الفصل الرابع: حق الزوجة في العشرة الحسنة

الفصل الرابع

حق الزوجة في العشرة الحسنة

نتناول في هذا الفصل ما يطلق عليه الفقهاء بالمعاشرة بالمعروف، ويجعلونه ضمن الحقوق المشتركة بين الزوجين، ولا يطيل الفقهاء عادة الحديث عنه، ولكنا رأينا ضرورة الحديث عن هذا الجانب لتوقف كمال الحياة الزوجية عليه، بل لا تصح بدونه.

وسيكون معظم كلامنا في هذا الفصل مسنتبطا من كلام المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وسنته العطرة، ولن نخوض كثيرا في الخلافات الفقهية إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، لأن معظم ما سيرد في هذا الفصل من القطعي المتفق على القول به، ونعتذر مسبقا منه صلى الله عليه وآله وسلم إن أسأنا فهم حديث أو أسأنا عرض صورته صلى الله عليه وآله وسلم في بيته، فهو أشرف وأجل من أن يعبر عنه لسان أو يحد صفاته قلم.

وقد رأينا انطلاقا من قوله تعالى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(الروم:21) أن العشرة الزوجين تقوم على أساسين هما:

المودة: والتي تربط بين الزوجين، فتملأ حياتهما بالسعادة والسرور، وهو مقصد من مقاصد الزواج الكبرى كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا نظر إليها سرته) ([1])

الرحمة: والتي تتعالى على المصالح الشخصية والأهواء الذاتية، فتغلب المصلحة العامة على الأذواق المتقلبة.

وقد أردنا من هذا الفصل أن نبين الأسباب والوسائل التي تؤدي إلى تحقيق ذينك الأساسين في حياة الأسرة المسلمة.

وقبل أن ندخل في مباحث هذا الفصل نقدم تمهيدا يعرف العشرة الزوجية، ويبين حكمها، والأسس الأخلاقية العامة التي تقوم عليها:

يراد بالعشرة في الاصطلاح الشرعي: ما يكون بين الزوجين من الألفة والانضمام([2])، أو هي الأخلاق التي تقتضيها المخالطة بين الزوجين.

والمعاني اللغوية والاستعمال الشرعي له يدل على هذا، فقد ورد في القرآن الكريم فقد قال تعالى:{ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }(النساء:19)، قال ابن العربي:(حقيقة [عشر] في العربية الكمال والتمام، ومنه العشيرة، فإنه بذلك كمل أمرهم وصح استبدادهم عن غيرهم، وعشرة تمام العقد في العدد، ويعشر المال لكماله نصابا، فأمر الله سبحانه الأزواج إذا عقدوا على النساء أن يكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على التمام والكمال، فإنه أهدأ للنفس، وأقر للعين، وأهنأ للعيش) ([3])

ومع صراحة الأمر القرآني والنصوص النبوية على لزوم المعاشرة بالمعروف إلا أن من الفقهاء من نصوا على أن العشرة بالمعروف بين الزوجين مندوبة ومستحبة، وهو قول حكي عن الحنفية والحنابلة، قال الكاساني:(من أحكام النكاح الصحيح المعاشرة بالمعروف، وأنه مندوب إليه ومستحب، وكذلك من جانبها هي مندوبة إلى المعاشرة الجميلة مع زوجها) ([4])

لكنهم مع ذلك، ومن حيث الواقع يقولون بالوجوب، فقد اعتبروا ضررها سببا لتدخل القاضي، قال الكاساني عند ذكره صور سكن المرأة:(ولو كانت في منزل الزوج وليس معها أحد يساكنها، فشكت إلى القاضي أن الزوج يضربها ويؤذيها، سأل القاضي جيرانها فإن أخبروا بما قالت، وهم قوم صالحون فالقاضي يؤدبه ويأمره بأن يحسن إليها ويأمر جيرانه أن يتفحصوا عنها، وإن لم يكن الجيران قوما صالحين أمره القاضي أن يحولها إلى جيران صالحين فإن أخبروا القاضي بخلاف ما قالت، أقرها هناك ولم يحولها) ([5])

واستنادا إلى أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف، فقد ذكر العلماء كثيرا من مظاهر المعاشرة بالمعروف، منها ما يتعلق بالحقوق المادية للزوجة من المهر والنفقة، ومنها ما يتعلق بالحقوق المعنوية، وقبل أن نحاول حصر الأسس التي تقوم عليها المعاشرة بالمعروف، نعرض بعض كلامهم هنا لنستنبط منه تلك الأسس.

قال الجصاص: ومن المعروف أن يوفيها حقها من المهر والنفقة والقسم، وترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراض عنها، والميل إلى غيرها، وترك العبوس والقطوب في وجهها بغير ذنب، وما جرى مجرى ذلك)([6])

قال الشافعي: وأقل ما يجب في أمره بالعشرة بالمعروف أن يؤدي الزوج إلى زوجته ما فرض الله لها عليه من نفقة وكسوة وترك ميل ظاهر فإنه يقول تعالى: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} (النساء:129)، وجماع المعروف إتيان ذلك بما يحسن لك ثوابه وكف المكروه([7]).

وقال الشافعي في موضع آخر: وجماع المعروف بين الزوجين كف المكروه، وإعفاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه، لا بإظهار الكراهية في تأديته فأيهما مطل بتأخيره فمطل الغني ظلم([8]).

وقال مالك: ينبغي للرجل أن يحسن إلى أهل داره حتى يكون أحب الناس إليهم، قال في المختصر: وهو في سعة من أن يأكل من طعام لا يأكل منه عياله، ويلبس ثيابا لا يكسوهم مثلها، ولكن يكسوهم ويطعمهم منه وأكره أن يسأل الرجل عما أدخل داره من الطعام، ولا ينبغي أن يفاحش المرأة ولا يكثر مراجعتها ولا تردادها([9]).

وقال السيد السبزواري: (إن لهن من الحقوق فيما تعارف بين الناس على الرجال مثل ما للرجال عليهن. ولم يذكر سبحانه وتعالى ما هو الثابت على كل واحد منهما، وإنما أوكله إلى ما تعارف عليه الناس، ليشمل جميع ما يتعلق بحسن المعاشرة والخلق الحسن، وما ورد في الشرع وما يحكم به العقل، فإن جميع ذلك من المعروف. وقد كرر سبحانه وتعالى هذا اللفظ في الآيات المتعلقة بالنكاح والطلاق اثنتي عشرة مرة لبيان أن جميع ذلك من سنن الفطرة، وشؤون المجتمع الإنساني، وهي تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والمجتمعات)([10])

انطلاقا من هذا، فإن لحسن العشرة ـ إذا ما استثنينا الحقوق المادية التي سبق ذكرها ـ ركنان أساسيان لا نستنبطها فقط من كلام الفقهاء، بل نجدها في القرآن الكريم والسنة صريحة لا تحتمل خلافا، مفصلة لا يشوبها إبهام.

وقد وردت الإشارة إلى هذين الركنين في القرآن الكريم في قوله تعالى:{ وَمِنْ ءايَـتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَـاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (الروم:21)

فقد ذكرت الآية، وهي تعرض نعم الله على عباده أن الله تعالى جعل بين الزوجين المودة والرحمة، وقد قيل في معناهما أقوال كثيرة، ابتعد بعضها حين حصرها فقال([11]): مودة بالمجامعة، ورحمة بالولد، واستدل بقوله تعالى:{ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } (مريم: 2)، وهذا القائل إن أراد التمثيل، فلا حرج في ذلك، والمثال صحيح، لكنه إن أراد الحصر، فهو بعيد لا يساعده عليه اللفظان لا من ناحية اللغة، ولا من ناحية الشرع، وقد قال الألوسي: (وكون المودة بمعنى المحبة، كناية عن النكاح أي الجماع للزومها له ظاهر، وأما كون الرحمة كناية عن الولد للزومها له، فلا يخلو عن بعد) ([12])

ومن الأقوال القريبة المحصورة أن المودة للشابة، والرحمة للعجوز، أو المودة للكبير والرحمة للصغير.

ومن أحسن ما قيل في تفسير المودة والرحمة، ما ذكره الفخر الرازي عن بعضهم قال: المحبة حالة حاجة نفسه، ورحمة حالة حاجة صاحبه إليه، وهذا لأن الإنسان يحب مثلاً ولده، فإذا رأى عدوه في شدة من جوع وألم قد يأخذ من ولده ويصلح به حال ذلك، وما ذلك لسبب المحبة وإنما هو لسبب الرحمة.

أو أن الله تعالى ذكر ههنا أمرين أحدهما: يفضي إلى الآخر، فالمودة تكون أولاً، ثم إنها تفضي إلى الرحمة، ولهذا فإن الزوجة قد تخرج عن محل الشهوة بكبر أو مرض ويبقى قيام الزوج بها رحمة بها.

والنص القرآني يحتمل مع هذه التفاسير جميعا التعبير عن الأسس التي تقوم عليها العشرة الزوجية، مع الصغيرة والكبيرة، والولود والعقيم، فالمودة لها جوانبها الخاصة في هذه العشرة والرحمة لها جوانبها كذلك الخاصة بها، فلا ينفي أحدهما الآخر.

وللأسف، فإن هذا العصر الذي ارتدت فيه البشرية على أعقابها إلى الجاهلية الأولى يجري التركيز على الحب، ويعبد كصنم من دون الله، وتعزل الرحمة كليا عن هذا الحب، فيتحول إلى ماخور للانحرافات، فيأتي النص القرآني ليبين حاجة الحب إلى الرحمة، فالحب حظ النفس، والرحمة حظ القلب الحي، ولذة الحب قاصرة على المحب، ونعمة الرحمة متعدية إلى غيره.

يقول سيد قطب مبينا الفرق بين المنهج الإيماني الذي تراعى فيه مصالح المحب والمحبوب، وبين المناهج الأخرى التي تقدم الهوى على المسؤولية، (كثيرون يحسبون أن التقيد بمنهج الله – وبخاصة في علاقات الجنسين – شاق مجهد. والانطلاق مع الذين يتبعون الشهوات ميسر مريح وهذا وهم كبير، فإطلاق الشهوات من كل قيد ؛ وتحري اللذة – واللذة وحدها – في كل تصرف ؛ وإقصاء الواجب الذي لا مكان له إذا كانت اللذة وحدها هي الحكم الأول والأخير؛ وقصر الغاية من التقاء الجنسين في عالم الإنسان على ما يطلب من مثل هذا الالتقاء في عالم البهائم ؛ والتجرد في علاقات الجنسين من كل قيد أخلاقي، ومن كل التزام اجتماعي، إن هذه كلها تبدو يسرا وراحة وانطلاقا، ولكنها في حقيقتها مشقة وجهد وثقلة، وعقابيلها في حياة المجتمع – بل في حياة كل فرد – عقابيل مؤذية مدمرة ماحقة) ([13])

والواقع خير دليل على ذلك، فإن ما ينتشر الآن من أفكار وما ينطلق منها من سلوكات تحارب الزوجة بالحبيبة، وتحارب المسؤولية بالهوى، وتحارب المصالح العامة بالأهواء شخصية، قد نشأت عنه، وستنشأ من الدمار بالإنسان وبالأسرة التي هي مهد الإنسان ما لا يمكن تصوره.

فقد حصل مثل هذا أو قريب منه في المجتمعات الجاهلية الأولى فقد (كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المعول الأول الذي حطم الحضارات القديمة، حطم الحضارة الإغريقية وحطم الحضارة الرومانية وحطم الحضارة الفارسية، وهذه الفوضى ذاتها هي التي أخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة)([14])

ولا بأس أن نذكر هنا أمثلة واقعية عن حاجة الحب إلى الرحمة في المجتمعات التي أرهقتها الجاهلية فحرفت كل المعاني النبيلة، فقد كتب بول بيورو يصف الواقع الفرنسي: (من العادة الجارية في طبقة العاملين في فرنسا أن المرأة منهم تأخذ من خدنها ميثاقا قبل أن يعقد بينهما النكاح، أن الرجل سيتخذ ولدها الذي ولدته قبل النكاح ولدا شرعيا له، وجاءت امرأة في محكمة الحقوق بمدينة سين فصرحت:إنني كنت قد آذنت بعلي عن النكاح بأني لا أقصد بالزواج إلا استحلال الأولاد الذين ولدتهم نتيجة اتصالي به قبل النكاح، وأما أن أعاشره وأعيش معه كزوجة، فما كان في نيتي عند ذاك، ولا هو في نيتي الآن، ولذلك اعتزلت زوجي في أصيل اليوم الذي تم فيه زواجنا، ولم ألتق به إلى هذا اليوم، لأني كنت لا أنوي قط أن أعاشره معاشرة زوجية)([15])

وكأن هذا النص يعبر عما مر في تفسير الآية من أن الحب هو الجماع، والرحمة هي الولد، فهؤلاء يرضون بالحب بهذا المعنى الهابط، ويتبرؤون من الرحمة لأنها ترهقهم بالتكاليف.

وقد يقال بعد هذا: إن القرآن الكريم ذكر هذين الركنين في معرض امتنانه على عباده بنعمه([16])، فكيف يصح اعتبارهما ركنين، ثم نكلف العمل على تحقيقهما، والنعمة لا يكلف بها، والجواب على ذلك، أن الرزق نعمة من الله، ومع ذلك نكلف بالسعي في تحصيله، فكذلك المودة والرحمة من الله، وكونهما من الله تعالى لا ينفي على العبد التكليف، لأن تحقيق التكليف مناط بالتوفيق الإلهي.

أولا ـ المودة الزوجية: مراتبها وأسبابها

المودة والحب من الأحوال القلبية التي قد لا تسعف العبارة عن التعبير عنها، فلذلك كانت أكثر التعريفات للحب تغلب عليها الشاعرية أكثر مما تغلب عليها الأجناس والأنواع ([17])، ولكن للغزالي مع ذلك نصا مهما يرجع إليه كل من تحدث عن الحب، وهو وإن كان مورده في حب الله، إلا أن التعريف يستقيم مع أي حب.

وسنلخص هنا كلام الغزالي لأهميته، ولافتقار ما سنتحدث عنه في هذا المبحث لهذا التعريف.

قال الغزالي: (أوّل ما ينبغي أن يتحقق؛ أنه لا يتصور محبة إلا بعد معرفة وإدراك، إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه، ولذلك لم يتصورّ أن يتصف بالحب جماد، بل هو من خاصية الحي المدرك، ثم المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه، وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه، وإلى ما لا يؤثر فيه بإيلام وإلذاذ، فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك، وما في إدراكه ألم هو مبغوض عند المدرك، وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوباً ولا مكروهاً.

فالمحبة إذن نوع من الإدراكات، ولكن ما الذي يميز إدراك المحبة عن غيره، يجيب الغزالي على ذلك بأن المحبة إدراك ما فيه لذة، لأن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به، ومعنى كونه محبوباً أن في الطبع ميلاً إليه، ومعنى كونه مبغوضاً أن في الطبع نفرة عنه.

وانطلاقا من هذا أورد الغزالي هذا التعريف للحب، فقال: (الحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقاً، والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب، فإذا قوي سمي مقتاً) ([18])

1 ـ مراتب المحبة الزوجية وأحكامها

تحدثنا في الجزء الأول من هذه السلسلة عن أولوية اختيار من يريد الزواج من تعلق بها قلبه، وشعر بمحبته لها، وقد تحدثنا هناك عن أنواع الحب من تلك الحيثية، وفي هذا المطلب، نتحدث عن الحب، ومراتبه وما يتعلق بها من أحكام بعد حصول الزواج، فالحب في المفهوم الإسلامي إنما يستقر وينمو بعد الزواج، أما قبل الزواج، فقد يكون إعجابا أو حبا مبدئيا غايته الزواج، وقد يكون مرضا يعالج منه إن لم يتم على أساسه الزواج.

أما في المفاهيم غير الإسلامية، أوفي الواقع غير الإسلامي، فينتهي الحب عندهم بالزواج، فالزواج عندهم نعي الحب، ويوم تدخل الزوجة بيت الزوجية يبدأ البحث عن العشيقة والحبيبة والصديقة، ولا ضرر عندهم أن يصيب الحبيبة من القالة ما يشين عرضها لأن الحب في عرفهم يخلو من الرحمة.

أما الحب في المفهوم الإسلامي فيخالف ذلك تماما، بل هو يسمو إلى أن يصل الدرجات الرفيعة من التقرب إلى الله، فيصبح التقرب على أساس ذلك من الزوجة نوعا من التقرب إلى الله.

ويمكننا انطلاقا من هذا أن نصنف الحب المتعلق بالزوجة إلى ثلاثة أنواع، أو ثلاث مراتب تنزل من العلو الساحق لتنزل الحضيض الآسن، وهذه المراتب هي:

المرتبة الأولى: الحب الإيماني

إن أساس المحبة الإيمانية هو حب الله تعالى، فمن تمكنت محبة الله في قلبه أوجبت أن يحب ما يحبه الله، فإذا أحب ما أحبه ربه كان ذلك الحب له وفيه، فإذا أحب من الزوجة ما يربطه بربه، ويصله به، فتصير الزوجة وسيلة إلى ذلك، فإن حبه لها حب في الله،قال الغزالي:(بل نزيد عليه ونقول: من نكح امرأة صالحة ليتحصن بها عن وسواس الشيطان ويصون بها دينه أو ليولد منها له ولد صالح يدعو له وأحب زوجته لأنها آلة إلى هذه المقاصد الدينية فهو محب في الله. ولذلك وردت الأخبار بوفور الأجر والثواب على الإِنفاق على العيال حتى اللقمة يضعها الرجل في في امرأته) ([19])

وقال ابن القيم:(إن أحبها لله توصلا بها إليه واستعانة على مرضاته وطاعته أثيب عليها، وكانت من قسم الحب لله توصلا بها إليه، ويلتذ بالتمتع بها، وهذا حاله أكمل الخلق الذي حبب إليه من الدنيا النساء والطيب، وكانت محبته لهما عونا له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره) ([20])

وقد أجمع العلماء على أن هذا النوع من الحب هو أرفع المراتب، وهو حب الصديقين والسابقين، لأن الدين كله يدور على أربع قواعد: حب وبغض، ويترتب عليهما فعل وترك، فمن كان حبه وبغضه وفعله وتركه لله فقد استكمل الإيمان، بحيث إذا أحب أحب لله، وإذا أبغض أبغض لله، وإذا فعل فعل لله، وإذا ترك ترك لله، وما نقص من أصنافه هذه الأربعة نقص من إيمانه ودينه بحسبه([21]).

وهذا الإجماع يستند إلى النصوص الكثيرة الدالة على فضل الحب في الله، والتي لا تخصص رجلا ولا امرأة، ومن هذه النصوص، قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) ([22])، ففي هذا الحديث قيد صلى الله عليه وآله وسلم محبة من كمل إيمانهم بأنها لا تكون إلا لله.

قال ابن أبي جمرة معللا سبب جعل هذه الثلاثة علامات لكمال الإيمان:(وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه: فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله. وأن يتيقن أن جملة ما وعد وأوعد حق يقينا. ويخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار) ([23])

وكل ما ورد في فضل الحب في الله لا يخصص رجلا ولا امرأة، ولا الحب بين الرجال فيما بينهم، ولا النساء فيما بينهم، أما ورود ذلك بصيغة المذكر، فهو على ما جرى لسان العرب من التعبير عن كل ما يشترك فيه الرجال والنساء بصيغة التذكير، والدليل على ذلك ما جاء في أحاديث أخرى كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله) ([24])، فاعتبره عملا يصلح من الرجال والنساء.

ولا بأس أن نورد هنا للدلالة على فضل هذا الحب الرفيع حديثين إلهيين ذكرا نوعين من الجزاء لأصحابه، أحدهما دنيوي، والآخر أخروي، وكلاهما يعبر عن الدرجة الرفيعة لهذا الحب، أما الأول فقد عبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:(قال الله عز وجل: وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في) ([25])، وأما الثاني، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) ([26])

لا تتوقف الآثار العظيمة التي ينتجها هذا الحب على الإيمان، والجزاء الذي أعد الله لأصحابه، بل إنها تتعداه إلى العشرة الزوجية، فمن آثاره وبركاته عليها:

أ ـ الدوام على حسن العشرة:

من أهم آثار المودة الزوجية، وهي من مقاصد الشريعة في الزواج، الحفاظ على العلاقة الزوجية إلى انتهاء العمر، ولهذا كان الطلاق مبغوضا عند الله تعالى لما يؤدي إليه من قطع هذه العلاقة، وهذا الحب هو السبب الأكبر في حفظ هذه العلاقة، لأنه غير مرتبط بالمصالح الشخصية والأهواء.

ولهذا نرى المحبين بغير هذا النوع من الحب يشكون الخيانة وعدم الوفاء، وينقلب حبهم في أكثر الأحيان بغضا، وتستبدل الزوجة كما تستبدل الثياب، كلما اشترى ثيابا أجود طرح الثياب البالية، أما المتعالون عن الحظوظ البسيطة، فإن الحب يستقر ويستمر ويحفظ مهما تغيرت الأحوال، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يذكر خديجة ويثني عليها أحسن الثناء، حتى قالت عائشة: غرت يوما فقلت ما أكثر ما تذكر حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرا منها، قال:(ما أبدلني الله خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد الناس) ([27])

وفي هذا النوع من الحب لا يتغير حاله معها، وإن ارتفع شأنه وعظم جاهه، فالترفع بما يتجدد من الأحوال لؤم، وقد قال الشاعر:

إنَّ الكرامَ إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخَشِنِ

ولو نظرنا إلى الواقع لرأينا كيف يغير الكثير من الناس ـ ممن لا حظ لهم في هذا النوع من الحب ـ نساءهم، أو يرمونهن في سلة الإهمال كلما ترقوا في مراتب الدنيا غافلين عن كل لحظات الآمال التي كان يمدها بها صبر الزوجة ووفاؤها.

ومن أهم آثار هذا الحب كذلك، والتي تحفظ له جدته واستمراره أنه لا يرتبط بالأغراض، ولا الأحوال النفسية وتقلباتها، قال ابن القيم:(وعلامة هذا الحب والبغض في الله أنه لا ينقلب بغضه لبغيض الله حبا لإحسانه إليه وخدمته له وقضاء حوائجه، ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضا إذا وصل إليه من جهته ما يكرهه ويؤلمه، إما خطأ وإما عمدا، مطيعا لله فيه أو متأولا أو مجتهدا أو باغيا نازعا تائبا) ([28])

وقال في موضع آخر:(فلا عيب على الرجل في محبته لأهله وعشقه لها إلا إذا شغله ذلك عن محبة ما هو أنفع له من محبة الله ورسوله وزاحم حبه وحب رسوله، فإن كل محبة زاحمت محبة الله ورسوله بحيث تضعفها وتنقصها فهي مذمومة، وإن أعانت على محبة الله ورسوله وكانت من أسباب قوتها فهي محمودة، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب الشراب البارد الحلو ويحب الحلواء والعسل ويحب الخيل، وكان أحب الثياب إليه القميص، وكان يحب الدباء فهذه المحبة لا تزاحم محبة الله، بل قد تجمع الهم والقلب على التفرغ لمحبة الله) ([29])

ولذلك كان هذا الحب أرفع أنواع الحب في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا تتحقق به المقاصد الشرعية من الحفاظ على الأسرة وعلى سعادة أفرادها في وجه كل الأعاصير والعواصف الدنيوية، وفي الآخرة ينال أصحابه الجزاء العظيم.

بل إن المودة الكاملة هي التي تثبت حتى بعد الموت، لأن المودة الزوجية ـ كما ذكرنا ـ نوع جليل من الحب في الله، وهو إنما يراد للآخرة، فإن انقطع قبل الموت حبط العمل وضاع السعي.

ب ـ تعديه إلى الأقارب والمعارف:

وهي من مقاصد الشريعة كذلك من الزواج، لأن من مقاصده التواصل بين المسلمين، ولذلك اعتبر الأصهار من المحارم، وأوجب لهم حقوقا، ومثل هذا الحب يحفظ هذه العلاقات، فلا تقع الشحناء بين الزوجين وأهلهما، بل يعيشون في انسجام تام.

وقد عبر الغزالي عن تأثير المحبة في الله في جلب هذا الأثر المتعدي، فقال: (لا يدل على قوة الشفقة والحب إلا تعديهما من المحبوب إلى كل من يتعلق به، حتى الكلب الذي على باب داره، ينبغي أن يميز في القلب عن سائر الكلاب، ومهما انقطع الوفاء بدوام المحبة شمت به الشيطان، فإنه لا يحسد متعاونين على بر كما يحسد متواخيـين في الله ومتحابـين فيه، فإنه يجهد نفسه لإِفساد ما بـينهما، قال الله تعالى { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا}(الإسراء:53) وقال مخبراً عن يوسف u: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}(يوسف:100)) ([30])

وما ذكره الغزالي من قوله (حتى الكلب الذي على باب داره ينبغي أن يميز في القلب عن سائر الكلاب) لا ينبغي أن يستغرب واقعا، فقد قال الشاعر:

رأى المجنون في البيداء كلبا فجر له من الإحسان ذيلا

فلامـوه لذاك وعنفـوه    وقالوا:لم أنلت الكلب نيلا؟

فقال: دعوا الملامة إن عيني رأته مرة فـي حي ليلى

المرتبة الثانية: الحب الطبعي

عرف ابن القيم هذا النوع من المحبة بقوله: (هو المحبة الناشئة عن الشهوة الطبعية، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء) ([31])، وعرفها الغزالي بقوله: (هو حبك الإِنسان لذاته) ([32])، وعرف المناوي هذا النوع من العلاقة، فقال:(هو التشاكل المعنوي الموجب لاتحاد الذوق) ([33])

وقد ذكر المناوي في هذا التعريف الأخير سبب هذا الحب وموجبه، وهو يتفق مع تعريف الغزالي، لأن كون الشيء في ذاته محبوباً، أي يلتذ برؤيته ومعرفته ومشاهدة أخلاقه لاستحسانه له، فكل جميل لذيذ في حق من أدرك جماله وكل لذيذ محبوب، واللذة تتبع الاستحسان والاستحسان يتبع المناسبة والملاءمة والموافقة بـين الطباع.

وأكثر ما يتسبب في هذا النوع من المحبة المناسبة التي توجب الألفة والموافقة، لأن شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع، وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)([34])

فالتناكر نتيجة التباين والائتلاف نتيجة التناسب الذي عبر عنه بالتعارف، قال الشاعر معبرا عن هذا المعنى:

وقائلٍ كيف تفارقتما     فقلت قولاً فيه إنصافُ

لم يكُ من شكلي ففارقته  والنَّاسُ أشكال وأُلاّفُ

وقد كان مالك بن دينار يقول: لا يتفق اثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر، وإن أجناس الناس كأجناس الطير، ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران إلا وبـينهما مناسبة، قال: فرأى يوماً غراباً مع حمامة فعجب من ذلك فقال: اتفقا وليسا من شكل واحد، ثم طارا فإذا هما أعرجان فقال: من ههنا اتفقا.

ومما لا شك فيه أن هذا النوع من الحب لا يعتبر حبا في الله، بل هو حب بالطبع وشهوة النفس، فلذلك يمكن تصوره ممن لا يؤمن بالله، بخلاف الحب الأول الذي هو نتيجة لحب الله وأثر من آثاره، ولكن مع ذلك، فإنه ـ وإن كان دون الحب الأول ـ فهو حب مباح إلا إذا اتصل به غرض مذموم فإنه يصير مذموما بسببه، أما إن لم يتصل به غرض مذموم فهو مباح لا يوصف بحمد ولا ذم، ومع ذلك فقد قال الغزالي:(وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإرادته ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه بل نالها بحكم الميل الطبيعي كانت من قسم المباحات ولم يعاقب على ذلك ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه)

وآثار هذا الحب كثيرة، لعل أقلها فوات الأجر العظيم الذي أعد للمحبين في الله، وانشغال القلب بحب غير الله، ومن الناحية الزوجية، أن هذا الحب يسرع إليه الملل، ويتناوله البغض، وتدب إلى أصحابه الخيانة، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، ومع هذه الآثار هناك آثار أخرى أشد خطرا، منها:

أ ـ التقصير في الواجبات الشرعية:

لأن الواجبات الشرعية كثيرة، ومنها الواجبات المتعدية، ومنها فروض الكفاية، ومن هذه الواجبات ما يستلزم تغربا عن الأهل، فلذلك قد يقف مثل هذا الحب ـ بخلاف الحب أول ـ حائلا بينه وبين ذلك، وفي مثل هذا قال تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ }(التغابن:14)، قال ابن عباس في بيان سبب نزولها:(هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين، وهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (التغابن: 14)([35])

يقول مكارم الشيرازي معلقا على الآية: (حذر القرآن الكريم من مغبة الوقوع في الحب المفرط للأولاد والأموال، الذي قد يجر إلى عدم الطاعة لله ورسوله.. وهناك مظاهر عديدة لهذه العداوة، فأحيانا يتعلقون بثيابكم ليحرموكم خير الهجرة، وأخرى ينتظرون موتكم ليسيطروا على أموالكم وثروتكم، وما إلى ذلك. وليس كل الأولاد، ولا كل الزوجات كذلك، لهذا جاءت (من) التبعيضية، وتظهر هذه العداوة أحيانا بمظهر الصداقة وتقديم الخدمة، وحينا آخر تظهر بسوء النية وخبث المقصد، وعلى كل حال فإن الإنسان يصبح على مفترق طريقين، فطريق الله وطريق الأهل والأزواج، ولا ينبغي أن يتردد الإنسان في اتخاذ طريق الله وإيثاره على غيره، ففيه النجاة والصلاح في الدنيا والآخرة) ([36])

وقد ورد في الحديث وصف دقيق للأسلوب الذي يتعامل به الشيطان مع الإنسان مستغلا هذا النوع من الحب الطبعي المركب على الشهوة:(إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان فقال له: أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك فخالفه فآمن، ثم قعد له عن طريق الهجرة فقال له: أتهاجر وتترك مالك وأهلك فخالفه فهاجر، ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له: أتجاهد فتقتل نفسك فتنكح نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد، فقتل فحق على الله أن يدخله الجنة) ([37])

ب ـ المداهنة:

وهي أخطر آثار هذا النوع من الحب، وبسببها انتشرت المحرمات، فهذا النوع من الحب الطبعي قد يؤدي بصاحبه إلى التغاضي عن الحرمات، فيصاب بالدياثة نتيجة تغليبه هواه على عقله، وحبه الطبعي على شرعه، وفي مثل هذا روي أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن عندي امرأة هي من أحب الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس، قال: طلقها، قال: لا أصبر عنها قال: استمتع بها([38]).

وقد اختلف العلماء في توجيه هذا الحديث اختلافا شديدا([39])، وهو حديث الباب، يمكن تلخيصه في الوجهين التاليين:

الوجه الأول: أن معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا ترد يد لامس) معناه الفجور، وأنها لا تمتنع ممن يطلب منها الفاحشة، وبهذا قال أبو عبيد والخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطابي والغزالي والنووي.

الوجه الثاني: أن معناه التبذير، وأنها لا تمنع أحدا طلب منها شيئا من مال زوجها، وبهذا قال أحمد والأصمعي ومحمد بن ناصر، وابن الجوزي، وأنكر على من ذهب إلى القول الأول.

الوجه الثالث: أن معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أمسكها) أي عن الزنا أو عن التبذير، إما بمراقبتها أو بالاحتفاظ على المال، وهو قول بعض المتأخرين.

وقد ذكر الصنعاني الوجهين الأولين، ورد عليهما، وذكر ما يراه راجحا بقوله:(الوجه الأول في غاية من البعد، بل لا يصح للآية ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يأمر الرجل أن يكون ديوثا، فحمله على هذا لا يصح، والثاني بعيد لأن التبذير إن كان بمالها فمنعها ممكن، وإن كان من مال الزوج فكذلك، ولا يوجب أمره بطلاقها على أنه لم يتعارف في اللغة أن يقال فلان لا يرد يد لامس كناية عن الجود، فالأقرب المراد أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب لا أنها تأتي الفاحشة، وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد من الفاحشة، ولو أراد به أنها لا تمنع نفسها عن الوقاع من الأجانب لكان قاذفا لها)([40])

وما ذكره من توجيه في غاية الجودة لولا أن لفظة اللمس لا تساعد عليها، وكذلك سهولة أخلاقها لا تدعو إلى تطليقها، ولذلك نرى أن لفظة اللمس على حقيقتها من المس باليد، وأن المرأة ليست منحرفة، وإلا لأمره صلى الله عليه وآله وسلم بطلاقها، وإنما لم تكن متمنعة في حال اللمس لا الفاحشة الكبرى، وإنما أجاز له صلى الله عليه وآله وسلم أن يمسكها ترجيحا لمصلحته على مفسدتها، فمفسدتها يمكن تلافيها بالمراقبة والتأديب، أما مصلحته فيها، وخوفه عليه بعد تطليقها، وأن تتبعها نفسه، فقد لا يمكن تلافيها، وهو نظر منه صلى الله عليه وآله وسلم إلى خصوص الشخص.

ولهذا لا ينبغي الانسياق مع الهوى واعتبار القلب مغلوبا في الحب والبغض، بل يسعى للبحث عن أسباب ذلك لعلاجها، قال ابن الجوزي في شرح حديث الأرواح السابق:(ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فينبغي أن يبحث عن المقتضى لذلك ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذلك القول في عكسه) ([41])

ج ـ التأثر بالطباع:

فيتأثر كل من الزوجين بطبع صاحبه خيرا كان أوشرا، لأن المحب مولع بتقليد المحبوب، يعتقد نقصه كمالا، وفساده صلاحا، كما قيل:

وعينُ السُّخطِ تبصرُ كُلَّ عيبٍ وعين أخي الرضا عن ذاكَ تعْمى

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة) ([42])، وهذا وصفه صلى الله عليه وآله وسلم للجليس الذي قد يستغنى عن مجالسته، وقد لا تطول مجالسته، ومع ذلك قد يحرق ثيابه، أو يجد منه ريحا خبيثة، فكيف بمن لا تفارقه، ثم هي بعد ذلك تحرق أخلاقه ودينه، وتنشر روائح سوء السمعة عنه، ثم هو لا يطيق فراقها.

وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم في حديث آخر ما هو أخطر من ذلك، فقال: (الرجل على دين خليله([43]) فلينظر أحدكم من يخالل)([44])، والخليل هنا قد يراد به الصاحب، من المخالة وهي المصادقة والإخاء، وقد يراد به من تخللت محبته القلب، والدين هنا بمعناه العام الشامل، فالخليل يسرق من خليله أخلاقه وطباعه وتدينه واهتماماته، ومن الخطأ قصر الحديث على الصديق وإهمال شموله للزوجة، بل الزوجة أولى من الصديق في ذلك، فعقد الزواج أخطر من عقد الصداقة.

بل جاء في حديث آخر النهي عمن لا ترضى صحبته، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي) ([45])، والزوجة صاحب، وهي تأكل من طعام زوجها، وهو يأكل من طعامها، فلذلك لا يصح عدم اعتبار الحديث شاملا لها، بل هو شامل لها من باب أولى.

فهذه النصوص وغيرها تدل على تأثير هذا النوع من المحبة، والواقع يؤيد كل هذا.

المرتبة الثالثة: الحب الشركي

وهو الحب الذي يجعل المرأة معبودا من دون الله، وقد عرفه العلماء بأنه الحب مع الله، وهو نوعان:

1 ـ نوع يقدح في أصل التوحيد، وهو الشرك، كمحبة المشركين لأوثانهم وأندادهم كما قال تعالى:{ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ }(البقرة:165) وهذا النص عام، لا يصح حمله على محبة الأوثان فقط، فهذه محبة تأله وموالاة يتبعها الخوف والرجاء والعبادة والدعاء، وهذه المحبة هي محض الشرك، وهذا النوع موجود في حب النساء، وكم حصل في التاريخ القديم والحديث من الارتداد بسبب حب امرأة يهودية أو نصرانية، فيتحول إلى دينها لا رغبة فيه، وإنما رغبة فيها، ولا يعبد بذلك ما تعبد، بل يعبدها هي ذاتها، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذا:(تعس([46])عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض) ([47])، وقد عبر صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ العبد ولم يعبر بلفظ المالك أو الجامع، لأن هؤلاء لم يملكوا هذه الأشياء وإنما ملكتهم، بل استعبدتهم.

2 ـ ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله، ولا يخرج من الإسلام، وهو أن تكون هي مقصودة ومراده وسعيه في تحصيلها والظفر بها، ثم يقدمها على ما يحبه الله ويرضاه منه، فيكون ظالما لنفسه متبعا لهواه([48]).

ومثل هذا النوع من الحب الذي قد يشغل صاحبه عن ربه، ويبعده عن دينه، ويجعل إلهه زوجته، يأتمر لأمرها، وينتهي لنهيها، ولا يرى الحق إلا في قولها، هو حب محرم، بل يجب أن ينقلب هذا الحب بغضا في الله، لأن من علامات الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وقد روي في الأخبار السالفة أن الله تعالى أوحى إلى موسى u: يا ابن عمران كن يقظاناً وارتد لنفسك إخواناً،وكل خدن وصاحب لا يؤازرك على مسرتي فهو لك عدوّ، وأوحى الله تعالى إلى داود u فقال: يا داود ما لي أراك منتبذاً وحيداً؟ قال: إلهي قليت الخلق من أجلك، فقال: يا داود كن يقظاناً وارتد لنفسك أخداناً، وكل خدن لا يوافقك على مسرتي فلا تصاحبه فإنه لك عدوّ يقسي قلبك ويباعدك مني([49]).

وهذه المحبة كما يعبر ابن القيم هي محبة الظالمين([50])، ويكفي ذلك لبيان الحذر منها وتحريمها.

ومن أخطر آثار هذا الحب هو ما يؤدي إليه من انحرافات تبعد صاحبها عن دين الله، وتجعله هائما في أودية السراب، ثم هو بعد ذلك عذاب لصاحبه، فمن أحب شيئا سوى الله تعالى، ولم تكن محبته له لله تعالى، ولا لكونه معينا له على طاعة الله تعالى، عذب به في الدنيا قبل يوم القيامة، كما قيل:

أنت القـتـيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفى

وقال الآخر:

فما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق

تراه باكيا في كـل حال         مـخافة فـرقـة أو لاشتـياق

فيبكي إن نأوا شوقا إليهم   ويبـكي إن دنـوا حذر الفراق

فتسخن عينه عند التـلاقي    وتسخـن عـينه عند الفراق

أما يوم القيامة، فإن (عاشق الصور إذا اجتمع هو ومعشوقه على غير طاعة الله تعالى جمع الله بينهما في النار، وعذب كل منهما بصاحبه، قال تعالى:{ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف:67)) ([51])

وقد ورد في القرآن الكريم النصوص الكثيرة التي تدل على انفصام هذا الحب وانقلابه عداوة، فقد أخبر تعالى أن الذين توادوا في الدنيا على الشرك يكفر بعضهم ببعض يوم القيامة ويلعن بعضهم بعضا ومأواهم النار وما لهم من ناصرين، وقال تعالى:{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27)يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا(28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}(الفرقان:27ـ 29)، وقال تعالى:{ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}(الصافات: 22 ـ 24)

2 ـ أسباب المودة الزوجية

المودة ـ كما ذكرنا ـ حال يجدها الإنسان، ولا يفعلها، فلذلك، كيف يكلف الإنسان بها، وتعتبر ركنا من أركان كمال عشرته لزوجته؟

إن الإجابة على هذا هو أن التكليف في مثل هذا لا يتعلق بالحال، وإنما بالدوافع والأسباب والنتائج التي تؤديها تلك الأحوال، ولولا اعتبار ذلك لما حرم الحسد والكبر وكل الأمراض الباطنية، لأنها أحوال، والله تعالى قال:{ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُون} (الأنعام:120)، وترك باطن الإثم يكون بالابتعاد عن أسبابه المؤدية إليه، أو عدم الانتهاء إلى النتائج التي يوصل إليها، ومثل هذا يقال عن المودة الزوجية.

وبما أنا ذكرنا بأن الحب هو نتيجة إدراك الجمال، وأن الجمال ظاهر وباطن، فإن الطريق لتحصيل المودة الزوجية يمكن حصره في توفير هذين النوعين من الجمال، فهما لا محالة طريق الزوجة والزوج إلى قلب صاحبه، وما رؤي التقصير في أحدهما إلا وتبعه مقت من الآخر، وفيما يلي تفصيل لبعض ما يتعلق بهذين السببين:

أ ـ الجمال الباطني

إن العالم الآن نتيجة غلوه في المادية أهمل الجانب الباطني من الإنسان الذي هو حقيقته وجوهره وروحه، فأصبح يقيم المسابقات لملكات جمال العالم، وتاه في أنواع الأزياء، وتفنن في صناعة المساحيق، وتطور في كل أنواع الجراحات التجميلية، ليكذب بذلك ما قاله الشاعر قديما:

عجوزٌ ترجِّي أن تكون فتيةً وقد غارَتِ العينانِ واحدودبَ الظهرُ

تدسُّ إِلى العطارِ سلعةَ أهلِها ولن يصلحَ العطارُ ما أفسدَ الدهـرُ

ومع هذا نسي هذا العالم المادي الجمال الباطني، الذي يحيل الدميم مثلا أعلى، ويحول القزم عملاقا بنبله وخلقه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم عن ابن مسعود عندما ضحك الصحابة من دقة ساقيه:(أتضحكون منهما، لهما أثقل في الميزان من جبل أحد) ([52])

وكأن الغزالي يعبر عن هذا الواقع عندما قال:(اعلم أن المحبوس في مضيق الخيالات والمحسوسات ربما يظن أنه لا معنى للحسن والجمال إلا تناسب الخلقة والشكل وحسن اللون، وكون البـياض مشرباً بالحمرة وامتداد القامة إلى غير ذلك مما يوصف من جمال شخص الإنسان، فإنّ الحسن الأغلب على الخلق حسن الإبصار، وأكثر التفاتهم إلى صور الأشخاص، فيظن أن ما ليس مبصراً ولا متخيلاً ولا متشكلاً ولا متلوناً مقدّر فلا يتصوّر حسنه، وإذا لم يتصوّر حسنه لم يكن في إدراكه لذة فلم يكن محبوباً) ([53])

وقد أجاب على من كان هذا حاله، فلم ير إلا الجمال الظاهري بقوله: (اعلم أنّ الحسن والجمال موجود في غير المحسوسات إذ يقال: هذا خلق حسن وهذا علم حسن وهذه سيرة حسنة، وهذه أخلاق جميلة، وإن الأخلاق الجميلة يراد بها العلم والعقل والعفة والشجاعة والتقوى والكرم والمروءة وسائر خلال الخير، وشيء من هذه الصفات لا يدرك بالحواس الخمس بل يدرك بنور البصيرة الباطنة، وكل هذه الخلال الجميلة محبوبة والموصوف بها محبوب بالطبع عند من عرف صفاته، وآية ذلك وأنّ الأمر كذلك أنّ الطباع مجبولة على حب الأنبـياء صلوات الله عليهم وعلى حب الصحابة مع أنهم لم يشاهدوهم، بل على حب أرباب المذاهب مثل الشافعي وأبـي حنيفة ومالك وغيرهم؛ حتى أنّ الرجل قد يجاوز به حبه لصاحب مذهبه حدّ العشق فيحمله ذلك على أن ينفق جميع ماله في نصرة مذهبه والذب عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه)

وسبب هذه المحبة لا يعود للجمال الظاهر، بل (لو شاهده ربما لم يستحسن صورته، فاستحسانه الذي حمله على إفراط الحب هو لصورته الباطنة لا لصورته الظاهرة، فإنّ صورته الظاهرة قد انقلبت تراباً مع التراب، وإنما يحبه لصفاته الباطنة من الدين والتقوى وغزارة العلم والإحاطة بمدارك الدين وانتهاضه لإفادة علم الشرع ولنشره هذه الخيرات في العالم، وهذه أمور جميلة لا يدرك جمالها إلا بنور البصيرة، فأما الحواس فقاصرة عنها) ([54])

ولهذا كان من الأخطاء الكبرى التي تسبب الفراق بين الزوجين أن الرجل يبني حياته مع زوجته على أساس خلقتها لا خلقها، فيغفل عن روحها انشغالا بجسدها، فإذا ما عاشرها، وخبر أخلاقها، أو ذوى جمالها انقلب الحب عداوة، وتحول الزواج طلاقا، وتهدم البيت لأنه كان قائما على شفا جرف هار.

ولا يمكن هنا أن نحصي وسائل تحقيق الجمال الروحي، والتي تحفظ العلاقة الزوجية، ولكن سنشير إلى بعض السلوكيات التي قد لا يرى لها الكثير من الناس قيمة كبيرة، ومع ذلك لها التأثير الكبير في حفظ الحياة الزوجيه، وتعميرها بالمودة والرحمة، ومن هذه السلوكيات:

التخلق بالأخلاق الإسلامية

فالأخلاق العالية المستقاة من منهج النبوة هي الأساس الذي تنشأ منه المودة وتستدام، قال الغزالي: (اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرّق ثمرة سوء الخلق، فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر، ومهما كان المثمر محموداً كانت الثمرة محمودة)([55])

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) ([56])، وقد ذكر العلماء من وجوه الفساد (أنكم إن لم تزوجوها إلا من ذي مال أو جاه ربما يبقى أكثر نسائكم بلا أزواج، وأكثر رجالكم بلا نساء، فيكثر الافتتان بالزنا، وربما يلحق الأولياء عار، فتهيج الفتن والفساد ويترتب عليه قطع النسب وقلة الصلاح والعفة) ([57])

وهو وجه صحيح، لكن الوجه الأخطر منه والفساد الأعرض أن تزوج المرأة بالفاسق، فيفسد دينها وخلقها، أو تعيش معه، وهي لا تجرؤ على القيام بما يمليه عليها صلاحها، وقد يحصل بعد ذلك الفراق، فتنشأ المفاسد العظيمة، ولهذا ذكرنا في فصل الكفاءة رجحان قول من قال باعتبار الكفاءة في الدين دون المال والنسب والحرفة وغيرها مما يتفاخر بأمثالها الناس.

أما الحض على مراعاة الخلق في جانب المرأة، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاثة: تنكح المرأة على مالها، وتنكح المرأة على جمالها، وتنكح المرأة على دينها، فخذ ذات الدين والخلق تربت يمينك)([58])، فأرشد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مراعاة جانب الدين والخلق أكثر من مراعاة الجوانب الأخرى، وخاصة جانب الجمال، فله اعتباره الشرعي، لأن المودة ـ كما ذكرنا ـ تحصل بنوعي الجمال ظاهره وباطنه.

وقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجمع بين هذين النوعين من الجمال بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ألا أخبركم بخير ما يكتنز المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته) ([59])، أي أنه إذا نظر الرجل إليها سرته لجمال صورتها وحسن سيرتها وحصول حفظ الدين بها، وإذا أمرها بأمر شرعي أو عرفي أطاعته وخدمته، وإذا غاب عنها حفظته.

ومع أن هذه النصوص التي أوردناها خاصة بالاختيار، وحديثنا هنا عن الزوجين، فلأن للزوجين إن فاتهما طريق الاختيار إمكان التلافي، فلا تنشغل المرأة بزينتها الظاهرة، ولا ينشغل الرجل بهندامه، ثم يغفلان عن تكميل نفسيهما بالخلق الرفيع، والأدب العالي والسمو الروحي، فتغيير الأخلاق ممكن، والله هو الهادي سواء السبيل.

أداء العبادات في البيت

فالتزام عبادة الله تعالى من الصلوات التطوعية، والذكر، وقراءة القرآن، من شأنها أن تعمق العلاقة الروحية بين الزوجين، فلا يبقى المجال خصبا للشيطان لإثارة النزاعات، ولهذا كان من سنته صلى الله عليه وآله وسلم الفعلية والقولية تعمير البيوت بالطاعات حتى يتحول الحب الطبعي بين الزوجين إلى حب إيماني يرتقيان به إلى آفاق الكمال، وفيما يلي بيان لبعض ما ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك:

أداء الصلوات التطوعية في البيوت:

لما في الصلاة من دور كبير في الوصل بين المؤمنين بعضهم ببعض، جاءت الأحكام الشرعية لتلبي هذا المقصد الشرعي، فخصصت صلاة الفرائض لجمع شمل المجتمع المسلم، وخصصت النوافل لجمع شمل الأسرة، ولهذا نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن هجر الصلاة في البيوت، فقال: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا) ([60])

وفي حديث آخر اعتبرها صلى الله عليه وآله وسلم نورا في البيت فقال:(أما صلاة الرجل في بيته فنور فنوروا بيوتكم)([61]) والنور هو الذي تنشرح به الصدور، وينطلق منه السرور في أنحاء البيت.

وفي حديث آخر اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة خيرا للبيت، فقال:(إذا قضى أحدكم صلاته فليجعل لبيته منها نصيبا فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا) ([62])

ولهذا فضل صلى الله عليه وآله وسلم أداء النوافل في البيوت مطلقا، فقال:(أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة)([63])

وكان ذلك من سنته صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان يخص بيوته بالعبادة، ويطيل فيها أكثر مما يطيل في غيرها، فعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءه أصحابه ذات ليلة، فخرج فصلى بهم فخفف، ثم دخل بيته فأطال، ثم خرج فصلى بهم فخفف، ثم دخل بيته فأطال، فلما أصبح قالوا: يا رسول الله صليت فجعلت تطيل إذا دخلت وتخفف إذا خرجت، قال: من أجلكم ما فعلت([64]).

بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وزوجته بين يديه تنظر إلى صلته بربه، فعن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح([65]).

ولهذا عاتبت عائشة من قال ببطلان الصلاة في حال اعتراض الكلب والحمار والمرأة، فقالت: (أعدلتمونا بالكلب والحمار، لقد رأيتني مضطجعة على السرير، فيجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيتوسط السرير، فيصلي فأكره أن أسنحه، فأنسل من قبل رجلي السرير حتى أنسل من لحافي) ([66])

وعن عبيد بن عمير أنه قال لعائشة: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فسكتت، ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي، قال: يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي، قلت: والله إني أحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: وكان جالسا، فلم يزل يبكي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا، لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها:{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}(آل عمران:190)الآية كلها([67]).

وفي رواية أخرى عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا قال: قول الشاعر: زر غبا تزدد حبا، فقال ابن عمر: ذرينا، أخبرينا بأعجب ما رأيته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبكت وقالت: كل أمره كان عجبا، ثم أوردت الحديث([68]).

ورواية عائشة مثل هذه الأحاديث لا تقصرها على بيتها، بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يفعل ذلك في جميع بيوته، فعن ابن عباس قال: بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندها في ليلتها، فصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشاء، ثم جاء إلى منزله، فصلى أربع ركعات ثم نام ثم قام ثم قال: نام الغليم أو كلمة تشبهها، ثم قام فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه فصلى خمس ركعات ثم صلى ركعتين ثم نام حتى سمعت غطيطه أو خطيطه، ثم خرج إلى الصلاة([69]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يشركهم في صلاته بدون تكليف، فعن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت([70])، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول عن صلاة النساء في بيوتهن: (خير مساجد النساء قعر بيوتهن) ([71])

بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يحض زوجاته على قيام الليل، بطريقة يمتزج فيها الترغيب والترهيب، وكأنا نلمح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما تحكي أم سلمة ـ وهو يستيقظ ذات ليلة، وهو يقول: (سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن وماذا فتح من الخزائن، أيقظوا صواحبات الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) ([72])

هذا في الحالة العادية، أما في المناسبات التي تتنزل فيها النفحات الإلهية فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما تخبر عائشة ـ: إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله([73]).

ولم يكن يخص بهذا الحض زوجاته، بل كان يذهب إلى بيت ابنته ليلا، لا ليسأل عن حالها، أو ليزيل وحشة من فراقها، وإنما ليحضها وابن عمه على الصلاة ([74]).

ولم تكن هذه حادثة فردية عابرة، بل كانت دائمة مستمرة، فعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى الفجر، فيقول: (الصلاة يا أهل البيت،{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب:33)) ([75])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يرغب أمته في هذا، لا ليربط بين العباد وربهم تعالى فحسب، فتلك الغاية العليا، ويمكن تحقيقها بالعبادة الفردية، ولكن مراده كذلك أن يربط أفراد الأسرة فيما بينهم، ليصلهم بالله جميعا.

ومن أمثلة ما رغب به صلى الله عليه وآله وسلم أمته ما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل، فصلت ثم أيقظت زوجها، فصلى فإن أبى نضحت في وجهه الماء) ([76]) وهو تأكيد على رعاية هذه الفضيلة إلى درجة أن ينضح الزوجان الماء على وجهي بعضهما لأجل العبادة.

وفي حديث آخر ترغيب أكثر منه وأعظم جزاء، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين جميعا كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات) ([77])

وكانت الصلاة هي التي تطبع علاقاتهم البيتية والاجتماعية، فلذلك انتشرت بينهم الرحمة والمودة، فعن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لطعام صنعته له فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصل لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصففت واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ركعتين ثم انصرف([78]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم ينكر على الصحابة أحيانا أداءهم بعض الصلوات في المسجد، وورد ذلك خصوصا في نافلة المغرب، فعن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى مسجد بني عبد الأشهل، فصلى فيه المغرب، فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها فقال: (هذه صلاة البيوت) ([79])، ولعل سر تخصيصه صلى الله عليه وآله وسلم هذه الصلاة بصلاة البيوت بالإضافة إلى قيام الليل، أن الليل وقت خلوة الرجل بأهله، وهو وقت لنزغات الشياطين، فلذلك حث على الصلاة فيه لطرد الشيطان ونزغاته من البيت، وملئه بدل ذلك بالجو الروحاني الذي يملأ البيت بالسكينة والمودة.

وقد كان من سنة الصالحين اتخاذ مكان خاص في البيت للصلاة يكون بمثابة مسجد، ففي الحديث أن رجلا من الأنصار أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تعال فخط لي مسجدا في داري أصلي فيه، وذلك بعد ما عمي فجاء ففعل([80]).

فالصلاة إذن وسيلة من الوسائل العظمى التي لا تحفظ بها العلاقة بين العبد وربه فحسب، بل تحفظ بها كذلك العلاقات الأسرية والعلاقات الاجتماعية، بل العلاقات الأممية العامة.

ولأجل هذا أخبر القرآن الكريم عن الأنبياء أنهم كانوا يأمرون أهليهم بالصلاة، فقال عن إسماعيل u كنموذج عنهم:{ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا}(مريم:55)

بل أمر صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر أهله بها، فقال تعالى:{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}(طه:132)، وقد ذكر القرطبي كيف استقبل المؤمنون هذا الأمر الإلهي بقوله:(وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويدخل في عمومه جميع أمته وأهل بيته على التخصيص وكان صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعلي رضوان الله عليهما، فيقول: الصلاة، ويروى أن عروة بن الزبير كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله، وهو يقرأ:{ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}(طه:131)، ثم ينادي بالصلاة الصلاة يرحمكم الله) ([81])

قراءة القرآن في البيت:

لما للقرآن الكريم من التأثير العظيم في النفوس بتربيتها وترقيتها ورفعها عن الهمم الدنيئة والمطالب البسيطة التي تخرب بسببها البيوت جاءت الأوامر النبوية بتخصيص البيوت بقراءة القرآن الكريم فيها، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) ([82])

ولعل تخصيص هذه السورة بذلك، وإن كان القرآن كله يطرد الشياطين، لما في السورة من أوامر وتوجيهات مختلفة تتعلق بالأسرة وغيرها تطرد الشياطين الذين يرسلهم إبليس كما ورد في الحديث الذي رواه جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت قال: فيلتزمه) ([83])

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن تأثير قراءة القرآن في البيت، وإنزال السكينة النفسية على أهله، والتي هي التربة الخصبة لكل الفضائل، فعن البراء، قال: قرأ رجل الكهف وفي الدار الدابة فجعلت تنفر فسلم فإذا ضبابة أو سحابة غشيته فذكره للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(اقرأ فلان فإنها السكينة نزلت للقرآن أو تنزلت للقرآن) ([84])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحض على تعليم الأهل القرآن أو آيات وسور مخصوصة منهن، ومما ورد من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهن وعلموهن نساءكم وأبناءكم، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء) ([85])

وكان القرآن يصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى في فراشه، فقد كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما:{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } و{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } و{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ }، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات([86]).

فهذه سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيته، وهي سنة كل مسلم صالح يعيش القرآن في نفسه وبيته، لتنصبغ حياته جميعا بنوره وهديه، ومنه تنطلق المحبة الإلهية الخالصة لزوجه وأهل بيته، لا تشوبها الأغراض، ولا يفسدها الطبع.

ونحب أن ننبه هنا إلى أن ما يمارس الآن ـ بدعوى طرد الشياطين من البيوت من حضور الرقاة إليها، ثم قراءة القرآن الكريم بطريقة خاصة، ثم انصرافهم عن البيت، وقد ضمنوا لأهلها طرد الشياطين وحرق الجن ـ أقرب إلى الشعوذة والخرافة منه إلى الدين، فالقرآن أجل أن نتعامل معه بهذه الأسطورية، فهو كتاب هداية وتربية قبل أن يكون تعويذة، ثم إن الشيطان الذي فر من سماع القرآن تلك اللحظة اليتيمة من يحكم بعدم عودته إذا ما دبت الغفلة للبيت، وحكمت الأهواء بدل القرآن، وسمع قرآن الشيطان وهجر قرآن الله.

ذكر الله في البيت:

الذكر هو التعبير الشرعي عن الحالة التي يكون فيها الإنسان مع الله، وفي اللحظة التي يكون فيها كذلك تدب إلى قلبه كل مشاعر الخير، وتسرع إلى عقله كل الأفكار الطيبة، وتنتشر في أعضائه قوة عظيمة تجعله جبلا من جبال الأخلاق العالية، فلذلك كان لهذا الذكر تأثيره العظيم في نشر المودة في البيت المسلم، حين يتحد قلب الزوجين على ذكر الله، ولهذا أرشد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن تكون أول العلاقة مع الزوجة قبل التفكير بأي غرض طبعي أو نفسي ذكر الله، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا أفاد أحدكم امرأة فليأخذ بناصيتها وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه) ([87])

والذكر كالقرآن والصلاة يطرد الشياطين من البيت، الشياطين التي تنشر الظلمة النفسية، والفرقة العائلية، فلهذا لا يمارس المؤمن أي تصرف في بيته إلا ويبدؤه بذكر الله، وقد بين صلى الله عليه وآله وسلم كيفية تعامل الشياطين مع هذا الذكر بقوله:(إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء) ([88])

ولعله خص هذين الموضعين لأن الداخل إلى بيته قد يرى ما يزعجه، فيتخذ الشياطين من ذلك مطية لزرع الشقاق بينه وبين أهله، فإذا ذكر الله خنس الشياطين، فإذا ما حضر الأكل حضر الشيطان ليوسوس لأهل البيت، فيريهم عيوب الطعام، أو يفسد عليهم ذوقه، ثم ينطلق ليفسد صفاء المودة بينهم بذلك، فإذا ما ذكروا الله فر الشيطان وحلت السكينة في البيت.

ويرشد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ضرورة حضور هذا الذكر حتى عندما يكون المؤمن في فراشه، لأنه إذا ما استيقظ دبت إله الشياطين، فلذلك يطردهم بذكر الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي أو قال: ثم دعا استجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته) ([89])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يشغل ليله بذكر الله، فلا يترك فرصة للغفلة لتدب إلى بيته، لأن الغفلة هي غذاء شياطين الإنس والجن، فعن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت عند باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعطيه وضوءه، فأسمعه الهوي من الليل يقول: سمع الله لمن حمده، وأسمعه الهوي من الليل يقول: الحمد لله رب العالمين([90]).

وننبه هنا كذلك إلى أن تلك الدعاوى الطويلة العريضة التي يزعمها أقوام لأنفسهم بالقدرة على طرد الشياطين والسحر وغيرهما من البيوت بأذكار يرددونها، ثم يتركوا أهل البيت بعد ذلك للغفلة والشرود عن الله، وكأن تلك الأذكار طلاسم وأوفاق كطلاسم السحرة والمنجمين، هو تفسير خاطئ لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالقصد من الذكر الحضور مع المذكور، والانشغال به، لا ترديد ألفاظ الذكر والقلب يتيه في أودية الغفلة، فيسلم لسانه لله، ويسلم كيانه وروحه للشيطان والهوى.

مراعاة الآداب الإسلامية في البيت

وذلك بأن يلتزم مع زوجته ما يجب في العلاقات الإسلامية العامة من إلقاء السلام وتشميت العاطس، وغيرها، وهي ليست أمورا هينة بسيطة ـ كما قد يعتقد ـ بل لها تأثير عظيم في إظفاء جو روحاني على البيت، فتنشر المودة والسكينة في قلبي الزوجين وأهل البيت.

وقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى دور هذه الآداب في إحياء المحبة في القلوب المؤمنة بقوله: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم) ([91])، قال النووي في شرحه لهذا الحديث: (والسلام أول أسباب التألف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل، مع ما فيه من رياضة النفس، ولزوم التواضع، وإعظام حرمات المسلمين) ([92])

واعتبر صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بركة في البيت، فعن أنس بن مالك قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا بني إذا دخلت على أهلك، فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك) ([93])

ويصف المقداد بن الأسود كيفية دخوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته، وكيفية تطبيق هذه السنة بقوله، وهو يذكر حادثة له في بيته صلى الله عليه وآله وسلم مملوءة بالعبر لا يمكن ذكرها هنا جميعا:(وجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسلم تسليما يسمع اليقظان ولا يوقظ النائم، فكشف عن قدح اللبن، فلم ير شيئا فرفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم اسق من سقاني وأطعم من أطعمني) ([94])، فهذا هو السلوك الإسلامي الذي يجلب المودة، لا الذي يدخل إلى بيته، فإن لم يجد طعاما ملأ الدنيا صراخا وضجيجا.

وقبل السلام أرشد صلى الله عليه وآله وسلم إلى التزام الذكر، فيبدأ بذكر الله قبل تحية الأهل، ففي الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا ولج الرجل بيته، فليقل اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلم على أهله) ([95])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم عند دخوله إلى بيته يحرص على أدب آخر، فقد سئلت عائشة: بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك([96]).

مراعاة السلوك الإسلامي العام

لأن المقصد الشرعي من تلك السلوكيات العامة في الكلام والمجالس والأكل والشرب وغيرها زيادة على وصل القلب بالله تحصيل الألفة الاجتماعية بين المؤمنين، ولا بأس أن نلخص هنا في عجالة بعض ما ورد في سنته من ذلك نقلا عن الغزالي الذي نقله بدوره عن أبي البحتري بدون تخريج الأدلة النصية اكتفاء بما ذكره الحافظ العراقي في هامش الإحياء([97])، قال:

ما شتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحداً من المؤمنين بشتيمة إلا جعل لها كفارة ورحمة، وما لعن امرأة قط ولا خادماً بلعنة، وقيل له وهو في القتال: لو لعنتم يا رسول الله فقال: (إِنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً وَلَمْ أُبْعَثْ لَعَّاناً)، وكان إذا سئل أن يدعو على أحد مسلم أو كافر عام أو خاص عدل عن الدعاء عليه إلى الدعاء له وما ضرب بـيده أحداً قط إلا أن يضرب بها في سبـيل الله تعالى، وما انتقم من شيء صنع إليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله، وما خير بـين أمرين قط إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم فيكون أبعد الناس من ذلك، وما كان يأتيه أحد حر أو عبد أو أمة إلا قام معه في حاجته، وقال أنس: والذي بعثه بالحق ما قال لي في شيء قط كرهه: (لم فعلته؟) ولا لامني نساؤه إلا قال: (دعوه إنما كان هذا بكتاب وقدر)، وما عاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مضجعاً إن فرشوا له اضطجع، وإن لم يفرش له اضطجع على الأرض، ومن خلقه أن يبدأ من لقيه بالسلام، ومن قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، وما أخذ أحد بـيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر، وكان إذا لقي أحداً من أصحابه بدأه بالمصافحة، ثم أخذ بـيده فشابكه ثم شد قبضته عليها، وكان لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر الله، وكان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته وأقبل عليه فقال: (أَلَكَ حَاجَةً؟) فقال فرغ من حاجته إلى صلاته، وكان أكثر جلوسه أن ينصب ساقيه جميعاً ويمسك بـيديه عليهما شبه الحبوة، ولم يكن يعرف مجلسه من مجلس أصحابه، لأنه كان حيث انتهى به المجلس جلس، وما رئي قط مادّاً رجليه بـين أصحابه حتى لا يضيق بهما على أحد إلا أن يكون المكان واسعاً لا ضيق فيه، وكان أكثر ما يجلس مستقبل القبلة، وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه لمن ليست بـينه وبـينه قرابة ولا رضاع يجلسه عليه، وكان يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل، وما استصفاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه، حتى يعطي كل من جلس إليه نصيبه من وجهه حتى كان مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف محاسنه وتوجهه للجالس إليه ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة، ولقد كان يدعو أصحابه بكناهم إكراماً لهم واستمالة لقلوبهم، ويكني من لم تكن له كنية فكان يدعى بما كناه به، ويكني أيضاً النساء اللاتي لهن الأولاد واللاتي لم يلدن يبتدىء لهن الكنى ويكني الصبـيان فيستلين به قلوبهم، وكان أبعد الناس غضباً وأسرعهم رضا، وكان أرأف الناس بالناس وخير الناس للناس وأنفع الناس للناس، ولم تكن ترفع في مجلسه الأصوات) ([98])

وقد ذكر الغزالي في آداب الأخوة في الله كثيرا من الآداب والحقوق التي يستحسن ذكرها هنا لأن العلاقة بين الزوجين المؤمنين هي علاقة محبة في الله قبل أن تكون علاقة الزوجية، فلذلك تلزمها حقوق الأخوة في الله، وتزيد عليها بحقوق الزوجية.

قال الغزالي في بيان القاعدة الشرعية في التعامل:(فهذا جامع حقوق الصحبة، وقد أجملناه مرّة وفصلناه أخرى، ولا يتم ذلك إلا بأن تكون على نفسك للإخوان، ولا تكون لنفسك عليهم، وأن تنزل نفسك منزلة الخادم لهم فتقيد بحقوقهم جميع جوارحك) ([99])

وبعد هذا الإجمال فصل الكلام في كل جارحة بخصوصها، وننبه إلى أن هذا الكلام موجه للزوجين قبل أن يكون للصاحبين، لأن الزوجة أحق باسم الصحبة من الإخوان والأصدقاء([100]):

أما البصر؛ فبأن تنظر إليهم نظر مودة يعرفونها منك، وتنظر إلى محاسنهم وتتعامى عن عيوبهم، ولا تصرف بصرك عنهم في وقت إقبالهم عليك وكلامهم معك، روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطي كل من جلس إليه نصيباً من وجهه وما استصغاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه حتى كان مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف مسألته وتوجهه للجالس إليه، وكان مجلسه مجلس حياء وتواضع وأمانة، وكان صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الناس تبسماً وضحكاً في وجوه أصحابه وتعجباً مما يحدثونه به، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم اقتداء منهم بفعله وتوقيراً له صلى الله عليه وآله وسلم

وأما السمع، فبأن تسمع كلامه متلذذاً بسماعه ومصدقاً به ومظهراً للاستبشار به ولا تقطع حديثهم عليهم بمرادّة ولا منازعة ومداخلة واعتراض فإن أرهقك عارض اعتذرت إليهم وتحرس سمعك عن سماع ما يكرهون.

أما اللسان، فبالسكوت مرة وبالنطق أخرى، وله تفاصيل خاصة نتعرض لها في محلها من الفصل السابع من هذا الجزء.

وأما اليدان؛ فأن لا يقبضهما عن معاونتهم في كل ما يتعاطى باليد.

قال الغزالي بعد ذكره لهذه الآداب وغيرها مبينا منشأها وثمرتها:(فإذا تم الاتحاد انطوى بساط التكلف بالكلية، فلا يسلك به إلا مسلك نفسه، لأن هذه الآداب الظاهرة عنوان آداب الباطن وصفاء القلب، ومهما صفت القلوب استغنى عن تكلف إظهار ما فيها، ومن كان نظره إلى صحبة الخلق فتارة يعوج وتارة يستقيم، ومن كان نظره إلى الخالق لزم الاستقامة ظاهراً وباطناً وزين باطنه بالحب لله ولخلقه وزين ظاهره بالعبادة لله والخدمة لعباده، فإنها أعلى أنواع الخدمة لله إذ لا وصول إليها إلا بحسن الخلق) ([101])

ب ـ الجمال الظاهري

وهي ناحية معتبرة في الشريعة، لأن الفطرة تتطلبها، وقد ذكرنا في الجزء الأول من هذه السلسلة أن المستحب اختيار المرأة الجميلة بحسب ذوق صاحبها، لأن للبشر أذواقا مختلفة في ذلك، ولذلك لا نريد بالجمال ما سبق اختياره قبل الزواج، وإنما نريد ناحيتين مهمتين لهما علاقة بالجمال الظاهري، هما التزين، والنظافة، فقد تكون المرأة جميلة، ولكن إهمالها لزينتها أو نظافتها يشوهانها في عين زوجها، ونفس الحال مع الرجل، فلذلك طلبت الشريعة هذين الأمرين وألحت في طلبهما.

وبما أنا تحدثنا عن الأحكام المرتبطة بزينة المرأة في سلسلة مقالاتنا وبحوثنا المقاصدية، فإنا سنكتفي هنا بالحديث عن حق المرأة في تزين زوجها لها، وهو حق شرعي له أدلته الكثيرة.

وقد نص الفقهاء على أن الأصل في التزين الاستحباب، لقوله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون}(الأعراف:32)، ففي هذه الآية دلالة على استحباب لبس الزينة من الثياب، والتجمل بها في الجمع والأعياد وعند لقاء الناس وزيارة الإخوان.

زيادة على هذا الأصل العام فإن هناك ما يشير إلى ضرورة تزين الرجل لزوجته، وهو قوله تعالى:{ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: 228)، فالمعاشرة بالمعروف حق لكل منهما على الآخر، ومن المعروف أن يتزين كل منهما للآخر، فكما يحب الزوج أن تتزين له زوجته، كذلك الحال بالنسبة لها تحب أن يتزين لها، قال ابن عباس في تفسيرها: (أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه الله عليهن لأزواجهن

وقال في تطبيقها: (إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة، لأن الله تعالى يقول: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وما أحب أن أستنظف جميع حقي عليها لأن الله تعالى يقول: { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ })([102])

ومن هنا قال العلماء: (يستحب للرجل أن يهتم بزينة نفسه مع زوجته كما عليها أن تكون كذلك معه، فينظف نفسه، ويزيل عرقه، ويغير الرائحة الكريهة من جسمه وفمه وتحت إبطيه، ويتطيب، ويقلم أظفاره ويلبس خير الملابس المناسبة، ويدهن شعره ويرجله بالمشط ويشذب شعر رأسه ولحيته حتى لا يكون على هيئة منفرة، يفعل ذلك وأمثاله ليكون عند امرأته في زينة تسرها، وليعفها عن الرجال، وكل هذا بما يتفق مع رجولته، مع الحذر من التشبه بالنساء)([103])

ومع ذلك ينبغي مراعاة الزينة التي تتناسب مع حاله وسنه، قال القرطبي موضحا هذا المعنى ضاربا الأمثلة عليه:(قال العلماء أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم فإنهم يعملون ذلك على اللبق والوفاق، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت، وزينة تليق بالشباب وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب، ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه.. وكذلك في شأن الكسوة ففي هذا كله ابتغاء الحقوق فإنما يعمل على اللبق والوفاق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال، وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق بهم، فأما الطيب والسواك والخلال والرمي بالدرن وفضول الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بين موافق للجميع والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة وهو حلى الرجال([104])

وقد ورد في السنة في هذا النصوص الكثيرة الدالة على وجوب مراعاة هذه الناحية، لا على مجرد استحبابها كما ينص أكثر الفقهاء، فعن جابر بن عبد الله قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعره، فقال: أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره، ورأى رجلا آخر وعليه ثياب وسخة، فقال:(أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه) ([105])

أما إن كان ميسور الحال، فيستحب له أن تظهر نعمة الله عليه، فعن بعضهم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ثوب دون، فقال: ألك مال؟ قال: نعم قال: من أي المال؟ قال: قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق قال: (فإذا آتاك الله مالا، فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته) ([106])

وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم ورد ما هو أكثر من هذا ترغيبا، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما أنعم الله على عبد نعمة إلا وهو يحب أن يرى أثرها عليه) ([107])

وعندما أساء بعض الصحابة فهم الكبر، فتصوره في المظهر الجمالي الذي فطرت على الحرص عليه القلوب، نبه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن منبت الكبر القلب، وليس الصورة الظاهرة أو ما يكسوها من ثياب، فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر)، فقال رجل: يا رسول الله إني ليعجبني أن يكون ثوبي غسيلا ورأسي دهينا وشراك نعلي جديدا، وذكر أشياء حتى ذكر علاقة سوطه أفمن الكبر ذاك يا رسول الله؟ قال: لا ذاك الجمال إن الله جميل يحب الجمال، ولكن الكبر من سفه الحق وازدرى الناس)([108])

وننبه هنا كما نبهنا سابقا، أن للرجل مراعاة رغبة زوجته في زينته، بشرط تقيدها بالضوابط الشرعية، فلا يجوز التزين المخالف للشريعة، كالأخذ من أطراف الحاجب أو وضع المساحيق على الوجه تشبها بالنساء، وكالتزين بلبس الحرير والذهب والتختم به وما إلى ذلك.

وبناء على هذا سنذكر بعض ما يتخذ من الزينة، مما قد يحتاج إلى معرفته مثلما، وسنخص ناحية مهمة وردت بعض النصوص فيها وهي الزينة المتعلقة بالشعر، وقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من كان له شعر فليكرمه) ([109])

فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه الرسول،كأنه يأمره بإصلاح شعره، ففعل، ثم رجع، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟)([110])، ورأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا رأسه أشعث، فقال: (أما وجد هذا ما يسكن به شعره؟‍) ([111])

ومن مواضع الزينة التي يكثر السؤال عنها، والمرتبطة بالشعر، ما يتعلق بصبغ الشعر، وقد ورد أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا يمتنعون عن صبغ الشيب وتغييره، ظنا منهم أن التجمل والتزيين ينافي التعبد والتدين، كما هو شأن الرهبان والمتزهدين المغالين في الدين، ولكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن تقليدهم في ذلك ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) ([112])، قال ابن حجر: (يقتضي مشروعية الصبغ والمراد به صبغ شيب اللحية والرأس ولا يعارضه ما ورد من النهي عن إزالة الشيب لأن الصبغ لا يقتضي الإزالة) ([113])

وقد اختلف الفقهاء في الصبغ بالسواد، وخلاصة الخلاف كما ذكر ابن حجر:(اختار النووي أن الصبغ بالسواد يكره كراهية تحريم، وعن الحليمي أن الكراهة خاصة بالرجال دون النساء، فيجوز ذلك للمرأة لأجل زوجها، وقال مالك الحناء والكتم: واسع والصبغ أحب إلي ويستثني من ذلك المجاهد اتفاقا)([114])، ومع ذلك قد رخص في الصبغ بالسواد طائفة من السلف منهم من الصحابة: سعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغيرهم.

وهو رأي الإمامية، فقد نصوا على جواز ذلك من دون فرق بين الرجال والنساء، بل أفتوا باستحبابه، ومن الأحاديث التي رووها في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (أربع من سنن المرسلين: العطر والنساء والسواك والحناء) ([115])، ورووا أن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد صفر لحيته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أحسن هذا، ثم دخل عليه بعد هذا، وقد أقنى بالحناء، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: هذا أحسن من ذاك، ثم دخل عليه بعد ذلك، وقد خضب بالسواد، فضحك إليه، فقال: (هذا أحسن من ذاك وذاك) ([116])

وغير ذلك من الروايات الشريفة عن رسو ل الله صلى الله عليه وآله وسلم، وآل بيته الطاهرين.

ونرى ـ بعد هذا ـ أن من كره ذلك مراده سد ذريعة التدليس، أما من فعل ذلك من باب التزين لزوجته إن أحبت ذلك بدون تدليس على غيرها، فلا حرج فيه لعدم الدليل على النهي في هذه الحالة خاصة مع ما ورد من ترخيص الصحابة فيه.

ولا يصح قصره على الجهاد فالعلة التي ذكروها في الجهاد أكثر انطباقا على العلة التي قد ترخص هذا للزوج مع زوجته، فقد ذكروا أن الغرض في الجهاد هو إرهاب الأعداء بالبدو في مظهر الشباب، ونفس الحكم ينطبق على الزوجة التي تحب أن يظهر زوجها أمامها بهذا المظهر، فهي أكثر ارتباطا به من ارتباط الأعداء بالمجاهد، زيادة على أن قوة المجاهد لا تتعلق بشيبته أو بشبابه.

ومن المسائل المتعلقة بهذا ما نص عليه الفقهاء من جواز قص الشعر الزائد من الجسم الذي قد يسيء إلى الهيئة، قال النووي:(وأما الأخذ من الحاجبين إذا طالا فلم أر فيه شيئا لأصحابنا، وينبغي أن يكره لأنه تغيير لخلق الله لم يثبت فيه شيء فكره، وذكر بعض أصحاب أحمد أنه لا بأس به، قال: وكان أحمد يفعله وحكي أيضا عن الحسن البصري) ([117])

ومما يدخل في هذا الباب قص الشارب، وهو إزالة ما طال منه([118])، وهو من الظواهر المزعجة، فبعض الناس باسم الرجولة يطيل شاربه، ليأكل معه ويشرب، فيؤذي جلاسه بذلك، وإيذاؤه لزوجته من باب أولى، ولهذا ورد الأمر بحف الشارب ومما يدل على المبالغة في هذه الخصلة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من لم يأخذ شاربه فليس منا)([119])، بل كان ذلك سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإبراهيم u، فعن ابن عباس قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقص أو يأخذ من شاربه، وكان إبراهيم خليل الرحمن يفعله) ([120])، وقد رأى صلى الله عليه وآله وسلم رجلا طويل الشارب، فدعا بسواك وشفرة ووضع السواك تحت شارب الرجل، فقطعه، وفي رواية: فدعا بسواك، فوضعه تحت شاربه، ثم دعا بشفرة فقصه عليه([121]).

ومن المسائل المتعلقة بهذا ما يرتبط بالزينة المرتبطة باللحية، وهي ـ في أصل خلقها ـ من زينة الرجل، ومن دلائل رجولته، لا من الشعر الزائد، ولهذا ورد الأمر بإعفائها، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب) ([122]). والمراد بتوفيرها إعفاؤها كما في رواية أخرى أي تركها وإبقاؤها، وقد بين الحديث علة هذا الأمر وهو مخالفة المشركين.

وهذا الأمر يحتمل ان يكون من باب السنية، ويحتمل أن يكون من باب الوجوب، وليس الأمر بالخطورة التي يتصورها بعض الناس، فيحولها إلى أصل من أصول الدين التي يحكم من خلالها على الناس بالسنة أو البدعة، فالسنة أعظم شأنا من اختصارها في هذه المظاهر.

ونحب أن ننبه إلى ناحية مهمة ـ لها علاقة بهذه الناحية ـ وهي ضرورة الاهتمام بها وتحسينها، وقص الزائد منها، لأن تركها كذلك قد يؤدي إلى طولها طولا فاحشا، يتأذى به صاحبها، وتتأذى به بعد ذلك زوجته.

ونحب أن نتجرأ ـ هنا ـ فنرى رأيا ـ نستغفر الله من الخطأ فيه ـ وهو أنه يجوز للزوج، بل يندب له أن يحلق اللحية في حال تأذي زوجته منها، وخاصة إن اشتد ذلك الأذى، وكان فتنة لها([123]).

وذلك لأنه لم يعد للحية ـ كمظهر يظهر به الرجال ـ تلك القدسية التي كانت لمن قبلنا، بحيث كانت مظهرا الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، وكان حلق اللحية نوعا من التشويه والمثلة، التي كان يرغب عنها الرجال، وتنفر منها النساء، بل صارت شيئا خاصا بثلة قليلة.

فإذا تأذت المرأة منها، لا باعتبارها سنة، بل باعتبارها مظهرا من المظاهر لا يختلف عن سائر المظاهر، فليس على الرجل من حرج في حلقها إذا كان من نيته تحقيق معاشرتها بالمعروف.

ودليل هذا هو ما سماه الفقهاء بـ (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، فاللحية مصلحة، ولكن سوء العشرة الذي ينجر عنها مفسدة خطيرة، فلذلك كان الأولى هو الاهتمام بالأهم فالمهم، خاصة مع وقوع الخلاف فيها.

وقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم هذا في أمر أخطر من اللحية، عندما جاءته جميلة بنت سلول فقالت: والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضا! فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(أتردين عليه حديقته؟) قالت: نعم. فأمره رسول الله rأن يأخذ منها حديقته ولا يزداد([124]).

وقد كان يقال: إنها كانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشد الحب، ففرق رسول الله r بينهما بطريق الخلع، فكان أول خلع في الإسلام، وقد روي في رواية أخرى سبب بغضها لها فقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: أول من خالع في الإسلام أخت عبدالله بن أبي، أتت النبي r فقالت:(يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأسه أبدا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة إذ هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها)

فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم هذا القول منها، وأذن لها في خلعه، ونحسب أن الأمر لو لم يكن مرتبطا بأمور لا انفكاك له عنها من لونه وطوله لأذن له صلى الله عليه وآله وسلم فيه حرصا عليها وعليه.

ومثل ذلك قد يقال في امرأة قد تفتن في دينها وفي علاقتها بزوجها إن رأته بصورة لا ترتضيها، أو قارنت غيره من الرجال به، فيكون في ذلك فتنة عظيمة، والله أعلم.

ثانيا ـ الرحمة الزوجية ومتلطباتها

انطلاقا من المعنى الاصطلاحي الذي ذكره العلماء لمعنى الرحمة([125])، فإنه يمكن التعرف على الأركان التي تتأسس عليها الرحمة، فهي تبنى على ركنين أساسين:

  1. الرقة التي تعتري قلب الإنسان عندما يلاحظ ما يدعو إلى ذلك، فيقال مثلا: رحمت فلانا لما أصابه.
  2. الإحسان المجرد عن الرقة أو النابع من الرقة.

ومن هذين الركنين اللذين تتأسس عليهما الرحمة يمكن التعرف على النواحي التي تتطلبها الرحمة الزوجية، فهي تتطلب ناحيتين: ناحية نفسية، وناحية مادية، أو ناحية معنوية وناحية حسية، لأن الإنسان يحتاج كلتا الناحيتين، ووجود إحداهما دون الأخرى نقص فيها أو فساد لها، وقد نص القرآن الكريم على وجوب الأخذ بكلتا الناحيتين في أوامر شرعية كثيرة، فلا يكفي أن يبني المؤمن الأمر حسيا ويهدمه معنويا:

ففي الصدقات مثلا، وهي موضع من مواضع الرحمة، بل فيها تتجلى الرحمة، ألحت الأوامر القرآنية في الأمر بمراعاة التعامل النفسي مع الفقير، فلا يكفي أن نعطيه عطاء ماديا، ثم نبخل عليه بالعطاء المعنوي النفسي، قال تعالى:{ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ }(البقرة:263) والقول المعروف هو الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، فهو خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة، وفي باطنها لاشيء لأن ذكر القول المعروف فيه أجر وهذه لا أجر فيها، قال الشوكاني:(القول المعروف من المسئول للسائل وهو التأنيس والترجية بما عند الله والرد الجميل خير من الصدقة التي يتبعها أذى) ([126])

وفي التعامل مع السائل واليتيم قال تعالى:{ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}(الضحى:9)، أي كما كنت يتيما فآواك الله، فلا تقهر اليتيم ولا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسن إليه وتلطف به، قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم،{ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ}(الضحى:10) أي وكما كنت ضالا، فهداك الله فلا تنهر السائل، ولا تكن جبارا ولا متكبرا ولا فحاشا ولا فظا على الضعفاء([127]).

وقال تعالى في الأقارب آمرا بمراعاة هذه الناحية:{ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا}(الإسراء:28) أي إذا سألك أقاربك،ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة، فقل لهم قولا ميسورا، أي عدهم وعدا بسهولة ولين([128]).

وعندما ذكر الله تعالى وجوب تحكيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتف بوجوب تنفيذه فقط، بل أوجب القبول النفسي كذلك، قال تعالى:{ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النساء:65)

وقد ضرب الله تعالى مثل الذي يرحم رحمة مادية حسية بالإحسان المادي الحسي، ويغفل عن مراعة الجانب النفسي بهذا المثال البديع:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}(البقرة:264)

ويضرب المثل الأعلى للرحمة، وهو هو الجمع بين الحسنيين: الإحسان النفسي والإحسان المادي، بهذا المثال الجامع قال تعالى:{ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(البقرة:265)

بناء على هذا التحديد القرآني لمعنى الرحمة، بشقيها الحسي والمعنوي، سنتحدث في هذا المبحث عن الكيفية المثلى لتحقيق هذبن المطلبين اللذين تتطلبهما الرحمة الزوجية، سواء في تعامل الزوج مع زوجته أو الزوجة مع زوجها:

1 ـ المتطلبات المعنوية

ونقصد بها ما يحتاجه كلا الزوجين من تعامل نفسي مع الطرف الآخر، وهذه المباحث عادة لا يتكلم عليها في أبواب الفقه، لأن الفقه قصره المتأخرون على التكاليف العملية الظاهرة المنضبطة، أما التكاليف التي ورد الأمر بها بل التصريح بالأمر، فالكثير من الفقهاء إذا تحدثوا عنها حكموا لها بالاستحباب، وهذا وإن عذر بالتخصص إلا أن خطره كان عظيما على الأسرة المسلمة، بل الفقه الإسلامي جميعا، فالزوج الذي يستفتي عن التعامل مع زوجته فيجاب بأن المهر فرض، لكن المعاشرة بالمعروف مستحبة، وهو في نفسه يعتبر المستحب مباحا فحسبه أن يؤدي الفرائض، فكيف سيتعامل مثل هذا مع زوجته، وهل يصلح بمثل هذا القول المجتمع المسلم والأسرة المسلمة.

لذا، فإن ما سنتكلم عنه هنا وما تكلمنا عنه في المبحث السابق، مما قد يعتبر دخيلا على الفقه، لا نعتبره دخيلا، بل نراه لب الفقه، ونرى الفقه غير محصور في التكاليف العميلة فحسب، وإنما هو معرفة النفس ما لها وما عليها.

وسنذكر في هذا المطلب بعض مجامع هذه المتطلبات، وقد قسمناها إلى ناحيتين:ناحية سلبية، تتناقض مع الرحمة، يلزم اجتنابها، وناحية إيجابية هي أثر من آثار الرحمة يستحب أو يلزم التخلق بها، وفيما يلي بعض ما تحتاجه هاتان الناحيتان من تفاصيل وأدلة:

أ ـ النواحي السلبية في المعاملة النفسية

واجتناب هذه النواحي أضعف مراتب الرحمة، وضابطها هو كل ما يؤذي أي طرف إيذاء نفسيا، سواء كان ذلك كلاما أو صمتا أو نظرة أو تصعير خد، فكل ما يؤذي الطرف الآخر، فإن الشرع قد صرح بتحريمه مطلقا سواء كان ذلك الطرف زوجا أو زوجة أو أجنبيا، وعلى ذلك النصوص القرآنية والنبوية.

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)([129])، فذكره صلى الله عليه وآله وسلم لمال المسلم وعرضه لا يلغي نفسه، بل هي أولى من مال وعرضه، فكيف نتصور الحرمة في أخذ دينار من ماله، ثم لا نتصوره في إهانته واحتقاره وملأ صدره حزنا وأسفا.

ونلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدم في الحديث النهي عن احتقار المسلم، وهو رعاية ناحيته النفسية على عرضه وماله، وقد أخره في رواية أخرى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل المسلم على المسلم حرام ماله وعرضه ودمه حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) وأكده بأن احتقار المسلم وحده كاف لأن يكون شرا محضا.

هذه حقائق نؤمن بها ونصدقها، ويؤمن بها كل الناس ويصدقون، ولكنه ونتيجة للإلفة الدائمة بين الزوج والزوجة يتغافل عن هذه الناحية إذا تعلق الأمر بالأهل، فيتصور البعض حرمتها مع الأجانب، فيكون معهم لطيفا ودودا، ويكون مع أهله وقحا، جلفا غليظا، فلذلك كان من حق الزوجين على بعضهما مراعاة هذه الأمور، وقد ذكر الغزالي عند بيانه لحقوق الأخوة في الله بعض المؤذيات المتعلقة باللسان، ولا بأس من ذكرها هنا، فإن الزوج كما ذكرنا لا يقل حقها عن حق الأخ والصديق، فما وجب للإخوة وجب لها من باب أولى:

قال الغزالي:(أما السكوت، فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في غيبته وحضرته، بل يتجاهل عنه ويسكت عن الرد عليه فيما يتكلم به ولا يماريه، ولا يناقشه وأن يسكت عن التجسس والسؤال عن أحواله، وليسكت عن أسراره التي بثها إليه ولا يبثها إلى غيره البتة ولا إلى أخص أصدقائه ولا يكشف شيئاً منها ولو بعد القطيعة والوحشة، فإن ذلك من لؤم الطبع وخبث الباطن، وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده، وأن يسكت عن حكاية قدح غيره فيه، فإنّ الذي سبَّك من بلَّغك. والتأذي يحصل أولاً من المبِّلغ ثم من القائل.

نعم لا ينبغي أن يخفي ما يسمع من الثناء عليه فإنّ السرور به أولاً يحصل من المبلغ للمدح ثم من القائل، وإخفاء ذلك من الحسد. وبالجملة، فليسكت عن كل كلام يكرهه جملة وتفصيلاً إلا إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ولم يجد رخصة في السكوت فإذ ذاك لا يبالي بكراهته فإن ذلك إحسان إليه في التحقيق وإن كان يظن أنها إساءة في الظاهر) ([130])

وسنذكر هنا باختصار خصلتين من أخطر أنواع الإساءات، لهما علاقة كبيرة بإفساد العلاقة الزوجية، هما الجحود والمن:

الجحود:

وهو إنكار النعمة، وعدم الاعتراف بها، وقد سمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا كفرا، وحذر النساء منه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا أكثر أهل النار؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير) ([131])

وهذا التحذير الخاص من هذه الخصلة يدل على خطورتها وتأثيرها السلبي على العلاقات الزوجية، والنهي أو الإخبار الوارد في الحديث والمقتصر على ذكر النساء لا يدل على إباحة الجحود للرجال، فهو محرم على الرجال والنساء جميعا.

ومن النصوص الدالة على أثر هذا التحريم لا على الحياة الاجتماعية فحسب، بل على العقيدة أيضا، قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يشكر الله من لا يشكر الناس)([132])، وقد قيل في معنى الحديث: إن الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس ويكفر أمرهم، لاتصال أحد الأمرين بالآخر، وقيل: إن من كان عادته وطبعه كفران نعمة الناس وترك شكره لهم كان من عادته كفر نعمة الله تعالى وترك الشكر له، وقيل معناه أن من لا يشكر الناس كان كمن لا يشكر الله عز وجل، وإن شكره كما تقول لا يحبني من لا يحبك أي: أن محبتك مقرونة بمحبتي فمن أحبني يحبك، ومن لا يحبك فكأنه لم يحبني.

ولهذا وردت السنة بالحث على شكر النعمة، ولو كانت في ظاهرها قليلة، بأي نوع من أنواع الشكر سواء كان مكافأة أو جائزة تسلم لصاحب المعروف جزاء عل إحسانه أو بكلمة الشكر يسمعها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من أتى إليه معروف فليكافئ به، فإن لم يستطع فليذكره فمن ذكره فقد شكره ([133])

ولنتصور مشهد رجل يأتي بهدية لزوجته، ويقول لها: هذا جزاء بعض إحسانك، فتقابله الزوجة بالشكر الجميل والثناء الحسن، إن هذا المشهد الذي يستقر في ذاكرة الزوجين كاف وحده لتجنب كل الخلافات العائلية، وإنزال السكينة والمودة في قلوب الأسرة جميعا.

بل إن الأمر أيسر من تكلف المكافأة، فالكلمة الطيبة سواء كانت ثناء أو شكرا أو دعاء وحدها تكفي لغرس ذلك الأثر،وقد كان ذلك من سنته صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية، فقد كان إذا أفطر عند بعض أصحابه قال:(أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة)([134])

ولم يكن صلى الله عليه وآله وسلم ينظر ليدعو مثل هذا الدعاء، أو يثني ذاك الثناء إلى نوع الطعام المحضر، بل كان يشكر على القليل والكثير، فعن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل أهله الأدم فقالوا:(ما عندنا إلا خل)، فدعا به، فجعل يأكل به ويقول:(نعم الأدم الخل)([135])، وقد ذكر الشراح في معنى الحديث أن فيه مدح الاقتصار في المأكل ومنع النفس من ملاذ الأطعمة، وجعلوا تقدير الحديث على ذلك: ائتدموا بالخل وما في معناه مما تخف مؤنته، ولا يعز وجوده، ولا تتأنقوا في الشهوات، فإنها مفسدة للدين، مسقمة للبدن، وقيل أنه مدح للخل نفسه، وأما الاقتصار في المطعم وترك الشهوات فمعلوم من قواعد أخر.

والذي نراه أنه ليس المراد كلا الوجهين، فلم يرد صلى الله عليه وآله وسلم الحث على التقلل، أو مدح عين الخل، وإن كان قد يفهم ذلك من الحديث، ولكن المراد، والله أعلم، هو تطييب خاطر أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم، عندما ذكرن أنه لا يوجد غير الخل، فذكر صلى الله عليه وآله وسلم تطييبا لخواطرهن أنه (نعم الإدام)،لأن من الثناء على الزوجة الثناء عل ما تقدمه من طعام، ولهذا كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما عاب طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه، وفي رواية أخرى: إن لم يشتهه سكت ([136])، قال ابن بطال: هذا من حسن الأدب، لأن المرء قد لا يشتهي الشيء ويشتهيه غيره، وكل مأذون في أكله من قبل الشرع ليس فيه عيب.

وكما كان صلى الله عليه وآله وسلم يثني على الطعام مهما كان بسيطا كان يدعو لأصحابه مهما كان قليلا، فعن عبد الله بن بسر قال: قال أبي لأمي لو صنعت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طعاما، فصنعت ثريدة، وقال بيده يقلل، فانطلق أبي فدعاه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على ذروتها، ثم قال: خذوا باسم الله، فأخذوا من نواحيها، فلما طعموا دعا لهم فقال:(اللهم اغفر لهم وارحمهم وبارك لهم في رزقهم)([137])

وفي السنة القولية ورد الحث منه صلى الله عليه وآله وسلم على الشكر والثناء على أصحابه وبين وجوه ذلك، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من أعطي عطاء فوجد فليجز به، ومن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر ومن كتم فقد كفر ([138])، وبين الصيغ التي يجازى بها الإحسان بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء ([139])

وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم الجزاء الأخروي العظيم لهذا الثناء بالإضافة لما ينتجه ذلك الثناء من تأليف القلوب، فعن أنس قال:لما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أتاه المهاجرون، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قوما أبذل من كثير ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنإ حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم ([140])

ومن الشكر الحديث عن النعمة والثناء على أصحابها سواء في حضورهم أو غيابهم، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:(من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره([141])

بهذه السنن القولية والفعلية تتآلف القلوب، وتتنزل الرحمات على النفس المسلمة والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، أما الجحود، فقد شبه الشاعر أصحابه بقوله:

كحمار السوء إن أشبعته رمح الناس وإن جاع نهق

وقال الآخر:

لعمرك ما المعروف في غير أهله

  وفي أهله إلا كبعض الودائع

فمستودع ضاع الذي كان عنده

  ومستودع ما عنده غير ضائع

وما الناس في شكر الصنيعة عندهم

  وفي كفرها إلا كبعض المزارع

فمزرعة طابت وأضعف نبتها

  ومزرعة أكدت على كل زارع

المن:

وهو الصفة السلبية المقابلة للجحود، فإن الجحود هو نكران النعمة، أما المن فهو مبالغة المنعم في الثناء على نعمته، إلى درجة إحراج من أنعم عليه، والكمال المضاد لهاتين الصفتين أن يكون الثناء من المنعم عليه، والجحود واعتقاد التقصير من المنعم، فالمنعم يجحد بنعمته ولا يراها والمنعم عليه يثني عليها ويبالغ في الثناء، فإذا ما انعكس الحال، كان ذلك سلوكا سيئا مشينا له خطره على العلاقات، ولهذا اعتبر العلماء المن من الكبائر، بدليل ترتيب عدم دخول الجنة عليه وقرنه بأصحاب الكبائر كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ثلاثة لاينظر إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة تتشبه بالرجال، والديوث، وثلاثة لايدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر والمنان بما أعطى)([142])

وقد بلغ الحس المرهف ببعض الصالحين أن قال:(لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه)، وقالت له امرأة: دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا، فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه، فإني عندي أسهما وجعبة، فقال: لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم.

ومما يساعد على رفع المن، بل هو الأصل في رفعه أن يبتغي بأي خير يقدمه لأهله وجه الله، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة تبين أن نفقة الرجل على أهله من الصدقات، فاعتقاد ذلك ينفي المن نفيا قاطعا، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(نفقة الرجل على أهله صدقة) ([143])، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك) ([144])، وقد ورد هذا الحديث في قصة سعد المشهورة، ووجه تعلقها بها كما قال ابن حجر:(أن سؤال سعد يشعر بأنه رغب في تكثير الأجر، فلما منعه الشارع من الزيادة على الثلث، قال له على سبيل التسلية: إن جميع ما تفعله في مالك من صدقة ناجزة، ومن نفقة ولو كانت واجبة تؤجر بها، إذا ابتغيت بذلك وجه الله تعالى) ([145]) وقد قيد هذا الحديث بابتغاء وجه الله لينفي المن وكل الأمراض النفسية الناتجة عن اعتقاد التفضل، قال ابن أبي جمرة:(وقيده بابتغاء وجه الله، وعلق حصول الأجر بذلك، وهو المعتبر ويستفاد منه أن أجر الواجب يزداد بالنية، لأن الإنفاق على الزوجة واجب، وفي فعله الأجر، فإذا نوى به ابتغاء وجه الله ازداد أجره بذلك) ([146])

وقد أخبر الله تعالى عن موقف عباده الصالحين بعد تقديمهم لأصناف الخير، فقال تعالى:{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}(الإنسان:9)

ب ـ النواحي الإيجابية في المعاملة النفسية

ونقصد بها التصرفات الإيجابية التي توثق عرى المحبة بين الزوجين، وهي تصرفات لا تكلف شيئا، ومع ذلك لها الأثر الخطير في الإصلاح وتأليف القلوب، وإدامة المودة، وسنذكر منها وصفين جامعين وردت بهما النصوص الكثيرة جمعهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:(الكلمة الطيبة صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق)([147])

وجمعهما الشاعر بقوله:

أبني إن البشر شيء هين     وجه طليق وكلام لين

وأشار إليهما الماوردي بقوله عند عده لخصال البر:(أما القول فهو طيب الكلام وحسن البشر والتودد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق ورقة الطبع)([148])

وسنشير هنا إلى فضل هذين الوصفين وكيفية تحقيقهما في حياة الزوجين:

الكلمة الطيبة:

وهي كل كلام مثمر ثمرة مقصودة من الشارع، ويختلف ذلك بحسب الأحوال والمواقف، فما يكون كلمة طيبة هنا قد يكون كلمة خبيثة هناك، فالصدق مثلا طيب مطلقا، لكن الصدق الذي يثمر ثمرة غير شرعية يكون صدقا خبيثا، ويكون الكذب في ذلك الموضع أطيب منه، وعن هذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي([149]) خيرا أو يقول خيرا)([150])

فالذي يصدق زوجته مثلا في موقف من المواقف، فيخبرها عما في نفسه مما يسوئها صدق لا خير فيه، لأن ثمرته الإيذاء المحرم، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس)([151])، قال الخطابي: كذب الرجل زوجته أن يعدها ويمنيها ويظهر لها من المحبة أكثر مما في نفسه يستديم بذلك صحبتها ويصلح به خلقها([152]).

وقد رغب صلى الله عليه وآله وسلم في الكلمة الطيبة لما تثمره من مودة في القلوب، فاعتبرها من الصدقات، بل ذكر للكلمة الطيبة من الفضل ما يتجاوز فضل الصدقة فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه)([153])والكلمة من رضوان الله مطلقة كما وردت في الحديث فلا يجوز تقييدها بأي قيد، فتشمل لذلك الكلام الطيب الذي يثمر الثمرة الطيبة في أي موضع من المواضع.

وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم في حديث آخر بعض الجزاء الذي أعد لهذه الكلمة الطيبة فقال:(إن في الجنة لغرفا يرى بطونها من ظهورها وظهورها من بطونها(فقال أعرابي: يا رسول الله لمن هي؟قال: (لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وصلى لله بالليل والناس نيام) ([154])

وأحسن ضابط عملي للكلام الطيب أن يتملى الإنسان قبل حديثه ويتبصر نتائج قوله، فإن كان خيرا ثمرته طيبة قاله، وإلا كان سكوته أفضل وأعظم أجرا من كلامه، ومثل هذا لا يمكن ضبطه بنماذج تحصره، لأن الكلمة الواحدة قد تكون طيبة في موضع خبيثة في غيره، ومع ذلك سنذكر بعض النماج العملية من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للكلام الطيب تكون مرشدة لغيرها:

التبشير والتفاؤل:

لأن التبشير يبعث على انشراح الصدر، وهو غاية شرعية مقصودة، لأن الصدر المنقبض والعقل الحزين والجوارح المهمومة لا تتحرك أي حركة خير لنفسها أو للمجتمع، ولهذا أرشد صلى الله عليه وآله وسلم إلى التنفيس على المريض وتقوية عزيمته، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله، فإن ذلك لا يرد شيئا ويطيب نفسه) ([155])

فلم يلحظ صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث التصديق الواقعي لما يقوله العواد، لأن ذلك من أمر الله وكلامهم لا يرد شيئا من ذلك، وإنما نظر إلى أثر ذلك التنفيس، وهو تطييب نفس المريض وانشراح صدره، لأن الحياة لحظات محدودة، فانشراح صدره في تلك اللحظة مكسب من مكاسبه، ولو تسببنا في حزنه وأسفه تحت اسم الصدق والصراحة لن نكون قد فعلنا شيئا أكثر من تدمير بعض اللحظات من حياته.

ولأجل ملاحظة هذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب الفأل ويكره التشاؤم، لأن ثمرة الفأل الانطلاق للعمل المنتج بصدر منشرح منطلق، وثمرة التشاؤم انقباض قد يجر إلى هم أو كسل، قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا عدوى ولا طيرة قال: ويعجبني الفأل فقلت: ما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة ([156])

ولهذا كان من سنته صلى الله عليه وآله وسلم تغيير الأسماء التي تبعث على التشاؤم، قال ابن القيم:(غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأسماء المكروهه إلى أسماء حسنة، فغير اسم برة إلى زينب، وغير اسم حزن إلى سهل، وغير اسم عاصية فسماها جميلة، وغير اسم أصرم إلى زرعة، وسمى حربا سلما، وسمى المضطجع المنبعث، وسمى أرضا يقال لها عفرة خضرة، وشعب الضلالة سماه شعب الهدى، وبنو الزينة سماهم بني الرشدة)([157])

وقد علل ابن القيم هذا التغيير بقوله:(لما كانت الأسماء قوالب للمعاني ودالة عليها اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب، وأن لا يكون المعنى معها بمنزلة الأجنبي المحن الذي لا تعلق له بها، فإن حكمة الحكيم تأبى ذلك،والواقع يشهد بخلافه بل للأسماء تأثير في المسميات، وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحسن والقبح والخفة والثقل واللطافة والكثافة كما قيل:

وقلما أبصرت عيناك ذا لقب إلا ومعناه إن فكرت في لقبه)([158])

المواساة:

والمقصود منها العلاج المعنوي للجراح النفسية([159])، فالكلمة الطيبة بلسم تداوى به الأمراض وتضمد به الجراح، وتسكن به السكينة القلوب، وتحل به المودة في الصدور، وقد كان ذلك من سنته صلى الله عليه وآله وسلم مع الناس جميعا ومع زوجاته خصوصا، فعن صفية بنت حيي، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام فذكرت ذلك له، فقال: ألا قلت: فكيف تكونان خيرا مني، وزوجي محمد، وأبي هارون وعمي موسى، وكان الذي بلغها أنهم قالوا: نحن أكرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها، وقالوا نحن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبنات عمه([160]).

وفي حديث آخر أو حادثة أخرى عن أنس قال: بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي تبكي: فقال: ما يبكيك فقالت قالت لي حفصة: إني بنت يهودي فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي وإنك لتحت نبي ففيم تفخر عليك؟ ثم قال: (اتقي الله يا حفصة) ([161])

طلاقة الوجه:

ونعني بها ما هو أكثر من الابتسامة، لأن الابتسامة مختصة بعضو واحد، ولها وقتها المحدود بخلاف طلاقة الوجه، فإنها مستمرة دائمة يعبر بها الوجه عما يختلج في صدر صاحبه.

ولهذا لا تذكر وجوه المؤمنين في القرآن إلا مستبشرة منطلقة مسفرة ضاحكة، ولا تذكر وجوه غيرهم إلا وعليها غبرة ترهقها قترة، وعندما عبس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موقف من المواقف نزل النهي القرآني عن ذلك العبوس ونزل الأمر بتبديله بشرا وانطلاقا حتى لا يؤثر في وجه المؤمن أي موقف من المواقف.

ولهذا كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلاقة الوجه وانشراح الأسارير والابتسامة إلى درجة أن لوحظ ذلك عليه، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: (ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([162])

فليت الذين يعبسون في وجه الناس ويقطبون أن يلتفتوا لهذه السنة فيحيوها، فهي أكبر أثرا وأصح نقلا، وأعظم أجرا من كثير من سنن الأكل والشرب واللباس.

ولم تكن هذه السنة كذلك من السنن الفعلية التي قد يختلف في تفسيرها أو يقال بتخصيصها أو يعتقد جبليتها، وإنما وردت بها الأحاديث الكثيرة العامة والصريحة، فاعتبرت طلاقة الوجه من المعروف، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يحقرن أحدكم شيئا من المعروف، وإن لم يجد فليلق أخاه بوجه طليق، وإن اشتريت لحما أو طبخت قدرا فأكثر مرقته واغرف لجارك منه)([163])

واعتبرت من الصدقات، بل قرنت مع أصول للدين، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة،وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)([164])

وجمعه صلى الله عليه وآله وسلم بين هذه الخصال جميعا يدل على أن هناك علاقة بينها جميعا، وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ليس الكمال أن تفعل الخير، ولكن الكمال أن تفعله، وأنت منشرح الصدر منطلق الأسارير، فإذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر أو أرشدت الضال أو فعلت الخير مما ذكر، فافعله مبتسما لا ضجرا، لأن ضجرك سيرفع ثواب عملك، بل يحيل خيريته شرا وحلاوته مرا.

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يخص هذا السلوك من اشتد في الدين عوده، بل كان يبدأ به من دخل في الإسلام لتوه، فعن بعضهم أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،فقال: أنت رسول الله، أو قال: أنت محمد فقال: نعم، قال: فإلام تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحده من إذا كان بك ضر فدعوته كشفه عنك ومن إذا أصابك عام سنة فدعوته أنبت لك، ومن إذا كنت في أرض قفر فأضللت فدعوته رد عليك قال: فأسلم الرجل ثم قال: أوصني يا رسول الله فقال: له لا تسبن شيئا،ولا تزهد في المعروف ولو ببسط وجهك إلى أخيك وأنت تكلمه وأفرغ من دلوك في إناء المستسقي واتزر إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين وإياك وإسبال الإزار قال: فإنها من المخيلة والله لا يحب المخيلة ([165])

وقد بين صلى الله عليه وآله وسلم الثمرة التي تجنى من هذا السلوك السهل البسيط الذي ينتفع به الجسم والروح والأهل والمجتمع بقوله:(إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجوه وحسن الخلق ([166])

2 ـ المتطلبات الحسية

وهي المتطلبات المادية التي تخاطب الحس، ومع ذلك لها تأثيرها المعنوي والنفسي، نتيجة للعلاقة المتشابكة بين الحس والمعنى والجسد والروح، فلذلك قد يختلط بعض ما سنذكره هنا بما ذكرناه في المطلب السابق.

ولكن الفارق بينهما أن الرحمة في الحالة السابقة لا تستدعي جهدا عظيما، بل يغلب عليها الحال، فهي إما كلمة طيبة أو ابتسامة عذبة أو طلاقة وجه، وكل ذلك لا يكلف شيئا، ومع ذلك اعتبر برحمة الله وإحسانه من وجوه البر، أما الرحمة في هذه الحالة، فتحتاج نوعا من الجهد والصبر، وقد سمى صلى الله عليه وآله وسلم هذه الناحية من الجهد الحسي رحمة، فقد روى أنس بن مالك أن بلالا بطأ عن صلاة الصبح فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما حبسك؟ فقال: مررت بفاطمة،، وهي تطحن، والصبي يبكي، فقلت لها: إن شئت كفيتك الرحا وكفيتني الصبي، وإن شئت كفيتك الصبي وكفيتني الرحا، فقالت: أنا أرفق بابني منك، فذاك حبسني، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (فرحمتها رحمك الله) ([167])

ولعله لأجل هذه العلاقة بين الجهد والرحمة في هذه الناحية قرنت الرحمة بالصبر في القرآن الكريم، ومن أمثلتها قوله تعالى:{ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}(البلد: 17)

وقد ذكر ابن القيم مواقف الناس في الجمع بين الصبر والرحمة، فقال:(من الناس من يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة، ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن، ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع، والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في المتولي: ينبغي أن يكون قويا من غير عنف، لينا من غير ضعف فبصبره يقوى، وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العبد، فإن النصر مع الصبر، وبالرحمة يرحمه الله تعالى) ([168])

وننبه هنا كما نبهنا سابقا إلى أن المرجع في تحديد متطلبات الرحمة الحسية الشرع لا العرف، والخالق لا الخلق، والفقه لا الهوى، فلذلك لا يجوز باسم الرحمة أن نلغي الأحكام الشرعية رحمة بمن حكمنا عليهم بها، وقد قال تعالى عن عقوبة الزناة:{ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ}(النور:2)، وقال عن الكفار المحاربين:{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}(التوبة:73) وهذا لا يتناقض مع كونه صلى الله عليه وآله وسلم رحمة مهداة.

ولذلك فإن الرحمة لا تعني المسارعة لما يطلبه المرحوم من أنواع الهوى، بل هي منضبطة بما يصلحه ويصلح له، فلذلك قد تلبس الرحمة ثوب الشدة كما قيل:

قسا ليزدجروا ومن يك راحما فليقس أحيانا على من يرحم

وقد عرف ابن القيم الرحمة وبين هذا المقتضى فقال:(ومما ينبغي أن يعلم أن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك، فمن رحمة الأب بولده أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه فهذه رحمة مقرونة بجهل كرحمة الأم، ولهذا كان من تمام رحمة أرحم الراحمين تسليط أنواع البلاء على العبد، فإنه أعلم بمصلحته فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أغراضه وشهواته من رحمته به([169])

ولعله لأجل هذا جمع صلى الله عليه وآله وسلم بين الرحمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال:(ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر) ([170])

ولذلك، فإن الرحمة ليس كما يتصور الكثير من الناس من الليونة والضعف والرقة، بل قد يكون كل ذلك نوعا من أنواع انحراف المزاج، فالرحمة إذا انحرفت عن خطها) انحرفت إما إلى قسوة، وإما إلى ضعف قلب وجبن نفس، كمن لا يقدم على ذبح شاة ولا إقامة حد وتأديب ولد، ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك، وقد ذبح أرحم الخلق بيده في موضع واحد ثلاثا وستين بدنة، وقطع الأيدي من الرجال والنساء، وضرب الأعناق، وأقام الحدود، ورجم بالحجارة حتى مات المرجوم، وكان أرحم خلق الله على الإطلاق وأرأفهم([171])

انطلاقا من هذه التنبيهات والضوابط نذكر هنا بعض النماذج عن كيفية تطبيقه صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الناحية من الرحمة في بيته ومع أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم، وسنذكر نموذجين من جوامع هذه الناحية ترجع إليهما التفاصيل الكثيرة:

أ ـ تلبية الرغبة المباحة لكلا الطرفين

ونعني بها أن يعامل كل طرف من الزوجين الطرف الآخر لا بما تملي عليه طبيعته، وأهدافه ومنهجه في الحياة، وينسى حاجات الطرف الآخر، وإنما يتعامل معه وفق ما تتطلبه طبيعة ذلك الآخرو اهتماماته، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يعامل كل أحد بما يليق به، فكان وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يحمل أكبر رسالة، ويتحمل أعظم وظيفة، وتنوء بظهره جميع الأعباء، لا يمنعه كل ذلك من أن يهتم لاهتمامات الصبيان، فيعاملهم بحسب طبيعتهم.

فعن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الناس خلقا، وكان لي أخ يقال له أبو عمير، قال: أحسبه فطيما، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ لنغر كان يلعب به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته، فيكنس وينضح ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا([172])، وفي رواية عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدخل على أم سليم، ولها ابن من أبي طلحة يكنى أبا عمير، وكان يمازحه فدخل عليه فرآه حزينا، فقال: مالي أرى أبا عمير حزينا؟ فقالوا: مات نغره الذي كان يلعب به، قال: فجعل يقول:(أبا عمير ما فعل النغير؟)([173])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم إن عاد من سفر استقبله الصبيان، فيردفهم معه، قال عبد الله بن جعفر: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم من سفر تلقي بنا، قال: فتلقي بي وبالحسن أو بالحسين، فحمل أحدنا بين يديه والآخر خلفه حتى قدمنا المدينة([174]).

بل كان صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي كلف بإخراج أمة كاملة إلى الوجود ينظم الصبيان للسباق، فعن عبد الله ابن الحارث قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصف عبد الله وعبيد الله وكثيرا من بني العباس، ثم يقول: من سبق إلي فله كذا وكذا، قال: فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلزمهم([175]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا مر على الصبيان يسلم عليهم، فعن أنس قال: مر علينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نلعب فقال: السلام عليكم يا صبيان([176]).

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يفعل كل هذا وغيره في مجتمع كان من شدة جفاوته يعتبر التعامل مع الصبيان، بل مجرد تقبيلهم منقصة، عن عائشة، قالت: قدم ناس من الأعراب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم،فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم فقالوا: لكنا والله ما نقبل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(وأملك أن كان الله قد نزع منكم الرحمة) ([177])

هذه المعاملة مع الصبية والتي تنسجم مع مرحلتهم الحياتية، كانت تراعي المرأة وطبيعتها وحبها لأصناف اللهو واللعب، ولهذا اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم لهو الرجل مع أهله ومداعبته لهن من الحق، فقال:(كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق)([178])

واعتبر ذلك من حسن الخلق ومن كمال الإيمان، فقال:(إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله)([179])

ب ـ الانبساط والملاطفة

وهو أن لا ينشغل الزوج أو الزوجة بأحوالهما الخاصة عن الحديث والمباسطة، وقد كان ذلك من سنته صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يراعي حاجة أهله لهذه الناحية، وفي نفس الوقت يجمع في انسجام عجيب بينها وبين حق ربه وما أنيط به من مسؤولية، فعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلى، فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة([180]).

وهو أدب عظيم منه صلى الله عليه وآله وسلم يجمع فيه بين حاجتها للحديث في حال استيقاظها، وعدم إزعاجها بالإيقاظ إن كانت نائمة.

وكان من سنته صلى الله عليه وآله وسلم أن يسير بالليل مع زوجاته يحدثهن، فلسير الليل نكهته الخاصة، فلذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم يراعي حق أزواجه فيها، أخبرت عائشة:(أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك تنظرين وأنظر فقالت: بلى فركبت فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها ثم سار حتى نزلوا وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وتقول: يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني ولا أستطيع أن أقول له شيئا([181]).

وقد حفظ لنا الرواة حديثا مما كان يدور بينه صلى الله عليه وآله وسلم وعائشة، وهو من الطول والغرابة بحيث يحتاج إلى صبر عظيم لاستماعه، مع عدم تعلقه بأي شأن من شؤون الدين، فقد ذكرت عائشة، وهي تحكي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبر إحدى عشرة امرأة ووصفهن لأزواجهن، ومن جملة هؤلاء النسوة وهي آخرهن امرأة يقال لها أم زرع، وكان من حديثها ووصفها لزوجها وأهله قولها كما تذكر عائشة:(زوجي أبو زرع وما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني وملأ من شحم عضدي وبجحني فبجحت إلي نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبح وأرقد فأتصبح وأشرب فأتقنح، أم أبي زرع فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح وبيتها فساح، ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة ويشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمها وملء كسائها وغيظ جارتها، جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثا ولا تنقث ميرتنا تنقيثا ولا تملأ بيتنا تعشيشا، قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريا ركب شريا وأخذ خطيا وأراح علي نعما ثريا، وأعطاني من كل رائحة زوجا وقال: كلي أم زرع وميري أهلك قالت: فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع)

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد سماعه حديث عائشة تعالى بطوله متجاوبا معها مؤنسا لها:(كنت لك كأبي زرع لأم زرع) ([182])

ولكن هذا الانبساط والملاطفة مع ذلك تبقى مقيدة بالقيود الشرعية، فلا تحل الغيبة ولا النميمة ولا كل ما يخرج من اللسان من آفات، وتروي عائشة، من ذلك أنها قالت: حكيت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا فقال: ما يسرني أني حكيت رجلا وأن لي كذا وكذا، قالت: فقلت: يا رسول الله إن صفية امرأة وقالت: بيدها هكذا كأنها تعني قصيرة، فقال: لقد مزجت بكلمة لو مزجت بها ماء البحر لمزج([183]).


([1])   سبق تخريجه.

([2])   الموسوعة الفقهية:30/119.

([3])   أحكام القرآن لابن العربي: 1/648.

([4])   بتصرف بسيط، انظر :بدائع الصنائع:2/334.

([5])   بدائع الصنائع:4/23.

([6])   الجصاص:2/157.

([7])   الأم:5/114.

([8])   أحكام القرآن للشافعي:1/204.

([9])   المنتقى:7/212.

([10])     السبزواري: السيد عبد الأعلى/ مواهب الرحمن في تفسير القرآن ج4 ص 10.

([11])   روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقاله الحسن، وروي عن ابن عباس أيضا قوله: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء، القرطبي:14/17، وهذا القول أشمل.

([12])   روح المعاني:21/32.

([13])   في ظلال القرآن :1/632.

([14])   في ظلال القرآن :1/632.

([15])   نقلا عن: في ظلال القرآن:1/634.

([16])   من التوجيهات التي ذكرت لهذه النعمة ما ذكره الفخر الرازي بقوله: الإنسان يجد بين الزوجين من التراحم ما لا يجده بين ذوي الأرحام، وليس ذلك بمجرد الشهوة، فإنها قد تنتفي وتبقى الرحمة فهو من الله، ولو كان بينهما مجرد الشهوة، والغضب كثير الوقوع، وهو مبطل للشهوة، والشهوة غير دائمة في نفسها، لكان كل ساعة بينهما فراق وطلاق، فالرحمة التي بها يدفع الإنسان المكاره عن حريم حرمه هي من عند الله ولا يعلم ذلك إلا بفكر.

([17])   لم نكن بحاجة إلى هذا التعريف الاصطلاحي للمحبة في مفهومنا الإسلامي لولا أن العالم الآن يكاد يجمع على تفسير آخر للحب يجعله تعبيرا عن الممارسة الجنسية مهما كان نوعها، فلذلك أوردنا هذا التعريف حتى ننفي ما قد يرد على الذهن.

([18])   الإحياء: 4/296.

([19])   الإحياء: 2/163.

([20])   الروح:254.

([21])   الروح:254.

([22])   البخاري: 1/14، مسلم: 1/66، ابن حبان: 1/473، مجمع الزوائد: 1/88، النسائي: 6/527، ابن ماجة: 2/1338.

([23])   نقلا عن: فتح الباري: 1/61 فيض القدير: 3/287.

([24])   أبو داود: 4/198.

([25])   ابن حبان: 2/335، الحاكم: 4/186، مسند الربيع: 46، الموطأ: 2/953.

([26])   مسلم: 4/1988، ابن حبان: 2/334، الدارمي: 2/403، البيهقي: 10/232، الموطأ: 2/952.

([27])   أحمد:6/117، المعجم الكبير: 23/13، مجمع الزوائد: 9/224.

([28])   الروح لابن القيم:254.

([29])   إغاثة اللهفان: 2/140.

([30])   الإحياء: 2/187.

([31])   الروح: 254.

([32])   الإحياء: 2/161.

([33])   فيض القدير:1/553.

([34])   البخاري:3/1213، مسلم:4/2031، ابن حبان: 14/42، الحاكم: 4/466، أحمد: 2/295، أبو داود:4/260.

([35])   قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح الترمذي:5/419، وانظر:المعجم الكبير:11/175.

([36])    تفسير الأمثل – مكارم الشيرزي:18/ 392.

([37])   ابن حبان: 10/453، النسائي: 3/15، المجتبى: 6/21، أحمد: 3/483، شعب الإيمان:4/21.

([38])   رواه أبو داود والترمذي والبزار، ورجاله ثقات، وأطلق عليه النووي الصحة، لكنه نقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب شيء، وليس له أصل فتمسك بهذا ابن الجوزي وعده في الموضوعات مع أنه أورده بإسناد صحيح، انظر:سبل السلام:3/195، البيهقي: 7/154، النسائي: 3/270، ابن أبي شيبة:3/490.

([39])   انظر تفصيل الخلاف في الحديث: عون المعبود: 6/32، تلخيص الحبير:3/225، سبل السلام:3/195.

([40])   سبل السلام:3/195.

([41])   نقلا عن:فتح الباري: 6/370.

([42])   البخاري: 2/741، أبو داود: 4/259.

([43])   الخلة بين الآدميين الصداقة مشتقة من تخلل الأسرار بين المتخالين، وقيل هي من الخلة فكل واحد من الخليلين يسد خلة صاحبه، انظر: القرطبي:5/401، عون المعبود:13/123، تحفة الأحوذي:7/42.

([44])   رواه أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي في شعب الإيمان وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال النووي إسناده صحيح انتهى. قال السيوطي: هذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح ، وقال إنه موضوع، وقال الحافظ ابن حجر في رده عليه: قد حسنه الترمذي وصححه الحاكم، انظر: الحاكم:4/189، الترمذي:4/589، أبو داود:4/259، أحمد: 2/303، شعب الإيمان:7/55.

([45])   ابن حبان: 2/314، الحاكم: 4/143، الترمذي: 4/600، الدارمي: 2/140، أبو داود: 4/259، أحمد: 3/38.

([46])   تعس ضد سعد تقول: تعس فلان أي شقي، وقيل: معنى التعس الكب على الوجه، قال الخليل: التعس أن يعثر فلا يفيق من عثرته، وقيل التعس الشر، وقيل البعد، وقيل الهلاك وقيل: التعس أن يخر على وجهه، انظر: فتح الباري:6/82.

([47])   البخاري: 3/1057، ابن حبان:8/12، البيهقي:9/159، ابن ماجة:2/1385.

([48])   انظر: درء التعارض:9/376.

([49])   انظر هذه الآثار في: الإحياء: 2/168.

([50])   الروح:254.

([51])   إغاثة اللهفان:1/39.

([52])   مجمع الزوائد:9/289، مسند أبي يعلى:9/209، الطبقات الكبرى:3/156.

([53])   الإحياء: 4/298.

([54])   الإحياء: 4/298.

([55])   الإحياء: 2/157.

([56])   الترمذي:3/394، البيهقي:7/82، المعجم الأوسط:1/142، المعجم الكبير:22/289، شعب الإيمان: 4/289.

([57])   تحفة الأحوذي: 4/173.

([58])   ورد الحديث بهذه الرواية في: الحاكم:2/174، أحمد: 3/80.

([59])   قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، الحاكم:1/567، مجمع الزوائد:4/272، مسند ابي يعلى:4/378.

([60])   البخاري: 1/166، مسلم: 1/538، ابن خزيمة: 2/212، الحاكم: 1/457، البيهقي: 2/189، أبو داود: 1/273، أحمد: 2/16.

([61])   البيهقي: 1/312، ابن ماجة: 1/437، مجمع الزوائد: 1/270.

([62])   مسلم: 1/539، ابن خزيمة: 2/212، ابن حبان: 6/237، البيهقي: 2/189، أحمد: 3/15، ابن ماجة: 1/438.

([63])   ابن خزيمة: 2/211، ابن حبان: 6/270، الترمذي: 2/312، البيهقي: 2/189، أبو داود: 2/69، الموطأ: 1/130.

([64])   أحمد: 3/185، 3/291.

([65])   البخاري: 1/150، مسلم: 1/367، ابن حبان: 6/110، البيهقي: 1/128، النسائي: 1/98، الموطأ: 1/117، أحمد:6/225.

([66])   البخاري: 1/190.

([67])   ابن حبان: 2/386.

([68])   تفسير ابن كثير:1/441.

([69])   البخاري: 1/55، البيهقي: 2/477.

([70])   البخاري: 1/192، النسائي: 1/273، المجتبى: 2/67.

([71])   مجمع الزوائد: 2/33، البيهقيك 3/131، أحمد: 6/297.

([72])   البخاري: 1/54.

([73])   البخاري: 2/711، ابن خزيمة: 3/342.

([74])   البخاري: 1/379، مسلم: 1/537، ابن حبان: 6/305، البيهقي: 2/500.

([75])   أحمد: 3/259، مسند أبي يعلى: 7/60، المعجم الكبير: 3/56.

([76])   البخاري: 1/337، ابن خزيمة: 2/183، الحاكم: 1/453.

([77])   ابن حبان: 6/308، البيهقي: 2/501، أبو داود: 2/70، النسائي: 1/413، ابن ماجة: 1/423.

([78])   البخاري: 1/149، مسلم: 1/457، ابن حبان: 5/582، البيهقي: 3/96، أبو داود: 1/166، النسائي: 1/285.

([79])   البيهقي: 2/189، أبو داود: 2/31.

([80])   ابن ماجة: 1/249.

([81])   القرطبي:11/263.

([82])   مسلم:1/33، النسائي: 6/240، عمل اليوم والليلة:1/535.

([83])   مسلم: 4/2167، مجمع الزوائد: 1/114.

([84])   البخاري: 3/1323، مسلمك 1/548، أحمد: 4/281.

([85])   الحاكم: 1/750، الدارمي: 2/542، شعب الإيمان: 2/461.

([86])   البخاري: 4/1916، الترمذي: 5/473، أبو داود: 4/313، النسائي: 6/197، عمل اليوم والليلة: 462.

([87])   البيهقي: 7/148، ابن ماجة: 1/617.

([88])   مسلم: 3/1598، ابن حبان: 3/100، الحاكم: 2/436، البيهقي: 7/276، النسائي: 4/174، ابن ماجة: 2/1279، أحمد: 3/346، شعب الإيمان: 5/73.

([89])   البخاري: 1/387، ابن خزيمة: 2/175، ابن حبان: 3/357، الترمذي: 5/480، الدارمي: 2/377، البيهقي: 3/5، أبو داود: 4/314، النسائي: 6/215.

([90])   مسند الطيالسي: 161، الأدب المفرد: 418.

([91])   مسلم: 1/74، ابن حبان: 1/472، الترمذي: 5/52، البيهقي: 10/232، أبو داود: 4/350، ابن ماجة: 1/26، أحمد: 1/164.

([92])   النووي على مسلم: 2/36.

([93])   ابن أبي شيبة: 6/102، أحمد: 3/298، مسند أبي يعلى: 6/309، مسند إسحق: 2/589.

([94])   أحمد: 6/2، عمل اليوم والليلة: 283.

([95])   أبو داود: 4/325، المعجم الكبير: 3/296.

([96])   مسلم: 1/220، ابن خزيمة: 1/70، البيهقي: 1/34، أبو داود: 1/13.

([97])   انظر الإحياء: 2/364.

([98])   الإحياء: 2/364.

([99])   الإحياء: 2/191.

([100])   انظر: الإحياء: 2/191.

([101])   الإحياء: 2/191.

([102])   مصنف ابن أبي شيبة:4/184، البيهقي:7/295.

([103])   انظر: شرح العمدة:1/ 232.

([104])   القرطبي:3/124.

([105])   أبو داود: 4/51.

([106])   أبو داود 4/51، شعب الإيمان: 4/136.

([107])   البخاري: 4/1716، ابن حبان 12/235، الحاكم: 1/688.

([108])   أحمد: 1/399، المعجم الكير: 10/221.

([109])   أبو داود: 4/76، المعجم الأوسط:8/230، شعب الإيمان: 5/224.

([110])   الموطأ: 2/949.

([111])   مسند أبي يعلى: 4/23.

([112])   البخاري: 3/1275، مسلم: 3/1663، ابن حبان: 12/284.

([113])   فتح الباري: 6/499.

([114])   فتح الباري: 6/499.

([115])    الوسائل 1: 346.

([116])    الوسائل 1: 405.

([117])    المجموع:1/344.

([118])   اختلف الفقهاء في حد ما يقص من الشارب على أقوال منها:

            القول الأول: استئصاله وحلقه، وهو قول كثير من السلف وهو قول الكوفيين،لظاهر قوله صلى الله عليه وآله وسلم:« احفوا وأنهكوا »

            القول الثاني: منع الحلق والاستئصال، وهو قول مالك وكان يري تأديب من حلقه، وروى عنه ابن القاسم أنه قال إحفاء الشارب مثله.

 وقد اختار النووي أن يقص حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفيه من أصله، قال: وأما رواية احفوا الشوارب فمعناها احفوا ما طال عن الشفتين، وكذلك قال مالك في الموطأ يؤخذ من الشارب حتى يبدو أطراف الشفة. انظر: نيل الأوطار: 1/141.

([119])   قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، الترمذي: 5/93، وانظر: النسائي: 5/406، المعجم الأوسط: 1/167، أحمد: 4/366.

([120])   قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، الترمذي: 5/93.

([121])   شعب الإيمان: 5/222.

([122])   البخاري: 5/2209، مسلم: 1/222، البيهقي: 1/150، شعب الإيمان: 5/220.

([123])   وقد رجحنا هذا بناء على القول بجواز حلق اللحية مع الكراهة، وقد قال به كثير من الفقهاء من السنة والإمامية، فالمعتمد في المذهب الشافعي هو الكراهية لا التحريم. وليس للإمام الشافعي نص في المسألة ولا أحد من أصحابه، والفتوى عند الشافعية المتأخرين تكون على ما قرره الرافعي والنووي، وابن حجر والرملي. وقد نقل النووي (676هـ) في شرح مسلم (3/149) عن العلماء، حيث ذكر اثنا عشر خصلة مكروهة في اللحية، منها: «حلقها». ونص صراحة على الكراهية في كتابه “التحقيق” الذي كتبه بعد المجموع والروضة، كما في مقدمته. وكذلك فهم المتأخرون من الشافعية كلامه على الكراهة. ويكفي في ذلك الفقيه ابن حجر الهيتمي إذ هو عمدة المتأخرين، وقال الرملي الشافعي في فتاواه (4/69): «حلق لحية الرجل ونتفها مكروه لا حرام. وقول الحليمي في منهاجه: “لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه”، ضعيف».‏ وفي حاشية البجيرمي على الخطيب (كتاب الشهادات)، الكراهية كذلك. وقال زكريا في أسنى المطالب: «قوله “ويكره نتفها” أي اللحية إلخ، ومثله حلقها. فقول الحليمي في منهاجه “لا يحل لأحد أن يحلق لحيته ولا حاجبيه” ضعيف». وكذلك قال الدمياطي في “إعانة الطالبين” (2/240) عند قول الشارح “ويحرم حلق اللحية” ما نصه: «المعتمد عند الغزالي، وشيخ الإسلام (زكريا الأنصاري) وابن حجر في “التحفة”، والرملي، والخطيب (الشربيني)، وغيرهم: الكراهة»، ثم ضعّف قول الشارح مبينا أن المعتمد هو الكراهة.

وكذلك ليس هناك نص عن مالك ولا وأصحابه، لكن الذي قرره أكثر المتأخرين هو التحريم، وبعضهم قال بالكراهة. قال القاضي المالكي عياض (ت544هـ) في “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (والنقل من غيره) (2/63) عن أحكام اللحية: «يكره حلقها وقصُّها وتحذيفها. وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن. وتكره الشهرة في تعظيمها وتحليتها، كما تكره في قصها وجزها. وقد اختلف السلف: هل في ذلك حد؟ فمنهم من لم يحدد إلا أنه لم يتركها لحد الشهرة، ويأخذ منها، وكره مالك طولها جداً. ومنهم من حدد بما زاد على القبضة فيزال. ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة». والكراهة هنا تنزيهية كما هو واضح، لأن كل الأمور التي كرهها هي غير محرمة.

والكراهة هي الرواية عن أحمد. إذ سأله مُهنّا (كما في المغني 1/66) عن حف الوجه، فقال: «ليس به بأس للنساء، وأكرهه للرجال». والحف هو أخذ الشعر من الوجه، والكراهة التنزيهية هي الأصل كما قرره الشيخ بكر في “المدخل”. وقال المروذي: قيل لأبي عبد الله: تكره للرجل أن يحلق قفاه أو وجهه؟ فقال: «أما أنا فلا أحلق قفاي». وقال صالح بن أحمد في “المسائل”: وسألته عن رجل قد بُلِيَ بنتف لحيته، وقطع ظفره بيده، ليس يصبر عنهما؟ قال: «إن صبر على ذلك، فهو أحب إلي»

ومن الذين قالوا بذلك من المدرسة الإمامية: السيد مهدي بحر العلوم ( ت 1212هـ ) ، والسيد محمد باقر الداماد ( ت 1041هـ ) في رسالته المسماة ( شارع النجاة‏ )، والشيخ محمد صالح الجزائري ( ت 1366هـ ) في كتابه المعنون : ( رسالة في كراهة حلق‏ اللحية‏ )، والشيخ عباس الرميثي ( ت 1379هـ ) والسيد أبو القاسم الخوئي ( ت 1413هـ ) ، والسيد محمد باقر الصدر ( ت 1400هـ )

([124])   ابن ماجة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، وسيأتي تخريجه مفصلا.

([125])    عرفها المناوي بقوله: الرحمة رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم(التعاريف:361)، وعرفها الجرجاني بقوله: الرحمة هي إرادة إيصال الخير (التعريفات:146)

([126])   فتح القدير:1/284.

([127])   ابن كثير:4/524.

([128])   انظر: القرطبي:10/249، الطبري:15/74.

([129])   البخاري: 2/862، مسلم: 4/1986، ابن حبان: 2/291، الترمذي: 4/34، البيهقي: 6/94، أحمد: 2/68.

([130])   إحياء علوم الدين:2/176.

([131])   سبق تخريجه.

([132])   الترمذي: 4/339، أبو داود: 4/255، البيهقي: 6/182، مسند البزار: 8/226.

([133])   أحمد: 6/90، مجمع الزوائد: 8/181.

([134])   ابن حبان: 12/107، مجمع الزوائد: 8/34، البيهقي: 7/287، النسائي: 4/202، ابن ماجة: 1/556.

([135])   سبق تخريجه.

([136])   مسلم: 3/1633، أحمد: 2/427، شعب الإيمان: 5/84.

([137])   ابن حبان: 12/110، الدارمي: 2/130.

([138])   البيهقي: 6/182، الترمذي: 4/379، شعب الإيمان: 6/514، أبو داود: 4/255.

([139])   ابن حبان: 8/202، الترمذي: 4/380، الدارمي: 2/143، النسائي: 6/53.

([140])   الترمذي: 4/653، أبو داود: 4/255.

([141])   أبو داود: 4/256.

([142])   النسائي: 2/42، المعجم الأوسط: 3/51، أحمد: 2/134.

([143])   البخاري:1/29، الترمذي: 4/344، البيهقي:7/58، أحمد:5/273.

([144])   البخاري: 1/30، النسائي: 383.

([145])   فتح الباري:5/367.

([146])   نقلا عن فتح الباري:5/367.

([147])   مسلم: 4/2026، ابن حبان: 2/282، أحمد: 3/360.

([148])   أدب الدنيا والدين: 1/201.

([149])   أي يبلغ ، تقول نميت الحديث أنميه إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير ، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميته بالتشديد.

([150])   مسلم: 4/2011، البخاري: 2/958، ابن حبان: 13/40، البيهقي: 10/197..

([151])   الترمذي: 4/331، ابن ماجة: 1/18.

([152])   نقلا عن: عون المعبود: 13/179.

([153])   البخاري: 5/2377، ابن حبان: 1/514، الحاكم: 1/106، الترمذي: 4/559.

([154])   الترمذي: 4/354، أحمد: 1/155.

([155])   الترمذي: 4/412، ابن ماجة: 1/462، ابن أبي شيبة: 2/445، شعب الإيمان: 6/541.

([156])   أحمد: 3/173.

([157])   الوابل الصيب:197.

([158])   زاد المعاد:2/336.

([159])   وهو نفس أصل هذه الكلمة لغة حيث يرجع معناها إلى المداواة والعلاج، قال ابن منظور: الأَسا: الـمُداواة والعِلاج والأَسُوُّ، علـى فَعُول: دواء تَأْسُو به الـجُرْح. وقد أَسَوْتُ الـجُرح آسُوه أَسْواً أَي داويته، فهو مأْسُوٌّ وأَسِيٌّ أَيضاً؛ والآسِي: الطَّبـيب، لسان العرب:14/24.

([160])   الترمذي: 5/708.

([161])   الترمذي: 5/709، مسند أبي يعلى: 6/158، مسند عبد بن حميد: 373.

([162])   الترمذي: 5/601، أحمد: 4/191، شعب الإيمان: 6/251.

([163])   الترمذي: 4/274.

([164])   ابن حبان: 2/287، الترمذي: 4/339، مجمع الزوائد: 3/134، مسند البزار: 9/458.

([165])   أحمد: 5/377.

([166])   ابن أبي شيبة: 5/212.

([167])   أحمد: 3/150، مجمع الزوائد: 10/316.

([168])   دقائق التفسير:2/312.

([169])   مدارج السالكين:2/311.

([170])   الترمذي: 4/321، أبو يعلى: 7/238، المعجم الكبير: 11/449، شعب افيمان: 6/481 الأدب المفرد: 130.

([171])   مدارج السالكين:2/311.

([172])   البخاري: 5/2291، البيهقي: 5/203.

([173])   انظر هذه الرواية في: أحمد: 3/188، 3/288.

([174])   ابن ماجة: 2/1240.

([175])   أحمد: 1/214، مجمع الزوائد: 9/17.

([176])   أحمد: 3/183، مجمع الزوائد: 8/34، ابن أبي شيبة: 5/251.

([177])   ابن ماجة: 2/1209.

([178])   ابن أبي شيبة: 4/229.

([179])   الحاكم: 1/119، الترمذي: 5/9، أحمد: 6/99، شعب الإيمان: 6/232، ابن أبي شيبة: 5/210.

([180])   البخاري: 1/389، مسلم: 1/511، ابن خزيمة: 2/168، البيهقي: 3/46، أبو داود: 2/21، مسند أبي يعلى: 8/93، ابن أبي شيبة: 2/55.

([181])   سبق تخريجه.

([182])   البخاري: 5/1989، النسائي: 5/355، مسند ابي يعلى: 8/156.

([183])   الترمذي: 4/660، أحمد: 6/189، شعب الإيمان: 5/301.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *