الفصل الرابع: حق المرأة في حل عصمة الزوجية

الفصل الرابع

حق المرأة في حل عصمة الزوجية

أولا ـ أحكام الخلع وآثاره

1 ـ حقيقة الخلع:

اختلفت عبارات الفقهاء في التعبير عنه بناء على آرائهم الفقهية، وفيما يلي بعض التعاريف على المذاهب القهية المشتهرة:

1 ـ عرفه الحنفية بقولهم:هو عبارة عن عقد بين الزوجين، المال فيه من المرأة تبذله فيخلعها أو يطلقها([1]).

2 ـ عرفه المالكية بقولهم: هو إزالة العصمة بعوض من الزوجة أو غيرها، وعرفه خليل بأنه الطلاق بعوض وبلا حاكم([2]).

3 ـ عرفه الشافعية بقولهم: هو فرقة بعوض بلفظ طلاق أو خلع ([3])

4 ـ عرفه ابن حزم بقوله: هو: الافتداء إذا كرهت المرأة زوجها، فخافت أن لا توفيه حقه، أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها([4])

5 ـ وعرفه الإباضية بقولهم: فرقة بين الزوجين بردها إليه صداقها، وقبوله إياه ([5])

والعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي كما قال العلماء هي أَن الله تعالـى جعل النساء لباساً للرجال، والرجالَ لباساً لهنَّ؛ فقال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}(البقرة:187)؛ فإِذا افتدت الـمرأَة بمال تعطيه لزوجها لـيُبِـينَها منه فأَجابها إِلـى ذلك، فقد بانت منه وخـلَع كل واحد منهما لباسَ صاحبه.

وقد اختلف الفقهاء في التعبير عن الخلع، وعن المختلعة، وسنذكر هنا هذه المصطحات تيسيرا لفهم النصوص التي قد نوردها من أقوال الفقهاء والتي تختلف في التعبير عنه:

الصلح: وهو في اللغة اسم من المصالحة وهي التوفيق والمسالمة بعد المنازعة، ومعناه في الشرع عقد يرفع النزاع، والصلح من الألفاظ التي يؤول إليها معنى الخلع الذي هو بذل المرأة العوض على طلاقها، والخلع يطلق غالبا على حالة بذلها له جميع ما أعطاها، والصلح على حالة بذلها بعضه.

الفدية: وهي في اللغة اسم للمال الذي يدفع لاستنقاذ الأسير، وفدت المرأة نفسها من زوجها تفدي، وافتدت أعطته مالا حتى تخلصت منه بالطلاق، والفقهاء لا يخرجون في تعريفهم للفدية عما ورد في اللغة، والفدية والخلع معناهما واحد، وهو بذل المرأة العوض على طلاقها، ولفظ المفاداة من الألفاظ الصريحة في الخلع عند الشافعية وعند الحنابلة لوروده في القرآن كما سنرى.

المبارأة: وهي في اللغة صيغة مفاعلة تقتضي المشاركة في البراءة، وهي في الاصطلاح اسم من أسماء الخلع والمعنى واحد وهو بذل المرأة العوض على طلاقها لكنها تختص بإسقاط المرأة عن الزوج حقا لها عليه. وهي عند أبي حنيفة كالخلع كلاهما يسقطان كل حق لكل واحد من الزوجين على الآخر مما يتعلق بالنكاح كالمهر والنفقة الماضية دون المستقبلة.

وقد اختلف الفقهاء في التعبير عن هذ المصطلحات، وخاصة المالكية والإباضية، وسنذكر هنا بعض أقوالهم فيها:

فعند المالكية، وفي المدونة، قال مالك:(المبارئة التي تبارئ زوجها قبل أن يدخل بها، فتقول: خذ الذي لك فتاركني.. والمختلعة التي تختلع من كل الذي لها، والمفتدية التي تعطيه بعض الذي لها وتمسك بعضه، قال مالك: وهذا كله سواء)([6])

أما الإباضية، فقد اختلفوا في تحديد هذه المصطلحات اختلافا عريضا، ومن أقوالهم فيها: (إن الخلع، والفداء، والفدية، والصلح، والمباراة، والبرءان سواء، تقع بالبعض والكل وأكثر منه، وقيل: إنهن بمعنى: وهو بذل المرأة العوض على طلاقها، إلا إن اسم الخلع يختص ببذلها جميع ما أعطاها، والصلح ببعضه، والفدية والفداء بأكثر، والمباراة والبرءان إسقاطها عنه حقا لها عليه، وقيل: الافتداء ببعض الصداق، والخلع بكله، أو بترك النفقة عليها وهي حامل، أو وترك نفقة ولدها، أو نحو ذلك مما لها)([7])

2 ـ أحكام الخلع

الحكم الأصلي للخلع:

اختلف الفقهاء في حكم الخلع على قولين:

القول الأول: أنه جائز في الحال الذي لو كرهت المرأة زوجها، لخلقه، أو خلقه، أو دينه، أو كبره، أو ضعفه، وخشيت أن لا تؤدي حق الله تعالى في طاعته، وهو قول جماهير الفقهاء.

وقد ذكر العلماء أن لهذا الخوف من ترك إقامة حدود الله وجهين، إذا وقع أحدهما وأشفقا من ترك إقامة حدود الله التي حدها لهما حل الخلع، وهذان الوجهان هما([8]):

الوجه الأول: أن يكون أحدهما سيئ الخلق أو كلاهما، فيفضي بهما ذلك إلى ترك إقامة حدود الله فيما ألزم كل واحد منهما من حقوق النكاح في قوله تعالى: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ }(البقرة:228)

الوجه الثاني: أن يكون أحدهما مبغضا للآخر فيصعب عليه حسن العشرة والمجاملة، فيؤديه ذلك إلى مخالفة أمر الله في تقصيره في الحقوق التي تلزمه،وفيما ألزم الزوج من إظهار الميل إلى غيرها في قوله تعالى: { فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ }(النساء:129)

وقد وردت التعابير الكثيرة عن السلف في وصف هذه الحالة، ومن عباراتهم في ذلك قول الحسن البصري:(إذا قالت المرأة لا أطيع لك أمرا ولا أغتسل لك من جنابة ولا أبر لك قسما حل الخلع)، وقال الشعبى:(ألا يقيما حدود الله ألا يطيعا الله وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة)، وقال عطاء بن أبى رباح:(يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها إنى أكرهك ولا أحبك(، وقال مالك:(لم أزل اسمع ذلك من أهل العلم، وهو الأمر المجتمع عليه عندنا، وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة، ولم يسئ إليها، ولم تؤت من قبله، وأحبت فراقه، فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به، وإن كان النشوز من قبله بأن يضيق عليها ويضرها رد عليها ما أخذ منها)([9])

ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قول الله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }(البقرة:229)، قال القرطبي:(والآية خطاب للأزواج، نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئا على وجه المضارة، وهذا هو الخلع الذي لا يصح إلا بأن ينفرد الرجل بالضرر، وخص بالذكر ما أتى الأزواج نساءهم، لأن العرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صداقا وجهازا فلذلك خص بالذكر([10])

2 ـ أن قوله تعالى: { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}(النساء:20)، وليس فيه ما يوجب نسخ قوله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }(البقرة:229) كما زعم المخافون، للوجهين التاليين:

الوجه الأول: أن كل واحدة منهما مقصورة الحكم على حال مذكورة فيها، لأن حظر الخلع إنما هو في النشوز إذا كان من قبله، وأراد استبدال زوج مكان زوج غيرها، وأباحه إذا خافا أن لا يقيما حدود الله، فليس في إحداهما ما يعترض به على الأخرى، ولا يوجب نسخها ولا تخصيصها أيضا، قال ابن عبد البر:(ومن قال بأن قوله { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله} منسوخ بالآيتين، فإن قوله مدفوع بأنه إنما يكون النسخ بالخلاف، ولا خلاف في الآيتين للآية الأخرى، لأنهما إذا خافا ألا يقيما حدود الله، فقد صار الأمر منهما جميعا، والعمل في الآية الأخرى منسوب إلى الزوج خاصة، وذلك إرادته لاستبدال زوج مكان زوج، ولأن الزوجة إذا خافت ألا تقيم حدود الله فاختلعت منه فقد طابت نفسها بما أعطت([11])

وذلك لأن النسخ يستدعي تعارض الأحكام في محل واحد وحالة واحدة، قال الطبري:(إنما يجوز في الحكمين أن يقال أحدهما ناسخ إذا اتفقت معاني المحكوم فيه، ثم خولف بين الأحكام فيه باختلاف الأوقات والأزمنة، وأما اختلاف الأحكام باختلاف معاني المحكوم فيه في حال واحدة ووقت واحد، فذلك هو الحكمة البالغة والمفهوم في العقل والفطرة، وهو من محمود والمنسوخ بمعزل عنه([12])

الوجه الثاني: إجماع الجميع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المسلمين على تخطئته وإجازة أخذ الفدية من المفتدية نفسها لزوجها، وفي ذلك ما يكفي للدلالة على عدم نسخ الآية([13]).

4 ـ أن الاستدلال بقول الله تعالى: { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}(النساء:19) على عدم صحة الخلع مطلقا، وهو قول ابن سيرين وأبي قلابة كما سنرى، لا يصح، قال ابن عبد البر:(قول ابن سيرين وأبي قلابة عندي ليس بشئ، لأن الفاحشة قد تكون البذاء والأذى، ومنه قيل للبذيئ فاحش ومتفحش، وعلى أنه لو أطلع منها على الفاحشة كان له لعانها، وإن شاء طلقها، وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بما لها فليس له ذلك، ولا أعلم أحدا قال له أن يضارها، ويسئ إليها حتى تختلع منه([14])، وقد فسر ابن مسعود وإبن عباس والضحاك وقتادة الفاحشة المبينة في هذه الآية بالبغض والنشوز قالوا: فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها، وقال عطاء الخراساني:(كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك بالحدود([15])

5 ـ جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق، إلا أني أخاف الكفر. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فردتها عليه، وأمره ففارقها. وفي رواية، فقال له: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)([16])، ويقال إنها كانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشد الحب ففرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما بطريق الخلع، فكان أول خلع في الإسلام، كما روي عن ابن عباس قال: أول من خالع في الإسلام أخت عبد الله بن أبى، أتت النبى صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأسه أبدا، إنى رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدة، إذ هو أشدهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها، فقال: أتردين عليه حديقته قالت: نعم، وإن شاء زدته، ففرق بينهما.

6 ـ الآثار الواردة عن السلف، قال ابن قدامة:(وهو قول عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، لم نعرف لهم في عصرهم مخالفا، فيكون إجماعا) ([17])، ومن الآثار الواردة عن الصحابة في ذلك ما روي عن علي، أنه قال:(كلمات إذا قالتهن المرأة حل له أن يأخذ الفدية: إذا قالت له لا أطيع لك أمرا ولا أبر لك قسما ولا أغتسل لك من جنابة)،وعن ابن عباس قال: (تركها إقامة حدود الله استخفاف بحق الزوج وسوء خلقها، فتقول: والله لا أبر لك قسما ولا أطأ لك مضجعا ولا أطيع لك أمرا، فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية ولا يأخذ أكثر مما أعطاها شيئا ويخلي سبيلها وإن كانت الإساءة من قبلها)

القول الثاني: حرمة الخلع، وهو قول بعض العلماء من المتقدمين، وقد اختلفوا في نوع الحرمة، هل هي مطلقة أم مقيدة على الآراء التالية:

الرأي الأول: هو محرم مطلقا، وهو قول بكر بن عبد الله المزني وقول عطاء، قال ابن عبد البر:(ولا نعلم أحدا خالفه، إلا بكر بن عبد الله المزني؛ فإنه لم يجزه)، واستدل على ذلك بأن آية الخلع منسوخة بقوله تعالى: { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ }(النساء:20)

فعن عقبة بن أبي الصهباء قال: سألت بكر بن عبد الله عن رجل تريد منه امرأته الخلع، قال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئا، قلت له: يقول الله في كتابه: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }(البقرة:229) قال: هذه نسخت بقوله: { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا} (النساء: 20)، وروى أبو عاصم عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت إذا كانت له ظالمة مسيئة فدعاها إلى الخلع أيحل له؟ قال: لا، إما أن يرضى فيمسك وإما أن يسرح([18]).

الرأي الثاني: أن الخلع محرم إلا في حالة واحدة هي ارتكاب الزوجة للفاحشة، وقد روي عن ابن سيرين وأبي قلابة، واستدلا على ذلك بقول الله تعالى: { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}(النساء:19)

الرأي الثالث: أن الخلع لا يحل إلا من الناشز، وهو قول عطاء والزهري وعمرو بن شعيب، فقد روي عن الزهري أنه قال:(لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته شيئا من الفدية حتى يكون النشوز من قبلها: قيل له: وكيف يكون النشوز؟ قال: أن تظهر له البغضاء، وتسيء عشرته، وتظهر له الكراهية، وتعصي أمره، فإذا فعلت ذلك، فقد حل له أن يقبل منها ما أعطاها، لا يحل له أكثر مما أعطاها([19])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، بل يكاد يكون إجماعا، وهو أن الخلع من الوسائل المباحة التي شرعها الشارع للتفريق بين الزوجين، وهو قول ينسجم مع الكثيرمن المصالح المعتبرة، فالله تعالى كما جعل الطلاق بيد الرجل في حال عدم قدرته على استمرار العشرة مع زوجته، مع التنازل عن حقوقه المادية التي بذلها لزوجته من نفقة ومهر وغيرها، جعل للمرأة حق التفريق بينها وبين زوجها في حال كون النفور منها، وضريبة ذلك هو إعطاؤها ما قد يغطي عن الزوج بعض الأضرار التي تصيبه من فراقها، وبما قد يتمكن معه من الزواج بامرأة أخرى بدلها.

وبهذا نرى أن حقيقة العصمة وإن كانت بيد الرجل إلا أن للمرأة حقا في حل هذه العصمة بشرط التعويض عن الأضرار التي تصيب الزوج بسبب نفورها منه، بل رأى بعض الفقهاء استحباب ذلك خاصة إذا خشيت على دينها، مثلما فعلت زوجة ثابت بن قيس، جاء في الإنصاف للمرداوي: (إذا كانت المرأة مبغضة للرجل، وتخشى أن لا تقيم حدود الله في حقه فلا بأس أن تفتدي نفسها منه، فيباح للزوجة ذلك والحالة هذه. على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، وجزم الحلواني بالاستحباب، وأما الزوج، فالصحيح من المذهب أنه يستحب له الإجابة إليه، وعليه الأصحاب، واختلف كلام الشيخ تقي الدين رحمه الله في وجوب الإجابة إليه. وألزم به بعض حكام الشام المقادسة الفضلاء) ([20])

أما رأي بكر بن عبد الله المزني، فقد قال النحاس:(هذا قول شاذ خارج عن الإجماع لشذوذه، وليست إحدى الآيتين دافعة للأخرى، فيقع النسخ، لأن قوله تعالى:{ فإن خفتم} الآية ليست بمزالة بتلك الآية، لأنهما إذا خافا هذا لم يدخل الزوج في { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ }(النساء:20) لأن هذا للرجال خاصة)([21])

دوافع الخلع وأحكامها

لا تخلو دوافع الخلع من ثلاثة أحوال على ما تقتضيه القسمة العقلية وهي إما أن لا يكون هناك دافع للخلع من كليهما، أو أن يكون الدافع له أحدهما([22])، وهو إما أن يكون الزوج أو الزوجة، وبيان ذلك فيما يلي:

1 ـ الخلع من غير سبب:

اختلف الفقهاء في حكم مخالعة الزوجة لزوجها من غير سبب على قولين:

القول الأول: أنه يكره لها ذلك، فإن فعلت صح الخلع، وهو قول أكثر العلماء منهم أبو حنيفة والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قول الله تعالى:{ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}(النساء:4)

2 ـ أن الآية التي احتج بها المخالفون لا حجة فيها، لأن الله تعالىلم يذكرها على جهة الشرط، وإنما ذكرها لأنه الغالب من أحوال الخلع، فخرج القول على الغالب.

القول الثاني: حرمة الخلع من غير سبب، وهو قول ابن المنذر وداود، قال ابن المنذر: وروي معنى ذلك عن ابن عباس وكثير من أهل العلم.

وذهب ابن حزم إلى الحرمة وعدم الصحة إلا في حالتين: إذا كرهت المرأة زوجها، فخافت أن لا توفيه حقه، أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها، فلها أن تفتدي في هذه الحالة منه ويطلقها، بشرط تراضيهما. قال ابن حزم:(ولا يحل الافتداء إلا بأحد الوجهين المذكورين، أو باجتماعهما، فإن وقع بغيرهما فهو باطل، ويرد عليها ما أخذ منها، وهي امرأته كما كانت، ويبطل طلاقه ويمنع من ظلمها فقط) ([23])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله تعالى: { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ }(البقرة:229)، وهو صريح في التحريم إذا لم يخافا إلا يقيما حدود الله، ثم قال تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }(البقرة:229)، فدل بمفهومه على أن الجناح لاحق بهما إذا افتدت من غير خوف، ثم غلظ بالوعيد فقال: { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُون}(البقرة:229)

2 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أيما امرأة سألت زوجها الطلاق، من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة([24])

3 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المختلعات والمنتزعات هن المنافقات) ([25])

4 ـ عن عائشة بنت سهل أنها كانت عند ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر نغضها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد الصبح، فاشتكت إليه فدعا النبى صلى الله عليه وآله وسلم ثابتا فقال: خذ بعض ما لها وفارقها، قال: ويصلح ذلك يا رسول الله قال: نعم قال: فإنى أصدقتها حديقتين، وهما بيدها، فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم:(خذها وفارقها)، فأخذهما وفارقها([26])، وهو يدل على سبب الخلع.

5 ـ أنه إضرار بها وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة، فحرم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا ضرر ولا ضرار) ([27])

6 ـ أنه لا يلزم من جواز إعطاء المرأة من مهرها لزوجها في غير عقد، الجواز في المعاوضة؛ بدليل الربا، فقد حرمه الله في العقد وأباحه في الهبة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو التشديد على المرأة في كراهة اختلاعها من زوجها إلى درجة التحريم في حال كون ذلك عن هوى مجرد، لا عن سبب دعاها إلى ذلك، وعلى ذلك تدل النصوص التي ساقها أصحاب القول الثاني، قال ابن قدامة:(والحجة مع من حرمه، وخصوص الآية في التحريم، يجب تقديمه على عموم آية الجواز، مع ما عضدها من الأخبار) ([28])

لكن هناك من الأسباب ما لا يمكن التصريح به، فلذلك تصبح الحرمة من المسائل التعبدية المحضة، فلا يصح إحراج المرأة أو إحراج الرجل معها للتعرف على أسبابها، كما لا يسأل الرجل عن سبب تطليقه لزوجته، كما ورد ذلك في الحديث.

ولكن ما يمكن فعله هو وعظ المرأة وتنبيهها إلى حرمة مفارقتها لبيت الزوجية من غير سبب معقول، وترك الخيار بعد ذلك لدينها وورعها حتى لا تفضح أسرار البيوت.

2 ـ الخلع عند ثبوت الضرر من الزوج:

اختلف الفقهاء في حكم الخلع عند ثبوت الضرر من الزوج،كما لو عضلها، وضارها بالضرب والتضييق عليها، أو منعها حقوقها؛ من النفقة، والقسم ونحو ذلك، لتفتدي نفسها منه، ففعلت على قولين([29]):

القول الأول: الخلع باطل، والعوض مردود، إلا أن يكون ذلك بسبب نشوزها، ومنعها حقه([30])، وهو قول جماهير العلماء، قال القرطبي:(أجمعوا على تحظير أخذ ما لها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها([31])، وقد روي عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والشعبي والنخعي والقاسم بن محمد وعروة وعمرو بن شعيب وحميد بن عبد الرحمن والزهري وبه قال مالك والثوري وقتادة والشافعي وإسحاق وغيرهم، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قول الله تعالى: { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ }(البقرة:229)، فقد حرم الله تعالى في هذه الآية أن يؤخذ منها شيء إلا بعد الخوف بألا يقيما حدود الله، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد، والخطاب في الآية للزوجين، وقد اختلف المفسرون في معنى الخوف في الآية، فقيل: هذا الخوف هو بمعنى العلم أي أن يعلما ألا يقيما حدود الله، وقيل: هو من الخوف الحقيقي، وهو الإشفاق من وقوع المكروه وهو قريب من معنى الظن([32]).

2 ـ قال الله تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ }(النساء:19)، وقد قرن النهي عن العضل([33]) بما كانوا عليه في الجاهلية من إرث المرأة لبينان شناعة هذا الفعل.

3 ـ أنه عوض أكرهن على بذله بغير حق، فلم يستحق، كالثمن في البيع، والأجر في الإجارة.

القول الثاني: العقد صحيح، والعوض لازم، وهو آثم عاص، وهو قول أبي حنيفة، قال أبو الحسن بن بطال وروى ابن القاسم عن مالك مثله([34])، ومن الأدلة على ذلك ما ورد في حديث حبيبة، أنها كانت تحت ثابت بن قيس، فضربها فكسر ضلعها، فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثابتا، فقال: خذ بعض مالها، وفارقها ففعل.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول، وهو الذي تدل عليه النصوص، ويتوافق مع المصالح الشرعية، لأن الخلع لو تم بعد حصول الإذية من الرجل كان في ذلك ذريعة لكل من يريد أن يطلق زوجته، ويسترد مهره، ويتخلص من الحقوق الواجبة عليه، بل مثل هذا تطلق زوجته لإضراره بها مع تكليفه بالحقوق الواجبة عليه كما سنرى في الفصل التالي.

وقد نص الفقهاء في هذا على أنها إذا خالعته، ثم ادعت أنها إنما خالعته لظلمه لها في بدنها، أو لضرره بها كما لو كان يمنعها من زيارة والديها على أن الظلم والضرر كما كالمترادفين فإن أثبتت ذلك، فلها استرجاع مالها وينفذ الطلاق بائنا لأن الله تعالى شرط في حلية ما تدفعه أن يكون عن طيب نفس فقال عز من قائل { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}(النساء:4)

وقد شدد ابن المنذر النكير على أصحاب القول الثاني قائلا:(وهذا من قوله خلاف ظاهر كتاب الله، وخلاف الخبر الثابت عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم، وخلاف ما أجمع عليه عامة أهل العلم من ذلك، ولا أحسب أن لو قيل لأحد أجهد نفسك في طلب الخطإ ما وجد أمرا أعظم من أن ينطق الكتاب بتحريم شئ لم يقابله مقابل بالخلاف نصبا، فيقول بل يجوز ذلك ولا يجبر على رد ما أخذ)([35])

3 ـ الخع عند ثبوت الضرر من الزوجة

اختلف الفقهاء فيما لو ثبت الضرر من الزوجة، بأن أتت بفاحشة مثلا، فعضلها زوجها لتفتدي نفسها منه، ففعلت، هل يصح الخلع أم لا على قولين:

القول الأول: يصح الخلع، وهو قول جمهور الفقهاء، واستدلوا على ذلك بآيتين من القرآن الكريم فيهما الغنى، هما:

الآية الأولى: قول الله تعالى: { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}(النساء:19)، والاستثناء من النهي إباحة، وهذه الآية من أصول الآيات التي تحفظ بها حقوق المرأة في الإسلام، وهي في تركيبها المعجز تحمل المعاني الكثيرة، والتي يذكرها البعض كخلاف تفسيري أو فقهي، ونذكرها هنا كمعان تحتملها الآية كما تحتمل غيرها، وسنقتصر منها على موضع الدلالة، فالنهي عن العضل موجه إما للأزواج أو للأولياء أو للورثة، ومما يتعلق بالاستشهاد هنا هو كونه خطابا للأزواج، ومن معاني العضل الذي نهى عنه ثلاثة أقوال([36]):

1 ـ أن الرجل كان يكره صحبة امرأته، ولها عليه مهر فيحبسها ويضربها لتفتدي، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي.

2 ـ أن الرجل كان ينكح المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه ويشهد على ذلك فاذا خطبت فأرضته أذن لها وإلا عضلها قاله ابن زيد.

3 ـ أنهم كانوا بعد الطلاق يعضلون كما كانت الجاهلية تفعل فنهوا عن ذلك روي عن ابن زيد أيضا.

وقيل في الفاحشة قولان:

1 ـ أنها النشوز على الزوج، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة في جماعة.

2 ـ أنه الزنى قاله الحسن وعطاء وعكرمة في جماعة، وقد روى معمر عن عطاء الخراساني قال كانت المرأة إذا أصابت فاحشة أخذ زوجها ماساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحد.

الآية الثانية: قول الله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه} (البقرة:229)، وهي متى زنت، لم يأمن أن تلحق به ولدا من غيره، وتفسد فراشه، فلا تقيم حدود الله في حقه.

القول الثاني: لا يصح الخلع، وهو أحد قولي الشافعي، لأنه عوض أكرهت عليه، فأشبه ما لو لم تزن.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول ففي الآيتين المذكورتين الغنى في الدلالة، فالضرر هنا من الزوجة، فلذلك كان للزوج الحق في استرجاع ما أعطاها مقابل تسريحها، ولكن هذا متوقف على أن تكون قد أتت حقا بالفاحشة التي تبيح له أخذ مالها، وقد قال الطبري في تأويلها:(وأولى ما قيل في تأويل قوله إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أنه معني به كل فاحشة من بذاءة باللسان على زوجها وأذى له وزنا بفرجها، وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}(النساء:19) كل فاحشة مبينة ظاهرة، فكل زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زنا أو نشوز فله عضلها على ما بين الله في كتابه والتضييق عليها حتى تفتدي منه بأي معاني فواحش أتت بعد أن تكون ظاهرة مبينة)([37])

ويدل عليه من السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(اتقوا الله في النساء فانكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ([38])

قال الطبري تعليقا على هذا الحديث: (فبين أن لزوج المرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيره وأمكنت من جماعها سواه أن له منعها من الكسوة والرزق بالمعروف مثل الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف، وإذا كان ذلك له فمعلوم أنه غير مانع لها بمنعه إياها ماله منعها حقا لها واجبا عليه، وإذا كان ذلك كذلك فبين أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها فأخذ منها زوجها ما أعطته أنه لم يأخذ ذلك عن عضل منهي عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عضل له مباح، وإذ كان ذلك كذلك كان بينا أنه داخل في استثناء الله تبارك وتعالى الذي استثناه من العاضلين بقوله: { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}(النساء:19)، وإذ صح ذلك تبين فساد قول من قال { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } منسوخ بالحدود، لأن الحد حق الله تعالى على من أتى بالفاحشة التي هي زنا، وأما العضل لتفتدي المرأة من الزوج بما آتاها أو ببعضه فحق لزوجها،كما عضله إياها وتضييقه عليها، إذا هي نشزت عليه لتفتدي منه حق له وليس حكم أحدهما يبطل حكم الآخر) ([39])

وقت الخلع

اتفق الفقهاء على أن وقت الخلع لا يعرض له ما يعرض للطلاق من السنية والبدعية، فلذلك نص الفقهاء على أنه لا بأس بالخلع في الحيض([40]) والطهر الذي أصابها فيه؛ لأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحقها بطول العدة، والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه، وهو أعظم من ضرر طول العدة، فجاز دفع أعلاهما بأدناهما، ولذلك لم يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم المختلعة عن حالها، ولأن ضرر تطويل العدة عليها، والخلع يحصل بسؤالها، فيكون ذلك رضاء منها به، ودليلا على رجحان مصلحتها فيه([41]).

وقد تعقب بعضهم الاستدلال بعدم استفسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم المختلعة عن حالها، فقال:(أما استدلاله ففيه نظر، لأن في رواية الشافعي وغيره أنه صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، وبابه الذي يخرج منه إلى المسجد من لازم من يجيء إليه أن يدخل المسجد، ففي دخولها المسجد دليل على كونها طاهرا غير حائض)

قال ابن حجر معقبا على هذا:(هكذا بحث المخرج تبعا لغيره، وفيه نظر لا يخفى على ذي فهم، بل لا يلزم من إطلاق الإذن بالنسبة إلى زمن السنة والبدعة، عمومه في الحالتين، وأيضا فإطلاق الإذن في الاختلاع يعارضه إطلاق المنع من طلاق الحائض، فبينهما عموم وخصوص وجهي فتعارضا)([42])

نوع الفرقة في الخلع

اختلف الفقهاء في نوع الفراق الحاصل بالخلع على قولين:

القول الأول: إن الخلع بعوض فسخ بأي لفظ كان، ولو وقع بصريح الطلاق، وليس من الطلاق الثلاث، وهو قول ابن عباس وطاوس وعكرمة وإسحاق وأبي ثور ورواية عن أحمد، قال ابن تيمية:(وهذا هو المنقول عن عبد الله بن عباس وأصحابه وعن الإمام أحمد وقدماء أصحابه لم يفرق أحد من السلف ولا أحمد بن حنبل ولا قدماء أصحابه في الخلع بين لفظ ولفظ لا لفظ الطلاق ولا غيره، بل ألفاظهم كلها صريحة في أنه فسخ بأي لفظ كان، قال عبد الله: رأيت أبي يذهب إلى قول ابن عباس وابن عباس صح عنه أنه كل ما أجازه المال فليس بطلاق، والذي يقتضيه القياس أنهما إذا طلقها لنكاح ثبت صداق المثل فهكذا الخلع وأولى)([43])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن الله تعالى لما قال: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229)، ثم عقب ذلك بقوله تعالى: { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} إلى أن قال في نسق التلاوة { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }(البقرة:230)، فأثبت الثالثة بعد الخلع، دل ذلك على أن الخلع ليس بطلاق؛ إذ لو كان طلاقا لكانت هذه رابعة؛ لأنه ذكر الخلع بعد التطليقتين ثم ذكر الثالثة بعد الخلع.

2 ـ أنها فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته، فكانت فسخا كسائر الفسوخ.

3 ـ أنه لا يصح ما نقل خلاف ذلك عن الصحابة، قال ابن تيمية:(ونقل عن طائفة من الصحابة؛ لكن لم يثبت عن واحد منهم، بل ضعف أحمد بن حنبل وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم جميع ما روي في ذلك عن الصحابة) ([44])

القول الثاني: أنه طلقة بائنة، وقد روي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وقبيصة، وشريح ومجاهد وأبي سلمة بن عبد الرحمن والنخعي والشعبي والزهري ومكحول وابن أبي نجيح، ومالك والأوزاعي والحنفية، ورواية عن أحمد، قال الجصاص:(وهو قول فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم فيه) ([45])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن ما استدلوا به من القرآن الكريم لا يصح، وذلك لأن قوله تعالى: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} (البقرة: 229)أفاد حكم الاثنين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع، وأثبت معهما الرجعة بقوله تعالى: { فإمساك بمعروف }، ثم ذكر حكمهما إذا كانتا على وجه الخلع، وأبان عن موضع الحظر والإباحة فيهما، والحال التي يجوز فيها أخذ المال أو لا يجوز، ثم عطف على ذلك قوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }(البقرة:230) فعاد ذلك إلى الاثنتين المقدم ذكرهما على وجه الخلع تارة وعلى غير وجه الخلع أخرى، فليس في الآيات دلالة على أن الخلع بعد الاثنتين، ثم الرابعة بعد الخلع.

وقد بالغ ابن العربي في الإنكار على الوجه الذي فسر به أصحاب القول الأول الآية، فقال:(ولا يفهم هذا إلا غبي أو متغاب؛ لأن الله تعالى قال: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229)، فإن وقع شيء من هذا الطلاق بعوض كان ذلك راجعا إلى الأولى والثانية دون الثالثة التي هي { أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } حسبما تقدم؛ فلا جناح عليه فيه، فإن طلقها ثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره كان بفدية أو بغير فدية)([46])

2 ـ عن سعيد بن المسيب قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخلع تطليقة.

3 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم لثابت بن قيس حين نشزت عليه امرأته: خل سبيلها، وفي بعض الألفاظ: فارقها، بعدما قال للمرأة: ردي عليه حديقته، قال: قد فعلت. ومعلوم أن من قال لامرأته: قد فارقتك، أو قد خليت سبيلك، ونيته الفرقة، أنه يكون طلاقا، فدل ذلك على أن خلعه إياها بأمر الشارع كان طلاقا.

4 ـ أما ما روي عن ابن عباس فإن لايصح، فعن عبد الملك بن ميسرة قال: سأل رجل طاوسا عن الخلع، فقال: ليس بشيء؛ فقلت: لا تزال تحدثنا بشيء لا نعرفه فقال: والله لقد جمع ابن عباس بين امرأة وزوجها بعد تطليقتين وخلع، قال الجصاص:(ويقال: هذا مما أخطأ فيه طاوس، وكان كثير الخطإ مع جلالته وفضله وصلاحه يروي أشياء منكرة، منها أنه روى عن ابن عباس أنه قال: من طلق ثلاثا كانت واحدة، قالوا: وكان أيوب يتعجب من كثرة خطإ طاوس، وذكر ابن أبي نجيح عن طاوس أنه قال: الخلع ليس بطلاق، قال: فأنكره عليه أهل مكة، فجمع ناسا منهم واعتذر إليهم وقال: إنما سمعت ابن عباس يقول ذلك([47]).

5 ـ أنه لا خلاف أنه لو قال لها: قد طلقتك على مال، أو قد جعلت أمرك إليك بمال كان طلاقا، وكذلك لو قال لها: قد خلعتك بغير مال، يريد به الفرقة كان طلاقا، كذلك إذا خلعها بمال.

6 ـ أنه لا يصح قياس الخلع على الإقالة في البيع، لأنه لا خلاف في جواز الخلع بغير مال وعلى أقل من المهر، والإقالة لا تجوز بالثمن الذي كان في العقد، ولو كان الخلع فسخا كالإقالة لما جاز إلا بالمهر الذي تزوجها عليه.

7 ـ أن في اتفاق الجميع على جوازه بغير مال وبأقل من المهر دلالة على أنه طلاق بمال، وأنه ليس بفسخ، وأنه لا فرق بينه وبين قوله قد طلقتك على هذا المال.

8 ـ أنها بذلت العوض للفرقة، والفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ، فوجب أن يكون طلاقا.

9 ـ أنه أتى بكناية الطلاق، قاصدا فراقها، فكان طلاقا، كغير الخلع.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة من باب رعاية المقاصد الشرعية من تضييق منافذ الطلاق وإتاحة الفرص للرجعة هو اعتباره فسخا لا طلاقا، لأنا إذا اعتبرناها طلقة، فخالعها مرة، حسبت طلقة، فنقص بها عدد طلاقها، وإن خالعها ثلاثا طلقت ثلاثا، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره. وإن قلنا: هو فسخ، لم تحرم عليه، وإن خالعها مائة مرة.

زيادة على ذلك، فإن القول باعتباره فسخا ينسجم مع ما ذكرنا من أن الخلع هو الطلاق الخاص بالمرأة، فلذلك لا يصح أن ينقص من فرص تطليق الرجل، كما لا ينقص تفريق الحاكم ذلك.

طلاق المختلعة

اختلف الفقهاء في أثر تطليق المختلعة في فترة عدتها على القول بأن الفرقة طلاق، كما ذكرنا الخلاف في المسألة السابقة، على قولين:

القول الأول: يلحقها الطلاق الصريح المعين، دون الكناية والطلاق المرسل، وهو أن يقول: كل امرأة لي طالق، وقد روي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، والنخعي والزهري والحكم وحماد، والثوري، وهو قول الحنفية، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن الله تعالى شرع صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق، فقد قال تعالى في نسق التلاوة: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون}(البقرة:230) عطفا على ما تقدم ذكره، وقوله تعالى: { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ }(البقرة:229) فأباح لهما التراجع بعد التطليقة الثالثة بشريطة زوال ما كانا عليه من الخوف لترك إقامة حدود الله([48]).

2 ـ رووا حديثا في ذلك هو:(المختلعة يلحقها الطلاق، ما دامت في العدة)([49])

3 ـ أنه جائز أن يندما بعد الفرقة ويحب كل واحد منهما أن يعود إلى الألفة، فدل ذلك على أن هذه الثالثة مذكورة بعد الخلع.

القول الثاني: لا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق، ولو واجهها به، وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن، والشعبي ومالك، والشافعي، وإسحاق وأبي ثور،ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أنه لا يصح استدلال المخالفين بالآية لأن معناها فإن طلقها ولم تعتد، لأنه شرع قبل الابتداء بطلاقين فيكون الابتداء ثالثة، ولا طلاق بعدها ليكون مرتبا عليها، ويكون معقبا به، فالصريح المذكور على سبيل المعاقبة معناه إن لم يكن فداء ولكن كان صريحا، وذلك لأن الله تعالى شرع طلقتين صريحتين، ثم ذكر بعدهما إمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان، إما بالترك لتبين، وإما بالطلقة الثالثة، فيكون تمليكا للثالثة؛ فإن افتدت فلا جناح عليها فيه، وإن لم تفتد وطلقها كان كذلك، كما أخبر به، فيكون بيانا لكيفية التصرف فيما بقي من ملك الثالثة([50]).

2 ـ أن الحديث الذي استدل به المخالفون لا أصل له.

3 ـ أنه قول ابن عباس وابن الزبير، ولا نعرف لهما مخالفا في عصرهما.

4 ـ أنها لا تحل له إلا بنكاح جديد، فلم يلحقها طلاقه، كالمطلقة قبل الدخول، أو المنقضية عدتها.

5 ـ أنها ليست زوجته، فلم يلحقها طلاقه، كالأجنبية، قال الشافعي مبينا القاعدة في هذا ومثله:(إذا خالعها ثم طلقها في العدة لم يقع عليها الطلاق لأنها ليست بزوجة ولا في معاني الأزواج بحال بأن يكون له عليها رجعة ولا تحل له إلا بنكاح جديد كما كانت قبل أن ينكحها، وكذلك لو آلى منها أو تظاهر أو قذفها لم يقع عليه إيلاء ولا ظهار ولا لعان إن لم يكن ولد ولو ماتت أو مات لم يتوارثا، وإنما قلت هذا بدلالة كتاب الله عز وجل لأن الله تعالى حكم بهذه الأحكام الخمسة من الإيلاء والظهار واللعان والطلاق والميراث بين الزوجين، فلما عقلنا عن الله تعالى أن هذين غير زوجين لم يجز أن يقع عليها طلاقه([51])

6 ـ أنها لا يقع بها الطلاق المرسل، ولا تطلق بالكناية، فلا يلحقها الصريح المعين، كما قبل الدخول. ولا فرق بين أن يواجهها به، فيقول: أنت طالق. أو لا يواجهها به، مثل أن يقول: فلانة طالق.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة بناء على ما سبق من تضييق باب الطلاق هو عدم صحة طلاق المختلعة في فترة عدتها لسببين:

1 ـ أنه لغو محض، فالمرأة تبين من زوجها بالخلع ولا حاجة بعده لإيقاع الطلاق، فيصير بذلك الطلاق كاتخاذ آيات الله هزوا، لاستعماله لغير ما شرع له.

2 ـ أنه ضرر محض، فهو ينقص من الفرص التي أتاحها الشارع للزوجين للرجعة من غير سبب معقول.

رجعة المختلعة

اختلف الفقهاء في ثبوت الرجعة للزوج بعد اختلاع زوجته على الأقوال التالية:

القول الأول: لا يثبت في الخلع رجعة، وقد اتفق على القول بهذا من اعتبر الخلع فسخا أو طلاقا، وهو قول جمهور العماء، قال ابن قدامة:(هو قول أكثر أهل العلم؛ منهم الحسن وعطاء وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وإسحاق)، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله تعالى: {فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }(البقرة:229)وإنما يكون فداء إذا خرجت به عن قبضته وسلطانه، وإذا كانت له الرجعة، فهي تحت حكمه.

2 ـ أن القصد إزالة الضرر عن المرأة، فلو جاز ارتجاعها، لعاد الضرر.

القول الثاني: الزوج بالخيار بين إمساك العوض ولا رجعة له، وبين رده وله الرجعة، وقد روي عن الزهري وسعيد بن المسيب، وهو قول ابن حزم، قال في بيان علة قوله:(قد بين الله تعالى حكم الطلاق، وأن { َبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ }(البقرة:228)، قال: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ }(الطلاق:2) فلا يجوز خلاف ذلك، وما وجدنا قط في دين الإسلام عن الله تعالى، ولا عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم طلاقا بائنا لا رجعة فيه، إلا الثلاث مجموعة أو مفرقة، أو التي لم يطأها، ولا مزيد، وأما عدا ذلك فآراء لا حجة فيها، وأما رده ما أخذ منها فإنما أخذه لئلا تكون في عصمته، فإذا لم يتم لها مرادها فمالها الذي لم تعطه إلا لذلك، مردود عليها، إلا أن يبين عليها أنها طلقة له الرجعة فيها، فترضى، فلا يرد عليها شيئا)([52])

القول الثالث: إن كان الخلع بلفظ الطلاق فله الرجعة، وهو قول أبي ثور، لأن الرجعة؛ من حقوق الطلاق، فلا تسقط بالعوض، كالولاء مع العتق.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة والذي تدل عليه النصوص، ويتفق مع المقاصد الشرعية هو القول الأول، لأن القولين الآخرين يلغيان الخلع، بل يجعلانه وسيلة من وسائل التلصص على مال الزوجة، فالزوج على اعتبار القولين الثاني والثالث يقبلان الخلع ويقبضان المال، ثم ينكثانه بالرجعة.

ومثل هذا الحكم ليس خاصا بالخلع فقط، بل هو جار في كل الأحكام الشرعية، قال العز ابن عبد السلام ضاربا بعض الأمثلة على ذلك:(الإسقاط بالأعواض كإسقاط حق الزوج من البضع بالخلع أو بالطلاق على مال، وكالصلح عن الدين فإنه يسقطه عن المدين ولا ينقله إليه، وكذلك العتق على مال، وبيع العبد من نفسه فإنه يسقط الملك، ولا ينقله إلى الرقيق، وكذلك الصلح عن القصاص في النفوس والأطراف فإنه يسقط القصاص عن الجاني ولا ينقله إليه، فيقع بهذه التصرفات النقل في أحد الجانبين والإسقاط من الآخر. وأما مقابلة الإسقاط عند تساوي الديون في باب التقاص فلا نقل فيه من الجانبين ولا من أحدهما، وإنما هو سقوط في مقابلة سقوط إذا لم يشترط الرضا أو إسقاط في مقابلة إسقاط ما لها عليه في ذمته، ولا يقابل إسقاط حد القذف بشيء من الأعواض على الأصح)([53])

حكم التراجع عن الخلع

اتفق الفقهاء على أنه الخلع إن تم وفق الضوابط الشرعية، فليس لأحدهما أن يتراجع عن إمضائه([54])، ولكن إن شرط في الخلع أن له الرجعة، فقد اختلف الفقهاء في صحة هذا الشرط واعتباره على قولين([55]):

القول الأول: يبطل الشرط، ويصح الخلع، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك، ورواية عن أحمد، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن الخلع لا يفسد بكون عوضه فاسدا، فلا يفسد بالشرط الفاسد، كالنكاح.

2 ـ أنه لفظ يقتضي البينونة، فإذا شرط الرجعة معه، بطل الشرط، كالطلاق الثلاث.

القول الثاني: يبطل الخلع وتثبت الرجعة، وهو قول الشافعي، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن شرط العوض والرجعة متنافيان، فإذا شرطاهما سقطا، وبقي مجرد الطلاق فتثبت الرجعة بالأصل لا بالشرط.

2 ـ أنه شرط في العقد ما ينافي مقتضاه، فأبطله، كما لو شرط أن لا يتصرف في المبيع.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة عدم اعتبار ذلك الشرط لمنافاته للخلع، فلذلك يصح الخلع، ويفسد الشرط، مع ضرورة تبيين هذا الحكم للمختلع نفيا للضرر عنه، فقد يقبل بفدية قليلة مع اشتراط هذا الشرط، ثم يفاجأ بعدها بإلغاء شرطه، وفي هذه الحالة ـ أي عند حصول الغرر ـ نرى أن يؤخذ بالقول الثاني، لأنه كما أن للزوجة الحق في الاختلاع، فإن للزوج الحق في التبين ونفي الغرر.

من يتولى التفريق

اختلف الفقهاء في من يتولى التفريق في الخلع على قولين:

القول الأول: أن الحاكم هو الذي يتولى التفريق، وهو قول سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين، قال شعبة قلت لقتادة: عمن أخذ الحسن الخلع إلى السلطان، قال: عن زياد وكان واليا لعمر وعلي، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قراءة حمزة إلا أن يخافا بضم الياء على ما لم يسم فاعله والفاعل محذوف وهو الولاة والحكام واختاره أبو عبيد.

2 ـ قوله تعالى:{ فَإِنْ خِفْتُمْ }(البقرة:229)،فجعل الخوف لغير الزوجين، ولو أراد الزوجين لقال:{ فإن خافا}

القول الثاني: أن الرجل إذا خالع امرأته فإنما هو على ما يتراضيان به ولا يجبره السلطان على ذلك، وهو قول الجمهور من العلماء، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن ما استدلوا به لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ، ولا المعنى، أما الإعراب فإن عبد الله بن مسعود قرأ إلا أن يخافا تخافوا، فهذا في العربية إذا رد إلى ما لم يسم فاعله قيل: إلا أن يخاف، وأما اللفظ فإن كان على لفظ يخافا وجب أن يقال: فإن خيف، وإن كان على لفظ)فإن خفتم (وجب أن يقال)إلا أن تخافوا(وأما المعنى فإنه يبعد أن يقال:(لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخاف غيركم(ولم يقل تعالى:(فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية فيكون الخلع إلى السلطان([56])

2 ـ أنه صح عن عمر وعثمان وابن عمر جوازه دون السلطان.

3 ـ أنه كما جاز الطلاق والنكاح دون السلطان فكذلك الخلع.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن لولي الأمر الحق في تلبية طلب المرأة الاختلاع من زوجها إن تيقن أن ذلك في مصلحتها، لأن الزوج قد يرفض أي عرض تقدمه زوجته لاختلاعها، ويؤذيها بذلك، فيسد عليها الباب الذي فتحه الشرع لها، ويدل على هذا حديث ثابت بن قيس لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرق بينها وبين زوجها بطلبها، وكان صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك يتولى ولاية أمر المسلمين.

زيادة على أن في تدخل ولي الأمر سدا لذريعة المساومات التي قد يغالي الزوج فيها لتلبية طلب الزوجة بالخلع.

ثانيا ـ أركان الخلع وضوابطها

اختلف الفقهاء في تصنيف أركان الخلع على طريقتين:

الطريقة الأولى: طريقة الجمهور غير الحنفية، وهي اعتبار خمسة أركان للخلع، وهي: الموجب، والقابل، والمعوض، والعوض، والصيغة، فالموجب هو الزوج أو وليه، والقابل هو الملتزم للعوض، والمعوض هو الاستمتاع بالزوجة، والعوض هو الشيء المخالع به، والصيغة هي الإيجاب والقبول والألفاظ التي يقع بها الخلع.

الطريقة الثانية: طريقة الحنفية، وقد ذكروا له ركنين إن كان بعوض، وهما: الإيجاب والقبول، لأنه عقد على الطلاق بعوض، فلا تقع الفرقة ولا يستحق العوض بدون القبول، بخلاف الخلع بغير عوض فإنه إذا قال خالعتك ولم يذكر العوض، ونوى الطلاق فإنه يقع الطلاق عليها، سواء قبلت أو لم تقبل؛ لأن ذلك طلاق بغير عوض فلا يفتقر إلى القبول.

الركن الأول: موجب الخلع

وهو الزوج، وقد اتفق الفقهاء على أنه يشترط فيه نفس شروط من يملك التطليق، وقد تحدثنا عن تلك الشروط وما يتعلق بها في الفصل الخاص بمن يقع منه الطلاق، وسنذكر هنا بعض النقول عن المذاهب الفقهية المشتهرة في شروط الموجب، وسبب قياسه على المطلق:

فقد نصت المذاهب الأربعة على ذلك: قال ابن قدامة:(كل زوج صح طلاقه، صح خلعه؛ لأنه إذا ملك الطلاق، وهو مجرد إسقاط من غير تحصيل شيء، فلأن يملكه محصلا للعوض أولى([57])، وفي المدونة:(قلت: أرأيت طلاق المكره ومخالعته قال: مالك: لا يجوز طلاق المكره فمخالعته مثل ذلك عندي([58])، وقال الشافعي:(ولا يجوز خلع زوج حتى يجوز طلاقه، وذلك أن يكون بالغا غير مغلوب على عقله، فإذا كان غير مغلوب على عقله فخلعه جائز محجورا عليه كان أو رشيدا أو ذميا أو مملوكا من قبل أن طلاقه جائز، فإذا جاز طلاقه بلا شيء يأخذه كان أخذه ما أخذ عليه فضلا أولى أن يجوز من طلاقه بلا شيء وهو في الخلع كالبالغ الرشيد)([59])

ونص الإمامية على أنه يعتبر في الخالع شروط أربعة هي: البلوغ، وكمال العقل، والاختيار، والقصد. فلا يقع مع الصغر، ولا مع الجنون، ولا مع الإكراه، ولا مع السكر، ولا مع الغضب الرافع للقصد. ولو خالع ولي الطفل بعوض صح، إن لم يكن طلاقا، وبطل مع القول بكونه طلاقا([60]).

ونص الزيدية على أن من صح طلاقه صح خلعه، ومن لا فلا([61]).

ونص الإباضية على أنه يجوز (الفداء والخلع من مريضين ومعتلين، والشيخ الفاني والعجوز وقائم عليه البحر في سفينة، ومحيط به حريق أو ماء، ومشرف على موت بجوع أو عطش أو حر أو برد أو بغير ذلك، وحامل ومصلوب ومجروح، وكل من ترجع أفعاله للثلث بخوف الموت عليه ما عقل، ومحرم بحج أو عمرة أو بهما، أو معتكف كالطلاق، ولزمت السكران من طلاق وفداء وغيرهما ما عقل، إلا إن زال عقله، وقيل: لزمه الطلاق ولو زال) ([62])

واتفق الفقهاء على أن خلع الزوج المريض مرض الموت جائز ونافذ، سواء أكان بمهر المثل أم أقل منه؛ لأنه لو طلق بغير عوض لصح، فلأن يصح بعوض أولى؛ ولأن الورثة لا يفوتهم بخلعه شيء.

وقد اتفقوا على أنه لا توارث بينهما سواء أمات في العدة أم بعدها وخالف ذلك المالكية([63]) فنصوا على أن زوجته المطلقة في المرض ترثه إن مات من مرضه المخوف الذي خالعها فيه، ولو خرجت من العدة وتزوجت غيره ولو أزواجا، أما هو فلا يرثها إن ماتت في مرضه المخوف الذي طلقها فيه، ولو كانت هي مريضة أيضا؛ لأنه الذي أسقط ما كان بيده، ففي المدونة:(قلت: أرأيت إن اختلعت منه في مرضه فمات من مرضه ذلك أترثه في قول مالك أم لا؟ قال: قال مالك: نعم، ترثه. قلت: وكذلك إن جعل أمرها بيدها أو خيرها فطلقت نفسها وهو مريض أترثه في قول مالك؟ قال: قال مالك: نعم ترثه. قلت: ولم وهو لم يفر منها إنما جعل ذلك إليها ففرت بنفسها؟ قال: قال مالك: كل طلاق وقع في مرض فالمبارأة للمرأة إذا مات من ذلك المرض وبسببه كان ذلك لها)([64])

ونص الحنفية على أنه لو خلعها أجنبي من الزوج بمال ضمنه للزوج، وكان ذلك في مرض موت الأجنبي جاز، ويعتبر البدل من ثلث مال الأجنبي، فلو كان الزوج مريضا حين تبرع الأجنبي بخلعها، فلها الإرث لو مات الزوج من مرضه ذلك، وهي في العدة لأنها لم ترض بهذا الطلاق فيعتبر الزوج فارا([65]).

ولو أوصى الزوج لها بمثل ميراثها أو أقل صح؛ لأنه لا تهمة في أنه أبانها ليعطيها ذلك فإنه لو لم يبنها لأخذته بميراثها، وإن أوصى لها بزيادة عليه فللورثة منعها ذلك؛ لأنه اتهم في أنه قصد إيصال ذلك إليها؛ لأنه لم يكن له سبيل إلى إيصاله إليها وهي في عصمته، فطلقها ليوصل ذلك إليها فمنع منه كما لو أوصى لوارث.

الركن الثاني: ملتزم العوض في الخلع

يشترط في المرأة التي تبذل الخلع الشروط التالية، على اختلاف بين الفقهاء في اعتبار بعضها:

1 ـ القدرة على التصرف في مالها:

وقد اختلف الفقهاء في اشتراط كون قابل الخلع مطلق التصرف في المال أم لا على الأقوال التالية:

القول الأول: اعتبار هذا الشرط، وهو مذهب الجمهور، فلذلك إذا بلغت رشيدة وحجر عليها لم يصح خلعها، ولو خالعها بلفظ الخلع فإن كان بعد الدخول طلقت رجعيا، وإن كان قبله طلقت بائنا ولا مال له، ولغا ذكر المال؛ لأنها ليست من أهل التزامه وإن أذن لها الولي، وإن لم يحجر عليها يصح.

وقد لخص الشافعي مذهبه في ذلك بقوله: (جماع معرفة ما يجوز خلعه من النساء أن ينظر إلى كل من جاز أمره في ماله، فنجيز خلعه، ومن لم يجز أمره في ماله فنرد خلعه، فإن كانت المرأة صبية لم تبلغ، أو بالغا ليست برشيدة، أو محجورا عليها، أو مغلوبة على عقلها، فاختلعت من زوجها بشيء قل أو كثر، فكل ما أخذ منها مردود عليها، وما طلقها على ما أخذ منها واقع عليها، وهذا يملك الرجعة فإذا بطل ما أخذ ملك الرجعة في الطلاق الذي وقع به إلا أن يكون طلقها ثلاثا أو تطليقة لم يكن بقي له عليها غيرها)([66])

ونص المالكية على أنه إذا كانت مالكة أمر نفسها، فإن كانت محجورا عليها بأب، أو وصي، أو سيد يحجر على أمته، فإنه لا يصح خلعها، فإن وقع الطلاق نفذ الخلع وارتجع الولي ما أعطته من المال وطالب بما وهبته من صداق، أو غيره([67])؛ هذا إذا لم تكن بلغت، فإن كانت بالغا فقد قال سحنون: يجوز أن تفتدي من زوجها قبل البناء وله ما أخذ ولا رجوع لها فيه وقال أصبغ: لا يجوز ما بادلت به الصغيرة ولا السفيهة البالغ وكذلك بعد موت الأب ويرد الزوج ما أخذ وبمضي الفراق.

القول الثاني: أنه يصح خلعها، ويقع الفراق، ولا يلزمها بذل العوض، فإن كان الزوج طلقها تطليقة على ذلك المال، فهو يملك رجعتها، وهو قول الحنفية، ومن الأدلة على ذلك([68]):

1 ـ أن وقوع الطلاق في الخلع يعتمد وجوب القبول لا وجوب المقبول، وقد تحقق القبول منها، وكأن الزوج علق طلاقها بقبولها الجعل، فإذا قبلت وقع الطلاق لوجود الشرط، ولم يلزمها المال.

2 ـ أن وقوع الطلاق باللفظ الصريح لا يوجب البينونة إلا عند وجوب البدل، ولم يجب البدل هنا بخلاف ما إذا كان بلفظ الخلع، فإن مقتضى لفظ الخلع البينونة.

القول الثالث: يصح خلع المحجور عليها لفلس، بخلاف المحجور عليها لسفه، أو صغر أو جنون، وأن بذلها للعوض صحيح؛ وهو مذهب الحنابلة،، ويرجع عليها بالعوض إذا أيسرت وفك الحجر عنها، وليس له مطالبتها في حال حجرها، كما لو استدانت منه، أو باعها شيئا في ذمتها، أما المحجور عليها لسفه، أو صغر، أو جنون، فلا يصح بذل العوض منها في الخلع؛ لأنه تصرف في المال، وليس هي من أهله، وسواء أذن فيه الولي أو لم يأذن؛ لأنه ليس له الإذن في التبرعات، ومن الأدلة على ذلك، أن المحجور عليها لفلس لها ذمة يصح تصرفها فيها.

وليس لولي هؤلاء المخالعة بشيء من مالهن؛ لأنه إنما يملك التصرف بما لها فيه الحظ، وهذا لا حظ فيه، بل فيه إسقاط نفقتها ومسكنها وبذل مالها، ويحتمل أن يملك ذلك، إذا رأى الحظ فيه، ويمكن أن يكون الحظ لها فيه بتخليصها ممن يتلف مالها، وتخاف منه على نفسها وعقلها، ولذلك لم يعد بذل المال في الخلع تبذيرا ولا سفها، فيجوز له بذل مالها لتحصيل حظها، وحفظ نفسها ومالها، كما يجوز بذله في مداواتها، وفكها من الأسر([69]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر في سبب طلب مخالعة المرأة لزوجها، فإن كان سببا معتبرا ثابتا، وأن علاجه يستحيل بغير الخلع جازت المخالعة ولو كانت محجورا عليها، لأن الحجر مرتبط بإضاعة المال فيما لا مصلحة فيه، وهذا فيه المصلحة العظيمة للمرأة، فكان بالنسبة لها كالدواء الذي تضطر إلى استعماله، ولا خلاف بين الفقهاء في أن المحجور عليه يملك شراء مثل هذا الدواء.

والدليل الأكبر على هذا هو أن الرجل المحجور عليه يملك أن يطلق زوجته، وأنه لايقف في سبيله أحد إذا أراد ذلك مع أنه قد بذل مالا لزوجته من النفقة والمهر، وسيحتاج إلى مال آخر إذا أراد الزواج، فكيف نجيز له التصرف في ماله لمثل هذه الحاجة، ولا نجيز لها التصرف فيها، مع أن كلا من الخلع والطلاق يشتركان في كونهما من التفريق الشرعي، بل في كونهما تفريقا بعوض لأن الزوج قد بذل عوضه بالمهر سابقا، والزوجة تبذله بالخلع لاحقا، فالشبه بينهما كبير، فالطلاق هو خلع الرجل، والخلع هو طلاق المرأة.

2 ـ أن تكون صحيحة:

اتفق الفقهاء على أنه يجوز للزوجة المريضة مرضا مخوفا أن تخالع زوجها في مرضها لأنه معاوضة كالبيع، قال ابن قدامة:(المخالعة في المرض صحيحة، سواء كان المريض الزوج أو الزوجة، أو هما جميعا؛ لأنه معاوضة، فصح في المرض، كالبيع. ولا نعلم في هذا خلافا)([70])واختلفوا في المقدار الذي يأخذه الزوج في مقابل ذلك مخافة أن تكون الزوجة راغبة في محاباته على حساب الورثة على قولين:

القول الأول: أن اختلعت المريضة بمهرها الذي كان لها على زوجها، ثم ماتت في العدة، فله الأقل من ميراثه، ومن المهر إن كان يخرج من ثلث مالها مهر، وإن لم يكن لها مال سوى ذلك، فله الأقل من ميراثه منها، ومن الثلث، وإن ماتت بعد انقضاء العدة، فله المهر من ثلث مالها، وهو قول الحنفية خلافا لزفر الذي اعتبار البدل من جميع المال، لا من ثلثه، واعتبر الخلع بالنكاح، فإن المريض لو تزوج امرأة بصداق مثلها اعتبر من جميع ماله؛ لأن ذلك من حوائجه، وكذلك المريضة إذا اختلعت؛ لأن ذلك من حوائجها لتتخلص به من أذى الزوج([71]).

القول الثاني: أن الخلع إن كان بمهر المثل نفذ دون اعتبار الثلث، وإن كان بأكثر فالزيادة كالوصية للزوج، وهو قول الشافعية وتعتبر الزيادة الثلث، ولا تكون كالوصية للوارث لخروجه بالخلع عن الإرث، ولو اختلعت بجمل قيمته مائة درهم ومهر مثلها خمسون درهما فقد حابت بنصف الجمل، فينظر إن خرجت المحاباة من الثلث، فالجمل كله للزوج عوضا ووصية([72]).

القول الثالث: أن للزوج ما خالعته عليه إن كان قدر ميراثه منها فما دون، وإن كان بزيادة فله الأقل من المسمى في الخلع أو ميراثه منها؛ وهو قول الحنابلة، ومن الأدلة على ذلك، أن ذلك لا تهمة فيه بخلاف الأكثر منها، فإن الخلع إن وقع بأكثر من الميراث تطرقت إليه التهمة من قصد إيصالها إليه شيئا من مالها بغير عوض على وجه لم تكن قادرة عليه أشبه ما لو أوصت أو أقرت له، وإن وقع بأقل من الميراث فالباقي هو أسقط حقه منه فلم يستحقه، فتعين استحقاقه الأقل منهما، وإن شفيت من مرضها ذاك الذي خالعته فيه فله جميع ما خالعها به كما لو خالعها في الصحة؛ لأنه ليس من مرض موتها([73]).

القول الرابع: أنه يجوز خلع الزوجة المريضة مرضا مخوفا إن كان بدل الخلع بقدر إرثه أو أقل لو ماتت، ولا يتوارثان، وهو قول المالكية([74])، أما إن زاد بأن كان إرثه منها عشرة وخالعته بخمسة عشر وأولى لو خالعته بجميع مالها فيحرم عليه لإعانته لها على الحرام، وينفذ الطلاق ولا توارث بينهما إن كان الزوج صحيحا، ولو ماتت في عدتها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الرابع، وقريب منه القول الثالث، فهما أحوط الأقوال، وأكثرها سدا للذريعة، وأجلبها لمصلحة الزوجة وورثتها، لأن الخلع في مرض الموت أو المرض المخوف لا مبرر له، وربما كان المبرر الوحيد الذي يسوغه أن يتحيل الزوج بطلب الخلع إسقاط حق الورثة في الميراث، ويستغل في ذلك مرض الزوجة المخوف ليملي لها بهذه الحيلة.

وفي تيسير مثل هذه الحيلة بالقول بإيقاعها ضرر للمرأة ولورثتها، أما المرأة فقد يضارها زوجها في تلك الحالة لتطلب منه فداء نفسها، والمضارة هنا كما قد يفهم، ليس المراد منها المضارة التي يفرق بسببها القاضي، لأن المضارة التي يلحظها القاضي لا تتعدى المضار المادية بخلاف الأضرار النفسية والمعنوية، والتي تتفاقم في حال مثل هذا المرض الخطير، فلذلك عدم اعتبار المخالعة في تلك الحالة يسد عليه باب الشر في نفسه وباب الشر عن زوجه.

أما الورثة، فإن الشرع أعطاهم حقوقهم بسبب قربهم وحاجتهم كما أعطى الزوج حقه من الميراث، فلا يتعدى أحدهما حق الآخر، فتعدي أي طرف لذلك يعامل بنقيضه، ولنتصور لتقريب المسألة امرأة يكون لها أب ضعيف أو أم محتاجة، فيأتي هذا الزوج الجشع ليأخذ كل مالها، ويحرمها ويحرم من أعطاهم الشرع من الميراث لأنه لم يخسر شيئا، فالزوجة على أبواب الموت.

ثم إن الأدب الشرعي الذي يلزم الشرع بتطبيقه تشريعا وتوجيها يقتضي الوقوف مع المرأة في هذه الحالة، وإلزام الزوج بمساندتها ولو بتطليقها بغير عوض، لا أن يزيد طينتها بلة، ويأخذ منها مالها بغير حق.

3 ـ أن تكون زوجة:

اتفق الفقهاء على أن الخلع لا يصح إلا مع الزوجة التي في عصمة زوجها حقيقة، وهي التي لم تفارق زوجها بطلاق بائن ونحوه، كاللعان مثلا.

واختلفوا فيما لو كانت زوجته حكما، وهي التي طلقها زوجها طلاقا رجعيا، ولم تنقض عدتها، هل تصح مخالعتها أم لا على قولين:

القول الأول: مخالعة الزوج للرجعية في أثناء العدة صحيحة، ولا تسترد المال الذي دفعته للزوج ولزم الزوج أن يوقع عليها طلقة أخرى بائنة، وهو قول المالكية، وعند الشافعية في أظهر الأقوال، وهو مذهب الحنابلة سوى الخرقي، ومن الأدلة على ذلك أنها حينئذ زوجة والنكاح بينها وبين زوجها قائم، وتسري عليها كافة الأحكام الخاصة بالزوجات، ولو مات زوجها قبل انقضاء عدتها فإنها ترث منه.

القول الثاني: عدم صحة مخالعتها، وهو قول للشافعية([75])، لعدم الحاجة إلى الافتداء.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، لأن الغرض من الخلع هو تحقيق رغبة المرأة في انفصالها عن زوجها في حال عدم رضى الزوج بطلاق زوجته، فإذا تحققت الرغبة من الرجل في طلاقها انتفى الداعي للخلع، وكان فيه مضرة محضة للمرأة، وطمع خالص من الرجل، وهو من أكل المال بالباطل، فهو طلقها ثم استرد ما أعطاه الشرع لها من غير وجه حق، وذلك يتنافى مع التفريق الحسن الذي أوجبه الشرع، فهذا بدل ان يعطيها متعتها سلبها مهرها.

ولكن مع ذلك إن أراد الزوج مخالعة شرعية، فيمكنه أن يرجعها ويحسن إليها ولا يضارها لتفتدي منه، فإن طلبت الفرقة بعد ذلك كان ذلك سببا وجيها للفرقة، وأبيح به ما حرم عليه من أخذ مالها، وتوفر كل ذلك يقتضي تحريا من القضاء، لأن في التطليق السابق ثم الإرجاع وطلب المخالعة يحمل شبهة المضارة، فيحتاج ذلك إلى نوع من التحري حتى لا يؤكل مال المرأة بالباطل.

4 ـ أن لا يكون ملتزم العوض أجنبيا

وهو إما أن يكون ولي المرأة، أو فضوليا متطوعا، وسنتكلم عن كليهما فيما يلي:

خلع الفضولي:

وقد اختلف الفقهاء هنا في صحة خلع الفضولي أو الأجنبي أو المتطوع على اختلاف عباراتهم فيه على قولين:

القول الأول: جوازه وصحته، وهو قول الجمهور، قال ابن قدامة:(وهذا قول أكثر أهل العلم)([76])، ولهم في ذلك بعض التفاصيل نذكرها فيما يلي:

فقد شرط الحنفية([77]) أن يضيف البدل إلى نفسه على وجه يفيد ضمانه له أو ملكه إياه، مثل أن يقول: اخلعها بألف علي أو على أني ضامن أو على ألفي هذه، فإن أرسل الخلع بأن قال: على ألف أو على هذا الجمل، فإن قبلت لزمها تسليمه، أو قيمته إن عجزت، وإن أضافه إلى غيره كجمل فلان اعتبر قبول فلان.

وهو جائز عند المالكية([78]) مطلقا سواء قصد الفضولي بذلك جلب مصلحة أو درء مفسدة أو إسقاط نفقتها عن الزوج، إلا أن ابن عبد السلام من المالكية قيد صحته بعدم قصد الفضولي إسقاط نفقة العدة عن الزوج([79]).

ونص الشافعية([80]) على جوازه بناء على أن الخلع طلاق، سواء أكان بلفظ طلاق أم خلع، قال الشافعي:(لا يجوز خلع المحجور عليها بحال إلا بأن يتطوع عنها أحد يجوز أمره في ماله فيعطي الزوج شيئا على أن يفارقها فيجوز للزوج([81])فخلع الفضولي عندهم بناء على هذا القول كاختلاع الزوجة لفظا وحكما، فإذا قال الزوج للفضولي طلقت امرأتي على ألف في ذمتك فقبل، أو قال الفضولي للزوج: طلق امرأتك على ألف في ذمتي فأجاب، وقع الطلاق بائنا بالمسمى، وللزوج أن يرجع قبل قبول الفضولي نظرا لشوب التعليق، وللفضولي أن يرجع قبل إجابة الزوج نظرا لشوب الجعالة

ونص أكثر الحنابلة على أن خلع الفضولي جائز، ولا تتوقف صحته على قبول المرأة فيكون التزامه للمال فداء لها، كالتزام المال لعتق السيد عبده، وقد يكون له في ذلك غرض صحيح، كتخليصها ممن يسيء عشرتها ويمنعها حقوقها.

ونص الإمامية على أنه يصح بذل الفداء منها، ومن وكيلها، وممن يضمنه بإذنها، واختلفوا في الفضولي، وذكروا أن الأشبه المنع، أما لو قال: طلقها على ألف من مالها وعلي ضمانها، أو على عبدها هذا وعلي ضمانه صح. فإن لم ترض بدفع البذل صح الخلع، وضمن المتبرع، وفيه تردد([82]).

ونص الزيدية على أنه لا يشترط كون عوض الخلع من الزوجة، بل يصح من غيرها كثمن المبيع، ويصح مخالعة الأب والأجنبي عنها، كما يصح مخالعتها بنفسها، إذ الطلاق إلى الزوج فلا يحتاج إلى قبولها إلا لالتزام العوض فقط، فإن التزمه غيرها وقع الطلاق لكمال شرطه وصحة الالتزام([83]).

ومن الأدلة على ذلك([84]):

1 ـ أنه بذل مال في مقابلة إسقاط حق عن غيره فصح، كما لو قال: أعتق عبدك، وعلي ثمنه.

2 ـ أنه لو قال: ألق متاعك في البحر وعلي ثمنه صح، ولزمه ذلك، مع أنه لا يسقط حقا عن أحد، فهاهنا أولى.

3 ـ أنه حق على المرأة، يجوز أن يسقط عنها بعوض، فجاز لغيرها، كالدين.

4 ـ أنه يحتلف عن البيع، لأنه تمليك، فلا يجوز بغير رضاء من يثبت له الملك.

القول الثاني: عدم صحة خلع الفضولي، وهو قول أبي ثور، ومن قال من الشافعية والحنابلة إن الخلع فسخ، وهو القول الأرجح عند الإمامية، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن الفضولي يبذل عوضا في مقابلة ما لا منفعة له فيه.

2 ـ أن الفسخ بلا سبب لا ينفرد به الزوج فلا يصح طلبه منه.

3 ـ أن الخلع من عقود المعاوضات، فلا يجوز لزوم العوض لغير صاحب المعوض كالبيع.

4 ـ أنه تعالى أضاف الفدية إليها في قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } (البقرة:229)وبذل الوكيل والضامن بإذنها كبذلها، فيبقى المتبرع على أصل المنع.

5 ـ أصالة بقاء النكاح إلى أن يثبت المزيل.

6 ـ مفهوم الخطاب،فلا يملك الزوج البذل، ولا يقع الطلاق إن لم يتبع به، فإن أتبع به كان رجعيا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن صحة خلع الفضولي تتوقف على ثلاثة اعتبارات دلت عليها الأدلة الخاصة والعامة، وتحققت فيها المقاصد الشرعية، وهذه الاعتبارات هي:

1 ـ النظر إلى موقف المرأة من هذا الخلع، فإن كان ذلك موافقا لرغبتها، ومنسجما مع حبها للتخلص من عشرة زوجها، فإن خلع الفضولي هنا يصح، ودليل ذلك أن الخلع هو حل العصمة بيد المرأة، فإذا ما تدخل أجنبي على غير ما ترضى المرأة لا يعتبر في الشرع خلعا، وهو بذلك تغيير للمعنى الشرعي لحقيقة الخلع.

2 ـ النظر للحياة الزوجية، فإذا ما كانت هذه الحياة يسودها الشقاق، ويتحكم فيها سوء العشرة، ولا تستقر فيها السكينة، ولم يجد الوعظ للزوجين شيئا، ولا كل الطرق التي سبق ذكرها من الحلول الشرعية للمخالفات الزوجية، ورأى بعض المحسنين أن يغري الزوج ببعض المال لتطليقها كان له ذلك بشرط موافقة المرأة كما ذكرنا سابقا، أو ثبوت الضرر الشديد في حال عدم موافقتها.

3 ـ النظر في سبب تدخل الفضولي، وهو أهم ما ينبغي أن يراعى، فلا نقر ما ذكر أصحاب القولين من أنه بذل للمال في غير غرض، وتشبيه ذلك بمن قال: ألق متاعك في البحر وعلي ثمنه، لأن أغراض الفضولي هاهنا تتنوع بتنوع الخير والشر في الناس، فقد يكون غرضه نبيلا يريد أن ينقذ المرأة من زوج لا تتحمل العشرة معه، يقدم ذلك خالصا لوجه الله، وقد يكون غرض حاسد رأى حاجة الزوج إلى المال، وحسده على زوجته، فاستغل فرصة الحاجة ليفرق بينه وبين زوجه، وقد يكون غرض حاقد استغل غناه وحاجة الزوج أو طمعه لينفذ انتقامه في الزوجة أو وليها أو أولادها، وقد يكون غرض شهواني لم تملأ عينه كل نساء الدنيا، وطمح ببصره لامرأة متزوجة، فبذل ماله ليفرق بينها وبين زوجها.

ولا يمكن أن نحصر وجوه المقاصد خيرها وشرها هنا، ولكنها كلها ليست من النوع الذي ذكر الفقهاء، وإلا لعد الفضولي سفيها يحجر عليه لإنفاقه المال في غير غرض.

بناء على هذه الاعتبارات الثلاثة، فإن خلع الفضولي لا يقر شرعا إلا بمراعاتها جميعا سدا للذريعة حتى لا تحطم الأسر المبنية على كلمة الله وميثاقه الغليظ بالأموال.

خلع الولي:

اختلف الفقهاء في صحة خلع الولي ونفوذها على قولين([85]):

القول الأول: عدم جواز مخالعة الولي، فليس للأب أن يخالع على شيء من مال ابنته، سواء كانت محجورا عليها، أو لم تكن، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وابن حزم، ومن الأدلة على ذلك([86]):

1 ـ قوله تعالى:{ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } (الأنعام:164) فمخالعة الأب أو الوصي أو السلطان عن صغيرة أو كبيرة كسب على غيره، وهو لا يجوز.

2 ـ قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }(النساء:29)، واستحلال الزوج مالها بغير رضا منها أكل مال بالباطل، وهو حرام.

3 ـ أنه ليس له ولاية إلزام المال إياها بهذا السبب إذ لا منفعة لها فيه، ولا يدخل في ملكها بمقابلة شيء.

4 ـ أن ذلك تبرع بمالها فلا يملكه، كما لا يملك إسقاط سائر ديونها.

وقد نص الحنفية هنا على أنه إذا خلع الرجل ابنته الصغيرة أو الكبيرة من زوجها على صداقها ولم يدخل بها وضمنه الأب وقع الطلاق، وإن لم يضمنه الأب لم يقع، وقد فرقوا بينهما بأن الزوج أزال ملكه عن بعضها بشرط أن يسلم البدل له، فإذا ضمن فقد سلم له البدل، فحصل مقصوده بالعقد فوقع وليس كذلك إذا لم يضمن، لأنه لم يحصل مقصوده بالعقد، وهو إنما رضي بزوال ملكه عن البضع بشرط أن يسلم البدل له، ولم يسلم فلم يقع الطلاق([87]).

ونص الزيدية على أن (للأب مخالعة زوج ابنته الصغيرة حيث العوض منه، إذ لا يشترط النشوز إلا حيث العوض منها، لقوله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }(البقرة:229)) ([88])

القول الثاني: يجوز له أن يخالع عن ابنته الصغيرة بكرا كانت أو ثيبا، وهو قول مالك، وروى عنه أن له أن يخالع عن ابنته البكر مطلقا؛ لكونه يجبرها على النكاح. وروي عنه أنه يخالع عن ابنته مطلقا، كما يجوز له أن يزوجها بدون مهر المثل للمصلحة، وفي المدونة:(أرأيت إن خالعها الأب وهي صبية صغيرة على أن يترك لزوجها مهرها كله أيكون ذلك جائزا على الصبية في قول مالك؟ قال: نعم) ([89])

أما الثيب فقد روى ابن القاسم عن مالك:(إذا زوج الرجل ابنته وهي ثيب من رجل فخلعها الأب من زوجها على أن ضمن الصداق للزوج، وذلك بعد البناء فلم ترض الثيب أن تتبع الأب، فإن لها أن تتبع الزوج وتأخذ صداقها من الزوج، ويكون ذلك للزوج على الأب دينا يأخذه من الأب.. وكذلك الأخ في هذا هو بمنزلة الأب)([90])

وقد نص بعض الشافعية على أنه يجوز في حق البكر الصغيرة أن يخالعها بالإبراء من نصف مهرها في حالة اعتبار من بيده عقدة النكاح هو الولي([91])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن للأب أن يتملك لنفسه من مال ولده ما لا يضر بالولد، حتى لو زوجها واشترط لنفسه بعض الصداق جاز له ذلك.

2 ـ إذا كان له من التصرف في المال والتملك هذا التصرف لم يبق إلا طلبه لفرقتها، وذلك يملكه بإجماع المسلمين.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى الاعتبارات التي ذكرناها في خلع الفضولي، فإن الأب وإن كان الظاهر عليه الشفقة على ابنته إلا أن ذلك ليس عاما، وفي حال عمومه ليست كل شفقة تكون في مصلحة المشفق عليه، فلذلك وجب الرجوع إلى التعرف على رغبة المرأة الصادقة الخالية عن كل تأثير أجنبي حتى لو كان تأثير والدها.

لأن الشرع وإن أعطى للوالدين مكانة سامية، وطالب بحقهما، إلا أن حقهما محدود بالضوابط الشرعية، فليس من حقهما تطليق الزوج من زوجته، ولا الزوجة من زوجها، وإلا أصبح الأبناء في سجن الآباء وارتفع عنهم التكليف.

والنظر الذي ينبغي أن يركز عليه هنا ليس العوض الذي ستدفعه المرأة أو ينوب عنها وليها في دفعه، وإنما في العلة التي تدفع إلى كل ذلك، فقد تأخذ الأب أنفة لموقف من مواقف صهره، فيبذل ماله، بل مال ابنته ليفرقها عنه، فيحطم أسرة من أجل غضبة غضبها، نفخ فيها الشيطان، فالخلع حق المرأة وحدها كحق الرجل في الطلاق، وتدخل الأجانب في هذه الحقوق من غير سبب مثار للتهمة، فلذلك يكون أولى الأقوال فيها وأصلحها سد الذريعة أمام كل ثغرة قد يدخل منها الشيطان للتفريق بين المرء وزوجه.

فلا يمكن انطلاقا من هذا التزام قول بعينه والافتاء به في كل الأحوال، بل لكل قول مناسبته، ولكل حال حكمه، ولأن يخطئ المفتي فيجمع شمل أسرة على قول من الأقوال حتى يصلح الله بينها، خير من أن يصيب في التفريق بينهما.

الركن الثالث: صيغة الخلع

صيغة الخلع هي الإيجاب والقبول، وقد ذكرنا أنهما ركنا الخلع عند الحنفية إن كان بعوض، ويتعلق بهذا الركن الممسائل التالية:

شروط صيغة الخلع:

ذكر الفقهاء لصيغة الخلع شروطا تؤكد إرادة الخلع، وهي نفس الشروط التي سبق ذكرها في صيغة الطلاق، ولهذا نصوا على أن شرطه شرط الطلاق([92])، وهي الشروط المعهودة في الفقه في مسألة الصيغة كعدم التعليق، وعدم التأقيت، وأن لا يتخلل الإيجاب والقبول كلام أجنبي ولا سكوت طويل، وأن يتوافقا معنى، وغيرها([93])، وسنذكر هنا بعضها على اختلاف بين الفقهاء في اعتبار بعض تفاصيلها:

1 ـ إن بدأ الزوج بصيغة معاوضة، كقوله خالعتك على كذا القبول لفظا ممن يتأتى منه النطق، وبالإشارة المفهمة من الأخرس وبالكتابة منهما.

2 ـ أن لا يتخلل بين الإيجاب والقبول كلام أجنبي كثير ممن يطلب منه الجواب لإشعاره بالإعراض بخلاف اليسير مطلقا، والكثير ممن لم يطلب منه الجواب.

3 ـ أن يكون القبول على وفق الإيجاب، فلو اختلف الإيجاب والقبول كطلقتك بألف فقبلت بألفين، وعكسه كطلقتك بألفين فقبلت بألف، أو طلقتك ثلاثا بألف فقبلت واحدة بثلث ألف، فلغو في المسائل الثلاث للمخالفة كما في البيع.

4 ـ أنه إذا ابتدأ الزوج بصيغة تعليق في الإثبات، كمتى أو متى ما، أو أي حين، أو زمان، أو وقت أعطيتني كذا فأنت طالق فلا يشترط فيه القبول لفظا؛ لأن الصيغة لا تقتضيه، ولا يشترط الإعطاء فورا في المجلس أي مجلس التواجب. بخلاف ما لو ابتدأ بصيغة تعليق في النفي، كقوله متى لم تعطني كذا فأنت طالق، فإنه يكون على الفور ومثل ذلك ما لو قالت له: متى طلقتني فلك علي ألف، فإن الجواب يختص بمجلس التواجب.

ونرى أن هذه الشروط وغيرها مما يؤكد إرادة الخلع قد تختلف بحسب الأحوال، فلذلك كانت العبرة برضا الطرفين بالخلع، لا بالصيغة الشكلية لمجلس الخلع، فلو تخلل مثلا بين الإيجاب والقبول كلام أجنبي كثير ممن يطلب منه الجواب، ثم أجاب، وأقره القابل، وعلم هذا الإقرار ولو من غير تصريح كان كافيا لصحة الخلع، لأن الإشعار بالإعراض وتأثيره في حال عدم الرضا لا في كل حال، وهكذا يقال في كل الشروط، بل قد تضاف لها شروط أخرى بحسب الأعراف المختلفة، والعبرة في الخيرة ترجع إلى الرضا لا بشكل الكلام.

ألفاظ الخلع

اختلف الفقهاء في الألفاظ التي يعبر بها عن الخلع اختلافا لا يمكن ضبطه، فلذلك نكتفي بذكر أقوال فقهاء بعض المذاهب المشتهرة:

عند الحنفية: ألفاظ الخلع سبعة وهي([94]): خالعتك – باينتك – بارأتك – فارقتك – طلقي نفسك على ألف – والبيع كبعت نفسك – والشراء كاشتري نفسك.

عند المالكية: أربعة ألفاظ وهي([95]): الخلع والفدية، والصلح، والمبارأة وكلها تؤول إلى معنى واحد وهو بذل المرأة العوض على طلاقها.

وعن ابن القاسم فيمن قال: أنت طالق واحدة بائنة فهي البتة في التي بنى بها، وإن قال: هي طالق طلاق الخلع فهي واحدة بائنة وكذلك إن قال: خالعت امرأتي أو باريتها أو افتدت مني لزمته طلقة بائنة، وقال أصبغ: إن قال لها: أنت صلح أو طالق طلاق الصلح أو قد صالحتك أو يقول اشهدوا أني قد صالحت امرأتي وهي غائبة أو حاضرة راضية أو كارهة أخذ منها عوض أو لم يؤخذ فهي طلقة بائنة، وكذلك قوله أنت مبارية أو طلقتك طلاق المبارأة أو قد بارأتك رضيت أو لم ترض.

عند الشافعية والحنابلة: تنقسم ألفاظ الخلع عندهما([96]) إلى صريح وكناية: فالصريح المتفق عليه عندهم لفظان: لفظ خلع وما يشتق منه لأنه ثبت له العرف. ولفظ المفاداة وما يشتق منه لوروده في القرآن، وزاد الحنابلة لفظ فسخ لأنه حقيقة فيه، وهو من كنايات الخلع عند الشافعية ومن كناياته عندهم أيضا بيع، ولفظ بارأتك، وأبرأتك، وأبنتك.

وصريح الخلع وكنايته، كصريح طلاق وكنايته عند الشافعية والحنابلة، فإذا طلبت الخلع وبذلت العوض فأجابها بصريح الخلع وكنايته، صح من غير نية؛ لأن دلالة الحال من سؤال الخلع، وبذل العوض صارفة إليه فأغنى عن النية فيه، وإن لم يكن دلالة حال فأتى بصريح الخلع وقع من غير نية، سواء قلنا هو فسخ أو طلاق، ولا يقع بالكناية إلا بنية ممن تلفظ به منهما، ككنايات الطلاق مع صريحه.

قال الشافعي: وجماع هذا أن ينظر إلى كل كلام يقع به الطلاق بلا خلع فنوقعه به في الخلع، وكل ما لا يقع به طلاق بحال على الابتداء يوقع به خلع، فلا نوقع به خلعا حتى ينوي به الطلاق، وإذا لم يقع به طلاق فما أخذ الزوج من المرأة مردود عليها، فإن نوى بالخلع اثنتين أو ثلاثا فهو ما نوى، وكذلك إن سمى عددا من الطلاق فهو ما سمى([97]).

عند الزيدية: وصريحه عندهم هو الخلع وما يتصرف منه كخالعتك وأنت مخالعة وكذا المبارأة، أما كنايته فهو ذكر العوض مع لفظه فإنه إذا قال خالعتك أو بارأتك على كذا فهو كناية طلاق إن أراد به الطلاق، ولزم كسائر الكنايات وإلا لم يقع، والقول قوله في ذلك، لأنه لا يعرف إلا من جهته بخلاف قوله طلقتك وأنت طالق على كذا فإنه صريح طلاق([98]).

عند الإمامية: صيغة الخلع عندهم([99]) أن يقول الزوج: خلعتك على كذا، أو أنت مختلعة على كذا، أو خلعت فلانة أو هي مختلعة على كذا، ثم يتبعه بالطلاق على الفور فيقول بعد ذلك: فأنت طالق في القول الأقوى عندهم، وقيل: يقع بمجرده من غير إتباعه به، فإن اعتبر إتباعه بالطلاق فلا شبهة في عده طلاقا، وعلى القول الآخر هل يكون فسخا، أو طلاقا قولان أصحهما الثاني.

وعلى القولين لا بد من قبول المرأة عقيبه، بلا فصل معتد به، أو تقدم سؤالها له قبله كذلك، ولو أتى بالطلاق مع العوض، فقال: أنت طالق على كذا مع سبق سؤالها له، أو مع قبولها بعده كذلك أغنى عن لفظ الخلع وأفاد فائدته، ولم يفتقر إلى ما يفتقر إليه الخلع من كراهتها له خاصة لأنه طلاق بعوض لا خلع.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في هذا هو أن ما ذكره الفقهاء من ألفاظ الخلع ربما يعبر عن بيئات معينة وفي وقت معين، ولا يعبر عن موقف الشريعة العام، لأن الشريعة ليست مختصة بجنس دون جنس ولا لسان دون لسان ولا عصر دون عصر، فلذلك نرى بدل تحديد ألفاظ تعبر عن معان أرادها الشرع ورتب عليها آثارها، وعبر عنها بالصيغ التي يفهمها الناس زمن الوحي، أن نضع القيود حول المعاني المقصودة حتى تنضبط بضابط الشرع، فإذا ماضبط ترك للناس بحسب بيئاتهم وأعرافهم وألسنتهم حرية التعبير عنها، فقد يعبر عنها بعضهم بكلمة وبعضهم بجملة وبعضهم بنص طويل.

وإنما قلنا هذا الترجيح لسببين:

1 ـ سبب متعلق بالخلع، وهو أن الكلام في أمور لا تستعمل ولا توجد في الواقع بعد عن الفقه، لأن الغرض منه حل مشكلات الواقع لا التحليق خارج إطاره.

2 ـ سبب متعلق بتعليم الفقه خاصة، وهو أن طالب هذا العلم يرهق نفسه بحفظ صيغ الطلاق والخلع والنكاح والبيع وغيرها لينغمس بذلك في الحرفية، فيعامل الناس بألفاظهم لا بمقاصدهم، وهو خلاف طلب الشرع.

وقد ذكر ابن القيم أن القاعدة في هذا ومثله هو أن العبارة وضعت لخدمة المقصد، ولا يصح أن تنقلب الحالة، قال في بيان القاعدة الشرعية في ذلك، والتي تدل عليه النصوص الكثيرة: (وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات كما هي معتبرة في التقربات والعبادات؛ فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالا أو حراما، وصحيحا أو فاسدا، وطاعة أو معصية، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة أو صحيحة أو فاسدة)([100])

اشتراط الخيار في الخلع:

نص الحنفية([101]) على أنه يصح للزوجة شرط الخيار في الخلع لا للزوج، لأن إيجاب الزوج يمين ولهذا لا يملك الرجوع عنه، أما من جانبها فهو معاوضة لكون الموجود من جهتها مالا، ولهذا يصح رجوعها قبل القبول، ولا تصح إضافته وتعليقه بالشرط، ولا يتوقف على ما وراء المجلس فصار كالبيع.

قال في الجوهرة النيرة في حقيقة الخلع بين الزوج والزوجة:(وحكمه من جهتها حكم المعاوضة حتى يجوز لها الرجوع عنه، ويبطل بإعراضها ويجوز لها فيه شرط الخيار على الصحيح ولا يصح تعليقه بالأخطار وحكمه من جهة الزوج حكم التعليق أي طلاق معلق بشرط حتى لا يصح رجوعه عنه ولا يجوز له فيه شرط الخيار ولا يبطل بإعراضه عنه ويصح تعليقه بالخطر) ([102])

وهو قول قوي يتوافق مع المصالح الشرعية، لأن الخلع هو طلاق المرأة بعوض، فيجوز لها التراجع عن ذلك إن شرطته ما دامت في عدتها، فهو في ذلك يشبه طلاق الرجل من أن له أن يتراجع عن طلاقه بالرجعة ما دامت المرأة في عدتها.

الركن الرابع: العوض في الخلع

ويتعلق به المسائل التالية:

مقداره:

أجمع العلماء([103]) على إجازة الخلع بالصداق الذي أصدقها إذا لم يكن مضرا بها، وخافا ألا يقيما حدود الله، واختلفوا في الخلع على أكثر مما أعطاها على قولين:

القول الأول: جواز الخلع بقليل المال وكثيره وبأكثر من الصداق وبمالها كله إذا كان ذلك من قبلها، قال ابن قدامة:(وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن عثمان وابن عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد وقبيصة بن ذؤيب والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. ويروى عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: لو اختلعت امرأة من زوجها بميراثها، وعقاص رأسها كان ذلك جائزا)([104])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قول الله تعالى: { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }(البقرة:229)، قال إسماعيل:(فإن قال قائل: إنما هو معطوف على ما أعطاها من صداق أو بعضه، قيل له: لو كان كذلك لكان { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }(البقرة:229) منه أو من ذلك، وهو بمنزلة من قال: لا تضربن فلانا إلا أن تخاف منه، فإن خفته فلا جناح عليك فيما صنعت به، فهذا إن خافه كان الأمر إليه فيما يفعل به، لأنه لو أراد الضرب خاصة لقال من الضرب أو فيما صنعت به منه)([105])

2 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك بامرأة ثابت بن قيس بن شماس حين جاءت فقالت: لا أنا ولا ثابت لزوجها، وقالت: يا رسول الله كل ما أعطاني عندي وافر، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(خذ منها) فأخذ منها وترك، وفي حديث آخر ذكره ابن نبهان حين تحاكما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أتردين إليه حديقته؟ قالت: نعم، وأزيده فأعاد ذلك ثلاث مرات، فقال عند الرابعة: ردي عليه حديقته وزيديه([106]).

3 ـ عن ابن سيرين قال: جاءت امرأة إلى عمر تشتكي زوجها فحبست في بيت فيه زبل فباتت فلما أصبحت بعث إليها فقال: كيف بت الليلة؟ فقالت: ما بت ليلة أكون فيها أقر عينا من الليلة، فسألها عن زوجها فأثنت عليه خيرا وقالت: إنه وإنه ولكن لا أملك غير هذا، فأذن لها عمر في الفداء.

4 ـ رواية ذلك عن السلف، قال مالك:(ولم أر أحدا ممن يقتدى به يكره أن تفتدي المرأة بأكثر من صداقها، وقد قال الله تعالى: { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } (البقرة:229)، وإن مولاة لصفية اختلعت من زوجها بكل شيء لها فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر، وقال ربيعة وأبو الزناد: لا جناح عليه أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها([107])قالت الربيع بنت معوذ: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي، فأجاز ذلك عثمان بن عفان، قال ابن قدامة:(ومثل هذا يشتهر، فلم ينكر، فيكون إجماعا ولم يصح عن علي خلافه([108])

5 ـ أنه إذا حل له أن يأكل ما طابت به نفسا له من غير فراق، جاز له أن يأكل ما طابت له به نفسا وتأخذه بالفراق إذا كان ذلك برضاها ولم يضرها.

القول الثاني: لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وروي عن علي وهو قول طاوس وعطاء سعيد بن المسيب والحسن وطاوس وسعيد بن جبير والأوزاعي، وبه قال أحمد وإسحاق قال الأوزاعي:(كان القضاة لا يجيزون أن يأخذ إلا ما ساق إليها)، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبى ابن سلول وكان أصدقها حديقة فكرهته فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم:(أما الزيادة فلا، ولكن حديقته، فقالت: نعم فأخذها له وخلى سبيلها.

2 ـ روى عن عطاء مرسلا أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال:(لا يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها)

3 ـ أنه بدل في مقابلة فسخ، فلم يزد على قدره في ابتداء العقد، كالعوض في الإقالة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو توقفها على حكم القاضي الذي ينظر في ملابسات المسألة، فيحكم لكل حالة بحكمها، فإن ما قاله جمهور الفقهاء قد يصدق على زوجة لا يزيد ما تملكه على ما أعطاها زوجها إلا شيئا قليلا قد لا تعتبر زيادته، وقد لا تتضرر بنقصانه، لكن إن كان للزوجة مال كثير، ثم احتال عليها زوجها بأنواع المضارة التي قد لا يفطن لها، أو لا تعتبر في القضاء، لتفتدي منه، فإذا ما أقدمت على ذلك أخذ يساومها على نفسها ليأخذ أضعاف ما أعطاها.

فمثل هذا الجشع الحريص لا ينبغي أن يفتح له الباب، ويؤذن له في أخذ كل شيء من مالها ما أعطاها وما لم يعطها، بل إن القواعد الشرعية الكثيرة تأبى أن يزاد على ما أعطاها إلا إذا كان ضرره بفقدها شديدا، فتعوض عليه بحسبه، وفق ما يراه ولي الأمر من ذلك.

وليس في الآية التي استشهد بها دليل نصي على أن له أن يقبل منها كل مالها، لأن نص الآية في الأصل على إباحة الخلع لا على تحديد العوض، وفهم الفقيه لهذه الدلالة لا يحولها نصا فيها، ومثلها الحديث المروي في ذلك، فقد روي بروايات مختلفة لا يصح تغليب بعضها على بعض، ولو صح أنها أعطته أكثر مما أعطاها، فقد يكون ذلك مما يستهان بمثله، ومثل ذلك الروايات عن السلف، فقد رويت روايات مختلفة تجعل من كلامهم فيها تعبيرا على أحوال مختلفة، والتعميم في مثل هذا لا يصح، فلمثله يسيل لعاب المحتالين.

شروط العوض

1 ـ عدم الغرر:

اختلف الفقهاء في اعتبار نفي الغرر على قولين:

القول الأول: جواز الغرر في بدل الخلع، وهو قول المالكية([109])، فيجوز على ثمرة لم يبد صلاحها،وعلى جمل شارد، أو جنين في بطن أمه، أو نحو ذلك من وجوه الغرر، على خلاف البيوع والنكاح، وله المطالبة بذلك كله، فإن سلم كان له، وإن لم يسلم فلا شئ له، والطلاق نافذ على حكمه، فإن خالعها على جميع ما تملك، ولم يوجد لها شيء، أو وجد فيه ما لا ينتفع به كالحجر، فقد اختلف فيه قول المالكية على الآراء التالية([110]):

الرأي الأول: لا يلزمه طلاق، وإن وجد فيه ما ينتفع به كالدرهم ونحوه لزمه الخلع، وهو قول أشهب، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أنها غرته فلم يلزمه الخلع كما لو قالت له: أخالعك بعبدي هذا، وهو حر، فإنه لا يلزمه خلع، أو أخالعك بهذه الدار ولم تكن لها.

2 ـ أنه إنما أوقع الطلاق بشرط أن يحصل له شيء ينتفع به، فلما وجده على غير ذلك بطل الطلاق جملة كما لو غرته من حر فخالعته به على أنه عبد.

الرأي الثاني: يلزمه الخلع؛ لأنه رضي بما غرته به، وهو قول عبد الملك واختاره ابن المواز وسحنون.

الرأي الثالث: قال مطرف: لو أخذت لوزة، أو حصاة وخالعته بها، فإن كان شيء مما ينتفع به، وإن قل فرضي به وعرف ما هو فهو خلع، وأما حصاة وما لا ينتفع به فليس بخلع، وهو طلاق رجعي، ووجه قوله أن الطلاق قد وقع فلما لم يكن له عوض لم يكن بائنا وكان رجعيا.

ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ عموم قوله تعالى: { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }(البقرة:229)

2 ـ أنه مما يملك بالهبة والوصية، فجاز أن يكون عوضا في الخلع كالمعلوم.

3 ـ أن الخلع طلاق، والطلاق يصح بغير عوض أصلا، فإذا صح شئ، فلأن يصح بفاسد العوض أولى، لأن أسوأ حال المبذول أن يكون كالمسكوت عنه، ولما كان النكاح الذي هو عقد تحليل لا يفسده فاسد العوض، فلأن لا يفسد الطلاق الذي هو إتلاف وحل عقد أولى.

القول الثاني: الخلع جائز، مع لزوم التعويض، وقد نسبه ابن قدامة إلى الجمهور، قال:(وجملة ذلك أن الرجل إذا خالع امرأته على عوض يظنه مالا، فبان غير مال، مثل أن يخالعها على عبد تعينه فيبين حرا، أو مغصوبا، أو على خل فيبين خمرا، فإن الخلع صحيح في قول أكثر أهل العلم([111])، وقد حكاه ابن خويز منداد عن مالك، ومن الأدلة على ذلك)([112]):

1 ـ أن عقود المعاوضات إذا تضمنت بدلا فاسدا، وفاتت رجع فيها إلى الواجب في أمثالها من البدل.

2 ـ أنها غرته بتسمية المتاع، لأنه اسم لما يكون متقوما منتفعا، فإذا لم يوجد في البيت شيء كان مغرورا من جهتها.

3 ـ أن للمغرور دفع الضرر عن نفسه بالرجوع على الغار.

4 ـ أن الخلع معاوضة بالبضع، فلا يفسد بفساد العوض، كالنكاح، ولكنه يرجع عليها بطلب العوض.

وقد اختلف أصحاب هذا القول في نوع العوض الذي يلزمه على ثلاثة آراء:

الرأي الأول: أن تعطيه قيمته سليما، وهو قول الحنفية والصاحبين وأبي ثور، فإن خالعها على هذا الدن الخل، فبان خمرا، رجع عليها بمثله خلا؛ لأن الخل من ذوات الأمثال، وقد دخل على أن هذا المعين خل، فكان له مثله، كما لو كان خلا فتلف قبل قبضه، وقد قيل: يرجع بقيمة مثله خلا؛ لأن الخمر ليس من ذوات الأمثال. والصحيح الأول؛ لأنه إنما وجب عليها مثله لو كان خلا، كما توجب قيمة الحر بتقدير كونه عبدا، فإن الحر لا قيمة له، ومن الأدلة على ذلك أنها عين يجب تسليمها مع سلامتها، وبقاء سبب الاستحقاق، فوجب بدلها مقدرا بقيمتها أو مثلها، كالمغصوب والمستعار، ومن أمثلة ذلك:

1 ـ إن خالعها على ثوب وصفه فإنه يصح، وعليها أن تعطيه إياه سليما؛ لأن إطلاق ذلك يقتضي السلامة، كما في البيع والصداق. فإن دفعته إليه معيبا، أو ناقصا عن الصفات المذكورة، فله الخيار بين إمساكه، أو رده والمطالبة بثوب سليم على تلك الصفة؛ لأنه إنما وجب في الذمة سليما تام الصفات، فيرجع بما وجب له، لأنها ما أعطته الذي وجب له عليها([113]).

2 ـ إن خالعها على ثوب، على أنه قطن، فبان كتانا، لزم رده، ولم يكن له إمساكه؛ لأنه جنس آخر، واختلاف الأجناس كاختلاف الأعيان، بخلاف ما لو خالعها على وصف فخرج على وصف آخر، فإن الجنس واحد.

الرأي الثاني: يرجع بالمسمى، وهو قول أبي حنيفة، لأن خروج البضع لا قيمة له، فإذا غر به، رجع عليها بما أخذت، لأنه لا يمكن إثبات الرجوع بقيمة المتاع؛ لكونه مجهول الجنس، والقدر، ولا بقيمة البضع؛ لأنه عند الخروج من ملك الزوج غير متقوم، فإنه لا يملكها شيئا، إنما يسقط حقه عنها، فكان، أولى الأشياء ما ساق إليها من الصداق، فإن الغرر يندفع عنه بالرجوع بذلك، ومن الأمثلة التي ضربوها لذلك:

1 ـ إن اختلعت منه بما تكتسب العام من مال، أو بما ترثه، أو بما تتزوج عليه، أو بما تحمل غنمها فيما يستقبل كان له المهر الذي أعطاها في جميع ذلك؛ لأن المسمى لا يصلح عوضا في شيء من النقود، لأنه لا يدري أيكون أم لا، أو لأنه مجهول الجنس والصفة، والقدر، فلا يصح التزامه في الخلع، ولكنها غرته بتسمية المال، فيلزمها رد ما ساق إليها بسبب الغرور([114]).

2 ـ ما لو اختلعت على أن تزوجه امرأة وتمهر عنه، فالخلع جائز، والشرط باطل؛ للجهالة المستتمة في المسمى، ولكن الغرور يتمكن لتسمية الإمهار، فعليها رد العوض، وإن اختلعت منه على موصوف من المكيل، أو الموزون، أو النبات، فهو جائز كما في الصداق، وإن اختلعت منه على ثوب أو على دار، فالتسمية فاسدة للجهالة المستتمة كما في الصداق، وله المهر الذي أعطاها بسبب الغرور، وكذلك إن اختلعت منه بدابة للجهالة المستتمة، فإن اسم الدابة يتناول أجناسا مختلفة، فله المهر الذي أعطاها.

الرأي الثالث: يرجع بمهر المثل لأنه عقد على البضع بعوض فاسد، فأشبه النكاح بخمر، وتطبيقاته تشبه تطبيقات الرأي الثاني إلا أنه بدل المسى يعطي مهر المثل.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن الخيار في هذا للمختلع، وحاله في تقبل ذلك وعدمه لا تعدو الحالتين التاليتين:

الحالة الأولى: أن يرضى بالغرر الذي حصل له، ويتقبله، فتخلع المرأة عل أساس رضاه، وذلك لا حرج فيه، وكما استدل الفقهاء على عدم تحديد عوض الخلع كثرة بقوله تعالى:{ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }(البقرة:229)، فينبغي أن يستدلوا بالآية هنا على ذلك، لأن العبرة بالتراضي.

الحالة الثانية: أن لا يرضى بما حصل له من غرر، وهو في هذه الحالة مخير بين أمرين:

1 ـ أن يطلب قيمة ما اتفقا عليه إن اتفقا على شيء معين، فإن لم يتفقا، بأن خالعته مثلا على ما عندها، فظهر أنه ليس لها شيء، فإن الخلع لا يصح هنا إلا إذا رضي الزوج بذلك، لأن الخلع حق المرأة والعوض حق الزوج، ولا ينبغي تغليب حق على حق.

2 ـ أن يرجعها لعصمته، لعدم اكتمال شرائط الخلع، فخلعه لها كان معلقا على العوض، فلما زال العوض زال معه الخلع.

أما ما نص عليه الحنفية والشافعية من تسليم المهر المسمى أو المثل، فإن ذلك لا يتفق مع القواعد الشرعية المصرحة باشتراط الرضا في كل العقود، فقد يكون المسمى بالنسبه لما اختلعا عليه ضخما فتتضرر الزوجة، أو ضئيلا، فيتضرر الزوج، فيدرؤ الغرر القديم بالغرر الجديد، ويزال الغرر الذي فرضه الهوى بالغرر الذي نص عليه الفقه.

حكم الخلع من غير بدل

اختلف الفقهاء في صحة إيقاع الخلع دون عوض على الأقوال التالية([115]):

القول الأول: هو خلع، وهو قول مالك، لأن عدم حصول العوض في الخلع لا يخرجه عن مقتضاه، وأصل ذلك إذا خالع بخمر أو خنزير.

القول الثاني: يكون طلاقا رجعيا، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد، وأشهب، وقيل بأنه الرواية الصحيحة عن مالك، لأنه طلاق عرا عن عوض واستيفاء عدد فكان رجعيا كما لو كان بلفظ الطلاق، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أنه قطع للنكاح، فصح من غير عوض، كالطلاق.

2 ـ أن الأصل في مشروعية الخلع أن توجد من المرأة رغبة عن زوجها، وحاجة إلى فراقه، فتسأله فراقها، فإذا أجابها، حصل المقصود من الخلع، فصح، كما لو كان بعوض.

القول الثالث: لا يصح الخلع إلا بعوض، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، فإذا قال لها: اخلعي نفسك. فقالت: خلعت نفسي، لم يكن خلعا إلا على شيء، إلا أن يكون نوى الطلاق، فيكون ما نوى، وإن لم ينو به الطلاق، لم يكن شيئا، ومثله ما لو قال: فسخت النكاح، ولم ينو به الطلاق، لم يقع شيء، بخلاف ما إذا دخله العوض، فإنه يصير معاوضة، فلا يجتمع له العوض والمعوض.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اعتبار رضا الزوج بذلك، فإن رضي بالخلع من غير بدل كان خلعا، وهذا يتفق مع المصلحة الشرعية في إتاحة الفرص للمراجعة، بخلاف اعتباره طلاقا، لأن الخلع لا يعتبر من عدد الطلاق، فيحصل الفسخ مع بقاء فرص التطليق.

وقد يقال بأن هذا يتناقض مع اعتبار العوض ركنا في الخلع، والجواب على ذلك بأن هذا الركن يتوقف على رضا الزوج، كما أن المهر شرط في الزواج ومع ذلك يمكن أن يكون شيئا رمزيا لا قيمة مادية له، فالعبرة في الجهتين برضا الطرفين.

بل نرى أن في تنازل الزوج عن حقه في العوض من كرم الخلق والمروءة التي توجبها العشرة الزوجية.

الخلع على الحقوق الزوجية

اختلف الفقهاء في كون العوض هو تبرئة المرأة زوجها من حقوقها، كأن تبرئه من نفقة حملها أو من رضاع ولدها، أو تقول له: طلقني وأنا أبرأتك من حقوقي، أو وأنا آخذ الولد بكفالته وأبرأتك من نفقته، ونحو ذلك على قولين:

القول الأول: عدم صحة الخلع على ذلك، وهو قول ابن حزم، قال ابن حزم في بيان وجه استدلاله:(لا يجوز الخلع على أن تبريه من نفقة حملها أو من رضاع ولدها، وكل ذلك باطل، لأنه غير معلوم القدر، وقد يزيد السعر وقد ينقص، ولأنه لم يجب لها بعد، فمخالعتها بما لا تملكه باطل وظلم)([116])

القول الثاني: إنه يصح الخلع على ذلك، وهو قول جماهير العلماء([117])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن الرضاع مما يصح الاستئجار عليه قال الله تعالى: { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}(الطلاق:6) فيصح أن يجعل جعلا في الخلع.

2 ـ أنه يصح الخلع بالمعدوم الذي ينتظر وجوده كما تحمل أمتها وشجرها.

3 ـ أن نفقة حملها ورضاع ولدها، ونفقته قد انعقد سبب وجوده وجوازه.

ولأصحاب هذا القول بعض التفاصيل المرتبطة بهذا الجانب، والتي يعسر ضبطها، وقد ذكرنا منها هنا ما تمس الحاجة إليه على المذاهب الفقهية المشتهرة، ويستدل بما ذكر على ما لم يذكر:

مذهب الحنفية: نص الحنفية على أنه إن خلع امرأته على رضاع ابنه منها سنتين جاز الخلع وعليها أن ترضعه سنتين، فإن مات ابنها قبل أن ترضعه شيئا يرجع عليها بقيمة الرضاع للمدة، وإن مات في بعض المدة رجع عليها بقيمة ما بقي، وهلاك الولد قبل الرضاع كهلاك عوض اختلعت عليه فهلك في يدها قبل التسليم فيرجع إلى قيمته، ولو شرط عليها نفقة الولد بعد الحولين وضرب لذلك أجلا أربع سنين أو ثلاث سنين فذلك باطل، وإن هلك الولد قبل تمام الرضاع فلا شيء عليها؛ لأن النفقة ليس لها مقدار معلوم فكانت الجهالة متفاحشة فلا يلزمها شيء ولكن الطلاق([118]).

مذهب المالكية: نص المالكية على أنه لو خالعها على نفقة ولدها مدة الحولين ورضاعه فيهما جاز ذلك، وقد اختلفوا فيما لو شرط عليها نفقة الابن بعد الحولين أربع سنين أو ثلاثا على رأيين([119]):

الرأي الأول: أن ما زاد على نفقة الابن وإرضاعه في الحولين فهو باطل موضوع عن الزوجة، وإن شرط الزوج وليس له بما بطل من شرطه شيئا، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وقد علل ذلك بأن المتخالعين أدخلا الغرر فيما أوقعا به الخلع من النفقة، وما عدا ذلك من الغرر كالعبد الآبق، والجمل الشارد فالغرر دخل فيه بغير فعلها، وعلل بأنه حق مختص بالأب على كل حال فليس له أن ينقله إلى غيره، والفرق بين هذا وبين نفقة الحولين أن تلك النفقة وهي الرضاع قد تجب على الأم حال الزوجية وبعد الطلاق إذا أعسر الأب فجاز أن تنقل هذه النفقة إلى الأم.

الرأي الثاني: أن ما زاد على الحولين من مدة أربعة أعوام، أو إلى انقضاء أمد الحضانة جائز، وهو رواية المخزومي عن مالك، واختاره سحنون، لأنه إزالة ملك تجوز إزالته بالغرر فجاز إزالته بنفقة أربعة أعوام أصل ذلك العتق.

مذهب الحنابلة: نص الحنابلة على إن خالعها على رضاع ولده عامين، أو سكنى دار صح،فإن مات الولد، أو خربت الدار رجع بأجرة باقي المدة من أجرة الرضاع والدار([120])

ونصوا على انه إن خالعها على كفالة ولده عشر سنين، صح، وإن لم يذكر مدة الرضاع منها، ولا قدر الطعام والأدم، ويرجع عند الإطلاق إلى نفقة مثله، واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(رحم الله أخي موسى، آجر نفسه بطعام بطنه وعفة فرجه (ولأن نفقة الزوجة مستحقة بطريق المعاوضة، وهي غير مقدرة.

وللوالد أن يأخذ منها ما يستحقه من مؤنة الصبي، وما يحتاج إليه؛ لأنه بدل ثبت له في ذمتها، فله أن يستوفيه بنفسه وبغيره، فإن أحب أنفقه بعينه، وإن أحب أخذه لنفسه، وأنفق عليه غيره. وإن أذن لها في إنفاقه على الصبي، جاز فإن مات الصبي بعد انقضاء مدة الرضاع، فلأبيه أن يأخذ ما بقي من المؤنة([121]).

مذهب الشافعية: نص الشافعية على أنه لو خالعها على أن عليها رضاع ابنها وقتا معلوما كان جائزا، لأن الإجارة تصح على الرضاع بوقت معلوم، فلو مات المولود وقد مضى نصف الوقت رجع عليها بنصف مهر مثلها، ولو لم ترضع المولود حتى مات أو انقطع لبنها أو هربت منه حتى مضى الرضاع رجع عليها بمهر مثلها، قال الشافعي:(وإنما قلت: إذا مات المولود رجع عليها بمهر مثلها ولم أقل يأتيها بمولود مثله ترضعه كما يتكارى منها المنزل فيسكنه غيره والدابة فتحمل عليها ورثته غيره إذا مات، ويفعل ذلك هو وهو حي لأن إبداله مثلها ممن يسكن سكنه ويركب ركوبه سواء لا يفرق السكن ولا الدابة بينهما، وأن المرأة تدر على المولود ولا تدر على غيره، ويقبل المولود ثديها ولا يقبله غيره، ويستمريه منها ولا يستمريه من غيرها، ولا ترى أمه ولا تطيب نفسها له وليس هذا في دار ولا دابة يركبها راكب ولا يسكنها ساكن([122])

وقد نصوا على انه إن خالعها على كفالة ولده عشر سنين لا يصح حتى يذكر مدة الرضاع، وقدر الطعام وجنسه، وقدر الإدام وجنسه، ويكون المبلغ معلوما مضبوطا بالصفة كالمسلم فيه، وما يحل منه كل يوم.

مذهب الإمامية: نص الإمامية على أنه لو كان الفداء رضاع ولده صح، مشروطا بتعيين المدة، وكذا لو طلقها على نفقته، بشرط تعيين القدر الذي يحتاج إليه، من المأكل والكسوة والمدة، ولو مات قبل المدة، كان للمطلق استيفاء ما بقي، فإن كان رضاعا رجع بأجرة مثله، وإن كان إنفاقا رجع بمثل ما كان يحتاج إليه في تلك المدة، مثلا أو قيمة، ولا يجب عليها دفعه دفعة، بل أدوارا في المدة، كما كان يستحق عليها لو بقي([123]).

مذهب الإباضية: نص الإباضية على أنه إن افتدت منه على أن تمون ولده منها مدة معلومة من درهم إلى عشرة آلاف، وعلى رد صداقها إليه صح ولم يدرك أن تمون ولده لأنه زيادة، وإن خالعها أو فاداها على أن تمونه فلها أن ترجع ولو عينت المدة كعشر سنين، وقالت: من درهم إلى كذا لجهلهما كم يستغرق الولد من ذلك، وإن فاداها بأن ترضع ولده إلى معلوم جاز، وقيل: لا، وإن ولدت من بطن ولو ثلاثا لزمها إرضاعهم إن لم يعين، وأجازوا أن يأخذ الزيادة إن لم يسئ إليها، وإن قالت: خذ مائة درهم أو أقل أو أكثر، واتركني الليلة فله أخذها فيتركها ولا فداء ولا إيلاء، وإن قالت: تركت لك صداقي، أو كذا وكذا منه، على أن تتركني الليلة، فتركها فله ذلك، وفي وقوع الفداء قولان، وقيل: إن تركها أربعة أشهر بانت بإيلاء وله ما أعطته([124]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن الخلع على هذا يصح، لأن الشرع اعتبر في مثل هذا تراضي الطرفين، وقد ذكرنا أن الخلع لا يختلف عن الطلاق، فالمطلق قد افتدى من زوجته بالمهر، والزوجة تفتدي من زوجها بعوض الخلع، وبما أن المهر يصح أن يكون منفعة بنص القرآن الكريم في قصة موسى u مع الشيخ الصالح، فإن عوض الخلع، وهو نظير المهر يصح أن يكون كذلك.

ولكن القول بالصحة مطلقا قد يكون باب من أبواب الفساد، وهو ما لحظه ابن حزم فسد الباب مطلقا، ولكن الأصح هو سد المفسدة لا سد الباب، والمفسدة التي نراها قد تنتج عن الإطلاق في هذا ومثله نوعان:

1 ـ الضرر الحاصل للزوجة، وذلك فيما لوكان عوض الخلع مرهقا، كما ذكر بعض الفقهاء من جواز إنفاقها عليه عشر سنين، فإن في هذا عنتا لا يصح شرعا قبوله، بل يلزم الزوج هنا بالقبول بالخلع على ما لا يؤدي إلى ضررها، والأفضل أن يقيد في حده الأعلى بالمهر ونحوه على حسب أحوال الزوجة والزوج في ذلك، كما ذكرنا في مقدار العوض، وهذا ما لحظه الإمام مالك من عدم صحة الخلع على ما زاد على نفقة الابن وإرضاعه في الحولين وعلل ذلك بأنه باطل موضوع عن الزوجة.

2 ـ النزاع بين الزوجين بعد تمام الخلع، وذلك عند عدم التحديد أو التوثيق، والشرع ألزم في مثل هذا سدا لباب النزاع تحديد العقود وتوثيقها، فلذلك نرى الأرجح في هذا هو ما ذهب إليه الفقهاء الذين اشترطوا التحديد في الطعام وغيره، لأن الإطلاق سيثير النزاع الذي نهى عنه الشرع.

انطلاقا من هذا نرى صحة الخلع على أمثال هذه المنافع بالشروط التالية:

1 ـ تراضي الطرفين على ذلك.

2 ـ أن لا تكون في تلك المنافع مبالغة مؤذية للمرأة، ويحدد تلك المبالغة وضع المرأة ووضع زوجها، ويتكفل بمعرفة ذلك الخبراء المختصون.

3 ـ تفادي النزاع المستقبلي بتحديد كل ما يلزم تحديده من مدد، وأجناس وأنواع وتفاصيل، بحيث لا تترك لذلك مجالا للنزاع.

4 ـ توثيق العقود في ذلك تفاديا للخلاف.


([1])   الجوهرة النيرة:2/59.

([2])   الفواكه الدواني:2/34.

([3])   مغني المحتاج:4/430.

([4])   المحلى:9/511.

([5])   شرح النيل:7/252.

([6])   المدونة:2/249، وانظر: القرطبي:3/146.

([7])   شرح النيل:7/252.

([8])   أحكام القرآن للجصاص:1/533.

([9])   القرطبي:3/139.

([10])   القرطبي: 3/137.

([11])   التمهيد:23/370.

([12])   تفسير الطبري:2/473.

([13])   تفسير الطبري:2/473.

([14])   القرطبي: 5/96.

([15])   القرطبي: 5/95.

([16])   هذا الحديث ورد بروايات مختلفة كثيرة، سنرى ما تمس إليه الحاجة عند الاستدلال في هذا المبحث، وسنذكر هنا المصادر التي ورد فيها بما يغني عن ذكرها كل حين: البخاري:5/2022، مجمع الزوائد: 5/4، البيهقي: 7/313، الدارقطني: 3/254، النسائي: 3/369، المجتبى: 6/169، ابن ماجة: 1/663، سنن سعيد بن منصور: 379، مصنف عبد الرزاق: 6/482، أحمد: 2/296، 4/3، المعجم الكبير: 6/103، 11/310، 11/349، 24/211، 24/223.

([17])   المغني:7/248.

([18])   تفسير الطبري:2/472.

([19])   التمهيد:23/368، وانظر: سبل السلام: 2/244.

([20])   الإنصاف:8/382.

([21])   القرطبي: 3/140.

([22])   ولم نتحدث عن كون الدافع من كليهما لأنه يضم لكون الدافع من الزوج كما سنرى.

([23])   المحلى:9/511.

([24])   قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، الحاكم: 2/218، الدارمي: 2/216، البيهقي: 7/316، ابن ماجة: 1/662، مصنف ابن أبي شيبة: 4/112، أحمد: 1/323، شعب الإيمان: 4/390.

([25])   قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي، الترمذي:3/492، مجمع الزوائد:5/5، البيهقي: 7/316، أحمد: 2/414، مسند أبي يعلى: 11/110.

([26])   أخرجه عبد الرزاق (6/483، رقم 11759)

([27])   أخرجه مالك (2/745، رقم 1429)، والشافعى (1/224) والدارقطنى (3/77)، والحاكم (2/66، رقم 2345) وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. والبيهقى (6/69، رقم 11166) وغيرهم.

([28])   المغني:7/248.

([29])   المغني:7/248.

([30])   وقد نص في المغني على أن مثله ما لو آذاها ولا يريد بذلك أن تفتدي نفسها، لأنه لم يعضلها ليذهب ببعض ما آتاها، ومع ذلك فإن عليه إثم الظلم، ولكن هذا يتناقض مع هذا القول لأن أي مؤذ لزوجته لن يبرر إضراره لزوجته بإرادة الخلع وإلا عومل بخلاف مقصوده.

([31])   القرطبي: 3/137.

([32])   انظر: القرطبي:3/137.

([33])   أصل العضل التضييق والحبس، ومنه عضلت المرأة بولدها عسر عليها كأعضلت فهي معضل ومعضل، ويقال  عضل المرأة يعضلها منعها الزوج ظلما وعضلت الأرض بأهلها غصت، روح المعاني: 4/241.

([34])   القرطبي: 3/137، وقال ابن القاسم: وليس من الإضرار البغض لها وإنما الأذى بضرب، أو إيصال شتم في غير حق، أو أخذ مال أو المشاورة، شرح ميارة:1/194.

([35])   القرطبي: 3/137.

([36])   انظر: زاد المسير: 2/40.

([37])   الطبري: 4/311.

([38])   أخرجه أحمد (5/72، رقم 20714) قال الهيثمى (3/266): رواه أحمد وأبو حرة الرقاشى وثقه أبو داود وضعفه ابن معين، وفيه على بن زيد وفيه كلام..

([39])   الطبري: 4/312.

([40])   خالف في ذلك بعض المالكية، ففي التاج:» قال ابن شاس: الخلع في الحيض لا يجوز وقد قيل: إنه يجوز برضاها وعلى هذا يجوز برضاها دون خلع. ابن عرفة: لا أعرف من نقل الجواز« التاج والإكليل: 5/304.

([41])   المغني:7/247، الفتاوى الكبرى:3/287، البحر الزخار: 4/152، البحر الرائق: 3/257، تحفة المحتاج: 7/497، شرائع الإسلام: 3/40، مطاب أولى النهي: 5/339.

([42])   تلخيص الحبير:3/419.

([43])   الفتاوى الكبرى:5/485.

([44])   الفتاوى الكبرى:3/271.

([45])   الجصاص: 1/539.

([46])   أحكام القرآن لابن العربي:1/264..

([47])   الجصاص:1/539.

([48])   الجصاص:1/539.

([49])   قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع لا أ صل له، التحقيق في أحاديث الخلاف: 2/295.

([50])   أحكام القرآن لابن العربي:1/264.

([51])   الأم: 5/213.

([52])   المحلى: 9/519.

([53])   قواعد الأحكام:2/83.

([54])   لكن نص الإمامية على أنه إذا صح الخلع، فلا رجعة له، ولها الرجوع في الفدية، ما دامت في العدة، ومع رجوعها يرجع إن شاء، شرائع الإسلام:3/42، وهو قول حسن لأن المرأة هي المختلعة فتصح رجعتها إذا رضي الزوج، بخلاف رجعته هو.

([55])   المغني:7/252.

([56])   القرطبي:3/138.

([57])   المغني:7/269.

([58])   المدونة:2/79.

([59])   الأم:5/314.

([60])   شرائع الإسلام:3/40.

([61])   البحر الزخار:4/181.

([62])   شرح النيل:7/281.

([63])   هذا على المشهور، ومقابله ما روي عن مالك من عدم إرثها لانتفاء التهمة لكونها طالبة للفراق، بلغة السالك:2/527.

([64])   المدونة:2/254.

([65])   البحر الرائق:4/80.

([66])   الأم:5/214.

([67])   هذا هو المشهور في المذهب المالكي، وفي العتبية من رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في التي لم تبلغ المحيض، وقد بنى بها الزوج فصالحته على ما أعطته أن ذلك نافذ وله ما أخذ إن كان مما يصالح به مثلها، ووجه ذلك أنها مالكة أمرها في الاستمتاع ولها أن تسقط حقها إذا شاءت فكان لها المعاوضة عنه باستخلاصه على عوض تدفعه إذا لم يكن في ذلك غبن عليها كما يجوز لها أن تشتري خبزا لقوتها لما كانت تملك أكله أو تركه ولم يكن للولي نظر في ذلك وقال أبو بكر بن اللباد إن المعروف من قول أصحابنا أن المال مردود، والخلع ماض، انظر: المنتقى:4/66.

([68])   المبسوط:24/174، الفروق:2/269.

([69])   المغني:7/267، الإنصاف:8/391.

([70])   المغني: 7/270.

([71])   المبسوط: 6/192، بدائع الصنائع:3/149.

([72])   الأم:5/214.

([73])   المغني:6/115.

([74])   عن مالك في ذلك روايتان:

 ـ لا يجوز الخلع، وهو مروي في كتاب ابن المواز عن مالك، لأنه عاوضها بالطلاق على أمر لا تملكه، لأن الزوجة لا تملك تصيير ما لها إليه حال مرضها.

ـ جواز ذلك،  رواه ابن عبد الحكم عنه; لأن مرض أحد الزوجين لا يمنع وقوع الطلاق فلم يمنع المقصود به من إزالة الملك انظر: المنتقى:4/66..

([75])   وللشافعية قول آخر هو أن الرجعية يصح خلعها بالطلقة الثالثة دون الثانية لتحصل البينونة الكبرى.

([76])   المغني:7/269.

([77])   انظر: تبيين الحقائق: 3/245، العناية: 10/264، فتح القدير: 4/240.

([78])   مواهب الجليل: 4/19، فتح العلي المالك: 2/65.

([79])   فإن قصد إسقاطها عنه فقد حكي فيه ثلاثة أقوال:

1.يرد العوض ويقع الطلاق بائنا وتسقط نفقة العدة وهو ظاهر المدونة واقتصر عليه البرزلي.

2.يرد العوض ويقع الطلاق رجعيا ولا تسقط نفقتها واختاره ابن عبد السلام وابن عرفة.

3.يقع الطلاق بائنا ولا تسقط النفقة ويجري مثل هذا فيمن قصد دفع العوض ليتزوجها، انظر: فتح العلي المالك:2/65.

([80])   أسنى المطالب: 3/245، فتاوى الرملي: 3/211.

([81])   الأم:5/214.

([82])   شرائع الإسلام:3/38.

([83])   البحر الزخار:4/189.

([84])   المغني:7/269.

([85])   انظر: المغني: 7/270، تبيين الحقائق: 2/283، العناية: 4/236، القواعد لابن رجب: 329، الإنصاف: 8/386، التاج والإكليل: 5/273، أسنى المطالب: 3/261.

([86])   المحلى:10/3، المبسوط:6/179.

([87])   الفروق:1/180.

([88])   البحر الزخار:4/182.

([89])   المدونة:2/253.

([90])   المدونة:2/253.

([91])   وخطأه بعضهم ; لأنه إنما يملك الإبراء بعد الطلاق ; لأنه إذا ملك إسقاط حقها بعد الطلاق لغير فائدة فجواز ذلك لمنفعتها وهو يخلعها من الزوج أولى ; ولهذا يجوز عندهم كلهم أن يختلعها الزوج بشيء من ماله.

([92])   انظر: تبيين الحقائق:2/267، البحر الرائق:7/78.

([93])   انظر: حاشية الجمل:4/302.

([94])   رد المحتار: 3/444.

([95])   انظر: المدونة: 2/249، مواهب الجليل:4/24.

([96])   حاشية الجمل: 4/302، الأشباه والنظائر: 301، الإنصاف: 8/393.

([97])   الأم:5/212.

([98])   التاج المذهب:2/193.

([99])   انظر: الروضة البهية:6/.

([100])   إعلام الموقعين:3/79.

([101])   خلافا لأبي يوسف ومحمد.

([102])   الجوهرة النيرة: 2/59.

([103])   انظر: الأم: 5/214، المصنف: 4/193، شرائع الإسلام: 3/38، العناية: 4/215، البحر الزخار: 4/183، التاج: 5/276، أسنى المطالب: 3/27.

([104])   المغني:7/247.

([105])   انظر: التمهيد: 23/369.

([106])   انظر: المدونة: 2/246.

([107])   المدونة: 2/246.

([108])   المغني:7/247.

([109])   وقد نصوا على أنها لو اختلعت منه برضاع ابنها منه حولين جاز، وإن شرطه الزوج فهو باطل موضوع عن الزوجة،وفي الخلع بنفقتها على الابن بعد الحولين مدة معلومة قولان:

أحدهما: يجوز، وهو قول المخزومى واختاره سحنون.

الثانى: لا يجوز، رواه ابن القاسم عن مالك، ولم يمنع مالك الخلع بنفقة ما زاد على الحولين لأجل الغرر، وإنما منعه لأنه حق يختص بالأب على كل حال، فليس له أن ينقله إلى غيره، والفرق بين هذا وبين نفقة الحولين أن تلك النفقة وهى الرضاع قد تجب على الأم حال الزوجية وبعد الطلاق إذا أعسر الأب، فجاز أن تنقل هذه النفقة إلى الأم، لأنها محل لها وقد احتج مالك على هذا بقوله تعالى )والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾، انظر: القرطبي:3/145.

([110])   المنتقى: 4/64.

([111])   المغني: 7/260.

([112])   انظر: المبسوط: 6/186.

([113])   المغني:7/258.

([114])   المبسوط: 6/189.

([115])   القرطبي: 3/145، المغني: 7/257.

([116])   المحلى:10/3.

([117])   الفتاوى الكبرى:3/336.

([118])   بدائع الصنائع: 3/150.

([119])   المنتقى: 4/62، المدونة:2/248.

([120])   الإنصاف:8/400.

([121])   المغني:7/256.

([122])   الأم:5/215.

([123])   شرائع الإسلام:3/38.

([124])   شرح النيل: 7/289.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *