الفصل السابع: الحقوق الشرعية لليتامى

الفصل السابع

الحقوق الشرعية لليتامى

كل ما سبق ذكره في الفصول السابقة من حقوق ينطبق على اليتيم، بفرق بسيط، وهو أن ما وجب على الأب في تلك الفصول، يجب على الولي المتكفل باليتيم هنا، ولذلك سنكتفي هنا بإيراد بعض ما يخص اليتيم من جهة ما ورد في النصوص من توجيهات تخص اليتيم في هذا الجانب، ونكتفي لذلك بأربعة حقوق هي: حقه في الإحسان، وحقه في النفقة، وحقه في الكفالة، وحقه في حفظ ماله.

أولا: حق اليتيم في الإحسان

بما أن اليتيم فقد أباه الذي يحسن إليه ويرحمه ويتكفل بحاجاته، فإن الله تعالى برحمته حث المجتمع جميعا على أن يكون أبا حانيا عليه، ليعوضه ما فقده من موت أبيه.

ولأجل هذا وردت النصوص الكثيرة التي تعتبر كفالة اليتيم والإحسان إليه من أفضل أعمال البر، بل تقرنها بقضايا التوحيد الكبرى، قال تعالى:{ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} (البقرة:177))

وتقرنها بعبادة الله تعالى، قال تعالى:{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} (البقرة:83)، وقال تعالى:{ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } (النساء:36)

ولا نرى في القرآن الكريم موضعا من مواضع الإحسان إلا ويكون اليتيم أحد المحسن إليهم:

ففي الإنفاق العام ورد قوله تعالى:{ يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } (البقرة:215)

وفي أموال الغنائم يكون اليتيم من أوائل من له الحظ فيها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرابته، قال تعالى:{ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } (لأنفال:41)

وفي أموال الفيئ يقرن اليتيم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقرابته، قال تعالى:{ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } (الحشر:7)

ويخبر تعالى أن من شروط مجاوزة العقبة التي تحول بين الإنسان وفضل الله الإحسان إلى اليتامى، قال تعالى:{ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَة}(البلد:11 ـ 15)

بل إن الله تعالى ـ من باب الحث على الاتصاف بصفات الله والتخلق بأخلاقه ـ يخبرنا عن إيوائه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان يتيما، قال تعالى:{ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى} (الضحى:6)

أما من السنة، فقد وردت النصوص الكثيرة التي تعتبر الإحسان إلى اليتامى من خير أعمال البر، فخير بيوت المسلمين بيت يكفل يتيما، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه)([1])

بل إن المسح على رأس اليتيم عطفا وحنانا ورحمة يكتب لصاحبه بكل شعرة حسنة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من مسح على رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كانت له في كل شعرة مرت عليها يده حسنات)([2])

بل إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يخبر بأن الساعي عليهم كالمجاهد والقائم، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله تعالى وأحسبه قال وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر)([3])

أما لجزاء المعد على هذا الإحسان الذي يملك كل هذا الفضل، فقد ورد في النصوص الكثير من أنواعه، وهي بحسب درجات الإحسان ونوعه وكماله، وسنذكرها بعض ما ورد منها في النصوص:

ابتعاد الشيطان: أول جزاء يجازى به المحسن لليتيم أنه في حال إحسانه يبتعد عنه الشيطان، وبابتعاده تحل البركة، وينزل الخير، كما روي:(ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فيقرب قصعتهم الشيطان)([4])

المغفرة: وهي من أعظم الجزاء، وقد بين صلى الله عليه وآله وسلم ما أعده الله لكافل اليتيم منها، فقال:(من ضم يتيما من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ذنوبه البتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر، ومن أذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه)([5])

وفي حديث أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الله لا يعذب من رحم اليتيم، وفيه دلالة على مغفرة ذنوبه، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(والذي بعثني بالحق لا يعذب الله يوم القيامة من رحم اليتيم ولان له في الكلام ورحم يتمه وضعفه، ولم يتطاول على جاره بفضل ما آتاه الله)([6])

وقد ذكر بعض السلف تأثير إحسانه إلى اليتيم، فقال:(كنت في بدء أمري سكيرا مكبا على المعاصي، فرأيت يوما يتيما فأكرمته كما يكرم الولد بل أكثر، ثم نمت فرأيت الزبانية أخذوني أخذا مزعجا إلى جهنم وإذا باليتيم قد اعترضني، فقال دعوه حتى أراجع ربي فيه فأبوا. فإذا النداء خلوا عنه فقد وهبنا له ما كان منه بإحسانه إليه، فاستيقظت وبالغت في إكرام اليتامى من يومئذ)

الجنة: أخبرت النصوص أن جزاء المحسن لا يتوقف عند ذلك الحد، بل إن الإحسان إلى اليتيم لا يزال بصاحبه حتى يدخله الجنة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من قبض يتيما من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه أدخله الله الجنة ألبتة إلا أن يعمل ذنبا لا يغفر له)([7])، وفي رواية سندها حسن:(حتى يستغني عنه وجبت له الجنة ألبتة)

بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن المحسنين إلى اليتامى من أول من يدخلون الجنة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(أنا أول من يفتح باب الجنة إلا أني أرى امرأة تبادرني، فأقول ما لك ومن أنت؟ تقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي)([8])

وفي القرآن الكريم إشارة إلى هذا الجزاء في قوله تعالى:{ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} (الانسان:8)، فقد ذكر قبل هذه الآية الجزاء المعد هؤلاء، وهو من أعظم الجزاء، قال تعالى:{ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} (الانسان:5 ـ 6)

وقد روي في كتب المواعظ ـ مما يؤيد هذه النصوص ـ أنه كان لبعض مياسير العلويين بنات من علوية فمات واشتد بهن الفقر إلى أن رحلن عن وطنهن خوف الشماتة، فدخلن مسجد بلد مهجورا فتركتهن أمهن فيه وخرجت تحتال لهن في القوت فمرت بكبير البلد وهو مسلم، فشرحت له حالها فلم يصدقها وقال: لا بد أن تقيمي عندي البينة بذلك. فقالت: أنا غريبة، فأعرض عنها.

ثم مرت بمجوسي فشرحت له ذلك فصدق، وأرسل بعض نسائه فأتت بها وببناتها إلى داره فبالغ في إكرامهن، فلما مضى نصف الليل رأى ذلك المسلم القيامة قد قامت والنبي صلى الله عليه وآله وسلم معقود على رأسه لواء الحمد وعنده قصر عظيم. فقال:يا رسول الله لمن هذا القصر؟ قال: لرجل مسلم، قال: أنا مسلم موحد، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أقم عندي البينة بذلك، فتحير، فقص له صلى الله عليه وآله وسلم خبر العلوية، فانتبه الرجل في غاية الحزن والكآبة إذ ردها، ثم بالغ في الفحص عنها حتى دل عليها بدار المجوسي فطلبها منه فأبى وقال: قد لحقني من بركاتهن، فقال خذ ألف دينار وسلمهن إلي فأبى، فأراد أن يكرهه، فقال: الذي تريده أنا أحق به، والقصر الذي رأيته في النوم خلق لي، أتفخر علي بإسلامك، فوالله ما نمت أنا وأهل داري حتى أسلمنا كلنا على يد العلوية، ورأيت مثل منامك. وقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(العلوية وبناتها عندك؟)، قلت: نعم يا رسول الله. قال: القصر لك ولأهل دارك، فانصرف المسلم وبه من الكآبة والحزن ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

مرافقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة: وهو الجزاء الذي لا يعادله أي جزاء، فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن كافل اليتيم رفيقه في الجنة بصيغ مختلفة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى وفرج بينهما)([9])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة)وأشار مالك بالسبابة والوسطى)([10])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من كفل يتيما له ذو قرابة أو لا قرابة له فأنا وهو في الجنة كهاتين وضم إصبعيه، ومن سعى على ثلاث بنات فهو في الجنة، وكان له كأجر المجاهد في سبيل الله صائما قائما)([11])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من عال ثلاثة من الأيتام كان كمن قام ليله وصام نهاره وغدا وراح شاهرا سيفه في سبيل الله وكنت أنا وهو في الجنة أخوان، كما أن هاتين أختان، وألصق إصبعيه السبابة والوسطى)([12])

ثانيا: حق اليتيم في النفقة

اختلف الفقهاء في وجوب نفقة اليتيم على أقاربه فيما لو لم يكن له مال ينفق عليه منه على الأقوال التالية:

القول الأول: وجوب نفقة اليتيم على أقاربه، وقد انتصر له ابن القيم، وعقد فيه فصلا في زاد المعاد بعنوان (ذكر حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الموافق لكتاب الله تعالى من وجوب النفقة للأقارب)([13])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى:{ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} (البقرة:177)، وقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} (النساء:36)، وقال تعالى:{ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} (الاسراء:26)، قال ابن القيم:(فجعل سبحانه حق ذي القربى يلي حق الوالدين، كما جعله النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم سواءً بسواء، وأخبر سبحانه؛ أن لذي القربى حقاً على قرابته، وأمر بإتيانه إياه، فإن لم يكن ذلك حق النفقةِ، فلا نَدرِي أي حقَ هُوَ)

2 ـ أن الله تعالى أمر بالإحسان إلى ذي القربى. ومن أعظم الإساءةَ أن يراه يموت جوعاً وعُرياً، وهو قادر على سد خَلته وستر عَورَتِهِ، ولا يطعمه لُقمة، ولا يَستُر له عَورَةً إلا بأن يقرضه ذلك في ذِمتِهِ.

3 ـ قوله تعالى:{ وَالوَالِدَاتُ يُرضِعنَ أَولاَدَهُن حَولَينِ كامِلَينِ لِمَن أَرَادَ أَن يُتم الرضَاعَةَ وَعَلىٰ المَولُودِ لَهُ رِزقهن وكِسوَتُهُن بِالمَعرُوفِ لا تُكلفُ نَفسٌ إلا وُسعَهَا لاَ تُضَار وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَولُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الوَارِثِ مِثلُ ذَلِكَ } فأوجب سبحانه وتعالى على الوارثِ مثل ما أوجب على المولود له، قال ابن جريج: قلت لعطاء { وعَلَى الوَارِثِ مِثلُ ذٰلِكَ}، قال: على ورثة اليتيم أن ينفقوا عليه كما يرثونه. قلت له: أَيُحبَسُ وارثُ المولود إن لم يكن للمولود مال؟ قال: أفيدعُه يموت؟. وقال الحسن {وعَلى الوَارِثِ مِثلُ ذٰلِكَ} قال: على الرجلِ الذي يَرِثُ أن ينفق عليه حتى يستغنيَ. وبهذا فسرَ الآية جمهورُ السلف، منهم: قتادة، ومجاهد، والضحاك، وزيدُ بن أسلم، وشريح القاضي، وقَبِـيصَةُ بنُ ذُؤيب، وعبدُ الله بن عتبة بن مسعود، وإبراهيم النخعي، والشعبـي، وأصحابُ ابن مسعود، ومن بعدهم: سفيان الثوري، وعبد الرزاق، وأبو حنيفة وأصحابه، ومن بعدهم: أحمد، وإسحاق، وداود وأصحابهم.

4 ـ الأحاديث الوارد في ذلك، ومنها ما رواه كليب بن منفعة، عن جده، أنه أتى النبـي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(يا رسول الله من أبَرُّ؟)، قال: (أُمكَ وأَبَاكَ وأُختَكَ وَأَخَاكَ ومَولاَكَ الذِي يَلي ذاك، حَقٌّ واجِبٌ ورَحِمٌ مَوصُولَةٌ)([14])

وعن طارِق المُحاربـي قال: قدمتُ المدينة، فإذا رسولُ الله قائمٌ على المنبر يخطبُ الناسَ وهو يقول: (يَدُ المُعطي العُليَا، وَابدَأ بِمَن تَعُول، أُمكَ وَأَبَاكَ، وَأُختَكَ وأَخَاكَ، ثُم أَدنَاكَ أَدنَاكَ)([15])

وعن معاوية القُشيري قال: قلتُ: يا رسولَ الله مَن أَبَرُّ؟ قال: (أُمكَ)، قلتُ: ثم مَن؟ قال: (أُمكَ)، قلت: ثم من؟ قال: (أُمك)، قلت: ثم مَن؟ قال: (أَبَاكَ ثُم الأَقرَبَ فَالأَقرَبَ)([16])

عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: (ابدَأ بِنَفسِكَ فَتَصَدق عَلَيهَا فَإِن فَضَلَ شَيءٌ، فَلأهلِكَ، فَإن فَضَلَ عَن أَهلِكَ شَيءٌ، فَلِذيِ قَرَابَتِكَ، فَإن فَضَلَ عَن ذِي قَرَابتِكَ، فِهٰكَذَا وهٰكَذَا)([17])

القول الثاني: لا يُجبَرُ أحدٌ على نفقةِ أحدٍ من أقاربه، وإنما ذلك بِرٌّ وصِلَة، قال ابن القيم:(وهذا مذهب يُعزَى إلى الشعبـي)فقد روي عنه أنه قال: ما رأيت أحداً أجبرَ أحداً على أحدٍ، يعني على نفقته)([18])

وقد رد ابن القيم نسبة هذا إلى الشعبي،وقال عن الرواية السابقة:(في إثبات هذا المذهب بهذا الكلام نظر، والشعبـي أفقه من هذا، والظاهر أنه أراد: أن الناسَ كانوا أتقى لله من أن يحتاج الغنيُّ أن يجبرَهُ الحاكم على الإنفاق على قريبه المحتاج، فكان الناس يكتفون بإيجاب الشرع عن إيجاب الحاكم أو إجباره)

القول الثالث: أنه يجب عليه النفقةُ على أبـيه الأدنى، وأمه التي ولدته خاصة، فهٰذان الأبوان يجبر الذكر والأنثى من الولد على النفقة عليهما إذا كانا فقيرين، فأما نفقةُ الأولادِ، فالرجل يُجبرُ على نفقة ابنهِ الأدنى حتى يبلغ فقط، وعلى نفقة بنته الدنيا حتى تُزَوجَ، ولا يجبر على نفقة ابن ابنه، ولا بنت ابنه وإن سفلا، ولا تُجبَرُ الأُمُّ على نفقة ابنها وابنتها ولو كانا في غاية الحاجة والأم في غاية الغنى، ولا تجب على أحد النفقةُ على ابن ابن، ولا جد، ولا أخٍ، ولا أختٍ، ولا عمَ، ولا عمةٍ، ولا خالٍ ولا خالةٍ، ولا أحد من الأقارب سوى ما ذكرنا. وتجب النفقةُ مع اتحادِ الدين واختلافه حيث وجبت، وهو قول مالك، قال ابن القيم:(وهو أضيقُ المذاهب في النفقات)

القول الرابع: أنه تجبُ نفقةُ عمودي النسب خاصة، دون مَن عداهم، مع اتفاق الدين، ويَسَارِ المنفِقِ، وقدرته، وحاجة المُنفَق عليه، وعجزه عن الكسب بصغرٍ أو جنونٍ أو زمانةٍ إن كان من العمود الأسفل، وهو قول الشافعية.

واختلفوا في اشتراط العجز على الكسب، فقيل باشتراطه([19])، وقيل بعدم اشتراطه، قال ابن القيم:(وهذا مذهب، وهو أوسع من مذهب مالك)

القول الخامس: أن النفقة تَجبُ على كل ذي رحمٍ مَحرَمٍ لذي رحمه فإن كان من الأولاد وأولادهم، أو الآباء والأجداد، وجبت نفقتُهم مع اتحاد الدين واختلافه. وإن كان من غيرهم، لم تجب إلا مع اتحاد الدين، فلا يجب على المسلم أن ينفق على ذي رحمه الكافر، ثم إنما تجب النفقة بشرط قدرة المنفِق وحاجة المنفَقِ عليه. فإن كان صغيراً اعتُبِرَ فَقرُهُ فَقَط، وإن كان كبـيراً، فإن كان أنثى، فكذلك، وإن كان ذَكَراً، فلا بُد مع فقره من عَمَاهُ أو زَمَانَتِهِ، فإن كان صحيحاً بصيراً لم تجب نفقته، وهي مرتبة عنده على الميراث إلا في نفقة الولد، فإنها على أبـيه، خاصة على المشهور من مذهب.

وروي عن الحسن بن زياد اللؤلؤي: أنها على أبويه خاصة بقدر ميراثهما طرداً للقياس، وهو قول الحنفية، وهو أوسعُ من مذهب الشافعي.

القول السادس: أن القريب إن كان من عمودي النسب وجبت نفقتُه مطلقاً، سواءً كان وارثاً أو غير وارث، وهو قول للحنابلة، واختلفوا في اشتراط اتحاد الدين بـينهم؟ على روايتين.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على صراحة النصوص الدالة على هذا، فهذه الأوامر الإلهية المتظافرة الواردة في قوله تعالى:{ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} (البقرة:177)، وقوله:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} (النساء:36)، وقوله تعالى:{ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً} لا يصح التساهل فيها، خاصة مع وروده بصيغة الأمر التي لا تفيد في أصلها إلا الوجوب.

زيادة على هذا، فإن قواعد الشرع تقتضي هذا، قال ابن القيم:(وهو الصحيح في الدليل، وهو الذي تقتضيه أصولُ أحمد ونصوصُه وقواعد الشرع، وصلةُ الرحم التي أمر الله أن تُوصَلَ، وحرمَ الجنة على كل قاطع رحم)

زيادة على هذا، فإن هذا مما يتناسب مع مقاصد الشريعة من حماية اليتامى من التشرد والضياع، فأي دين لشخص قد يعيش في بحبوحة عيش بينما يبحث قريبه اليتيم في قمامته عما يسد به رمقه.

قد يقال: فلماذا لا يتكفل ولي المسلمين به؟

والجواب عن ذلك: أن ولي أمر المسلمين قد يكون عادلا، ويكون المال فائضا، فيكفي المسلمين ذلك، ولكن الحال العام قد لا يوفر مثل هذا الولي، فلذلك تأتي الأحكام التوجيهية نائبة عن الأحكام التشريعية في حال التقصير فيها.

ولذلك لا ينتفع اليتيم بمثل أن يحكم على أقاربه بوجوب نفقته شرعا ليقتسموها بينهم كما يقتسمون ميراثه في حال غناه.

وقد رد ابن القيم على من أولوا ما ورد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يوجب العطية للأقارب، مصرحا بأنسابهم:(وأُختَكَ وَأَخَاكَ، ثُم أَدنَاكَ فأدناكَ، حَقٌّ وَاجِبٌ وَرَحِمٌ مَوصُولَةٌ)([20])، فحملوا الحق هنا على ترك قطيعته بوجهين([21]):

الوجه الأول: أن يقال: فأي قطيعة أعظم من أن يراه يتلظى جُوعاً وعَطَشاً، ويتأذى غاية الأذى بالحر والبرد، ولا يُطعِمُهُ لُقمَةً، ولا يَسقِيهِ جَرعة، ولا يكسوه ما يستر عَورَتَهُ ويقيهِ الحر والبردَ، ويُسكِنُهُ تحت سقف يُظله، هذا وهو أخوه ابن أمه وأبـيه، أو عمه صِنو أبـيه، أو خالته التي هي أمه، إنما يجب عليه من ذلك ما يجب بَذلُهُ للأجنبـي البعيد، بأن يعاوضه على ذلك في الذمةِ إلى أن يُوسر، ثم يسترجع به عليه، هذا مع كونه في غاية اليَسَارِ والجِدَةِ، وسَعَةِ الأموال. فإن لم تكن هٰذه قطيعة، فإنا لا ندري ما هي القطيعة المحرمة، والصلَةُ التي أمر الله بها، وحرم الجنة على قاطعها.

الوجه الثاني: أن يقال: فما هذه الصلة الواجبة التي نادت عليها النصوصُ، وبالغت في إيجابها، وذَمت قاطعها؟ فأيُّ قَدرٍ زائدٍ فيها على حق الأجنبـي حتى تَعقِلَهُ القلوب، وتُخبِرَ به الألسنة، وتَعملَ به الجوارحُ؟ أهو السلامُ عليه إذا لقيه، وعيادتُه إذا مرض، وتشميتُه إذا عطس، وإجابته إذا دعاهُ، وإنكم لا تُوجبون شيئاً من ذلك إلا ما يجبُ نظيرُه للأجنبـي على الأجنبـي؟ وإن كانت هذه الصلَةُ ترك ضربِه وسبه وأذاه والإزراءِ به، ونحو ذلك، فهذا حق يجبُ لكل مسلم على كُل مسلم، بل للذمي البعيد على المسلم، فما خصوصيةُ صِلة الرحم الواجبة؟.

ثالثا ـ حق اليتيم في الكفالة

لا يكفي اليتيم ما يسد به رمقه من النفقات، فقد يكون غنيا، ولا يكفيه أن يمسح المسلمون على رأسه احتراما له وابتغاء للأجر، بل يحتاج فوق ذلك إلى أسرة تكفله، وتعامله كما يعامل أبناؤها تربية وتعليما، ولذلك كان من أهم حقوق اليتيم حق الكفالة، وهو ما سنتناوله في هذا المطلب.

1 ـ من يتكفل اليتيم:

نص الفقهاء على أن اليتيم يتولاه أحد أربعة بالترتيب التالي([22]):

الجد:

بسبب فقد الأب، وهي ولاية شرعية، أي أن الشارع فوض له التصرف في مال الولد لوفور شفقته، وهو وصف ذاتي له، فلو عزل نفسه، لم ينعزل بالإجماع ؛ لأن المقتضي للولاية هنا هو الجدودة، وهي موجودة مستمرة لا يقدح العزل فيها، لكن إذا امتنعا من التصرف تصرف القاضي.

الوصي:

وهي بين مرتبة الولاية والوكالة، لأنها من جهة كونها تفويضا تشبه الوكالة، ومن جهة كون الموصي لا يملك التصرف بعد موته، وإنما جوزت وصيته للحاجة، لشفقته على الأولاد، وعلمه بمن هو أشفق عليهم تشبه الولاية.

وقد اختلف الفقهاء بحسب تغليب أحد الشبهين، أما أبو حنيفة فلاحظ الثاني، فلم يجوز له عزل نفسه، وأما الشافعي فلاحظ الأول، فجوز له عزل نفسه على المشهور من مذهبه.

ونرى أن الوصي إذا لم يكن أحد الأقارب يجوز له عزل نفسه، باعتبار الكفالة تخضع للاختيار لا للجبر، فمن الخطر تكليف شخص بتربية من لا يحب تربيته.

وقد اختلف الفقهاء ـ هنا ـ فيما لو مات الأب وأوصى إلى رجل بالنظر في مال ابنه، وهناك جد يصلح للنظر، هل تصح الوصية، أم لا على قولين:

القول الأول: أنه لا تصلح الوصية إليه، بل النظر إلى الجد، وهو قول للشافعية، لأن الجد يستحق الولاية بالشرع فكان أحق من الوصي.

القول الثاني: أن النظر إلى الوصي لأنه قائم مقام الأب، وهو قول أبي حنيفة، وقول للشافعية.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني عموما باعتبار الأب أحق بابنه من الجد، ولكن المسألة مع ذلك لها علاقة بولي الأمر الذي ينظر في ملابسات اختيار الأب للوصي بدل الجد، وعلى ضوئها يحدد ما يراه صالحا لليتيم.

الوكيل:

 وتصرفه مستفاد من الإذن، مقيد بامتثال أمر الموكل، فلكل منهما لذلك عزل نفسه، والوكالة لذلك عقد من العقود قابل للفسخ.

ناظر الوقف:

وهو يشبه الوصي من جهة كون ولايته ثابتة بالتفويض، ويشبه الأب من جهة أنه ليس لغيره تسلط على عزله، والوصي يتسلط الموصي على عزله في حياته بعد التفويض بالرجوع عن الوصية، ومن جهة أنه يتصرف في مال الله تعالى، فالتفويض أصله أن يكون منه. ولكنه أذن فيه للواقف، فهي ولاية شرعية([23]).

2 ـ شروط ولي اليتيم:

نص الفقهاء على أنه يشترط في المكلف باليتيم (التكليف والحرية والإسلام والعدالة وكفاية التصرف وعدم التغافل والعداوة)، ثم قالوا:(وحاصل الشروط أن تقبل شهادته على الطفل)([24])

وسنذكر هنا بعض الشروط بأدلتها وما وقع فيها من خلاف:

ولاية المرأة:

اختلف الفقهاء في صحة ولاية المرأة على اليتيم على في ماله على قولين:

القول الأول: لا ولاية للأم على مال الصغير، لكن يجوز أن يوصى إليها فتصير وصية بالإيصاء([25])، وهو قول جمهور الفقهاء، لأن الولاية ثبتت بالشرع فلم تثبت للأم كولاية النكاح، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أنها ولاية بالشرع فلم تستحقها الأم كولاية النكاح.

2 ـ أن قرابة الأم لا تتضمن تعصيباً، فلم تتضمن ولاية لقرابة الخال.

القول الثاني: تكون لها الولاية بعد الأب والجد، وهو قول للشافعية – خلاف الأصح – وهو قول ذكره القاضي والشيخ تقي الدين بن تيمية من الحنابلة، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله تعالى:{ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (آل عمران:35)فهو يدل على أن للأم ضربا من الولاية على الولد في تأديبه وتعليمه وإمساكه وتربيته، لولا أنها تملك ذلك لما نذرته في ولدها.

2 ـ أنها أحد الأبوين.

3 ـ ما روي عن عائشة قالت: دخلت هند بنت عتبة – امرأة أبي سفيان – على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، إلا ما أخذت من ماله بغير علمه. فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك)([26])، قال ابن دقيق العيد:(وفيه دليل على تصرف المرأة في نفقة ولدها في الجملة، وقد يستدل به من يرى: أن للمرأة ولاية على ولدها، من حيث إن صرف المال إلى المحجور عليه، أو تمليكه له: يحتاج إلى ولاية)([27])

4 ـ أنها أكثر شفقة على الابن.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على ما ذكرنا سابقا من أن الشرع لم يحجر على المرأة في التصرفات المالية مهما كان نوعها، فلذلك يجوز لها التصرف في مال غيره، سواء بالكفالة أو بالوصية، ما دام لها الحق في التصرف في مالها سواء بسواء.

ثم ما الفرق بينها وبين الرجل في ذلك؟ خاصة إن كانت أمه، ولكنها إن أساءت التصرف كان للقاضي منعها كما يمنع الرجل سواء كان وصيا أو غيره.

الأقوم فالأقوم:

وذلك في حال الاختلاف أو التنازع، أو كثرة من ترشح للكفالة، قال العز:(إذا اجتمع جماعة يصلحون للقيام بالأيتام، قدم الحاكم أقومهم بذلك وأعرفهم بمصالح الأيتام، وأشدهم شفقة ومرحمة، فإن تساووا من كل وجه تخير، ويجوز أن يولي كل واحد منهم بعض الولاية ما لم يكن بينهما تنازع واختلاف يؤدي إلى تعطيل مصالحها، وتعطيل درء مفاسدها، لأن الولاية كلما ضاقت قوي الوالي على القيام بجلب مصالحها ودرء مفاسدها، وكلما اتسعت عجز الوالي عن القيام بذلك)([28])

العدالة:

اتفق الفقهاء على أن من شروط ولي اليتيم أن يكون عدلا لأنها ولاية، وتفويضها إلى غير العدل تضييع للصبي ولمال الصبي.

وقد نقل الجصاص الإجماع على هذا الشرط، فقال:(ولا خلاف في ذلك نعلمه، ألا ترى أنه لا خلاف بين المسلمين في أن القاضي إذا فسق بأخذ الرشا أو ميل إلى هوى وترك الحكم أنه معزول غير جائز الحكم؟ فكذلك حكم الله فيمن ائتمنه على أموال الأيتام من قاض أو وصي أو أمين أو حاكم، فغير جائز ثبوت ولايته في ذلك إلا على شرط العدالة وصحة الأمانة)([29])

ومما استدل به على ذلك قوله تعالى:{ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} (النساء:6)، قال الجصاص في بيان وجه الاستدلال بها:(الآية التي تقدم ذكرها في أمر الأيتام تدل على أن سبيل الأيتام أن يلي عليهم غيرهم في حفظ أموالهم والتصرف عليهم فيما يعود نفعه عليهم وهم وصي الأب أو الجد إن لم يكن وصي أب، أو وصي الجد إن لم يكن أحد من هؤلاء، أو أمين حاكم عدل بعد أن يكون الأمين أيضا عدلا ؛ وكذلك شرط الأوصياء والجد والأب وكل من يتصرف على الصغير لا يستحق الولاية عليه إلا أن يكون عدلا مأمونا. فأما الفاسق والمتهم من الآباء والمرتشي من الحكام والأوصياء والأمناء غير المأمونين فإن واحدا من هؤلاء غير جائز له التصرف على الصغير)([30])

وقد نصوا على أن العدالة المشروطة في الولاية على اليتيم هي الولاية الظاهرة والباطنة بخلاف ولاية الأب، فإنه لا تشترط العدالة الباطنة، فلذلك تثبت الولاية للأب مثلا إذا كان مستور الحال لا يعرف عدالته ولا فسقه وذلك ؛ لوفور شفقته وكمالها على ولده.

وقد سئل الرملي في فتاواه:(هل يشترط في الوصي الذي يلي أمر الطفل أو نحوه العدالة الباطنة)، فأجاب:(بأنه يشترط فيه العدالة الباطنة لأن الإيصاء أمانة وولاية على محجور عليه فقد قالوا في باب الحجر ويكفي في الأب والجد العدالة الظاهرة فأفهم اشتراط العدالة الباطنة في الوصي والقيم وهو ظاهر)

ولكن مع هذا، فقد نص الفقهاء على أنه في الحال الذي يفقد فيها الولي العدل، فإنه لا بأس من تولي من هو دونه على حسب المراتب في ذلك، قال العز بن عبد السلام:(ذا تعذرت العدالة في ولاية الأيتام فيختص بها أقلهم فسوقا فأقلهم، لأن حفظ البعض أولى من تضييع الكل، فإذا كان مال اليتيم ألفا وأقل ولاية فسوقا يخون في مائة من الألف ويحفظ الباقي لم يجز أن يدفع إلى من يخون في مائتين فما زاد عليها)

القدرة:

اتفق الفقهاء على أنه يشترط فيمن يتولى الأيتام القدرة على القيام بها، وأنه لا يجوز تقليد من لا يقوى على النهوض بها، كما لا يجوز لمن لا يعلم في نفسه القدرة على القيام بها قبولها.

وقد روي في ذلك عن أبي ذر: قلت:(يا رسول الله ألا تستعملني؟)، قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال:(يا أبا ذر: إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة: خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها)([31])

الإسلام:

اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز أن يتولى الكافر اليتيم المسلم، وقد استدل الفقهاء بالنصوص الدالة على حرمة موالاة الكافرين، ومن ذلك قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة:51)، قال الجصاص:(وفي هذه الآية دلالة على أن الكافر لا يكون وليا للمسلم لا في التصرف ولا في النصرة ؛ ويدل على وجوب البراءة من الكفار والعداوة لهم ؛ لأن الولاية ضد العداوة، فإذا أمرنا بمعاداة اليهود والنصارى لكفرهم فغيرهم من الكفار بمنزلتهم)([32])

3 ـ دور الولي

اتفق الفقهاء على أن دور ولي اليتيم المتكفل به، هو نفس دور والده، فهو نائب عن والده في ذلك، قال ابن العربي:(قال علماؤنا: في قوله تعالى:{ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى } (النساء:6)دليل على أن للوصي والكافل أن يحفظ الصبي في بدنه وماله ؛ إذ لا يصح الابتلاء إلا بذلك، فالمال يحفظه بضبطه والبدن يحفظه بأدبه)([33])

بل ورد النص على ذلك، فقد وروي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن في حجري يتيما أآكل من ماله؟ قال:(نعم، غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله) قال: يا رسول الله، أفأضربه؟ قال:(ما كنت ضاربا منه ولدك)([34])

قال ابن العربي تعليقا على هذا الحديث:(وهذا وإن لم يثبت مسندا فليس يجد عنه أحد ملتحدا ؛ لأن المقصود الإصلاح، وإصلاح البدن أوكد من إصلاح المال ؛ والدليل عليه أنه يعلمه الصلاة، ويضربه عليها، ويكفه عن الحرام بالكهر والقهر)([35])

وقد ورد في النصوص ما يدل على أن من أدوار المتكفل باليتيم اختبارهم، وقد نص عليه قوله تعالى:{ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} (النساء:6)/، لأن المراد من الابتلاء هنا هو تحقق الرشد في اليتيم، ومما قيل في تفسير الرشد قول الحسن وقتادة وغيرهما: صلاحا في العقل والدين. وقال ابن عباس والسدي والثوري: صلاحا في العقل وحفظ المال، وقال سعيد بن جبير والشعبي: إن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده؛ فلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده. وهكذا قال الضحاك: لا يعطى اليتيم وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه إصلاح ماله، وقال مجاهد: رشدا يعني في العقل خاصة.

وقد اختلفت عبارات الفقهاء في كيفية اختبار اليتامى:

ومما قيل في ذلك: أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ويستمع إلى أغراضه، فيحصل له العلم بنجابته، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله، والإهمال لذلك. فإذا توسم الخير لا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه. وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده.

قال الشافعي:(وإنما يعرف إصلاح المال بأن يختبر اليتيم والاختبار يختلف بقدر حال المختبر فإن كان من الرجال ممن يتبذل فيختلط الناس استدل بمخالطته الناس في الشراء والبيع قبل البلوغ وبعده حتى يعرف أنه يحب توفير ماله والزيادة فيه وأن لا يتلفه فيما لا يعود عليه نفعه كان اختبار هذا قريبا وإن كان ممن يصان عن الأسواق كان اختباره أبعد قليلا من اختبار الذي قبله)([36])

وضرب مثالا على ذلك بأن ويدفع إلى المولى عليه نفقة شهر فإن أحسن إنفاقها على نفسه وأحسن شراء ما يحتاج إليه منها مع النفقة اختبر بشيء يسير يدفع إليه فإذا أونس منه توفير له وعقل يعرف به حسن النظر لنفسه في إبقاء ماله دفع إليه ماله)

ونص على كيفية اختبار المرأة بقوله:(تختبر المرأة مع علم صلاحها بقلة مخالطتها في البيع والشراء أبعد من هذا قليلا فيختبرها النساء وذوو المحارم بها من دفع النفقة وما يشترى لها من الأدم وغيره فإذا آنسوا منها صلاحا لما تعطى من نفقتها كما وصفت في الغلام البالغ فإذا عرف منها صلاح دفع إليها اليسير منه فإن هي أصلحته دفع إليها مالها نكحت أو لم تنكح لا يزيد في رشدها ولا ينقص منه النكاح ولا تركه كما لا يزيد في رشد الغلام ولا ينقص منه وأيهما نكح وهو غير رشيد وولد له ولي عليه ماله ؛ لأن شرط الله – عز وجل – أن يدفع إليه إذا جمع الرشد مع البلوغ، وليس النكاح بواحد منهما)([37])

رابعا ـ حق اليتيم في حفظ ماله

لا خلاف بين العلماء في اعتبار أكل أموال اليتامى أو التصرف فيها بما لا يخدم مصلحة اليتيم من المحرمات، بل من كبائر المحرمات، وقد نص على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يعد أمهات الكبائر وأصولها:(اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا:(يا رسول الله وما هن؟)، قال:(الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا وأكل مال اليتيم ؛ والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)([38])

بل إنه من الكبائر الكبرى، فلذك يقرن في النصوص بها، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن خمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه)([39])

قال ابن حجر يذكر إجماع العلماء على هذا:(عد هذا كبيرة هو ما اتفقوا عليه لما ذكر)

ثم قال مبينا أن هذا الحكم ينطبق على أكل الكثير والقليل:(وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين أكل قليله وكثيره ولو حبة على ما مر في بخس الكيل والوزن)

وعلل ذلك بقوله:(فلو لم يحكم في القليل بكونه كبيرة لجره ذلك إلى الكثير إذ لا مانع له لأنه مستول على الكل فتعين الحكم بالكبيرة على أخذ القليل والكثير)

وقد اعتبر علماء الأخلاق المسلمين هذا الذنب من من نوع (الذنوب البهيمية)([40])، وهي الذنوب التي تمثل شره النفس وحرصها علي قضاء شهوة البطن والفرج، ومثلها: الزنا والسرقة وأكل أموال الناس بالباطل والبخل والشح والجبن والهلع والجزع وغير ذلك.

وهذا التقسيم له أهميته في العلاج من هذا الذنب، فالذنوب البهيمية تداوى بالألم، وبالشعور بالمرارة التي تحيل اللذة التي يستشعرها المذنب ألما وأسفا وحسرة، وهذا ما سلكته النصوص القرآنية في علاج هذه الظاهرة التي كانت مستشرية في المجتمع الجاهلي، والتي هي في الحقيقة ظاهرة من ظواهر الجاهلية الأولى أو الآخرة.

فقد ختم الله تعالى الآيات التي تحدثت عن حفظ الحقوق المالية لليتامى، والتي تبدأ من قوله تعالى:{ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} (النساء:2)بآيتين تبينان مصير من فرط في هذه الأوامر الإلهية، كل آية منهما ذكرت نوعا من أنواع المصير:

أما الأولى فقوله تعالى:{ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} (النساء:9)، وقد تضمنت عقوبة دنيوية، أو تحذيرا من عقوبة دنيوية.

وأما الثانية فقوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} (النساء:10)، وقد تضمنت المصير الذي يئول إليه من استحل أكل أموال اليتامى ظلما.

وسنسلك هنا نفس الترتيب القرآني لنستلهم الطريقة القرآنية في علاج هذه الظاهرة الخطيرة:

المصير الدنيوي: من الناس من لا يردعه الترهيب من العقاب الأخروي بقدر ما يرهبه العقاب الدنيوي، يقول الغزالي عند ذكر دور العلماء في حل عقدة الإصرار من المجتمع:(النوع الثالث: أن يقرر عندهم أن تعجيل العقوبة فى الدنيا متوقع على الذنوب، وأن كل ما يصيب العبد من المصائب فهو بسبب جناياته، فرب عبد يتساهل فى أمر الآخرة ويخاف من عقوبة الله فى الدنيا اكثر لفرط جهله، فينبغى أن يخوف به فإن الذنوب كلها يتعجل فى الدنيا شؤمها فى غالب الأمر)([41])

وقد ذكر ابن الجوزي الكثير من الشواهد على هذا، ومنها ما قاله مخبرا عن بعضهم:(قد عبت شخصاً قد ذهب بعض أسنانه فانتثرت أسناني، ونظرت إلى امرأة لا تحل فنظر إلى زوجتي من لا أريد‏)، وقال ابن سيرين‏:(عيرت رجلاً بالإفلاس فأفلست ومثل هذا كثير‏)

وذكر عن بعض العاقين أنه ضرب أباه وسحبه إلى مكان فقال له الأب‏:‏ حسبك إلى ههنا سحبت أبي‏.‏

قال ابن الجوزي:(ومن أعجبت ما سمعت فيه عن الوزير ابن حصير الملقب بالنظام أن المقتفى غضب عليه وأمر بأن يؤخذ منه عشرة آلاف دينار‏.‏ فدخل عليه أهله محزونين وقالوا له‏:‏ من أين لك عشرة آلاف دينار‏.‏ فقال‏:‏ ما يؤخذ مني عشرة ولا خمسة ولا أربعة‏.‏ قالوا من أين لك قال‏:‏ إني ظلمت رجلاً فألزمته ثلاثة آلاف فما يؤخذ مني أكثر منها‏.‏ فلما أدى ثلاثة آلاف دينار وقع الخليفة بإطلاقه ومسامحته في الباقي‏.‏

وذكر عن تأثير الذنوب في بعض الأكابر، فقال:(ما زلت أسمع عن جماعة من الأكابر وأرباب المناصب إنهم يشربون الخمور ويفسقون ويظلمون ويفعلون أشياء توجب الحدود‏ فبقيت أتفكر أقول متى يثبت على مثل هؤلاء ما يوجب حداً ولو ثبت فمن يقيمه‏.‏ وأستبعد هذا في العادة لأنهم في مقام احترام لأجل مناصبهم‏.‏ فبقيت أتفكر في تعطيل الحد الواجب عليهم حتى رأيناهم قد نكبوا وأخذوا مرات ومرت عليهم العجائب‏.‏ فقوبل ظلمهم بأخذ أموالهم وأخذت منهم الحدود مضاعفة بعد الحبس الطويل والقيد الثقيل والذل العظيم‏.‏ وفيهم من قتل بعد ملاقاة كل شدة فعلمت أنه ما يهمل شيء فالحذر الحذر فإن العقوبة بالمرصاد‏.)

قال ابن الجوزي معلقا على هذا:(وأنا أقول عن نفسي‏:‏ ما نزلت بي آفة أو غم أو ضيق صدر إلا بزلل أعرفه حتى يمكنني أن وربما تأولت فيه بعد فأرى العقوبة‏.‏ فينبغي للإنسان أن يترقب جزاء الذنوب فقل أن يسلم منه‏.‏ وليجتهد في التوبة فقد روي في الحديث ما من شيء أسرع لحاقاً بشيء من حسنة حديثة لذنب قديم‏.‏ ومع التوبة يكون خائفاً من المؤاخذة متوقعاً لها فإن لله تعالى قد تاب على الأنبياء عليهم السلام‏.‏ وفي حديث الشفاعة يقول آدم ذنبي ويقول إبراهيم وموسى ذنبي‏.‏

انطلاقا من هذا، فإن لخوف العقوبة العاجلة تأثيرها التربوي العظيم في علاج هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر، ولذلك قدم القرآن الكريم هذا المصير أو هذه العقوبة على عقوبة الآخرة، فقال تعالى:{ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} (النساء:9)

فمن التفاسير الواردة في الآية([42]) ما حكاه ابن جرير عن ابن عباس، من أنها خطاب للمتكفلين باليتامى، أي كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذراريهم إذا وليتهم، قال ابن كثير:(وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلماً)

وهو أسلوب قرآني يستنفر الخيال المؤيد بالعقل ليقاوم ما تأصل من المنكرات، ومثله ما ورد في سورة البقرة من قوله تعالى:{ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} (البقرة:266)

فالآية الكريمة ترسم صورة حية لمن يفسد صدقته بالمن والأذى بمن يملك جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار، له فيها من كل الثمرات فهي كالصدقة في طبيعتها وفي آثارها ذات روح وظل، وذات خير وبركة، وذات غذاء وري، وذات زكاة ونماء، (فمن ذا الذي يود أن تكون له هذه الجنة – أو هذه الحسنة – ثم يرسل عليها المن والأذى يمحقها محقا، كما يمحق الجنة الإعصار فيه نار ومتى؟ في أشد ساعاته عجزا عن إنقاذها، وحاجة إلى ظلها ونعمائها ! وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء. فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت.. من ذا الذي يود هذا؟ ومن ذا الذي يفكر في ذلك المصير ثم لا يتقيه)([43])

ومثل هذا هذه الآية، فهي تدعو إلى نظرة إلى المستقبل عندما يحل بالوصي على اليتيم ما حل بوالد اليتامى الذين يكفلهم، فهل يود هذا الوصي أن يحل بأولاده ما لا يرضى، يقول سيد قطب:(وهكذا تمس اللمسة الأولى شغاف القلوب. قلوب الآباء المرهفة الحساسية تجاه ذريتهم الصغار. بتصور ذريتهم الضعاف مكسوري الجناح، لا راحم لهم ولا عاصم. كي يعطفهم هذا التصور على اليتامى الذين وكلت إليهم أقدارهم، بعد أن فقدوا الآباء. فهم لا يدرون أن تكون ذريتهم غدا موكولة إلى من بعدهم من الأحياء، كما وكلت إليهم هم أقدار هؤلاء.. مع توصيتهم بتقوى الله فيمن ولاهم الله عليهم من الصغار، لعل الله أن يهييء لصغارهم من يتولى أمرهم بالتقوى والتحرج والحنان. وتوصيتهم كذلك بأن يقولوا في شأن اليتامى قولا سديدا، وهم يربونهم ويرعونهم كما يرعون أموالهم ومتاعهم)([44])

ولهذا أخبر القرآن الكريم بأن صلاح الأب كان سببا في حفظ مال الغلامين اللذين ورد ذكرهما في قصة الخضر مع موسى u، بل إن الله أرسل نبيا ووليا ليحفظ لهما مالهما، قال تعالى:{ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } (الكهف:82)

وأخرج ابن جرير عن الشيباني قال: كنا بالقسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محيريز، وابن الديلمي، وهانئ بن كلثوم، فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فضقت ذرعا بما سمعت فقلت لابن الديلمي: يا أبا بشر يودني أنه لا يولد لي ولد أبدا. فضرب بيده على منكبي وقال: يا ابن أخي لا تفعل، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل وهي خارجة إن شاء وإن أبى. قال: ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدك من بعدك حفظهم الله فيك؟ قلت: بلى. فتلا علي هذه الآية:{ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} (النساء:9))([45])

وفي الآية إشارة أخرى، قال القرطبي:(ففيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه، وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذريته؛ وعلى هذا يدل قوله تعالى:{ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} (لأعراف:196))([46])

وقد قال ابن عباس:(إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده ويحفظه في ذريته والدويرات حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية)([47])

بل نص على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الله يصلح بصلاح الرجل الصالح ولده وولد ولده وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم)([48])

الترهيب الأخروي: وقد ورد في نصوص كثيرة، منها هذا المشهد المرعب الذي ينص عليه قوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} (النساء:10)

فالآية تخبر أن ما يأكله الأوصياء من أموال اليتامى إنما يأكلون في الحقيقة نارا تتأجج في بطونهم يوم القيامة، يقول سيد قطب:(أما اللمسة الثانية، فهي صورة مفزعة:صورة النار في البطون، وصورة السعير في نهاية المطاف، إن هذا المال نار، وإنهم ليأكلون هذه النار. وإن مصيرهم لإلى النار فهي النار تشوي البطون وتشوي الجلود. هي النار من باطن وظاهر. هي النار مجسمة حتى لتكاد تحسها البطون والجلود، وحتى لتكاد تراها العيون، وهي تشوي البطون والجلود)([49])

وقد عبر تعالى بالأكل، والمراد كل أنواع الإتلاف، لأن ضرر اليتيم لا يختلف بكون إتلاف ماله بأكل أو غيره([50]).

وقد ورد في الآثار زيادة تفاصيل لهذا المشهد الذي صوره القرآن الكريم، قال السدي:(يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه بأكل مال اليتيم)

وقد فسر صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بقوله:(يبعث يوم القيامة قوم في قبورهم تأجج أفواههم نارا، فقيل من هم يا رسول الله؟ قال: ألم تر أن الله يقول:{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} (النساء:10))([51])

ومما رآه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المعراج، قال:(فإذا أنا برجال قد وكل بهم رجال يفكون لحاهم، وآخرون يجيئون بالصخور من النار فيقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم. فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا)([52])

وروى أبو سعيد الخدري قال: حدثنا النبي صلى الله عليه وآله وسلمعن ليلة أسري به قال:(رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم، فقلت:(يا جبريل من هؤلاء)قال:(هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما)

وقد كان لهذه النصوص أثرها في نفوس المسلمين، حيث هزتهم هزة عنيفة ألقت عنها هذه الرواسب. وأشاعت فيها الخوف والتحرج والتقوى والحذر من المساس – أي مساس – بأموال اليتامى، وكأنهم صاروا يرون فيها النار التي حدثهم الله عنها في هذه النصوص عنها فصاروا يجفلون أن يمسوها ويبالغون في هذا الإجفال([53]).

ومما ورد من الآثار الدالة على ذلك ما روي عن ابن عباس قال: لما نزلت:{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} (النساء:10)انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء، فيحبس له، حتى يأكله أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله:{ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:220)، فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم)

انطلاقا من هذا، جاءت التشريعات المختلفة لخدمة هذا الغرض، وخدمة لما ورد في التوجيهات من الحرص على أموال اليتامى.

وبما أن هذا المبحث يتداخل في كثير من تفاصيله بأبواب (فقه المال)إلا أنا سنحاول هنا الاقتصار على ما تمس إليه الحاجة من التفاصيل الخاصة بحفظ مال اليتامى، وهما جهتان:

الأولى: تبيين المظاهر التي قد يستغل فيها مال اليتيم للتحذير منها.

الثانية: تبيين التصرفات الصالحة التي قد يستثمر فيها مال اليتيم خدمة لمصالحه.

وقد خصصنا كل ناحية من هاتين الناحيتين بمطلب خاص.

1 ـ مظاهر الظلم في أكل أموال اليتامى

نص القرآن الكريم على بعض أصول استغلال اليتامى، والتي يمكن أن يقاس عليها غيرها، فقال تعالى:{ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} (النساء:2) فقد نصت هذه الآية على مظهرين من مظاهر أكل مال اليتامى، هما: خلط مال اليتامى بمال الولي، والثاني استبدال الجيد من الأموال بالرديء.

ونص قوله قوله تعالى:{ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوف)(النساء:6)على مظهر ثالث وهو المسارعة بأكلها قبل أن يكبر اليتيم.

ونص قوله تعالى:{ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً }(النساء: 127)على مظهر رابع، وهو تزوج اليتيمة رغبة في مالها، فعن عائشة: أن هذه الآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فإن كان لها مال وجمال تزوجها ولم يقسط في صداقها؛ فإن لم يكن لها مال لم يتزوجها، فنهى أن يتزوجها حتى يقسط في صداقها، من أجل رغبته عن نكاحها إذا لم يكن لها مال)

وسنتحدث في هذا المطلب عن هذه المظاهر الأربعة([54]):

استبدال الجيد بالرديء:

وقد نص على هذا النوع من التحايل على أكل أموال اليتامى قوله تعالى:{ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ } (النساء:2)

فالخبيث هو ما نفرت النفس منه، أو لم تقبله إلا بعد أن يتنازل عن شيء من ثمنه، كما قال تعالى:{ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ } (البقرة:267)

فكذلك قد يفعل المحتال على أكل أموال اليتامى حيث يسارع قبل بلوغ الصبي، فيبدل أمواله الجيدة بماله الرديء، كأن يأخذ أرضهم الجيدة، ويبدلها بأرض رديئة، أو ماشيتهم، أو أسهمهم، أو نقودهم – وفي النقد الجيد ذو القيمة العالية والرديء ذو القيمة الهابطة – أو أي نوع من أنواع المال، فيه الجيد وفيه الرديء، كما روي عن سعيد بن المسيب في تفسير الآية السابقة:(لا تعط مهزولا وتأخذ سمينا)([55]) وعن إبراهيم النخعي أنه قال:(لا تعط زائفا وتأخذ جيدا)([56])

وقد روي أن ذلك كان من فعل الجاهلية، فعن السدي في الآية قال:(كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة، ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم)

خلط الأموال:

وهو ما يشير إليه قوله تعالى:{ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} (النساء:2)، قال مجاهد وسعيد بن جبير:(أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعاً)، { حوباً كبيرا } قال ابن عباس: أي إثماً عظيماً.

ففي هذ الآية تحريم لخلط الأموال بغرض الاستيلاء على مال اليتيم.

استغلال مال اليتامى في الحاجات المتعلقة بالولي:

ولا نريد بهذا أكل مال اليتامى، والذي اتفق الفقهاء جميعا على تحريمه، وإنما نريد به استغلال بعض مال اليتامى في بعض الحاجات الخاصة بالولي كأكله وركوبه وسكنه ونحو ذلك.

وقد نص تحريم هذا المظهر من مظاهر الأكل في قوله تعالى:{ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوف)(النساء:6)

وهي من الآيات المتشابهات اللاتي يحملن معاني مختلفة، ولذلك حصل الخلاف بني السلف والخلف في تأويلها، وبناء على ذلك حصل الخلاف الفقهي فيما يستنبط منها:

ولذلك سننطلق من الخلاف الوارد في الآية لنتحدث عن بعض المسائل المرتبطة بهذا النوع:

المخاطب بالآية:

اختلف العلماء في المخاطب بهذه الآية على الأقوال التالية:

القول الأول: ولي اليتيم الذي يقوم عليه ومصلحه إذا كان محتاجا جاز أن يأكل منه، وهو قول الجمهور، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ عن عائشة في قوله تعالى:{ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } (النساء:6) قالت:(نزلت في ولي اليتيم الذي يقوم عليه ومصلحه إذا كان محتاجا جاز أن يأكل منه)([57])، في رواية: بقدر ماله بالمعروف.

2 ـ قوله تعالى:{ وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء:6) بين الله تعالى ما يحل لهم من أموالهم؛ فأمر الغني بالإمساك وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال وليه بالمعروف.

3 ـ أن اليتيم لا يخاطب بالتصرف في ماله لصغره ولسفهه.

4 ـ أنه يقال: عف الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك. والاستعفاف عن الشيء تركه، ومنه قوله تعالى:{ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } (النور:33)والعفة: الامتناع عما لا يحل ولا يجب فعله.

5 ـ روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم.فقال صلى الله عليه وآله وسلم (كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مباذر ولا متأثل)([58])

القول الثاني: اليتيم إن كان غنيا وسع عليه وأعف عن ماله، وإن كان فقيرا أنفق عليه بقدره، وهو قول ربيعة ويحيى بن سعيد، وهو قول ابن حزم كما سنرى.

القول الثالث: ولي اليتيم، ولكن بأن يأكل من مال نفسه لا من مال اليتيم، وهو قول ابن عباس والنخعي، قالا:(المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم؛ فيستعفف الغنى بغناه، والفقير يقتر على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه)

وقد رجح هذا القول النحاس، فقال:(وهذا من أحسن ما روي في تفسير الآية؛ لأن أموال الناس محظورة لا يطلق شيء منها إلا بحجة قاطعة)

واختار هذا القول الكيا الطبري؛ واستدل له بقوله:(توهم متوهمون من السلف بحكم الآية أن للوصي أن يأكل من مال الصبي قدرا لا ينتهى إلى حد السرف، وذلك خلاف ما أمر الله تعالى به من قوله:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }(النساء:29) ولا يتحقق ذلك في مال اليتيم. فقوله:{ وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } (النساء:6)يرجع إلى أكل مال نفسه دون مال اليتيم. فمعناه ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم، بل اقتصروا على أكل أموالكم، وقد دل عليه قوله تعالى:{ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً} (النساء:2)وبان بقوله تعالى:{ وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } (النساء:6)الاقتصار على البلغة، حتى لا يحتاج إلى أكل مال اليتيم؛ فهذا تمام معنى الآية. فقد وجدنا آيات محكمات تمنع أكل مال الغير دون رضاه، سيما في حق اليتيم. وقد وجدنا هذه الآية محتملة للمعاني، فحملها على موجب الآيات المحكمات متعين)([59])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن النص يحتمل كل المعاني الواردة، بل لا مانع أن يريدها جميعا:

فعلى القول الأول، يكون المعنى جواز الأكل من مال اليتيم بالشروط والضوابط التي سنذكرها.. وعلى القول الثاني، يكون المعنى التشديد في أكل مال اليتامى، الذي هو الأصل المحكم، زيادة على أن المعروف الذي نصت عليه الآية قد يتوسع فيه فيتضرر اليتيم بذلك.. وعلى القول الثالث دلالة الولي على البديل الصحيح عن أكل مال اليتامى.

وهذه المسألة ترتبط بالمسألة التالية، فينظر إلى تفاصيل أدلتها.

ما هو الأكل بالمعروف:

اختلف الفقهاء في المراد من الأكل بالمعروف على أقوال كثيرة، منها:

القول الأول: هو القرض إذا احتاج ويقضى إذا أيسر؛ ولا يستسلف أكثر من حاجته، وهو قول عمر وابن عباس وعبيدة وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية، وهو قول الأوزاعي.

القول الثاني: لا قضاء على الوصي الفقير فيما يأكل بالمعروف، وقد روي عن إبراهيم وعطاء والحسن البصري والنخعي وقتادة ؛ لأن ذلك حق النظر، واستدلوا على ذلك بأن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف؛ لأن الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله. فلا حجة للمخالفبن في قول عمر:(فإذا أيسرت قضيت)لو صح.

القول الثالث: أن الأكل بالمعروف هو كالانتفاع بألبان المواشي، وركوب الدواب إذا لم يضر بأصل المال؛ كما يهنأ الجرباء، وينشد الضالة، ويلوط الحوض، ويجذ التمر، فأما أعيان الأموال وأصولها فليس للوصي أخذها، وقد روي عن ابن عباس وأبي العالية والشعبي.

القول الرابع: يأخذ بقدر أجر عمله؛ وأن ذلك هو المعروف، ولا قضاء عليه، والزيادة على ذلك محرمة، قال ابن حزم:(ولا يحل للوصي أن يأكل من مال من إلى نظره مطارفة، لكن إن احتاج استأجره له الحاكم بأجرة مثل عمله)، واستدل على ذلك بقوله تعالى:{ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (الأنعام:152)، فإن ذكروا قول الله تعالى:{ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } (النساء:6)، قال ابن حزم:(قلنا: قد قال بعض السلف: إن هذا الأكل المأمور به إنما هو في مال نفسه، لا في مال اليتيم – وهو الأظهر ؛ لأن الله تعالى يقول:{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} (النساء:10) فهي حرام أشد التحريم إلا على سبيل الأجرة أو البيع اللذين أباحهما الله تعالى)([60])

القول الخامس: التفريق بين وصي الأب والحاكم؛ فلوصي الأب أن يأكل بالمعروف، وأما وصي الحاكم فلا سبيل له إلى المال ؛ وهو قول الحسن بن صالح بن حي.

القول السادس: ليس له أن يأخذ قرضا ولا غيره، وهو قول مجاهد، واستدلوا على ذلك بأن الآية منسوخة، نسخها قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النساء:29)وهذا ليس بتجارة.

وهو قول زيد بن أسلم، فقد قال: إن الرخصة في هذه الآية منسوخة يالآية السابقة.

القول السابع: التفريق بين الحضر والسفر؛ فيمنع إذا كان مقيما معه في المصر. فإذا احتاج أن يسافر من أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه، ولا يقتني شيئا؛ وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد.

القول الثامن: مما يجني من الغلة؛ فأما المال الناض فليس له أن يأخذ منه شيئا قرضا ولا غيره، وهو قول أبي قلابة.

القول التاسع: من كان فقيرا يأكل بالمعروف إذا احتاج واضطر، وقد رواه عكرمة عن ابن عباس، وقال الشعبي: كذلك إذا كان منه بمنزلة الدم ولحم الخنزير أخذ منه؛ فإن وجد أوفى. قال النحاس: وهذا لا معنى له لأنه إذا اضطر هزا الاضطرار كان له أخذ ما يقيمه من مال يتيمه أو غيره من قريب أو بعيد.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن أكثر هذه الأقوال مما يصح القول به ما عدا القول بأن له الحق في أكل مال اليتيم باعتباره وصيا عليه، فإن هذا مما لا دليل عليه، وقد تشدد القرطبي في الرد على ذلك القول، ومما ذكره في الرد على الاعتراض القائل بأن (القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين، فهلا كان الوصي كذلك إذا عمل لليتيم، ولم لا يأخذ الأجرة بقدر عمله؟)([61]) بوجهين:

الوجه الأول: أن أحدا من السلف لم يجوز للوصي أن يأخذ من مال الصبي مع غنى الوصي، بخلاف القاضي؛ فذلك فارق بين المسألتين.

الوجه الثاني: أن الذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء القائمون بأمور الإسلام لا يتعين له مالك. وقد جعل الله ذلك المال الضائع لأصناف بأوصاف، والقضاة من جملتهم، والوصي إنما يأخذ بعمله مال شخص معين من غير رضاه؛ وعمله مجهول وأجرته مجهولة وذلك بعيد عن الاستحقاق.

ثم ذكر عن شيخه أبي العباس قوله:(إن كان مال اليتيم كثيرا يحتاج إلى كبير قيام عليه بحيث يشغل الولي عن حاجاته ومهماته فرض له فيه أجر عمله، وإن كان تافها لا يشغله عن حاجاته فلا يأكل منه شيئا؛ غير أنه يستحب له شرب قليل اللبن وأكل القليل من الطعام والسمن، غير مضر به ولا مستكثر له، بل على ما جرت العادة بالمسامحة فيه. قال شيخنا: وما ذكرته من الأجرة، ونيل اليسير من التمر واللبن كل واحد منهما معروف؛ فصلح حمل الآية على ذلك. والله أعلم)، ثم قال معلقا عليه:(قلت: والاحتراز عنه أفضل، إن شاء الله)([62])

ثم تكلم على ما يأخذه القضاة كرسم، فقال:(وأما ما يأخذه قاضي القسمة ويسميه رسما ونهب أتباعه فلا أدرى له وجها ولا حلا، وهم داخلون في عموم قوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} (النساء:10))

ومثل هذا القول الأقوال التي تصب فيه كالتفريق بين وصي الأب والحاكم؛ فلوصي الأب أن يأكل بالمعروف، وأما وصي الحاكم فلا سبيل له إلى المال، أو كالأكل مما يجني من الغلة؛ فأما المال الناض فليس له أن يأخذ منه شيئا قرضا ولا غيره.

أما ما عدا ذلك كالتفريق بين الحضر والسفر؛ فيمنع إذا كان مقيما معه في المصر، فإذا احتاج أن يسافر من أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه من غير أن يقتني شيئا، أو القرض إذا احتاج ويقضى إذا أيسر؛ ولا يستسلف أكثر من حاجته، أو الانتفاع بألبان المواشي، وركوب الدواب إذا لم يضر بأصل المال، فكل ذلك مما يحتمل النص جوازه لعدم الضرر على مال اليتيم، زيادة على أن اليتيم قد ينتفع أيضا بمال الولي فلذلك لا مانع أن ينتفع الولي ببعض ماله ـ على هذه الصورة ـ سواء بسواء.

ويدل لهذا قوله تعالى:{ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:220)

وقد روي في سبب نزولها ما يدل على هذا، فعن ابن عباس قال:(لما أنزل الله تعالى:{وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }(الأنعام:152)وقوه تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} (النساء:10)، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له، حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:220)، فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه)([63])

ولكن أخذ الأجرة على عمله لا يكون إلا في حالة واحدة، وهي ما نص عليه ابن حزم بقوله:(ولا يحل للوصي أن يأكل من مال من إلى نظره مطارفة، لكن إن احتاج استأجره له الحاكم بأجرة مثل عمله)

وذلك لا يكون إلا في حالة كثرة مال اليتيم واحتياجه إلى عناية خاصة، أو تفرغ تام، أو احتاج إلى بذل جهد لاستثماره، فيأخذ جزءا من الفائدة، باعتباره مستثمرا لذلك المال([64]).

تزوج اليتيمة للاستيلاء على مالها

 وهو ما نص قوله تعالى:{ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً }(النساء: 127)، فعن عائشة: أن هذه الآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فإن كان لها مال وجمال تزوجها ولم يقسط في صداقها؛ فإن لم يكن لها مال لم يتزوجها، فنهى أن يتزوجها حتى يقسط في صداقها، من أجل رغبته عن نكاحها إذا لم يكن لها مال)([65])

ونص على هذا كذلك قوله تعالى:{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} (النساء:3)، أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفي النفقة عليهن فانكحوا ما طاب لكم من غيرهن.

ويدل لهذا ما روي عن عائشة في تفسيرها:(هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ماله فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن)([66])

وقد اختلف الفقهاء هنا في مسألة لها خطورتها، وهي تزوج الولي من اليتيمة قبل بلوغها، هل يصح أم لا على الأقوال التالية:

القول الأول: تزوج بإذنها وإذن أخيها، وليس لها الخيار إذا بلغت، قال ابن تيمية:(وهو مذهب أحمد المنصوص عنه في أكثر أجوبته، الذي عليه عامة أصحابه)، وقد انتصر لهذا ابن تيمية، ومما استدل به لذلك:

1 ـ قوله تعالى:{ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً }(النساء: 127)، وقد فسرتها عائشة بأن هذه الآية نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها، فإن كان لها مال وجمال تزوجها ولم يقسط في صداقها؛ فإن لم يكن لها مال لم يتزوجها، فنهى أن يتزوجها حتى يقس يقسط في صداقها، من أجل رغبته عن نكاحها إذا لم يكن لها مال.

2 ـ ما ثبت في السنن: من حديث أبي موسى، وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا تنكح اليتيمة حتى تستأذن، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت فلا جواز عليها) فيجوز تزويجها بإذنها، ومنعه بدون إذنها، وهذا مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يُتْم بعد احتلام) ولو أريد (باليتيم)ما بعد البلوغ؛ فبطريق المجاز؛ فلا بد أن يعم ما قبل البلوغ وما بعده. أما تخصيص لفظ (اليتيم)بما بعد البلوغ فلا يحتمله اللفظ بحال.

3 ـ أن الصغير المميز يصح لفظه مع إذن وليه، كما يصح إحرامه بالحج بإذن الولي، وكما يصح تصرفه في البيع وغيره بإذن وليه: عند أكثر العلماء، كما دل على ذلك القرآن بقوله تعالى:{ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} (النساء:6)، فأمر بالابتلاء قبل البلوغ؛ وذلك قد لا يأتي إلا بالبيع ـ ولا تصح وصيته وتدبيره عند الجمهور ـ وكذلك إسلامه؛ كما يصح صومه وصيته وغير ذلك لما له في ذلك من المنفعة.

القول الثاني: تزوج بلا إذنها، ولها الخيار إذا بلغت، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية، وهو أحد القولين في مذهب مالك، واستدلوا لهذا، بأنها تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة؛ بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطها عن صداق مثلها؛ لأنها تختار ذلك فيجوز إجماعا.

القول الثالث: أنها لا تزوج حتى تبلغ، إذا لم يكن لها أب وجد، وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى، لأنه ليس لها ولي يجبر، وهي في نفسها لا إذن لها قبل البلوغ؛ فتعذر تزويجها بإذنها وإذن وليها، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله تعالى:{ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء}(النساء:127والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير؛ فكذلك اسم النساء، والمرأة لا يتناول الصغيرة. وقد قال تعالى:{ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} (النساء:127)والمراد به هناك اليتامى هنا؛ كما قالت عائشة فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية فلا تزوج إلا بإذنها.

2 ـ أنه لا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تزوج إلا بإذنها.

3 ـ عن ابن عمر قال: زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها، فأرغبها في المال وخطبها إليها، فرفع شأنها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال قدامة: يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر بها، زوجتها من قد علمت فضله وقرابته. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها) فنزعت مني وزوجها المغيرة بن شعبة([67]).

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذكرناه سابقا من أن زواجها مرتبط أولا بإذنها، ومن الكفء الصالح لها، من غير إعطاء أهمية كبيرة للمهر في ذلك، لأن الكفاءة مقدمة على المهر.

لكن زواجها قبل البلوغ لا نرى صحته إلا إذا اقتضت ظروف معينة ذلك، فلا حرج فيه، ولكنه في الحالة العامة يجب تأخيره، لأن الإذن لا يكون إلا من بالغ عاقل، فالصبى مانع من كمال العقل.

2 ـ التصرف المصلحي في أموال اليتامى

ويدل لهذا قوله تعالى:{ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ } (البقرة:220)، فقد دلت الآية على أن الولي الصالح هو الذي يبحث عن مصالح اليتامى مطلقا، ومن تلك المصالح التصرف في مالهم بما يزيده ويثمره ويحفظه.

استثمار أموال اليتامى:

وانطلاقا من هذا تحدث الفقهاء في استثمار أموال اليتامى وشروطه، والتي سنكتفي منها هنا بالحكم دون الشروط لخضوعها في كثير من تفاصيلها لأحكام (فقه المال)

أما الحكم، فقد اتفق الفقهاء على جواز الاتجار في مال اليتيم أ ودفعه إلى من يتاجر به، واختلفوا في استحباب ذلك أو كراهته على قولين:

القول الأول: أنه يستحب لولي اليتيم أن يفعل ذلك بنفسه أو يدفعه إلى من يتاجر به، وهو قول عمر وعائشة وابن عمر والنخعي والضحاك والحسن بن صالح ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ عن يوسف بن ماهَك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(ابتغوا في مال اليتيم – أو في أموال اليتامى – لا تذهبها – أولا تستهلكها – الصدقة)([68])

2 ـ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(اتّجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة)([69])

3 ـ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(من ولي يتيمًا فليتّجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة)([70])، وصح هذا المعنى موقوفًا على أمير المؤمنين عمر، فقد روي عن سعيد بن المسيب أن عمر قال:(ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة)([71])

4 ـ أن ذلك أحظ للمولى عليه لتكون نفقته من فاضله وربحه كما يفعله البالغون في أموالهم وأموال من يعز عليهم من أولادهم.

القول الثاني: كراهة ذلك، وهو قول الحسن، قال ابن قدامة:(ولا نعلم أحدا كرهه إلا ما روي عن الحسن، ولعله أراد اجتناب المخاطرة به، ولأن خزنه أحفظ له)([72])

القول الثالث: أنها واجبة بقدر النفقة والزكاة، وهو قول للشافعية، قال السبكي:(اختلف الأصحاب في التجارة بمال اليتيم هل هي واجبة، أو مستحبة؟، والأصح في المذهب أنها واجبة بقدر النفقة والزكاة، وينبغي أن يكون مراد الأصحاب من هذا التقدير أن الزائد لا يجب، ويقتصر الوجوب على هذا المقدار)([73])

واستدلوا على ذلك بظاهر الأمر في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(اتجروا في أموال اليتامى كي لا تأكلها الصدقة، أو النفقة)([74])

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة أن يوكل ذلك لولي أمر المسلمين الذي قد يحتاج إلى وضع ديوان خاص بهذا النوع من الأموال ليستثمرها في النواحي التي يراها تعود بالفائدة المحضة على اليتيم ومن كان في حكمه.

أما ترك ذلك للولي، والذي قد يغامر بأموال اليتيم، ففيه من الخطورة ما فيه، زيادة على أن الشرع أوجب بالإشهاد على دفع الأموال، فكيف يشهد هذا الشخص بعد ذلك.

وقد أيد السبكي هذا القول معلقا على ما ذهب إليه بعض الشافعية بقوله:(ولا شك أن ذلك مشروط بالإمكان، والتيسير، والسهولة، أما إنه يجب على الولي ذلك، ولا بد فلا يمكن القول به ؛ لأنا نرى التجار الحاذقين أرباب الأموال يكدون أنفسهم لمصالحهم، ولا يقدرون في الغالب على كسبهم من الفائدة بقدر كلفتهم)([75])

ثم بين سبب قول بعض الشافعية ذلك، فقال:(ولعل هذا قاله الأصحاب حين كان الكسب متيسرا، ولا مكس، ولا ظلم، ولا خوف، وأما اليوم فهذا أعز شيء يكون، وكثير من التجار يخسرون، ولو كان كل من معه مال يقدر أن يستنميه بقدر نفقته كانوا هم سعداء، ونحن نرى أكثرهم معسرين، والإنسان يشفق على نفسه أكثر من كل أحد فلو كان ذلك ممكنا لفعلوه فكيف يكلف به، ولي اليتيم، وإنما يحمل كلام الأصحاب على معنى أن ذلك واجب عند السهولة، والزائد عليه لا يجب عند السهولة، ولا عند غيرها)

ويتأكد ما ذكرناه من ترجيح بعد معرفة ما أورده الفقهاء من شروط، قال السبكي:(وقد شرط الأصحاب في جواز التجارة لليتيم شروطا، ومع ذلك هي عند اجتماع الشروط خطرة ؛ لأن الأسعار غير موثوق بها، وقد يشتري سلعة فتكسد، ويحتاج اليتيم إلى نفقة فيضطر إلى بيعها بخسران، أو يترشد فيدعي عليه أن شراءها كان على خلاف المصلحة، أو بتسلط الظلمة على الولي فيما يطرحونه من أموالهم على من له عادة بالشراء، ويلزمونه أن يشتريه لليتيم، ولا يقدر على دفعهم)([76])

ولهذا، رجح السبكي أن يوكل الأمر إلى الولي، قال:(فينبغي لولي اليتيم أن يجتهد، وحيث غلب على ظنه غلبة قوة مصلحة اليتيم التي أشار الشارع إليها يفعلها، وهو مع ذلك تحت هذا الخطر الدنيوي، وبحسب قصده يعينه الله عليه)

ويدل لهذا من النصوص قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر:(إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال اليتيم)([77])

وقد ذكر السبكي صورة لكيفية استثمار اموال اليتامى في عهده([78])، وهي صورة مختلف فيها، ولكنها تشير إلى اهتمام المجتمع الإسلامي برعاية أموال اليتامى واستثمارها، قال:(أما المعاملة التي يعتمدونها في هذا الزمان، وصورتها أن يأتي شخص إلى ديوان الأيتام فيطلب منهم مثلا ألفا، ويتفق معهم على فائدتها مائتين، أو أكثر، أو أقل فيأتي بسلعة تساوي ألفا يبيعها منهم على يتيم بألف، ويقبضها من ماله، ويقبضهم تلك السلعة ثم يشتريها منهم بألف، ومائتين إلى أجل، ويرهن عندهم رهنا عليها فيحصل له مقصوده، وهو أخذ الألف بألف، ومائتين في ذمته إلى أجل، ويجعلون توسط هذه المعاملة حذرا من الربا، أو يشتروا سلعة من أجنبي بألف، ويقبضوه الألف، ويقبضوا السلعة ثم يبيعوها من الطالب بألف، ومائتين إلى أجل ثم يبيعها هو من صاحبها بتلك الألف التي أخذها فيحصل المقصود أيضا، وهذه المعاملة باطلة عند المالكية والحنابلة، وبعض أصحابنا، صحيحة عندنا، وعند الحنفية، وهي عندنا مع صحتها مكروهة كراهة تنزيه. والقائلون ببطلانها من أصحابنا طائفتان: إحداهما من يقول ببطلان بيع العينة، والثانية من يقول بأن مال اليتيم لا يباع بالنسيئة إلا إذا تعجل قدر رأس المال، إذا عرف ذلك فهذه المعاملة لم ينص الفقهاء على أنها تفعل في مال اليتيم)

وبين سبب لجوء ديوان الأيتام إلى هذه المعاملة مع كونه من المختلف فيه، فقال:(وإنما ديوان الأيتام سلكوها لكون الربح فيها معلوما)([79])

وقد نستنبط من هذا رأيا نكل علمه إلى الله، وهو أنه قد يقال بجواز وضع أموال اليتامى في البنوك، ولو كانت ربوية في أصلها، بنية الاستثمار، خاصة إن كان في معاملاتها ما هو حلال، وذلك في حال عدم توفر البدائل الإسلامية الشرعية، وذلك حرصا على مال اليتيم، باعتبار أن الفائدة في تلك البنوك فائدة محضة، وليس هناك محل للخسارة، وهذا كحل أخير يمكن اللجوء إليه.

ولكن السبكي مع ذلك يرى من الورع الابتعاد عن تلك المعاملة ومثيلاتها من المختلف فيه، باعتبار أن من مصالح الصبي صيانته عن الشبهة، قال:(من مصالح الصبي أن الولي يصونه عن أكل ما فيه شبهة، وعن أن يخلط ماله به، ويحرص على إطعامه الحلال المحض، وعلى أن يكون ماله كله منه، وهي مصلحة أخروية، ودنيوية ؛ أما أخروية فظاهر ؛ لأنه وإن لم يكن مكلفا لكن الجسد النابت من الحلال الطيب أزكى عند الله، وأعلى درجة في الآخرة من غيره، وأما دنيوية فإن الجسد الناشئ على الحلال ينشأ على خير فيحصل له مصالح الدنيا، والآخرة، وقد يكون بتركه اجتناب الشبهات يبارك الله له في القليل الحلال فيكفيه، ويرزقه من حيث لا يحتسب فهذه المصالح محققة، والفائدة الدنيوية التي يكتسبها بالمعاملة دنيوية محضة فتعارضت مصلحتان أخروية، ودنيوية، ورعاية الآخرة أولى من رعاية الدنيا فكان الأحوط، والأصلح لليتيم ترك هذه المعاملة)

بل إنه لم يكتف بهذا القول، بل راح يدلل على وجوب تركها، فقال مستدلا لذلك:(وقد يزاد فيقال: يجب تركها لقوله تعالى:{ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (الأنعام:152، فالأحسن في الدنيا والآخرة حلال قطعا، وغير الأحسن فيهما يمنع قطعا، والأحسن في الآخرة دون الدنيا إذا راعينا مصلحة الآخرة، وقدمناها على الدنيا صار أحسن من الآخرة فهو أحسن مطلقا، فإن تيسر متجر ابتغى فعله، وإلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ويأكل ماله خير من أن يأكله غيره)

ومع ذلك لم ينص على تحريمها مع تشدده في وجوب تركها، وقد بين العلة المقاصدية لذلك بقوله:(واعلم أنى مع ذلك كله منعني من إطلاق القول بتحريم المعاملة شيء، وهو أيضا نافع لي من القول بأن تركها أولى مطلقا بل أقول: إن ذلك يفوض إلى رأي الولي، ودينه، وعلمه، ويختلف اختلافا كثيرا بحسب الجزئيات لا ينضبط فعليه التحري، فإذا كان مال اليتيم مالا كثيرا، ولا يؤدي ترك المعاملة إلى إجحاف به فههنا يستحب، أو يجب ترك المعاملة، وإذا كان ماله قليلا، ويغلب على الظن أنه لو لم يعامل له فيه لنفد، وضاع اليتيم، ووجدنا معاملة مأمونة سريعة فههنا تستحب المعاملة، أو تجب، ويحتمل انسياب الشبهة في مقابلة هذه المصلحة، ولا يستنكر ذلك)([80])

الحجر على تصرفات اليتيم في ماله:

ما ذكرته النصوص من الأحكام المتعلقة باليتامى خاصة بمن توفر فيه أمران:

فقد الأب لا الأم:

فمن فقد أمه فقط لا يطلق عليه يتيما في أظهر الأقوال لعدم جريان أحكام اليتامى عليه، قال الجصاص:(اليتيم المنفرد عن أحد أبويه، فقد يكون يتيما من الأم مع بقاء الأب، وقد يكون يتيما من الأب مع بقاء الأم؛ إلا أن الأظهر عند الإطلاق هو اليتيم من الأب، وإن كانت الأم باقية، ولا يكاد يوجد الإطلاق في اليتيم من الأم إذا كان الأب باقيا)([81])

وعلل ابن العربي ذلك بقوله:(إن اليتيم هو في اللغة عبارة عن المنفرد من أبيه، وقد يطلق فيها على المنفرد من أمه، والأول: أظهر لغة، وعليه وردت الأخبار والآثار، ولأن الذي فقد أباه عدم النصرة، والذي فقد أمه عدم الحضانة، وقد تنصر الأم لكن نصرة الأب أكثر، وقد يحضن الأب لكن الأم أرفق حضانة)([82])

كونه صبيا:

أي أن يكون يتمه قبل البلوغ، فلا يطلق ذلك عليه بعد البلوغ إلا على وجه المجاز لقرب عهده باليتم.

وقد روي في هذا حديث تكلم فيه العلماء، وهو (لا يتم بعد الحلم)([83])

ولكنه مع ذلك قد تجري عليه بعض أحكام اليتامى، خاصة فيما يتعلق بالتصرفات المالية، لأن الشرع علقها على الرشد بالإضافة إلى البلوغ، قال تعالى:{ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } (النساء:6)

وقد اختلف الفقهاء هنا في تسليم الأموال لليتامى قبل أن يؤنس رشدهم، وبعد بلوغهم عل الأقوال التالية([84]):

القول الأول: أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، فإذا لم يرشد بعد بلوغ الحلم وإن شاخ لا يزول الحجر، وهو قول جماهير الفقهاء، قال الثعلبي: وهذا الذي ذكرناه من الحجر على السفيه قول عثمان وعلي والزبير وعائشة وابن عباس وعبدالله بن جعفر رضوان الله عليهم، ومن التابعين شريح، وبه قال الفقهاء: مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال الثعلبي: وادعى أصحابنا الإجماع في هذه المسألة، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله تعالى:{ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } (النساء:6)، قال الشافعي مبينا ما يستفاد من الآية:(فدلت هذه الآية على أن الحجر ثابت على اليتامى حتى يجمعوا خصلتين: البلوغ والرشد، فالبلوغ استكمال خمس عشرة سنة الذكر والأنثى في ذلك سواء إلا أن يحتلم الرجل أو تحيض المرأة قبل خمس عشرة سنة فيكون ذلك البلوغ، ودل قول الله تعالى:{ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } (النساء:6) على أنهم إذا جمعوا البلوغ والرشد لم يكن لأحد أن يلي عليهم أموالهم وكانوا أولى بولاية أموالهم من غيرهم وجاز لهم في أموالهم ما يجوز لمن خرج من الولاية ممن ولي فخرج منها أو لم يول وأن الذكر والأنثى فيهما سواء)([85])

2 ـ قوله تعالى:{ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} (البقرة:282)، فهو تنصيص على أن إثبات الولاية على السفيه، وأنه مولى عليه، ولا يكون ذلك إلا بعد الحجر عليه.

3 ـ قوله تعالى:{ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً } (النساء:5)وفي هذا تنصيص على إثبات الحجر عليه بطريق النظر له، فإن الولي الذي يباشر التصرف في ماله على وجه النظر منه له.

4 ـ ما روي أن حبان بن منقذ الأنصاري كان يغبن في البياعات لآمة أصابت رأسه، فسأل أهله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يحجر عليه، فقال: إني لا أصبر عن البيع، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا بايعت، فقل لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام) ([86])، فلو لم يكن الحجر بسبب التبذير في المال مشروعا عرفا لما سأل أهله ذلك، ولما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

5 ـ ما روي أن عبد الله بن جعفر كان يفني ماله في اتخاذ الضيافات حتى اشترى دارا للضيافة بمائة ألف فبلغ ذلك علي بن أبي طالب فقال:(لآتين عثمان ولأسألنه أن يحجر عليه) فاهتم بذلك عبد الله، وجاء إلى الزبير وأخبره بذلك فقال:(أشركني فيها)فأشركه، ثم جاء علي إلى عثمان، وسأله أن يحجر عليه، فقال:(كيف أحجر على رجل شريكه الزبير)([87])، وإنما قال ذلك ؛ لأن الزبير كان معروفا بالكياسة في التجارة، فاستدل برغبته في الشركة على أنه لا غبن في تصرفه، فهذا اتفاق منهم على جواز الحجر بسبب التبذير، فإن عليا سأل وعثمان اشتغل ببيان العذر، واهتم لذلك عبد الله، واحتال الزبير لدفع الحجر عنه بالشركة، فيكون اتفاقا منهم على جواز الحجر بهذا السبب.

6 ـ أنه مبذر في ماله، فيكون محجورا عليه كالصبي بل أولى ؛ لأن الصبي إنما يكون محجورا عليه لتوهم التبذير منه، وقد تحقق التبذير، والإسراف هنا فلأن يكون محجورا عليه أولى.

7 ـ أن للصبي ثلاثة أحوال: حال عدم العقل، وحال نقصان العقل بعد ما صار مميزا وحال السفه، والتبذير بعد ما كمل عقله بأن قارب أوان بلوغه، ثم عدم العقل، ونقصانه بعد البلوغ يساوي عدم العقل ونقصانه قبل البلوغ في استحقاق الحجر به، فكذلك السفه، والبلوغ يساوي السفه قبل البلوغ بعد كمال العقل في استحقاق الحجر به.

القول الثاني: يسقط إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة، فلا يحجر على الحر البالغ إذا بلغ هذه السن، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا إذا كان عاقلا، وهو قول أبي حنيفة([88])، وبه قال زفر بن الهذيل؛ وهو مذهب النخعي، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى:{ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا} (النساء:6)، فقد نهى الولي عن الإسراف في ماله مخافة أن يكبر، فلا يبقى له عليه ولاية، والتنصيص على زوال ولايته عنه بعد الكبر يكون تنصيصا على زوال الحجر عنه بالكبر ؛ لأن الولاية عليه للحاجة، وإنما تنعدم الحاجة إذا صار هو مطلق التصرف بنفسه.

2 ـ آيات الكفارات من الظهار، والقتل، وغيرها، وقد سئل أبو حنيفة عن هذه المسألة فاستدل بتلك الآيات، لأن فيها بيان أن هذه الكفارات تجب على كل من يتحقق منه أسبابها شرعا سفيها كان أو غير سفيه، وارتكاب هذه الأسباب اختيارا نوع من السفه، فدل أنه مع السفه يتصور منه السبب الموجب لاستحقاق المال، ومن ضرورته أن لا يمنع من أداء ما لزمه شرعا وبه يتبين أن الحجر عن التصرفات ليس فيه كثير فائدة لتمكنه من إتلاف جميع ماله بهذه الأسباب.

3 ـ ما رواه قتادة عن أنس أن حبان بن منقذ كان يبتاع وفي عقدته ضعف، فقيل: يا رسول الله احجر عليه؛ فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف. فاستدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلمفقال:(لا تبع)، فقال: لا أصبر. فقال له:(فإذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا)([89]) فلما سأل القوم الحجر عليه لما كان في تصرفه من الغبن ولم يفعل صلى الله عليه وآله وسلم ثبت أن الحجر لا يجوز.

4 ـ أنه حر مخاطب، فيكون مطلق التصرف في ماله كالرشيد وفي هذين الوصفين إشارة إلى أهلية التصرف والمحلية فيه ؛ لأن بكونه مخاطبا نثبت أهلية التصرف، فإن التصرف كلام ملزم وأهلية الكلام بكونه مميزا، والكلام المميز بنفسه بكونه مخاطبا والمحلية تثبت بكونه خالص ملكه، وذلك يثبت باعتبار حرية المالك وبعد ما صدر التصرف من أهله في محله لا يمتنع نفوذه إلا لمانع.

5 ـ أن السفه لا يصلح أن يكون معارضا للحرية، والخطاب في المنع من نفوذ التصرف ؛ لأنه بسبب السفه لا يظهر نقصان عقله، ولكن السفيه يكابر عقله، ويتابع هواه وهذا لا يكون معارضا في حق التصرف كما لا يكون معارضا في توجه الخطاب عليه بحقوق الشرع.

6 ـ أن توجه الخطاب في الأصل ينبني على اعتدال الحال إلا أن اعتدال الحال باطنا لا يمكن الوقوف على حقيقته فأقام الشرع السبب الظاهر الدال عليه، وهو البلوغ عن عقل مقامه تيسيرا على ما هو الأصل أنه متى تعذر الوقوف على المعاني الباطنة تقام الأسباب الظاهرة مقامها كما أقيم السير المديد مقام المشقة في جواز الترخص، وأقيم حدوث ملك الحل بسبب ملك الرقبة مقام حقيقة استعمال الرحم بالماء في وجوب الاستبراء.

القول الثالث: لا يشترط في التصرف في المال إلا البلوغ، وهو مذهب الظاهرية، قال ابن حزم:(لا يجوز الحجر على أحد في ماله إلا على من لم يبلغ أو على مجنون في حال جنونه: فهذان خاصة لا ينفذ لهما أمر في مالهما، فإذا بلغ الصغير، وأفاق المجنون جاز أمرهما في مالهما كغيرهما ولا فرق، سواء في ذلك كله الحر، والعبد، والذكر، والأنثى، والبكر ذات الأب وغير ذات الأب، وذات الزوج، والتي لا زوج لها، فعل كل ما ذكرنا في أموالهم من عتق، أو هبة، أو بيع، أو غير ذلك: نافذ إذا وافق الحق من الواجب، أو المباح ومردود فعل كل أحد في ماله إذا خالف المباح، أو الواجب، ولا فرق، ولا اعتراض لأب، ولا لزوج، ولا لحاكم في شيء من ذلك إلا ما كان معصية لله تعالى فهو باطل مردود. ومن معصية الله تعالى: الصدقة، والعطية، بما لا يبقى بعده للمتصدق أو الواهب غنى)([90])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ عن ابن عباس: أن علي بن أبي طالب قال لعمر: أو ما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم)

2 ـ النصوص الحاضة على الصدقات ونحوها من التصرفات المالية، كقوله تعالى:{ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (آل عمران:92)، وقوله تعالى:{ انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (التوبة:41)، وقوله تعالى:{ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } (النساء:3)، وقوله تعالى:{ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (النساء:4)، وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(اتقوا النار ولو بشق تمرة)

قال ابن حزم تعليقا على هذه النصوص:(فصح أن كل أحد مندوب إلى فعل الخير، والصدقة، والعتق، والنفقة في وجوه البر ليقي نفسه بذلك نار جهنم، ولا خلاف في أن كل من ذكرنا من عبد، وذات أب، وبكر، وذات زوج، مأمورون، منهيون، متوعدون بالنار، مندوبون موعودون بالجنة، فقراء إلى إنقاذ أنفسهم منها كفقر غيرهم سواء سواء، ولا مزية، فلا يخرج من هذا الحكم إلا من أخرجه النص، ولم يخرج النص إلا المجنون ما دام في حال جنونه – والذي لم يبلغ إلى أن يبلغ فقط، فكان المفرق بين من ذكرنا فيطلق بعضا على الصدقة، والهبة، والنكاح، ويمنع بعضا بغير نص مبطل، محرما ما ندب الله تعالى إليه، مانعا من فعل الخير)([91])

3 ـ لا يصح استدلال المخالفين هنا بقوله تعالى:{ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ } (النساء:5)، وقوله تعالى:{ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً} (البقرة:282)

وقد رد ابن حزم هذا الاستدلال بناء على أن (السفه في لغة العرب التي نزل بها القرآن، وبها خوطبنا، لا يقع إلا على ثلاثة معان لا رابع لها أصلا)وهذه المعاني هي:

البذاء والسب باللسان، وهم لا يختلفون أن من هذه صفته لا يحجر عليه في ماله – فسقط الكلام في هذا الوجه.

الكفر، كما قال الله تعالى:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ} (البقرة:13)، قال تعالى حاكيا عن موسى u:{ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} (لأعراف:155)يعني كفرة بني إسرائيل، وقال تعالى:{ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} (البقرة:130)فهذا معنى ثان، ولا خلاف منهم ولا منا في أن الكفار لا يمنعون أموالهم، وأن معاملتهم في البيع والشراء وهباتهم جائز كل ذلك.

عدم العقل الرافع للمخاطبة كالمجانين والصبيان فقط، وهؤلاء بإجماع منا ومنهم هم الذين أراد الله تعالى في الآيتين، وأن أهل هذه الصفة لا يؤتون أموالهم، لكن يكسون فيها، ويرزقون، ويرفق بهم في الكلام، ولا يقبل إقرارهم، لكن يقر عنهم وليهم الناظر لهم.

قال ابن حزم تعليقا على هذا الاستدلال:(فمن قال: إن من يغبن في البيع ولا يحسن حفظ ماله – وإن كان عاقلا مخاطبا بالدين مميزا له -: داخل في (اسم السفه)المذكور في الآيتين، فقد قال الباطل، وقال على الله تعالى ما لا علم له به، وقفا ما لا علم له به، وما لا برهان له على صحته – وهذا كله حرام لا يحل القول به.. وما سمى الله تعالى قط في القرآن ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا العربي الجاهل بكسب ماله، أو المغبون في البيع: سفيها.. والسفيه الذي ذكر في الآية هو الذي لا عقل له لجنونه، والضعيف الذي لا قوة له، والذي لا يستطيع أن يمل: هو من به آفة في لسانه تمنعه كخرس، أو نحو ذلك)([92])

4 ـ ما روي عن السلف من تفسير الرشد، فعن مجاهد في قول الله تعالى:{ َ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً} (النساء:6)قال:(العقل، لا يدفع إلى اليتيم ماله – وإن شمط – حتى يؤنس منه رشد)

5 ـ عدم صحة استدلال المخالفين بما ورد في النهي عن التبذير، قال ابن حزم:(ونحن نفسر بعون الله تعالى التبذير، والإسراف، وبسط اليد كل البسط التي حرم الله تعالى وزجر عنها، لا كتفسيرهم الذي لا يفهمونه، ولا يفهمونه أصلا)

ثم بين تفسيره للتبذير بقوله:(هذه الأعمال المحرمة معناها كلها واحد ويجمعه أن كل نفقة أباحها الله تعالى وأمر بها – كثرت أم قلت – فليست إسرافا ولا تبذيرا ولا بسط اليد كل البسط ؛ لأنه تعالى لا يحل ما حرم معا، فلا شك في أن الذي أباح هو غير الذي نهى عنه، وهو نفس قولنا – ولله الحمد. وكل نفقة نهى الله تعالى عنها – قلت أم كثرت – فهي الإسراف والتبذير وبسط اليد كل البسط ؛ لأنه لا شك في أن الذي نهى الله تعالى عنه مفسرا هو الذي نهى عنه مجملا)

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو أن المصالح الشرعية لليتيم ترتبط بالحجر عليه إن كان سفيها، أو لا يحسن التصرف في ماله، بناء على أنه قد يستغل في بداية شبابه، فيضيع ماله من غير أن يستفيد منه شيئا.

ولكنه مع ذلك لا يمكن أن يظل محجورا عليه طول عمره، بل يمكن لولي الأمر أن يحدد سنا معينة قد يرتفع فيها الحجر، أو أن يقيد الحجر بأنواع التصرفات التي يمكنه إجراؤها.

فالمسألة ـ كما نرى ـ تخضع لولاية أمر المسلمين، أكثر من خضوعها للفتوى الفقهية، فالناس مختلفون في مدى رشدهم، وفي أنواع تصرفاتهم.

ويدل لهذا الحديث الذي اتفق الفقهاء على الاستدلال به على هذا، على اختلاف بينهم في وجه الاستدلال، وهو ما رواه قتادة عن أنس أن حبان بن منقذ كان يبتاع وفي عقدته ضعف، فقيل: يا رسول الله احجر عليه؛ فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف. فاستدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلمفقال:(لا تبع)، فقال: لا أصبر. فقال له:(فإذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا) ([93])

فنرى أن هذا الحديث ليس من باب الفتوى أو الحكم الشرعي منه صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما هو من باب ولايته لأمر المسلمين، فلذلك حكم له بما يراه صالحا له.

ومن الخطأ الكبير تعميم القول في المسائل المرتبطة بولي أمر المسلمين، لأن النظر فيها للمصلحة الحالية التي يراها الإمام في كل محل يحكم فيه.

وبناء على هذا نرى عموما أنه لا ينبغي للسفيه ـ مثلا ـ مهما بلغ عمره التصرف في حاجاته الأساسية، كبيع دراه مثلا أو رهنها، إلا تحت إشراف ولي الأمر العادل([94])، أما ما عدا ذلك، فإن له الحق في التصرف فيه بشرط عدم خروجه إلى التبذير المحرم.


([1]) ابن ماجه.

([2]) أحمد وغيره.

([3]) الشيخان.

([4]) الحارث، والطبراني في الأوسط عن أبي موسى وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وهناك حديث آخر قريب منه هو « ما من مائدة أعظم بركة من مائدة جلس عليها يتيم » رواه لديلمي عن أنس.

([5]) ابن سعد، والطبراني في الكبير.

([6]) الطبراني بسند رواته ثقات إلا واحدا ومع ذلك ليس بالمتروك.

([7]) الترمذي وصححه.

([8]) أبو يعلى بسند حسن.

([9]) البخاري.

([10]) مسلم.

([11]) البزار.

([12]) ابن ماجه.

([13]) زاد المعاد: 5/542.

([14]) أبو داود.

([15]) النسائي.

([16]) الترمذي.

([17]) النسائي.

([18]) عبدُ بنُ حميدَ.

([19]) وبهذا إذا بلغ الولد صحيحاً، سقطت نفقتُه ذَكراً كان أو أنثى.

([20]) النسائي.

([21]) زاد المعاد: 5/550.

([22]) الأشباه والنظائر للسيوطي: 155.

([23]) وقد ورد الخلاف في صحة انعزاله، انظر « تسريح الناظر في انعزال الناظر » نقلا عن الأشباه والنظائر للسيوطي: 155.

([24]) انظر: فتاوى الرملي: 2/89، الكافي في فقه ابن حنبل: 4/433، إعانة الطالبين: 4/150، حاشية البجيرمي: 1/403، القوانين الفقية: 125.

([25]) على خلاف في ذلك أيضا، فقد قيل بأنه لا وصية لها، بل النظر إلى السلطان، وروى عن عطاء بن أبي رباح أنه قال في رجل أوصى إلى أمرأته قال: لا تكون المرأة وصيا، فإن فعل حولت إلى رجل من قومه.

([26])البخارى (6/2626، رقم 6758) ، ومسلم (3/1338، رقم 1714)

([27]) شرح عمدة الأحكام: 2/270.

([28]) قواعد الأحكام: 1/76.

([29]) الجصاص: 1/100.

([30]) الجصاص: 1/100.

([31]) مسلم وابن سعد وابن خزيمة وأبو عوانة والحاكم عن أبي ذر.

([32]) الجصاص: 2/622.

([33]) ابن العربي: 1/425.

([34]) ابن عساكر.

([35]) ابن العربي: 1/425.

([36]) الأم:3/220.

([37]) الأم:3/220.

([38]) الشيخان وغيرهما.

([39]) الحاكم وصححه.

([40]) انظر الجزء الخاص بـ « الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ».

([41]) إحياء علوم الدين: 4/ 52.

([42]) وقد فسرها ابن عباس تفسيرا ثانيا، وهو أنها في الرجل يحضره الموت، فيسمعه رجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر اللّه تعالى الذي يسمعه أن يتقي اللّه ويوفقه ويسدده للصواب، فينظر لورثته كما كان يجب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة؛ وهكذا قال مجاهد وغير واحد.

ويدل على هذا من السنة ما ورد في الصحيحين: أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده، قال: يا رسول اللّه إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي، قال: لا، قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث قال:« الثلث، والثلث كثير »، ثم قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:« إنك أن تذر ورثتك أغنياء خر من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ».

([43]) الظلال: 1/310.

([44]) الظلال:1/580.

([45]) الطبري: 4/272.

([46]) القرطبي: 11/39.

([47]) ابن أبي حاتم.

([48]) ابن مردويه.

([49]) الظلال: 1/588.

([50]) ربما خص الأكل بالذكر لأن عامة أموالهم في ذلك الوقت الأنعام، وهي يؤكل لحمها ويشرب لبنها، أو لكونه هو المقصود من التصرفات.

([51]) أبو يعلى.

([52]) مسلم.

([53]) الظلال: 1/589.

([54]) ومما يمكن أن يعتبر مظهرا من مظاهر أكل مال اليتامى تسليم المال للسفهاء قبل الرشد لاحتمال الاستفادة من ذلك .

([55]) ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

([56]) وهذا الذي ذكروه هو ظاهر الآية، وقد قيل فيها قول آخر، وهو « لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب وهو مالكم »، قال مجاهد وأبو صالح وباذان:« لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله»  

وقد روي في ذلك حديث أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عنه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت:) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)(النساء:2)يعني الأوصياء يقول: أعطوا اليتامى أموالهم )وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ)(النساء:2)، يقول: لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم. يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام.انظر: القرطبي: 5/9، ابن كثير: 3/13.

([57]) مسلم.

([58]) أبو داود من حديث حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

([59]) نقلا عن: القرطبي: 5/43.

([60]) المحلى: 7/202.

([61]) القرطبي: 5/44.

([62]) القرطبي: 5/44.

([63]) أبو داود والنسائي، وقيل: إن السائل عبدالله بن رواحة. وقيل: كانت العرب تتشاءم بملابسة أموال اليتامى في مؤاكلتهم، فنزلت هذه الآية.

([64]) اختلف الفقهاء في جواز استفادة الولي من التجارة في مال اليتيم، باعتباره مستثمرا له على قولين:

القول الأول: متى اتجر في المال بنفسه فالربح كله لليتيم، وهو قول الجمهور، لأن الربح نماء مال اليتيم فلا يستحقه غيره إلا بعقد، ولا يجوز أن يعقد الولي المضاربة مع نفسه، فأما إن دفعه إلى غيره فللمضارب ما جعله له الولي ووافقه عليه، أي اتفقا عليه في قولهم جميعا لأن الوصي نائب عن اليتيم فيما فيه مصلحته، وهذا فيه مصلحته فصار تصرفه فيه كتصرف المالك في ماله.

القول الثاني: يجوز أن يأخذه الوصي مضاربة لنفسه، وهو قول الحسن بن صالح وإسحاق، لأنه جاز أن يدفعه بذلك إلى غيره فجاز أن يأخذ ذلك لنفسه.

الترجيح: نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني من باب التشجيع على استثمار أموال اليتامى بشرط أن يكون ذلك في المواضع المأمونة، وسيأتي للمسألة مزيد تفصيل في محلها من المطلب الثاني.

([65]) )الطبري: 5/301، والحديث أخرجه البخاري ومسلم.

([66]) مسلم..

([67]) الدارقطني من حديث محمد بن إسحاق عن نافع، قال الدارقطني: لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه. ورواه ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين عن نافع عن عبدالله بن عمر.

([68]) رواه الشافعي، وإسناده صحيح – كما قال البيهقي والنووي – ولكن يوسف بن ماهك تابعي فحديثه مرسل، ولكن الشافعي عضد هذا المرسل بعموم النصوص الأخرى، وبما صح عن الصحابة من إيجاب الزكاة في مال اليتيم، انظر: المجموع: 5/329..

([69]) الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي في: أخبرني سيدي وشيخي: أن إسناده صحيح – يعني بشيخه: الحافظ زين الدين العراقي، انظر: مجمع الزوائد:3 /67.

([70]) الترمذي وفي سنده مقال.

([71]) قال البيهقي: هذا إسناد صحيح وله شواهد عن عمر، السنن الكبرى: 4/107، وانظر المجموع: 5/329.

([72]) المغني: 4/164.

([73]) فتاوى السبكي: 1/326.

([74]) سبق تخريج النصوص الدالة على ذلك.

([75]) فتاوى السبكي: 1/326.

([76]) فتاوى السبكي: 1/326.

([77]) مسلم في كتاب الإمارة باب كراهية الإمارة بغير ضرورة رقم (1826)، وأبو داود كتاب الوصايا باب ما جاء في الدخول في الوصايا رقم (2851.

([78]) كتب السبكي هذه الفتوى كما نص على ذلك « في يوم السبت الخامس والعشرين من صفر سنة سبع وأربعين، وسبعمائة » فتاوى السبكي: 1/328.

([79]) فتاوى السبكي: 1/327.وقد ذكر بعض مخاطر هذه المعاملة في عهده، فقال:« لكن فيها خطر من جهة أن أكثر من يأخذ لا يوفي حين الحلول، وكثير منهم يماطلون، ويسوفون، وينكسر عليهم، وبعضهم يخرج رهنه غير مملوك له، وغير ذلك من المفاسد، وفيها خطر آخر، وهو أنه قد يحكم حاكم مالكي، أو حنبلي ببطلان هذه المعاملة فتضيع الفائدة على اليتيم، ويبقى رأس المال على خطر، وهذا كما قاله بعض الأصحاب فيما إذا دفع الضامن بشاهد واحد ليحلف معه، ولا يرجع على وجه ؛ لأنه قد يرفعه إلى حنفي، وطريق الولي أن يرفع الأمر إلى حاكم شافعي ليحكم له بالصحة حتى يأمن ذلك »

وبين مخاطر أخرى في عهده في فتوى أخرى، فقال:« ومما يبين لك صحة ما قلناه في المعاملة أنا لم نر أحدا يحرص على دفع مال اليتيم بذلك إلا قليلا بل الغالب أن الغرض يكون للطالب، ويدخل على الناس، ويأتي بالشفاعات، وبالجاه ليأخذ من مال الأيتام، ويقترن به أيضا غرض لديوان الأيتام ؛ لأن لهم ربع الفائدة فللديوان، والطالب غنم بلا غرم، ولليتيم المسكين الآن غرم محقق ؛ لأنه إخراج ماله بغير عوض يدخل في ملكه، وفي المستقبل لا يدري هل يرجع رأس ماله، وفائدته فيغنم، أو يذهب بعضه، أو كله فيغرم »

وذكر واقعة تدل على ذلك، فقال:« ومن أغرب الوقائع التي، وقعت أن كبيرا طلب في مصر من مال اليتيم فأعطيه، ورده عن قرب، وصار يثني على الدافع الذي هو ناظر الأيتام، وحصل له بذلك حظوة ثم اتفق أن هذا الكبير في الشام طلب هذا القدر، أو قريبا منه فدفع إليه ؛ لأنه جربت معاملته، وحمدت فماطل به مدة، وحصل التعب معه فقلت في نفسي: كان الدفع الأول لا مفسدة فيه، وتبين بآخره أن فيه مفسدة ؛ لأنه كان السبب في المفسدة فقل أن يخلو هذا النوع من مفسدة »، انظر: فتاوى السبكي: 1/329.

([80]) فتاوى السبكي: 1/330.

([81]) الجصاص: 2/12.

([82]) ابن العربي: 1/216.

([83]) روي من حديث علي ؛ ومن حديث جابر. فحديث علي: رواه الطبراني في معجمه الصغير، ورواه ابن عدي في  الكامل ، وأعله بحرام، ونقل عن الشافعي، وابن معين أنهما قالا: الرواية عن حرام حرام. انظر: نصب الراية: 3/417.

([84]) انظر في المسألة: الجصاص: 2/218، المبدع: 4/67، كشاف القناع: 3/213، المغني: 4/22، حاشية البجيرمي: 2/240، 436، المجموع: 9/180، المبسوط: 24/158، بدائع الصنائع: 5/164، وغيرها.

([85]) الأم:3/220.

([86])البخارى (2/745، رقم 2011) ، ومسلم (3/1165) ، وأبو داود (3/282، رقم 3500)

([87]) ذكره في: المبسوط: 24/157.

([88]) حكى السرخسي عن أبي حنيفة قوله:« لا يجوز الحجر إلا على ثلاثة على المفتي الماجن، وعلى المتطبب الجاهل، وعلى المكاري المفلس ؛ لما فيه من الضرر الفاحش إذا لم يحجر عليهم، فالمفتي الماجن يفسد على الناس دينهم والمتطبب الجاهل يفسد أبدانهم، والمكاري المفلس يتلف أموالهم فيمتنعون من ذلك دفعا للضرر » المبسوط: 24/157.

([89])البخارى (2/745، رقم 2011) ، ومسلم (3/1165) ، وأبو داود (3/282، رقم 3500)

([90]) المحلى: 7/140.

([91]) المحلى: 7/140.

([92]) المحلى: 7/140.

([93])البخارى (2/745، رقم 2011) ، ومسلم (3/1165) ، وأبو داود (3/282، رقم 3500)

([94]) اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز بيع عقار اليتيم لغير حاجة ؛ لأن في بيعه ضررا بالغا بمصلحة اليتيم، واختلفوا فيما لو اضطر لبيعه على قولين:

القول الأول: يجوز ذلك للحاجة، بشرط أن يكو في ذلك مصلحة لهم، وهو قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وإسحاق، ونقله أبو داود عن أحمد.

القول الثاني: لا يجوز إلا في حالتين فقط، وهو قول القاضي، والحالتان هما:

الأولى: أن يكون به ضرورة إلى كسوة، أو نفقة، أو قضاء دين، أو ما لا بد منه، وليس له ما تندفع به حاجته.

الثانية: أن يكون في بيعه غبطة ؛ وهو أن يدفع فيه زيادة كثيرة على ثمن المثل، قال أبو الخطاب كالثلث ونحوه أو يخاف عليه الهلاك بغرق أو خراب أو نحوه[94].

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى مصلحة اليتيم تحت إشراف ولي الأمر العادل بشرط أن لا يبقى اليتيم بلا سكن، وقد ذكر ابن قدامة بعض وجوه المصالح في ذلك، فقال:« وكلام أحمد يقتضي إباحة البيع في كل موضع يكون نظرا لهم، ولا يختص بما ذكروه. وقد يرى الولي الحظ في غير هذا، مثل أن يكون في مكان لا ينتفع به، أو نفعه قليل، فيبيعه ويشتري له في مكان يكثر نفعه، أو يرى شيئا في شرائه غبطة ولا يمكنه شراؤه إلا ببيع عقاره. وقد تكون داره في مكان يتضرر الغلام بالمقام فيها، لسوء الجوار أو غيره فيبيعها ويشتري له بثمنها دارا يصلح له المقام بها، وأشباه هذا مما لا ينحصر » انظر: المغني: 4/165.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *