القسم الأول: الحقوق المادية للزوجة

المقدمة

من أهم الحقوق التي تتطلبها الحياة الزوجية كما ورد في النصوص، وكما جاء في التشريعات المختلفة هي الحقوق المادية للزوجة على زوجها، لأن قيام الزوج بتلك الجقوق وسده لمطالب الزوجة دليل على صدق علاقته بها.

 فلذلك أول ما تبدأ به الحياة الزوجية هو المهر الذي يقدمه الزوج هدية لزوجته كرمز على انطلاق الحياة الزوجية، وعلى قدرته على الوفاء بما تتطلبه الحياة الزوجية من عناء.

وفي الحياة الزوجية تشترط النفقة حتى في أشد الحالات، بل بعد الطلاق نفسه كما ينص على ذلك القرآن الكريم، دلالة على أهمية النفقة، قال تعالى في شأن المطلقات: { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ } (الطلاق:6)، وقال تعالى: { وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (الطلاق:6)، وقال تعالى:{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سيجعل الله بعد عسر يسرا } (الطلاق: 7)

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الحق، فقال للذي سأله: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، أو اكتسبت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت)([1])

بل تظل هذه الحقوق المادية تابعة لعلاقة الزوجية، ولو بعد الموت، بالميراث، كما نص على ذلك قوله تعالى:{ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (النساء:12)

انطلاقا من هذا سنتناول في هذا القسم موضوعين مهمين كلاهما يصب في باب (الحقوق المادية للزوجة)، وقد ذكرهما الفقهاء بتفصيل في مواضع مختلفة من كتب الفقه، وقد رأينا لزوم جمعهما في موضع واحد لنتناولهما وفق نظرة مقاصدية كلية واحدة.

وهذان الموضوعان هما:

المهر: والفقهاء يتناولونه عادة في أركان الزواج وشروطه، ولم نر الحاجة إلى وضعه في ذلك الباب، فالزواج أشرف من أن يؤسس على قيم مادية، بل أقرب الأبواب إليه هو باب (الحقوق الزوجية)، والنصوص الشرعية، والآراء الفقهية الكثيرة تدل على هذا.

فأكثر الفقهاء على عدم اشتراط ذكر المهر في العقد، وجواز تأجيل تسليم المهر إلى ما بعد الدخول، وجواز تنازل المرأة عن مهرها بعد تسلمه، وجواز كونه شيئا رمزيا لا قيمة مادية له.. وهكذا.

النفقة: وهي ما تتطلبه الحياة الزوجية من نفقات مادية على الزوجة، من طعام ولباس ومسكن وخادم وعلاج ونحوها، وهي من النواجي المهمة التي تحتاج إلى نظرة مقاصدية تبعد عنها آثار الحرفية التي غرقت فيها بعض الأقوال الفقهية. الفصل الأول

حق الزوجة في المهر

نتناول في هذا الفصل أول حق من حقوق الزوجة على زوجها، والذي اعتبره كثير من الفقهاء من الأسس التي يقوم عليها الزواج سواء باعتباره شرطا أو ركنا، وذلك نظرا لشدة تأكيد الشرع عليه.

 ولكنا مع ذلك لم نعتبره من الأسس التي سبق ذكرها لجملة اعتبارات، منها اتفاق أكثر الفقهاء على عدم اشتراط ذكر المهر في العقد، وجواز تأجيل تسليم المهر إلى ما بعد الدخول، وجواز تنازل المرأة عن مهرها بعد تسلمه، وإجازة كثير من الفقهاء لأن يكون شيئا رمزيا لا قيمة مادية له، وغير ذلك من الأقوال التي لا يصح اعتبار المهر بموجبها أساسا من الأسس التي يقوم عليها عقد الزواج، فلذلك ألحقناه بحقوق الحياة الزوجية.

ولهذا، زيادة على ذلك سبب آخر هو ما سنذكره في المهر المؤجل من إمكانية جعل المهر وسيلة لاستقرار الحياة الزوجية والحفاظ عليها أو على آثارها، وهو بذلك يدخل في هذا الباب أكثر من دخوله في الباب السابق.

وقد قسمنا الحديث في هذا الفصل إلى أربعة مباحث هي:

  1. أحكام المهر، تناولنا فيه الأحكام الأصلية والعارضة للمهر، وما يتعلق بها.
  2. شروط المهر، تناولنا فيه الشروط التي نص عليها الفقهاء لصحة المهر.
  3. أنواع المهر، وقد تحدثنا فيه عن أنواع المهر والحالات التي يجب فيها.
  4. أحكام تعجيل المهر وتأجيله.

([1])  رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم ،قال الحاكم صحيح الإسناد، وألزم الدارقطني الشيخين تخريج هذه الترجمة، خلاصة البدر المنير:2/253، وانظر:أبو داود: 2/244، النسائي: 5/273، البيهقي:7/305، أحمد: 4/447.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *