الفصل السادس: أحكام الزفاف

الفصل السادس

أحكام الزفاف

1 ـ تقديم التوثيق الكتابي على البناء

اتفق الفقهاء على وجوب توثيق([1]) النكاح قبل البناء، لأن الإشهاد فيه واجب سواء أكان عند العقد كما يقول الجمهور أم عند الدخول كما يقول المالكية لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :(لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)([2])، وسنبحث عن هذا النوع من التوثيق في فصل خاص بالإشهاد على الزواج، ولكنا نريد هنا نوعا خاصا يقصد منه حفظ الحقوق عند التنازع، وهو التوثيق الكتابي سواء عند الموثق الخاص، أو عند ضابط الأحوال المدنية.

ونرى ـ من خلال المشاكل الكثيرة التي تقع في الأسر نتيجة التنازع على أمور لو وثقت لكفتهم شر الاختلاف، ونتيجة لضياع حق المرأة إذا لم يوثق عقد زواجها ـ وجوب التوثيق الكتابي وعدم الاكتفاء بشهادة الشهود، فالله تعالى أمر بكتابة ما هو أقل شأنا من الزواج، كما قال تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (البقرة:282)،وقد وثق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالكتابة في معاملاته، فباع وكتب، ومن ذلك الوثيقة التالية التي حفظتها السنة المطهرة:(هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشترى منه عبدا أو أمة، لا داء، ولا غائلة، ولا خبثة، بيع المسلم من المسلم)([3])

وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالكتابة فيما قلد فيه عماله من الأمانة، وأمر بالكتاب في الصلح فيما بينه وبين المشركين، والناس تعاملوه من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا.

شروط التوثيق الكتابي:

بما أن المقصود من كتابة عقد الزواج هو إحكامه باستيفاء شروطه، وبما أن الفقه هو الذي يرسم هذه الشروط، وعن طريقه يعرف ما يصح من الوثائق وما يبطل، فإن الشرط الوحيد للوثيقة هو أن تتم كتابتها حسب الشروط التي نص عليها الفقهاء – فيما يسمى بعلم الشروط – وما لذلك من شروط انعقاد، وصحة ونفاذ، ولزوم، لأن الأحكام تختلف باختلاف العبارات في الدعاوى والإقرارات والشهادات وغير ذلك. فاتباع الشروط التي وضعها الفقهاء هو الذي يتضمن حقوق المحكوم له والمحكوم عليه. والشهادة لا تسمع إلا بما فيه، ولذلك يقول الله تعالى:{ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا}(البقرة:282)

وقد نص الفقهاء على أن للمرأة حضور مجلس التوثيق، وهو الأحوط حتى يعلم قبولها خشية من أن يجبرها وليها على الزواج بمن لا ترغب فيه، وحتى تعرف شروطها التي يزيدها التوثيق تأكيدا وإحكاما([4]).

نماذج عن أساليب التوثيق كتابة:

من النماذج التي ذكرها الفقهاء في الأحوال المختلفة للزواج([5]):

النموذج الأول: تزوج فلان فلانة بتزويج وليها فلان إياه بإذنها ورضاها وأمرها إياه بمهرها كذا نكاحا صحيحا جائزا نافدا حضره جماعة من العدول وزوجها هذا كفأا لها في الحسب وغيره قادر على إيفاء مهرها ونفقتها ليس بينهما سبب يؤدي إلى نقض النكاح أو فساده والمهر المسمى فيه مهر مثلها، وهي امرأته بهذا النكاح الموصوف فيه، وهذا الصداق لها عليه حق واجب ودين لازم، وذلك كله في تاريخ كذا.

النموذج الثاني: هذا ما شهد عليه الشهود المسمون آخر هذا الذكر، شهدوا جميعا أن فلانا زوج ابنته البالغة المسماة فلانة برضاها من فلان بمحضر من الشهود المرضيين على صداق كذا تزوجا صحيحا، وأن فلانا تزوجها على هذا الصداق المذكور فيه في ذلك المجلس تزوجا صحيحا، وصارت فلانة زوجة فلان بهذا التزويج الموصوف فيه، وذلك كله في تاريخ كذا، فإن كان أبو الزوج قبل هذا العقد لابنه والابن بالغ يكتب، وأن فلان بن فلان والد فلان هذا الزوج قبل هذا العقد لابنه فلان هذا بالصداق المذكور فيه بأمره إياه في ذلك المجلس قبولا صحيحا.

النموذج الثالث: أن يكتب إقرار الزوج بالنكاح وتصديق المرأة إياه بذلك وإقرار المرأة به وتصديق الزوج إياها بذلك أو إقرار الولي وتصديق الزوجين، وهو أحوط لاختلاف العلماء في جواز النكاح بغير الولي كما سنرى في الفصول القادمة.

النموذج الرابع: أن يكتب وولى تزويجها إياه أبوها بعد أن سماه لها وأعلمها بالصداق المذكور فيه فصمتت أو يكتب فبكت وهي بكر عاقلة بالغة صحيحة العقل والبدن، وكان ذكره لها ذلك وسكوتها بمشهد فلان وفلان وهما يعرفانها باسمها ونسبها فلانة بنت فلان امرأة فلان بسبب هذا العقد الموصوف فيه، وكتابة ذكر اسم الزوج وإعلامها الصداق أمر لا بد منه، لأن بدونه اختلافا معروفا في أن سكوتها هل يجعل رضا منها أو لا؟

النموذج الخامس: إن كانت الابنة صغيرة يكتب تزوج فلان فلانة بتزويج أبيها إياه بولاية الأبوة، وإن كان الزوج صغيرا أيضا يكتب هذا ما زوج فلان ابنته الصغيرة المسماة فلانة بولاية الأبوة من فلان بن فلان الصغير على صداق كذا تزويجا صحيحا جائزا نافذا لازما بمحضر من الشهود العدول المرضيين، وقبل هذا النكاح بهذا الصداق لهذا الصغير والده فلان بولاية الأبوة قبولا صحيحا في مجلس هذا العقد، وهذا الصغير كفؤ لهذه الصغيرة، والمهر المذكور فيه مهر مثلها، فإن ضمن الأب المهر عن ابنه الصغير يكتب وضمن فلان والد هذا الزوج الصغير لهذه الصغيرة جميع هذا المهر عن ابنه الصغير هذا ضمانا صحيحا وأجاز ذلك والد هذه الصغيرة ورضي به مشافهة في هذا المجلس، وإن أدى الأب شيئا من المهر معجلا من ماله يكتب، ثم إن فلانا والد هذا الصغير تبرع بأداء كذا دينارا من مال نفسه من جملة هذا الصداق المذكور فيه إلى فلان والد هذه الصغيرة فقبضه منه لها بولاية الأبوة قبضا صحيحا ووقعت البراءة لهذا الزوج من جملة هذا المهر بهذا، والقدر بقي لها عليه بعد أداء هذا المقدار كذا، وإن أدى الأب شيئا من المهر معجلا وضمن الباقي يكتب. ثم إن فلانا والد هذا الصغير تبرع بأداء كذا دينارا من مال نفسه من جملة هذا الصداق وضمن لزوجة هذا الصغير ما بقي لها عليه من هذا الصداق، وذلك كذا دينارا ضمانا صحيحا ورضي به من له ولاية الرضا وأجاز من له ولاية الإجازة في الشرع ويتم الكتاب.

النموذج السادس: إن كان المزوج أخا لأب وأم أو لأب يكتب:

هذا ما زوج فلان أخته الصغيرة المسماة فلانة بنت فلان بن فلان بولاية الأخوة لأب وأم أو لأب إذا لم يكن لها ولي أقرب منه، وحكم بصحته حاكم من حكام المسلمين عدل جائز الحكم بعد خصومة معتبرة وقعت فيه، إنما ألحق به حكم الحكام، لأن في جواز تزويج غير الأب والجد الصغيرة اختلافا بين العلماء، وإن كان المزوج عما يكتب هذا ما زوج فلان فلانة ابنة أخيه فلان بولاية العمومية لأب وأم أو لأب، ويلحق بآخره ما ذكرنا في تزويج الأخ. وإن لم يكن للمرأة ولي فزوجت نفسها بإذن القاضي يكتب هذا ما تزوج فلان فلانة على صداق كذا بمحضر من الشهود العدول بتزويجها نفسها منه بإذن القاضي فلان تزويجا صحيحا، ولم يكن لها ولي حاضر، ولا غائب، وإن زوجت نفسها بغير إذن القاضي يلحق بآخره وحكم بصحته حاكم من حكام المسلمين ويكتب وقبضت من هذا الزوج كذا درهما من جملة هذا الصداق المذكور وبقي لها عليه كذا([6]).

2 ـ إقامة الوليمة

تعريف الوليمة:

لغة: الولـيمةُ: طعامُ العُرس والإِمْلاكِ، وقـيل: هي كلُّ طعامٍ صُنِع لعُرْسٍ وغيره، وقد أَوْلَـم. قال أَبو عبـيد: سمعت أَبا زيد يقول: يسمَّى الطعامُ الذي يُصْنَع عند العُرس الولـيمَةَ، والذي عند الإِمْلاكِ النَّقـيعةَ؛ وأَصل هذا كلّه من الاجتماع، قال أَبو العباس: الوَلْـمةُ تمامُ الشيء واجتِماعُه([7]).

اصطلاحا: الوليمة تقع على كل طعام لسرور حادث، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر([8]).

حكم الوليمة:

اختلف الفقهاء في حكم الوليمة على قولين:

القول الأول: أن الوليمة سنة في العرس، وهو قول الجمهور،وذلك للأدلة التالية:

  1. ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بها وفعلها، فقال لعبد الرحمن بن عوف، حين قال: تزوجت:(أولم ولو بشاة([9]).
  2. قال أنس: ما أولم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، جعل يبعثني فأدعو له الناس، فأطعمهم خبزا ولحما حتى شبعوا)([10])

القول الثاني: هي واجبة، وهو مذهب الظاهرية([11])، وقد روى القول به القرطبي عن مذهب مالك، وقال: مشهور المذهب أنها مندوبة، وروى ابن التين الوجوب أيضا عن مذهب أحمد،وحكى الوجوب في البحر عن أحد قولي الشافعي،، وقال سليم الرازي: أنه ظاهر نص الأم، ونقله أبو إسحاق الشيرازي عن النص، وحكاه في الفتح أيضا عن بعض الشافعية([12])، ومن الأدلة على ذلك:

  1. حمل الأحاديث الواردة في المسألة على الوجوب([13]).
  2. أن الإجابة إليها واجبة، فكانت واجبة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن الوليمة مستحبة، لعدم ورود أدلة نصية قوية على الوجوب، ولأنها طعام لسرور حادث، فأشبه سائر الأطعمة، ولأن هذا القول يتناسب مع قدرات الناس المختلفة، فرب فقير يرهقه القول بوجوبها، أما ميسور الحال فيجزئه القول بإباحتها، لذلك كانت السنية أوسط الأقوال، وأولى ما تحمل عليه النصوص، أما ما استدلوا به من وجوب الإجابة إليها فليس بدليل، فالسلام ـ مثلا ـ سنة ومع ذلك فإن رده واجب([14]).

وقت الوليمة:

اختلف الفقهاء من لدن السلف الصالح في وقت الوليمة، هل هو عند العقد أو عقبه، أو عند الدخول أو عقبه أو يوسع من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول على أقوال منها:

القول الأول: استحبابها بعد الدخول، وهو الأصح عند المالكية.

القول الثاني: استحبابها عند العقد، وهو قول للمالكية.

القول الثالث: عند العقد وبعد الدخول، وهو مروي عن ابن جندب.

الترجيح:

الأرجح في وقت الوليمة على حسب النقول([15]) الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو ارتباطها بالبناء لا بالعقد، لأن من مقاصد الوليمة إعلان الدخول، ففي الزواج جانبان: جانب البناء، وجانب العقد، وهو وإن كان معبرا عن كل معاني الزوجية إلا أنه بسبب عدم البناء يبقى فترة تربصية يمكن للزوجين خلالها مراجعة نفسيهما بشأن القرار النهائي حوله، تفاديا لوقوع الطلاق بعد الدخول، لأن وقوع الطلاق قبل الدخول أهون من وقوعه بعده، ولذلك رخص الشارع في نصف المهر حقا للزوج.

ولهذا إذا ارتبطت الوليمة بالبناء كانت أدل على تمام الرضى به، بخلاف وقوعها قبله ثم حصول الطلاق قبل الدخول، ففي ذلك زيادة على التكاليف المادية الحرج الحاصل للزوجين، وخاصة للزوجة، وخاصة في مجتمعاتنا.

ما يولم به:

اتفق الفقهاء على أنه يستحب أن يولم بشاة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم :(أولم ولو بشاة)([16])ولو هذه ليست الامتناعية وإنما هي التي للتقليل، وفي الحديث دليل على أن الشاة أقل ما يجزي في الوليمة عن الموسر، قال الشوكاني: ولولا ثبوت أنه صلى الله عليه وآله وسلم أولم على بعض نسائه بأقل من الشاة لكان يمكن أن يستدل به على أن الشاة أقل ما يجزي في الوليمة مطلقا)([17])

وما ذكره الشوكاني هو ما ورد أنه صلى الله عليه وآله وسلم أولم على صفية بحيس، وأولم على بعض نسائه بمدين من شعير.

وقد روي في مقابل ذلك قول أنس :(ما أولم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة) ([18]).

وقد نص شراح الحديث على أن ذلك محمول على ما انتهى إليه علم أنس، أو لما وقع من البركة في وليمتها حيث أشبع المسلمين خبزا ولحما من الشاة الواحدة، وإلا فالذي يظهر أنه أولم على ميمونة بنت الحرث التي تزوجها في عمرة القضاء بمكة، وطلب من أهل مكة أن يحضروا وليمتها، فيمتنع أن يكون ما أولم به عليها أكثر من شاة لوجود التوسعة عليه في تلك الحال، لأن ذلك كان بعد فتح خيبر وقد وسع الله على المسلمين في فتحها.

وقد نقل الشوكاني أن الفقهاء أجمعوا على أنه لا حد لأكثر ما يولم به وأما أقله فكذلك، ومهما تيسر أجزأ والمستحب أنها على قدر حال الزوج([19]).

ونرى أن هذا الإجماع مقيد بحرمة الإسراف المجمع عليها كذلك، والتي نص عليها القرآن الكريم، ودلت عليها النصوص الشرعية، ولذلك ما نراه من بعض الناس من المبالغة فيها إلى درجة الإسراف، ثم رمي الطعام الكثير في القمامات في الوقت الذي يجوع الناس فيه، لا نشك في الإجماع على حرمته، فلذلك من الخطأ اتخاذ مثل هذه الأقوال الصادرة من الفقهاء والمقيدة بالقواعد الشرعية ذريعة لضرب غيرها من المقاصد الشرعية في مختلف المجالات، فلا ينبغي ضرب الدين بعضه ببعض.

حكم إجابة الدعوة للوليمة:

اختلف الفقهاء في حكم إجابة الدعوة للوليمة على قولين:

القول الأول: الوجوب العيني لإجابة الدعوة، وهو قول الجمهور، قال ابن عبد البر: (لا خلاف في وجوب الإجابة إلى الوليمة لمن دعي إليها، إذا لم يكن فيها لهو)([20])

القول الثاني: الوجوب الكفائي، وهو قول بعض الشافعية، ومن الأدلة على ذلك:

  1. أن الإجابة إكرام وموالاة، فهي كرد السلام.
  2. ما روى ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :(إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها). وفي لفظ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم إليها)
  3. أن الإجابة تجب بالدعوة، فكل من دعي فقد وجبت عليه الإجابة.

القول الثالث: الاستحباب، وهو مذهب الكثير من الفقهاء والإمامية،، وقد تعقب ابن حجر قول ابن عبد البر السابق بقوله:(وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس وفيه نظر، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب، وصرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين، ونص عليه مالك وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة، وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب وكلام صاحب الهداية يقتضي الوجوب مع تصريحه بأنها سنة، فكأنه أراد أنها وجبت بالسنة وليست فرضا كما عرف من قاعدتهم)([21])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اختلاف الحكم بحسب اختلاف نوع الدعوة وحرص المدعو وعلاقة المدعو بصاحب الوليمة مع انتفاء الموانع، فإن علم المدعو تأذي الداعي بعدم الحضور، ولم يكن هناك حرج من تلبية الدعوة، ولم يكن هناك ما يمنع من ذلك، فإن الأولى هو القول بوجوب الإجابة لما ورد في النصوص من الدلالة على ذلك.

أما إن كانت الدعوة عامة، ولم يكن هناك حرص من الداعي للحضور، أو منعت الموانع من ذلك، وهي تختلف باختلاف أحوال الناس، فلا حرج في عدم الإجابة، والأولى للداعي عدم إذية الناس بالإلحاح في حضور الدعوة نفيا للحرج عنهم.

وقد ذكر ابن دقيق العيد في ذكر الأعذار المجيزة لعدم الإجابة:(يسوغ ترك الإجابة لأعذار منها: أن يكون في الطعام شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا يليق لمجالسته أو يدعوه لخوف شره أو لطمع في جاهه، أو ليعاونه على باطل أو يكون هناك منكر من خمر أو لهو أو فراش حرير أو ستر لجدران البيت أو صورة في البيت، أو يعتذر إلى الداعي فيتركه، أو كانت في الثالث فهذه الأعذار ونحوها في تركها على القول بالوجوب وعلى القول بالندب بالأول، وهذا مأخوذ مما علم من الشريعة ومن قضايا وقعت للصحابة)([22])

شروط إجابة الدعوة:

يشترط لوجوب إجابة الدعوة للوليمة الشروط التالية:

تعيين الدعوة:

يشترط لإجابة الدعوة التعيين بالدعوة([23])، بأن يدعو رجلا بعينه، أو جماعة معينين، فإن دعا دعوة عامة، كأن يضع إعلانا عن الوليمة في محل أو جريدة، أو يقول: يا أيها الناس، أجيبوا إلى الوليمة فالدعوة عامة، أو يقول الرسول: أمرت أن أدعو كل من لقيت، أو من شئت، لم تجب الإجابة، ولم تستحب، لأنه لم يعين بالدعوة، فلم تتعين عليه الإجابة، ولأنه غير منصوص عليه، ولا يحصل كسر قلب الداعي بترك إجابته، وتجوز الإجابة بهذا، لدخوله في عموم الدعاء.

أن لا تكون لأكثر من يوم:

لم يوقت النبي صلى الله عليه وآله وسلم للوليمة وقتا معينا يختص به الإيجاب أو الاستحباب، أما ما روي في ذلك من أن (الوليمة أول يوم حق والثاني معروف والثالث رياء وسمعة)([24])، فقد قال البخاري لا يصح إسناده، وهو يخالف إطلاق النصوص كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :(إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب)، ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها، ومع ذلك فقد قال ابن حجر:(وهذه الأحاديث وأن كان كل منها لا يخلو عن مقال فمجموعها يدل على أن للحديث أصلا)([25])

ويدل على هذا الأصل ما روي عن سعيد بن المسيب أنه دعي أول يوم وأجاب، ودعى ثاني يوم فأجاب، ودعى ثالث يوم فلم يجب وقال: أهل رياء وسمعة، قال ابن حجر: فكأنه بلغه الحديث فعمل بظاهره إن ثبت ذلك عنه.

وقد اختلفت مواقف الفقهاء في العمل بهذا الحديث بما لا يمكن حصره، ومع ذلك يمكن تمييز قولين في المسألة:

القول الأول: العمل بظاهر الحديث، وهو قول الشافعية والحنابلة، قال النووي: إذا أولم ثلاثا فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة وفي الثاني لا تجب قطعا، ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول، واعتبر الحنابلة الوجوب في اليوم الأول، وأما الثاني فقالوا سنة تمسكا بظاهر لفظ حديث بن مسعود.

القول الثاني: استحباب أن تكون أكثر من يوم، وهو قول المالكية، كما قال عياض: استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعا،ومحله إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله ولم يكرر عليهم.

الترجيح:

نرى أن الأرجح هو أن محل الكراهة أو الحرمة مرتبط بالإسراف والتبذير ودعوة غير المحتاج وكون ذلك على سبيل التباهي والفخر، فإذا خلت الوليمة من كل ذلك زالت الكراهة، ودخلت في الاستحباب الذي وردت به النصوص في استحباب إطعام الطعام، كما لو كثر الناس، وضاق المحل الذي يطعمهم فيه، وكان ذا سعة، فاحتاج ليعدد الأيام حتى يشمل بدعوته الكثير من غير فخر ولا خيلاء.

وقد ذهب إلى قريب من هذا العمراني بقوله: إنما تكره إذا كان المدعو في الثالث هو المدعو في الأول، قال ابن حجر:(وليس ببعيد لأن إطلاق كونه رياء وسمعه يشعر بأن ذلك صنع للمباهاة، وإذا كثر الناس فدعا في كل يوم فرقة لم يكن في ذلك مباهاة غالبا)([26])

أن يكون الداعي مسلما:

نص الفقهاء على أن من شروط الداعي كون مسلما، فإن دعاه ذمي، لا تجب إجابته، لأن الإجابة للمسلم للإكرام والموالاة وتأكيد المودة والإخاء، فلا تجب على المسلم للذمي، ولأنه لا يأمن اختلاط طعامهم بالحرام والنجاسة، ولكن تجوز إجابتهم، لما روى أنس، أن يهوديا دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى خبز شعير، وإهالة سنخة([27])، فأجابه([28]).

أن لا تتأخر الدعوة:

ويتحقق ذلك فيما لو دعاه رجلان، ولم يمكن الجمع بينهما، وسبق أحدهما، فإنه يجيب السابق، فإن استويا، أجاب أقربهما منه بابا، فإن استويا، أجاب أقربهما رحما، لما فيه من صلة الرحم، فإن استويا، أجاب أدينهما، فإن استويا أقرع بينهما، لأن القرعة تعين المستحق عند استواء الحقوق، وذلك للأدلة التالية:

  1. عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :(إذا اجتمع داعيان، فأجب أقربهما بابا، فإن أقربهما جوارا، فإن سبق أحدهما، فأجب الذي سبق)([29])
  2. أن إجابته وجبت حين دعاه، فلم يزل الوجوب بدعاء الثاني، ولم تجب إجابة الثاني، لأنها غير ممكنة مع إجابة الأول.
  3. أن هذا من أبواب البر، فقدم الأقرب فالأقرب كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة من تقديم الناس بحسب مراتبهم.

أن لا يخص بالدعوة الأغنياء:

ورد في الأحاديث الصحيحة ما يدل من غير طريق التصريح بعدم وجوب إجابة الدعوة إن خص بها الأغنياء دون الفقراء، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم :(شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)([30])، وفي رواية الطبراني من حديث ابن عباس:(بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الشبعان ويحبس عنه الجيعان)

قال النووي في شرحه للحديث :(ومعنى هذا الحديث الأخبار بما يقع من الناس بعده صلى الله عليه وآله وسلم من مراعاة الأغنياء في الولائم ونحوها وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم بطيب الطعام ورفع مجالسهم وتقديمهم وغير ذلك مما هو الغالب في الولائم والله المستعان)([31])

فهذا الحديث برواياته المختلفة نرى أن الأصح في فهمه هو النهي عن حضور الدعوة في حال تعالي الداعي وتكبره وتخصيصه العلية من الناس دون غيرهم، وهذا الفهم هو ما روي عن بعض الصحابة، كما قال ابن مسعود:(إذا خص الغني وترك الفقير أمرنا أن لا نجيب)روى عن أي هريرة انه كان يقول:(أنتم العاصون في الدعوة تدعون من لا يأتي وتدعون من يأتي)، يعني بالأول الأغنياء وبالثاني الفقراء.

ونرى أن هذا هو الذي ينسجم مع مقاصد الشريعة من محاربة كل أنواع الطبقية الاجتماعية، بتفضيل الناس على أسس غير شرعية، فلهذا يكون من خصص طبقة دون طبقة قد أتى منكرا، فيجب على الداعي إما الإنكار عليه، وإما عدم إجابته.

وقد نص كثير من الشراح على أن الذم مختص بالفعل، لا بأثره، قال ابن عبد البر: (أما قوله: شر الطعام طعام الوليمة، فلم يرد ذم الطعام في ذاته وحاله وإنما ذم الفعل الذي هو الدعاء للأغنياء، إليه دون الفقراء فإلى فاعل ذلك توجه الذم لا إلى الطعام)([32])

وذهب بعضهم إلى جواز التمييز بين الأغنياء والفقراء في ذلك، قال ابن بطال:(وإذا ميز الداعي بين الأغنياء والفقراء فأطعم كلا على حدة لم يكن به بأس، وقد فعله ابن عمر)([33])، ونرى أن هذا السلوك لا يتناسب تماما مع ما أمر به الإسلام من تساوي الناس وعدم التمييز بينهم.

خلو الوليمة من المعصية:

فإذا دعي إلى وليمة، فيها معصية، وأمكنه الإنكار، وإزالة المنكر، لزمه الحضور والإنكار لأنه يؤدي فرضين، إجابة أخيه المسلم، وإزالة المنكر، وإن لم يقدر على الإنكار، لم يحضر، وإن لم يعلم بالمنكر حتى حضر، أزاله، فإن لم يقدر انصرف.

أما إن علم أن عند أهل الوليمة منكرا، لا يراه ولا يسمعه، لكونه بمعزل عن موضع الطعام، أو يخفونه وقت حضوره فله أن يحضر ويأكل، ولكن الأولى مع ذلك عدم الإجابة إن كان المنكر عظيما، وقد سئل أحمد عن الرجل يدعى إلى الختان أو العرس، وعنده المخنثون، فيدعوه بعد ذلك بيوم أو ساعة، وليس عنده أولئك؟ قال: أرجو أن لا يأثم إن لم يجب، وإن أجاب فأرجو أن لا يكون آثما، فأسقط الوجوب، لإسقاط الداعي حرمة نفسه باتخاذ المنكر، ولم يمنع الإجابة، لكون المجيب لا يرى منكرا ولا يسمعه. وقال أحمد: إنما تجب الإجابة إذا كان المكسب طيبا، ولم ير منكرا([34])، ومن الأدلة على ذلك:

  1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر)([35])
  2. أنه يشاهد المنكر ويسمعه، من غير حاجة إلى ذلك، فمنع منه، كما لو قدر على إزالته، بخلاف من له جار مقيم على المنكر، حيث يباح له المقام، فإن تلك حال حاجة، لما في الخروج من المنزل من الضرر.

ما يباح في الوليمة:

الأكل من طعام الوليمة:

اتفق الفقهاء على أن الدعاء إلى الوليمة إذن في الدخول والأكل، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :(إذا دعي أحدكم، فجاء مع الرسول، فذلك إذن له)([36])

وقد اختلف الفقهاء في نوع هذا الإذن هل هو على سبيل الاستحباب أم على سبيل الوجوب على قولين:

القول الأول: الأولى له الأكل من غير وجوب، وهو قول الجمهور، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :(إذا دعي أحدكم فليجب، فإن شاء أكل، وإن شاء ترك)([37])
  2. أنه أبلغ في إكرام الداعي، وجبر قلبه.
  3. أنه لو وجب الأكل، لوجب على المتطوع بالصوم، فلما لم يلزمه الأكل، لم يلزمه إذا كان مفطرا.
  4. أنه ليس المقصود من الدعوة الأكل، بل المقصود الإجابة، ولذلك وجبت على الصائم الذي لا يأكل.
  5. أن في الحضور فوائد أخرى كالتبرك بالمدعو والتجمل به والانتفاع بإشارته والصيانة عما لا يحصل له الصيانة لو لم يحضر، وفي الإخلال بالإجابة تفويت ذلك ولا يخفى ما يقع للداعي من ذلك من التشويش.

القول الثاني: أنه يلزمه الأكل، وهو قول بعض الشافعية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :(وإن كان مفطرا فليطعم).
  2. أن المقصود من الدعوة الأكل، فكان واجبا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن حكم ذلك يختلف بحسب حال الداعي والمدعو، فإن كان في الأكل أو عدمه أذى لأحدهما زال الوجوب، ولا يمكن حصر الأحوال في ذلك، ومن الأمثلة لذلك أن يكون المدعو مريضا مرضا يمنعه من أكل طعام معين، فيعتذر عن عدم الأكل، فيعذر في ذلك من غير إحراج له بالتعرف على عذره، أما الداعي، فإن علم من حاله التأذي بعدم الأكل من طعامه، فإن الواجب هو الأكل من باب تحريم إذية المسلم.

حكم أكل المدعو إن كان صائما:

إن كان المدعو صائما، فإن حكم أكله يختلف بحسب نوع صومه حسب الحالتين التاليتين:

الحالة الأولى: إن كان صومه واجبا، فإن الفقهاء اتفقوا على أنه يجيب الدعوة ولا يفطر، للأدلة التالية:

  1. أن الفطر غير جائز، لأن الصوم واجب، والأكل غير واجب
  2. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليدع، وإن كان مفطرا فليطعم)([38])، وفي رواية (فليصل)يعني: يدعو، والصلاة الدعاء، وقد حمله بعض الشراح على ظاهره فقال:إن كان صائما فليشتغل بالصلاة ليحصل له فضلها، ويحصل لأهل المنزل والحاضرين بركتها([39]).

الحالة الثانية: إن كان صوما تطوعيا، وقد اختلف الفقهاء في هذه الحالة فذهب إلى استحباب الفطر الإمامية وأكثر الشافعية وبعض الحنابلة، وأطلق الروياني وابن الفراء استحباب الفطر، وهذا على رأي من يجوز الخروج من صوم النفل.

وأما من يوجبه فلا يجوز عنده الفطر كما في صوم الفرض، قال ابن حجر:(ويؤخذ من فعل ابن عمر أن الصوم ليس عذرا في ترك الإجابة، ولا سيما مع ورود الأمر للصائم بالحضور والدعاء نعم لو اعتذر به المدعو، فقبل الداعي عذره عليه أن لا يأكل إذا حضر، أو لغير ذلك كان ذلك عذرا له في التأخر، ووقع في حديث جابر عند مسلم إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وأن شاء ترك فيؤخذ منه أن المفطر ولو حضر لا يجب عليه الأكل وهو أصح الوجهين)([40])

ويستحب في حال الصوم أن يدعو لهم، ويخبرهم بصيامه، ليعلموا عذره، فتزول عنه التهمة في ترك الأكل، ومن الأدلة ذلك بما يلي:

  1. روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في دعوة، ومعه جماعة، فاعتزل رجل من القوم ناحية، فقال: إني صائم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: دعاكم أخوكم، وتكلف لكم، كل، ثم صم يوما مكانه إن شئت([41]).

النثار:

اختلف الفقهاء في حكم النثار([42]) الذي يرمى في الولائم كما تجري به الأعراف عندنا في الولائم على قولين([43]):

القول الأول: أن ذلك مكروه في العرس وغيره، وقد روي هذا القول عن أبي مسعود البدري، وعكرمة، وابن سيرين وعطاء، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وطلحة، وزبيد اليامي، وبه قال مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وقد نص الشافعية على أنه إن عرف أن الناثر لا يؤثر بعضهم على بعض ولم يقدح الالتقاط في مروءة الملتقط انتفت الكراهة، ويكره أخذ النثار من الهواء بإزار أو غيره فإن أخذ منه أو التقطه أو بسط حجره له فوقع فيه ملكه، وإن لم يبسط حجره له لم يملكه لأنه لم يوجد منه قصد تملك ولا فعل([44])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :(لا تحل النهبى)([45])، وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن النهبى والمثلة.
  2. أن فيه نهبا، وتزاحما، وقتالا، وربما أخذه من يكره صاحب النثار، لحرصه وشرهه ودناءة نفسه، ويحرمه من يحب صاحبه، لمروءته وصيانة نفسه وعرضه، وهذا هو الغالب، لأن أهل المروآت يصونون أنفسهم عن المزاحمة على الطعام أو غيره.
  3. أن في هذا دناءة، والله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها.
  4. أن خبر البدنات الذي استدل به أصحاب القول الثاني، فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم أنه لا نهبة في ذلك، لكثرة اللحم، وقلة الآخذين، أو فعل ذلك لاشتغاله بالمناسك عن تفريقها.

القول الثاني: إنه ليس بمكروه، وهو قول الحسن، وقتادة، والنخعي، وأبي حنيفة، وأبي عبيد، وابن المنذر، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. ما روى عبد الله بن قرط، قال: قرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمس بدنات أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فنحرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال كلمة لم أسمعها، فسألت من قرب منه، فقال: من شاء اقتطع([46])، وهذا جار مجرى النثار.
  2. روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعي إلى وليمة رجل من الأنصار، ثم أتوا بنهب فأنهب عليه، قال الراوي: ونظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزاحم الناس أو نحو ذلك، قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوما نهيتنا عن النهبة؟ قال: نهيتكم عن نهبة العساكر([47]).
  3. أنه نوع إباحة فأشبه إباحة الطعام للضيوف.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة انطلاقا مما يجري في الأعراف عندنا هو كراهة هذا التصرف لما يجر إليه في أحيان كثيرة من أذى للمدعوين، والحديث الصريح في النهي عن النهبى واضح في دلالته على ذلك، ثم إنه بعد ذلك يتناقض مع السلوك الإسلامي في الطعام من البعد عن الشره والحرص والإيثار إن كان يأكل في جماعة.

أما ما استدل به أصحاب القول الثاني، فإن حديث البدنات لا يصح الاستدلال به هنا لكونه ليس نثارا، أما الحديث الآخر، فلو لم يكذبه المحدثون لكذبته سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو أرفع مقاما من أن يفعل ذلك.

الغناء:

وقد اختلف الفقهاء في حكمه اختلافا كبيرا واسعا([48]) من لدن الصدر الأول إلى الآن، ولأهمية هذه المسألة، ومبالغة البعض في الإنكار عليها سنذكر رأي الفريقين من القائلين بالجواز والحرمة على قدر ما يقتضيه المقام، ونعقبه بما نراه من ترجيح يتناسب مع واقع ولائمنا، فقد اختلف الفقهاء في حكم الغناء على قولين:

القول الأول: حرمة الغناء مطلقا، وهو قول أكثر الفقهاء من المتقدمين([49])، فقد روي عن الشافعي ومالك وأبـي حنيفة وسفيان وجماعة من العلماء ألفاظاً يستدل بها على أنهم رأوا تحريمه.

أما مالك فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له أن يردها بالعيب، وسئل مالك عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال: إنما يفعله عندنا الفساق، وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء، ويجعله من الذنوب،ومذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب وقوله فيه أغلظ الأقوال، وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف حتى الضرب بالقضيب، وصرحوا بأنه معصية يوجب الفسق وترد به الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فسق والتلذذ به كفر هذا لفظهم ورووا في ذلك حديثا لا يصح رفعه، وقال أبو يوسف في دار يسمع منها صوت المعازف والملاهي: ادخل عليهم بغير إذنهم لأن النهي عن المنكر فرض، فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض.

أما الشافعي، فقال: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته، وصرح أصحابه بتحريمه،وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضي أبي الطيب الطبري والشيخ أبي إسحق وابن الصباغ

أما الإمام أحمد فقال عبد الله ابنه: سألت أبي عن الغناء، فقال: الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق([50])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قال تعالى:{ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (لقمان:6)ووجه الاستدلال بالآية أن أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء، وقد صرح بذلك ابن عباس في رواية سعيد بن جبير ومقسم عنه وقاله عبد الله بن مسعود في رواية أبي الصهباء عنه، وهو قول مجاهد وعكرمة([51]).
  2. أنه باطل، والباطل ضد الحق، لأن الباطل إما معدوم لا وجود له وإما موجود لا نفع له فالكفر والفسوق والعصيان والسحر والغناء واستماع الملاهي كله من النوع الثاني، وقد سئل القاسم بن محمد: كيف ترى في الغناء، فقال له القاسم: هو باطل فقال: قد عرفت أنه باطل فكيف ترى فيه؟ فقال القاسم: أرأيت الباطل أين هو؟ قال: في النار قال فهو ذاك، وقال رجل لابن عباس : ما تقول في الغناء، أحلال هو أم حرام؟ فقال:لا أقول حراما إلا ما في كتاب الله،فقال أفحلال هو؟ فقال: ولا أقول ذلك، ثم قال له:أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة، فأين يكون الغناء، فقال الرجل: يكون مع الباطل،فقال له ابن عباس: اذهب فقد أفتيت نفسك([52]).
  3. أنه ذريعة إلى ارتكاب الفواحش حتى أطلق عليه [رقية الزنى]،وهذه التسمية معروفة عن الفضيل بن عياض، قال يزيد بن الوليد: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة،وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء داعية الزنى، وقد نقل ابن القيم عن محمد بن الفضل الأزدي قال: نزل الحطيئة برجل من العرب ومعه ابنته مليكة، فلما جنه الليل سمع غناء، فقال لصاحب المنزل: كف هذا عني، فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: إن الغناء رائد من رادة الفجور، ولا أحب أن تسمعه هذه يعني ابنته، فإن كففته وإلا خرجت عنك، وقال ابن القيم:(فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حر أصبح به عبدا للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدل به اسما قبيحا بين البرايا، وكم من ذي غنى وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان فلم يجد بدا من قبول تلك الهدايا، وكم جرع من غصة وأزال من نعمة وجلب من نقمة وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة وغموم متوقعة وهموم مستقبلة، فسل ذا خبرة ينبيك عنه لتعلم كم خبايا في الزوايا، وحاذر إن شغفت به سهاما مريشة بأهداب المنايا، إذا ما خالطت قلبا كئيبا تمزق بين أطباق الرزايا، ويصبح بعد أن قد كان حرا عفيف الفرج عبدا للصبايا، ويعطي من به يغني غناء وذلك منه من شر العطايا)([53])
  4. أنه يورث النفاق، قال عبد الله بن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله، وقد جعل ابن القيم هذا من علل التحريم، فقال:(اعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق ونباته فيه كنبات الزرع بالماء، فمن خواصه أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه)

القول الثاني: إباحة الغناء، وهو قول الظاهرية والغزالي وكثير من المتأخرين، وهو قول كثير من المعاصرين، ويمكن حصر أدلة القائلين بالإباحة في دليلين:

الدليل الأول: أنه لم يدل دليل صحيح أو صريح على حرمة الغناء، لأنه بثبوت عدم التحريم يبقى الأصل وهو الإباحة، قال الغزالي في إثبات هذا النوع من الاستدلال:(اعلم أن قول القائل: السماع حرام، معناه أنّ الله تعالى يعاقب عليه؛ وهذا أمر لا يعرف بمجرد العقل، بل بالسمع، ومعرفة الشرعيات محصورة في النص أو القياس على المنصوص، وأعني بالنص ما أظهره صلى الله عليه وآله وسلم بقوله أو فعله، وبالقياس المعنى المفهوم من ألفاظه وأفعاله، فإن لم يكن فيه نص ولم يستقم فيه قياس على منصوص بطل القول بتحريمه، وبقي فعلاً لا حرج فيه كسائر المباحات. ولا يدل على تحريم السماع نص ولا قياس، ويتضح ذلك في جوابنا على أدلة المائلين إلى التحريم. ومهما تم الجواب عن أدلتهم كان ذلك مسلكاً كافياً في إثبات هذا الغرض)([54])، وسنفصل باختصار هذا الدليل فيما يلي:

أولا: عدم صحة الآثار التي استدل بها المخالفون، وقد حاول ابن حزم أن يثبت هذا بجمع الأحاديث التي استدل بها المخالفون ومناقشتها على ضوء مناهج المحدثين، قال ابن حزم:(ولا يصح في هذا الباب شيء أبدا، وكل ما فيه فموضوع، والله لو أسند جميعه أو واحد منه فأكثر من طريق الثقاة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما ترددنا في الأخذ به)([55])، ولا بأس أن نورد هنا بعض ما أورده المخالفون من أدلة مع ذكر ما أورده ابن حزم من وجوه تضعيف الحديث، قال ابن حزم :(واحتج المانعون بآثار لا تصح، أو يصح بعضها، ولا حجة لهم فيها)([56])، ثم أورد الآثار التالية([57]):

  1. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(كل شيء يلهو به الرجل فباطل، إلا رمي الرجل بقوسه، أو تأديبه فرسه، أو ملاعبته امرأته، فإنهن من الحق)، قال ابن حزم: فيه عبد الله بن زيد بن الأزرق مجهول.
  2. عن خالد بن زيد الجهني قال: قال لي عقبة بن عامر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(ليس لهو المؤمن إلا ثلاث)ثم ذكره، قال ابن حزم: فيه خالد بن زيد مجهول.
  3. عن عطاء بن أبي رباح رأيت جابر بن عبد الله، وجابر بن عبيد الأنصاريين يرميان فقال أحدهما للآخر: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :(كل شيء ليس من ذكر الله فهو لعب، لا يكون أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة)، قال ابن حزم: هذا حديث مغشوش مدلس دلسة سوء، لأن الزهري المذكور فيه ليس هو ابن شهاب، لكنه رجل زهري مجهول اسمه عبد الرحيم، ثم ليس فيه إلا أنه سهو ولغو وليس فيه تحريم.
  4. ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إن الله حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها)، قال ابن حزم: فيه ليث، وهو ضعيف، وسعيد بن أبي رزين وهو مجهول لا يدرى من هو عن أخيه، وما أدراك ما عن أخيه هو ما يعرف وقد سمي، فكيف أخوه الذي لم يسم.
  5. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء – فذكر منهن واتخذوا القينات، والمعزف فليتوقعوا عند ذلك ريحا حمراء، ومسخا وخسفا)، قال ابن حزم: لاحق بن الحسين، وضرار بن علي، والحمصي مجهولون، وفرج بن فضالة حمصي متروك، تركه يحيى، وعبد الرحمن.
  6. عن كيسان مولى معاوية أنا معاوية قال)نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تسع وأنا أنهاكم عنهن الآن فذكر فيهن الغناء، والنوح)، قال ابن حزم: محمد بن المهاجر ضعيف، وكيسان مجهول.
  7. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(إن الغناء ينبت النفاق في القلب)، قال ابن حزم: عن شيخ عجب جدا.
  8. قال صلى الله عليه وآله وسلم :(يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يضرب على رءوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأرض)، قال ابن حزم: معاوية بن صالح ضعيف، وليس فيه: أن الوعيد المذكور إنما هو على المعازف، كما أنه ليس على اتخاذ القينات – والظاهر أنه على استحلالهم الخمر بغير اسمها، والديانة لا تؤخذ بالظن.
  9. عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(من جلس إلى قينة فسمع منها صب الله في أذنيه الآنك يوم القيامة)، قال ابن حزم: هذا حديث موضوع مركب، فضيحة ما عرف قط من طريق أنس، ولا من رواية ابن المنكدر، ولا من حديث مالك، ولا من جهة ابن المبارك وكل من دون ابن المبارك إلى ابن شعبان مجهولون. وابن شعبان في المالكيين نظير عبد الباقي بن قانع في الحنفيين، قد تأملنا حديثهما فوجدنا فيه البلاء البين، والكذب البحت والوضع اللائح، وعظيم الفضائح، فإما تغير ذكرهما، أو اختلطت كتبهما، وإما تعمدا الرواية عن كل من لا خير فيه من كذاب، ومغفل يقبل التلقين. وأما الثالثة وهو ثالثة الأثافي أن يكون البلاء من قبلهما.
  10. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه)، قال ابن حزم: هاشم وعمر مجهولان، ومكحول لم يلق عائشة.
  11. ما روي:(أن الله تعالى نهى عن صوتين ملعونين: صوت نائحة، وصوت مغنية)، قال ابن حزم: حديث لا ندري له طريقا، إنما ذكروه هكذا مطلقا، قال:وهذا لا شيء.
  12. عن أبي أمامة قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :(لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن وثمنهن حرام وقد نزل تصديق ذلك في كتاب الله: { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}(لقمان:6)، والذي نفسي بيده ما رفع رجل قط عقيرة صوته بغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربانه على صدره وظهره حتى يسكت)، قال ابن حزم: إسماعيل ضعيف، ومطرح مجهول، وعبيد الله بن زحر ضعيف، والقاسم ضعيف، وعلي بن يزيد دمشقي مطرح متروك الحديث، أما الطرق الأخرى للحديث التي أوردها ابن حزم ففيها عبد الملك وهو هالك، وإسماعيل بن عياش ضعيف، وعلي بن يزيد ضعيف متروك الحديث، والقاسم بن عبد الرحمن ضعيف.
  13. عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل يا رسول الله لي إبل، أفأحدو فيها؟ قال: نعم، قال: أفأغني فيها؟ قال: اعلم أن المغني أذناه بيد شيطان يرغمه حتى يسكت)، قال ابن حزم: هذا عبد الملك، والعمري الصغير – وهو ضعيف.
  14. ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(يمسخ قوم من أمتي في آخر الزمان قردة وخنازير قالوا: يا رسول الله يشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟ قال: نعم، ويصلون، ويصومون، ويحجون قالوا: فما بالهم يا رسول الله؟ قال: اتخذوا المعازف والقينات، والدفوف، ويشربون هذه الأشربة، فباتوا على لهوهم، وشرابهم، فأصبحوا قردة وخنازير)، قال ابن حزم: هذا عن رجل لم يسم، ولم يدر من هو.
  15. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(تبيت طائفة من أمتي على لهو ولعب، وأكل وشرب، فيصبحوا قردة وخنازير، يكون فيها خسف، وقذف، ويبعث على حي من أحيائهم ريح فتنسفهم، كما نسفت من كان قبلهم باستحلالهم الحرام، ولبسهم الحرير، وضربهم الدفوف، واتخاذهم القيان)، قال ابن حزم: الحارث بن نبهان لا يكتب حديثه، وفرقد السبخي ضعيف، وسليم بن سالم، وحسان بن أبي سنان، وعاصم بن عمرو لا أعرفهم فسقط هذان الخبران بيقين([58]).
  16. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(إن الله بعثني رحمة للعالمين، وأمرني بمحو المعازف، والمزامير، والأوثان، والصلب: لا يحل بيعهن، ولا شراؤهن، ولا تعليمهن، ولا التجارة بهن، وثمنهن حرام)، قال ابن حزم: القاسم ضعيف.
  17. عن أبي عامر – أو أبي مالك الأشعري – ووالله ما كذبني: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :(ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير، والخمر، والمعازف)، قال ابن حزم: وهذا منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد.

ثانيا: أن ما أورده المخالفون من آثار عن بعض الصحابة فمن بعدهم لا حجة فيه من وجوه ذكرها ابن حزم، منها:

  1. أنه لا حجة لأحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه قد خالف غيرهم من الصحابة والتابعين.
  2. أن نص الآية يبطل احتجاجهم بها، لأن فيها: { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}(لقمان:6)وهذه صفة من فعلها كان كافرا، بلا خلاف، إذا اتخذ سبيل الله تعالى هزوا، قال ابن حزم:(ولو أن امرأ اشترى مصحفا ليضل به عن سبيل الله ويتخذها هزوا لكان كافرا، فهذا هو الذي ذم الله تعالى وما ذم قط تعالى من اشترى لهو الحديث ليلتهي به ويروح نفسه، لا ليضل عن سبيل الله تعالى، فبطل تعلقهم بقول كل من ذكرنا. وكذلك من اشتغل عامدا عن الصلاة بقراءة القرآن، أو بقراءة السنن، أو بحديث يتحدث به، أو ينظر في ماله، أو بغناء، أو بغير ذلك، فهو فاسق عاص لله تعالى، ومن لم يضيع شيئا من الفرائض اشتغالا بما ذكرنا فهو محسن)([59])

ثالثا: أما قول المخالفين:(من الحق الغناء أم من غير الحق، ولا سبيل إلى قسم ثالث) مما ذكرنا سابقا من أدلة القول الأول، فقد أجاب عليه ابن حزم بقوله:(أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)([60])فمن نوى باستماع الغناء عونا على معصية الله تعالى فهو فاسق، وكذلك كل شيء غير الغناء، ومن نوى به ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله تعالى ينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن، وفعله هذا من الحق، ومن لم ينو طاعة ولا معصية، فهو لغو معفو عنه كخروج الإنسان إلى بستانه متنزها، وقعوده على باب داره متفرجا وصباغه ثوبه لازورديا أو أخضر أو غير ذلك، ومد ساقه وقبضها وسائر أفعاله،فبطل كل ما شغبوا به بطلانا متيقنا – ولله – تعالى – الحمد، وما نعلم لهم شبهة غير ما ذكرنا)([61])

الدليل الثاني: أن هناك الكثير من الأدلة النقلية والعقلية الدالة على الإباحة، يمكن تلخيصها في دليلين هما:

أولا ـ القياس:ولعل أحسن قياس لإباحة الغناء، هو ما نص عليه الغزالي بتفصيل في إحياء علوم الدين في كتاب خصصه لذلك هو [كتاب آداب السماع] ([62])، وهو قياس يستند إلى تحليل معنى الغناء، ثم الحديث عن حكم كل ركن أو خاصية في الغناء وإثبات إباحتها، قال الغزالي:(إن الغناء اجتمعت فيه معان ينبغي أن يبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها، فإنّ فيه سماع صوت طيب موزون مفهوم المعنى محرك للقلب، فالوصف الأعم أنه صوت طيب، ثم الطيب ينقسم إلى الموزون وغيره. والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار، وإلى غير المفهوم كأصوات الجمادات وسائر الحيوانات)([63])، ثم تحدث عن إباحة كل ركن من هذه الأركان المكونة لحقيقة الغناء، وسنلخص باختصار ما ذكره من ذلك:

  1. سماع الصوت الطيب من حيث إنه طيب، لا ينبغي أن يحرم، بل هو حلال بالنص والقياس: أما القياس فهو أنه يرجع إلى تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو مخصوص به، وللإِنسان عقل وخمس حواس ولكل حاسة إدراك، وفي مدركات تلك الحاسة ما يستلذ، فلذة النظر مثلا في المبصرات الجميلة كالخضرة والماء الجاري والوجه الحسن، فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذة كصوت العنادل والمزامير، ومستكرهة كنهيق الحمير وغيرها. أما النص: فيدل على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان الله تعالى على عباده إذ قال: { يَزِيدُ في الخَلْقِ مَا يَشَاءُ}،فقيل هو الصوت الحسن.
  2. النظر في الصوت الطيب الموزون، فإنّ الوزن وراء الحسن فكم من صوت حسن خارج عن الوزن وكم من صوت موزون غير مستطاب. والأصوات الموزونة باعتبار مخارجها ثلاثة: فإنها إما أن تخرج من جماد كصوت المزامير والأوتار وضرب القضيب والطبل وغيره، وإما أن تخرج من حنجرة حيوان؛ وذلك الحيوان إما إنسان أو غيره كصوت العنادل والقماري وذات السجع من الطيور؛ فهي مع طيبها موزونة متناسبة المطالع والمقاطع فلذلك يستلذ سماعها، فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطيور. ولا فرق بـين حنجرة وحنجرة ولا بـين جماد وحيوان. فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمي كالذي يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدف وغيره.
  3. الموزون والمفهوم، وهو الشعر وهو لا يخرج إلا من حنجرة الإِنسان فيقطع بإباحة ذلك لأنه ما زاد إلا كونه مفهوماً. والكلام المفهوم غير حرام والصوت الطيب الموزون غير حرام، فإذا لم يحرم الآحاد فمن أين يحرم المجموع؟ نعم ينظر فيما يفهم منه فإن كان فيه أمر محظور حرم نثره ونظمه وحرم النطق به سواء كان بألحان أو لم يكن، والحق فيه ما قاله الشافعي رحمه الله إذ قال: الشعر كلام فحسنه حسن وقبـيحه قبـيح. ومهما جاز إنشاد الشعر بغير صوت وألحان جاز إنشاده مع الألحان: لأن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان ذلك المجموع مباحاً. ومهما انضم مباح إلى مباح لم يحرم إلا إذا تضمن المجموع محظوراً لا تتضمنه الآحاد.
  4. النظر فيه من حيث إنه محرك للقلب ومهيج لما هو الغالب عليه، فلله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى إنها لتؤثر فيها تأثيراً عجيباً، فمن الأصوات ما يفرح، ومنها ما يحزن، ومنها ما ينوم، ومنها ما يضحك ويطرب، ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس، ومهما كان النظر في الغناء باعتبار تأثيره في القلب لم يجز أن يحكم فيه مطلقاً بإباحة ولا تحريم، بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب.

ثانيا: من النصوص الشرعية: دلت النصوص الصحيحة على إباحة الغناء، منها:

الحديث الأول: عن أبي مسعود البدري، وقرظة بن كعب، وثابت بن يزيد – وهم في عرس وعندهم غناء – فقلت لهم: هذا وأنتم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا :(إنه رخص لنا في الغناء في العرس، والبكاء على الميت من غير نوح)([64])قال ابن حزم:(ليس فيه النهي عن الغناء في غير العرس)([65])

الحديث الثاني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينشد مع الصحابة ويقرهم على الأراجيز، وهي لا تعدو أن تكون نوعا من الغناء، فعن أنس، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:

اللهم إن العيش عيش الآخره  

  فاغفر للأنصار والمهاجره

فقالوا مجيبين له:

نحن الذين بايعوا محمدا 

  على الجهاد ما بقينا أبدا

وعن البراء قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو اغبر بطنه، يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا

  ولا تصدقنا ولا صلينا

 فأنزلن سكينة علينا

   وثبت الأقدام إن لاقينا

 إن الألى قد بغوا علينا

   إذا أرادوا فتنة أبينا

ورفع بها صوته أبينا أبينا([66]).

الحديث الخامس: أن الغناء كان يتم في غير المناسبات، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقر ذلك، فعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين ويقلن:

نحن جوار من بني النجار

  يا حبذا محمد من جار

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم بارك فيهن ([67]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اختلاف حكم الغناء باختلاف أنواعه، فحلاله حلال، وحرامه حرام، وقد رأينا أنه لا يوجد في النصوص ما يتنافى مع إباحة الغناء، بل إن ما روي عن السلف يدل على أن القول بالجواز كان فاشيا، وإنما كان إنكارهم على المغنين لفسقهم، لا لذات الغناء، ولذا قال مالك: إنما يفعله عندنا الفساق ([68]).

غير أن هناك قيودا لا بد أن تراعى لإباحة الغناء ـ وخاصة في الأعراس ـ اجتمع على ذكرها الفقهاء القدامى والمعاصرون، ومن أهم الضوابط في ذلك وأجمعها الضابطين التاليين:

  1. أن يكون موضوع الغناء مما لا يخالف الأصول العامة للإسلام أو مبادئه وتشريعاته، فإذا كانت هناك أغنية تمجد الخمر أو تدعو إلى شربها مثلا فإن أداءها حرام، والاستماع إليها حرام وذلك يختلف أحيانا باختلاف السامعين، فقد يستثار هذا بما لا يستثار به غيره، قال الشوكاني بعد إيراده النصوص المبيحة لذلك:(وفي ذلك دليل على أنه يجوز في النكاح ضرب الأدفاف ورفع الأصوات بشيء من الكلام، نحو أتيناكم أتيناكم ونحوه لا بالأغاني المهيجة للشرور المشتملة على وصف الجمال والفجور ومعاقرة الخمور، فإن ذلك يحرم في النكاح كما يحرم في غيره، وكذلك سائر الملاهي المحرمة)([69])
  2. أن لا تقترن به محرمات أخرى كالميوعة والتخنث والتكسر، أو أن يكون في مجلس شرب أو تخالطه خلاعة أو فجور، فهذا هو الذي أنذر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهله وسامعيه بالعذاب الشديد كما مر ذكر الأحاديث في ذلك سابقا.

ونرى أن في القول بهذا مع ضوابطه الشرعية ترجيحا لمقاصد الشريعة في تيسير حياة الناس ورفع الحرج عنهم وتلبية رغباتهم الفطرية بما لا يتصادم مع الأحكام الشرعية، فالسماع للغناء لا يختلف عن كل ما أباحته الشريعة من الطيبات، فهو حاجة فطرية، بل هو عند بعض الناس أعظم من حاجة الأكل والشرب، فلذلك من الحرج الكبير، بل من صرف الناس عن الدين القول بحرمته، فالشريعة لم تأت لتحريم الطيبات، وإنما لتمييز الطيب عن الخبيث، وما أسهل أن نميز الغناء طيبه عن خبيثه.

ولذلك نرى أنه يستحب أن ينتهض للقيام بصناعة البديل الإسلامي من الغناء الطيب المباح الذي يحمل الآداب الإسلامية، والقضايا الإسلامية في قالب ذوقي رفيع، ليغني الناس عما ينشره الغناء الفاجر من إباحية وتحلل.

مأثورات الزفاف

تهنئة العروس:

ذهب الفقهاء إلى استحباب تهنئة العروس والدعاء له، سواء كان ذكرا أو أنثى، لإدخال السرور عليه عقب العقد والبناء، فيقول له: بارك الله لك، وبارك عليك وجمع بينكما في خير، ومن النصوص المبينة لكيفية ذلك:

  1. ما روي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رفأ([70]) الإنسان إذا تزوج قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير)([71])
  2. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة فقال: ما هذا؟ فقال: إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال بارك الله لك، أولم ولو بشاة)([72])، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله:(باب كيف يدعي للمتزوج)، وذكر فيه قصة تزويج عبد الرحمن بن عوف مختصرة، وقد نص شراح البخاري على أنه إنما أراد بهذا الباب رد قول العامة عند العرس بالرفاء والبنين([73])، فكأنه أشار إلى تضعيفه، ومثله ما ورد في حديث معاذ بن جبل أنه شهد أملاك رجل من الأنصار فخطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،وأنكح الأنصاري وقال: على الألفة والخير والبركة والطير الميمون والسعة في الرزق)([74])

وهذه الصيغ لا تدل على الحصر، بل إن للعرف دخلا في تحديدها بشرط أن لا تتناقض مع القواعد الشرعية أو تكون من الصيغ التي ورد النهي عنها، قال ابن حبيب من المالكية: ولا بأس بالزيادة على هذا من ذكر السعادة، وما أحب من خير.

ولكنه يكره أن يقول: بالرفاء والبنين، لما روي أن عقيل بن أبي طالب تزوج امرأة من جشم، فدخل عليه القوم فقالوا: بالرفاء والبنين، فقال: لا تفعلوا ذلك. قالوا: فما نقول؟ قال: قولوا: بارك الله لكم وبارك عليكم، إنا كذلك كنا نؤمر)([75])

ويظهر أن هذا اللفظ كان مشهورا عندهم غالبا حتى سمي كل دعاء للمتزوج ترفئة، وقد اختلف العلماء في علة النهي عن ذلك، فقيل: لأنه لا حمد فيه ولا ثناء ولا ذكر لله.

وقيل: لما فيه من الإشارة إلى بغض البنات لتخصيص البنين بالذكر.

ولا مانع من أن يكون كلا المعنيين علة للنهي، قال ابن المنير: الذي يظهر أنه صلى الله عليه وآله وسلم كره اللفظ لما فيه من موافقة الجاهلية، لأنهم كانوا يقولونه تفاؤلا لا دعاء، فيظهر أنه لو قيل للمتزوج بصورة الدعاء لم يكره، كأن يقول اللهم ألف بينهما وارزقهما بنين صالحين مثلا أو ألف الله بينكما ورزقكما ولدا ونحو ذلك([76])، ولكنه مع ذلك يستحب الاقتصار على المأثور، فهو أولى مراعاة للقدوة التي تحمل معاني العبودية،كما هو الشأن في كل ما ورد به الشرع من صيغ.

آداب الدخول على العروس

يستحب للعروس إذا زفت إليه زوجته أول مرة الآداب التالية:

1 ـ أن يصلي ركعتين مع زوجته، فعن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال:(تزوجت فحضره عبد الله بن مسعود وأبو ذر وحذيفة وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحضرت الصلاة فقدموه فصلى بهم، ثم قالوا له: إذا دخلت على أهلك فصل ركعتين، ثم خذ برأس أهلك فقل :(اللهم بارك لي في أهلي، وبارك لأهلي في، وارزقهم مني وارزقني منهم)، ثم شأنك وشأن أهلك.

وقد ورد ما يدل على أثر ذلك في تيسير الربط بين الرجل وزوجته، فقد جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني لا أصل إلى امرأتي، قال له: توضأ ثم صل ركعتين، ومرها أن تصلي خلفك، فإذا فرغت من صلاتك فقل: اللهم بارك لي في أهلي، وبارك لأهلي في، وارزقني منهن وارزقهن مني، اللهم ما جمعت بيننا فاجمع بيننا في خير، وإذا فرقت ففرق في خير([77]).

2 ـ أن يأخذ بناصيتها، ويدعو أن يبارك الله لكل منهما في صاحبه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم :(إذا أفاد أحدكم دابة أو امرأة أو خادما أو بعيرا، فليضع يده على ناصيته، وليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه، فأما البعير فإنه يأخذ بذروة سنامه، ثم ليقل مثل ذلك)([78])

3 ـ أن يقول حين المعاشرة هذا الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :(لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله([79]) قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم قدر أن يكون بينهما ولد في ذلك لم يسلط عليه الشيطان)([80])


([1])  التوثيق: مصدر وثق الشيء إذا أحكمه وثبته، وثلاثيه وثق. يقال وثق الشيء وثاقة: قوى وثبت وصار محكما. والوثيقة ما يحكم به الأمر، والوثيقة: الصك بالدين أو البراءة منه، والمستند، وما جرى هذا المجرى والجمع وثائق. والموثق من يوثق العقود.

([2])  قال الشوكاني:« وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي a عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش، ثم سرد تمام ثلاثين صحابيا، وقد جمع الإشارة الدمياطي من المتأخرين، وقد اختلف في وصله وإرساله، فرواه شعبة والثوري عن أبي اسحاق مرسلا، ورواه إسرائيل عنه فأسنده، وأبو إسحاق مشهور بالتدليس،وأسند الحاكم من طريق علي بن المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم أنهم صححوا حديث إسرائيل» انظر :نيل الأوطار:6/249، سنن الدارقطني: 3/220، صحيح ابن حبان: 9/389، أبو داود: 2/229، المستدرك:2/183، سنن ابن ماجة:1/605.

([3])  البخاري: 2/731، الترمذي: 3/520، البيهقي: 5/327، الدارقطني: 3/77، ابن ماجة: 2/756.

([4])  انظر: الفتاوى الهندية6/253.

([5])  انظر للمزيد من النماذج: الفتاوى الهندية6/251، فما بعدها.

([6])  الفتاوى الهندية6/254.

([7])  لسان العرب: 12/643.

([8])  هناك اصطلاحات وألفاظ خاصة بأنواع الولائم، ذكرها الفقهاء وأهل اللغة، منها: العذيرة: اسم لدعوة الختان، وتسمى الإعذار، والخرس والخرسة: عند الولادة. والوكيرة: دعوة البناء. يقال: وكر وخرس، مشدد. والنقيعة  عند قدوم الغائب، يقال: نقع، مخفف. والعقيقة: الذبح لأجل الولد، والحذاق: الطعام عند حذاق الصبي. والمأدبة: اسم لكل دعوة لسبب كانت أو لغير سبب. والآدب، صاحب المأدبة، انظر: معتصر المختصر:1/ 295، المغني:7/212.

([9])  البخاري: 2/722، الترمذي:3/402، النسائي: 3/336، ابن ماجة: 1/605، أحمد: 3/190.

([10])  البخاري:5/1982 مسلم: 2/1049، ابن حبان: 9/369.

([11])  المحلى: 7/20.

([12])  قال الشوكاني بعد سوقه لخلاف في المسألة: وبهذا يظهر ثبوت الخلاف في الوجوب لا كما قال ابن بطال ولا أعلم أحدا أوجبها وكذا قال صاحب المغني، انظر: نيل الأوطار:6/322.

([13])  انظر الأحاديث في ذلك وتخريجها في نيل الأوطار:6/323.

([14])  انظر: المغني:7/212.

([15])  نقل الشوكاني عن السبكي أن المنقول من فعل النبي a أنها بعد الدخول، وفي حديث أنس عند البخاري وغيره التصريح بأنها بعد الدخول لقوله أصبح عروسا بزينب فدعا القوم. انظر: نيل الأوطار: 6/322.

([16])  البخاري: 2/722، الترمذي:3/402، النسائي: 3/336، ابن ماجة: 1/605، أحمد: 3/190.

([17])  نيل الأوطار: 6/322.

([18])  تحدث العلماء عن سبب تفضيل زينب بذلك، ومما قالوه في ذلك،وهو أحسن ما قيل قول ابن بطال: لم يقع من النبي a القصد إلى تفضيل بعض النساء على بعض، بل باعتبار ما اتفق، وأنه لو وجد الشاة في كل منهن لأولم بها، لأنه كان أجود الناس، ولكن كان لا يبالغ فيما يتعلق بأمور الدنيا في التأنق، وقال غيره: يجوز أن يكون فعل ذلك لبيان الجواز ، انظر: نيل الأوطار:6/323.

([19])  نيل الأوطار:6/323.

([20])  التمهيد: 10/179، وانظر: منار السبيل: 2/185، المغني: 7/213.

([21])  فتح الباري:9/242.

([22])  نقلا عن: سبل السلام: 3/155.

([23])  انظر: المغني:7/214، الإنصاف للمرداوي:8/213.

([24])  الدارمي: 2/143، البيهقي: 7/260، أبو داود: 3/341، ابن ماجة: 1/617، أحمد: 5/28، المعجم الكبير: 5/272..

([25])  فتح الباري: 9/243.

([26])  فتح الباري: 9/243.

([27])  الإهالة الودك، والسنخة الزنخة المتغيرة، نيل الأوطار: 1/87.

([28])  أحمد: 3/210، الأحاديث المختارة: 7/87.

([29])  قال ابن حجر: رواه أبو داود وأحمد عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من الصحابة وإسناده ضعيف ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة من رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبيه به، تلخيص الحبير:3/196، أبو داود: 3/344، قال الصنعاني: لكن رجال إسناده موثقون، ولا يدرى ما وجه ضعف سنده فإنه رواه أبو داود عن هناد بن السري عن عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من أصحاب النبي a وكل هؤلاء وثقهم الأئمة إلا أبا خالد الدالاني فإنهم اختلفوا فيه: فوثقه أبو حاتم وقال أحمد وابن معين لا بأس به وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به وقال ابن عدي حديثه لين وقال شريك كان مرجئا، سبل السلام:3/158.

([30])  البخاري: 5/1985، مسلم: 2/1055، ابن حبان: 12/116.

([31])  النووي على مسلم:9/237.

([32])  التمهيد: 10/175.

([33])  انظر: فتح الباري: 9/245.

([34])  المغني:7/217.

([35])  الحاكم: 4/320، الدارمي: 2/153، البيهقي: 7/266، النسائي: 4/171، المعجم الأوسط: 1/213، شعب الإيمان: 5/12.

([36])  شعب الإيمان:6/445.

([37])  ابن حبان: 12/115، المسند المستخرج على مسلم: 4/107، البيهقي: 7/264.

([38])  مسلم: 2/1053، ابن حبان: 12/115، الترمذي: 3/150، الدارمي: 2/192، البيهقي: 7/261، أبو داود: 2/331، النسائي: 4/140، ابن ماجة: 1/616.

([39])  فتح الباري: 9/247.

([40])  فتح الباري: 9/247.

([41])  مجمع الزوائد: 4/53، البيهقي: 4/279 المعجم الأوسط: 3/306، قال في كشف الخفاء بضعفه، كشف الخفاء:1/238.

([42])  النثار بالكسر والضم لغة اسم للفعل كالنثر ويكون بمعنى المنثور كالكتاب بمعنى المكتوب وأصبت من النثار أي من المنثور وقيل النثار ما يتناثر من  الشيء كالسقاط اسم لما يسقط والضم لغة تشبيها بالفضلة التي ترمى، المصباح المنير، والمراد منه في العرف هو ما يرمى في الولائم من حلوى وغيرها.

([43])  انظر: الروض المربع: 3/123، المغني: 7/219، الفروع:5/236.

([44])  حاشية البجيرمي:3/34.

([45])  النسائي 3/158، المجتبى: 7/201.

([46])  ابن خزيمة: 4/294، الحاكم: 4/246، البيهقي: 7/288، أبو داود: 2/248، أحمد: 4/350.

([47])  لا شك في ظهور الوضع على هذا الحديث، وإنما ذكرنا لإيراد الفقهاء له،  قال ابن حجر: قلت هكذا فليكن الكذب، وقد رواه حازم مولى بني هاشم مجهول عن لمازة ومن لمازة   عن  ثور عن خالد بن معدان عن  معاذ بنحو منه، لسان الميزان: وفي مجمع الزوائد: 2/19، قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه وفي إسناد الأوسط بشر بن ابراهيم وهو وضاع وفي إسناد الكبير حازم مولى بني هاشم عن لمازة ولم أجد من ترجمهما ولمازة، هذا يروى عن  ثور بن يزيد متأخر وليس هوابن زياد ذاك يروى عن علي ابن أبي طالب ونحوه وبقية رجاله ثقات، مجمع الزوائد: 4/290، وانظر: البيهقي: 7/288، المعجم الأوسط: 1/44، المعجم الكبير: 20/97.

([48])  وقد اختلف الفقهاء حول ثلاثة أنواع من الغناء جمعها الملا علي القاري في رسالة له، وحاصل الأنواع والخلاف فيها كما يلي:

                أولا ـ ما لا يكون بآلة مع سلامة القول من الفتنة والملامة، نقل عن جماعة من الصحابة والتابعين والمجتهدين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد إباحته، وهو مختار القشيري وحكى الغزالي الاتفاق وابن حزم ادعى إجماع الصحابة والتابعين عليه وفي النهاية أيضا جوازه وعند السرخسي أنه لدفع وحشة ومختار عز الدين وابن دقيق العيد وبدر الدين.

            ثانيا ـ ما يكون بآلة كالأوتار والمزامير فالمشهور من المذاهب الأربعة أن الضرب واستماعه حرام وعن بعض المالكية والشافعية إباحته وكذا عن شرذمة من السلف وعن أبي الطيب الطبري عن الأربعة حرمته وعن بعض الشافعية فأما مذهب أبي حنيفة فيه فأشد المذاهب وقوله أغلظ الأقوال وصرح أصحابه أن استماعه فسق والتلذذ به كفر وليس بعد الكفر غاية، قد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة والغناء فقال في فتاويه:  أما إباحة هذا السماع وتحليله فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع «إغاثة اللهفان: 1/228 »

            ثالثا ـ ما يقارن بالدف والشبابة فعند الجمهور من الأئمة الأربعة حرام ومختار النووي وعند بعضهم مباح ومختار جماعة من الشافعية كالرافعي والغزالي وابن عبد السلام وعن ابن دقيق العيد أنه لم يرد حديث صحيح على منعه ولا حديث صحيح على جوازه فهذه مسألة اجتهادية فمن اجتهد وأداه اجتهاده إلى التحريم قال به ومن اجتهد وأداه إلى الجواز قال به. انظر: بريقة محمودية: 4/52.

([49])  إغاثة اللهفان: 1/238.

([50])  هذه النقول من خطبة كتاب للطرطوشي في تحريم السماع، نقلا عن: إغاثة اللهفان: 1/226.

([51])  انظر النقول من السلف عن ذلك في: المصنف لابن أبي شيبة:5/132.

([52])  إغاثة اللهفان: 1/242.

([53])  إغاثة اللهفان:1/247.

([54])  إحياء علوم الدين :2/270.

([55])  المحلى: 7/359.

([56])  المحلى: 7/359.

([57])  سنكتفي بذكر هذه الآثار كما أوردها ابن حزم مع مناقشته لها، دون الحاجةللإطالة بتخريجها، انظر: المحلى: 7/560، فما بعدها.

([58])  يقصد هذا الخبر والخبر السابق.

([59])  المحلى:7/567.

([60])  سبق تخريجه.

([61])  المحلى:7/567.

([62])  انظر: الإحياء:2/268.

([63])  الإحياء: 2/270.

([64])  الحاكم: 2/201، البيهقي: 7/289، المعجم الكبير: 17/248.

([65])  المحلى:7/570..

([66])  البخاري:3/1103، مسلم: 3/1429، ابن حبان: 7/470، البيهقي: 9/154، النسائي: 5/69، أحمد: 3/431، ابن أبي شيبة: 7/392.

([67])  رواه أبو يعلى من  طريق رشيد عن ثابت ورشيد هذا قال الذهبي مجهول، انظر: مجمع الزوائد: 10/42، ابن ماجة: 1/612، مسند أبي يعلى: 6/134.

([68])  إغاثة اللهفان:1/229.

([69])  نيل الأوطار: 6/337.

([70])  رفأ بفتح الراء وتشديد الفاء :دعا له في موضع قولهم بالرفاء والبنين، وكانت كلمة تقولها أهل الجاهلية فورد النهي عنها، كما روى بقي بن مخلد عن رجل من بني تميم قال كنا نقول في الجاهلية بالرفاء والبنين فلما جاء الإسلام علمنا رآه قال قولوا بارك الله لكم وبارك عليكم، انظر: فتح الباري:9/222.

([71])  قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، المستدرك:2/199، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، سنن الترمذي: 3/400.

([72])  سبق تخريجه.

([73])  أما ما أخرجه بن أبي شيبة من طريق عمر بن قيس الماضي قال :شهدت شريحا وأتاه رجل من أهل الشام فقال إني تزوجت امرأة فقال بالرفاء والبنين، فهو محمول على أن شريحا لم يبلغه النهي عن ذلك فتح الباري:9/222.

([74])  أخرجه الطبراني في الكبير بسند ضعيف وأخرجه في الأوسط بسند أضعف منه وأخرجه أبو عمرو البرقاني في كتاب معاشرة الاهلين من حديث أنس وزاد فيه والرفاء البنين وفي سنده أبان العبدي وهو ضعيف، انظر: فتح الباري:9/222.

([75])  سنن الدارمي: 2/180.

([76])  فتح الباري :9/222.

([77])  كتاب الدعاء: 1/196، الفردوس بمأثور الخطاب:1/475.

([78])  سنن أبي داود:2/248، سنن ابن ماجه:2/757، مسند أبي يعلى:11/490، مجمع الزوائد:10/141، شرح الزرقاني:3/212.

([79])  حين إرادته الجماع لا حين شروعه فيه لأنه لا يشرع حينئذ الذكر.انظر: فيض القدير:5/307.

([80])  البخاري:6/2692، المسند المستخرج على صحيح مسلم:4/109، صحيح ابن حبان:3/263.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *