يرون أنه لا يمكن أن يتحقق للسالك سلوك من دونه، بل إنهم لا يكتفون بتلك الأوراد التي يلزمون بها أنفاسهم، أو يلزمون بها مريديهم، وإنما يحثونهم على أن يذكروا الله بعد الأنفاس، وأن لا تطرق قلوبهم غفلة في لحظة من اللحظات، وهم يرددون في هذا قول شاعرهم([83]):

والذكر أعظم باب أنت داخله
 
لله فاجعل له الأنفاس حراساً
 

وهم يستدلون لهذا بما ورد في النصوص الكثيرة من الحث عليه، بل الحث على المبالغة فيه، وقد ألف الشيخ عدة بن تونس شيخ الطريقة العلاوية رسالة في الذكر ضمنها الكثير من النصوص الدالة على فضله، وعلى عدم تحديده بأي قيد من القيود التي يقيده بها الاتجاه السلفي، وسماها (وقاية الذاكرين من غواية الغافلين)، وهي من خلال عنوانها تدل على انتشار تلك الأطروحات التي بثتها الجمعية من تبديع الطرق، وتبديع ما يأتون به من أذكار حتى لو وردت بها النصوص، لأنهم وقتوا الأذكار أو جهروا بها أو اجتمعوا عليها، كما تنص على ذلك الرسالة التي ألفها الشيخ العربي التبسي (بدعة الطرائق في الإسلام)، والتي سيأتي الحديث عنها وعن أدلته فيها في الجزء الثالث من هذه السلسلة.

وقد قدم الشيخ عدة بن تونس لرسالته بقوله: (إن الذكر قد وردت به النصوص القرآنية والأحاديث النبوبة كلها تحث على الترغيب فيه بعبارة بينة لا يتأولها إلا من اتبع هواه وكان أمره فرطاً)([84])

ومن النصوص التي أوردها، ويوردها الصوفية عموما قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)} [الأحزاب: 41 – 43]، ثم عقب عليها بقوله: (فتأمل يرحمك الله في صيغة الأمر من قوله اذكروا وسبحوا، فهي وإن لم تفدنا وجوب الذكر على ما جرى عليه بعض الأئمة المجتهدين فلم تخل من إشعار السامع من ترغيب كبير في ملازمة الذكر بكرة وأصيلا وكفى به فضلاً)([85])

ومن الآيات التي استدل بها قوله تعالى: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)} [آل عمران: 190، 191]

ثم عقب عليها بقوله: (فهي كذلك فيها ما يشعرنا بفضل الذكر والذاكرين حيث عدهم الله تعالى من أولى الألباب، وماذا بعد اللب إلا القشر وأين ذووا القشور من ذوي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ولا غلوا إذا قلنا أنهم الخاصة العليا من خلق الله بعد الأنبياء والرسل كل ذلك بفضل الذكر الذي لازموه على كل أحيانهم، وهي منقبة شريفة لا يورثها الله إلا لمن اختاره واصطفاه من عباده وكفى بأن الذاكر جليس الله حالة ذكره)([86])

ومن النصوص التي أوردها ما ورد في الحديث المشهور: (أنا جليس من ذكرني)([87])، وعقب عليه بقوله: (و كفى بالذكر فضلاً أن يصير صاحبه جليس الله)

 وغيرها من النصوص التي عقب عليها بقوله: (وأمثال هذه الآيات الدالة على الترغيب في الذكر كثيرة في كتاب الله ولم تذكر أي قربة من القربات بمثل ما ذكر به الذكر وكفى أن الصلاة المكتوبة التي ورد فيها أنها عماد الدين ولكن لم تبلغ مبلغ الذكر في الاعتبار بما يرجع للنهي وقمع النفس والهوى عن الفحشاء والمنكر قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } [العنكبوت: 45]، وقال تعالى لموسى عليه السلام: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، وقال لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا } [المزمل: 8])([88])

وبناء على هذا، فإن الصوفية يمنعون كل الحدود الحائلة بين السالك والذكر:

1 ــ فهم – مثلا- ينبهون السالك إلى ضرورة الالتزام بالذكر حتى لو صاحبه غفلة، وذلك ما تنص عليه حكمة ابن عطاء الله المشهورة:(لا تترك الذكر لعدم حضور قلبك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عن ما سوى المذكور، وما ذلك على الله بعزي)([89])

وقد علق عليها ابن عجيبة بقوله: (الذكر ركن قوي في طريق القوم، وهو أفضل الأعمال.. ولا مدخل على الله إلا من باب الذكر، فالواجب على العبد أن يستغرق فيه أوقاته، ويبذل فيه جهده، فإن الذكر منشور الولاية، ولا بد منه في البداية والنهاية، فمن أعطي الذكر فقد أعطي المنشور، ومن ترك الذكر فقد عزل)([90])

2 ــ وهم يعتبرون الذكر أشمل من أن ينحصر في الألفاظ التي يرددونها، ويكثرون من تردادها، يقول ابن عطاء الله السكندري، وهو قطب من أقطاب الشاذلية، بل هو مرجع لأكثر الصوفية المتأخرين: (الذكر هو ترديد اسم المذكور بالقلب واللسان، وسواء في ذلك ذكر الله أو صفة من صفاته، أو حكم من أحكامه، أو فعل من أفعاله، أو استدلال على شيء من ذلك، أو دعاء، أو ذكر رسله، أو أنبيائه، أو أوليائه، أو من انتسب إليه، أو تقرب إليه بوجه من الوجوه، أو سبب من الأسباب، أو فعل من الأفعال: بنحو قراءة أو ذكر، أو شعر أو غناء، أو محاضرة أو حكاية)([91])

3 ــ وهم يربطون بين عاداتهم والذكر، فيوقظون النائم بالذكر، ويدخلون البيوت بالذكر، وقد كان ذلك محل من الإنكار من الجمعية والاتجاه السلفي، وقد رد الشيخ ابن عليوة على هذا الإنكار في رسالته في مشروعية ذكر الاسم المفرد: (الله) والتي نشرها على صفحات (البلاغ الجزائري)([92])، ثم طبعت بعنوان (القول المعتمد في مشروعية الذكر بالإسم المفرد)، ومما وصف به الواقع الصوفي في ذلك الحين، والذي صار محل إنكار بعد مجيء الإصلاحيين قوله: (أيها الأخ المحترم، فقد كنتُ تشرفتُ بزيارتكم صحبة صديق الجميع حضرة الشيخ……. وبمناسبة ما دار بيننا من الحديث، في تلك السويعات التي رأيتكم فيها موغر الصدر على إخوانكم العلاويين، حسبما لاح لي في ذلك الحين، لا لذنب ارتكبوه سوى أنهم مولعون بإجراء الاسم المفرد على ألسنتهم، وهو قولهم: (الله). فظهر لكم أن ذلك مما يستحق عليه العتاب، أو نقول العقاب، لأنكم قلتم إنهم يلهجون بذكر ذلك الاسم بمناسبة أو غير مناسبة، سواء عليهم في الأزقة، أو غيرها من الأماكن التي لا تليق للذكر، حتى أن أحدهم إذا طرق الباب يقول: (الله)، وإذا ناداه إنسان يقول: (الله)، وإذا قام يقول: (الله)، وإذا جلس يقول: (الله)، إلى غير ذلك مما جرى به الحديث)([93])

وسنرى في الجزء الثالث من هذه السلسلة إجابات الشيخ والصوفية على هذا الإنكار، ومثله ما كانت تشيع به الجنائر من الذكر، والذي كان محل إنكار شديد من الجمعية وخصوصا الشيخ البشير الإبراهيمي، كما رأينا ذلك في الفصل السابق.

ثالثا ــ ممارسات السلوك الصوفي:

بعد التعرف على شروط السلوك الصوفي، نتحدث هنا عن الممارسات التي تختلف على أساسها الطرق الصوفية، وننبه هنا كما نبهنا سابقا إلى أنا سنذكر التفاصيل المرتبطة بالأدلة في محلها من الجزء الثالث من هذه السلسلة.

1 ــ الورد الصوفي:

تعتبر الأوراد الصوفية ركنا من أركان كل طريقة، تتميز بها، وتربي المريدين من خلالها، وهي أذكار محددة بصيغة خاصة وبأعداد خاصة، ويضم إليها بعض الصلوات، والسور، والمناجاة، ونحوها، وهم يعلقون سلوك السالك على مقدار التزامه بها، كما قال القاشاني: (من ازدادت وظائفه ازدادت من الله لطائفه، ومن لا ورد له بظاهره فلا ورد له في باطنه، ومن لا ورد له في باطنه فليس له وجد في سرائره) ([94])

وقال ابن عطاء الله السكندري: (إذا رأيت عبداً أقامه الله تعالى بوجود الأوراد، وأدامه عليها مع طول الإمداد، فلا تستحقرن ما منحه مولاه، لأنك لم تر عليه سيماء العارفين ولا بهجة المحبين، فلولا وارد ما كان ورد)([95])

وقد كانت هذه الأوراد محل إنكار كبير من الجمعية، كما سنرى في الجزء الثالث من هذه السلسلة.

تعريف الورد:

لغة: قال ابن منظور: الورد النصيب من القرآن يقول قرأت وردي وفي الحديث أن الحسن وابن سيرين كانا يقرآن القرآن من أوله إلى آخره ويكرهان الأوراد الأوراد جمع ورد بالكسر وهو الجزء يقال قرأت وردي قال أبو عبيد تأويل الأوراد أنهم كانوا أحدثوا أن جعلوا القرآن أجزاء كل جزء منها فيه سور مختلفة من القرآن على غير التأليف جعلوا السورة الطويلة مع أخرى دونها في الطول ثم يزيدون كذلك حتى يعدلوا بين الأجزاء ويتموا الجزء ولا يكون فيه سورة منقطعة ولكن تكون كلها سورا تامة وكانوا يسمونها الأوراد ويقال لفلان كل ليلة ورد من القرآن يقرؤه أي مقدار معلوم إما سبع أو نصف السبع أو ما أشبه ذلك يقال قرأ ورده وحزبه بمعنى واحد والورد الجزء من الليل يكون على الرجل يصليه([96]).

اصطلاحا: عرفهأبو طالب المكي بأنه (اسم لوقت من ليل أو نهار، يرد على العبد مكررا، فيقطعه في قربة إلى الله، ويورد فيه محبوباً يرد عليه في الآخرة)([97])

وعرفه الشيخ سليمان بن يونس الخلوتي بقوله: (الورد: هو مجموعة أذكار وأدعية يقصد بها، مناجاة الحق سبحانه وتعالى، والتذلل بين يديه، وفاءً بحق العبودية لله تعالى)([98])

أوراد الطرق الصوفية:

تختلف الطرق الصوفية في أورادها على حسب ما يختاره شيخها:

فمن أوراد الطريقة التيجانية مثلا ذكر صلاة الفاتح، وهي كما يرى أتباع الطريقة أمر إلهي لا مدخل فيه للعقول، يقول عبيدة بن محمد الصغير: (فما توجه متوجه إلى الله تعالى بعمل يبلغها وإن كان ما كان، ولا توجه متوجه إلى الله تعالى بعمل أحبه إليه منها ولا أعظم عند الله حضرة منها إلا مرتبة واحدة مرتبة الاسم العظيم الأعظم لا غير)([99])، وقد أنكر ابن باديس بشدة هذه المقالة، كما سنراه بتفصيل في محله.

ومن أوراد الطريقة العلاوية: الورد الخاص، وهو ذكر الاسم المفرد (الله) فبه – كما يرى العلاوية – يكون الفتح والوصول إلى مقام التحقيق ([100]) وهو متوقف على سر الإذن فيه، وهو (اسم الله العظيم الأعظم الجامع لمعاني الأسماء والصفات الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. فمن طلبه لذاته أي لمعرفته الخاصة بصفة الذل والانكسار، وإظهار العبودية والافتقار وبالأخص على يد مرشد وجد الإجابة أقرب إليه من كل شيء)([101]).

ومن أورادهم العامة أن يقول المريد صباحا ومساء ما يلي([102]):

  1. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (مرة)
  2. بسم الله الرحمان الرحيم(ثلاثا)
  3. ثم يتلو قوله تعالى:{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [المزمل: 20] (مرة)
  4. استغفر الله (مائة مرة)
  5. ثم قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب: 56] (مرة)
  6. اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم (مائة) وعلى رأسها يزيد وسلم تسليما.
  7. 7.                ثم قوله تعالى: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } [محمد: 19]) (مرة)
  8. 8.                لا اله إلا الله وحدة لا وحدة لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (مائة)
  9. وفي الختام يقرأ سورة الإخلاص (ثلاثا) ثم يدعو الله لنفسه ولشيخه ولأهل سلسلة الطريق ولجميع المسلمين.

بالإضافة إلى هذا هناك ما يسمى الوظيفة اليومية، وتتمثل في قراءة (سورة الواقعة) صباحا ومساء، مع قراءة مزج أبى المواهب التونسي للصلاة المشيشية (مرة) وبعدها قراءة الصلاة الكاملة للشيخ محمد بن الحبيب بن الصديق الفاسي، وهي: (اللهم صل وسلم بأنواع كمالاتك في جميع تجلياتك على سيدنا ومولانا محمد أول الأنوار الفائضة من بحر عظمة الذات. المتحقق في عالمي البطون والظهور بمعاني الأسماء والصفات. فهو أول حامد ومتعبد بأنواع العبادات والقربات والممد في عالمي الأرواح والأشباح لجميع الموجودات. وعلى آله واصحابه صلاة تكشف لنا النقاب عن وجه الكريم في المراءي واليقظات. وتعرفنا بك وبه في جميع المرات وخطرات. واللطف بنا يا مولانا بجاهه في الحركات والسكنات واللحظات والخطرات) (ثلاثا)

ثم قراءة ما ذيل به الشيخ ابن عليوة هذه الوظيفة، وهو: (اللهم يا من جعلت الصلاة على النبي من القربات. اتقرب إليك بكل صلاة صليت عليه من أول النشأة إلى ما لا نهاية للكمالات (ثلاثا) سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين)([103])

بالإضافة إلى مناجاة الشيخ ابن عليوة التي يخير المريد في قراءتها، والتي تبدأ بقوله: (      إلهي، أسألك بأعزّ من ناجاك وأفضل من دعاك أن تمطر على قلبي شآبيب عطفك، وسحائب رضاك وتلقي فيه حلاوة ذكرك، وتوقظه من غفلاته حتى لا يشاهد سواك، وتثبته على طاعتك وتقوّيه على تقواك، يا من تحسّنت الأشياء ببهاء جمالك الأقدس، وازدهرت بظهور سناك، ائتنا كفلا من رحمتك وارزقنا نورا نمشي به تنجلي أمامه تكاثف الظلمات، وتتضح به مناهج السعادة وسبل الخيرات، واغفر لنا ما مضى ولإخواننا المؤمنين، ووفقنا فيما هو آت بحقّ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1])([104])

أو مناجاة ابن عطاء الله المشهورة، والتي تبدأ بقوله: (إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري؟ إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي؟)([105]) إلى آخرها، وهي آية من آيات البلاغة والعرفان، بالإضافة إلى كونها رمزا للوحدة الإسلامية، فالشيعة –كأكثر الطرق الصوفية- أيضا يرددونها، وهم ينسبونها للحسين، ولا يهم مصدرها فمعانيها العميقة دليل على أنها صدرت من قلب عارف.

2 ــ الخلوة:

لم يكتف الصوفية بالالتزام بالأذكار والأوراد التي يعمرون بها أكثر أوقاتهم، وإنما ضموا إليها الالتزام بما يسمونه (الخلوة)، إما في أزمنة معينة، أو مدد معينة كالخلوة الأربعينية والخلوة الأسبوعية([106]).

وهم يتفقون سلفهم وخلفهم على أهميتها وضرورتها للسلوك، ويشرطون للمختلي حال خلوته، كما يذكر أبو عثمان المغربى (ت:373هـ) أن (يكون خاليا من جميع الأذكار إلا ذكر ربه، وخاليا من جميع الإرادات إلا رضا ربه، وخاليا من مطالبة النفس من جميع الأسباب، فإن لم يكن بهذه الصفة فإن خلوته توقعه فى فتنة أو بلية)([107])

 وقد كانت الخلوة – خصوصا – محل سخرية ونقد شديد من طرف رجال جمعية العلماء، وخصوصا الخلوة التي كانت تقيمها الطريقة العلاوية، والتي كتب فيها الشيخ العربي التبسي مقالا مشهورا بعنوان: (الخلــوة العليويـة هل هـي مـن الإســـلام)([108])

والعجيب أن هذا المقال صار مرجعا للباحثين في (الخلوة الصوفية)، ومن خلاله، لا من خلال مراجع الصوفية، يحكمون عليها، ويحكمون على أصحابها، مع أن الشيخ العربي التبسي نفسه يقر أو يعتذر بأنه لم يلتزم المنهج العلمي في وصفها أو التعرف عليها، وقد ذكر في المقدمة المقال الذي كتبه عنها قوله: (إن البحث عن ابن عليوة ومكانته ونشأته وتعليمه والوسط الذي ربي فيه وما تقلب فيه من الأدوار في الجزائر وغيرها، ليس مما تتوقف عليه البحوث مادام عندنا ما نستخلص منه الحق، ونصل به إلى ما نريد، ونهتدي به إلى الصواب. كما سنقف عليه إن شاء الله)([109])

ثم يضيف مقرا بفعله ما يخالف المنهج العلمي، ومنهج المحدثين على الخصوص، فقد قال تعقيبا على الكلام السابق: (وأجدني معترفا بأني لا أعرف شخصية هذا الرجل، ولو أن معرفة الشخصيات شرط أو شطر في صلب أو مخ أو أطراف الأنظار العلمية، لسافرت إلى مستغانم ولازمت الرجل حتى أصل إلى ما يتوقف عليه الاجتماع، ولكن النظر العلمي لا يتوقف، إلا على معرفة أصول الدعوة، والأجواء التي تسير فيها)([110])

ولسنا ندري الطريق الذي يصل به إلى الحقيقة إن لم يذهب إليها، ويستفسر عنها، ويرى المبررات التي يضعها أصحابها لها، خاصة في مقامه الذي يريد أن يحكم فيه على أمة عظيمة من الناس([111]).

ثم إنه ذكر مرجعه في وصفها وهو مرجع مجهول لم يسمه، ولسنا ندري قيمة هذا السند في علم الحديث، بالإضافة إلى هذا، فقد كان الشيخ العربي التبسي أزهريا، وكان في الأزهر ونواحيه خلوات صوفية لطرق كثيرة، ولم تكن أقل من الخلوة العليوية، أفلم يكن له فرصة للاطلاع عليها، أو البحث في أسبابها؟

بل لم يكن بحاجة إلى هذا كله، فلو أنه قرأ (إحياء علوم الدين)، وهو من الكتب المعروفة التي لا يخلو منها بيت، ولا يكاد يمر عليها طالب علم دون أن يقرأها، لوجد في الإحياء وصفا للخلوة العليوية يغنيه عن ذلك الوصف المجهول السند.

ولم يكن العربي التبسي وحده صاحب هذا المنهج، بل كل أعضاء الجمعية – للأسف- الذين اتخدوا النقد منهجا، من غير أن يؤسسوا نقدهم على الأسس العلمية الصحيحة، وأولها مراجعة أصحاب الشأن للتعرف على الحقيقة من بابها.

وأحب قبل أن نفصل الكلام في تعريف الخلوة وهيأتها والغرض منها أن أذكر أن حديثي فيها ليس نظريا فقط، بل شرفني الله في وقت الشيخ محمد بلقايد رحمه الله شيخ الطريقة الهبرية، والتي هي فرع عن الطريقة الشاذلية الدرقاوية أن أدخل الخلوة، وأرى ما فيها، وهو نفس ما تمارسه الطريقة العلاوية.

وأشهد الله بناء على تلك المعاينة أن تلك الخلوة لم تكن إلا تفرغا لذكر الله، ولم يحدث فيها أي مخالفة شرعية، وقد اكتشفت من خلالها عظم فقه من أسسوها ونظروا لها، فتأثيرها يمتد في النفس إلى أعماق أعماقها، ويبقى تأثيرها وحلاوتها أمدا طويلا.

وكم كنت أتمنى أن الحركة الإسلامية مع اهتمامها بالنشاطات الكشفية والمخيمات الصيفية وغير الصيفية أن تضيف الخلوة الروحية إلى برامج تربيتها عساها تتخلص من تلك السطحية التي يعاني منها الكثير من أتباعها للأسف.

بعد هذا الاستطراد الذي رأينا ضرورته نتحدث هنا عن تعريف الخلوة والغاية منها وكيفيتها، ونترك الحديث عن التفاصيل الشرعية المرتبطة بها إلى الجزء الثالث من هذه السلسلة، لمناقشة أدلة الفريقين الجمعية والطرق الصوفية.

تعريف الخلوة:

لغة: الخلوة: يقصد بالخلوة عدة معان، كلها له علاقة بالمعنى الاصلاحي، منها([112]):

ــ خلا بمعنى انفرد وانتهى إلي خلوة كقوله تعالى: { اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } [يوسف:9]

– خلا بمعنى سبق ومضى، ومنه قوله تعالى: { كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ } [الحاقة:24]

– وخليت فلانا تركته، يقال لكل ترك تخلية، نحو قوله تعالى: { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } [التوبة:5]

اصطلاحا: يقصد بالخلوة عند الصوفية عموما ما ورد في المعنى الأول من المعاني اللغوية، وهو الانفراد والوحدة والتخلي لذكر الله، وقد عرفها الكاشاني، فقال: (الخلوة عند الصوفية، محادثة السر مع الحق بحيث لا يرى غيره، هذا حقيقة الخلوة ومعناها، وأما صورتها فهي ما يتوصل به إلى هذا المعنى من التبتل إلى الله والانقطاع عن الغير)([113])

وعرفها الحكيم الترمذي بقوله: (الخلوة: هي انقطاع من الخلق إلى الخالق، لأن سفر النفس إلى القلب، ومن القلب إلى الروح، ومن الروح إلى السر، ومن السر إلى خالق الكل.. ومسافة هذا السفر بعيدة جداً بالنسبة إلى النفس، وقريبة جداً بالنسبة إلى الله تعالى)([114])

وقد انتقل معناها من الفعل إلى المحل، فيقال للمكان المخصص للانفراد خلوة، سواء كان المكان ملحقا بالمسجد أو الزاوية أو منفردا عنه.

الغاية منها:

ذكر الشيخ العربي التبسي عند نقده للخلوة العليوية ذلك الوله الشديد الذي ربط المريدين بالخلوة، وذكر أنه سر انتشار الطريقة في ذلك الحين على مستوى واسع، فقال: (إن الأمر الذي نفـخ الشيخ ابن عليوة في أتباعه، وملأ به صدورهم، وكادوا يجنون به جنونا، ما تذيعه الدهماء من الخوارق التي تتنزل عليهم فيما يسميه بالخلوة، وما يرونه من كشف الحجب واختراق الغيب، والتنقل في مدارج الفناء، وغير ذلك من الألفاظ، التي يعلم الشيخ ابن عليوة قبل سواه أنه لا يعرف لها مغزى، ولا يهتدي بها إلى مفهوم تطمئن إليه نفسه، ويبيح له دين تظله العصمة، ويصحبه العقل أن يفتن بها أحدا مادام يؤمن بصحة هذا الدين، ويصدق برسـالة صاحبه)([115])

وما ذكره هنا من اختصار الطريق للمريدين وتدرجهم فيه صحيح، بغض النظر عما ذكره من كون (الشيخ ابن عليوة قبل سواه لا يعرف لها مغزى، ولا يهتدي بها إلى مفهوم تطمئن إليه)، لأن هذا يحتاج إلى معاينة واستفسار وبحث، وقد حال الشيخ العربي بينه وبين هذا المنهج كما حال جميع رجال الجمعية بينهم وبينه، واكتفوا بأن الشيخ ابن عليوة أمي جاهل يلحن في كلامه، وليس له تلك الفصاحة والبلاغة التي أوتيها رجال الجمعية.

ولو أن الشيخ العربي ورجال الجمعية الذين جعلوا من مقاله هذا مرجعا رجعوا إلى كتاب (إحياء علوم الدين) الذي لا ينكرونه، لوجدوه ينص على هذا تماما.

بل إنه حتى لو لم يتح لهم أن يقرؤوا الإحياء أو كان موقفهم منه كموقف يوسف بن تاشفين، فإنهم لا يجادلون في ابن خلدون – وهو موضع ثقة عندهم فيما نعلم- فقد قال يذكر الخلوة وآثارها: (ثم إِن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالباً كشف حجاب الحس، والاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إِدراكُ شيء منها؛ والروح من تلك العوالم. وسبب هذا الكشف أن الروح إِذا رجع عن الحس الظاهر إِلى الباطن، ضعفت أحوال الحس، وقويت أحوال الروح، وغَلَب سلطانه، وتجدد نُشُوؤهُ. وأعان مع ذلك الذكر؛ فإِنه كالغذاء لتنمية الروح، ولا يزال في نمو وتزايد إِلى أن يصير شهوداً، بعد أن كان عِلماً، ويكشف حجاب الحس، ويتم صفاء النفس الذي لها من ذاتها، وهو عين الإِدراك، فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم اللدنية والفتح الإِلهي.. إِلى أن قال: وهذا الكشف كثيراً ما يَعرِض لأهل المجاهدة؛ فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم.. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على مثل هذه المجاهدة، وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ، لكنهم لم يقع لهم بها عناية. وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي كثير منها، وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت الرسالة القشيرية على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم)([116])

وبما أن المسألة لها أهميتها الكبرى في توضيح غرض الصوفية من الخلوة خصوصا، بل غرضهم من كثير من الوظائف التي ألزموا بها أنفسهم، فسنوضح هنا وجهة نظرهم فيها من خلال كلام أبي حامد الغزالي باعتباره محترما من الجميع، من الجمعية ومن الطرق الصوفية، أو على الأقل تقر له الجمعية بما لا تقر به للصوفية من العلم والتمكن، بالإضافة إلى قدرته في حل الغوامض والمعقدات، بالإضافة إلى أنه ينقل تجربته في هذا.

أما تفاصيل الأدلة المرتبطة بها، فسنذكرها عند الحديث عن المصادر الغيبية التي تعتمدها الطرق الصوفية.

 وقد بدأ الغزالي حديثه الذي قدم به للخلوة الصوفية وضرورتها ببيان خصائص القلب الإنساني([117])، وأنه يمكنه أن تتجلى فيه حقائق الأشياء، ولتقريب ذلك شبهه في استعداده لإدراك حقائق الأشياء بالمرآة في إدراكها لصور المتلونات (وكما أن للمتلون صورة ومثال تلك الصورة ينطبع في المرآة ويحصل بها، كذلك لكل معلوم حقيقة، ولتلك الحقيقة صورة تنطبع في مرآة القلب، وتتضح فيها.. وكما أن المرآة غير وصور الأشخاص غير وحصول مثالها في المرآة غير، فهي ثلاثة أمور فكذلك ههنا ثلاثة أمور: القلب، وحقائق الأشياء، وحصول نفس الحقائق في القلب وحضورها فيه)([118])

والقلب بهذا الاعتبار هو العالم الذي فيه يحل مثال حقائق الأشياء، والمعلوم عبارة عن حقائق الأشياء، والعلم عبارة عن حصول المثال في المرآة، والعلم بهذا الاعتبار متوفر حاصل، ولكن الحائل بينه وبين الوصول إلى محال الإدراك في الإنسان هي عدم مد يده إليه، وهو يشبه في ذلك -كما يذكر الغزالي – باليد والسيف، فـ (كما أن القبض مثلا يستدعي قابضا كاليد، ومقبوضا كالسيف، ووصولا بين السيف واليد بحصول السيف في اليد، ويسمى قبضا، فكذلك وصول مثال المعلوم إلى القلب يسمى علما، وقد كانت الحقيقة موجودة والقلب موجودا ولم يكن العلم حاصلا، لأن العلم عبارة عن وصول الحقيقة إلى القلب كما أن السيف موجود واليد موجودة ولم يكن اسم القبض والأخذ حاصلا لعدم وقوع السيف في اليد)([119])

والغزالي – كسائر الصوفية- يعود إلى مثال المرآة ليبين من خلاله الأسباب التي تحول دون تمثل حقائق الأشياء في القلب، فيذكر أن (المرآة لا تنكشف فيها الصورة لخمسة أمور: أحدها نقصان صورتها كجوهر الحديد قبل أن يدور ويشكل ويصقل، والثاني لخنثه وصدئه وكدورته وإن كان تام الشكل، والثالث لكونه معدولا به عن جهة الصورة إلى غيرها كما إذا كانت الصورة وراء المرآة، والرابع لحجاب مرسل بين المرآة والصورة، والخامس للجهل بالجهة التي فيها الصورة المطلوبة حتى يتعذر بسببه أن يحاذي بها شطر الصورة وجهتها)([120])

 ويطبق هذه الأسباب الخمسة على محل الإدراك الروحاني من الإنسان، والذي يعبر عنه بالقلب فيقول: (فكذلك القلب مرآة مستعدة لأن ينجلي فيها حقيقة الحق في الأمور كلها، وإنما خلت القلوب عن العلوم التي خلت عنها لهذه الأسباب الخمسة: أولها نقصان في ذاته كقلب الصبي فإنه لا ينجلي له المعلومات لنقصانه.. والثاني لكدورة المعاصي والخبث الذي يتراكم على وجه القلب من كثرة الشهوات، فإن ذلك يمنع صفاء القلب وجلاءه فيمتنع ظهور الحق فيه لظلمته وتراكمه.. الثالث أن يكون معدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة فإن قلب المطيع الصالح وإن كان صافيا فإنه ليس يتضح فيه جلية الحق، لأنه ليس يطلب الحق وليس محاذيا بمرآته شطر المطلوب، بل ربما يكون متسوعب الهم بتفصيل الطاعات البدنية أو بتهيئة أسباب المعيشة ولا يصرف فكره إلى التأمل في حضرة الربوبية والحقائق الخفية الإلهية، فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال وخفايا عيوب النفس إن كان متفكرا فيها أو مصالح المعيشة إن كان متفكرا فيها.. الرابع الحجاب فإن المطيع القاهر لشهواته المتجرد الفكر في حقيقة من الحقائق قد لا ينكشف له ذلك لكونه محجوبا عنه باعتقاد سبق إليه منذ الصبا على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن، فإن ذلك يحول بينه وبين حقيقة الحق، ويمنع من أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التقليد.. الخامس الجهل بالجهة التي يقع منها العثور على المطلوب، فإن طالب العلم ليس يمكنه أن يحصل العلم بالمجهول إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبه حتى إذا تذكرها ورتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا يعرفه العلماء بطرق الاعتبار، فعند ذلك يكون قد عثر على جهة المطلوب فتنجلي حقيقة المطلوب لقلبه فإن العلوم المطلوبة التي ليست فطرية لا تقتنص إلا بشبكة العلوم الحاصلة، بل كل علم لا يحصل إلا عن علمين سابقين يأتلفا ويزدوجان على وجه مخصوص فيحصل من ازدواجهما علم ثالث)([121])

بناء على هذا فإن الصوفية يعتبرون السلوك الصوفي – والخلوة خصوصا- وسيلة لإزاحة الأسباب الحائلة بين القلب وتجلي حقائق الأشياء على مرآته، وينفردون بالاهتمام بهذا المصدر من بين سائر الباحثين عن الحقائق، يقول الغزالي: (اعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة، بل قالوا الطريق تقديم المجاهدة، ومحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، ومهما حصل ذلك كان الله هو المتولي لقلب عبده والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم، وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة وأشرق النور في القلب وانشرح الصدر وانكشف له سر الملكوت وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية، فليس على العبد إلا الاستعداد بالتصفية المجردة، وإحضار الهمة مع الإرادة الصادقة والتعطش التام والترصد بدوام الانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة)([122])

ويبين أن هذا المنهج هو منهج الأنبياء والأولياء الذين (انكشف لهم الأمر، وفاض على صدورهم النور، لا بالتعلم والدراسة والكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا والتبري من علائقها وتفريغ القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، فمن كان لله كان الله له)([123])

وبناء على هذا التقديم ذكر الغزالي كيفية الخلوة، والتي كانت تطبق في ذلك الحين، وهي نفسها التي مارسها الشيخ ابن عليوة.

أما الخوارق التي تحصل، فما الحرج فيها، وهل من هناك من النصوص ما ينكرها، وقد ذكر أبو حامد نفسه – الذي هو ثقة عند الجميع- في كتابه (المنقذ من الضلال) شهادته في هذا بعد أن قضى جزءا مهما من حياته ملتزما بكثير من الخلوات، فقد قال: (.. ودمت على ذلك مقدار عشر سنين ؛ وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جُمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً. فإن جميع حركاتـهم وسكناتـهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من (نور) مشكاة النبوة ؛ وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به)([124])

ثم ذكر أنه (من أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى أنـهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد. ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال، إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه.. وعلى الجملة. ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة الحلول، وطائفة الاتحاد، وطائفة الوصول، وكل ذلك خطأ)([125])

ثم بين، وهو المتكلم الأصولي الفقيه الفيلسوف قيمة تلك الخلوات الإيمانية، فقال: (وبالجملة، فمن لم يرزق منه شيئاً بالذوق، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم، وكرامات الأولياء، هي على التحقيق، بدايات الأنبياء، وكان ذلك أول حال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حين أقبل إلى جبل (حراء)، حيث كان يخلو فيه بربه ويتعبد، حتى قالت العرب: (إن محمداً عشق ربه!)([126])

ثم ذكر الغزالي بعد هذا المنهج الصحيح الذي نستجلي به حقيقة هذا الأمر، وهو التجربة لا إرسال الرسل للتجسس والاستخبار، فيقول: (.. وهذه حالة، يتحققها بالذوق من يسلك سبيلها. فمن لم يرزق الذوق، فيتيقنها بالتجربة والتسامع، إن أكثر معهم الصحبة، حتى يفهم ذلك بقرائن الأحوال يقيناً. ومن جالسهم، استفاد منهم هذا الإيمان. فهم القوم لا يشقى جليسهم. ومن لم يرزق صحبتهم، فليعلم إمكان ذلك يقيناً بشواهد البرهان، على ما ذكرناه في كتاب (عجائب القلب) من كتب (إحياء علوم الدين)، والتحقيق بالبرهان علم، وملابسة عين تلك الحالة ذوق، والقبول من التسامع والتجربة بحسن الظن إيمان، فهذه ثلاث درجات)([127])

كيفية الخلوة:

ذكر الشيخ العربي التبسي بناء على الوصف الذي وصف له كيفية الخلوة، وهو وصف صحيح دقيق على حسب ما يذكره الصوفية في كتبهم، وعلى حسب ما رأيتها بنفسي، لكنه للأسف كما ذكرنا خلط السخرية والنقد اللاذع لها بسبب وغير سبب، وسنذكر هنا ما ذكره من كيفيتها، ونعقب عليه بما نراه مناسبا([128]).

يقول الشيخ العربي التبسي معرفا بالمصدر الذي وصف له الخلوة: (أضع بين يدي القارىء حكاية عن هذه الخلوة التي وصفناها بعض الوصف تلقيتها من أحد الرجال، الذين دخلوا لهذه الخلوة، وأقام بها سبعة عشر يوما. وقد فتح عليه كما يظن من قبل نفسه، ثم خرج منها للدعاية إلى العليوية)([129])

ولسنا ندري ما المنكر في أن يدعو للعليوية في الوقت الذي كان فيه المبشرون والملاحدة ودعاة الإدماج والكل بما فيهم جمعية العلماء يدعون إلى أنفسهم؟

بعد أن نقل هذا السند المجهول، أخذ في وصف المحل والهيئة ونحوها كما نقله المخبر له، فقال: (إننا أدخلنا إلى بيت مربع ونحن عدد لا يستهان به كثرة، وقد زودنا كلنا وصايا متفقة، وجماع هذه الوصايا أن يذكروا لفظ (اللــه) ويمدونه مدا ينقضي بانقضاء نفس الإنسان، بلهجة وانفعال يتصنعونه أولا ثم يصير ملكة فيهم([130]).. يؤكد عليهم جد التوكيد أن تكون حروف لفظ الله حالة في قلوبهم، أعني يعتبرون هذه الحروف مكتوبة في قلوبهم، فمن يعرف الكتابة فالأمر عليه سهل، ومن لا يعرفها يتحيلون عليه حتى ينتهوا به إلى أن يضعها في قلبه كما وضعها رفقاؤه، ثم يغمضون أعينهم، ويقبلون على ما يسمونه بالذكر، ويأمرهم أمرا لا هوادة فيه، بأن يجمعوا قوى الحواس الظاهرة إلى الباطن، ويصرفونها إلى الحروف الحالة في قلوبهم. ومن ذهل عن هذه الحروف فليفتح عينيه، ويأخذ شكل الحروف إلى قلبه من الشكل المكتوب أمامه، ثم يعود إلى إغماض عينيه وغيره مما قصصناه)([131])

وذكر الشيخ العربي التبسي أنه أثناء الخلوة يلتزم المريدون بـ (تحريم أكل اللحوم عليهم أيام إقامتهم بهذا البيت، وتقليل الأغذية من غيرها، حتى أنه لا يأذن لهم في الأكل إلاّ مرة واحدة في اليوم والليلة تمسك عليهم بقية من أنفاس الحياة. أما النوم فلا إذن فيه مادام في أحدهم فضل من قوة يكد بها نفسه)

وقد أخبر الشيخ العربي التبسي أنه سأله مخبره عن (الصلوات النوافل التي جعلت قرة عين سيد العباد، فأجاب بأنه لا يأمرهم بالنوافل)

ثم ذكر الشيخ أنه استخبر مخبره أن يخبره بما (يرونه في هذه الخلوة مما يسمونه فتحا أو كشفا أو حالا أو مقاما، فأخذ يذكر لي من ضروب التخيلات، وأنواع المصطنعات ما يتحاشى أقل مخلوق يملك حشاشة من حياء أن يرضاه لنفسه، فضلا عن أن يعد هذا سيما عباد الله المقربين، ولكن من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا)([132])

بهذا اكتفى الشيخ، والعجب كل العجب من سخريته من الفتوح التي فتحت على صاحبه في الخلوة، مع أن المعاني الحاصلة فيها معان ذوقية لا يمكن التعبير عنها باللسان، وحتى المشاهدات في حال حصولها مشاهدات رمزية لا يمكن وصفها.

وما ذكره الشيخ العربي التبسي وصفه الشيخ عدة بن تونس في كتابه (الروضة السنيّة في المآثر العلويّة) ناقلا ما كتبه الشيخ أحمد بن عليوة بقلمه عن كيفية تسليك المريدين في الخلوة، فذكر أن (السير الغالب الذي كان يعتمده واعتمده أتباعه من بعده أيضا، هو أن يكلّف المريد بذكر الاسم المفرد مع تشخيص حروفه، حتى ترتسم الحروف في مخيلته، ثمّ يأمره ببسطها وتعظيمها إلى أن تملأ الحروف ما بين الخافقين، ويديم الذكر على تلك الهيئة إلى أن تنقلب صفاتها إلى شبه النور، ثمّ يشير له بالخروج عن هذا المظهر بكيفيّة يتعذر وصفها، فتنتهي روح المريد بسرعة مع تلك الإشارة إلى خارج الكون ما لم يكن المريد قليل الاستعداد، وإلاّ احتيج إلى تصفية وترويض، وعند تلك الإشارة يقع للمريد التميّيز ما بين الإطلاق والتقيّيد، ويظهر له هذا الوجود مثل الكرة أو القنديل، معلقا في فراغ معدوم البداية والنهاية، ثمّ يصير يضعف في نظره مع ملازمة الذكر، ومصاحبة الفكر، إلى أن يصير أثرا بعد عين، ثمّ يصير أثرا ولا عين، ويبقى على تلك الحالة حتى يستغرق المريد في عالم الإطلاق، ويتمكّن يقينه من ذلك النور المجرّد، والشيخ في جميع ذلك يتعاهده ويسأله عن أحواله، ويقوّيه على الذكر حسب المراتب، حتى ينتهي إلى غاية يشعر بها المريد من نفسه، ولا يكتفي منه إلاّ بذلك)([133])، وقد أشار الشيخ ابن عليوة إلى هذا في ديوانه قائلا([134]):

فتشخيص الحروف تحظى بفضله
 
إلى أن ترى الحروف في الآفاق تجلى
 
وليس لها ظهور إلاّ في قلبك
 
وبتمكن الاسم ترتحل الغفلا
 
فعظمنّ الحروف بقدر وسعكا
 
وارسمها على الجميع علويا وسفلا
 
وبعد تشخيص الاسم ترقى بنوره
 
إلى أن تفنى الأكوان عنك وتزولا
 
لكنّ بأمر الشيخ تفنى فلا بك
 
فهو دليل الله فاتخذه كفلا
 
يخرجك من ضيق السجون إلى الفضا
 
إلى فضاء الفضاء إلى أول الأولى
 
إلى أن ترى العالم لا شيء في ذاته
 
أقلّ من القليل في تعظيم المولى
 
فإن برز التعظيم تفنى في عينيّه
 
لأنّك لم تكن شيئا من أوّل الوهلا
 
فلم تدر من أنت فكنت ولا أنت
 
فتبقى بلا أنت لا قوى ولا حولا
 
وبعد فنائك ترتقي إلى البقاء
 
إلى بقاء البقاء إلى منتهى العلا
 
ألا في شهود الحق تنزل ركابنا
 
فيا خيبة الذي عن هذا يتسلى
 

فإذا انتهى المريد إلى هذه الحالة، يرجع به الشيخ إلى عالم الشهادة بعد الخروج عنه، (فينقلب في نظره على خلاف ما كان عليه، وما ذلك إلاّ لإشراق بصيرته، وكيفما كان لا يراه إلاّ نورا على نور، وفي هذا المقام قد يختلط على المريد (الحابل بالنابل)، كما وقع لكثير من السائرين، ولكن لا يبعد صاحب هذا المقام أن يتلوه التميّيز بين المشاهد، فيصير يعطي المراتب حقّها، ويوفي المقامات قسطها)([135])

والطريقة التي ذكرها لا تختلف كثيرا عن الطريقة التي وصفها الغزالي للخلوة، فقد قال: (الطريق في ذلك: أولا بانقطاع علائق الدنيا بالكلية وتفريغ القلب منها وبقطع الهمة عن الأهل والمال والولد والوطن وعن العلم والولاية والجاه، بل يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه، ثم يخلو بنفسه في زواية مع الاقتصار على الفرائض والرواتب ويجلس فارغ القلب مجموع الهم ولا يفرق فكره بقراءة قرآن ولا بالتأمل في تفسير ولا بكتب حديث ولا غيره، بل يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى الله تعالى، فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة قائلا بلسانه: (الله الله) على الدوام مع حضور القلب حتى ينتهي إلى حالة يترك تحريك اللسان ويرى كأن الكلمة جارية على لسانه، ثم يصبر عليه إلى أن يمحي أثره عن اللسان ويصادف قلبه مواظبا على الذكر، ثم يواظب عليه إلى أن يمحي عن القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة ويبقى معنى الكلمة مجردا في قلبه حاضرا فيه كأنه لازم له لا يفارقه، وله اختيار إلى أن ينتهي إلى هذا الحد واختيار في استدامة هذه الحالة بدفع الوسواس، وليس له اختيار في استجلاب رحمة الله تعالى، بل هو بما فعله صار متعرضا لنفحات رحمة الله، فلا يبقى إلا الانتظار لما يفتح الله من الرحمة كما فتحها على الأنبياء والأولياء بهذه الطريق) ([136])

ثالثا ــ ميسرات السلوك ومنشطاته:

وهو ركن من أركان جميع الطرق الصوفية، فهي لا تكتفي بما رأينا من ممارسات قد تجلب الملل لمريديها بسببها، بل تضيف إليها ما يمكن تسميته (الترفيه الديني) الذي يدخل فيه السياحة والغناء والإنشاد، بل حتى الرقص.

وكما رأينا حرص الصوفية على عدم الغفلة في أي لحظة من اللحظات عن ذكر الله، فقد حرصوا على ربط كل سلوكاتهم بذكر الله حتى الغناء والرقص ربطوه بذكر الله، وجعلوا له طقوسا خاصة كانت محل إنكار شديد من الاتجاه السلفي، وكان لذلك أثره في موقف الجمعية من الطرق الصوفية.

وبناء على هذا سنذكر هنا مظهرين من مظاهر هذا الترفيه الروحي، تاركين تفاصيل الأدلة والمناقشات الفقهية إلى محلها من الجزء الثالث من هذه السلسلة.

1 ــ السماع والرقص:

ربما تكون هذه الناحية من التصوف السلوكي هي أكثر النواحي إثارة للمعادين للتصوف، وخصوصا من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذين جعلوا من الغناء والرقص الطرقي وخاصة المنتسب للطريقة العلوية مادة للتنفير من التصوف وطرقه.

فهذا أحمد توفيق المدني يصف جمعا من جموع الطريقة العلاوية في العاصمة مستنكرا له، فيقول: (قال لي الأخ محمد رضا الأكحل – وكنا في أواخر شهر تموز/يوليو (جويلية) 1925 م -: لنا اليوم سهرة حافلة بمقبرة سيدي محمد بن عبد الرحمن، فلنستعد لها مبكرين حتى نكون في الصفوف الأولى.. وبعد صلاة العشاء، التأمت حلقة الذكر، وأخذ الفقراء يترنمون بأصوات هي إلى البشاعة أقرب منها إلى الرخامة. وطال ذلك نحو ساعة. فبعض تلك الأناشيد والأذكار كان مستقيم المعنى صحيح المبنى، فيه الصلاة على الّنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه الموعظة والذكرى، أما بعضها الآخر ففيه إشارات واضحة إلى مذهب (وحدة الوجود) يترنم بها القوم ولا يفهمون لها معنى، وخرجت من هناك آسفا حزينًا وأنا أتساءل: كيف تمكن أحمد بن عليوة المستغانمي من إنشاء طريقة صوفية وهو شبه أمّي؟)([137])

ولكن رغم ذلك، ورغم تلك النظرات القاسية التي ينظر بها المناوئون للطرق الصوفية، فإن هذا النوع من الممارسات هو الأكثر جاذبية بين مختلف أصناف المجتمعات، لأن ما ينشد من القصائد، والألحان المؤداة بها والتي تختلف من بيئة إلى أخرى، والحركات المصاحبة لكل ذلك لها تأثيرها الكبير في الشعور بأحوال روحية يأنس بها من حصلت له، ويشتد حرصه على تحصيلها، ومن ثم يبحث عن الطرق التي توفرها له.

ولعل من الأسباب الكبرى للدور الكبير الذي قام به الصوفية في نشر الإسلام هو استعمالهم لهذا الأسلوب، فالتعلق بالغناء والرقص ونحوهما فطرة بشرية أحسن الصوفية استثمارها.

ويرتبط هذا النوع من الممارسات خصوصا بالأدب، وبالشعر خاصة، لأنه الأداة التي يمكن التعبير بها بكل حرية عن المشاعر والعواطف.

ولهذا نجد أكثر من يمثل الأدب الإسلامي في التاريخ هم الصوفية، لأن من عداهم اهتم بأنواع الأدب الأخرى، والتي لا يمكن إدراجها ضمن الأدب الإسلامي، كالمديح والهجاء والرثاء وغيرها، لافتقارها إلى الكثير من القيم التي دعا الإسلام إليها.

في المقابل نجد الأدب الصوفي ثريا بالمعاني الدينية المهيجة للمشاعر الإيمانية، فمن أغراضه: (الامتداح النبوي – الشوق إلى الأماكن المقدسة – الأحزاب والأوراد – التوسلات – الحكم – الرسائل الصوفية (المكاتبات السنية) – الحكايات الكرمية – شعر الزهد – شعر التصوف السني – شعر التصوف الفلسفي)([138])

وقد كانت تلك المعاني بجماليتها الروحية سببا مباشرا ومهما في انتشار الفكر والسلوك الصوفي بين الكثير من الفئات الشعبية، بالإضافة إلى أن شعراء الصوفية في كل بلد استعملوا لغة البلد البسيطة، ليفهمهم ويستوعب أغراضهم أكبر عدد من الناس.

ففي الطبقات الشعبية الجزائرية وخاصة في المناطق الغربية – مثلا – نجد أكثر أسماء الشعراء ترددا أسماء صوفية، كمصطفى بن إبراهيم، والمنداسي، وابن مسايب، وابن خلوف، وابن سهلة، والزرهوني، وأحمد بن قيطون، وابن يوسف، والخالدي وبطبجي، وابن مصطفى العلاوي، وغيرهم، وكلهم استعملوا الشعر البسيط، والملحون لإرسال رسائلهم لتلك الفئات البسيطة من المجتمع.

بالإضافة إلى هذا اهتم الصوفية بالغناء الذي يسمونه سماعا، واهتموا بوضع الألحان المهيجة للمشاعر.

وفوق هذا كله اهتم هذا النوع من التصوف بالرقص للتعبير عن المواجيد الصوفية، وهم يعتذرون لهذا بما ذكره الشيخ أبو مدين في قوله([139]):

يحرُكنا ذكر الأحاديث عنكمُ
 
ولولا هواكُم فِي الحشا ما تَحرَّكنا
 
فقُل لِلَّذي ينهَى عن الوَجد أهلهُ
 
إذا لَم تذُق معنَى شرابٍ الهَوَى دعنا
 
إذا اهتزَّت الأرواح شوقاً إِلَى اللقا
 
ترفصت الأشباح يا جاهلَ المعنَى
 
أما تنظرُ الطير المقفَّصَ يا فتَى
 
إذا ذكر الأوطان حنَّ إِلَى المغنَى
 
يُفَرّجُ بالتغريد ما بِفُؤادهِ
 
فتضطرِبُ الأعضاءُ فِي الحسّ والمعنَى
 
ويرقصُ فِي الأقفاصِ شوقاً إِلَى اللقا
 
فتهتزُّ أربابُ العقولِ إذا غنَى
 
كذلكَ أرواحُ المُحبِّينَ يا فَتَى
 
تَهزِّزها الأشواقُ للعالَمِ الأسنَى
 
أنلزمُها بالصبرِ وهي مشوقةٌ
 
وهل يستطيع الصبر من شاهد المعنَى
 
إذا لَم تذُق ما ذاقتِ النَّاسُ فِي الهَوَى
 
فباللهِ يا خالِي الحشا لا تعنّفنا
 
وسلّم لنا فيما ادعينا لأننا
 
إذا غلبت أشواقُنا ربَّما صحنا
 
وتَهتزُّ عند الإستماع قلوبُنا
 
إذا لَم نَجد كتم المواجيد صرّحنا
 
وفِي السرِّ أسرارٌ دقاقٌ لطيفة
 
تراقُ دمانا جهرةً إن بِها مجنا
 
فيا حاديَ العشَّاقِ قم واحد قائماً
 
وزمزم لنا باسم الحبيب وروحنا
 
وصن سرَّنا فِي سكرنا عن حودنا
 
وإن أنكرَت عيناك شيئاً فسامحنا
 
فإنّا إذا طبنا وطنب عقولُنا
 
وخامَرنا خَمرُ الغَرام تَهتَّكنا
 
فَلا تلم السَّكران فِي حالِ سُكرهِ
 
فقد رقع التكليف فِي سُكرِنا عنَّا
 

وفوق هذا يرددون أشعار الفقيه الصوفي عز الدين بن عبد السلام الذي اعتذر للرقص الصوفي بقوله([140]):

ما في التواجدِ إن حققتَ من حرجٍ
 
ولا التمايلِ إن أخلصتَ من باسِ
 
إن السماعَ صفاء نور صفوتهِ
 
يخفى ويُحجَبُ عمن قلبهُ قاسي
 
نورٌ لمن قلبُه بالنورِ منشرِحٌ
 
نارٌ لمن صدرُه ناووسُ وسواسِ
 
راحٌ وأكْؤُسُها الأرواحُ فهي على
 
قدرِ الكؤوسِ تريك الصفوَ في الكاسِ
 
حادٍ يذكّرُكَ العهدَ القديمَ
 
وإن تقادم العهد ما المشتاقُ كالناسي
 
فليس عارٌ إذا غنّى له طرباً
 
يئنُ بالناس لا يخشى من الناسِ
 

ولهذا نجد أغلب الطرق الصوفية([141]) تستعمل الشعر والغناء المهيج للمواجيد، وتنتهج في توجيهها للمريدين على مبدأ (استبدال العواطف البشرية العادية بالعواطف المتوجهة إما لله، أو لرسوله أو للأولياء والصالحين)

ولعل خير من يمثل هذا النوع من التصوف في الجزائر الطرق المرتبطة بالطريقة الشاذلية، وخصوصا الطريقة العلاوية، فالشعر والغناء الصوفي يشكلان عندها ركنا مهما من أركان الطريقة، وقد كان الشيخ العلاوي أحد أقطاب المتصوفة الذين اهتموا بالأدب الصوفي، فله ديوان شعري متوسط الحجم، بلغت عدد صفحاته (88) صفحة، به (72) قصيدة صنفت بحسب قوالبها الشكلية إلى ثلاثة أقسام: موشحات، أزجال، وقصائد عادية([142]).

2 ــ السياحة:

اهتم الصوفية سلفهم وخلفهم بالسياحة([143]) اهتماما شديد، وهم يرجعون في الاهتمام بها إلى ما ورد في فضلها والثناء عليها في القرآن الكريم كقوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112]

وهم يقسمونها إلى قسمين: (سياحة لتعلم أحكام الدين وأساس الشريعة، وسياحة لآداب العبودية ورياضة النفس، فمن رجع من سياحة الأحكام قام بلسانه يدعو الخلق إلى ربه، ومن رجع من سياحة الآداب والرياضة قام في الخلق يؤدبهم بأخلاقه وشمائله، وسياحة: هي سياحة، للحق، وهي رؤية أهل الحق والتأدب بآدابهم)([144]).

وقد كان هذا الاهتمام محل إنكار من الشيخ ابن تيمية خصوصا، ثم من جاء بعده، وبناء عليه ركز على تحريم السياحة لغير المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ذلك لأن الصوفية كانوا يقصدون من سياحتهم زيارة الصالحين، وأضرحتهم، ويقيمون هناك الكثير من حضرات الذكر التي لا يرضى عنها هذا الاتجاه.

ومع ذلك فقد ساهمت هذه السياحات في خدمة الدعوة الإسلامية، ونشر الإسلام في مناطق لم تصلها جنود المسلمين، والحقائق التاريخية تشهد بأن أكثر من أسلم في إفريقيا وآسيا وحتى أوروبا كان له علاقة بالسياحة الصوفية.

ولذلك كانت الطريقة العلاوية تهتم بالسياحة، وخصوصا في بلاد القبائل بسبب تعرضها الشديد للمبشرين.

وقد كان للشيخ العلاوي خصوصا سياحات يتفقد فيها مختلف الزوايا التي شيدها في الجزائر وخارجها، وكلما زار مدينة من المدن، يستقبله أهلها الفقراء بفرح كبير، ويحتفلون بقدومه ويسهرون معه الليالي بالذكر والمذاكرة، ويعرضون عليه مشاكلهم، وجميع ما أهمهم، ويسألونه عما خفي عليهم من أمور دينهم([145]).

يقول الطاهر بن الواضح الزعموشي واصفا ما يحثل في تلك السياحات: (..وقد كنت سحت معه [أي الشيخ] لعاصمة الجزائر الجزائر والقطر الزواوي وبلدة البرج، وما رأيت تذكيره في جميع ذلك يخرج عن دائرة النصيحة، وهذا من جهة ما يرجع لتعففه عما بأيدي الناس)([146])

وكان الشيخ ابن عليوة – على حسب ما يشهد الكثير من مريديه – يوصي أتباعه بقصد الأماكن المختلفة، وخصوصا تلك التي تتعرض للانحراف، لحرصا منهم على بث الشرائع الدينية والسنن المحمدية([147])، وكان يوصيهم بعدم قبول الزيارة إذا أعطاها الناس لهم، وبرفع الهمة ما استطاعوا حتى عن الأكل والشرب، وأن لا يطلبوا من الناس إلا الماء للوضوء ويقولون لهم إنما قصدناكم لتأخذوا منا الطريق أو على الأقل تعاهدوننا على المواظبة على الصلاة في أوقاتها مع تقوى الله ما أمكن([148]).

المطلب الثالث: التصوف العرفاني وعلاقة الطرق الصوفية به

ذكرنا سابقا أن التصوف العرفاني هو تصوف النخبة لا العوام لصعوبته، ولافتقاره إلى السلوك الخاص، لعل أبرز من مثل هذا النوع من التصوف في عهد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هو الشيخ ابن عليوة، فقد كانت كتبه وقصائده طافحة بالتعبيرات التي لا تختلف كثيرا عن تعبيرات أساتذة هذا النوع من التصوف.

وسنحاول هنا أن نذكر مدى تطابق التصوف العرفاني مع تصوف الطرق الصوفية المعاصرة للجمعية، وخصوصا الطريقة العلاوية.

أولا ــ استعمال اللغة الرمزية والشاعرية:

بناء على صعوبة التعبير عن المعاني والمعارف التي يتحقق بها السالك، فإنه يلجأ إلى اللغة الرمزية أو القصصية أو الشعرية، كما فعل أكثر العرفاء المسلمون كابن عربي وجلال الدين الرومي ومثلهما وعلى طريقتهما الأمير عبد القادر، والشيخ ابن عليوة، وغيرهما من مشايخ الصوفية.

وسنقتصر هنا من باب الاختصار على شخصيتين كان لهما باع طويل في هذا الباب، وهما باتفاق الجميع ممن يتبنون هذا النوع من التصوف، بل يعتبرونه حقيقة التصوف وكماله.

أما الأول، فهو الأمير عبد القادر باعتباره شيخا وممثلا للطريقة القادرية، وأما الثاني، فهو الشيخ ابن عليوة الذي رأينا أن معظم حملة جمعية العلماء كانت متوجهة نحوه.

أما الأمير عبد القادر، فقد كان متأثرا بكبار مشايخ العرفان كمحي الدين بن عربي وابن الفارض وغيرهما، وقد تجلى هذا في كتاباته وأشعاره، وكنموذج على ذلك قصيدته الخمرية التي تشبه كثيرا قصيدة ابن الفارض، فهو يقول([149]):

هي العلم كل العلم والمركز الذي
 
به كل علم حين له دور
 
و لا غبن في الدنيا ولا من رزيئة
 
سوى رجل عن نيلها حظه نزر
 
و لا خسر في الدنيا ولا هو خاسر
 
سوى والله والكف من كأسها صفر
 

ويعبر الأمير عن الثمن الذي يحتاج أن يدفعه من يريد أن يشم هذه الخمرة، فيقول([150]):

وفي شمها- حقا- بذلنا نفوسنا
 
فهان علينا كل شيء له قدر
 
وملنا عن الأوطان والأهل جملة
 
فلا قاصرات الطرف تثنى ولا القصر
 
هجرنا لها الأحباب والصحب كلهم
 
فما عاقنا زيد ولا راقنا بكر
 
ولا ردنا عنها العوادي ولا العدا
 
و لا هالنا فقر ولا راعنا بحر
 

ويذكر الأمير تأثير هذه الخمرة في شاربها، وكيف توصله إلى الفناء، فيقول([151]):

نرى سائقيها كيف هامت عقولهم
 
و نازلهم بسط وخامرهم سكر
 
وتاهوا فلم يدروا أليته منهم
 
وشمس الضحى من تحت أقدامهم غفر
 

ثم يصفا الأمير تأثير تلك الخمرة الروحية في الصوفية، فيقول([152]):

فمن يرجى من الكون غيرنا
 
فنحن ملوك الأرض لا البيض ولا الحمر
 
تميد بهم كاس بها قد تولهوا
 
فليس لهم عرف وليس لهم نكر
 
حيارى فلا يدرون أين توجهوا
 
فليس لهم ذكر وليس لهم فكر
 

ويتحسر الأمر على المحرومين الذين حرموا من شرب هذه الخمرة المقدسة، فيقول([153]):

فلو نظر الأملاك ختم إنائها
 
تخلوا عن الأملاك طوعا ولا قهر
 
و لو شمت الأعلام في الدرس ريحها
 
لما طاش عن صواب لها فكر
 
فيما بعدهم عنها- ويا بئس ما رضوا
 
عقد صدهم قصد وسيرهم وزر
 

وأما الشخصية الثانية والتي شنت عليها حرب شعواء من طرف الجمعية، فهي شخصية الشيخ ابن عليوة، فهو كالأمير عبد القادر، وكابن الفارض، كغيرهما من صوفية العرفان يتغنى بالخمرة، وصف صفاءها وكؤوسها، وقدمها وأثرها في نفس صاحبها الذي ينتهي به إلى السكر أو العربدة، غير أن ذلك – كما هو واضح- من قبيل الرمز ولا علاقة له بالخمرة الدنيوية، كقوله في إحدى قصائده([154]):

فما أحلى شرب القوم نخبر بطعمه
 
فلست أعني خمرا ولست أعني عسلا
 
شراب قديم النعت تعجز عن وصفه
 
فجل في ذاته أن يشاكل الشكلا
 

وهذا مألوف في الأدب والشعر خصوصا، بل إن توظيف العلاوي هنا للخمرة – كما يذكر أحد الباحثين – (يعبر عن مدى تعلق الشاعر بالممدوح، وولعه بعلمه وسعة اطلاعه، ولعل الشاعر بهذا الرمز يهيم في عالم من الوجد والسكر المعنوي ويسبح في فضاء تتسامى فيه الروح لتترفع عن دنايا الحياة وقيودها إلى رحاب الانطلاق والتحرر من تلك الدنيا)([155])

ومثل ذلك وظف الشيخ – كسائر صوفية العرفان – جملة من الرموز للتعبير عن المعاني الروحية، كاتخاذ اسم ليلى رمزا الذات الإلهية، كما قال في موشحة المشهور والتي لا تزال تردد في الحضرات الصوفية في الجزائر وغيرها (دنوت من حي ليلى)([156]):

دنوت من حي ليلى
 
لما سمعت نداها
 
يا له من صوت يحلو
 
أود لا يتناهى
 
رضت عني جذبتني
 
أدخلتني لحماها
 
أنستني خاطبتني
 
أجلستني بحذاها
 

وليلي عنده ــ كما هي عند غيره من الصوفية ــ رمز للذات المقدسة، وكأن العاشق هو قيس ليصور لنا تعلقه وهيامه بها، بحيث يستحضر القارئ أو المستمع صورة (قيس) ذلك العاشق الولهان.

وقد نجح الشيخ ابن عليوة في نقل هذه المعاني الحسية من الغزل العادي إلى الغزل الإلهي، بحيث أضحت معاني روحية صرفة، فحب ليلى هو رمز الحضرة الإلهية، والقرب أو الدنو من ليلى هو القرب من ذات الله تعالى، ورفع الرداء رمز لانكشاف الحجاب، وكذا ألفاظ الأنس والحضور الغيبية، ليست إلا رموزا تعكس لنا بصدق، شوق الشاعر وتعلقه بالله وحده، وانقطاع قلبه عن كل شيء إلا عن محبته([157]).

بل إن الصوفية – وخاصة صوفية العرفان كما سنرى- لا يعتبرون من ليلى ومثيلاتها مجرد رموز، بل إنهم يذكرون أن قيسا في الحقيقة لم يكن يحب مظهر ليلى، وإنما كان يحب الحقيقة المختفية وراءها، أو كما يذكر ابن عربي أن قيسا قال لليلى لما عرضت له: (إليك عني فإن حبك شغلني عنك)([158])

أو كما عبر جلال الدين الرومي عن ذلك بقوله: (إن كل ضروب الرغبة والميل والمحبة والشفقة التي يكنها الناس لأنواع الأشياء تعد ضروبا من محبة الحق والتوق إليه.. وتلك الأشياء جميعا حجب، وعندما يمضي الناس من هذا العالم ويرون ذلك الملك من دون هذه الحجب يعلمون أن هذه الأشياء جميعا لم تكن سوى حجب وأغظية، مطلوبهم على الحقيقة ذلك الأوحد)([159])

وقد أنشأ اعتماد هذه الرموز، وهذه اللغة الخاصة بالصوفية الحاجة إلى تفسيرها، ونشأ عن ذلك ما يسمى بالموسوعات أو المعاجم الصوفية، وقد كان للشيخ ابن عليوة تواجد كبير في هذه المعاجم.

وكمثال على ذلك يورده أصحاب الموسوعات الصوفية مصطلح (حضرة الطمس)، حيث يذكرون تعريف ابن عليوة لها بأنها (حضرة اجتماع الأسرار، التي لا تكنى بمعنى ولا بحس ولا بنوع ولا بجنس، ولا يطيق اجتماع هذه الحضرة إلا القليل من القليل)([160])

وقد عرفها قبله الشيخ أبو العباس التيجاني بأنها (مرتبة الأحدية، مرتبة كنه الحق، وهي الذات الساذج التي لا مطمع لأحد في نيل الوصول إليها، وتسمى: حضرة العما الذاتي)([161])

ونحب أن نشير هنا إلى أنه قد وقع للشيخ العلاوي بسبب اعتماده ما يعتمده الصوفية في أشعارهم من الرمز والكناية ونحوها حملة كبيرة من الإصلاحيين قبل تأسيس الجمعية، فقد قال أبياتا يعبر فيها عن شوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما يعبر الشعراء عادة، فقال، وكأنه يشكو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله إن مات شوقا إليه، ولم يسعفه بالإجابة، وهذه هي الأبيات:

إنْ مُتّ بالشَّوْق منكد
 
إن تبق في هجري زائد
 
من هو بالملك موحّد
 
عبس بالقول تساعد
 
ما عذر ينجيك
 
للمولى ندعيك
 
ينظر في أمريك
 
ما نرجوه فيك
 

ولما عوتب في هذا أجاب بأن أَلسُنُ الْمُحِبِّين أعجمية ! أي أنه لا يمكن الاعتماد على ظاهر ما تقول.

ومع أننا قد ننكر عليه مثل هذا، ولكن هذا الإنكار لا يرقى إلى الدرجة التي تعامل بها ابن باديس، بل ورجال الجمعية معه، بل ضموا إليهم الكثير من شهادات العلماء في الإنكار، وكان من ذلك كله رسالة ابن باديس المعروفة بـ (رسالة جواب سؤال عن سوء مقال) التي ذكر فيها النصوص من الكتب والسنة وآثار السلف ما يرد به على ما ذكره الشيخ ابن عليوة، أرسل بها إلى كبار مشايخه بتونس والعلماء والمفتين بالجزائر والمغرب، فقرّظوها، وسنتحدث عنها عند الحديث عن أساليب التعامل بين الجمعية والطرق الصوفية.

ونحب أن ننبه هنا إلى أن كثيرا من المحققين الكبار في التصوف كأبي حامد الغزالي ينكرون المبالغة في استعمال مثل هذه الأساليب خاصة بين العوام الذين قد يغلبون طاهر الألفاظ عن المعاني الإشارية التي تشير إليها، يقول أبو حامد: (وأكثر ما اعتاده الوعاظ من الأشعار ما يتعلق بالتواصف في العشق وجمال المعشوق وروح الوصال وألم الفراق والمجلس لا يحوى إلا أجلاف العوام وبواطنهم مشحونة بالشهوات وقلوبهم غير منفكة عن الالتفات إلى الصور المليحة فلا تحرك الأشعار من قلوبهم إلا ما هو مستكن فيها فتشتعل فيها نيران الشهوات فيزعقون ويتواجدون وأكثر ذلك أو كله يرجع إلى نوع فساد فلا ينبغي أن يستعمل من الشعر إلا ما فيه موعظة أو حكمة على سبيل استشهاد واستئناس، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن من الشعر لحكمة)([162])، ولو حوى المجلس الخواص الذين وقع الاطلاع على استغراق قلوبهم بحب الله تعالى، ولم يكن معهم غيرهم، فإن أولئك لا يضر معهم الشعر الذي يشير ظاهره إلى الخلق، فإن المستمع ينزل كل ما يسمعه على ما يستولي على قلبه)([163])

ومن هذا الباب أيضا ما ذكره أبو حامد عند حديثه عن الشطح والتهتك الصوفي، فقد اعتبر من أصنافه (كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائل إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها، بل يصدرها عن خبط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه وهذا هو الأكثر، وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان أو يحمل على أن يفهم منها معاني ما أريدت بها ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه)([164])

وللأسف نجد انتشار مثل هذا في الدوائر الصوفية، خاصة الدوائر التي تهتم بالعرفان، ولكن مشايخ الصوفية عادة، وخاصة المحققون منهم يحثون أتباعهم على ترك مثل هذه السلوكات.

ثانيا ــ التفسير الباطن:

من أساسيات التصوف العرفاني القول بالباطن، وأنه الحقيقة التي تختفي بجلباب الظاهر، وأن الغرض من الظواهر هو العروج منها إلى البواطن، وذلك بناء على فلسفتهم في أن المراد من كل حركة وسكون في الكون هو التعريف بالله، أي أن كل شيء عبارة عن رمز يحمل رسالة معينة يسعى الصوفي لفكها ليعرف الحقيقة من خلالها.

وقد أشار الشيخ ابن عليوة إلى هذه الحقيقة التي يتفق عليها العرفاء، فقال: (اعلم إنّ القوم لا يفهمون مخاطبة الخلق لهم إلاّ عن الله، وذلك يقتضيه مقامهم لا يستعملونه في أنفسهم، فلا تستغرب يا أخي من فهمهم الكلمة الواحدة الموضوعة على معنى مخصوص آخر، فإنّ ذلك عندهم من أشرف المقامات، وأعظم الدرجات، لكونهم يفهمون الأمور عن الله، وقد أجمع أهل الله على أنّ الفهم عن الله على قدر مقام العبد عند الله، ولم يختلفوا في أنّ الكلمة الواحدة الدالّة على معنى مخصوص قد يفهم منها العبد معاني كثيرة لا تحصى، وربّما الكلمة يكون ظاهرها قبيحا، ويستفيد منها العارف أمرا مليحا، إمّا على وجه التصريح وإمّا على وجه التلويح، فإنّ القوم وإن اشتركوا مع غيرهم في ظاهر اللفظ، فإنّهم مختلفون في القصد، كما أنّهم اشتركوا في المشهود واختلفوا في الشهود، واشتركوا في المسموع، واختلفوا في الأسماع، قال تعالــــــــى: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ } [الرعد: 4])([165])

واعتبر القدرة على تحليل الظواهر والعروج منها إلى البواطن هبة واصطفاء إلهيا، فقال: (فسبحان من هداهم وقربهم إليه، واجتباهم حتى صاروا يأخذون أحكامهم وأفعالهم من مولاهم، فسمعوا ما لم يسمعه الخلق، وأبصروا ما لم يبصره الخلق، فأجسامهم عندنا وأرواحهم عند الملك الحقّ، وكما قال بعضهم:

فؤادي عند محبوبي مقيم
 
يناجيه وعندكم لساني
 

ونقل عن (الجيلي) قوله في (عينيته) المشهورة:

إذا زمزمت ورقاء على غصن بانة
 
وجاوبها قمريّ على الأيك ساجع
 
فأذني لم تسمع سوى نغمة الهوى
 
ومنكم فإنّي لا من الطير سامع
 

ثم عقب عليها بقوله: (فإذا كان هؤلاء القوم يستخرجون الجدّ من الهزل، فكيف لا يستخرجون الجــــدّ مـــن الجدّ، بل لهم ذلك لكونهم لا يقفون عند ظاهر الألفاظ، وإنّما ينظرون إلى المعاني الدالّة على المراد، ولا يلتفتون للحن ولا للإعراب، بل يأخذون المعاني من حيث وجدوها، فهم ناظرون لإشارة الأرواح، غافلون عما يتلفظ به اللسان، تراهم مع الله في كلّ حال وشأن، مع انّه كلّ يوم هو في شأن، ما اتخذ الله وليّا جاهلا إلاّ علّمه، وابتداء التعليم به ثمّ بأحكامه، وأمّا بقيّة العلوم فليست شرطا في صحّة الولاية وإنّما هي شرط كمال وذلك كالنحو والصرف، والمعاني والبيان، وعلم اللغة، حيث من لم تغنه معرفة الله، فذلك هو الشقي)([166])

ونحب أن ننبه هنا إلى أن هذا الفريق من الصوفية ينبه كل حين إلى أنه عند ذكره للباطن لا يعني ذلك إلغاء للظاهر، وإنما هو مجلى من مجاليه، وأثر من آثاره، وقد أشار ابن عليوة إلى هذا في مقدمة كتابه الذي فسر به الشريعة تفسيرا باطنا، وهو شرحه لمتن ابن عاشر، فقال: (أردت أن أبين بعض ما يأخذونه من الفقه وغيره بالإشارة التي تناسبهم مع أخذهم لظاهره والعمل به، والتديّن بأحكامه، ولا نفهم من أخذهم باطن الألفاظ أن يتركوا ما يقتضيه الظاهر حاشاهم من ذلك، بل يأخذون ما لا يقدر أن يأخذ به غيرهم من العزائم وسيرتهم في ذلك مشهورة)([167])

وهو يقر بأن هناك من يتحلل من الشريعة، ولكنه غير معتبر عند الصوفية، يقول في ذلك: (ولا يناقض هذا أقوال بعض أهل الجذب الغالب عليهم الحال، لكونهم ناقصين عن درجات الكمال، وأمّا الكمّل فأقوالهم مشهورة في عدم انفكاك الحقيقة عن الشريعة، أو العكس منها قولهم: (الحقيقة عين، والشريعة أمرها)، ومنها قولهـــــم: (من تحقّق ولم يتشرّع فقد تزندق، ومن تشرع ولم يتحقق فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق)، ومنها قولهم: (الحقيقة باطنة في الشريعة كبطون الزبد في اللبن فبمخض اللبن يظهر الزبد)، ويقـال: (أنّ الحقيقة شجرة والشريعة أغصانها)، ويكفي في هذا ما قيل: (الشريعة مقالي، والطريقة أفعالي، والحقيقة حالي)([168])

وبناء على هذا يصف الشيخ ابن عليوة الصوفية المحققين بأنهم أولئك الذين (زيّنوا ظاهرهم بالشرع، وجمّلوا باطنهم بالجمع، وأخذوا من الشرع ما لا يقتضيه الطبع، ولا يسبق إليه السمع)([169])

وهو يبين الفرق بين غيرهم، وهو يقصد بلا شك الإصلاحيين الدعاة إلى ظاهر الشريعة، بقوله: (فمن أجل ذلك صار جميع ما يفهمونه عن الله في سائر أحوالهم مأخوذا من الكتاب والسنّة، وقلّما تجد قولا من أقوالهم في الشريعة إلاّ ولهم فيه جميع مراتب الشريعة كالإسلام والإيمان والإحسان.. بخلاف ما عداهم فإنّهم لا يأخذون من القول سوى الظاهر من غير التفات لما له في الباطن من الأسرار القدسيّة والمعاني الغيبيّة)([170])

ثالثا ــ حقيقة الكون وعلاقته بالله:

وهذا هو غاية السلوك الصوفي الذي لا يهدف إلا إلى الوصول إلى الله تعالى، ومن خلال معرفة الله يعرف الصوفي الكون، فالكون عنده مظاهر وتجليات للذات التي ليس كمثلها شيء.

وهذه الناحية كذلك هي التي جرت المتاعب على الصوفية، فرموا بالقول بالحلول والاتحاد وغيرها، وقد مر معنا أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كانت تلقب الشيخ ابن عليوة بشيخ الحلول.

وبما أنا سنتحدث عن وجهة نظر الصوفية في هذه المسألة بتفصيل في الجزء الثالث من هذه السلسلة، فإنا نحب أن نذكر هنا بأن الطرق الصوفية التي عاصرت الجمعية تقول جميعا – على حسب اطلاعي – بما يطلق عليه (وحدة الوجود)، ولكنهم يفرقون بينها وبين وحدة الوجود الفلسفية.

وبما أننا في هذا المحل نقتصر على التعرف على الوجهة الفكرية للطرق الصوفية، فسأنقل هنا بعض النصوص من الشيخ الذي يعتبره الصوفية من وقت الجمعية إلى الآن من كبار العرفاء، وهو الشيخ ابن عليوة، فمقولاته الدالة على قوله بوحدة الوجود كثيرة جدا، منها قوله في حقيقة التوحيد: (فمن لم ير الله قبل كل شيء وبعد كل شيء حتى يبلغ أن يراه ولا شيء فهو قائل بالجهة ولم يشعر، وهو من الظلم في أقصى غايته للتوحيد المحض)([171])

وقوله في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186]: (إن قربه من خلقه كقربه من نفسه هكذا فلتعرف وإلا دع الأمر لأهله)([172])

ويقول في تفسير قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] بأن الآية صريحة في كون المعبود واحدا وإن تعددت المظاهر المقصودة للعبادة، بمعنى وحدة الإله لا تتعدد ولا تقبل الانقسام.. فهويته تعالى قابلة لدخول سائر الآلهة تحتها فتكون عبادة العابدين راجعة لله بكل اعتبار)([173])

ويقول عن التوجه للقبلة: (في لزوم السجود للكعبة لزوم سجود الحقائق لبعضها والأرواح لنفسها، بما تضمنه من ظهور الحق فيها، وذلك يذكر باعتبار لو ارتفعت الكعبة من بين الحافين بها ثم رفعت أجسامهم أيضا فتبقى الحقائق متوجهة لبعضها، والأرواح لنفسها، فكلهم مصل ومصلى له على مقتضى التلازم بين الربوبية والمربوبية)([174])

وفي تفسير سورة الفاتحة يقول: (يفنى ضمير النون من إياك نعبد في ضمير إياك نستعين حتى إذا انحصرت العبادة في الاستعانة بقيت الاستعانة والمعين، فأين العبادة والعبد، إن كنت ذا يقين فسره يعبده وحقيقته تشهده ما عرف الله من قال: إياك نعبد ولا عبده من قال: إياك نستعين)([175])

بل إنه في إعراب (لا إله إلا الله) في المنح القدوسية يقول: (وهذا بعض ما يتعلّق بكلمتي الشهادة من حيث المعنى، أمّا ما يتعلق بكلمة التوحيد من جهة الإعراب تقول: لا نافية للجنس تعمل على أن تنصب اسم ذاكرها على مقتضى العبوديّة وترفع خبره في عالم الحريّة، ومعناها لا موجود على الإطلاق إلاّ الله، وقولنا نافية للجنس أي للغير، أو تقول لما سوى الله في الجملة، لأنّ العارفين إذا قال أحدهم لا إله إلاّ الله فلا يجد إلاّ الله حقيقة لا مجازا)([176])

ثم عقب على هذا بلغة شاعرية جميلة بقوله: (فالقوم نفوا وجود الغير واستراحوا، ودخلوا حصن الله وما برحوا، وأنت ما زلت تنفي منذ خلقت إلى أن تموت يموت المرء على ما عاش عليه، ولو صحّ لك النفي لصحّ لك الإثبات، من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، يا هذا ألا تصحب طبيبا يعلّمك كيفية المحو، لكي تمحو ما سوى الله في الجملة، ثمّ ينهض بك لحضرة الصحو فلا تجد إلاّ الله تعالى، فحينئذ تعيش بالله، وتموت بالله، وتحشر مع أحباء الله، وتسكن في مقعد صدق عند مليك مقتدر)([177])

أما ديوانه فممتلئ بالدلالة عليها، وقد نقل الشيخ أحمد حماني الكثير من الأبيات الدالة عليها ليرمي الشيخ من خلالها بالكفر والإلحاد، فمن ذلك قوله([178]):

نوديت من أنا
 
لست سواك يا الله
 
خرجت للحس
 
نفتش عليك يا الله
 
ابتديت بنفسي
 
حصلت عليك يا الله
 

وقوله([179]):

يا مريد فزت به
 
بادر واقصد من تهواه
 
إن أردت تفنى فيه
 
لا تصغ لما عداه
 
حضر قلبك في اسمه
 
شخصه وافهم معناه
 
وجه وجهك لوجهه
 
واهتز اشتياقا له
 
اخفض الطرف لديه
 
وانظر في ذاتك تراه
 
أين أنت من حسنه
 
تالله لست سواه
 
إن قيل من تعني به
 
صرح وقل هو الله
 

وقد رد الشيخ ابن عليوة على تهم الجمعية له بالقول بالحلول، فقال:: (لا يقعن في وهمك أن هذا القول بالحلول. فالحلول إنما يكون بين وجودين أحدهما حال في الآخر، ونحن نقول: لا وجود إلا وجوده)([180])

وبما أن مصطلح (وحدة الوجود) كان محل إنكار من الكثير، وخاصة بعد اختلاطه بالمصطلح الفلسفي، أو فهم الكثير له انطلاقا من الرؤية الفلسفية، فإن الشيخ ابن عليوة استبدل مصطلح (وحدة الوجود)، بمصطلح (وحدة الشهود)([181])

 ففي عام 1913 كان قد نشر في تونس رسالة سماها (الأنموذج الفريد الموصل لعين التوحيد في شرح النقطة المشيرة إلى الوحدة)، ومما ورد فيها قوله: (إنما هو ذات في ذات وهاته الذات هي المعبر عنها بوحدة الوجود…النقطة نعني بها عين الذات المقدسة المسماة بوحدة الوجود)([182])، ولكنه حين أعاد طبعها بمستغانم خلال العشرينات غير من عنوان الرسالة ومتنها أيضا.


([1])  انظر: : ابن تيمية، الصوفية والفقراء، دار المدني، القاهرة، ص24،25.

([2])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، المطبعة العلاوية، مستغانم، ص21.

([3])  الشيخ أحمد زروق، قواعد التصوف، د.ط، ص36.

([4])  إبراهيم بسيوني، نشأة التصوف الإسلامي، دار المعارف، مصر، 1969، ص09.

([5])  جبور عبد النور، التصوف عند العرب، بيروت، لبنان، سنة 1938م، ص78.

([6])  الصوفية والفقراء، ص15..

([7])  الصوفية والفقراء، ص15..

([8])  انظر : شهاب الدين أبو حفص بن محمد السهروردى، عوارف المعارف، تحقيق د/عبد الحليم محمود، مطبعة السعادة القاهرة 1971م ص45 – 49..

([9])  ذلك أنه إذا كانت النسبة إلى أهل الصفة فإنه يقال – لغة- صُفِّي، وأما إذا كانت إلى الصف المقدم بين يدي الله تعالى فإنه يقال – لغة- صَفِّي، وأما إذا كانت نسبة إلى الصفوة من خلق الله فإنه يقال – لغة- صَفوِيٌّ (انظر: الصوفية والفقراء لابن تيمية، ص 13 – 14)

([10])  أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية، تحقيق الدكتور عبد الحليم محمود، ومحمود بن الشريف، طبعة دار الكتب الحديثة، القاهرة سنة 1974م، 2/550.

([11])  القشيري، الرسالة القشيرية،، 2/550-551.

([12])  الهجويري، كشف المحجوب، تحقيق الدكتورة إسعاد قنديل، طبعة دار النهضة العربية، بيروت 1980م،  1/230.

([13])  نقلا عن: الدكتور صالح الرقب، والدكتور محمود الشوبكي، دراسات في التصوف والفلسفة الإسلامية، الجامعة الإسلامية- غزة، ط1، 1427هـ-2006م، ص8..

([14])  مبارك بن محمد الميلي، تاريخ الجزائر في القديم والحديث، تقديم وتصحيح محمد الميلي، المؤسسة الوطنية للكتاب، 2/341.

([15])  انظر: أ. د حسن الشافعي، أ. د أبو اليزيد العجمي; التصوف الإسلامي، دار السلام للطباعة والشر، مصر، ط1،2007، ص 23.

([16])  كشف المحجوب 1/231.

([17])  أبو عبد الله محمد بن علي المعروف بابن عربي الحاتمي الطائي، الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية، دار صادر، بيروت، (2/ 266)

([18])  الكاشاني، معجم اصطلاحات الصوفية، تحقيق د/ عبد العال شاهين، دار المنار 1992م ص164.

([19])  انظر: عوارف المعارف ص 40-44.

([20])  قد قام إبراهيم البسيوني بتصنيف مجموعة من التعاريف حول التصوف حيث قسمها إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: تعاريف تتحدث عن البداية: التصوف كراهية الدنيا ومحبة المولى عز وجل.

القسم الثاني: يتحدث عن المجاهدات: التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصفاء، التصوف أن لا تملك شيئا وأن لايملكك شيء، التصوف هو قلة الطعام والسكون والفقراء من الناس،

القسم الثالث: فيتحدث عن المذاقات: التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة هو استرسال النفس مع الله على ما يربد وتوصل في الأخير إلى أن التصوف تيقظ فطري يوجه النفس الصادقة إلى أن تجاهد حتى تحظى بمذاقات الوصول، فالاتصال بوجود المطلق (انظر: د. إبراهيم البسيوني: نشأة التصوف الإسلامي-دار المعارف-مصر-1969-ص.ص17-24.)

([21])  الصوفية والفقراء ص33.

([22])  الصوفية والفقراء ص33.

([23])  الصوفية والفقراء ص33.

([24])  انظر: فخر الدين الرازي: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، مراجعة وتحرير على سامي النشار، القاهرة 1938، ص 1 – 16.

([25])  عوارف المعارف، ملحق بالإحياء، السهروردي، 5/79..

([26])  جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تلبيس إبليس، دار الفكر للطباعة والنشر، بيرزت، لبنان، الطبعة الأولى، 1421هـ/ 2001م، ص149.

([27])  رينولد نيكلسون، الصوفية فى الإسلام، ترجمة نور الدين شريبة، القاهرة، 1947، ص12..

([28])  الدكتور عبد الحليم محمود، قضية التصوف المنقذ من الضلال، طبعة دار المعارف، الطبعة الثانية، القاهرة سنة 1985 م، ص40.

([29])  مختار الصحاح للرازي، ص 391.

([30])  صحيح البخاري (6/ 144)

([31])  ابن عجيبة، إيقاظ الهمم شرح متن الحكم، دار الكتب العلمية، بيروت، ص  5.

([32])  ابن عجيبة، إيقاظ الهمم شرح متن الحكم، ص  5.

([33])  ابن عجيبة، إيقاظ الهمم شرح متن الحكم، ص  5.

([34])  ابن عجيبة، إيقاظ الهمم شرح متن الحكم، ص  5.

([35])  انظر: آثار ابن باديس (3/ 169) في تقريظ محمد المولود بن الموهوب لرسالة ابن باديس (جواب سؤال)

([36])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص154.

([37])  صحيح البخاري (8/ 131)

([38])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص155.

([39])  الشيخ مولاي التهامي غيتاوي، الرائد في ذكر جملة من حياة وفضائل وكرامات الشيخ سيدي محمد بلقايد، منشورات المؤسسة الوطنية للنشر والإتصال، ص 177.

([40])  الشيخ مولاي التهامي غيتاوي، الرائد في ذكر جملة من حياة وفضائل وكرامات الشيخ سيدي محمد بلقايد، ص 177.

([41])  الشيخ مولاي التهامي، المرجع نفسه، ص 178.

([42])  أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، (1/ 18)

([43])  الشيخ ابن عليوة، المنح القدوسية، المطبعة العلاوية، مستغانم، الطبعة الثانية، ص315.

([44])  أحمد مصطفى العلاوي، البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور،، المطبعة العلوية، مستغانم، 2/140.

([45])  أنيسة زغدود، جهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مقاومة الانحرافات الطرقية، راسلة ماجستير بإشراف: د. محمد زرمان، ص196.

([46])  ابن عربي، الفتوحات المكية، 2/317.

([47])  الشيخ عبد القادري عيسى، حقائق عن التصوف، منشورات دار العرفان حلب، سوريا 2005، ص92.

([48])  حسين مروة، النزاعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، بيروت: دار الفارابي، الطبعة الثالثة، 1980، 2/ 315.

([49])  بدعة الطرائق في الإسلام. جريدة الشهاب. السنة 4. عدد 169. 12/جمادى1/1347هـ. الموافق 25/10/1928م. ج 3. ص 6. 7.

([50])  آثار ابن باديس: 4/320.

([51])  آثار محمد البشير الإبراهيمي: 5/142.

([52])  تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، مجموع الفتاوى، تحقيق: أنور الباز – عامر الجزار، دار الوفاء، الطبعة : الثالثة، 1426 هـ / 2005 م، (10/516)

([53])  مجموع فتاوي ابن تيمية، (8/369)

([54])  مجموع فتاوي ابن تيمية، (5/321)

([55])  محمود عبد الرؤوف القاسم. الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، دار الصحابة، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، ص 353.

([56])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص173.

([57])  الراغب الأصفهاني، المفردات، المطبعة الفنية الحديثة بالقاهرة، 239، وانظر لسان العرب 10/442.

([58])  محيى الدين بن عربى، المتشابه الى المحكم من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية، المكتبة الأزهرية للتراث، الطبعة الأولى، 2007، ص 25.

([59])  الشيخ كمال الدين القاشاني، كمال الدين عبد الرزاق الكاشاني، لطائف الاعلام في إشارات أهل الإلهام. صححه وعلق عليه مجيد هادي زاده. الطبعة ١. طهران، ص 330.

([60])  د. عبد المنعم الحفني، معجم مصطلحات الصوفية، دار المسيرة، بيروت، الطبعة الثانية، 1987 ، ص 133.

([61])  وهذا إجابة على سؤال نصه: (هل على السالك إلى الله تعالى أن يتخذ لزاما، شيخ طريقة وتربية يسلك على يديه ؟ أم يسوغ له أن يكون سلوكه إلى الله تعالى من طريق التعلم والتلقي من أهل العلم دون أن يكون له شيخ طريقة؟ )

([62])  ابن عباد النفرى، الرسائل الصغرى، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1957م، ص106.

([63])  يرد الصوفية على من ينكر عليهم مثل هذا التشبيه بأن التشبيه جائز سواء كان تشبيه الأعلى بالأدنى، أو تشبيه الأدنى بالأعلى:

فمن الأول: ورد الكثير من النصوص القرآنية والحديثية التي تدل على مشروعية تشبيه الأعلى وجوازه، وهو الحق  تعالى بالأدنى وهو عالم الخلق، ومنها تشبيه نوره تعالى بالمشكاة، كما في قوله تعالى تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور: 35]

ومن الثاني: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]، ففي هذه الآية تشبيه منه تعالى لحضرة الرسول a بذاته العلية، وهي تعني ( كأنما تبايعون الله) (انظر: الموسوعة الصوفية الكبرى: حرف السين، ص369)

([64])  أبو حامد الغزالي، سر العالمين وكشف ما في الدارين، مكتبة الثقة الدينية في النجف الاشرف، الطبعة الثانية سنة 1385 هـ – 1965 م ص 144.

([65])  لسان العرب 3/31، وكتاب المفردات ص270.

([66])  معجم الكاشانى، ص172.

([67])  الشيخ ابن عباد الرندي، غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية، دار الكتب الحديثة،  مصر، تحقيق الدكتور عبد الحليم محمود والدكتور محمود بن الشريف، ج 2 ص 174.

([68])  الشيخ أحمد الرفاعي، الحكم الرفاعية ، إعداد ياسر سعدي إبراهيم،  نشر مكتبة الشرق الجديد، بغداد، 1990، ص 7.

([69])  ابن عربي، رسائل ابن عربي، رسالة شرح مبتدأ الطوفان ورسائل أخرى، تحقيق: قاسم محمد عباس، حسين محمد عجيل، دار احياء التراث العربي، ص 145 – 147.

([70])  إحياء علوم الدين (3/56)

([71])  إحياء علوم الدين (3/ 61)

([72])  إحياء علوم الدين (3/ 61)

([73])  إحياء علوم الدين (3/ 62)

([74])  أحمد بن عجيبة، إيقاظ الهمم شرح متن الحكم، المطبعة الجمالية، مصر، 1913 (ص: 20)

([75])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 170)

([76])  الحسن بن عبد العزيز: إرشاد الراغبين لما في الطريقة العلوية من الفتح المبين، دط. ص 17.

([77])  اتصال هاتفي مع الحاج مراد بن تونس بتاريخ 3/12/2006، قامت به الباحثة غزالة بوغانم، انظر: الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص121.

([78])  عبد القادر عيسى، حقائق عن التصوف، ص59-89

([79])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، 259.

([80])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، 262.

([81])  محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي، مختار الصحاح، تحقيق : محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون – بيروت، ص 93، وانظر: لسان العرب 4/308، والمفردات ص179.

([82])  انظر: كمال الدين عبد الرزاق الكاشاني، لطائف الاعلام في إشارات أهل الإلهام. صححه وعلق عليه مجيد هادي زاده. الطبعة ١. طهران، ص468.

([83])  ابن عجيبة، إيقاظ الهمم شرح متن الحكم، ص  61 .

([84])  الشيخ عدة بن تونس، وقاية الذاكرين من غواية الغافلين، المطبعة العلاوية بمستغانم، ص  3.

([85])  الشيخ عدة بن تونس، وقاية الذاكرين من غواية الغافلين، ص  3.

([86])  الشيخ عدة بن تونس، وقاية الذاكرين من غواية الغافلين، ص  3.

([87])  قال عنه محمد بن درويش بن محمد الحوت في (أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب دار الكتب العلمية، (ص: 92): (له طرق ضعيفة ومنها حديث أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه وأخرجه البخاري في آخر صحيحه لكن المعنى مختلف بين المعية والمجالسة)

([88])  الشيخ عدة بن تونس، وقاية الذاكرين من غواية الغافلين، ص  3.

([89])  إيقاظ الهمم شرح متن الحكم، ص  60 .

([90])  إيقاظ الهمم شرح متن الحكم، ص 61 .

([91])  أحمد بن عطاء الله السكندري، مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط1، 1961، ص 4.

([92])  البلاغ الجزائري، عدد 69 و70 و71.

([93])  ابن عليوة، القول المعتمد في مشروعية الذكر بالاسم المفرد، ص6.

([94])  الشيخ كمال الدين القاشاني، لطائف الإعلام في إشارات أهل الإفهام،  ص 197.

([95])   عبد المجيد الشرنوبي، شرح الحكم العطائية، دار الحياة، (ص: 67)

([96])  لسان العرب (3/ 456)

([97])  أبو طالب المكي، قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، دار صادر، ج 1ص 81..

([98])  الشيخ سليمان بن يونس الخلوتي، فيض الملك الحميد وفتح القدوس المجيد، المطبعة الادبية، ط1 – 1315 هـ، ص 113.

([99])  ابن انبوجة التشيتي، ميزاب الرحمة الربانية في التربية بالطريقة التيجانية، مصر ، ص 290)

([100])  الحسن بن عبد العزيز، إرشاد الراغبين لما في الطريقة العلوية من الفتح المبين،  ص 27.

([101])  إرشاد الراغبين لما في الطريقة العلوية من الفتح المبين، ص 29.

([102])  أحمد بن مصطفى بن عليوة: برهان الخصوصية، المطبة العلاوية، مستغانم، ص 23.

([103])  ابن عليوة: برهان الخصوصية، ص 20.

([104])  ابن عليوة، النور الضاوي في الحكم ومناجاة الشيخ العلاوي، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص202.

([105])  شرح الحكم العطائية للشرنوبي، (ص: 195)

([106])  الخلوة الأربعينية هي (الخلوة المنسوبة إلى أربعين يوماً وليلة، وهي – كما يذكر الصوفية- ميقات موسى u في مناجاة ربه، ومدة تخمير طينة آدم u، حتى استعد لنفخ الروح فيه عن أمر الله تعالى. وهي خلوة مشهورة عند أرباب الطريق، ولها شروط وآداب)، أما الخلوة الأسبوعية، فقد عرفها أبو الهدى الصيادي الرفاعي بقوله: (هي عبارة عن اعتكاف يشتمل على، صيام، وقيام، وتريض في الطعام، واشتغال بذكر الله الملك العلام، وعزلة عن الخلق بصدق الالتجاء إلى الحق) (انظر: السيد محمد أبو الهدى الصيادي الرفاعي، قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي واتباعه الأكابر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1980، ص 311)

([107])  الرسالة القشيرية، ص301.

([108])  نشر هذا المقال في جريدة الشهاب : جريدة الشهاب، السنة الثالثة، عـدد 118، الخميس 20/10/1927م الموافق 23/ربيع الثاني/1346هـ، ص 10 و11 و12.

([109])  المصدر السابق.

([110])  المصدر السابق.

([111])  اعتذر الدكتور أحمد عيساوى عن الشيخ العربي التبسي من هذا الموقف، بأنه (لايستطيع الذهاب بنفسه لاعتبارات عديدة: أهمها أن أصحاب الطريقة يعرفونه كخصم لهـم، وبالتالي فسوف لن يتعاملوا معه بنفس معاملتهم الطرقية الاعتيادية، ولذا فقد أرسل أحد الأقرباء من عشـيرته الذي يثـق فيه)، وجوابا على هذا الاعتذار نذكر أن الباحث يحتاج إلى استطلاع أسرار الأمر من أهله، ولا يكفي فيه مجرد الوصف السطحي الظاهري، خاصة وأنه كان للطريقة فقهاء معتبرين، وكان في إمكانهم أن يسألهم، ولكن للأسف وضعت الجمعية قطيعة بينها وبين الطرق، فلذلك سمحت لكل مناوئ أن يصف ما يشاء كيف يشاء (انظر: د. أحمد عيساوي، آثار العربي التبسي، ص166)

([112])  لسان العرب 11/218، والمفردات ص158، وكتاب العين 4/306.

([113])  الكاشانى، معجم اصطلاحات الصوفية ، ص161.

([114])  الحكيم الترمذي،  ختم الأولياء،   تحقيق عثمان اسماعيل يحيى، بحوث ودراسات معهد الآداب الشرقية، المطبعة الكاثوليكيبة، بيروت، ص 476.

([115])  جريدة الشهاب، السنة الثالثة، عـدد 118، الخميس 20/10/1927م الموافق 23/ربيع الثاني/1346هـ، ص 10.

([116])  عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي، مقدمة ابن خلدون، دار القلم، 1984، ص470.

([117])  هو لا يعني بالقلب الجارحة المعروفة، وإنما يعني محل الإدراك من الإنسان.

([118])  إحياء علوم الدين:3/13.

([119])  إحياء علوم الدين:3/13.

([120])  إحياء علوم الدين:3/13.

([121])  إحياء علوم الدين:3/13، 14.

([122])  إحياء علوم الدين:3/14.

([123])  إحياء علوم الدين:3/14.

([124])  الغزالي، المنقذ من الضلال، دار الكتب الحديثة، ص32.

([125])  الغزالي، المنقذ من الضلال، ص32.

([126])  الغزالي، المنقذ من الضلال، ص33.

([127])  الغزالي، المنقذ من الضلال، ص33

([128])  اخترنا ما ذكره باعتبار صار مرجعا في هذه المسألة عند الكثير من السلفية المحدثين، ومقالته منتشرة في نوادي الانترنت بكثرة.

([129])  جريدة الشهاب، السنة الثالثة، عـدد 118، الخميس 20/10/1927م الموافق 23/ربيع الثاني/1346هـ، ص 10.

([130])  وقد عقب الشيخ العربي التبسي على هذا بقوله: (ليس في وسع قلمي أن ينقله إلى القراء، وقد طلبت إلى مخبري أن يلهج به أمامي مرات ففعل، فاقشعر جلدي، وملئت حزنا على ما لحق الاسم الأعظم من التحريف الذي لا تعرفه العرب، لا من آمن منها، ولا من كفر)(المصدر السابق)، وسنتحدث عن الإجابة عن هذا في الباب الرابع.

([131])  جريدة الشهاب، السنة الثالثة، عـدد 118، الخميس 20/10/1927م الموافق 23/ربيع الثاني/1346هـ، ص 10.

([132])  جريدة الشهاب، السنة الثالثة، عـدد 118، الخميس 20/10/1927م الموافق 23/ربيع الثاني/1346هـ، ص 10.

([133])  الشيخ عدة بن تونس، الروضة السنيّة في المآثر العلويّة، ص25.

([134])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص17.

([135])  الشيخ عدة بن تونس، الروضة السنيّة في المآثر العلويّة، ص26.

([136])  إحياء علوم الدين (3/ 19)

([137])  الشهاب، ج11، م14، محرم 1357 – مارس 1938، ص : 204.

([138])  نور الهدى الشريف الكتاني، الأدب الصوفي في المغرب والأندلس في عصر الموحدين، أطروحة دكتوراه، جامعة محمد الخامس، المغرب 2001، ص 19.

([139])  أبو مدين شعيب، الديوان، دت. دط.75.

([140])  لم أجدها فيما لدي من كتبه، وهي متناقلة بكثرة في دواوين الشعر الصوفي.

([141])  ما عدا الطريقة التيجانية على حسب ما نعلم.

([142])  انظر: الشارف لطروش، الشيخ بن مصطفى العلاوي، رائد الحركة الصوفية في القرن العشرين، جامعة مستغانم، دط. ص7.

([143])  السِّيَاحة – في اللغة – : الضرب في الأرض بقصد العبادة أو التنـزُّه أو التفرُّج (بطرس البستاني، محيط المحيط، ص 445)

([144])  عمر بن سعيد الفوتي، رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم ( بهامش جواهر المعاني )، ج 1 ص 17.

([145])  الحاج مصطفى العشعاشي، السلسلة الذهبية في التعريف برجال الطريقة الدرقاوية، تحقيق وتحرير مصطفى يلس شاوش ابن الحاج محمد، مطبعة سقال، تلمسان، الجزائر. ص 102،

([146])  الشهائد والفتاوى فيما صح لدى العلماء من أمر ؤ الشيخ العلاوي، جمع بن عبد الباري محمد، ط1، المطبعة التونسية، تونس، 1344 – 1925، ص 179.

([147])  الشهائد والفتاوى، ص 5.

([148])  الشهائد والفتاوى، ص 157.

([149])  الأمير عبد القادر الجزائري، ديوان الأمير عبد القادر  الجزائري، شرح وتحقيق: ممدوح حقي، بيروت، دار اليقظة، ط.3، 1965، ص208.

([150])  الأمير عبد القادر الجزائري، الديوان، ص211.

([151])  الأمير عبد القادر الجزائري، الديوان، ص211.

([152])  الأمير عبد القادر الجزائري، الديوان، ص211.

([153])  الأمير عبد القادر الجزائري، الديوان، ص211.

([154])  ابن عليوة، الديوان: المطبعة العلاوية، مستغانم، ص 43.

([155])  انظر: الشارف لطروش، الشيخ بن مصطفى العلاوي، رائد الحركة الصوفية في القرن العشرين، جامعة مستغانم، ص7.

([156])  العلاوي، الديوان، ص 36.

([157])  انظر: الشارف لطروش، الشيخ بن مصطفى العلاوي، رائد الحركة الصوفية في القرن العشرين، ص7.

([158])  الفتوحات المكية:2/212.

([159])  جلال الدين الرومي، فيه ما فيه، دمشق: دار الفكر، ص71.

([160])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين بطريق الصوفية، ص 207 (بتصرف)

([161])  علي حرازم بن العربي، جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني،ج 2، ص 38 ( بتصرف )

([162])  صحيح البخاري (8/ 42)، وانظر: محمد ضياء الرحمن الأعظمي، المنة الكبرى شرح وتخريج السنن الصغرى، مكتبة الرشد، السعودية/ الرياض، 1422هـ – 2001م، (9/ 206)

([163])  إحياء علوم الدين (1/ 35)

([164])  إحياء علوم الدين:1/36.

([165])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، ص23.

([166])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، ص24.

([167])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، ص15.

([168])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، ص27.

([169])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، ص28.

([170])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، ص29.

([171])  البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، أحمد بن مصطفى العلاوي، 2/40.

([172])  البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، أحمد بن مصطفى العلاوي، 2/144.

([173])  البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، أحمد بن مصطفى العلاوي، 2/89.

([174])  البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، أحمد بن مصطفى العلاوي، 2/67.

([175])  البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، أحمد بن مصطفى العلاوي، 1/47.

([176])  الشيخ ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين بطريق الصوفية، ص82.

([177])  الشيخ ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين بطريق الصوفية، ص82.

([178])  ابن عليوة، الديوان، المطبعة العلاوية بمستغانم، 1993، ط5، ص55.

([179])  ابن عليوة، دواوين آيات المحبين، ص 53.

([180])  ابن عليوة، الناصر معروف، ص 123.

([181])  أحمد بن مصطفى العلاوي: منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ط 5، المطبعة العلاوية بمستغانم: 1997. ص 21.

([182])  أحمد بن مصطفى بن عليوة: الأنموذج الفريد الموصل لعين التوحيد في شرح النقطة المشيرة إلى الوحدة، ص5.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *