الفصل الرابع: الضوابط الشرعية لاختيار الزوجين

الفصل الرابع

الضوابط الشرعية لاختيار الزوجين

أول مقدمة تنطلق منها الحياة الزوجية ـ في نظر الشرع ـ هي الاختيار الصحيح من الرجل لزوجته ومن المرأة لزوجها، ولذلك وردت النصوص الشرعية الكثيرة تحث على ضرورة الاختيار والتروي فيه، وتعطي المواصفات التي ينبغي أن يتم على أساسها الاختيار، وتبين الوسائل الشرعية التي يتم من خلالها التحقق من الاختيار في ظل الضوابط الشرعية التي تحفظ الحرمات وتسد ذرائع الفساد في المجتمع، وسنتحدث في هذا الفصل عن هذه الأركان الثلاثة لاختيار الزوجين بعضهما البعض.

أولا ـ حق الزوجين في اختيار بعضهما البعض

أعطى الشرع الحق لكل من الرجل والمرأة في اختيار الشريك المناسب، ودعا إلى إزالة كل العقبات التي تحول دون حرية الاختيار، ومن أخطرها تدخل الأهل:

فبالنسبة للرجل نص الفقهاء على أن عدم طاعة الرجل والديه في شأن الاختيار ليس من العقوق، وشبهوا ذلك بأمره بأكل ما لا يريد([1])، قال ابن مفلح الحنبلي: (ليس للوالدين إلزام الولد بنكاح من لا يريد، قال الشيخ تقي الدين: إنه ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك، وأولى، فإن أَكْلَ المكروه مرارة ساعة، وعِشْرة المكروه من الزوجين على طول، تؤذي صاحبه، ولا يمكنه فراقه)([2])

وبالنسبة للمرأة، نهى عن فرض ولي المرأة أي رجل على موليته إلا برضاها، بل ذهب بعض الفقهاء إلى أن الولي إذا زوج القاصرة أو البكر بغير كفء لها فسخه بعد البلوغ([3]).

يقول الشيخ سيد سابق: (ومهما يكن من خلاف في ولاية المرأة، فإنه يجب على الولي أن يبدأ بأخذ رأي المرأة، ويعرف رضاها قبل العقد إذ أن الزواج معاشرة دائمة، وشركه قائمة بين الرجل والمرأة، ولا يدوم الوئام ويبقى الود والانسجام ما لم يعلم رضاها، ومن ثم منع الشرع إكراه المرأة – بكراً كانت أو ثيباً – على الزواج واجبارها على من لا رغبة لها فيه، وجعل العقد عليه قبل استئذانها غير صحيح، ولها حق المطالبة بالفسخ ابطالاً لتصرفات الولي المستبد إذا عقد عليها)([4])

ومن الأدلة النصية على ذلك أن خنساء بنت خدام زوجها أبوها وهي كارهة، وكانت ثيبا فأتته صلى الله عليه وآله وسلم فرد نكاحها([5])، قال ابن عبد البر:(وهذا حديث صحيح مجتمع على صحته وعلى القول به لأن القائلين بـ (لا نكاح إلا بولي) يقولون: إن الثيب لا يزوجها وليها أبا كان أو غيره إلا بإذنها ورضاها، ومن قال ليس للولي مع الثيب أمر فهو أحرى باستعمال هذا الحديث، وكذلك الذين أجازوا النكاح بغير ولي.. ومدار هذا الحديث ومعناه الذي من أجله ورد أن الثيب لا يجوز عليها في نكاحها إلا ما ترضاه ولا أعلم مخالفا في أن الثيب لا يجوز لأبيها ولا لأحد من أوليائها إكراهها على النكاح إلا الحسن البصري فإن أبا بكر بن أبي شيبة ذكر عن الحسن أنه كان يقول نكاح الأب جائز على ابنته بكرا كانت أو ثيبا أكرهت أو لم تكره،وقال إسماعيل القاضي لا أعلم أحدا قال في الثيب بقول الحسن)([6])

ومنها ما روي عن ابن عباس أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت له أن أباها زوجها كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم)([7])، قال ابن القيم:(وهذه غير خنساء، فهما قضيتان قضى في إحداهما بتخيير الثيب،وقضى في الأخرى بتخيير البكر)([8])

ومنها النصوص المبينة علامة الإذن، ومنها:

  1. ([9])
  2. ([10])
  3. ([11]).
  4. ([12])

ومع صراحة هذه الأحاديث فقد اختلف الفقهاء في حق الولي في إجبار موليته على الزواج على ستة أقوال ذكرها ابن القيم هي:

وقد رد ابن القيم على هذه الأقوال جميعا، فقال بعد سرده لبعض الأحاديث الواردة في هذا الباب:(وموجب هذا الحكم أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح ولا تزوج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه وهو القول الذي ندين به ولا نعتقد سواه وهو الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمره ونهيه وقواعد شريعته أمته)([13])

ثم بين وجه ترجيحه لهذا القول بالوجوه التالية:

  1. ([14])،فإنه قد روي مسندا ومرسلا، ومن وصله مقدم على من أرسله كما هو تصرف الفقهاء في غالب الأحاديث، ثم إنه مرسل قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة والقياس وقواعد الشرع كما سنذكره فيتعين به.

ومما يتذرع به من يقول بجبر البكر على الزواج أنه صلى الله عليه وآله وسلم حكم بالفرق بين البكر والثيب كما مر في الأحاديث السابقة من جهتين:

وقد أجاب ابن القيم على هذه الشبهة بأنه ليس في ذلك ما يدل على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها وعقلها وأن يزوجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفئا.

أما الأحاديث التي احتجوا بها فقد أجاب عنها بقوله:(والأحاديث التي احتججتم بها في إبطال هذا القول وليس معكم أقوى من قوله صلى الله عليه وآله وسلم :(الأيم أحق بنفسها من وليها)، وهذا يدل بطريق المفهوم، ومنازعوكم ينازعونكم في كونه حجة، ولو سلم أنه حجة فلا يجوز على المنطوق الصريح، وهذا إنما يدل إذا قلت إن للمفهوم عموما، والصواب لا عموم له، إذ دلالته ترجع أن التخصيص بالمذكور لا بد له من فائدة، وهي نفي الحكم عما عداه)([15])

1 ـ الإكراه على الزواج وأحكامه:

اتفق الفقهاء على حرمة الإكراه على الزواج وإرغام الغير عليه بدون رضاه، لما يترتب على ذلك من المفاسد، واختلفوا في أثر هذا الحكم، هل يصح نكاح المكره أم لا؟ على قولين:

القول الأول: يصح نكاح المكره([16])، وهو قول الحنفية، قال السرخسي:(ولو أكره بوعيد قتل، أو حبس حتى تزوج امرأة على عشرة آلاف درهم، ومهر مثلها ألف درهم جاز النكاح)([17])

وقد نصوا على أن الزوج إن كان كفؤا لها ثبت لها الخيار، لما يلحقها من الضرر بنقصان حقها عن صداق مثلها، والزوج متمكن من إزالة هذا الضرر بأن يلتزم لها كمال مهر مثلها، فإن التزم ذلك فالنكاح بينهما لازم، وإن أبى، فرق بينهما، ولا شيء لها إن لم يكن دخل بها، وإن كان دخل بها مكرهة، فلها تمام مهر مثلها لانعدام الرضا منها بالنقصان، ولا خيار لها بعد ذلك، لأن الضرر اندفع حين استحقت كمال مهر مثلها، ومن الأدلة على ذلك:

أما إن حصل الإكراه من المرأة للرجل فقد نص على ذلك السرخسي بقوله:(ولو أن المرأة هي التي أكرهت ببعض ما ذكرنا على أن تزوج نفسها منه بألف، ومهر مثلها عشرة آلاف فزوجها أولياؤها مكرهين، فالنكاح جائز، ولا ضمان على المكره فيه)([18])

القول الثاني: عدم صحة زواج المكره، وهو قول الجمهور، قال ابن بطال:(ذهب الجمهور إلى بطلان نكاح المكره)، قال سحنون:(أجمع أصحابنا على إبطال نكاح المكره والمكرهة وقالوا لا يجوز المقام عليه لأنه لم ينعقد)([19])، وفي المدونة:(قلت: أرأيت طلاق المكره ومخالعته قال: مالك: لا يجوز طلاق المكره فمخالعته مثل ذلك عندي قلت: وكذلك نكاح المكره وعتق المكره لا يجوز في قول مالك قال: نعم، كذلك قال مالك)([20])

وقد نص على هذا غير المالكية، واستدلوا على ذلك بما سبق من النصوص في وجوب الاستئذان.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على ما سبق من أدلة، وهو الأوفق بمقاصد الشريعة، ونعجب هنا من أصحاب القول الأول من تشددهم في الحقوق المالية للزوجة، وتساهلهم في حق حريتها التي كفلها لها الشرع، مع أن المراد من المهر في الشرع لا يعدو أن يكون رمزا وهدية يتقرب بها الزوج لزوجته، ولكنهم في هذا المحل وغيره كما سنرى يتعاملون معه على أساس أنه عوض، وللمسألة محلها من التفصيل في الفصل الخاص بأحكام المهر.

2 ـ الصفات الأساسية للزوجة:

إن الصفة الأساسية التي رغب الشرع في مراعاتها أثناء الاختيار هي الدين والخلق لأن الأسرة المسلمة السعيدة ترتبط بصلاح كل من الرجل وزوجته في دينهما وخلقهما.

ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون القصد الأول من الزواج هو مجرد الحسن أو المال وذكر العواقب الوخيمة لذلك فقال: (لا تتزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تتزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، فلأمة خرقاء سوداء ذات دين أفضل)([21])

وعندما ذكر صلى الله عليه وآله وسلم صفات المرأة التي تعتبرها الأعراف والأذواق ذكر الدين باعتباره الصفة الأساسية والدائمة ودعا إلى الظفر بها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم :(تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك.)([22])

بل إنه اعتبر المرأة الصالحة بما توفره لزوجها من راحة وسعادة من خير متاع الدنيا فقال صلى الله عليه وآله وسلم)إن الدنيا كلها متاع([23]) وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة)([24])

قال العلماء: فيه إيماء إلى أنها أطيب حلال في الدنيا لأنه تعالى زين الدنيا بسبعة أشياء ذكرها بقوله:{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآب}(آل عمران:14)، وتلك السبعة هي ملاذها وغاية آمال طلابها وأعمها زينة وأعظمها شهوة النساء، لأنها تحفظ زوجها عن الحرام وتعينه على القيام بالأمور الدنيوية والدينية، وكل لذة أعانت على لذات الآخرة فهي محبوبة مرضية لله فصاحبها يلتذ بها من جهة تنعمه وقرة عينه بها ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربه وإيصاله إلى لذة أكمل منها، وقد قيدها صلى الله عليه وآله وسلم بالصالحة إيذانا بأنها شر المتاع لو لم تكن صالحة([25]).

واعتبرها صلى الله عليه وآله وسلم بديلا عن الذهب والفضة والأموال التي كان يحرص عليها الناس، فقد روي أنه لَمَّا نَزَلَ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ مَا نَزَلَ قَالُ الصحابة :(فَأَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ فَأَوْضَعَ عَلَى بَعِيرِهِ فَأَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَنَا فِي أَثَرِهِ فَقَال:َ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ فَقَالَ:(لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا وَلِسَانًا ذَاكِرًا وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ)([26])،وعلل سر ذلك في رواية أبى داود بقوله:(ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته)([27])

وأول صفات المؤمن التي تجعله يشعر بالسعادة لثقته فيها هو عفافها، ولهذا لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال إن امرأتي لا تمنع يد لامس فقال:(غربها إن شئت)قال: إني أخاف أن تتبعها نفسي قال:(استمتع بها)([28])

ونهى نهيا شديدا أن تزوج المرأة للفاسق الذي يرتد فسقه على الذي زوجها منه فيقطع رحمها فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها)([29])

ودعا في مقابل ذلك إلى تزويجها لمن يرضى دينه وخلقه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم :(إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)([30])

وقد تكلم الفقهاء عن الذي يختار امرأة لا تصلي وترددوا في أفضليتها على الكتابية، وقد رجح بعضهم الكتابية للإجماع على صحة نكاحها، ولبطلان نكاح تاركة الصلاة لردتها عند من يرى الكفر بترك الصلاة ([31]).

وقد اتفق الفقهاء مع ذلك على عدم اعتبار المعاصي مهما كانت سببا لحرمة الزواج أو القول بفسخه إلا في الزنا، فقد اختلفوا في حكم زواج العفيف بالزانية([32])، أو العفيفة بالزاني على قولين:

القول الأول: إذا زنت المرأة لم يحل ـ لمن يعلم ذلك ـ زواجها إلا بعد انقضاء عدتها، وتوبتها من الزنا، وهو مذهب الحنابلة والظاهرية([33]) والمشهور من مذهب الإمامية([34])، ومن أدلتهم على ذلك:

  1. قول الله تعالى: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (النور: 3)
  2. قول الله تعالى: { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} (المائدة:5). واستدلوا بالآية من وجهين:

الوجه الأول: أن المحصنات هن العفيفات، كما قال الشعبي، والحسن والنخعي والضحاك، والسدي، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ}(التحريم:12)وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(النور:23)}

الوجه الثاني: أن المحصنات هن الحرائر على ما قال ابن عباس، لأن عادة العرب أن الحرة عندهم لا تعرف بالزنا، وإنما تعرف بالزنا الإماء ولهذا لما بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم هند امرأة أبي سفيان على أن لا تزني قالت: أوتزني الحرة؟)([35])

  • قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله)([36])، قال الصنعاني:(الحديث دليل على أنه يحرم على المرأة أن تزوج بمن ظهر زناه، ولعل الوصف بالمجلود بناء على الأغلب في حق من ظهر منه الزنى، وكذلك الرجل يحرم عليه أن يتزوج بالزانية التي ظهر زناها)([37])
  • قوله صلى الله عليه وآله وسلم :(ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة والديوث وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن على الخمر والمنان بما أعطى)([38]) والذي يتزوج بامرأة زانية مصرة على زناها لا شك في دياثته، والوعيد بعدم دخوله الجنة دليل على التحريم.
  • أما بالنسبة لجواز الزواج بها بعد التوبة، فلأنها تخرج بالتوبة عن هذه الصفة الشنيعة كما يدل عليه قولـه تعالى: {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } وجملة من الروايات المعتبرة التي يستفاد منها أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، مضافاً إلى دلالة جملة من الروايات الصحيحة صريحاً على جواز التزوج حتى بالمشهورة بالزنا في فرض التوبة.

القول الثاني: كراهة الزواج من زانية أو زواج المرأة بزان، وهو قول جمهور الفقهاء([39])، وتنتفي الكراهة عندهم إذا أقيم عليها الحد لأن الحدود جوابر، أو من يتكلم فيها وليست مشهورة بذلك، واستدلوا على ذلك بأن الحرام لا يحرم الحلال، قال الشافعي: (ليست معصية واحد منهما في نفسه تحرم عليه الحلال إذا أتاه)([40])

أما ما ستدل به المخالفون من قوله تعالى { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}(النور:3)} فإنه لا يدل على حرمة الزواج بالزانية من وجهين:

الوجه الأول: أن الآية خاصة وليست عامة،وقد اختلف فيمن خصت، فقيل:نزلت في امرأة خاصة كما قال الخطابي، أو أنها نزلت في رجل من المسلمين، فتكون خاصة به قاله مجاهد، أو أنها نزلت في أهل الصفة، فتكون خاصة بهم قاله أبو صالح

ومن الروايات المنقولة في سبب نزولها: أنه كان رجل من المسلمين يقال له مرثد، يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وذكر قصة وفيها: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً؟ فلم يرد علي شيئاً حتى نزلت { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين}(النور:3)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(يا مرثد الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين، فلا تنكحها)([41])

وفي رواية أخرى أنها نزلت في نساء معلومات، فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك، وفي رواية عن ابن عباس: أنها نزلت في بغايا معلنات كن في الجاهلية وكن زواني مشركات، فحرم الله نكاحهن على المؤمنين.

وعن شعبة مولى ابن عباس قال: كنت مع ابن عباس فأتاه رجل فقال: إني كنت أتبع امرأة فأصبت منها ما حرم الله علي، وقد رزقني الله منها توبة فأردت أن أتزوجها، فقال الناس: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فقال ابن عباس: ليس هذا موضع هذه الآية، إنما كن نساء بغايا متعالنات يجعلن على أبوابهن رايات يأتيهن الناس يعرفن بذلك، فأنزل الله هذه الآية، تزوجها فما كان فيها من إثم فعلي.

الوجه الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى:{ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ}(النور:32)، قال النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء.

الوجه الثالث: أنها إخبار عن أمر واقع بأن الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، وأن الزانية لا يزني بها إلا زان أو مشرك، وأنه لابد في تحقق هذا الفعل الشنيع من شخصين من سنخ واحد، فيكون مدلولها مدلول المثل المعروف: إن الطيور على أمثالها تقع. فهي غير ناظرة إلى التزوج بالمرة والمراد بالنكاح فيها إنما هو نفس فعل الزنا، ومما يدل على ذلك استثناء نكاح الزاني من المشركة، ونكاح الزانية من المشرك، والحال أن الزواج في هذين الموردين باطل بإجماع المسلمين([42]).

الوجه الرابع: تأويل لفظ النكاح بحمله على الجماع، فعن ابن عباس في قوله: { الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً }(النور:3)قال: ليس هذا بالنكاح، ولكن الجماع، لا يزني بها حين يزني إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين، يعني الزنا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو حرمة زواج المسلم العفيف بالزانية المصرة للاعتبارات التالية:

أولا: تعارض ذلك مع مقاصد الزواج، لأن من مقاصد الزواج تكوين أسرة مسلمة، ومثل هذا الزواج لا ينجر عنه سوى تكوين أسرة منحرفة.

ثانيا: صراحة الآية الدالة على حرمة ذلك، أما ما ذكره المخالفون من توجيه الآية وتأويلها فالرد عليه كما يلي:

على الوجه الأول: أن الآية ـ وإن كانت خاصة بسبب نزولها ـ فإنها عامة بحكمها، وإلا انتفت دلالتها أو انحصرت فيما لا يفيد معنى عمليا، وهو يتنافى مع الدلالة العامة للقرآن الكريم، وعلى اعتبار خصوصها، لماذا تحرم على مرثد وأهل الصفة أو غيرهم ممن قيل بخصوصيتها بهم ثم لا تحرم على غيرهم؟ ثم ما هو النص النبوي أو الدلالة القرآنية الدالة على التخصيص؟

أما على الوجه الثاني فإنه لا تعارض بين الآيتين حتى تحمل إحداهما على النسخ.

أما على الوجه الثالث، فهو محتمل، ومع ذلك تنتفي الدلالة العملية للآية بحصرها في الدلالة الخبرية، مع أن سورة النور نفسها أنزلت لبيان الأحكام الشرعية بدلالة مطلعها، كما قال تعالى:{ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون}(النور:1)، فالسورة نزلت لتنظيم الناحية الجنسية في المجتمع المسلم،وهو يقتضي بيان الأحكام المتعلقة بهذه الجوانب.

أما على الوجه الرابع فإن الأصل في المصطلح الشرعي أن يبقى على إطلاقه ودلالته الشرعية لا الدلالة اللغوية التي تحيله مرنا سهلا للتفلت من تكاليفه.

ثالثا: أن في المنع من تزويج الزناة والزواني من أهل العفة سد لذريعة الفساد في المجتمع بتبيين كرامة أهل العفة والصلاح.

هذا إن كان الزوج عفيفا، أما إن كان هو الآخر زان، فإنه يمكنه الزواج من التي زنى بها من غير كراهة، بل قد يصبح ذلك واجبا، لتصدق توبته، وقد روي في ذلك عن الإمام جعفر الصادق أنه سئل عن رجل فجر بامرأة، ثم بدا له أن يتزوجها؟ فقال: (حلال، أوّلـه سفاح وآخره نكاح، أوّلـه حرام وآخره حلال)([43])، وفي رواية أخرى: (لو أن رجلاً فجر بامرأة ثم تابا فتزوجها لم يكن عليه شيء من ذلك)

وسنعرض للمسألة بتفاصيلها والخلاف الوارد فيها في محلها من هذه السلسلة.

3 ـ الصفات الثانوية للزوجة:

ذكرت النصوص الشرعية بالإضافة إلى الصفات الأصلية التي هي الدين والخلق صفات أخرى اعتبرناها ثانوية([44]) باعتبارها في الدرجة الثانية بعد الصلاح والتقوى، ولكنها مع ذلك قد تتوقف عليها الكثير منها المقاصد الشرعية من الحياة الزوجية.

وقد رتب الفقهاء الصفات التي تختار من أجلها الزوجة في حال تعارضها فقالوا:(لو تعارضت تلك الصفات فالأوجه تقديم ذات الدين مطلقا ثم العقل وحسن الخلق ثم النسب ثم البكارة ثم الولادة ثم الجمال ثم ما المصلحة فيه أظهر بحسب اجتهاده)([45])

وسنفصل الحديث عن هذه الصفات فيما يلي:

البكر:

وهي التي لم يسبق لها الزواج، وهي صفة مستحبة في حق من يصلح لها خلافا للشيخ الكبير الذي لا يستطيع أن يعفها، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لجابر: أتزوجت يا جابر؟ قال: قلت: نعم قال: بكرا أم ثيبا؟ قال: قلت: بل ثيبا قال: فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟)([46])

وعلل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بقوله:(عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواها([47])وأنقى أرحاما)([48])، وفي رواية :(وأنتق أرحاما([49]) وأرضى باليسير([50])

والسر في هذا الترغيب أن من مقاصد الشرع الإعفاف، وهو لا يحصل إلا مع من يرغب فيها الطبع السليم، ومن العلل التي ذكرها الفقهاء لهذا الترغيب:(أنها ألذ استمتاعا وأطيب نكهة وأرغب في الاستمتاع الذي هو مقصود النكاح وأحسن عشرة وأفكه محادثة وأجمل منظرا وألين ملمسا وأقرب إلى أن يعودها زوجها الأخلاق التي يرتضيها)([51])

ونرى في هذا التعليل ازدواج المقصود الشرعي مع الطبيعة السليمة، لأن الشرع لم يأت لمنازعة الطبيعة وإنما لإصلاحها.

الثيب التي يحتاج إليها:

يستحب اختيار الثيب إذا كان له إليها حاجة كتربية أولاد أو كبر سن أو قيام على أسرة كما استصوبه صلى الله عليه وآله وسلم من جابر عندما قال له :(هل نكحت؟ قلت: نعم، قال: أبكرا أم ثيبا؟ قلت: ثيب، قال: فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك، قلت: يا رسول الله قتل أبي يوم أحد وترك تسع بنات، فكرهت أن أجمع إليهن خرقاء مثلهن ولكن امرأة تمشطهن وتقوم عليهن قال: أصبت)([52])فقوله: أصبت يدل على الاستحباب([53]).

الولود:

يستحب أن تكون الزوجة من نساء يعرفن بكثرة الولادة، لأن من مقاصد الزواج الأساسية تكثير نسل هذه الأمة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:(تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)([54])، ونلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع في هذا الحديث بين الود، وهو حسن الخلق الذي يثمر التربية الحسنة للأولاد، مع كثرة الولادة ليدل على ضرورة الجمع بين كثرة الأولاد والتربية الحسنة، فإن تعارض أحدهما مع الآخر قدمت التربية، فتستحب قلة الأولاد إن خشي عليهم الانحراف في حال الكثرة، ويدل عليه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علل ذلك بمكاثرته بهم يوم القيامة وهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يكاثر ويباهي إلا بالخيرين من أمته، أما الفسقة والمنحرفين فلا فضل في المكاثرة بهم.

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يحث أصحابه على ذلك،وينهاهم عن العقيم فقد جاءه رجل فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب، إلا أنها لا تلد، أفأتزوجها؟ فنهاه، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم)([55])، وجاءه رجل آخر فقال: يا رسول الله إني أصبت امرأة ذات حسن وجمال وحسب ومنصب ومال إلا أنها لا تلد أفأتزوجها؟ فنهاه، ثم أتاه الثانية فقال له مثل ذلك، ثم أتاه الثالثة، فقال :(تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)([56])

ويظهر من هذه النصوص أن النهي عن زواج العقيم ليس من باب التشريع، وإنما هو من باب المشورة، وإلا فإنه لا خلاف في صحة الزواج من العقيم، بل ويستحب ذلك إن كانت امرأة صالحة، وقصد من زواجه منها تحصينها، خاصة مع تشريع تعدد الزوجات، لأن من أغراضه ومقاصده الأصلية تزويج ذوي الحاجة من النساء.

الجميلة:

لأن من مقاصد الزواج الأساسية حصول العفة، وهي قد لا تحصل إلا مع الجميلة التي تسكن لها النفس ويميل إليها الطبع ويرضاها الذوق، ولأجل مراعاة الجمال شرع النظر قبل الزواج، والمراد بالجمال (الوصف القائم بالذات المستحسن عند ذوي الطباع السليمة)([57])، وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأذواق والأعراف، ولهذا شرع النظر الشخصي، وقد سئل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: أي النساء خير؟ فقال:(التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا في ماله بما يكره)([58])

ويعتبر صلى الله عليه وآله وسلم من أعظم الفوائد التي يستفيدها المؤمن في حياته بعد إسلامه المرأة الجميلة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه، امرأة جميلة، تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها)([59])

وسر ذلك هو أن المقصود من الزواج زيادة على الغرض الديني تحقيق الغرض النفسي المباح الذي يحصن المؤمن عن الحرام.

ولكنه مع ذلك تكره المبالغة في طلب الجمال والتدقيق في أوصافه لأن ذات الجمال البارع (تزهو به وتتطلع إليها أعين الفجرة)([60])، وقد قال الإمام أحمد لبعض أصحابه :(ولا تغال في المليحة فإنها قل أن تسلم لك)([61])

وخشية من رد المرأة مع تدينها استحب الإمام أحمد أن يسأل أولا عن جمال المرأة، فقال: إذا خطب الرجل امرأة سأل عن جمالها أولا، فإن حمد سأل عن دينها، فإن حمد تزوج، وإن لم يحمد يكون ردا لأجل الدين، ولا يسأل أولا عن الدين، فإن حمد سأل عن الجمال، فإن لم يحمد ردها للجمال لا للدين([62]).

وهذا لأن التدين صفة أساسية بخلاف الجمال فهو صفة عرضية سرعان ما تزول، ويروي الإمامية في ذلك عن علي قوله :(إذا تزوج الرجل المرأة، لجمالها أو لمالها وكل إلى ذلك، وإذا تزوجها، لدينها رزقه الله المال والجمال)([63])

واستحباب هذه الصفة خاص بمن يخاف عدم التحصن بغيرها، فالجمال ليس مطلوبا لذاته، أما من تحصنه أي امرأة فلا حرج عليه أن يتزوج الدميمة، بل هو إلى الزهد أقرب، كما قال الغزالي :(أما من أراد من الزوجة مجرد السنة أو الولد أو تدبـير المنزل، فلو رغب عن الجمال فهو إلى الزهد أقرب لأنه على الجملة باب من الدنيا، وإن كان قد يعين على الدين في حق بعض الأشخاص)([64])

ومن الأخبار التي ذكرها عن السلف في ذلك قول أبي سليمان الداراني:(الزهد في كل شيء حتى في المرأة، يتزوج الرجل العجوز إيثاراً للزهد في الدنيا)وقد كان مالك بن دينار يقول:(يترك أحدكم أن يتزوج يتيمة فيؤجر فيها إن أطعمها وكساها تكون خفيفة المؤنة ترضى باليسير، ويتزوّج بنت فلان وفلان يعني أبناء الدنيا فتشتهي عليه الشهوات وتقول: اكسني كذا وكذا)واختار أحمد ابن حنبل عوراء على أختها وكانت جميلة، فسأل: من أعقلهما؟ فقيل: العوراء، فقال: زوّجوني إياها.

وعقب على هذه الآثار بقوله:(فهذا دأب من لم يقصد التمتع، فأما من لا يأمن على دينه ما لم يكن له مستمتع فليطلب الجمال، فالتلذذ بالمباح حصن للدين)([65])

وقد قيل: إذا كانت المرأة حسناء خيرة الأخلاق سوداء الحدقة والشعر كبـيرة العين بـيضاء اللون محبة لزوجها قاصرة الطرف عليه فهي على صورة الحور العين، فإن الله تعالى وصف نساء أهل الجنة بهذه الصفة في قوله: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ}(الرحمن:70)أراد بالخيرات حسنات الأخلاق، وفيه قوله تعالى:{ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}(الرحمن:56)

ويذكر الكثير من الفقهاء صفات الجميلة،ومنها مثلا :(أن لا تكون شقراء)، ثم يفسرون الشقراء بأنها (بياض ناصع يخالطه نقط في الوجه لونها غير لونه)([66]) ويؤكد ذلك آخر ويبرهن عليه بـ (أمر الشافعي الربيع أن يرد الغلام الأشقر الذي اشتراه له، وقال ما لقيت من أشقر خيرا قط، وقصته مع الأشقر الذي أضافه في عوده من اليمن مشهورة)([67])، وهو مما نرى لزوم تنزيه كتب الفقه عن مثله لاعتبارين:

  1. أن الجمال أمر ذوقي يختلف باختلاف الناس وطبائعهم.
  2. خشية الاعتقاد أن هذا من أحكام الشريعة، وهو مما يسيء إليها، بل الشريعة على مخالفة ذلك فالله تعالى لا ينظر إلى صورنا وأجسامنا وإنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا.

العاقلة:

والفرق بين العقل والدين أن العقل هو حسن التصرف، وتقابله الحماقة والبلاهة، بخلاف الدين الذي يقابه الفجور والفسق، والعقل مما تقتضيه الحياة الزوجية، وقد قال في ذلك الفقهاء:(ويجتنب الحمقاء، لأن النكاح يراد للعشرة، ولا تصلح العشرة مع الحمقاء ولا يطيب العيش معها، وربما تعدى ذلك إلى ولدها. وقد قيل: اجتنبوا الحمقاء، فإن ولدها ضياع، وصحبتها بلاء)([68])، ولهذا يستحب أن تكون سنها تتناسب مع قدرتها على القيام بمقتضيات الزواج.

الراضية:

وهي المرأة القانعة بالقليل، الراضية بما يأتيها من زوجها، وهذه الصفة غالبا ما تكون طبعا لا تطبعا، فلذلك ورد في الرواية أن إبراهيم u أمر ابنه إسماعيل u بطلاق زوجته غير الراضية بمعيشته، وورد فيها أن إسماعيل u لبى رغبة أبيه وتزوج من المرأة الثانية القانعة بمعيشة زوجها.

فقد ورد في حديث إسماعيل u الطويل وقصته بعد عودة أبيه:(وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه،فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر نحن في ضيق وشدة،فشكت إليه قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال: فهل أوصاك بشيء قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها)

ثم ذكر زواجه من امرأة أخرى، والفرق بينها وبين المرأة الأولى فقال:(فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله فقال: ما طعامكم قالت: اللحم قال: فما شرابكم قالت: الماء قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال: فأوصاك بشيء قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك)([69])

وهذا الرضى هو الذي جعلها تحسن لقيا إبراهيم u ومخاطبته، ففي رواية: فقالت: انزل رحمك الله فاطعم واشرب قال: إني لا أستطيع النزول قالت: فإني أراك أشعث أفلا أغسل رأسك وأدهنه؟ قال: بلى إن شئت فجاءته بالمقام وهو يومئذ أبيض مثل المهاة، وكان في بيت إسماعيل ملقى فوضع قدمه اليمني وقدم إليها شق رأسه وهو على دابته فغسلت شق رأسه الأيمن، فلما فرغ حولت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى وقدم إليها برأسه، فغسلت شق رأسه الأيسر، فالأثر الذي في المقام من ذلك ظاهر فيه موضع العقب والإصبع([70]).

ولأجل مراعاة هذه الصفة الخطيرة ورد التخيير القرآني لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:28)، يقول سيد قطب تعليقا على هذه الآية:(لكن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كن نساء، من البشر، لهن مشاعر البشر وعلى فضلهن وكرامتهن وقربهن من ينابيع النبوة الكريمة، فإن الرغبة الطبيعية في متاع الحياة ظلت حية في نفوسهن. فلما أن رأين السعة والرخاء بعدما أفاض الله على رسوله وعلى المؤمنين راجعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر النفقة. فلم يستقبل هذه المراجعة بالترحيب، إنما استقبلها بالأسى وعدم الرضى ؛ إذ كانت نفسه صلى الله عليه وآله وسلم ترغب في أن تعيش فيما اختاره لها من طلاقة وارتفاع ورضى ؛ متجردة من الانشغال بمثل ذلك الأمر والاحتفال به أدنى احتفال ؛ وأن تظل حياته وحياة من يلوذون به على ذلك الأفق السامي الوضيء المبرأ من كل ظل لهذه الدنيا وأوشابها لا بوصفه حلالا وحراما – فقد تبين الحلال والحرام – ولكن من ناحية التحرر والانطلاق والفكاك من هواتف هذه الأرض الرخيصة)([71])

ويعلق عليها العلامة ناصر مكارم الشيرازي مبينا بعض أبعادها العملية بقوله: (لقد جمعت هذه الآية كلّ اُسس الإيمان وسلوكيات المؤمن، فمن جهة عنصر الإيمان والإعتقاد بالله والرّسول واليوم الآخر، ومن جهة اُخرى البرنامج العملي وكون الإنسان في صفّ المحسنين والمحسنات، وبناءً على هذا فإنّ إظهار عشق الله وحبّه، والتعلّق بالنّبي واليوم الآخر لا يكفي لوحده، بل يجب أن تنسجم البرامج العملية مع هذا الحبّ والعشق.. وبهذا فقد بيّن الله سبحانه تكليف نساء النّبي وواجبهنّ في أن يكنّ قدوة واُسوة للمؤمنات على الدوام، فإن هنّ تحلين بالزهد وعدم الإهتمام بزخارف الدنيا وزينتها، وإهتممن بالإيمان والعمل الصالح وتسامي الروح، فإنّهن يبقين أزواجاً للنبي ويستحقّنّ هذا الفخر، وإلاّ فعليهنّ مفارقته والبون منه.. ومع أنّ المخاطب في هذه الآية هو نساء النّبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أنّ محتوى الآيات ونتيجتها تشمل الجميع، وخاصّة من كان في مقام قيادة الناس وإمامتهم واُسوة لهم، فإنّ هؤلاء على مفترق الطرق دائماً، فإمّا أن يستغلّوا المنصب الظاهري للوصول إلى الحياة المادية المرفّهة، أو البقاء على حرمانهم لنوال رضى الله سبحانه وهداية خلقه)([72])

الحسيبة:

والمراد به الحسب الديني الذي هو الدين والخلق لا الحسب الدنيوي من المال والجاه العاري عن التدين، وتحقيقها بالنظر إلى أهلها في هذه النواحي وكان يقال:(إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلى أبيها وأخيها)([73])

وقد علل ذلك صلى الله عليه وآله وسلم بقوله :(إياكم وخضر الدمن. قالوا: يا رسول الله وما خضر الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء)([74])، ودعا إلى الزواج من الأكفاء بقوله:(تخيروا لنطفكم، وانكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم)([75])

الأجنبية:

والمراد بها غير القرابة القريبة لتأثير ذلك على صحة الأولاد خاصة في العائلات التي تحمل أمراضا وراثية خطيرة([76])، وقد أشكلت كراهة هذا بتزوج علي بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأجاب الشمس البرماوي كما نقل عنه السبكي (بأنها ليست قرابة قريبة إذ هي التي أول درجات الحل كبنت العم والعمة والخال والخالة بخلاف التي في ثاني درجاته فإنها بعيدة كفاطمة رضي الله تعالى عنها فإنها بنت ابن عم علي )([77])

ومن العلل التي ذكرها الفقهاء لكراهة الزواج بالقريبة، وهو مما يتعلق بمقاصد الزواج (اتصال القبائل لأجل التعاضد والمعاونة واجتماع الكلمة)([78])

ومن العلل التي ذكروها:(أنه لا تؤمن العداوة في النكاح، وإفضاؤه إلى الطلاق، فإذا كان في قرابته أفضى إلى قطيعة الرحم المأمور بصلتها)([79])

ومن العلل التي ذكرها الغزالي (تأثيره في تضعيف الشهوة، فإن الشهوة إنما تنبعث بقوة الإحساس بالنظر واللمس وإنما يقوى الإحساس بالأمر الغريب الجديد، فأما المعهود الذي دام النظر إليه مدّة فإنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به ولا تنبعث به الشهوة)([80])

أما الحديث الذي يرى في هذا وهو (لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يخلق ضاويا)فقد قال فيه ابن الصلاح :(ولم أجد لهذا الحديث أصلا معتمدا)، ومن ثم عقب عليه السبكي بقوله :(فينبغي أن لا يثبت هذا الحكم لعدم الدليل. وقد زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا بفاطمة رضي الله تعالى عنهما، وهي قرابة قريبة)([81])

ولكنه مع ذلك نرى ثبوت كراهة القرابة القريبة خاصة إذا انضم إليها المخاطر الصحية التي تصيب الأولاد نتيجة لها.

خفيفة المهر:

لارتباط ذلك ببركتها، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم :(أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا)([82])، وقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث بـيت وكان رحى يد وجرّة ووسادة من أدم حشوها ليف، وأولم على بعض نسائه بمدين من شعير وعلى أخرى بمدّين من تمر ومدّين من سويق.

وكما تكره المغالاة في المهر من جهة المرأة يكره السؤال عن مالها من جهة الرجل، ولا ينبغي أن ينكح طمعاً في المال، قال الثوري: إذا تزوج وقال: أي شيء للمرأة؟ فاعلم أنه لص.

أن تكون محبوبة له:

فيستحب أن يقدم في الاختيار التي هواها أو مال إليها قلبه إذا كانت صالحة على غيرها، قال ابن الجوزي: ومن ابتلي بالهوى، فأراد التزوج: فليجتهد في نكاح التي ابتلي بها إن صح ذلك وجاز وإلا فليتخير ما يظنه مثلها)([83])

ونحب أن نفصل هنا في هذه المسألة لشدة الحاجة إليها، فكثير من الناس يسألون عن الحب، وحكمه، ويمكن تقسيم الحب المتعلق بهذه الناحية، وبحسب حكمه الشرعي إلى ثلاثة أقسام:

الحب المستحب: وهو حب الرجل لزوجته([84])، وهو قربة وطاعة لأنه أدعي إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح وأكف للبصر والقلب عن التطلع إلى غير أهله، ولهذا يحمد هذا المحب عند الله وعند الناس، ويعتبر ذلك من علامة كمال المؤمن.

ومن الأدلة على ذلك أن الله تعالى من بها على عباده فقال: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون}(الروم:21)الآية، فجعل المرأة سكنا للرجل يسكن إليه قلبه، وجعل بينهما خالص الحب وهو المودة المقترنة بالرحمة، وقد قال تعالى عقب ذكره ما أحل لنا من النساء وما حرم منهن:{ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(النساء:26)إلى قوله {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} (النساء:28)

ويخطئ بعض الناس في الاستدلال هنا بقصة زينب بنت جحش، والذي تدل عليه الروايات الصحيحة، ويتناسب مع العصمة أن زيدا كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه، وكان يستشير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فراقها وهو يأمره بإمساكها فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سيفارقها ولا بد، فأخفى في نفسه أن يتزوجها إذا فارقها زيد، وخشي مقالة الناس أن رسول الله تزوج زوجة ابنه، لأنه كان قد تبني زيد قبل النبوة والله تعالى يريد أن يشرع شرعا عاما فيه مصالح عباده فلما طلقها زيد وانقضت عدتها منه أرسله إليها يخطبها لنفسه، فجاء زيد واستدبر الباب بظهره، وعظمت في صدره لما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فناداها من وراء الباب: يا زينب إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطبك، فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، وقامت إلى محرابها فصلت، فتولى الله عز جل نكاحها من رسوله بنفسه، وعقد النكاح له من فوق عرشه وجاء الوحي بذلك،فلما قضى زيد منها وطر زوجناكها، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوقته فدخل عليها، فكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك وتقول:(أنتن زوجكن أهليكن، وزوجني الله عز وجل من فوق سبع سموات)([85])

الحب المباح: وهو الحب الذي لا يملك صاحبه دفعه، كحب من صورت له امرأة جميلة أو رآها فجأة من غير تصد فأورثته ذلك حبا لها، ولم يحدث له ذلك الحب معصية، فهذا لا يملك ولا يعاقب عليه، والأنفع له مدافعته والاشتغال بما هو انفع له منه، والواجب على هذا أن يكتم ويعف ويصبر على بلواه فيثيبه الله على ذلك ويعوضه على صبره لله وعفته وترك طاعته هواه وإيثار مرضاة الله وما عنده.

وقد أرشد صلى الله عليه وآله وسلم إلى التفريق هنا بين الإعجاب المجرد عن الحب، أو مجرد الحب الجنسي فدل على تفاديه بقوله :(إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة الشيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فان ذلك يرد ما في نفسه)([86])، وفي رواية:(إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يرد ما في نفسه)، وهذه الرواية الثانية مبينة للأولى، قال النووي:(معناه الإشارة إلى الهوى والدعاء إلى الفتنة بها لما جعله الله تعالى في نفوس الرجال من الميل إلى النساء، والالتذاذ بنظرهن، وما يتعلق بهن، فهي شبيهة بالشيطان في دعائه إلى الشر بوسوسته وتزيينه له)([87])

قال ابن القيم تعليقا على هذا الحديث::(ففي هذا الحديث عدة فوائد منها: الإرشاد إلى التسلي عن المطلوب بجنسه كما يقوم الطعام مكان الطعام والثوب مقام الثوب، ومنها الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بأنفع الأدوية، وهو قضاء وطره من أهله، وذلك ينقض شهوته بها)([88])

وقد دل صلى الله عليه وآله وسلم هذا النوع من المتحابين إلى النكاح كما ورد في الحديث الشريف عن جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله عندنا يتيمة خطبها رجلان موسر ومعسر، وهي تهوى المعسر ونحن نهوى الموسر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :(لم ير للمتحابين مثل النكاح)([89])

وتستحب الشفاعة لتزويج المتحابين وهو سنته صلى الله عليه وآله وسلم، فقد شفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعاشق أن يواصله معشوقه بأن يتزوج به فأبت، وذلك في قصة مغيث وبريرة، فإنه رآه يمشي خلفها بعد فراقها ودموعه تجري على خديه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو راجعتيه، فقالت: أتأمرني قال: لا إنما اشفع فقالت: لا حاجة لي به، فقال لعمه:(يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغضها له)([90])، ولم ينكر عليه حبها وان كانت قد بانت منه لأن هذا ما لا يملكه.

الحب الحرام: وهو الحب الناشئ عن تعمد النظر والمخالطة، من غير قصد الزواج، بل قصده الخلطة المحرمة، ولا شك في تحريم هذا الحب لحرمة وسيلته، وعلاجه إما الزواج بمن أحب، أو كف البصر عن الحرام.

فمن أطلق نظره أورده موارد الهلاك، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :(لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الثانية)([91])

صفات أخرى

وقد ذكر الفقهاء بالإضافة إلى هذا صفات أخرى منها ما هو استحسان محض قد يقبل وقد يرفض، ومنه مايرجع إل أصول الشريعة وكلياتها، وسنذكر هذه الصفات هنا باختصار:

فمنها: أن لا تكون حنانة ولا أنانة ولا حداقة ولا براقة ولا شداقة ولا ممراضة، وقد ذكر هذه الصفات الماوردي والغزالي([92]) عن بعض العرب، وقد فسرها الغزالي كما يلي([93]):

الأنانة: وهي التي تكثر الأنين والتشكي وتعصب رأسها كل ساعة.

المنانة: وهي التي تمن على زوجها فتقول: فعلت لأجلك كذا وكذا.

الحنانة: هي التي تحن إلى زوج آخر..

الحداقة: وهي التي ترمي إلى كل شيء بحدقتها فتشتهيه وتكلف الزوج شراءه.

البراقة: وتحتمل معنيـين: أحدهما أن تكون طول النهار في تصقيل وجهها وتزيـينه ليكون لوجهها بريق محصل بالصنع، والثاني أن تغضب على الطعام فلا تأكل إلا وحدها وتستقل نصيبها من كل شيء.

الشد اقة: وهي المتشدقة الكثيرة الكلام.

ومنها: أن لا تكون مختلعة، ولا مبارية، ولا عاهرة، ولا ناشزا، وقد حكى الغزالي النهي عن التزوج بمن تحمل هذه الصفات عن بعض الصالحين، وفسرها كما يلي:

المختلعة: وهي التي تطلب الخلع كل ساعة من غير سبب.

المبارية: وهي المباهية بغيرها المفاخرة بأسباب الدنيا.

العاهرة: الفاسقة التي تعرف بخليل وخدن وهي التي قال الله تعالى {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ }(النساء:25)

الناشز: التي تعلو على زوجها بالفعال والمقال.

ومنها ما ذكره الإمام علي في قوله: (شر خصال الرجال خير خصال النساء: البخل، والزهو، والجبن، فإنّ المرأة إذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال زوجها، وإذا كانت مزهوّة استنكفت أن تكلم كل أحد بكلام لين مريب، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيء فلم تخرج من بـيتها واتقت موذاضع التهمة خيفة من زوجها)

ومنها: أن لا يتزوج ذات مطلق لا زالت لها رغبة فيه([94]).

4 ـ الصفات التي يختار من أجلها الزوج

وتكاد تشبه في مجموعها الصفات التي يختار الرجل من أجلها زوجته:

فمنها مثلا أن يكون الزوج بكرا،قال الغزالي :(وكما يستحب نكاح البكر يسن أن لا يزوج ابنته إلا من بكر لم يتزوج قط، لأن النفوس جبلت على الإيناس بأول مألوف، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم في خديجة :(إنها أول نسائي)

ومنها أن لا يكون عقيما، أو أحمق أو دميما ترغب عن مثله، وغيرها من الصفات لتي ذكرت في مواصفات المرأة)([95])

وذكروا أنه يسن للمرأة أن تتزوج بكرا إلا لعذر، جميلا ولودا إلى آخر الصفات المعتبرة في المرأة ويسن له أن لا يزوج بنته إلا من بكر)([96])

وروي أن امرأة نافرت فضالة زوجها إلى سلم بن قتيبة وهو والي خراسان فقالت‏:‏ أبغضه، والله لخلال فيه‏، قال‏:‏ وما هي قالت‏:‏ هو والله قليل الغيرة سريع الطيرة شديد العتاب كثير الحساب قد أقبل بخره وأدبر ذفره وهجمت عيناه واضطربت رجلاه يفيق سريعاً وينطق رجيعاً يصبح جبسا ويمسي رجسا إن جاع جزع وإن شبع جشع‏.‏

ثانيا ـ وسائل اختيار الزوجة

كما دعت الشريعة الإسلامية إلى حسن الاختيار وبينت الصفات التي ينبغي مراعاتها في الاختيار دعت إلى التروي فيه والتبين والتدقيق، لأن بناء الحياة الزوجية يقتضي تدقيقا وتمحيصا طويلا، وسنعرض في هذا المبحث الوسائل التي أباحتها الشريعة أو ندبت إليها لتحصيل هذا الغرض.

وهي تنطلق من كون المجتمع الإسلامي مجتمعا محافظا لا تخرج المرأة فيه إلا للحوائج الأساسية، ومن ثم فقد لا تقصد بالزواج، والرجل كذلك رجل محافظ قد يحتاج للزواج ولا يجد الوسيلة لاختيار المرأة التي يريدها، وقد كان هذا من أكبر المبررات التي دعي بها إلى التبرج والانحلال بحجة أن المرأة الملتزمة لا يقصدها الخطاب.

وقد حلت الشريعة الإسلامية هذا الإشكال الذي قد يعرض المرأة للعنوسة، ويعرض الرجل لسوء الاختيار، بغير الطريقة التي حلت بها المجتمعات المنحلة هذه المشكلة، فقد حلتها بطرق كثيرة منها:

1 ـ عرض الرجل ابنته لذوي الصلاح ممن ترغب فيهم:

فإذا وجد الرجل الزوج الصالح لموليته عرضها عليه،وهي سنة من السنن التي أشار إليها القرآن الكريم عندما ذكر أن الشيخ المديني عرض ابنته على موسى u كما قال تعالى: { قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِين}(القصص:27)

قال مكارم الشيرازي، مبينا الفوائد المستنبطة من الآية الكريمة: (يستفاد ضمناً من هذه القصّة أن ما يشيع في عصرنا من أن اقتراح الأب على اختيار البعل لابنته أمر مصيب، لا مانع منه وليس معيباً، فإذا وجد الأب شخصاً لائقاً وجديراً، فله الحق أن يقترح عليه الزواج من ابنته، كما فعل شعيب(عليه السلام) مع موسى في شأن ابنته(عليه السلام)، والزواج منها)([97])

2 ـ عرض المرأة نفسها على من ترغب فيه:

 أجاز الشرع للمرأة أن تعرض نفسها على الرجل وتعريفه رغبتها فيه، لصلاحه وفضله أو لعلمه وشرفه أو لخصلة فيه من خصال الدين، ولا غضاضة عليها في ذلك، بل ذلك يدل على فضلها، فعن ثابت البناني قال: كنت عند أنس وعنده ابنة له، قال أنس: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها، واسوأتاه قال: هي خير منك رغبت في النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرضت عليه نفسها)([98])

وقد يدخل في هذا الباب ما ينتشر في الصحف والمجلات من أبواب ومساحات لإعلانات الزواج، وفيها تُحَدَّد المواصفات.

وهذه الظاهرة مباحة في أصلها لأن تعقد المجتمعات استدعى هذا، ولكن مع ذلك، فإن هناك بعض المحاذير التي قد ترفع عنها حكم الإباحة، ومنها:

  1. استغلال بعض الشباب لها للَّهو والتَّسْلية، وقد يستغلها بعض ضعاف النفوس للتغرير بالفتاة التي تريد الزَّواج.
  2. قد تحدث بعض المكالمات الهاتفيَّة، أو اللقاءات غير المنضبطة بين الرجل والمرأة بسبب هذه الإعلانات، وما تنشره من العناوين، والأرقام الهاتفيَّة؛ مما يسمح للرجل أن يتصل بالمرأة، وللشاب أن يقابل الفتاة.

3 ـ تعريف الزوج أو الزوجة المختار بنفسه:

وهذه من أهم الوسائل المحققة لهذا التعرف، لأن هناك أمورا كثيرة قد لا يطلع عليها الناس فيحتاج الشخص أن يعبر بها عن نفسه، وقد فرق الفقهاء بين الأمور التي يذكرها المعرف بنفسه والأمور التي لا يذكرها، وقسموا ذلك إلى ثلاثة أنواع:

  1. إن كان فيه ما يثبت الخيار كالأمراض الجنسية والأمراض الخطيرة المزمنة وجب ذكره للزوجة،وعدم ذكره من الغرر الذي يفسخ من أجله الزواج، وسنتحدث عن هذا بتفصيل في العيوب التي توجب الفسخ.
  2. إن كان فيه ما يقلل الرغبة عنه ولا يثبت الخيار كسوء الخلق والشح استحب ذكره.
  3. إن كان فيه شيء من المعاصي وجب عليه التوبة في الحال وستر نفسه([99]).

4 ـ استشارة من يعرفه:

فلا يكتفي مريد الزواج بتعريف الشخص بنفسه، فقد لا يصدق في ذلك، بل يضم إليه استشارة من يعرفه ممن يثق فيه وفي تدينه، بحيث يصدقه في أمره وينصحه كما روي في ذلك أن أخا لبلال خطب امرأة فقالوا: إن يحضر بلال زوجناك فحضر فقال: أنا بلال وهذا أخي وهو امرؤ سيئ الخلق والدين.

وقد روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أبا عمرو بن حفص طلق فاطمة بنت قيس ألبتة، وهو غائب بالشام فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال: والله ما لك علينا من شيء فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال: ليس لك عليه نفقة وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند عبد الله بن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده فإذا حللت فآذنيني قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم بن هشام خطباني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له أنكحي أسامة بن زيد قالت: فكرهته ثم قال: أنكحي أسامة ابن زيد فنكحته فجعل الله في ذلك خيرا واغتبطت به([100]).

وقد استنبط العلماء من هذا الحديث جواز الصدق في ذكر مساوي الخاطب ليحذر، واختلف بعضهم في الحكم بوجوب ذلك على ثلاثة أقوال([101]):

القول الأول: التفريق في ذلك بين حالين:

  1. إذا كان هناك من يعرف حال المسئول عنه غير ذلك المسئول جاز ذكر المساوئ لمن استشاره.
  2. إذا كان لا يعرف حال المسؤول غيره وجب عليه ذكر المساوئ لأنه من نصيحة المسلم لأخيه، وهي واجبة باتفاق.

القول الثاني: أن محل الجواز إذا لم يسأله عما فيها من العيوب وإلا وجب عليه الذكر، لأنه من باب النصيحة.

القول الثالث: إذا استشاره وجب عليه ذكر المساوئ كان هناك من يعرف تلك المساوئ أم لا، وإلا فيندب له ذكرها.

الترجيح:

نرى أن القول الثالث وهو وجوب ذكر المساوئ مطلقا كان هناك من يعرفها أم لا أوفق بالمصلحة، وأعظم للنصح لأن المستشير قد يكتفي بمشورته عن زيادة التأكد باستشارة غيره فيقع في خطر عدم النصح، بل نرى أن من الواجب على المسلم أن ينصح أخاه ولو لم يستشره إن رأى في اختياره ما يسوؤه أو يسوء المرأة التي يخطبها.

ومن الآداب في النصح أن يكتفي بالتعريض إن كان كافيا في أداء الغرض وإلا وجب التصريح،ومن التعريض قوله مثلا :(لا يصلح لك)وما شابهه([102]).

ويستحب التشدد والأخذ بالاحتياط عند الاستشارة مخافة الوقوع في الغرر، قال الغزالي:(والغرور يقع في الجمال والخلق جميعاً، فيستحب إزالة الغرور في الجمال بالنظر، وفي الخلق بالوصف والاستيصاف فينبغي أن يقدم ذلك على النكاح، ولا يستوصف في أخلاقها وجمالها إلا من هو بصير صادق خبـير بالظاهر والباطن، ولا يميل إليها فيفرط في الثناء، ولا يحسدها فيقصر، فالطباع مائلة في مبادئ النكاح ووصف المنكوحات إلى الإفراط والتفريط، وقل من يصدق فيه ويقتصد، بل الخداع والإغراء أغلب، والاحتياط فيه مهم لمن يخشى على نفسه التشوّف إلى غير زوجته)([103])

5 ـ إرسال من يتعرف على من يريد خطبتها:

وهي من الوسائل الهامة والتي لا تزال مطبقة في مجتمعاتنا، وهي أن يرسل الراغب في الزواج أمه أو إحدى قريباته للتعرف على من يريد خطبتها.

ومن الأخطاء الواقعة في بعض مجتمعاتنا المحافظة الاكتفاء بإرسال الأقارب ووصفهن، وهو ما يحدث عنه كثير من الآثار غير المحمودة، فالقصد من هذه الوسائل أن يتوسل بها جميعا للتعرف والتحقق لا أن يقتصر على وسيلة واحدة، لأن أمر الزواج أخطر من أن تكفي فيه وسيلة واحدة.

6 ـ النظر لمن يريد خطبتها:

وهو من أهم وسائل التعرف، ولذلك وردت الآثار الكثيرة التي تحث عليه، وسنتحدث عما يتعلق بالنظر من أحكام في المسائل التالية:

مشروعية النظر:

مع أن الشرع ورد بالأمر بغض البصر عن غير المحارم إلا أنه ورد عنه من باب رعاية مصالح الناس الأمر بالنظر للمخطوبة أو لمن يرغب في خطبتها، واعتبر ذلك صلى الله عليه وآله وسلم من الوسائل التي تحصل بها الألفة بين الزوجين، فقال ناصحا من يريد الزواج:(انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)([104])، أي أجدر وأدعى أن يحصل الوفاق والملاءمة بينكما.

وبين جواز ذلك قبل الخطبة فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا ألقى الله عز وجل في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها)([105])

ودعا في حال النظر التحري والتركيز على ما يرغبه فيها فقال صلى الله عليه وآله وسلم :(إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)([106])، ويحكي راوي الحديث جابر بن عبد الله عن نفسه فيقول :(فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها)

حكم النظر للمخطوبة:

اتفق الفقهاء على مشروعية النظر للمخطوبة أو للتي يرغب في خطبتها ([107])، واتفقوا على أن النظر بقصد التلذذ أو الشهوة باق على أصل التحريم، ولكنهم اختلفوا في حكم النظر في حال خوف الفتنة، ومن الأقوال الوادرة في المسألة:

القول الأول: أن النظر مستحب مطلقا، وهو قول أكثر العلماء من المالكية والشافعية والحنفية لإطلاق الأحاديث الواردة في ذلك،قال الإمام الروياني:(وله النظر وإن خاف الفتنة لغرض التزوج، وإذا لم تعجبه فليسكت ولا يقل لا أريدها لأنه إيذاء)([108]) وقد ورد في بعض كتب المالكية أن حكمه الجواز ووجهه الدسوقي بأن مرادهم منه الإذن لا الحكم، يقول الدسوقي:(والذي في عبارة أهل المذهب الجواز، ولم يحك ابن عرفة الاستحباب إلا عن ابن القطان، ويمكن حمل الجواز في كلام أهل المذهب على الإذن)([109])

القول الثاني: أن النظر مستحب عند أمن الفتنة، وهو قول الحنابلة، ومروي عن المالكية قال الخرشي:(يندب لمن أراد نكاح امرأة إذا رجا أنها ووليها يجيبانه إلى ما سأل وإلا حرم)([110])، فقد حكم بتحريم النظر في حال العلم برفضها أو رفض وليها.

الترجيح:

نرى من الترجيح في المسألة مراعاة احتمال القبول، فإذا تيقن عدم القبول حرم عليه ذلك من جهتين:

  1. أن ذلك فتنة له حيث يتعرض لأمر قد يتعلق به قلبه مع عدم الظفر به.
  2. أن في مراعاة احتمال القبول سدا للذريعة حتى لا يتخذ من إباحة النظر في هذه الحالة وسيلة لإطلاق البصر في المحرمات بحجة البحث عن الزوجة المرغوبة، وقد ذكر المالكية مثل هذه العلة عند ذكر كراهة استغفالها كما سنرى، قال الخرشي: (لئلا يتطرق أهل الفساد لنظر محارم الناس ويقولون نحن خطاب)([111]).

وما ذكرناه من الترجيح هو ما اختاره ورجحه العز بن عبد السلام عند بيانه للحكمة من النظر، حيث قال في قواعد الأحكام:(وقد ندب الشارع الخاطب إلى رؤيتها ليعلم ما يقدر عليه فيرغب في النكاح ويكون على بصيرة من الإحجام أو الإقدام، وإنما جوز ذلك ليرجو رجاء ظاهرا أن يجاب إلى خطبته دون من يعلم أنه لا يجاب، أو يغلب على ظنه أنه لا يجاب، وإن استوى الأمران ففي هذا احتمال من جهة أن النظر لا يحمل إلا عند غلبة الظن بالسبب المجوز)([112])

وهو ما ذكره المحقق الكركي في (جامع المقاصد)، فقال: (يجوز النظر مع إرادة النكاح إذا كانت محللة خلية من بعل ومن موانع النكاح كالعدة لامتناع النكاح حينئذ، وأن تكون الإجابة ممكنة ووفق النظر عند اجتماع هذه الشروط لا عند الأذن في عقد النكاح، ولا عند ركون كل واحد منهما إلى صاحبه، وهو وقت تحريم الخطبة على الخطبة خلافا لبعض العامة وينبغي أن يكون قبل الخطبة إذ لو كان بعدها وتركها لشق عليها واوحشها، ولو تعذر عليه النظر بعث امرأة تتأملها وتصفها له فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث أم سليم إلى امرأة فقال انظري إلى عرقوبها وشمي معاطفها)([113])

حكم نظر المرأة لخطيبها:

كما يندب نظر الخطيب لخطيبته يستحب للمرأة أن تنظر كذلك للرجل الذي خطبها لأنها يعجبها منه ما يعجبه منها، ويستحب لها أيضا أن تنظر منه الوجه والكفين، قال الحطاب:(هل يستحب للمرأة نظر الرجل؟ لم أر فيه نصا للمالكية، والظاهر استحبابه وفاقا للشافعية، قالوا: يستحب لها أيضا أن تنظر إليه)([114])

وقال السيد الشيرازي: (ولا يبعد جواز نظر المرأة أيضاً إلى الرجل الذي يريد تزويجها، كما عن القواعد وغيره، وقوّاه الشيخ المرتضى، بل في المستند أنه صريح جماعة لاتحاد العلة، بل الأولوية حيث أن الرجل يمكنه الطلاق لو لم يستحسنها بخلاف الزوجة)([115])

ولم أر من خلاف في هذه المسألة إلا ما ذكره الصنعاني فإنه قال بعد أن حكى القول بجواز رؤية المرأة لخطيبها:(كذا قيل: ولم يرد به حديث، والأصل تحريم نظر الأجنبي والأجنبية إلا بدليل كالدليل على جواز نظر الرجل لمن يريد خطبتها)([116])

ولا نرى أن مثل هذا يحتاج إلى دليل نصي خاص لأن التكاليف موجهة للرجال والنساء جميعا، فما أبيح للرجال يباح مثله للنساء إلا ما ورد به التخصيص، ولا تخصيص بدون مخصص.

حكم تكرار النظر:

اختلف الفقهاء في حكم تكرار النظر للمخطوبة أو للتي يرغب في خطبتها، ومن الأقوال الواردة في المسألة:

القول الأول: أنه ليس هناك حد للتكرار، بل ينظر إليها إلى الحد الذي تعجبه فيخطبها، أو لا تعجبه فلا يتقدم لخطبتها، وعلله في الغرر البهية بقوله:(وله تكرير نظره ليتبين هيئتها فلا يندم بعد نكاحها عليه)([117])

القول الثاني: أن له أن يراها ثلاث مرات فقط، قال الزركشي:(ولم يتعرضوا لضبط التكرار ويحتمل تقديره بثلاث وفي حديث عائشة الذي ترجم عليه البخاري الرؤية قبل الخطبة:(أريتك ثلاث ليال)([118])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو الاكتفاء من الرؤية بما يحقق الغرض بدون ضبط لذلك، وما ذكره الزركشي ليس دليلا يعتمد عليه فبقي الأمر على أصل الإباحة، وهي غير مقيدة بعدد، بل مقيدة بتحقيق الغرض إذا سلمت النية.

حكم التزين للخطاب:

استحب الفقهاء للمرأة المتعرضة للخطاب أن تتزين بالزينة المباحة شرعا، وقد ذهب الحنفية إلى أن تحلية البنات بالحلي والحلل ليرغب فيهن الرجال سنة، وقد نقل عن ابن القطان قوله :(ولها (أي للمرأة الخالية من الأزواج)أن تتزين للناظرين (أي للخطاب)بل لو قيل بأنه مندوب ما كان بعيدا، ولو قيل: إنه يجوز لها التعرض لمن يخطبها إذا سلمت نيتها في قصد النكاح لم يبعد)([119])

ونفس الحكم ينطبق على الرجل الراغب في الخطبة، وقد قال ابن القطان:(إذا خطب الرجل امرأة هل يجوز له أن يقصدها متعرضا لها بمحاسنه التي لا يجوز إبداؤها إليها إذا لم تكن مخطوبة ويتصنع بلبسه، وسواكه، ومكحلته وخضابه، ومشيه، وركبته، أم لا يجوز له إلا ما كان جائزا لكل امرأة؟ هو موضع نظر، والظاهر جوازه ولم يتحقق في المنع إجماع، أما إذا لم يكن خطب ولكنه يتعرض لنفسه ذلك التعرض للنساء فلا يجوز،لأنه تعرض للفتن وتعريض لها)([120])

ومن الأدلة التي استند عليها الفقهاء في ذلك ما روته أم ليلى قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان فيما أخذ علينا أن نختضب الغمس، ونمتشط بالعسل، ولا نعطل أيدينا من خضاب، وقالت:(أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كانت إحدانا تقدر أن تتخذ في يديها مسكتين من فضة فان لم تقدر فصدت يديها ولو بسير)، وقال:(لا تشبهن بالرجال)([121])

ودخلت امرأة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(اختضبي، تترك إحداكن الخضاب حتى تكون يدها كيد الرجل)، فما تركت الخضاب وإنها لابنة ثمانين([122]).

وورد أن سبيعة الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة وهو في بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع، وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدا لي)([123])

ففي هذه الأحاديث إشارة واضحة إلى جواز ذلك، ولكن في الحدود الشرعية التي تحرم التبرج والزينة المحرمة، أما في بيت المخطوبة وأمام محارمها فيجوز من الزينة ما سنذكره عند بيان ما يجوز النظر إليه من المخطوبة.

ما يباح النظر إليه من المخطوبة:

لم تحدد النصوص الشرعية المقدار الذي يجوز أن يراه الخاطب من مخطوبته، ومن هنا جاء اختلاف الفقهاء في حدودها، وهي بين المبالغة المتشددة المكتفية بأقل قدر ممكن، وبين المتساهلة إلى أبعد الحدود([124]):

القول الأول: الوجه والكفان،وهما مما اتفق الفقهاء جميعا على إباحة النظر إليهما، قال ابن قدامة:(لا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى وجهها، وذلك لأنه ليس بعورة، وهو مجمع المحاسن، وموضع النظر)([125])، ومن الأدلة التي ذكرت لجواز ذلك:

  1. أن الحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه، فبقي ما عداه على أصل التحريم.
  2. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أذن في النظر إليها من غير علمها علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادة إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور، ولأنه يظهر غالبا، فأبيح النظر إليه كالوجه.
  3. أنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم.
  4. أن الوجه يدل على الجمال وعدمه، واليدان تدلان على خصابة البدن وطراوته وعلى عدم ذلك([126]).

القول الثاني: أن له النظر إلى ما عدا الوجه والكفين، وقد اختلف أصحاب هذا القول في تحديد ما يراه على آراء متعددة منها:

الرأي الأول: جواز رؤية كل شيء ما عدا العورة المغلظة، حكاه ابن عقيل رواية عن أحمد([127])، والعورة المغلظة: هي الفرجان، وقال ابن حزم:(من أراد أن يتزوج امرأة حرة أو أمة، فله أن ينظر منها – متغفلا لها، وغير متغفل – إلى ما بطن منها وظهر)([128])

الرأي الثاني: أن له النظر إلى مواضع اللحم، وهو قول الأوزاعي ([129]).

الرأي الثالث: صح عن ابن عمر إباحة النظر إلى ساقها وبطنها وظهرها،ويضع يده على عجزها وصدرها ([130]).

الرأي الرابع: صح عن أبي موسى الأشعري إباحة النظر إلى ما فوق السرة ودون الركبة، وروي ذلك أيضا عن سعيد بن المسيب([131]).

الترجيح:

من خلال الأقوال المروية في المسألة، ومن خلال النصوص المذكورة فيها نرى أن الغرض من الرؤية هو التعرف على جسد المخطوبة، وهو يختلف باختلاف الراغب في الزواج، وباختلاف المرغوب خطبتها، فرب امرأة يكتفى من جمالها بوجهها وكفيها، ورب امرأة أخرى يحتاج إلى النظر إلى شعرها أو ساقيها أو أطرافها.

والأمر في الرجال كذلك مختلف، فمن الرجال من يكتفي بالوجه والكفين،ومنهم من يريد في ذلك مزيدا من التفاصيل.

وبما أن الغرض الشرعي من النظر هو الترغيب في النظر إلى ما يعجبه منها نرى إباحة ذلك كله إذا ما كان الهدف صحيحا وصادقا لإطلاق النصوص في ذلك، ولكنا مع ذلك نستبعد القول بجواز رؤية جميع جسدها ما عدا العورة المغلظة لأنه مما تربأ عنه الطبائع السليمة.

وقد قال بهذا الترجيح بسبب إطلاق النصوص الصنعاني حيث قال في سبل السلام:(والحديث مطلق فينظر إلى ما يحصل له المقصود بالنظر إليه)([132])

وقال المحقق البحراني: (والمفهوم في هذه الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض أنه يجوز النظر إلى الوجه والكفين ظاهرا وباطنا، وإليه يشير تجويز النظر إلى معاصمها وهو كما عرفت موضع السوار من اليد فإن فيه زيادة تحديد الكفين اللذين هما إلى مفصل الزند، ولذا يجوز النظر إلى شعرها ومحاسنها، وفسرت بمواضع الزينة منها، وهو أوسع دائرة من الوجه والكفين)([133])

وقت النظر:

يجوز النظر لمن يرغب في خطبتها قبل الخطبة وبعدها، لأن النظر إليها قبل الخطبة يدعوه إلى خطبتها في حال قبوله بها، والنظر بعدها يؤكد هذه الرغبة بعد إعلانها،ولكنا نرى كراهة تأخير الرؤية إلى ما بعد الخطبة كما يحصل في بعض المجتمعات المحافظة لما ينجر عن ذلك من إذية المرأة أو أهلها عند فسخ الخطبة بعد الرؤية، وقد نبه إلى هذا العز بن عبد السلام في قوله:(ويقدم الرؤية والإرسال على الخطبة، كي لا يشاهدها بعد الخطبة فلا تعجبه فيتركها ويكسرها ويكسر أولياءها بزهده فيهم)([134])

ومع ذلك، فجواز النظر إليها يستلزم توفر الشروط التالية([135]):

1ـ صلاحية هذه المرأة للزواج من هذا الرجل حال النظر.

2ـ موافقة المرأة على الزواج من هذا الرجل بحيث تكون ممكنة ومحتملة.

3ـ لابد من احتمال ان هذا النظر يمكن ان يفيد شيئا جديدا للناظر.

4ـ الاقتصار بهذا النظر على ارادة تزوج هذه المرأة بالذات، ولا يكفي إرادة أصل الزواج.

5ـ لا يكفي في هذا النظر احتمال العزم على الزواج بها بعد النظر.

حكم الاستئذان للنظر:

اختلف الفقهاء في اعتبار الإذن لجواز النظر على قولين:

القول الأول: اعتبار الإذن، وهو ما اختاره الإمام مالك لعلتين:

  1. سدا للذريعة حتى لا يتطرق أهل الفساد للنظر لمحارم الناس ويقولون: نحن خطاب، وفي المنتقى :(سألت عيسى عن الإطلاع للنظر فقال قد جاءت فيه رخصة وكان مالك لا يراه خوفا أن يطلع على عورة ولا بأس أن يستأذن عليها فيدخل)([136])
  2. خشية الفتنة عليه إذا علم عدم الإجابة ويحرم نظره في هذه الحالة، وإن لم يخش الفتنة كره النظر، وتنتفي الكراهة والحرمة إن كان يعلم أنه لو سألها النظر لما ذكر تجيبه إن كانت غير مجبرة أو إذا سأل وليها يجيبه لذلك إذا كانت مجبرة أو جهل الحال. ([137])، وكلا العلتين ترجع إلى سد الذريعة، فالأولى سد لذريعة الانحراف الاجتماعي، والثانية سد لذريعة الانحراف النفسي.

القول الثاني: أنه يجوز له النظر إليها سواء كان ذلك بإذنها أم لا، وهو قول عامة الفقهاء، وعليه يحمل ظاهر الأحاديث([138]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة جواز النظر لمن صدق في الرغبة في خطبتها وعلم بإمكانية قبولها أو قبول أهلها من غير استئذان لما يسببه الاستئذان من حرج لها في حال عدم رضاه بها.


([1])  مطالب أولي النهى:5/9.

([2])  الآداب الشرعية :  1 / 447  ..

([3])  سنفصل الكلام في هذه المسألة في مبحث الولاية.

([4])  فقه السنّة ج 2 ص 129.

([5])  الموطأ :2/535، المنتقى لابن الجارود: 1/178، سنن البيهقي الكبرى: 7/119، وغيرها.

([6])  التمهيد: 19/319.

([7])  أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد في مسنده  ورواه البيهقي، انظر: نصب الراية:3/190، التحقيق في أحاديث الخلاف: 2/262، الدراية: 2/61، البيهقي: 7/117، الدارقطني: 3/234، أبو داود: 2/232، ابن ماجة: 1/603، أحمد: 1/273، أبو يعلى: 4/404.

([8])  زاد المعاد:5/95.

([9])  البخاري :5/1974، مسلم :2/1036،وغيرهما.

([10])  البخاري :5/1974.

([11])  البخاري :6/2574.

([12])  ابن ماجة :1/602.

([13])  زاد المعاد: 5/96.

([14])  انظر في هامش الحديث ما قيل في إرساله ووصله.

([15])  زاد المعاد:5/99.

([16])  هو مذهبهم في أكثر التصرفات، قال في تبيين الحقائق:» ثم جملة ما يصح من الأحكام مع الإكراه عشرة العتاق والطلاق والنكاح والعفو عن  القصاص والرجعة والإيلاء والفيء في الإيلاء والظهار واليمين والنذر ; لأن هذه تصرفات لا يفتقر وقوعها إلى الرضا بدليل أنها تصح مع الهزل والخطأ.«تبيين الحقائق:2/195.

([17])  المبسوط:24/64، وانظر: بدائع الصنائع:7/185.

([18])  المبسوط:24/64.

([19])  القرطبي:10/186.

([20])  المدونة: 2/79.

([21])  قال الصنعاني: أخرجه ابن ماجه والبزار والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، انظر:سبل السلام:3/111، سنن البيهقي الكبرى: 7/80، كشف الخفاء: 1/381.

([22])  البخاري :5/1958، مسلم :2/1086.

([23])  أصل المتاع انتفاع ممتد من قولهم متع النهار إذا طال ولهذا يستعمل في امتداد مشارق الأرض للزوال ومنه، متاع المسافر، والتمتع بالنساء ولهذا غلب استعماله في معرض التحقير سيما في القرآن، قال الزمخشري: شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته »، وقال الحرالي: وعبر بلفظ المتاع إفهاما لخستها لكونه من أسماء الجيفة التي إنما هي منال المضطر على شعوره برفضه عن قرب من مرتجي الفناء عنها. انظر: فيض القدير:3/548.

([24])  مسلم: 2/1090، صحيح ابن حبان: 9/340، سنن النسائي الكبرى: 3/271، سنن ابن ماحة:1/596، أحمد: 2/168.

([25])  فيض القدير: 3/548 وما بعدها.

([26])  مسلم :2/1090.

([27])  أبو داود :2/126.

([28])  سنن أبي داود :2/220،  مجتبى النسائي :5/169.

([29])  البيهقي :شعب الإيمان:6/412.

([30])  الترمذي :3/394 رقم:1084،سنن سعيد بن منصور:1/162،رقم:590، سنن البيهقي :10/245،رقم:13766.

([31])  تحفة المحتاج، ج7، ص189.

([32])  الزنى شرعا هو وطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولاشبهة نكاح بمطاوعتها، وقيل: هو إدخال فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا، انظر :القرطبي  12\159.

([33])  المحلى:9 /35.

([34])  فقد روي عن الإمام جعفر الصادق : « لا تتزوج المرأة المعلنة بالزنا ولا يتزوج الرجل المعلن بالزنا إلا بعد أن تعرف منهما التوبة »، وعنه أيضاً :« لو أن إنساناً زنى ثم تاب تزوج حيث شاء » [ الحر العاملي: محمد بن الحسن/ وسائل الشيعة ج20 ص438 حديث رقم26034.]

([35])  مسند أبي يعلى:8/194، رقم:4754.

([36])  سنن أبي داود :2/221،رقم:2052، ورجاله ثقات.

([37])  سبل السلام :2/187.

([38])  سنن النسائي :5/80،رقم:2562.

([39])  يقول الشافعي: [ إن زنا الرجل لا يحرمه على المرأة العفيفة وأن زنا المرأة لا يحرمها على الرجل العفيف، ولو تزوج رجل امرأة لم يعلم أنها زنت فعلم قبل دخولها عليه أنها زنت قبل زواجه أو بعده لم تحرم عليه، وكان له إن شاء أن يمسك وإن شاء أن يطلق وكذلك إن كان هو الذي زنى قبل أن ينكحها أو بعدما نكحها قبل الدخول أو بعده فلا خيار لها في فراقه وهي زوجته بحالها ولا تحرم عليه سواء حد الزاني منهما أو لم يحد أو قامت عليه بينة أو اعترف »  الأم:5/13، وقال مالك: [ ليس على الولي أن يخبر بعيب وليته ولا بفاحشتها إلا العيوب الأربعة أو أنها لا تحل له بنسب أو رضاع أو عدة، ولا ينبغي لمن علم لوليته فاحشة أن يخبر بها إذا خطبت »  انظر :التاج والإكليل 5/150.

([40])  الأم، ج5، ص13.

([41])  سنن الترمذي :5/328،رقم:3177،سنن البيهقي:10/384،رقم:14172.

([42])   الخوئي: السيد أبو القاسم/ مباني العروة الوثقى- النكاح ج1 ص267.

([43])   الحر العاملي: محمد بن الحسن/ وسائل الشيعة ج20 ص438.

([44])  انظر في تفصيل هذه الصفات: الفروع لابن مفلح :5/150، البحر الزخار :6/6، فتح القدير: 3 / 184، أسنى المطالب: 3/108، الغرر البهية:4 /93، مواهب الجليل :3/403، شرح مختصر خليل للخرشي:3/165، يلغة السالك:2/341، شرح النيل:6/16.

([45])  نهاية المحتاج:6/184.

([46])  البخاري:3/1083،رقم:2805،مسلم:2/1087،رقم:715.

([47])  قال القاضي إضافة العذوبة إلى الأفواه لاحتوائها على الريق، وقد يقال للريق والخمر الأعذبان، فيض القدير:4/336.

([48])  سنن ابن ماجة:1/598،رقم:1861، مصنف عبد الرزاق :6/159،رقم:10341،سنن البيهقي:10/242رقم:13758.

([49])  أي أرحامهن أكثر نتقا بالولد وهو النتق ويقال امرأة منتاق أي كثيرة الولد وزند ناتق أي وار.

([50])  أرضى باليسير من الارفاق لأنها لم تتعود في سائر الأزمان من معاشرة الأزواج ما يدعوها إلى استقلال ما تصادفه.

([51])  طرح التثريب 3/3.

([52])  البخاري:3/1083،رقم:2805،مسلم:2/1087،رقم:715.

([53])  نهاية المحتاج:6/184.

([54])  سنن أبي داود :2/220،رقم:2050، صحيح ابن حبان:9/328،رقم:4028، مستدرك الحاكم :2/176،رقم:2658،مسند أحمد:3/633،رقم:12202.

([55])  سنن أبي داود :2/220،رقم:2050، صحيح ابن حبان:9/328،رقم:4028 وغيرهم.

([56])  انظر: التخريج السابق.

([57])  فتاوى الرملي، ج3،ص156.

([58])  سنن النسائي :6/68،رقم3231، مسند أحمد:2/496،رقم:7372، سنن سعيد بن منصور:1/141،رقم:501،سنن البيهقي:10/244.

([59])  سنن سعيد بن منصور:1/141،رقم:501.

([60])  تحفة المحتاج، ج7، ص187.

([61])  مغني المحتاج، ج4، ص206.

([62])  مطالب أولي النهى، ج5، ص9.

([63])  الروضة البهية، ج5.

([64])  الإحياء:2/39.

([65])  الإحياء:2/39.

([66])  نهاية المحتاج، ج6،ص185.

([67])  مغني المحتاج، ج4، ص207.

([68])  انظر: كشاف القناع: 5/9، المغني: 7/83.

([69])  البخاري: 3/1229، مصنف عبد الرزاق: 5/109.

([70])  انظر: فتح الباري: 6/405.

([71])  في ظلال القرآن:5/2854.

([72])   تفسير الأمثل – مكارم الشيرزي: 13/ 229.

([73])  انظر: حاشية الجمل :4/118.

([74])  رواه الواقدي من رواية أبي سعيد الخدري وهو معدود من أفراده وقد علم ضعفه،انظر :خلاصة البدر المنير:2/179.

([75])  سنن ابن ماجة:1/632 رقم:1968، مستدرك الحاكم:2/176،رقم:2687،سنن البيهقي:10/342،رقم:14060، سنن الدار قطني:3/299،رقم:198.

([76])  لا بأس أن نسوق هنا ما قاله بعض الأطباء حول دور زواج الأقارب، فقد ورد في بعض المواقع تحت عنوان « زواج الاقارب فى قفص الاتهام »:

س: يقال إن أغلب الأمراض التي تنشأ هي نتيجة الزواج من الأقارب فقط، فهل هذا صحيح؟ وإن كان صحيحا فهل يمكن قصر الفحص على الأزواج من الأقارب؟

ج – يلعب زواج الاقارب دورا كبيرا في الإصابة بالأمراض الوراثية الناتجة عن الوراثة المتنحية كفقر الدم المنجلي وأنيميا البحر المتوسط، ولكن هذا لا يعني أن عدم الزواج من أحدى الأقارب يضمن أن تكون الذرية سليمة من أي مرض وراثي ولا حتى من الأمراض الوراثية المتنحية.و لذلك من المهم القيام بتحاليل لكشف إذا ما كان الشخص حامل للمرض بغض النظر عن صلة القرابة بين الخطيبين.لذلك ففحوصات ما قبل الزواج هي مهمة للأقارب وغير الأقارب. وتكون أكثر أهمية للأقارب اذا كان هناك أمراض وراثية.

س: هل زواج الأقارب بعد التأكد من إن الخطيبين لا يحملان أي مرض ممكن؟

ج- إن احتمال الإصابة بالأمراض الخلقية عند المتزوجين من أقاربهم أعلى مقارنة بالمتزوجين من غير أقاربهم. وتزداد نسبة هذا الأمراض كلما زادت درجة القرابة. فوراثياً لدى كل إنسان بغض النظر عن عمره أو حالته الصحية حوالي 65-10جينات معطوبة (بها طفرة). وهذه الجينات المعطوبة لا تسبب مرض لمن يحملها لان الإنسان دائما لدية نسخة أخرى سليمة من الجين. وعند زواج طرفين لديهما نفس الجين المعطوب فان أطفالهم قد يحصلون على جرعة مزدوجة من هذا الجين المعطوب(أي أن الأب يعطي جين معطوب والأم أيضا تعطي نفس الجين المعطوب) وهنا تحدث مشكلة صحية على حسب نوع الجين المعطوب. وفي العادة تختلف أنواع الجينات المعطوبة بين شخص وأخر ويندر أن يلتقي شخصان لديهما نفس الجين المعطوب.ولكن نوع الجينات المعطوبة عادة تتشابه في الأقارب.فهناك احتمال كبير أن يكون أبناء العم والعمة والخال والخالة لديهم نفس الجينات المعطوبة،و لو تزوج احدهم من الأخر فهناك خطر على ذريته.

([77])  الفتاوى الفقهية الكبرى:4/99.

([78])  مغني المحتاج:4/206.

([79])  المغني 7/83.

([80])  إحياء علوم الدين:2/41.

([81])  مغني المحتاج:4/206.

([82])  صحيح ابن حبان:9/342 رقم :4034، مستدرك الحاكم:2/194،رقم:2732،سنن البيهقي:11/10،14705.

([83])  الإنصاف، ج8، ص19.

([84])  سنتحدث عن المودة بين الزوجين في مبحث خاص في فصل العشرة الزوجية وأسسها الأخلاقية.

([85])  مسلم: 2/1048، النسائي: 5/52، أبو يعلى: 6/77.

([86])  مسلم: 2/1021، البيهقي: 7/90، أبو داود:2/246، النسائي: 5/351، أحمد: 3/330.

([87])  النووي على مسلم:9/178.

([88])  الجواب الكافي:171.

([89])  البيهقي: 7/78، ابن ماجة: 1/593، ابن أبي شيبة: 3/454، أبو يعلى: 5/132.

([90])  البخاري: 5/2023، ابن حبان: 10/96، الدارمي: 2/223، البيهقي: 7/222، الدراقطني: 2/154، أبو داود: 2/270، النسائي: 3/480، ابن ماجة: 1/671.

([91])  الحاكم: 2/212، البيهقي: 7/90، ابن أبي شيبة: 4/6، المعجم الأوسط: 1/209، أحمد: 5/351.

([92])  أسنى المطالب:3/108.

([93])  انظر: الإحياء: 2/38.

([94])  نهاية المحتاج:6/185.

([95])  الإحياء:2/41.

([96])  فتوحات الوهاب:4/118.

([97])   تفسير الأمثل – مكارم الشيرزي: 12/ 221.

([98])  البخاري:5/1967،رقم:4828،وقد ترجم له البخاري :[باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح].

([99])  مغني المحتاج 4/222، وانطر :الخرشي: 3/171، الفتاوى الفقهية الكبرى: 4/103.

([100])  مسلم:2/1114،رقم:1480،سنن أبي داود:2/285،رقم:2284،الموطأ:2/580،رقم:1210.

([101])  التاج والإكليل، ج5، ص42، حاشية الدسوقي، ج2، ص220.

([102])  الأشباه والنظائر: 84.

([103])  الإحياء:2/39.

([104])  ابن ماجة:1/599،رقم:1865،مستدرك الحاكم:2/179،رقم:2697، مسند أحمد:5/299،رقم:17688.

([105])  ابن ماجة:1/599،رقم:1864،،رقم/:5839،مسند أحمد:4/549،رقم:15598.

([106])  سنن أبي داود:2/228،رقم: 2082،مستدرك الحاكم:2/179،رقم: 1696،مسند أحمد:4/287،رقم:14176.

([107])   مع صراحة النصوص الواردة في ذلك وجد من الفقهاء من يرى حرمة ذلك، ففي (فتح الباري): (نقل الطحاوي عن قوم انه لا يجوز النظر إلى المخطوبة قبل العقد بحال؛ لأنها حينئذ أجنبية) [فتح الباري 9: 149]

وفي (بداية المجتهد): منع ذلك قوم على الإطلاق؛ لأن النص ورد بالمنع مطلقًا وورد مقيدًا، ومن منع تمسك بالأصل وهو تحريم النظر إلى النساء.[ بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2: 4]

([108])  الغرر البهية، ج4، ص94.

([109])  حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج2، ص216.

([110])  الخرشي  ج3، ص166.

([111])  الخرشي  ج3، ص166.

([112])  قواعد الأحكام، ج2 نص146.

([113])   جامع المقاصد: 12/27.

([114])  الخرشي  ج3، ص166، وانظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج2، ص216، أسنى المطالب، ج3، ص108.

([115])   الشيرازي: السيد محمد/ الفقه ج62 ص175.

([116])  سبل السلام، ج2،ص166.

([117])  الغرر البهية، ج4، ص94.

([118])  الغرر البهية، ج4، ص94.

([119])  التاج والإكليل: 1/499.

([120])  مواهب الجليل:3/405.

([121])  رواه الطبراني في الأوسط والكبير باسناد واحد على مرتين وفي إسناده من لم اعرفه، مجمع الزوائد :5/171.

([122])  رواه أحمد وفيه من لم اعرفهم وابن اسحق وهو مدلس، مجمع الزوائد :5/171.

([123])  مسلم:2/1122.

([124])  المغني :7/74، الغرر البهية :4/94،  حاشية الدسوقي :2/216،  الإنصاف :8/19.

([125])  المغني :7/74.

([126])  حاشية الدسوقي على الشرح الكبير :2/216.

([127])  وقد روي عن الإمام أحمد أقوال أخرى ذكرها ابن قدامة منها:« ما يظهر غالبا سوى الوجه  كالكفين والقدمين ونحو ذلك مما تظهره المرأة في منزلها ففيه روايتان:

1.لا يباح النظر إليه لأنه عورة فلم يبح النظر إليه كالذي لا يظهر، فإن عبد الله روى أن النبي  a قال: «المرأة عورة « ولأن الحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه، فبقي ما عداه على التحريم.

2.أن له النظر إلى ذلك. قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس أن ينظر إليها، وإلى ما يدعوه إلى نكاحها، من يد أو جسم ونحو ذلك. قال أبو بكر: لا بأس أن ينظر إليها عند الخطبة حاسرة »، المغني :7/63.

([128])  المحلى:9/161.

([129])  نيل الأوطار، ج6،ص133.

([130])  المحلى، ج9، ص161.

([131])  المحلى، ج9، ص161.

([132])  سبل السلام، ج2،ص166.

([133])   الحدائق الناضرة: 23/42.

([134])  قواعد الأحكام، ج2 نص146.

([135])   فقه النظر، السيد مهند مصطفى جمال الدين.

([136])  المنتقى، ج3، ص266، الخرشي  ج3، ص166.

([137])  حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج2، ص216.

([138])  نيل الأوطار، ج6،ص133.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *