الفصل الرابع: الكفاءة في الزواج

الفصل الرابع

الكفاءة في الزواج

نتناول في هذا الفصل مبدأ مهما من المبادئ التي وضعها الشرع لحماية الزواج، أو بالأحرى حماية الجانب الضعيف منه، من تسلل غير المستحقين، أو عبث العابثين، وقد خصصناه بفصل خاص لسببين:

  1. أن الكفاءة من أهم الأسس التي يقوم عليها الزواج، فلا تقوم الحياة الزوجية قياما صحيا إلا بها.
  2. كثرة الأخطاء في هذا الجانب، بحيث جعل البعض من هذا الشرط ذريعة للتفريق بين المسلمين، مما يتعارض مع تصورات الإسلام للوحدة الإسلامية والمساواة بين المسلمين، وهذه الأخطاء تنتشر في واقعنا الاجتماعي نتيجة لبعض الأقوال الفقهية، فلذلك احتجنا إلى بيان المواقف المختلفة ومناقشتها.

أولا ـ أحكام الكفاءة

نتناول في هذا المبحث الحديث عن حكم الكفاءة([1])، والمسائل المرتبطة بها.

1 ـ حكم الكفاءة:

اختلف الفقهاء في حكم الكفاءة من حيث اعتبارها في الزواج أو عدم اعتبارها، وهل هي في حال اعتبارها شرط في صحة الزواج أم في لزومه على الأقوال التالية:

القول الأول: أن الكفاءة تعتبر للزوم الزواج لا لصحته غالبا، فيصح الزواج مع فقدها؛ لأنها حق للمرأة وللأولياء، فإن رضوا بإسقاطها فلا اعتراض عليهم.

وهو مذهب الشافعية، والحنفية في ظاهر الرواية، وهو المعتمد عند المالكية، والمذهب عند أكثر متأخري الحنابلة، وهو ما روي عن عمر وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز وعبيد بن عمير، وحماد بن أبي سليمان وابن سيرين.

ويمكن تقسيم أدلتهم على ذلك إلى شطرين، شطر يثبت صحة الزواج بدونها، وشطر في بيان لزومها:

من جهة صحة الزواج بدونها:

  1. أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر فاطمة بنت قيس وهي قرشية أن تنكح أسامة بن زيد مولاه، فنكحها بأمره([2]).
  2. أنه صلى الله عليه وآله وسلم زوج زيد بن حارثة ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية، وبأن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار.
  3. أن الكفاءة لا تخرج عن كونها حقا للمرأة والأولياء، فلم يشترط وجودها.
  4. من جهة اعتبارها شرطا للزوم الزواج:
  5. أن انتظام المصالح يكون عادة بين المتكافئين، والزواج شرع لانتظامها، ولا تنتظم المصالح بين غير المتكافئين، فالشريفة تأبى أن تكون مستفرشة للخسيس، وتعير بذلك.
  6. أن الزواج وضع لتأسيس القرابات الصهرية ليصير البعيد قريبا عضدا وساعدا، يسره ما يسرك، وذلك لا يكون إلا بالموافقة والتقارب، ولا مقاربة للنفوس عند مباعدة الأنساب، والاتصاف بالرق والحرية، ونحو ذلك، فعقده مع غير المكافئ قريب الشبه من عقد لا تترتب عليه مقاصده.

القول الثاني: أن الكفاءة شرط في صحة الزواج، وهو مذهب الحنفية – في رواية الحسن المختارة للفتوى عندهم – وهو قول اللخمي وابن بشير وابن فرحون وابن سلمون – من المالكية – وهو رواية عن أحمد، وقال الشافعية: إن الكفاءة وإن كانت لا تعتبر لصحة الزواج غالبا بل لكونها حقا للولي والمرأة إلا أنها قد تعتبر للصحة كما في التزويج بالإجبار، ومن أدلتهم على ذلك:

  1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن إلا من الأكفاء) ([3]) وفي رواية: (لا تنكحوا النساء إلا من الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء)
  2. عن علي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حملت، والأيم إذا وجدت كفؤا) ([4])
  3. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تخيروا لنطفكم، وأنكحوا الأكفاء) ([5])
  4. أنه إذا كانت الكفاءة معتبرة في الحرب، وذلك في ساعة، ففي النكاح وهو للعمر أولى، وذكروا ما وقع في غزوة بدر أنه لما برز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وخرج إليهم عوف ومعوذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة قالوا لهم: من أنتم قالوا: رهط من الأنصار فقالوا: أبناء قوم كرام ولكنا نريد أكفاءنا من قريش، ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قريش فقال صلى الله عليه وآله وسلم: قم يا حمزة وقم يا علي([6]).
  5. أن التزويج، مع فقد الكفاءة، تصرف في حق من يحدث من الأولياء بغير إذنه، فلم يصح، كما لو زوجها بغير إذنها.
  6. أن التزوج مع فقد الكفاءة تصرف في حق من يحدث من الأولياء بغير إذنه، فلم يصح، كما لو زوجها بغير إذنها.

القول الثالث: عدم اعتبار الكفاءة، وأنها ليست بشرط في الزواج أصلا، وهو مذهب الظاهرية والكرخي والجصاص وقول سفيان الثوري والحسن البصري، ومن أدلتهم على ذلك:

  1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا بني بياضة أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه، قال: وكان حجاما) ([7])، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتزويج عند عدم الكفاءة ولو كانت معتبرة لما أمر.
  2. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى) ([8])
  3. أن الكفاءة لو كانت معتبرة في الشرع لكان أولى الأبواب بالاعتبار بها باب الدماء، لأنه يحتاط فيه ما لا يحتاط في سائر الأبواب، ومع هذا لم تعتبر، حتى يقتل الشريف بالوضيع، فهاهنا أولى، والدليل عليه أنها لم تعتبر في جانب المرأة، فكذا في جانب الزوج، ويحكى عن الكرخي أنه كان يقول: (الأصح عندي أن لا تعتبر الكفاءة في النكاح أصلا؛ لأن الكفاءة غير معتبرة فيما هو أهم من النكاح، وهو الدماء فلأن لا تعتبر في النكاح أولى) ([9])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو الجمع بين القول الأول والقول الثالث، وهو اعتبار الكفاءة شرطا للزوم لا للصحة، مع تقييد ذلك بخصال الكفاءة التي سنذكرها في المبحث الثاني من هذ الفصل.

لأن أصحاب القول الثالث لم يعتبروا الكفاءة بسبب حصرها في عرف كثير من الفقهاء في الكفاءة النسبية أو كفاءة الحسب والجاه، وهي تتناقض مع ما جاء به الإسلام من مبادئ في هذه النواحي.

أما أصحاب القول الثاني فإن معظم ما استدلوا به لا يفسد العقد الذي صححته الأدلة القطعية، وقد قال البيهقي عن الأحاديث التي أوردوها: أمثل ما ورد في اعتبار الكفاءة حديث على هذا([10])، وقد رأينا ضعفه وعدم صحة الاحتجاج به.

أما ما ذكره الشافعية من عدم الصحة بسبب تخلف الكفاءة في حال الإجبار، فهو صحيح، ولكن لا لتخلف الكفاءة، وإنما لفقدان شرط الرضى، وهو من الشروط المنصوص عليها كما سنرى ذلك في فصل الولاية.

ومن أحسن الأقوال في هذا ما نص عليه الإمامية من التفريق بين الكفاءة الشرعية والكفاءة العرفية، قال بعض علمائهم معبرا عن ذلك: (والظاهر من مجموع الأدلة أن الكفاءة العرفية لا اعتبار لها في التمييز شرعاً، ولا توجب كرامة شرعية تميز الزوج عن الزوجة أو تميز الزوجة عن الزوج، فإذا كان الزوج غنياً أو كان ذا مركز اجتماعي عال أو شأن ووجاهة عالية أو بالعكس فلا اشكال في صحة النكاح بينهما، لان المعتبر في التمييز الكرامة الشرعية وهي بالدين والتقوى، نعم لعل الافضل مراعاتها بل هناك ارشاد من الشارع لمراعاة هذه الشؤون العرفية حفاظاً على بعض الجوانب الاجتماعية والنفسية بين الزوجين لكن انعدام الكفاءة بينهما بالمفهوم العرفي لا توجب بطلان النكاح، أما الكفاءة الشرعية وهي كفاءة الدين والعقيدة فلا اشكال في لزوم وجودها بينهما بمعنى لزوم كون الزوج مسلماً إذا كانت الزوجة مسلمة وهو معقد الاجماع بين المسلمين)

2 ـ الآثار المترتبة عن تخلف الكفاءة:

اختلف العلماء في الآثار المتربتة عن تخلف الكفاءة بناء على خلافهم السابق، ويمكن حصر الخلاف في القولين التاليين([11]):

القول الأول: لا يصح العقد أصلا إذا تزوجت المرأة بغير كفء، وهو رواية عن أبي حنيفة، وهي المختارة للفتوى عند الحنفية، قال السرخسي: (وهو أحوط، فليس كل ولي يحسن المرافعة إلى القاضي، ولا كل قاض يعدل، فكان الأحوط سد هذا الباب)([12])

القول الثاني: صحة الزواج، وتوقفه على رضا الولي، وهو قول الشافعية والحنفية، قال السرخسي: (إذا زوجت المرأة نفسها من غير كفء فللأولياء أن يفرقوا بينهما، لأنها ألحقت العار بالأولياء، فإنهم يتعيرون بأن ينسب إليهم بالمصاهرة من لا يكافئهم، فكان لهم أن يخاصموا؛ لدفع ذلك عن أنفسهم) ([13])، ومن أدلتهم على ذلك أن الكفاءة حقها وحق الأولياء – كما سبق – فإن رضوا بإسقاطها فلا اعتراض عليهم.

وقد اختلف رأي المالكية فيما لو تزوجت المرأة من غير كفء في الدين على ثلاثة أقوال هي:

  1. لزوم فسخه لفساده، وهو ظاهر قول اللخمي وابن بشير وغيرهما.
  2. أنه زواج صحيح، وشهره الفاكهاني.
  3. إن كان لا يؤمن عليها منه رده الإمام وإن رضيت به، وهو لأصبغ.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة، بناء على ما سبق ذكره، هو القول الثاني مقيدا بخصال الكفاءة التي سنذكرها.

3 ـ حكم رضى بعض الأولياء دون بعض:

اختلف العلماء القائلون بتعدد الأولياء، كما ذكرنا سابقا([14])، فيما لو رضي بعض الأولياء دون بعض عن الزوج عل قولين([15]):

القول الأول: يسقط حق الباقين، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد، وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة ورواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن المرأة التي رفعت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أباها زوجها من غير كفئها خيرها، ولم يبطل الزواج من أصله([16]).
  2. أن العقد وقع بإذنها، والنقص الموجود فيه لا يمنع صحته، وإنما يثبت الخيار، كثبوت الخيار من العيوب.
  3. أن هذا حق واحد لا يتجزأ، فقد ثبت بسبب لا يتجزأ، وهو القرابة، وإسقاط بعض ما لا يتجزأ إسقاط لكله لأنه لا بعض له، فإذا أسقط واحد منهم لا يتصور بقاؤه في حق الباقين كالقصاص إذا وجب لجماعة فعفا أحدهم عنه أنه يسقط حق الباقين.
  4. أن حقهم في الكفاءة ما ثبت لعينه، بل لدفع الضرر، والتزويج من غير كفء وقع إضرارا بالأولياء من حيث الظاهر، وهو ضرر عدم الكفاءة، فالظاهر أنه لا يرضى به أحدهم إلا بعد علمه بمصلحة حقيقية هي أعظم من مصلحة الكفاءة وقف هو عليها، وغفل عنها الباقون ولولاها لما رضي، وهي دفع ضرر الوقوع في الزنا على تقدير الفسخ.

القول الثاني: لا يسقط حق الباقين وهو قول أبي يوسف، وهو مروي عن أحمد وقول للشافعي، ومن أدلة ذلك:

  1. أن حقهم في الكفاءة ثبت مشتركا بين الكل، فإذا رضي به أحدهم، فقد أسقط حق نفسه، فلا يسقط حق الباقين، قياسا على الدين إذا وجب لجماعة، فأبرأ بعضهم فإنه لا يسقط بذلك حق الباقين.
  2. أن رضا أحدهم لا يكون أكثر من رضاها، فإن زوجت نفسها من غير كفء بغير رضاهم لا يسقط حق الأولياء برضاها، فلأن لا يسقط برضا أحدهم أولى.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو أن الكفاءة لا يحددها الأولياء، وإنما يحددها الشرع، والرضى لا يكون من الأولياء وإنما يكون من المرأة، فإن تحققت الكفاءة في الرجل، ورضيت المرأة صح الزواج، ولا عبرة بسخط كل الأولياء أو بعضهم.

4 ـ التغرير في الكفاءة وآثاره:

اتفق الفقهاء على كون التغرير ([17]) في الزواج بكتم العيوب أو الكذب في الوصف من الكبائر للنصوص الكثيرة الدالة على حرمة الغش والتدليس، واختلفوا في أثر التغرير في الزواج على قولين:

القول الأول: أنه إذا دلس أحد الزوجين على الآخر، بأن كتم عيبا فيه، يثبت به الخيار، لم يعلمه المدلس عليه وقت العقد، ولا قبله. أو شرط أحدهما في صلب العقد وصفا من صفات الكمال كإسلام، وبكارة، وشباب، فتخلف الشرط: يثبت للمدلس عليه والمغرور بخلف المشروط خيار فسخ النكاح، وهو قول الجمهور.

فقد نص المالكية مثلا على أن من أسباب الخيار الغرور فإذا قال العاقد: زوجتك هذه الحرة فإذا هي أمة انعقد النكاح ويثبت الخيار للزوج، وكذلك إذا تزوج الحر امرأة ولم يشترط الحرية فيها فله الخيار، وإن ظهر أنها أمة، وفي المدونة قال مالك: من نكح امرأة أخبرته أنها حرة فإذا هي أمة أذن لها ربها أن تستخلف رجلا على عقد نكاحها فله فراقها قبل البناء، غرم شيء من المهر، وإن دخل بها أخذ منها المهر الذي قبضته ولها مهر مثلها، وإن شاء ثبت على نكاحها بالمسمى([18])

القول الثاني: ليس لواحد من الزوجين خيار الفسخ لعيب، وهو قول الحنفية، فالنكاح عندهم لا يقبل الفسخ، وقد عبر الكاساني عن هذا الشرط ووجه الاستدلال به عند الحنفية، فقال: (وكذلك إن اشترط أحدهما على صاحبه السلامة من العمى والشلل، والزمانة فوجد بخلاف ذلك لا يثبت له الخيار، وكذلك لو شرط الجمال والبكارة، فوجدها بخلاف ذلك لا يثبت له الخيار، لأن فوت زيادة مشروطة بمنزلة العيب في إثبات الخيار كما في البيع، وبهذا تبين أنه لا معتبر لتمام الرضا في باب النكاح فإنه لو تزوجها بشرط أنها بكر شابة جميلة فوجدها ثيبا عجوزا شوهاء لها شق مائل وعقل زائل ولعاب سائل، فإنه لا يثبت له الخيار، وقد انعدم الرضا منه بهذه الصفة([19]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول إعمالا لما ورد في النهي عن الغش والتدليس، لأن ذلك النهي لا يرتبط بالأحكام الأخروية فقط، بل له أثره الدنيوي، وفي ذلك سد للذريعة حتى لا يتلاعب بالأعراض بالكذب والاحتيال.

ثم كيف تبنى الحياة الزوجية الطويلة المديدة على كذبة كذبها بعض الناس في يوم من الأيام ثم تاب منها ليصلى غيره بنارها، فكما أن ذنبه يمحى بالتوبة، ففعله يمحى بالفسخ سواء بسواء.

ثانيا ـ الأحكام التفصيلية لخصال الكفاءة

بناء على ما سبق ذكره من الأقوال المختلفة لأصحاب المذاهب الفقهية المنتشرة في العالم الإسلامي، فإن الخصال التي اعتبروها تكاد تنحصر في الخصال الست التالية:

  1. الدين
  2. التدين
  3. النسب
  4. الحرفة
  5. المال
  6. السلامة من العيوب.

وسنعرض في هذا المبحث لتفاصيل الأدلة المرتبطة بهذه الخصال، وما نراه من ترجيح حولها.

1 ـ الكفاءة في الدين

أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلمة الزواج من غير المسلم، للآيات الصريحة في ذلك مثل قول الله تعالى: { وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا }(البقرة: 221) وقوله تعالى: { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}(النساء: 141)، ويتعلق بهذه الخصلة المسائل التالية:

حكم تزوج الكافر بمسلمة:

اتفق الفقهاء على عقوبة الكافر الذي يتزوج بمسلمة بعقوبة تعزيرية([20])، وقد اختلف الفقهاء في أدنى هذه العقوبة التعزيرية وأعلاها خلافا كبيرا، نورد خلاصته فيما يلي:

القول الأول: أن الحد الأعلى هو عشرة أسواط، وهو قول الليث وأحمد في المشهور عنه وإسحاق وبعض الشافعية، واستدلوا على ذلك بما روي عن أبي هريرة مرفوعا: (لا تعزروا فوق عشرة أسواط) ([21])

القول الثاني: تجوز الزيادة على العشر، وهو قول الجمهور، وقد اختلفوا في الحد الأعلى على ما يلي([22]):

  1. لا يبلغ أدنى الحدود، وهل الاعتبار بحد الحر والعبد قولان، وهو قول الشافعي.
  2. يستنبط كل تعزير من جنس حده، ولا يجاوزه، وهو مقتضى قول الأوزاعي لا يبلغ به الحد.
  3. هو إلى رأي الامام بالغا ما بلغ، وهو اختيار أبي ثور.
  4. لا يعزر إلا من تكرر منه، ومن وقع منه مرة واحدة معصية لا حد فيها فلا يعزر، وهو مري عن مالك وعطاء وأبي ثور.
  5. أن لا يبلغ أربعين، وهو قول أبي حنيفة.
  6. لا يزاد على خمس وتسعين جلدة، وهو قول ابن أبي ليلى.
  7. لا يبلغ ثمانين، وهو رواية عن مالك وأبي يوسف.
  8. أنه يقتل؛ وقد روي عن الإمام مالك، لأنه يصير بهذا ناقضا للعهد حين باشر ما ضمن في العهد أن لا يفعله فهو نظير الذمي الذي يجعل نفسه طليعة للمشركين على قوله.

 هذا مارواه السرخسي عن مالك في المبسوط، ولكن ما في المدونة يدل على خلافه حيث قال مالك في ذمي اشترى مسلمة فوطئها: أرى أن يتقدم إلى أهل الذمة في ذلك أشد التقدم ويعاقبون على ذلك ويضربون بعد التقدم. وقال ابن القاسم: فأرى إن كان ممن يعذر بالجهالة من أهل الذمة لم يضرب ولا أرى أن يقام في هذا حد، ولكني أرى العقوبة إن لم يجهلوا([23]). ولكن ما في المدونة قد يحمل على الأمة المسلمة لا الزوجة، فلا يقع التنافي بين القولين([24]).

أما المرأة فقد اتفق الفقهاء عل أنها تعزر إن كان ذلك برضاها وموافقتها.

ويعاقب كذلك الذي سعى فيما بينهما، لأنه أعان على ما لا يحل، قياسا على قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش) ([25])، وهو الذي يسعى بينهما.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في ذلك هو أن تقدير العقوبات التي لم يحددها الشرع موكول إلى ولي الأمر بالغا ذلك ما بلغ.

قال ابن تيمية مبينا الطرق التي يمكن للإمام أن ينتهجها للتعزير: (وليس لأقل التعزير حد، بل هو بكل ما فيه إيلام الانسان من قول وفعل وترك قول وترك فعل، فقد يعزر الرجل بوعظه وتوبيخه والاغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب إذا كان ذلك هو المصلحة كما هجره النبى صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الثلاثة الذين خلفوا، وقد يعزر بعزله عن ولايته كما كان النبى صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يعزرون بذلك، وقد يعزر بترك استخدامه في جند المسلمين كالجندى المقاتل إذا فر من الزحف، فإن الفرار من الزحف من الكبائر وقطع أجره نوع تعزير له، وكذلك الأمير إذا فعل ما يستعظم فعزله عن إمارته تعزير له، وكذلك قد يعزر بالحبس) ([26])

أما الحديث الذي ورد في ذلك، وأخذ بعض الفقهاء بظاهره، فقد أجيب عنه بأجوبة كثيرة منها:

  1. قصره على الجلد وأما الضرب بالعصا مثلا وباليد فتجوز الزيادة، لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وكأن قائل هذا لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب.
  2. أنه منسوخ دل على نسخه إجماع الصحابة، وقد رد ذلك بأنه قال به بعض التابعين، وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار.
  3. معارضة الحديث بما هو أقوى منه، وهو الإجماع على أن التعزير يخالف الحدود، وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها، فيصير مثل الحد.
  4. معارضة الحديث بالاجماع على أن التعزير موكول إلى رأي الامام فيما يرجع إلى التشديد والتخفيف، لامن حيث العدد، لأن التعزير شرع للردع، ففي الناس من يردعه الكلام، ومنهم من لا يردعه الضرب الشديد، فلذلك كان تعزير كل أحد بحسبه.
  5. أن ذلك كان ذلك مختصا بزمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، حكاه النووي عن أصحاب مالك، وعقب عليه بقوله: (وهذا التأويل ضعيف) ([27])

الكفاءة في التدين

اختلف الفقهاء في اعتبار الممارسة الدينية التي هي التدين من خصال الكفاءة أم لا على الأقوال التالية:

القول الأول: اعتبار التدين الذي هو السلامة من الفسق، وهو مذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لو أن امرأة من بنات الصالحين زوجت نفسها من فاسق كان للأولياء حق الاعتراض، لأن التفاخر بالدين أحق من التفاخر بالنسب والحرية والمال والتعيير بالفسق أشد وجوه التعيير.

وقال المالكية: المراد بالدين الإسلام مع السلامة من الفسق، ولا تشترط المساواة في الصلاح.

وقال الشافعية: من خصال الكفاءة الدين والصلاح والكف عما لا يحل، والفاسق ليس بكفء للعفيفة، وغير الفاسق – عدلا كان أو مستورا – كفء لها، ولا تعتبر الشهرة بالصلاح، فغير المشهور بالصلاح كفء للمشهورة به، والفاسق كفء للفاسقة مطلقا إلا إن زاد فسقه أو اختلف نوعه كما بحثه الإسنوي، والمبتدع ليس بكفء للعفيفة أو السنية.

وقال الحنابلة: الدين مما يعتبر في الكفاءة، فلا تزوج عفيفة عن الزنا بفاجر، أي بفاسق بقول أو فعل أو اعتقاد.

وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية([28]):

  1. ما روى سهيل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر عليه رجل فقال: ما تقولون في هذا فقالوا: حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يسمع، قال: ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين فقال: ما تقولون في هذا قالوا حري إن خطب ألا ينكح وإن شفع ألا يشفع وإن قال ألا يسمع فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا خير من ملء الأرض مثل هذا([29]).
  2. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها وفي رواية ولحسبها فعليك بذات الدين تربت يداك([30])
  3. خطب بلال بنت البكير فأبى إخوتها فقال بلال يا رسول الله، ماذا لقيت من بني البكير خطبت إليهم أختهم فمنعوني وآذوني، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أجل بلال، فبلغهم الخبر فأتوا أختهم، فقالوا: ماذا لقينا من سبيل فقالت أختهم: أمري بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فزوجوها.

القول الثاني: عدم اعتبار التدين، وهو قول محمد بن الحسن، لأن التدين من أمور الآخرة، والكفاءة من أحكام الدنيا، فلا يقدح فيها الفسق إلا إذا كان شيئا فاحشا يعاب به، بأن كان الفاسق ممن يسخر منه ويضحك عليه ويصفع، فإن كان ممن يهاب منه، بأن كان أميرا قتالا فإنه يكون كفئا لأن هذا الفسق لا يعد شيئا في العادة([31]).

القول الثالث: أن الفاسق إن كان معلنا لا يكون كفئا وإن كان مستترا يكون كفئا وهو مذهب أبي يوسف، فإن فقد الدين وكان الزوج فاسقا فليس بكفء([32]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح هو اعتبار الكفاءة في التدين، لدلالة النصوص على ذلك، بل إن النصوص لم تعتبر الكفاءة إلا في الدين والتدين، ولكنه من الصعب مع ذلك معرفة مدى تدين الشخص للاعتبارات الكثيرة التي يراها الناس لمدى التدين، فلذلك يراعى على الأقل الحد الأدنى من التدين، وهو ترك الكبائر والتزام الفرائض، وما عدا ذلك يمكن إصلاحه.

2 ـ الكفاءة في النسب

وهو من الأمور المهمة والواقعية، والتي قصرت بعض المجتمعات الإسلامية الكفاءة عليها، حتى اعتبرت الكفاءة عنوانا على ترفع بعض الأنساب على البعض الآخر، وعادت بعض المجتمعات بسبب ذلك إلى الحمية الجاهلية والنعرات القبلية، وقد قال أحد الفقهاء مبينا قيمة النسب في الكفاءة: (واعتبار النسب هو الركن الأعظم، لأن الرغبات تختلف به مطلقا) ([33]) فلذلك سنرى هنا موقف الفقهاء من هذه الخصلة في الكفاءة، وموقعها من الشريعة الإسلامية.

فقد اختلف الفقهاء في اعتبار النسب في الكفاءة في الزواج على قولين:

القول الأول([34]): اعتبار النسب في كفاءة الزواج، وأن الرجل ليس كفئا لامرأة تنسب إلى قبيلة أشرف من قبيلته، وهو مذهب الحنفية والراجح عند الشافعية والحنابلة، ومن أدلتهم على ذلك:

  1. بعض الآثار عن السلف في ذلك، ومنها([35]): قول عمر: (لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء، وفي رواية قلت: وما الأكفاء؟ قال: في الأحساب)، وعن سعيد بن المسيب، عن عمر، أنه نهى أن يتزوج العربي الأمة، وعن عمرو بن أبي قرة الكندي قال: عرض أبي على سلمان أختا فأبى وتزوج مولاة له يقال لها نعيرة، وعنه قال: لانؤمهم ولا ننكح نساءهم، وقال ابن شهاب في العربي والمولى: لا يستويان في النسب.
  2. أن العرب يعتمدون الكفاءة في النسب ويتفاخرون برفعة النسب، ويأنفون من زواج الموالي، ويرون ذلك نقصا وعارا، وأحكام الزواج لها علاقة بما يتعارف عليه الناس في ذلك، بل إن الكفاءة كانت مطلوبة بين العرب حتى في القتال، ففي قصة الثلاثة الذين خرجوا يوم بدر للبراز عتبة وشيبة والوليد فخرج إليهم ثلاثة من فتيان الأنصار فقالوا لهم: انتسبوا فانتسبوا فقالوا: أبناء قوم كرام، ولكنا نريد أكفاءنا من قريش فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبروه بذلك فقال صلى الله عليه وآله وسلم: صدقوا، وأمر حمزة وعليا وعبيدة بن الحارث رضوان الله عليهم أجمعين بأن يخرجوا إليهم(ووجه الاستدلال بذلك كما قال السرخسي: (فلما لم ينكر عليهم طلب الكفاءة في القتال ففي الزواج أولى) ([36])
  3. أن العرب فضلت الأمم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
  4. أن الزواج يعقد للعمر، ويشتمل على أغراض ومقاصد من الصحبة والألفة والعشرة وتأسيس القرابات، وذلك لا يتم إلا بين الأكفاء.
  5. أن في أصل الملك على المرأة نوع ذلة، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رووا عنه أنه قال: (إنما النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته) ([37])، وإذلال النفس حرام، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه)، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: (يتعرض من البلاء لما لا يطيق) ([38]) وإنما جوز ما جوز منه لأجل الضرورة.
  6. أن المراد من الآثار التي رواها أصحاب القول الثاني أحكام الآخرة، وتأولوا الأحاديث التي ذكرها أصحاب القول الثاني إلى الندب للتواضع وترك طلب الكفاءة لا الإلزام.

القول الثاني([39]): عدم اعتبار النسب في كفاءة الزواج، وأن المعتبر فقط هو الدين، وهو مذهب المالكية وقول عند الشافعية([40]) ورواية عن أحمد، وهو مذهب الظاهرية والإمامية.

قال ابن العربي معبرا عن رأي المالكية: (قد بينا في مسائل الفقه أن الكفاءة معتبرة في الزواج. واختلف علماؤنا فيها؛ هل هي في الدين والمال والحسب، أو في بعضها؟ وحققنا جواز زواج الموالي للعربيات وللقرشيات، وأن المعول على قول الله I: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات: 13)، وقد جاء موسى إلى صالح مدين غريبا طريدا، وحيدا جائعا عريانا، فأنكحه ابنته لما تحقق من دينه، ورأى من حاله، وأعرض عما سوى ذلك)([41])

وفي المدونة، سئل ابن القاسم عن ذلك فقال: لم أسمع منه في ذلك شيئا إلا أني سألت مالكا عن نكاح الموالي في العرب، فقال: لا بأس بذلك ألا ترى إلى ما في كتاب الله I { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات: 13)) ([42])

وهو نفس قول الظاهرية، قال ابن حزم: (أهل الإسلام كلهم إخوة لا يحرم على ابن من زنجية لغية نكاح ابنة الخليفة الهاشمي) ([43])

وهو نفس قول الإمامية، استنادا إلى روايات كثيرة عن أهل البيت ع منها ما حدث به هشام بن الحکم عند ما سئل عن تزويج العجم من العرب، والعرب من قريش، وقريش من بني هاشم، فقال: نعم. فقيل له: عمّن أخذت هذا؟ قال عن جعفر بن محمّد ع سمعته يقول: (أ تتکافأ دماؤکم، ولا تتکافأ فروجکم)([44])

والأدلة التي ذكرها أصحاب هذا القول كثيرة مستفيضة، ولشدة الحاجة إلى التذكير بها في مجتمعاتنا الإسلامية سنورد ما أمكن منها هنا:

من القرآن الكريم:

  1. النصوص الدالة على جواز الزواج مما طاب من النساء في قوله تعالى مخاطبا لجميع المسلمين: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ }(النساء:3)، وعندما ذكر تعالى ما حرم علينا من النساء ختم ذلك بقوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } (النساء: 24)
  2. النصوص الكثيرة الدالة على الأخوة بين المؤمنين كقوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون}(الحجرات: 10)
  3. النصوص الدالة على المساواة بين البشر، كقوله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(الحجرات: 13)
  4. قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا}(الفرقان: 54)، وقد استدل بها البخاري على عدم اعتبار الكفاءة في النسب، قال ابن حجر: (قال الفراء النسب من لا يحل نكاحه والصهر من يحل نكاحه، فكأن المصنف لما رأى الحصر وقع بالقسمين صلح التمسك بالعموم لوجود الصلاحية إلا ما دل الدليل على اعتباره وهو استثناء الكافر) ([45])

من السنة النبوية الشريفة:

النصوص العامة الدالة على الأخوة بين المؤمنين، ومنها:

  1. عن جابر بن عبد الله، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: (يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } (الحجرات: 13)، ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فليبلغ الشاهد الغائب) ([46])
  2. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي ألا إني جعلت نسبا وجعلتم نسبا فجعلت أكرمكم أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا فلان ابن فلان خير من فلان بن فلان فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم أين المتقون) ([47])
  3. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله عز وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم وآدم من تراب مؤمن تقي وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها) ([48])
  4. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحدكم، كلكم بنو آدم ليس لأحد على أحد فضل الا بالدين أو تقوى وكفى بالرجل أن يكون بذيا فاحشا بخيلا) ([49])
  5. 5.     النصوص الخاصة الدالة على عدم اعتبار الكفاءة في النسب:
  6. عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة، وهو غائب بالشام فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال: والله ما لك علينا من شيء فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال: ليس لك عليه نفقة وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند عبد الله بن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده فإذا حللت فآذنيني قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم بن هشام خطباني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد قالت: فكرهته ثم قال: انكحي أسامة بن زيد فنكحته فجعل الله في ذلك خيرا واغتبطت به) ([50])، قال الباجي: (فيه إنكاح الموالي القرشيات، لأن فاطمة بنت قيس قرشية وأسامة بن زيد مولى، وقولها: فكرهته تريد أنها كرهت نكاحه لمعنى من المعاني، ولعلها كرهت ذلك لكونه من الموالي، وكانت العرب تكره ذلك وتترفع عنه، فأعاد عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تنكح أسامة بن زيد لما علم في ذلك من المصلحة لها، ولما أراد أن يبين من جواز إنكاح القرشيات الموالي قالت: فنكحته فجعل الله في ذلك خيرا كثيرا) ([51])
  7. أنكح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زينب أم المؤمنين زيدا مولاه، وأنكح المقداد ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب([52]).
  8. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك)([53])
  9. خطب بلال بنت البكير فأبى إخوتها، فقال بلال يا رسول الله: ماذا لقيت من بني البكير، خطبت إليهم أختهم فمنعوني وآذوني، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أجل بلال؛ فبلغهم الخبر، فأتوا أختهم، فقالوا: ماذا لقينا من سببك، غضب علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلممن أجل بلال. فقالت أختهم: (أمري بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فزوجها بلالا).
  10. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أبي هند حين حجمه: (أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه)([54])، وهو مولى بني بياضة.

الترجيح:

لا شك في القول باعتبار الكفاءة في الزواج من هذه الجهة قولا حادثا في الملة، لمخالفه الصريحة لقوله تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13)، ومخالفته الأحاديث الكثيرة الواردة في هذا الباب، والتي أوردنا بعضها.

ومع تلك النصوص المقدسة الكثيرة نجد للأسف من الفقهاء من يخالفها مخالفة صريحة، حتى اعتبروا ما دل من النصوص السابقة على الأخوة العامة بين المؤمنين خاصا بالآخرة، فقد نقل بعضهم قول مالك قوله: لا تعتبر الكفاءة إلا في الدين، واستدلاله من القرآن والسنة على ذلك فرد عليه بقوله: (قلنا: المراد به في حكم الآخرة وكلامنا في الدنيا)، قال الشارح: (وإلا ففي الدنيا ثابت فضل العربي على العجمي بالإجماع) ([55])، ولسنا ندري أي إجماع يدعيه، ولا أي مستند لذلك الإجماع، بل الإجماع هو ما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما دل عليه القرآن الكريم، وما أيدته قواعد الدين ومقاصده الكلية.

وقد نقل بعضهم مذهب الغزالي في النسب، ورد عليه بقوله: (قال الإمام والغزالي: وشرف النسب من ثلاث جهات: جهة النبوة وجهة العلم وجهة الصلاح المشهور، ولا عبرة بالانتساب لعظماء الدنيا والظلمة المستولين على الرقاب، وإن تفاخر الناس بهم)، قال الرافعي: ولا يساعدهما عليه كلام النقلة في العظماء، فيعتبر الانتساب إليهم … وكيف لا يعتبر وأقل مراتب الإمرة ونحوها أن تكون كالحرفة؟ وذو الحرفة الدنيئة لا يكافئ النفيسة)([56])

وقد نشأ عن فتح هذا الباب العصبية المحرمة بين العرب وغيرهم، بل بين العرب أنفسهم، بل نجد هذه العصبية قد انتقلت لكتب الفقه نفسها، ففي كتاب منها يقول صاحبه: (سائر العرب بعضهم أكفاء لبعض، وبنوا باهلة ليسوا بأكفاء لعامة العرب؛ لأنهم يعرفون بالخساسة قيل: إنهم يستخرجون النقي من عظام الميتة ويأكلونه قال الشاعر:

إذا قيل للكلب يا باهلي عوى الكلب من لؤم هذا النسب([57])

ويعلل فقيه آخر ذلك بأنهم يطبخون العظام ويأخذون الدسومات منها ويأكلون بقية الطعام مرة ثانية([58])، ويورد آخر حديثا في ذلك، ويستدل بقول شاعر، فبعد أن ذكر عدم كفاءتهم لسائر العرب قال: (لأنهم معروفون بالخساسة والدناءة ويدل عليه قول الشاعر:

إذا ولدت حليلة باهلي غلاما زاد في عدد اللئام

وروي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتتكافأ دماؤنا؟ قال: نعم ولو قتلت باهليا لقتلتك به) ([59])

فهؤلاء الفقهاء ـ مع احترامنا لهم ـ تركوا الأدلة الصريحة الصحيحة لقول شاعر، ويمكنهم لو ساروا على منواله أن يهجوا القبائل جميعا، بل الخلق جميعا.

ونجد فقيها آخر يفضل الجاهلة بنت العالم على العالم ابن الجاهل، ويصرح بذلك بقوله: (العالم ابن الجاهل ليس كفئا للجاهلة بنت العالم) ([60])

وهذا الخروج عن القواعد الشرعية في الأنساب نجده عند الإباضية في التفريق بين البدو والحضر، ففي شرح النيل: (وحرم على بدوية تزوجت حضريا أن تتزوج بدويا بعده إن طلقها أو مات أو حرمت عنه أو فارقها بوجه ما، لأنها قد صارت حضرية بتزوج الحضري، وإن فعلت هلكت) ([61])

وكل ذلك لا دليل عليه، لا من النصوص ولا من غيرها من سائر الأدلة، أما ما استدلوا به من نصوص فإنها متكلفة ولا علاقة لها بما يعتبرونه، ومن أمثلة التكلف في الاستدلال هذا النقل من بعضهم بتصرف: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (العرب بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة ورجل برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة ورجل برجل إلا حائكا أو حجاما)، رواه أبو يعلى بسند فيه عمران بن أبي الفضل الأيلي، وضعف بأنه موضوع وأن عمران هذا يروي الموضوعات عن الأثبات، وروى الدارقطني عن ابن عمر مرفوعا (الناس أكفاء قبيلة لقبيلة وعربي لعربي ومولى لمولى إلا حائكا أو حجاما) وضعف ببقية بن الوليد وهو مخيل إن عنعن الحديث ليس غير، وبأن محمد بن الفضل مطعون فيه. ورواه ابن عدي في الكامل من حديث علي وعمر باللفظ الأول، وفيه علي بن عروة قال منكر الحديث، وعثمان بن عبد الرحمن قال صاحب التنقيح هو الطرائفي من أهل حران يروي المجاهيل، وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن عائشة وهو ضعيف، وروى البزار عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل يرفعه) العرب بعضهم أكفاء لبعض (، وابن معدان لم يسمع من معاذ، وفيه سليمان بن أبي الجون قال ابن القطان: لم أجد له ذكرا)

فبعد أن ذكر هذا الكم الكبير من الضعف والوضع، قال: (وبالجملة فللحديث أصل)، ثم بنى على هذا الأصل ما عبر عنه بقوله: (فإذا ثبت اعتبار الكفاءة بما قدمناه، فيمكن ثبوت تفصيلها أيضا بالنظر إلى عرف الناس فيما يحقرونه ويعيرون به، فيستأنس بالحديث الضعيف في ذلك، خصوصا وبعض طرقه كحديث بقية ليس من الضعف بذاك، فقد كان شعبة معظما لبقية وناهيك باحتياط شعبة، وأيضا تعدد طرق الحديث الضعيف يرفعه إلى الحسن) ([62])

وكل الأدلة التي استدل بها هؤلاء من هذا النوع، قال ابن حجر: (ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث، وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه العرب بعضهم أكفاء بعض والموالي بعضهم أكفاء بعض، فإسناده ضعيف واحتج البيهقي بحديث وائلة مرفوعا، أن الله اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل الحديث وهو صحيح أخرجه مسلم لكن في الاحتجاج به لذلك نظر)([63])

3 ـ الكفاءة في الحرفة

اختلف الفقهاء في اعتبار الكفاءة في الحرفة على قولين([64]):

القول الأول: أن الحرفة معتبرة في الزواج، وهو قول جمهور الفقهاء من الشافعية([65]) والحنابلة في رواية، وقول أبي يوسف، ومن أدلتهم على ذلك:

  1. قوله تعالى: { وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ }(النحل: 71)، أي في سببه فبعضهم يصل إليه ببذل ومشقة وبعضهم بدونهما.
  2. رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الناس أكفاء إلا الحائك والحجام) ([66])
  3. مراعاة العرف: قيل لأحمد في حديث (العرب بعضهم لبعض أكفاء، إلا حائكا، أو حجاما): وكيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه. يعني أنه ورد موافقا لأهل العرف) ([67])

القول الثاني([68]): أن ذلك غير معتبر أصلا، وهو مروي عن أبي حنيفة ورواية عن أحمد ابن حنبل، وهو قول الإمامية إلا أن بعض المتقدمين منهم اشترطوا أن يكون في كفاءة الزوج قدرته المالية للنفقة على زوجته، بدليل قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، ولما روي عن الإمام الصادق ع: (الكفو أن يكون عفيفاً وعنده يسار)، لكن أكثر فقهاء الشيعة لا يعتبرون القدرة المالية شرطاً في كفاءة الزوج، يقول السيد السبزواري: (لا يشترط في صحة النكاح تمكن الزوج من النفقة، نعم لو زوج الصغيرة وليها بغير القادر عليها لم يلزم العقد عليها فلها الرد بعد كمالها، لما مر من أنه يعتبر في نفوذ عقد الولي على المولّى عليه عدم المفسدة، ولا إشكال في جواز تزويج الحرة بالعبد، والعربية بالعجمي، والهاشمية بغير الهاشمي، وبالعكس، وكذا ذوات البيوتات الشريفة بأرباب الصنائع الدنيئة كالكناس والحجام ونحوهما، لأن المسلم كفؤ المسلمة، والمؤمن كفؤ المؤمنة، والمؤمنون بعضهم أكفاء بعض)([69])

وقد حاول بعض الحنفية أن ينفوا هذا القول عن أبي حنيفة بحجة مراعاته للعرف، وليس إنكارا للكفاءة في الحرفة، قال الكاساني نقلا عن الكرخي: (أن أبا حنيفة بنى الأمر فيها على عادة العرب أن مواليهم يعملون هذه الأعمال لا يقصدون بها الحرف، فلا يعيرون بها، وأجاب أبو يوسف على عادة أهل البلاد أنهم يتخذون ذلك حرفة، فيعيرون بالدنيء من الصنائع، فلا يكون بينهم خلاف في الحقيقة)

ولذلك ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي اعتبار الكفاءة في الحرفة ولم يذكر الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف في ذلك([70]). ومن الأدلة على ذلك:

  1. أن الحرفة ليست بشيء لازم، فالمرء تارة يحترف بحرفة نفيسة، وتارة بحرفة خسيسة بخلاف صفة النسب لأنه لازم له، وذل الفقر كذلك فإنه لا يفارقه.
  2. أن الحديث المروي في ذلك قال عنه أبو حنيفة: (الحديث شاذ لا يؤخذ به فيما تعم به البلوى) ([71])

الترجيح:

نرى أن الأرجح عدم اعتبار الكفاءة في الحرفة، للاعتبارات التالية:

الاعتبار الأول: النصوص الدالة على عدم اعتبار الحرفة فارقا بين المسلمين، وأن أساس الفضل بين المؤمنين هو التقوى، وقد مر ذكر بعضها عند بيان خصلة الكفاءة في النسب.

الاعتبار الثاني: النصوص الدالة على فضل التكسب والاحتراف، من دون تفريق بين حرفة وحرفة، ومن تلك النصوص قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا}(النبأ: 11) فقد ذكر تعالى ذلك في معرض الامتنان على عباده، وقال تعالى: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون}(الأعراف: 10)فجعلها نعمة وطلب الشكر عليها، وقال تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ}(البقرة: 198) وقال تعالى: {وَآخرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ الله} (المزمل: 20)وقال تعالى: {فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله}(الجمعة: 10)

أما السنة، فقد وردت بها النصوص الكثيرة، ومنها:

  1. صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه) ([72])
  2. : آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين قريش والأنصار، فآخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف فقال له سعد: إن لي مالا فهو بيني وبينك شطران، ولي امرأتان فانظر أيهما أحب إليك فأنا أطلقها، فإذا حلت فتزوجها قال: بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق، فلم يرجع حتى رجع بسمن وأقط قد أفضله، قال: ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي أثر صفرة فقال: مهيم فقلت: تزوجت امرأة من الأنصار فقال: أولم ولو بشاة([73]).
  3. صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولد الرجل من كسبه) ([74])
  4. صلى الله عليه وآله وسلم يسأله، فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء قال: ائتني بهما قال: فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده وقال: من يشتري هذين قال رجل: أنا آخذهما بدرهم قال: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فأتني به فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عودا بيده، ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما، فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع([75]).

الاعتبار الثالث: أن في القول بالكفاءة في الحرفة تجسيدا للطبقية في المجتمع، فينظر إلى الناس باعتبارات غير شرعية، بل جاء الشرع بمحاربتها والنهي عنها، وسنذكر هنا بعض الأمثلة عن آراء الفقهاء القائلين بالكفاءة في الحرفة وفتاواهم، ولنتأمل أثر مثل هذه الفتاوى وخطورتها النفسية والاجتماعية، ونقارن ذلك بما دعا إليه الإسلام بالنصوص القطعية واعتبره أصلا من أصوله، وقد تحرجت كثيرا من نقل مثل هذه الفتاوى، ولولا ضرورة التوثيق ما وثقتها:

سئل بعضهم عن تاجر قمح يقرأ بعض القرآن زوج ابنته لرجل شلبي طحان، فهل الزوج كفء لها وهل العقد صحيح أو لا؟ فأجاب بهذه الصراحة: (أنه ليس الزوج كفء الزوجة ونكاحها باطل) ([76])، وليس ذلك لأجل القرآن، لأن القرآن ليس حرفة، وإنما لأجل التجارة.

وفي فتوى أخرى سئل عن أخوين أحدهما حائك وتاجر والآخر حائك فقط زوج الأول ابنته بولاية الإجبار لابن الثاني فهل هو كفء لها أو لا؟

فأجاب بأنه لا يكافئ بنت عمه المذكورة لأن المكافأة المساواة وهي معتبرة في الزوجين وآبائهما وشرف التجارة عرفا المتصف به والدها غير موجود في والده وظاهر أن ابن الحائك ليس كفؤا لبنت التاجر) ([77])، فالأخوان لا يكافئ بعضهما بعضا لأجل التجارة.

وفي فتوى أخرى أجاب: (بأنه ليس بكفء لها لأنه ابن حائك وأبوها تاجر) ([78])

وفي فتوى أخرى سئل عما إذا تزوج عالم ببنت عالم ولم يكن أبو الزوج عالما يصح النكاح أم لا؟ فأجاب بأنه إن زوجها وليها به بإذنها فيه ولو بسكوت البكر صح نكاحها، وإلا فلا يصح لعدم الكفاءة)([79])

وفي فتوى أخرى ينقلها ابن حجر الهيثمي بقوله: (وقع في الدرس السؤال عما لو جاءت امرأة مجهولة النسب إلى الحاكم وطلبت منه أن يزوجها من ذي الحرفة الدنيئة ونحوها، فهل يجيبها أم لا؟ والجواب عنه: أن الظاهر الثاني للاحتياط لأمر النكاح، فلعلها تنسب إلى ذي حرفة شريفة، وبفرض ذلك فتزويجها من ذي الحرفة الدنيئة باطل، والنكاح يحتاط له) ([80])

وقد عبر السبكي عن علة هذه الفتاوى بقوله عندما سئل عمن يأكل من كسب يده، هل هو أشرف ممن يأكل من الصدقة، وهل أحدهما كفء للآخر؟ فأجاب بقوله: (الذي يظهر أنه يعتبر في ذلك عرف أهل بلد الزوجة المطردة إذ الأفضلية في ذلك أمر شرعي، والفقهاء في هذا الباب ينظرون للعرف أكثر من نظرهم للفضائل الشرعية) ([81])

ولم يكتف هؤلاء بحرفته فقط بل عمموا ذلك إلى حرفة آبائه فلا تزال تنزل عليه لعناتها، فلذلك قالوا: (حرفة فيه أو في أحد من آبائه وهي ما يتحرف به لطلب الرزق من الصنائع وغيرها) ([82])

وبناء على موقفهم هذا صنفوا الصناعات بحسب شرفها ودناءتها، واعتبروا في تحديد ذلك العرف، وهو ما أول به الحنفية ظاهر قول أبي حنيفة، قال في فتح القدير: (قيل: هذا اختلاف عصر وزمان في زمن أبي حنيفة لا تعد الدناءة في الحرفة منقصة فلا تعتبر، وفي زمنهما تعد فتعتبر، والحق اعتبار ذلك سواء كان هو المبني أولا، فإن الموجب هو استنقاص أهل العرف فيدور معه، وعلى هذا ينبغي أن يكون الحائك كفئا للعطار بالإسكندرية لما هناك من حسن اعتبارها وعدم عدها نقصا ألبتة، اللهم إلا أن يقترن به خساسة غيرها) ([83])

وقال الشافعية: (في الحرف لا يكافئ الكناس والحجام وقيم الحمام والحارس والراعي ونحوهم بنت الخياط والخياط لا يكافئ بنت البزاز والتاجر ولا يكافئ المحترف بنت القاضي والعالم) ([84]) وقال الروياني: ويراعى فيها عادة البلد فإن الزراعة في بعض البلاد أولى من التجارة وفي بعضها بالعكس([85]).

ومن تلك الأعراف التي كان يفتى على أساسها ما ذكره في البحر الرائق بقوله: (وينبغي أن يكون صاحب الوظائف في الأوقاف كفؤا لبنت التاجر في مصر إلا أن تكون وظيفة دنيئة عرفا كسواق وفراش ووقاد وبواب وتكون الوظائف من الحرف؛ لأنها صارت طريقا للاكتساب في مصر كالصنائع، وينبغي أن من له وظيفة تدريس أو نظر يكون كفؤا لبنت الأمير بمصر وفي القنية الحائك لا يكون كفؤا لبنت الدهقان وإن كان معسرا، وقيل هو كفء) ([86])

وبناء على هذا صنفوا الصناعات إلى شريفة ودنيئة، أما الصنائع الدنيئة، فقد عرفوها بأنها (ما دلت ملابسته على انحطاط المروءة)، ومثلوا لها بالحائك، والحجام، والحارس، والكساح، والدباغ، والقيم، والحمامي، والزبال.

ومن الصناعات الدنية التي استبشعها الفقهاء، ما يطلقون عليه بالشاكري، يقول في البحر الرائق: (وهنا جنس أخس من الكل، وهو الذي يخدم الظلمة يدعى شاكريا وتابعا وإن كان صاحب مروءة ومال فظلمه خساسة، ولا يكون كفؤا لأحد إلا لأمثالهم وهم الذين يتبعون هؤلاء المترفين) ([87])

أما الصناعات الشريفة، فقد علل الفقهاء القائلون بالكفاءة في الحرفة علو الحرفة وشرفها تارة بالنظافة، وتارة بطيب الرائحة، وتارة بزيادة الكسب كالتجارة، واعتبروا أطيب الكسب ما أكل من الجهاد، وأدناه ما أكل من الصدقات([88]). لكن الغزالي خالف ذلك بأن الأكل من الصدقات لمن يشغله التكسب عن الاشتغال بالعلم الشرعي أفضل.

4 ـ الكفاءة في المال

اختلف الفقهاء في اعتبار الكفاءة في المال على قولين([89]):

القول الأول: أن الغنى معتبر في النكاح في حق الزوج، فلا يكون الفقير كفئا للغنية، وهو مذهب الحنفية، وقول عند الشافعية ورواية عند الحنابلة ذكرها ابن قدامة([90])، في حين أن أكثر كتب الحنابلة لم يرووا غيرها في المذهب.

واختلف قول المالكية في ذلك بحسب تعدد الرواية عن مالك، فقد أتته امرأة مطلقة فقالت: إن لي ابنة في حجري موسرة مرغوبا فيها فأراد أبوها أن يزوجها من ابن أخ له فقير وفي الأمهات معدما لا مال له فترى لي في ذلك متكلما، قال: نعم إني لأرى لك متكلما، فقد اختلف في قوله (إني لأرى لك متكلما)فذكر عياض أن ذلك محمول على الإيجاب لا على النفي، ولا يصح الكلام إلا به، لأنها سألت أن لها تكلما قال نعم، ثم أعاد عليها أنه رأى لها متكلما، وذهب آخرون إلى إرادة النفي أي (إني لا أرى لك متكلما) ([91])، ونرى أن كلتا الروايتين لا يمكن الاستدلال بها على اعتبار مالك للكفاءة في المال، فباعتبار النفي لا شك في دلالتها على ذلك، أما باعتبار الإيجاب، فلأن المرأة كانت مطلقة، وكانت ابنتها في حضانتها، فلعل الزوج قصد مضارتها بذلك، فلذلك جعل لها الحق في الاعتراض.

أما الإمامية فقد عرفنا رأيهم في هذا، وهو أن العبرة بقدرة الزوج على النفقة على زوجته، بغض النظر عن حالته المادية.

ومن الأدلة التي استند إليها القائلون بهذا:

  1. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسب المال والكرم التقوى) ([92])
  2. قال صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة بنت قيس حين أخبرته أن معاوية خطبها: (أما معاوية فصعلوك لا مال له) ([93])
  3. أن التفاخر بالمال أكثر من التفاخر بغيره عادة.
  4. أن للزواج تعلقا لازما بالمهر والنفقة.
  5. أن على الموسرة ضررا في إعسار زوجها، ولهذا ملكت الفسخ بإخلاله بالنفقة.
  6. أن المهر عوض ما يملك بهذا العقد، فلا بد من القدرة عليه، وقيام الازدواج بالنفقة، فلا بد من القدرة عليها؛ ولأن من لا قدرة له على المهر، والنفقة يستحقر، ويستهان في العادة كمن له نسب دنيء، فتختل به المصالح كما تختل عند دناءة النسب([94]).
  7. العرف: لأن ذلك معدود نقصا في عرف الناس ([95])

وقد اختلف الفقهاء القائلون باعتبار الكفاءة في الغنى على حد الغنى على رأيين:

الرأي الأول: أن الغنى المعتبر في الكفاءة هو القدرة على مهر مثلها، والقدرة على النفقة، ولا تعتبر الزيادة على ذلك، حتى إن الزوج إذا كان قادرا على مهر مثلها ونفقتها يكون كفئا لها، وإن كان لا يساويها في المال، ومن لا يملك مهرا ولا نفقة فلا يكون كفئا للغنية، وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في ظاهر الروايات، وهو موافق لما ذكره القائلون باعتبار الغنى في الكفاءة من المالكية والحنابلة.

ورويت عن االحنفية حدود أخرى مؤيدة لهذ منها: أنه إذا كان قادرا على النفقة عن طريق الكسب كان كفئا، ومعناه منقول عن أبي يوسف قال: إذا كان قادرا على إيفاء ما يعجل لها باليد ويكتسب ما ينفق لها يوما بيوم كان كفئا لها. وفي غريب الرواية للسيد أبي شجاع جعل الأصح ملك نفقة شهر. وفي الذخيرة: إن كان يجد نفقتها ولا يجد نفقة نفسه فهو كفء وإلا لا يكون كفئا وإن كانت فقيرة([96]).

الرأي الثاني: أن تساوي الزوج والزوجة في الغنى شرط تحقق الكفاءة؛ لأن التفاخر يقع في الغنى عادة، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد في غير رواية الأصول.

وذكر السرخسي أن هذا قول بعض المتأخرين الذين اعتبروا الكفاءة في كثرة المال، واستدلوا بحديث عائشة رأيت ذا المال مهيبا، ورأيت ذا الفقر مهينا وقالت: إن أحساب ذوي الدنيا المال، ولكنه رد عليهم بأن الأصح عدو اعتبار ذلك، (لأن كثرة المال في الأصل مذموم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (هلك المكثرون إلا من قال بماله: هكذا وهكذا) ([97])يعني تصدق به) ([98])

القول الثاني: هو عدم اعتبار الغنى في الكفاءة، وهو قول للمالكية، وقول أكثر الشافعية ورواية عن الحنابلة([99])، قال الشيخ تقي الدين: (لم أجد نصا عن الإمام أحمد رحمه الله ببطلان النكاح لفقر أو رق) ([100])، وقد سئل ابن حجر الهيثمي عن أهل بلد يفتخرون بالأموال لا بالأنساب فهل يكون الفقير فيهم كفؤا للغنية منهم أم لا؟ فأجاب بقوله: نعم يكون فقيرهم كفؤا لموسرهم([101]).

ومن أدلتهم على ذلك:

  1. أن الفقر شرف في الدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا) ([102])
  2. أنه ليس أمرا لازما، فأشبه العافية من المرض.
  3. أنه لا يفتخر به أهل المروءات والبصائر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح بناء على ما سبق ذكره عدم اعتبار الكفاءة في الفقر والغنى، أما ما أشار به صلى الله عليه وآله وسلم على فاطمة بنت قيس، فيرجع إلى علمه صلى الله عليه وآله وسلم بحاجة فاطمة، فأخبرها بما يتناسب مع حالها، ولم يرد صلى الله عليه وآله وسلم بذلك أن يقرر حكما شرعيا.

أما الحديث الآخر الذي اعتبر الحسب المال، فقد علق عليه المناوي بقوله: (أشار بالخبر إلى أن الحسب الذي يفتخر به أبناء الدنيا اليوم المال، فقصد ذمهم بذلك حيث أعرضوا عن الأحساب الخفية ومكارم الأخلاق الدينية، ألا ترى أنه أعقبه بقوله: والكرم التقوى والتقوى تشمل المكارم الدينية والشيم المرضية التي فيها شرف الدارين)([103])

وقد دل على ذلك الرواية الأخرى وهي المفسرة للرواية السابقة، وهي: (إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه هذا المال) ([104])، قال في فيض القدير: (سماهم أهل الدنيا لشغفهم بها وطمأنينتهم إليها كما يشغف الرجل بأهله ويأنس إليهم فصاروا أهلا لها وهي لهم أهل وصارت أموالهم أحسابا لهم يفتخرون بها ويحتسبون بكثرتها عوضا عن افتخاره وعن الأحساب بأحسابهم وأعرضوا عن الافتخار بنسب المتقين)([105])

أما سائر ما استدلوا به من أدلة، فإنه لا ينتهض للاستدلال به على مثل هذا الحكم الشرعي.

لكن مع ذلك وحرصا على أهم مقصد من مقاصد الزواج، وهو الانسجام النفسي بين الزجين، فإنا نرى أن يحال ذلك للزوجة، لأنها هي المنتفعة بغناه والمتضررة بفقره، فيحال عليها، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم مبينا هذا الحق: (تقول لك زوجك: أنفق علي وإلا طلقني. ويقول لك عبدك: أنفق علي وإلا بعني. ويقول لك ابنك: أنفق علي، إلى من تكلني) ([106])

وجاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء)([107])

ويتعلق بهذه المسألة حالة كثيرا ما نراها في مجتمعاتنا، وهو الاحتيال على زواج امرأة معينة بادعاء الغنى، ولا شك في أن من فعل ذلك يعامل بخلاف مقصوده، قال ابن مفلح: (والذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها أن الرجل إذا غر المرأة بأنه ذو مال، فتزوجت على ذلك، فظهر لا شيء له، أو كان ذا مال وترك النفقة عليها، ولم تقدر على أخذ كفايتها من ماله بنفسها أو بحاكم، أن لها الفسخ، وإن تزوجته عالمة بعسرته أو كان موسرا ثم افتقر فلا فسخ لها، ولم يزل الناس تصيبهم الفاقة بعد اليسار، ولم يرفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم)([108])


([1])   من التعاريف التي عرفت بها الكفاءة: (أنها مساواة مخصوصة بين الرجل والمرأة) (البحر الرائق:3/137)، ومنها (أنها المماثلة والمقاربة في التدين والحال، أي السلامة من العيوب الموجبة للخيار) (التاج والإكليل:3/460)

([2])   البخاري: 5/2038، مسلم :2/1115.

([3])   حديث ضعيف لأن في سنده مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطأة، والحجاج مختلف فيه، ومبشر ضعيف متروك نسبه أحمد إلى الوضع، قال الدارقطني: مبشر بن عبيد متروك الحديث أحاديثه لا يتابع عليها، سنن الدارقطني:3/244، وانظر: الدراية: 2/62، التحقيق في أحاديث الخلاف: 2/270، نصب الراية: 3/196.

([4])   قال الترمذي: هذا حديث غريب، وما أرى إسناده بمتصل، سنن الترمذي:3/387، قال المناوي: وهو من رواية وهب عن سعيد مجهول، وقد ذكره ابن حبان، وجزم ابن حجر في تخريج الهداية بضعف سنده، وقال في تخريج الرافعي عنه: رواه الحاكم من هذا الوجه ،وجعل محله سعيد بن عبد الرحمن الجمحي وهو من أغاليطه الفاحشة، فيض القدير:3/310.

([5])   البيهقي: 7/133.

([6])   وقد رد على الاستشهاد بهذا الدليل أحد أئمة الحنفية بعد أن أورده، فقال: ونحن نقطع أن عدو الله لو برز للمسلمين يريد إطفاء نور الله، وهو من أكابر أنسابهم، فخرج إليهم عبد من المسلمين فقتله كان مشكورا عند الله وعند المؤمنين، ولم يزده ذلك النسب إلا بعدا، نعم الكفاءة المطلوبة هنا كفاءة الشدة، فينبغي أن يخرج إليه كفؤه فيها، لأن المقصود نصرة الدين ولو كان عبد… وإنما أجابهم a لذلك إما لعلمه بأنهم أشد من الذين خرجوا إليهم أولا أو لئلا يظن بالمطلوبين عجز أو جبن، أو دفعا لما قد يظن أهل النفاق من أنه يضن بقرابته دون الأنصار، انظر: شرح فتح القدير: 3/292.

([7])   سنن أبي داود:2/233.

([8])   مسند أحمد:5/411، شعب الإيمان:4/289.

([9])   المبسوط:5/23.

([10])   تلخيص الحبير:1/186، فيض القدير:3/310.

([11])   المغني: 7/27، تبيين الحقائق :7/128، مواهب الجليل: 3/460، حاشيتا قليوبي :3/234.

([12])   المبسوط:5/26.

([13])   المبسوط:5/26.

([14])   وهم ما عدا الإمامية فالإمامية يقصرون الولاية على الأب والجد، بل بعضهم يقصرها على الأب فقط.

([15])   بدائع الصنائع: 2/317، المغني :7/27.

([16])   سبق تخريجه.

([17])  هو ما لا يدري هل يحصل أم لا جهلت صفته أم لا، كالطير في الهواء والسمك في الماء، والفرق بينه وبين المجهول هو أنه ما علم حصوله وجهلت صفته كبيع الشخص ما في كمه، فهو يحصل قطعا لكنه لا يدري أي شيء هو، فكل واحد من الغرر والمجهول اصطلاحا أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه (فروق القرافي:3/270)

([18])   المدونة:2/141، وانظر:التاج والإكليل:5/151.

([19])   المبسوط:5/97.

([20])   التعزير مصدر عزر مأخوذ من العزر ،وهو الرد والمنع، واستعمل في الدفع عن الإنسان كدفع أعدائه عنه، وكدفعه عن إتيانه القبيح، ومنه عزره القاضي أي أدبه لئلا يعود إلى القبيح، ويكون بالقول وبالفعل بحسب اللائق. فيض القدير:6/413.

([21])   البخاري: 6/2512، مسلم:3/1332،  المستدرك: 4/410، البيهقي: 8/327، الدارقطني: 3/207، مصباح الزجاجة: 3/115، سنن ابن ماجة:2/867، الفردوس بمأثور الخطاب:5/55.

([22])   انظر حكاية الأقوال المختلفة في المسألة في: شرح النووي على مسلم: 11/221، سبل السلام: 4/37، نيل الأوطار: 7/328.

([23])   المدونة:2/212.

([24])   المبسوط :5/45.

([25])   قال المنذري: رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم: وقال صحيح الإسناد، انظر: الترغيب والترهيب: 3/25،المستدرك: 4/115، صحيح ابن حبان: 11/467، الترمذي: 3/622، ابو داود: 3/300، أحمد: 2/164.

([26])   كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه: 28/344.

([27])   شرح النووي على مسلم: 11/222.

([28])   أورد هذه الأدلة في هذا الباب، القرطبي في التفسير:16/347، تفسير ابن كثير: 4/219، التمهيد :19/163، وغيرها..

([29])   البخاري: 5/1958، ابن ماجة: 2/1379.

([30])   سبق تخريجه.

([31])   الهداية شرح البداية: 1/201، بدائع الصنائع: 2/320.

([32])   المراجع السابقة نفسها.

([33])   إعانة الطالبين: 3/354.

([34])   بدائع الصنائع: 2/319، المغني:7/27، الفتاوى الكبرى لابن تيمية:3/97، الفروع:5/190، الإنصاف :8/108، حاشية الدسوقي:2/250.

([35])   انظر هذه الآثار في: مصنف ابن أبي شيبة: 4/52، مصنف عبد الرزاق:6/152.

([36])   المبسوط:5/23.

([37])   روي مرفوعا والأصح وقفه على أسماء بنت أبي بكر ما، انظر:سنن البيهقي الكبرى:7/82، سنن سعيد بن منصور :1/191.

([38])   قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ،سنن الترمذي:4/522، سنن ابن ماجة:2/1332، مسند البزار:7/218.

([39])   المحلى: 9/151، أحكام القرآن لابن العربي:4/134،تبيين الحقائق:2/129،طرح التثريب :5/157.

([40])   نرى أن هذه الرواية عن الشافعي هي الأرجح عنده، قال ابن حجر :«إن الشافعي قال الكفاءة في الدين ،وهو كذلك في مختصر البويطي، قال الرافعي وهو خلاف مشهور،ونقل الابزي عن الربيع أن رجلا سأل الشافعي عنه، فقال أنا عربي لا تسألني عن هذا»، انظر: فتح الباري:9/133.

([41])   أحكام القرآن :ابن العربي:3/507.

([42])   المدونة:2/107.

([43])   المحلى:9/151.

([44])   الوسائل: 14 الباب 26 من أبواب مقدّمات النکاح، الحديث: 3..

([45])   فتح الباري :9/132.

([46])   مجمع الزوائد :3/266،  المعجم الكبير :18/12، شعب الإيمان:4/289.

([47])   مجمع الزوائد :8/84، المعجم الصغير:1/383، قال المنذري: رواه الطبراني في الأوسط والصغير والبيهقي مرفوعا وموقوفا وقال المحفوظ الموقوف، الترغيب والترهيب: 3/375.

([48])   مسند أحمد :2/523، شعب الإيمان:4/286.

([49])   شعب الإيمان :4/292، مسند أحمد:4/158.

([50])   مسلم :2/1115، البخاري :5/2039، سنن أبي داود: 2/287.

([51])   المنتقى: 4/107.

([52])   البخاري: 5/1957، مسلم :2/867.

([53])   البخاري :5/1958، صحبح ابن حبان: 9/345، المستدرك على الصحيحين:2/174، مسند أحمد :3/80.

([54])   صحيح ابن حبان:9/375، المستدرك:2/178، سنن أبي داود:2/233.

([55])   تبيين الحقائق :2/128.

([56])   شرح البهجة:4/124.

([57])   الجوهرة النيرة:2/11،وانظر:فتح القدير:3/298.

([58])   البحر الرائق:3/141.

([59])   تبيين الحقائق: 2/129.

([60])   شرح البهجة:4/125.

([61])   شرح النيل :6/118.

([62])   فتح القدير :3/296.

([63])   فتح الباري:9/133.

([64])   إعانة الطالبين: 3/333، حاشية البجيرمي: 3/351، حواشي الشرواني: 7/278، روضة الطالبين: 7/82، جواهر العقود: 2/9، مغني المحتاج: 3/168، حاشية ابن عابدين: 7/234، شرح فتح القدير: 3/301.

([65])   قاس بعض الشافعية على هذا حرفة الأم أيضا، قال الأذرعي:« قياسه النظر إلى حرفة الأم أيضا فإن ابن المغنية والزامرة والماشطة والحمامية ونحوهن ينبغي أن لا يكون كفؤا لمن أمها ليست كذلك لأنه نقص في العرف وعار ومأخذ هذه الخصلة العرف والعادة»، أسنى المطالب :3/137.

([66])   روي الحديث بطرق مختلفة وكلها ضعيفة أو موضوعة، قال في نصب الراية:« رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث بقية بن الوليد عن زرعة بن عبد الله الزبيدي عن عمران بن أبي الفضل الأيلي عن نافع عن بن عمر مرفوعا نحوه سواء قال بن عبد البر هذا حديث منكر موضوع، وقد روى عن بن جريج /عن بن أبي مليكة عن بن عمر مرفوعا مثله ولا يصح عن بن جريج انتهى ورواه بن حبان في كتاب الضعفاء وأعله بعمران بن أبي الفضل وقال إنه يروي الموضوعات عن الأثبات لا يحل كتب حديثه انتهى ورواه بن عدي في الكامل وأعله بعمران وأسند تضعيفه عن النسائي وابن معين ووافقهما وقال الضعف على حديثه بين انتهى وقال بن القطان قال أبو حاتم هو منكر الحديث ضعيفه جدا»نصب الراية:3/398، وانظر:فيض القدير:4/398، العلل المتناهية:2/618، الدراية تخريج أحاديث الهداية:8/63.

([67])   المغني:7/29.

([68])   الجوهرة النيرة:2/12.

([69])   السبزواري: السيد عبد الأعلى/ مهذب الأحكام ج25 ص73- 77.

([70])   بدائع الصنائع: 2/320.

([71])   المبسوط: 5/25.

([72])   البخاري: 2/535، النسائي: 2/51، الموطأ:2/998، أحمد: 2/418.

([73])   البخاري: 2/722، الترمذي: 4/328، البيهقي: 7/236، النسائي: 3/336، أحمد: 3/190.

([74])   أبو داود: 3/288، مجتبى النسائي: 7/240، ابن ماجة: 2/723، ابن حبان: 10/74، المستدرك: 2/53، البيهقي: 7/480.

([75])   قال المنذري: رواه أبو داود والبيهقي بطوله واللفظ لأبي داود وأخرج الترمذي والنسائي منه قصة بيع القدح فقط وقال الترمذي حديث حسن، الترغيب والترهيب:1/335، سنن البيهقي الكبرى: 7/25.

([76])   فتاوى الرملي :3/159.

([77])   فتاوى الرملي:3/170.

([78])   فتاوى الرملي:3/171.

([79])   فتاوى الرملي:3/176.

([80])   تحفة المحتاج:7/278.

([81])   الفتاوى الفقهية الكبرى: 4/94.

([82])   تحفة المحتاج:7/281.

([83])   فتح القدير:3/301.

([84])   أسنى المطالب :3/137.

([85])   شرح البهجة:4/125.

([86])   البحر الرائق: 3/142.

([87])   البحر الرائق:3/143.

([88])   أسنى المطالب :3/137.

([89])   المبدع: 7/54، الفروع: 5/143، الإنصاف: 8/109، المغني: 7/29، المهذب: 2/39، فتح الوهاب: 2/67، مغني المحتاج: 3/232، الهداية شرح البداية: 1/201، تبيين الحقائق :2/130، حاشية الجمل :4/168.

([90])   المغني: 7/29.

([91])   الخرشي :3/206.

([92])   قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، المستدرك:2/177 قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سلام بن أبي مطيع ،سنن الترمذي: 5/390، وانظر: مجمع الزوائد :10/251، سنن البيهقي الكبرى:7/135، المجتبى:6/64، ابن ماجة:2/1410.

([93])   مسلم: 2/1114، صحيح ابن حبان:9/356، المستدرك: 4/61.

([94])   بدائع لصنائع:2/319.

([95])   المغني :7/29.

([96])   فتح القدير:3/300.

([97])   قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير وفيه عمران بن سليمان قال فيه الأزدي يعرف وينكر، مجمع الزوائد:1/50، وانظر: أحمد: 2/309، مسند إسحق بن راهويه: 1/291.

([98])   المبسوط:5/25.

([99])   المغني :7/29، أسنى المطالب :3/39.

([100])   الإنصاف :8/108.

([101])   الفتاوى الفقهية الكبرى:4/99.

([102])   قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، المستدرك: 4/358، قال الترمذي: هذا حديث غريب: الترمذي: 4/577، سنن البيهقي الكبرى: 7/12، سنن ابن ماجة:2/1381.

([103])   فيض القدير: 3/413.

([104])   قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، المستدرك:2/177، صحيح ابن حبان: 2/474، المجتبى :6/64، أحمد:5/353.

([105])   فيض القدير: 2/416.

([106])   المنتقى لابن الجارود: 1/188، سنن البيهقي الكبرى:7/466، مسند الشافعي :1/266، سنن النسائي الكبرى:5/384.

([107])   سبق تخريجه.

([108])   الفروع:5/588.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *