الفصل الرابع: الجزاء

الفصل الرابع

الجزاء

من أهم المبادئ التربوية في الإسلام (إثابة المحسن على إحسانه، وعقاب المسيء على إساءته)، وذلك باعتبار الإنسان مسؤولا عن عمله، يتحمل جريرته إن حسنا فحسن، وإن إن إساءة فإساءة.

والقرآن الكريم يمتلئ بالنصوص الدالة على هذا المعنى العظيم، بل إنه يجعل له حضورا دائما في كل الميادين.

فمن الجور العظيم تسوية المحسن بالمسيء، بل إن ذلك قد يكون تشجيعا للمسيء أو تثبيطا للمحسن، قال تعالى:{ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} (النساء:123)

فالأمر بالأعمال لا بالأماني، ولهذا يرتب الله تعالى على السلوكيات المختلفة ما يترتب عنها من جزاء، سواء في الدنيا أو في الآخرة.

ففي الدنيا ـ مثلا ـ يقول تعالى عن جزاء الكفار:{ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ} (البقرة:191)

ويقول عن جزاء المحاربين:{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة:33)

ويقول عن جزاء اللصوص:{ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة:38)

بل إن القرآن الكريم يرتب على المخالفات البسيطة ما يترتب عنها من جزاء، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (المائدة:95)

وعلى نقيض هذا جزاء الإحسان، قال تعالى:{ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} (التوبة:26)

أما في الآخرة، فالجزاء فيها مترتب على الأعمال مثل جزاء الدنيا، إن حسنا فحسن، وإن إساءة فإساءة:

قال تعالى عن جزاء المؤمنين:{ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة:85)، وقال تعالى:{ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} (الكهف:88)، وقال تعالى:{ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} (طـه:76)، وقال تعالى:{ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً} (الفرقان:15)، وقال تعالى:{ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (السجدة:17)، وقال تعالى:{ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} (سـبأ:37)، وقال تعالى:{ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} (الزمر:34)

وقال تعالى عن جزاء غيرهم:{ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} (المائدة:29)، وقال تعالى:{ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (التوبة:82)، وقال تعالى:{ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (التوبة:95)، وقال تعالى:{ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (يونس:27)، وقال تعالى:{ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ} (فصلت:28)

وانطلاقا من هذا التأصيل، فإن لهذا الأسلوب دوره التربوي الخطير، ولذلك سنحاول في هذا الفصل أن نبين أنواع الجزاء سواء كان إحسانا أو إساءة، والضوابط التي تحمي كل أسلوب من تلك الأساليب لئلا يؤدي خلاف الغرض الذي وضع من أجله.

أولا ـ جزاء الإحسان

يمكن انطلاقا من استقراء ما ورد في النصوص، ومن المنهج النبوي في التربية أن نحصر الأنواع التالية من أنواع جزاء الإحسان:

1 ـ التبشير بالثواب الأخروي

وإليه الإشارة بالآيات الكثيرة التي تدعو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبشر المؤمنين بما أعد الله تعالى لهم من فضل جزاء على أعمالهم الصالحة، كما قال تعالى:{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:25)

ففي هذه الآية الكريمة تبشير لمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح بهذا الجزاء العظيم الذي سيلقونه عند الله تعالى.

وقد يرد التبشير بجزاء الله وفضله على أعمال خاصة، تحتاج إلى محفز عظيم، ومن ذلك قوله تعالى:{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة:155)

فالله تعالى جمع في الآية الكريمة بين الإخبار على ما يعد للمؤمنين من صنوف الاختبار وما أعد لهم بجنبه ـ إن نجحوا ـ من صنوف الجوائز ليكون الجزاء حافزا للعمل ومثبتا عليه وداعيا إليه.

ومثل ذلك قوله تعالى:{ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (البقرة:223)، فالتبشير منصرف في الآية للمؤمنين الذين تحققوا بتقوى الله.

ومثل ذلك قوله تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:111)، فقد اعتبر الله تعالى ما يقدمه المؤمنون من بذل لأنفسهم وأموالهم في سبيل الله بضاعة لتجارة رابحة يبشرهم الله بوفور ربحها في الدنيا قبل الآخرة.

ومثل ذلك ختم الله تعالى صفات عباده الصالحين بدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبشيرهم، قال تعالى:{ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (التوبة:112)

ولذلك اعتبر الله تعالى التبشير من وظائف الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ، فقال عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:{ أكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِم} (يونس:2)

وقال عن موسى عليه السلام:{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (يونس:87)

والسر في اعتبار التبشير بما أعد الله لعباده من جزاء على أعمالهم الصالحة حافزا من حوافز العمل وأسلوبا من أساليب الترببية هو ما ينشره التبشير في النفس من انشراح وفرح يمتلئ القلب به طمأنينة والجوارح نشاطا، قال تعالى في بيان تأثير التبشير في النفس:{ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (آل عمران:126)، وقال تعالى:{ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (لأنفال:10)

ولهذا كان التبشير بما أعد الله للمؤمنين من جزاء هو الجوائز الوحيدة التي يقدمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن اختار سبيله ونصرة دعوته والوقوف أمام جميع الأعاصير التي تتربص به.

وقد كانت سلوى آل ياسر لمواجهة ما أعد لهم الطواغيت من عذاب هو ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم لهم، وقد رأى عظيم ما يعانونه:(صبرا آل ياسر ان موعدكم الجنة)

 وفي معركة بدر، حين اشتدّ البلاء على المسلمين، ورأى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ضعف أصحابه وقلة عددهم وضعف عتادهم، لم يكن له من الجوائز غير أن قال لهم:(قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة)

وهزت البشرى نفوس الصحابة، فقام عمير بن الحمام، وقال مندهشا:(عرضها السموات والأرض؟)، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:(نعم)، فقال، والفرحة تكاد تطير به:(بخ بخ)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما يحملك على قولك بخ بخ؟) قال:(رجاء أن أكون من أهلها)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم مبشرا، وقد علم صدقه:(فإنك من أهلها)

فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى بقيتهن من يده، وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهن إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل.

وقبل ذلك عندما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة، ولا أنصار ينصرونه كان يتبع الناس في منازلهم، عكاظ ومجنة، وفي المواسم يقول: من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة)

ولم يكن له من جزاء يعد به غير الجنة، فلا يجد أحداً يؤويه ولا ينصره، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمضي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع..

إلى أن رحل إليه سبعون رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم فواعدوه شعب العقبة، فقالوا:(يا رسول الله علام نبايعك؟)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم)

قالوا:(يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها، وإنا نأخذك على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(الجنة)، فقالوا:(ابسط يدك)، فبسط يده فبايعوه.

وبعد ذلك، وفي معركة أحد، حين ابتلي المؤمنون بما ابتلوا به، وتجمع المشركون حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو في سبعة من الأنصار ورجل من قريش، قال: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ فجاء رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل.

فلما عادوا ورهقوه قال: من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة، حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(ما أنصفنا أصحابنا)

وكان هذا الحافز هو الذي يستعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الترغيب في الأعمال الصالحة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الترغيب في شد العزم على العمل الصالح:(من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا أن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة)([1])

ولهذا انتشرت قيمة جزاء الله في الجيل الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يكن سؤالهم إلا عن هذا الجزاء العظيم، لا عن الجزاء الدنيوي المحدود، بل سرى هذا إلى الأعراب ـ مع ما كان فيهم من جفاء وغلظة ـ جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(ما ثمن الجنة؟)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا إله إلا الله)([2])، وجاء أعرابي آخر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(يا رسول دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة)، فقال:(تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان)، فقال:(والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا أبدا ولا أنقص منه)، فلما ولى قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)([3])

وجاء النعمان بن قوقل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال أدخل الجنة)، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (نعم)

انطلاقا من هذه النصوص الكثيرة الدالة على استعمال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذا الأسلوب ومدى تأثيره، فإنا نحب أن ننبه هنا إلى بعض الضوابط التي تحمي هذا الأسلوب من أن يخرج به عن هدفه الذي وضع من أجله إلى أهداف لم يردها الشارع.

ومن هذه الضوابط وأهمها:

أ ـ عدم التقول على الله بغير علم:

ذلك لأن من التقول على الله الجزم بحصول الأجر من غير أن يكون هناك مصدر معصوم يتلقى منه علم ذلك، ولهذا نص العلماء على أنه لا يقطع لمعّين بالجنة، إلا الذي نص الشارع على تعيينهم.

بل إن القرآن الكريم أرشد إلى أدب ترك هذا الأمر لمشيئة الله، فقال تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يأمره أن يقول:{ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} (الاحقاف:9)

وقد جاء في الحديث الشريف ما يدل على النهي عن الجزم بمثل هذا بغير علم، فعن أم العلاء – وكانت بايعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قالت:(طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون، فاشتكى عثمان فمرَّضناه حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت:(رحمة اللّه عليك أبا السائب شهادتي عليك، لقد أكرمك اللّه تعالى، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:(وما يدريك أن اللّه تعالى أكرمه؟)، فقلت:(لا أدري بأبي أنت وأمي)، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:(أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وأني لأرجو له الخير، واللّه ما أدري وأنا رسول اللّه ما يفعل بي)، قالت، فقلت:(واللّه لا أزكي أحداً بعده أبداً)، وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عيناً تجري، فجئت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرته بذلك، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:(ذاك عمله)([4])، وفي لفظ:(ما أدري وأنا رسول اللّه ما يفعل به)

بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو رسول الله أخبر أنه لا يعلم أقواما من أمته بل من أصحابه يوم القيامة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ليُذادَنَّ أقوام من أمتي حوضي أعرفهم ويعرفوني ويؤخذ بهم جهة النار، فأقول: أصحابي أصحابي. فيقال: ليسوا أصحابك إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً)([5])

وسر ذلك أن للجزاء من الموازين والأسرار ما لا يعلمه إلا الله، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الرجل ليعمل عمل الجنة فيما يبدو للناس وهومن أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة)([6])

وللخاتمة تأثيرها الكبير في هذا المجال، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة)([7])

ولهذا الضابط أثره التربوي الكبير، بحيث يحمي المتلقي من الغرور الذي قد يدفعه إلى الأمن من مكر الله، وهي الثغرة الخطيرة التي ينفذ منها الشيطان لقلب الإنسان.

وننبه هنا إلى بعض الدخن الذي أصاب بعض أدعياء التربية من المسلمين حين يجزم لمريديه لا بالجنة وحدها، بل بالفردوس الأعلى، وكأن مفاتيح خزائن الجنة بيديه، يدخل من يشاء، ويحرم من يشاء، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

ب ـ عدم الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة:

فهي طامة هذا الباب، كما هي طامة الأبواب الكثيرة التي ينفذ من خلالها التحريف المبعد عن مقاصد الشرع.

فالأحاديث الضعيفة قد ترغب في أمور على حساب أمور أخرى، وقد تصف من الجزاء على بعض الأعمال الصغيرة ما يكل العامل لها للتقاعد بعدها، فلا يحتاج لمزيد عمل، ولا لمزيد جزاء.

وكمثال على ذلك ما وري في الحديث المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو منه بريء:(من اغتسل من الجنابة حلالا أعطاه الله عز وجل مائة قصر من درة بيضاء وكتب له بكل قطرة ثواب ألف شهيد)([8])، وكأن صاحب هذا الحديث يدعو المؤمنين إلى ملازمة زوجاتهم وحماماتهم، والقعود عن ميادين الجهاد، فدم الشهيد المسكين لا يعدل قطرة واحدة من قطرات المغتسل من الجنابة.

ومثله من المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو منه بريء:(يا علي غسل الموتى فإن من غسل ميتا غفر له سبعون مغفرة لو قسمت منها على الخلائق لوسعتهم)([9])

ومثله من المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو منه بريء:(إن شهر رجب عظيم، من صام منه يوما كتب الله له صوم ألف سنة ومن صام يومين كتب له صيام ألفي سنة، ومن صام ثلاثة أيام كتب له صيام ثلاثة آلاف سنة، ومن صام من رجب سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ومن صام منه خمسة عشر يوما بدلت سيئاته حسنات ونادى مناد من السماء قد غفر لك فاستأنف العمل ومن زاد زاده الله عز وجل)([10])

ومثله من المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو منه بريء:(من صلى علي صلاة تعظيما لحقي جعل الله عز وجل من تلك الكلمة ملكا له جناحَ في المشرق وجناحَ له في المغرب ورجلاه في تخوم الأرض وعنقه ملوي تحت العرش يقول الله عز وجل: صلي على عبدي كما صلى على نبيي فيصلي عليه إلى يوم القيامة)([11])

ومثل هذا نصوص كثيرة كلها على هذا المنوال الساذج من ترتيب ثواب عظيم جدا على عمل قليل.

ج ـ الحث على الإخلاص العالي:

وهو إفراد الله تعالى بإرادة العمل، فلا يطلب بالعمل غير وجه الله، وهو المراد بقوله تعالى:{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة:5)، والذي يناجي به المسلم ربه في صلواته كل يوم ما لا يقل عن سبع عشرة مرة.

وهو الذي أمر صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله تحقيقا للإسلام الخالص:{ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام:162 ـ 163)

وهو ما وصف الله تعالى به المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى:{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} (الكهف:28)، وقال تعالى:{ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنعام:52)

وأخبر أن من أول صفات المؤمنين توحيد قبلة قلوبهم، فلا يتوجهون لغير الله، ولا يطلبون من الله غير الله، قال تعالى:{ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة:112)، وقال تعالى:{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} (النساء:125)، وقال تعالى:{ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (لقمان:22)

وهذ هو المراد بما ذكره الصالحون من عدم التفاتهم في طاعاتهم للجنة أو النار، لا أنهم لا يرغبون في الجنة أو لا يرهبون من النار، وكيف لا يرغبون في الجنة، وهي محل اللقاء، وكيف لا يرهبون من النار، وهي محل الحجاب والطرد.

ولهذا يجمع القرآن الكريم بين الوصفين: وصف الخشوع الذي يعني إخلاص الوجه لله، وسلامة المقصد في عبادته، وبين الرغبة فيما في يد الله والرهبة منه، فقال تعالى واصفا أنبياءه المصطفين:{ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الانبياء:90)

ومثل ذلك وصفه تعالى أكمل المؤمنين إيماناً، قال تعالى:{ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (السجدة:15 ـ 16)

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يخبر أن العمل ليس سببا بحد ذاته للأجر، وإنما سببه رحمة الله حتى لا يقصد بالعمل غير وجه الله، ففي الحديث، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما من أحد يدخل الجنة بعمله)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:(ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه)([12])

ومع ذلك، فقد حصلت بعض المبالغات في هذا الباب تستوجب الإنكار، أدت بالبعض إلى احتقار الجنة وازدرائها، والحديث عنها حديثا لا يتناسب مع ما أخبر الله تعالى من كونها منزلة كرامة لأوليائه.

وقد قال بعض الأعراب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم:(والله إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، وإنما أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار)؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(حولها ندندن)([13])، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يدندن بدعائه حول الجنة، فهل يتصور عقلاً وجود من هو أكمل منه صلى الله عليه وآله وسلم، فيستعيذ بالله منها.

والقيمة التربوية لهذا الضابط عظيمة، فالإخلاص هو منطلق كل خير، وبقدر إسلام الوجه لله، واجتماع القلب على الله تتحقق الربانية، ويتحقق القرب.

2 ـ الدعاء

ويشير إلى هذا النوع من الجزاء من القرآن الكريم قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (التوبة:103)

فالله تعالى يدعو في هذه الآية رسول الله r أن يقابل صدقات أصحابه بالدعاء لهم، ويخبر بما يحققه دعاؤه لهم من سكينة نفسية وطمأنينة وراحة تجعلهم يقبلون على العمل الصالح بشوق ورضا.

ولهذا كان r يطبق هذا الهدي في الزكاة وغيرها:

أما في الزكاة والصدقات، والتي هي المحل الذي ذكر في الآية، فقد كان من هديه r كان إذا أتى بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبو أوفى بصدقته، فقال:(اللهم صل على آل أبي أوفى)([14])

وأما في غيرها فقد كان r يقابل كل ما يقدم له من خير بالدعاء لأصحابه، مهما كان صغيرا، قال ابن عباس: كنت في بيت ميمونة فوضعت لرسول الله r طهوره، فقال:(من وضع لي هذا؟)، فقالت ميمونة: عبد الله، فقال r:(اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)

وفي حديث أبي قتادة الطويل العظيم المشتمل على معجزاتٍ متعدّداتٍ لرسول اللّه r قال: فبينا رسولُ اللّه r يسيرُ حتى ابهارّ([15]) الليل وأنا إلى جنبه، فنَعَس رسولُ اللّه r فمالَ عن راحلته فأتيتُه فدعَّمتُه من غير أن أُوقظَه حتى اعتدل على راحلته، ثم سارَ حتى تهوَّر([16]) الليلُ مال عن راحلته، فدعَّمتُه من غير أن أوقظَة حتى اعتدل على راحلته، ثم سارَ حتى إذا كان من آخر السَّحَر مالَ ميلة هي أشدّ من الميلتين الأُولَيَيْن حتى كاد ينجفلُ([17])، فأتيتُه فدعَّمته، فرفعَ رأسَه فقال: (مَنْ هَذَا؟) قلتُ: أبو قتادة، قال:(مَتَى كان هَذَا مَسِيركَ مِنِّي؟) قلتُ: ما زال هذا مسيري منذ الليلة، قال:(حَفِظَكَ اللّه بِما حَفِظْتَ بِهِ نَبِيّهُ)وذكر الحديث([18]).

وفي حديث جرير بن عبد اللّه البَجَليّ قال: كان في الجاهلية بيتٌ لخثعمَ يُقال له الكعبة اليمانية، ويُقال له ذو الخَلَصة، فقال لي رسولُ اللّه r:(هَلْ أنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟)، فنفرتُ إليه في مئة وخمسين فارساً من أحمسَ فكسَّرْنَا وقتلنَا مَن وجدنا عنده، فأتيناه فأخبرناه، فدعا لنا ولأحمس([19]).

وعن أسيد بن حضير قال: أتاني أهل بيتين من قومي من أهل بيت من بني ظفر وأهل بيت من بني معاوية فقالوا: كلم رسول الله r أن يقسم لنا – أو يعطينا أو نحوا من هذا – فكلمته، فقال: نعم أقسم لأهل كل بيت منهم شطرا، فإن عاد الله علينا عدنا عليهم، قال: فقلت: جزاك الله خيرا يا رسول الله! قال: وأنتم فجزاكم الله خيرا! فإنكم ما علمتكم أعفة صبر)([20])

ففي هذا الحديث نلاحظ مقابلة الشكر بالشكر، والدعاء بالدعاء، وهو أدب رفيع، ومثله ما روي عن جابر قال: دخلت على رسول الله r ذات يوم فقال:(مرحبا يا جويبر جزاكم الله يا معشر الأنصار خيرا، آويتموني إذ طردني الناس، ونصرتموني إذ خذلني الناس، فجزاكم الله معشر الأنصار خيرا)، فقلت:(بل جزاك الله عنا خيرا، بك هدانا الله إلى الإسلام، وأنقذنا من شفا حفرة من النار، وبك نرجو الدرجات العلى من الجنة)([21])

وقد روي مثله عن عائشة، قالتْ: أَهديتُ لرسول اللّه r شاةٌ قال:(اقْسِمِيها)، فكانت عائشةُ إذا رجعتِ الخادمُ تقولُ: ما قالُوا؟ تقولُ الخادمُ: قالوا: باركَ اللّه فيكم، فتقول عائشة:(وفيهم بارك اللّه، نردُّ عليهم مثلَ ما قالوا، ويَبقى أجرُنا لنا)([22])

وقد أخبر r أن مقابلة المعروف بالدعاء من أعظم الجزاء على المعروف، ومن أفضل ما يقابل به الإحسان، قال r:(من صنع إليه معروف، فقال لفاعله جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء)([23]) وفي رواية:(من أسدى إليه بمعروف فقال للذي أسداه جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء)

وقد روي عن عبد اللّه بن أبي ربيعة قال: استقرضَ النبيُّ r منِّيَ أربعين ألفاً، فجاءَه مال فدفعَه إليَّ وقال:(بارَكَ اللَّهُ لَكَ في أهْلِكَ ومَالِكَ، إنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الحَمْدُ والأداءُ)([24])

بل دعا r إلى كثرة الدعاء لمن عمل معروفا إلى أن يتيقن أنه قد أوفاه أجره، قال r:(من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه)([25])، وفي رواية:(حتى تعلموا أنكم شكرتموه، فإن الله تعالى شاكر يحب الشاكرين)([26])

3 ـ القول الحسن

وإليه الإشارة بقوله تعالى:{ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً } (البقرة:83)، ويشمل أمرين، سنتحدث عنهما في هذا المطلب، هما:

1 ـ الشكر: وهو الثناء الخاص في حضور المحسن.

2 ـ المدح: وهونشر الثناء له بين الناس.

أ ـ الشكر

ويشير إليه ـ كنوع من أنواع الجزاء ـ قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لقمان:14)، فقد جمع الله تعالى بين شكر العبد له، وشكره لوالديه، باعتبارهما واسطة وسببا لجود الله عليه.

ومن كمال شكر صاحب الفضل أن يشكر السبب الذي وصل عن طريقه الفضل، ولهذا ورد في الحديث قوله r:(من لم يشكر الناس لم يشكر الله)([27])، وفي رواية أخرى: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)([28])

بل ورد في حديث آخر ما هو أعظم من ذلك، حيث عبر بأفعل التفضيل ليدل على أن من الكمال شكر وسائط الجود الإلهي، ليني ما قد يتوهم من أن ذلك مناف للتوحيد، قال r:(إن أشكر الناس لله تعالى أشكرهم للناس)([29])

 وفي هذا المجال، فقد دعا صلى الله عليه وآله وسلم إلى مقابلة الإحسان بالشكر والثناء والاعتراف بالفضل لأهل الفضل، قال r:(من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر)([30])، وقال r:(من أولى معروفا فليذكره فمن ذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره)([31])، وقال r:(من لم يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لا يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر)([32])

بل اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم المثني على الخير والشاكر له في درجة العامل به، فعندما أعجب المهاجرون بأخلاق الأنصار وتضحياتهم في سبيل الله، قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله؟ ما رأينا قوما أحسن بذلا للكثير، ولا مواساة في القليل منهم، ولقد كفونا المؤونة)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟) قالوا:(بلى)، قال:(فذاك بذاك)([33])

وسر ذلك ـ والله أعلم ـ أن التشجيع على الخير بالذكر له ونشره والثناء عليه من أكبر وسائل نشره والدعوة إليه والحض على الثبات عليه، ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الدال على الخير كفاعله)([34])، فالشاكر على الخير مقر به دال عليه، فلذلك اعتبر مساويا للفاعل له.

بل إن الشخص قد يشكر على القليل، فيدعوه ذلك لبذل الكثير، بل قد يشكر على ما لم يفعله، فيجد نفسه مسارعا لفعله، بل قد يشكر على شيء معلقا على شيء، فيسرع إلى رفع التعليق ليستوفي الشكر كاملا، ولهذا لما قال صلى الله عليه وآله وسلم:(نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)قال سالم مبينا أثر هذا القول في سلوك ابن عمر:(فكان عبد الله، بعد ذلك، لا ينام من الليل إلا قليلا)([35])

وقد اعتبر الشعراني هذا الأدب الرفيع في التعامل من العهود التي تلقتها الأمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:(أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نشكر كل من أسدى إلينا معروفا ونكافئه على ذلك ولو بالدعاء أدبا مع الشارع في أمره لنا بذلك)

ويتأسف على التقصير في هذا العهد، وتأثير ذلك التقصير، فقال:(وقد كثرت الخيانة لهذا العهد من غالب الناس، حتى صرت تربي اليتيم إلى أن يصير له أولاد ولا يتذكر لك نعمة ولا يحفظ معك أدبا، وصار من وقع له ذلك يحذر من يريد يفعل مثله مع الناس، فبتقدير أن المنعم من أولياء الله تعالى لا يلتفت إلى شكره، فالمنعم عليه لا يستحق ذلك)

ومن أهم المخاوف التي قد تحصل من هذا النوع من أنواع الجزاء الغرور الذي قد يجعل الشخص يتصور نفسه ولي النعمة ومفيضها لا واسطتها وسببها، وهذا يتنافى مع التوحيد، أو يجعله ينتظر كل حين أن يشكر على ما بذل، بل قد يستحلي الثناء، فيحب أن يحمد على ما لم يفعل، فيجره ذلك إلى الرياء وطلب السمعة، وهو ما يتنافى مع الإخلاص، فلذلك كان من التحصينات المهمة لهذا النوع من أنواع الجزاء: التوحيد، والإخلاص:

التوحيد:

وإليه الإشارة بتقديم شكر الله على شكر الوالدين في قوله تعالى:{ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك} (لقمان:14)، فقدم الله شكره على شكر الوالدين مع أن مقام الآية هو الحديث عن فضل الوالدين، والحث على شكرهما، لئلا يشغل شكرهما عن شكر الله.

ولهذا نبه الصالحون إلى ضرورة استشعار التوحيد للشاكر والمشكور، قال الشعراني:(فاشكر يا أخي من أسدى معروفا لكن من غير وقوف معه، فتراه كالقناة الجاري لنا منها الماء أو كالأجير الذي يغرف لنا من طعام رجل غيره بأجرة جعلها له)

وقال الغزالي في بيان ما يقتضيه التوحيد عند أخذ العطية:(وتوحيده أنه إذا أخذ العطاء حمد الله عز وجل وشكره ورأى أن النعمة منه ولم ينظر إلى واسطة، فهذا هو أشكر العباد لله سبحانه وهو أن يرى أن النعمة كلها منه)([36])

وعلل ذلك بأن من شكر غير الله تعالى، حقيقة لا مجازا، (فكأنه لم يعرف المنعم ولم يتيقن أن الواسطة مقهور مسخر بتسخير الله تعالى إذ سلط الله تعالى عليه دواعي الفعل ويسر له الأسباب فأعطى وهو مقهور، ولو أراد تركه لم يقدر عليه بعد أن ألقى الله عز وجل في قلبه أن صلاح دينه ودنياه في فعله. فمهما قوي الباعث أوجب ذلك جزم الإرادة وانتهاض القدرة ولم يستطع العبد مخالفة الباعث القوي الذي لا تردد فيه والله عز وجل خالق للبواعث ومهيجها ومزيل للضعف والتردد عنها ومسخر القدرة للانتهاض بمقتضى البواعث. فمن تيقن هذا لم يكن له نظر إلا إلى مسبب الأسباب)

وعبر ابن عطاء الله عن ذلك بالدعوة إلى الجمع بين النظرين: نظر التوحيد الذي يقتضي إفراد الله بالشكر على النعمة، ونظر الشريعة الداعية إلى الاعتراف بقضل الوسائط، فقال:(إن كانت عين القلب تنظر إلى أن الله واحد في منته، فالشريعة تقضي أنه لا بد من شكر خليقته)، أي إن كانت البصيرة التي هي عين القلب تنظر إلى أن الله تعالى واحد في منته ؛ بمعنى أنه المعطي في الحقيقة لا غيره فلا يستحق الشكر سواه، فالشريعة أمرتنا أن نشكر أيضاً من وصلت النعمة على يده.

ولذلك كان الكمال في النظر إلى الجهتين جميعا، وبكلا النظرين، فيشكر الله حقيقة، ويشكر الخلق مجازاً امتثالاً لأمر الخالق.

وقد قسم ابن عطاء الله الناس نحو الجمع بين هاتين النظرتين إل ثلاثة أقسام:

الغافلون: وهم المنهمكون في غفلتهم، الذين قويت دائرة حسهم، فنظروا الإحسان من المخلوقين ولم يشهدوه من رب العالمين، إما اعتقاداً لذلك، وهو شرك جلي، لأن من اعتقد أن المؤثر والمعطي هو العبد فشركه ظاهر جلي يخرجه من ربقة الإيمان، وإما أن ينسب ذلك إلى العبد استناداً، وهو شرك خفي لكونه أشرك مع الله غيره ففي إيمانه نقص.

المجذوبون: وهم المستغرقون في أحوالهم، بحيث غابوا عن الخلق بشهود الله، وفنوا عن الأسباب بشهود مسبب الأسباب، وهؤلاء قد لا يلتفتون إلى شكر الخلق لاندهاش بصيرتهم وعماها عن النظر إلى الحق.

وهم أكمل من الصنف السابق، لامتلائهم بالتوحيد، وهم أنزل درجة من الصنف التالي لتقصيرهم فيما تقتضيه الشريعة في هذا المقام.

العارفون: وهم الكمل الذين جمعوا بين التوحيد والشريعة، قال ابن عطاء الله:(وأكمل منه عبد شرب فازداد صحواً، وغاب فازداد حضوراً، فلا جمعه يحجبه عن فرقه ولا فرقه يحجبه عن جمعه، ولا فناؤه عن بقائه ولا بقاؤه يصده عن فنائه، يعطي كل ذي قسط قسطه ويوفي كل ذي حق حقه، وهذا حال خواص الخواص، فإن من شرب من كؤوس التوحيد فازداد صحواً بعد سكره، وغاب عن الخلق فازداد حضوراً معهم بربه قد شرب بالكأسين وجمع بين المزيتين، فباطنه مكمل بالحقيقة، وظاهره مجمل بالشريعة، فيشكر الخلق والحق لا يغيب عن الحق في حال مخالطة الخلق ليعطي كل ذي قسط قسطه)

الإخلاص:

وإليه الإشارة بقوله تعالى مخبرا عن مقالة الأبرار بعد إطعامهم الطعام:{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً} (الانسان:9)، أي لا نريد منكم مكافأة، ولا أن تثنوا علينا بذلك([37]).

وسر ذلك أن المبالغة في الشكر قد تجعل قبلة العمل متوجهة للشكر وثناء الخلق لا متوجهة لله رب العالمين، فلذلك قد يترك الخير أو يقصر فيه إن خشي جحود من قدم له الخير، ولهذا أدبنا القرآن الكريم على أن نستمر في فعل الخير حتى لمن أساء إلينا.

وقد ورد في حديث الإفك الطويل أنه لما أنزل اللّه براءة عائشة قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره ـ وهو من الذين وقعوا في هذا الحديث ـ:(واللّه لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة)، فأنزل اللّه تعالى تأديبا له ولهذه الأمة:{ وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور:22)، فقال أبو بكر:(بلى واللّه إني لأحب أن يغفر اللّه لي)، فرجَّع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال:(واللّه لا أنزعها منه أبداً)([38])

وقد ذكر الغزالي من علامات صدق المتصدق وخلوه من استشعار أنانيته عند التصدق (أن يقدّر أن الفقير لو جنى عليه جناية أو مالأ عدوّاً له عليه مثلاً هل كان يزيد استنكاره واستبعاده له على استنكاره قبل التصدّق؟ فإن زاد لم تخل صدقته عن شائبة المنة لأنه توقع بسببه ما لم يكن بتوقعه قبل ذلك)([39])

وذكر من هدي الصالحين ما يبين استشعارهم لهذا المعنى، وحذرهم منه، وهو ما دعاهم إلى الوقوف بين يدي الفقير بحال السائل لا المعطي، فذكر عن بعضهم أنه كان يضع الصدقة بـين يدي الفقير ويتمثل قائماً بـين يديه يسأله قبولها حتى يكون هو في صورة السائلين وهو يستشعر مع ذلك كراهية لو رده.

وكان بعضهم يبسط كفه ليأخذ الفقير من كفه وتكون يد الفقير هي العليا.

ولأجل التحصن بحصن الإخلاص ورد النهي عن المن والأذى، فقال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى } (البقرة:264)

وقد ذكر الغزالي المنبع النفسي الذي يصدر منه هذان السلوكان اللذان ينحرفان بالصدقة عن هدفها الشرعي من تطهير النفس، فقال بعد ذكر الخلاف فيهما:(وعندي أنّ المن له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته؛ ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح فأصله أن يرى نفسه محسناً إليه ومنعماً عليه، وحقه أن يرى الفقير محسناً إليه بقبول حق الله عز وجل منه الذي هي طهرته ونجاته من النار، وأنه لو يقبله لبقي مرتهناً به فحقه أن يتقلد منه الفقير إذ جعل كفه نائباً عن الله عز وجل في قبض حق الله عز وجل. قال رسول الله: (إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ بِـيَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ السَّائِلِ)، فليتحقق أنه مسلم إلى الله عز وجل حقه، والفقير آخذ من الله تعالى رزقه بعد صيرورته إلى الله عز وجل)([40])

وضرب مثالا مقررا لهذا المعنى الجليل بمن كان عليه دين لإنسان فأحال به إلى خادمه الذي هو متكفل برزقه، فإنه لو كان اعتقاد مؤدي الدين كون القابض تحت منته كان ذلك منه سفهاً وجهلاً، فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه.

والذي يزيل هذا الداء النفسي الباعث على حب تعقيب الخلق الإحسان بالشكر هو تجريد المعاملة مع الله من العلاقات، قال الغزالي يعبر عن تجريد الصدقات:(وكيفما كان فلا معاملة بـينه وبـين الفقير حين يرى نفسه محسناً إليه)

أما الأذى، وهو النوع الثاني الذي يعقب به المراءون أعمالهم، فظاهره ـ كما يعبر الغزالي ـ التوبـيخ والتعيـير، وتخشين الكلام، وتقطيب الوجه، وهتك الستر بالإظهار وفنون الاستخفاف.

أما باطنه وهو الأساس والمنبع، فأمران:

أحدهما: كراهيته لرفع اليد عن المال وشدّة ذلك على نفسه فإنّ ذلك يضيق الخلق لا محالة.

والثاني: رؤيته أنه خير من الفقير، وأن الفقير لسبب حاجته أخس منه.

ولأجل التحصن بحصن الإخلاص وردت النصوص باستحباب إسرار الأعمال، فقال تعالى:{ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } (البقرة:271)، فقد أخبر تعالى أن صدقة السر خير من صدقة العلانية([41])، بل ورد في الحديث الشريف:(صدقة السر تطفىء غضب الرب عزّ وجلّ)([42])

ولهذا ورد في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:(ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)، ومنهم (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)([43])

ولهذا كان أحب العباد إلى الله المخلصون الذين يسترون أعمالهم الصالحة كما يستر الناس معاصيهم،قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن أدنى الرياء شرك، وأحب العبيد إلى الله تعالى الأتقياء الأخفياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يعرفوا، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم)([44])

وقد ذكر الغزالي هدي الصالحين في الإسرار بمعروفهم، فذكر من ذلك أن بعضهم كان يلقيه في يد أعمى، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي، وبعضهم كان يصره في ثوب الفقير وهو نائم، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره بحيث لا يعرف المعطي، وكان يستكتم المتوسط شأنه ويوصيه بأن لا يفشيه.

قال الغزالي معقبا على هذه الاجتهادات:(كل ذلك توصلاً إلى إطفاء غضب الرب سبحانه واحترازاً من الرياء والسمعة)

ب ـ المدح

وهو إشهار محاسن من عمل عملا صالحا، إما من باب تشجيعه أو لنشر قيم الخير بسبب الثناء عليه.

وهو منهج قرآني لنشر قيم الخير والصلاح في النفس والمجتمع، ولهذا يرد في القرآن الكريم الثناء العطر الكثير على الأنبياء والصالحين مضمخا بذكر محاسن أعمالهم لتكون محلا للقدوة.

فقوله تعالى ـ مثلا ـ وهو يمدح نبيه صلى الله عليه وآله وسلم:{ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4)من أفضل الاساليب الداعية إلى مكارم الأخلاق.

وقوله تعالى في مدح أنبيائه ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ:{ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الانبياء:90)دعوة للمسارعة في الخيرات.

بل إن الله تعالى يطلق على عباده الصالحين ألقابا خاصة تشريفا لهم وتكريما، فهم المخبتون، قال تعالى:{ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} (الحج:34)، وهم المخلصون:{ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} (الصافات:40)، وهم عباد الرحمن:{ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} (الفرقان:63)، وهم المقربون:{ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} (الواقعة:11)، وقال تعالى:{ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} (المطففين:21)، وقال تعالى:{ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} (المطففين:28)، وهم الصديقون:{ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} (المائدة:75)، وقال تعالى:{ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ } (يوسف:46)، وقال تعالى:{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً} (مريم:41)، وقال تعالى:{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً} (مريم:56)

وقد يجمع الله تعالى ألقابا مختلفة في محل واحد، كقوله تعالى:{ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (التوبة:112)

وهكذا يمتلئ القرآن الكريم ثناء عطرا على الصالحين من عباد الله ليكون نماذج سلوكية يحتذى بها.

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يستنكر المدح ما دام يركز على المعاني الصحيحة التي أقرتها الشريعة أو دعت إليها.

بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم قيلت فيه المدائح الكثيرة شعرا وخطابة ومخاطبة، ولم يستنكر من ذلك شيئا إلا إذا كان بعيدا عن الحق، أو لم يتقيد بقيود المدح التي سنذكرها.

ومن ذلك ما مدحه عبد الله بن رواحة قائلاً:

إني تفرست في الخير أعرفه والله يعلم أن ما خانني البصر

أنت النبي ومن يُحرَم شفاعته يوم الحساب فقد أزرى به القدر

فثبّتَ الله ما آتاك من حَسَنٍ تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا

فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة)

ومدحه كعب بن زهير في قصيدته المشهورة عندما جاء تائباً مسلماً:

إن الرسول لنور يُستضاء به مهندٌ من سيف الله مسلول

في فتيةٍ من قريشٍ قال قائلهم ببطنِ مكةَ لما أسلموا: زولوا

ولكن المدح كغيره من الأساليب يحتاج إلى ضوابط تمنع انحرافه عن هدفه الشرعي الصحيح، ولهذا وردت بعض النصوص بالنهي عنه، بل اعتبره الغزالي من آفات اللسان، وقد ذكر النووي وجه الجمع بين النصوص الدالة على النهي، وما يدل منها على الجواز، فقال:(ذكر مسلم في هذا الباب الأحاديث الواردة في النهي عن المدح وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه، قال العلماء: وطريق الجمع بينها أن النهي محمول على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف، أو على من يخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح، وأما من لا يخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير والازدياد منه أو الدوام عليه أو إِلاقتداء به كان مستحباً والله أعلم)([45])

وانطلاقا من هذا يمكن الاحتراز من آفات المدح المسببة لحرمته بالضوابط الثلاثة التالية:

الصدق:

 ونعني به أمرين:

الأول: صدق المادح فيما مدح به ممدوحه، فلا يمدحه بشيء ليس فيه، ولا يتجاوز الصفات الحقيقية الصادقة في الممدوح.

ولخطورة هذ الضابط، وعدم إمكان الاطلاع على السرائر، فقد نص العلماء على جواز المدح انطلاقا من الظواهر، لأنها في العادة تدل على السرائر، قال الغزالي:(وهذه الآفة تتطرّق إلى المدح بالأوصاف المطلقة التي تعرف بالأدلة كقوله إنه متق وورع وزاهد وخير وما يجري مجراه، فأما إذا قال رأيته يصلي بالليل ويتصدّق ويحج فهذه أمور مستيقنة. ومن ذلك قوله إنه عدل رضا فإنّ ذلك خفي فلا ينبغي أن يجزم القول فيه إلا بعد خبرة باطنة)([46])

ولهذا ورد النص بتقييد المدح بما يدل على التحفظ على هذا الجانب، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن كان أحدكم لا بد مادحا أخاه فليقل أحسب فلانا ولا أزكي على الله أحدا حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك)([47])

الثاني: صدق ظن المادح في الممدوح، لأن المدح مظهر للحب، وقد لا يكون مضمراً له ولا معتقداً لجميع ما يقوله فيصير به مرائياً منافقاً.

وهو ما وصف به تعالى المنافقين في قوله:{ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} (المنافقون:1)

فقد وصفهم الله تعالى بالكذب فيما أخبروا به، مع كون الخبر صادقا، وذلك لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه، ولهذا كذّبهم بالنسبة إلى اعتقادهم.

وقد روي في سبب نزول قوله تعالى:{ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (البقرة:14)عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحبا بالصديق سيد بني تميم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد عدي بن كعب، الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أخذ بيد علي وقال: مرحبا بابن عم رسول الله وختنه، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيرا.فرجع المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبروه بذلك، فنزلت هذه الآية([48]).

ولهذا لما أثنى رجل على علي في وجهه، وكان قد بلغه أنه يقع فيه، فقال: أنا دون ما قلت، وفوق ما في نفسك.

التوسط:

وهو يكاد يرجع إلى ما قبله، لأن المبالغة والإفراط في المدح نوع من الكذب، ولهذا نهى صلى الله عليه وآله وسلم أن يبالغ في مدحه بما قد يخرج إلى الانحراف والضلال كما حصل مع المبالغين في مدح المسيح عليه السلام إلى أن زعموا له ما زعموا، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله)([49])

بل روي ما هو أدنى من ذلك، فعن مُطرِّف قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد: الله تبارك وتعالى. قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طَوْلاً، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان)([50])

وقد كان المادحون له بهذا بعض من الأعراب كانوا حديثي عهد بالإسلام، فكره لهم صلى الله عليه وآله وسلم المبالغة في مدحه، خشية أن يستعملهم الشيطان فيما يريد من التعظيم للمخلوق بمقدار لا يجوز.

وهذا كله زيادة على أن المبالغة في المدح تذهب من قيمته وصدقه، بل تعتبر في الحقيقة نوعا من الهجاء للمدوح، لأن من مدح بما ليس فيه ذم بما فيه.

الأمن:

ويتعلق بالممدوح، فإن المدح قد يكون صادقا غير مبالغ فيه، ومع ذلك يكون فتنة للممدوح، فيحرم بهذا السبب.

وذلك لاختلاف الناس في التعامل مع المدح، ويمكن تقسيم مواقفهم في ذلك إلى ثلاثة أصناف:

من لا ينتفع به ولا يتضرر: وهو لا يلتفت إليه أصلا، اكتفاء بما عنده من الهمة، وبصدق إخلاصه، وبمعرفته لنفسه، وفي هؤلاء قال سفيان بن عيـينة:(لا يضر المدح من عرف نفسه)

ولهذا يتبرأ الصالحون مما يقوله مادحوهم، وقد أثني على رجل من الصالحين فقال:(اللهم إنّ هؤلاء لا يعرفوني وأنت تعرفني)

ولما أثني على علي قال:(اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيراً مما يظنون)

من ينفعه المدح: وهو من يلتفت إليه، فيكون حافزا له إلى الخير، وإلى هؤلاء الإشارة بقوله تعالى:{ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (يونس:64)

فمن الأقوال في تفسير البشارة الحاصلة في الدنيا أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن.

وقد ورد من الحديث المؤيد لهذا عن أبي ذر أنه قال:(يا رسول اللّه، الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به)، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:(تلك عاجل بشرى المؤمن)([51])

وفرح هؤلاء كما يشير الحديث ليس بالثناء، وإنما بكون ذلك علامة على محبة الله وقبوله، كما ورد في الحديث القدسي:(إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله تعالى يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض)([52])

فقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن حب الخلق وقبولهم للعبد المؤمن ناتج عن حب الله، وحب الملائكة ـ عليهم السلام ـ

ونحب أن ننبه هنا إلى أن القبول المشار إليه في الحديث هو القبول عند عباد الله الصالحين لا عند الفسقة الفجرة.

وقد ذكر الفخر الرازي من الأدلة العقلية ما يقوي هذا المعنى، فقال:(واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال، صار محبوباً لكل أحد، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله، مستغرق اللسان بذكر الله، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله، فإذا ظهر عليه أمر من هذا الباب، صارت الألسنة جارية بمدحه، والقلوب مجبولة على حبه، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر، كانت هذه المحبة أقوى)

وذكر وجها آخر له قيمته في حب المؤمن للثناء مع عدم تأثير ذلك ـ في نفس الوقت ـ في إخلاصه، فقال:(وأيضاً فنور معرفة الله مخدوم بالذات، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدوماً بالطبع ألا ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة)

وهذا الوجه يجعل المؤمن يستشعر في مدحه تعظيما لما فيه من نور الإيمان لا تعظيما مرتبطا بذاته.

من يضره المدح: وهو من يلتفت إليه، فيؤثر في إخلاصه أو في عزيمته:

أما تأثيره في إخلاصه، فبأن يحدث في نفسه كبرا أو استعلاء، ولهذا ورد التحذير من المدح، بل ورد القول بتحريمه، بل عقوبة المادحين.

وقد روي أنه قام رجل يثني على أمير من الأمراء، فجعل المقداد يحثي عليه التراب، ويقول:(أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نحثي في وجوه المداحين التراب([53]))([54])

ويتأكد المنع إن كان الممدوح ظالما أو فاسقا، فذلك زيادة على كونه كذبا، قد يكون تشجيعا له على ما هو فيه من ظلم، ولهذا روي في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا مدح الفاسق غضب الرب، فاهتز لذلك العرش)([55])

ويشمل هذا السلوك كل أصناف الجزاء، ولهذا قال الحسن:(من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصي الله تعالى في أرضه)، قال الغزالي:(والظالم الفاسق ينبغي أن يذم ليغتم ولا يمدح ليفرح)

ومع ذلك، فقد يستحب مدحه ببعض ما فيه من الخير تأليفا لقلبه، إن ظن تأثير ذلك فيه، والأدلة على ذلك كثيرة لا يمكن ذكرها هنا.

أما تأثيره في عزيمته، فبأن يحدث فيه رضى عن نفسه وعجبا، بحيث يكون سببا لضعف تشميره إلى الطاعة.

فالرضى عن النفس هو منبع كل المهلكات، كما قال ابن عطاء الله:(أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها. ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه، خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه، فأي علم لعالمٍ يرضى عن نفسه؟ وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟)

وسر ذلك أن النظر إلى النفس بعين الرضا يوجب تغطية عيوبها، فيصير قبيحها حسناً، لأن من رضي عن نفسه، استحسن حالها، فتستولي عليه الغفلة عن الله تعالى، فينصرف قلبه عن مراعاة خواطره، فتثور عليه الشهوة، وتغلبه ؛ لعدم وجود المراقبة القلبية التي تدفعها، فيقع في المعاصي لا محالة.

 بخلاف النظر إليها بعين السخط، فإنه قد يدفعه إلى خلافها وإصلاحها، وذلك كما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة  كما أن عين السخط تبدي المساويا

ولعله لأجل هذا اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم المدح ذبحا كما ورد في أحاديث مختلفة، منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إياكم والتمادح، فإنه الذبح)([56])، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إياكم والمدح فإنه الذبح)([57])

وسمع صلى الله عليه وآله وسلم مرة رجلا يمدح رجلا فقال:(قطعت ظهر الرجل)([58])، وفي حديث آخر، أو رواية أخرى، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ويحك قطعت ظهر أخيك، والله لو سمعها ما أفلح أبدا، إذا أثنى أحدكم على أخيه فليقل: إن فلانا، ولا أزكي على الله أحد)([59])

وسر ذلك أن حياة المؤمن بسلوكه لله واتصاله به، فإن سرت إليه الغفلة، أو انحرف سلوكه كان ذلك ذبحا له وقطعا لحقيقته.

4 ـ الثواب المادي

ويشير إلى هذا النوع من الجزاء قوله تعالى:{ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (العنكبوت:27)، وقوله تعالى:{ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (النحل:122)

فالله تعالى يخبر في هاتين الآيتين أنه آتى إبراهيم عليه السلام أجره في الدنيا قبل الآخرة، ومن الأجر الذي آتاه ـ كما قال العلماء ـ ما فتح الله عليه من خزائن الرزق وبارك له فيه، وهذا ما سميناه هنا بالثواب المادي.

ويشير إليه من السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من قتل قتيلا فله سلبه)([60])، ففي هذا الحكم الذي أطلقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الغزوات تشجيع للمقاتلين بحافز مادي هو أن كل من قتل قتيلا يستطيع تملك ما معه من غير أن يحسب ذلك من نصيبه في الغنائم.

 ويشير إليه كذلك الأحاديث الداعية إلى مكافأة المحسن، فمن مكافأته ما يعطى من الجوائز والهدايا تشجيعا له على إحسانه، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له)([61])

وقد قدر السلف أهمية ترغيب الأبناء وثوابهم عند حسن استجابتهم ومن ذلك ما رواه النضر بن الحارث قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول، قال لي أبي:(يا بني اطلب الحديث، فكلما سمعت حديثاً وحفظته فلك درهم)، فطلبت الحديث على هذا.

وسر هذا أن في طبيعة الإنسان ـ وفي طبيعة الطفل خاصة ـ الرغبة في الشعور بقبول غيره له، فلذلك كان كل تعبير دال على القبول نوعا من الحوافز المشجعة، فلذلك لا ينظر الطفل أو عموم الناس إلى قيمة الجوائز المادية بقدر نظرهم إلى سببها الدافع لها.

بل إن هذا الأسلوب لا يمارس على مستوى الإنسان فقط، فهو فطرة بهيمية قبل أن تكون فطرة إنسانية، ولذلك يعمد محترفو السيرك عند ترويض بعض الحيوانات الضخمة أو الشرسة وتدريبها على القيام بأعمال تدعو للدهشة والاستغراب إلى أن يطلبوا من هذا الحيوان عملاً معيناً، فإذا حقق منه نسبة نجاح معينة أعطوه قطعة لحم، وربتوا على جسمه دلالة على رضاهم عنه، ثم يكررون العملية عدة مرات مع قطع لحم أخرى أيضاً، وتزداد نسبة النجاح شيئاً فشيئاً حتى يتوصلوا للمقصود.

ويحترز في هذا الصنف من أنواع الجزاء ـ زيادة على ما ذكرنا سابقا ـ من تربية الحرص المادي في فطرة الولد، فيجعل هدفه من العمل أو الإحسان هدفا ماديا محضا، وذلك لا يتعارض فقط مع الإخلاص، كما ذكرنا سابقا، وإنما يتعارض ـ أيضا ـ مع التكوين السوي لشخصيته، لأن حب المال والحرص عليه أو المبالغة في الحرص منبع من منابع الفساد.

ولهذا ذم الله تعالى الحب الشديد للمال أو الحرص المبالغ فيه عليه فقال:{ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} (العاديات:8)، فالخير هو المال، والحب([62]) هو التعلق الزائد والحرص الشديد.

وقد يرد على هذا بقوله تعالى:{ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ} (النساء:128)، فالآية تصرح بأن الشح في كل أحد، وأن الإنسان لا بد أن يشح بحكم خلقته وجبلته، فكيف يربى الشخ في النفس، وهو موجود فيها.

وقد أجاب على هذا الاعتراض قوله تعالى:{ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9)، فمادة الشح وإن كانت موجودة في النفس إلى أنه يمكن توجيهها إلى أي وجهة شاء المربي على حسب نوع الأسلوب الذي يستعمله.

فإن وجهها توجيها إيجابيا حولت صاحبها إلى شحيح على دينه وعقله وكرامته ومصيره، فلا يترك لأحد الفرصة ليتلاعب بها.

وإن وجهها توجيها ماديا بحتا حولت صاحبها إلى حريص على المال جامع له بخيل به، وأعظم بالبخل داء، وقد روي أن النبي r قال للأنصار:(من سيدكم؟)، قالوا:(الجد بن قيس على بخل فيه)، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(وأي داء أدوى من البخل)([63])

وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض آثار البخل السلوكية، فقال:(إياك والشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا)([64])

وذكر آثاره الاجتماعية، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح إن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم)([65])

ثانيا ـ جزاء الإساءة

يمكن انطلاقا من استقراء ما ورد في النصوص، ومن المنهج النبوي في التربية أن نحصر الأنواع التالية من أنواع جزاء الإساءة، وهي مقابلة تماما لما ذكرنا من جزاء الإحسان:

1ـ التحذير من العقاب الأخروي

وإليه الإشارة بالآيات الكثيرة التي تدعو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينذر الكافرين أو المقصرين بما أعد الله تعالى لهم من عقوبات على انحرافهم، كما قال تعالى:{ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأنعام:51)

فقد اعتبرت الآية الكريمة الإنذار وسيلة من وسائل تحصيل التقوى، وأسلوبا من الأساليب الداعية إليها.

وذلك لأن ما يحدثه الإنذار في النفس من الخوف يكون حجابا واقيا يمنعها من الوقوع في المعصية أو الانغماس فيها.

ولهذا كان من وظائف الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ التبشير والإنذار، لأن لكل منهما تأثيره الخاص، قال تعالى:{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} (البقرة:213)، وقال تعالى:{ رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} (النساء:165)، وقال تعالى:{ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} (النحل:2)

وأخبر عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه:{ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (لأعراف:63)، وقال هود عليه السلام لقومه:{ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (لأعراف:69)

وأخبر تعالى أن من مقاصد نزول القرآن الكريم الإنذار، قال تعالى:{ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} (الأنعام:19)، وقال تعالى:{ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا } (الأنعام:92)، وقال تعالى:{ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} (لأعراف:2)، وقال تعالى:{ هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (ابراهيم:52)

واعتبر القرآن الكريم من وظائف العلماء الإنذار، فقال تعالى:{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة:122)

وانطلاقا من هذه الأدلة الكثيرة على اعتبار الإنذار أسلوبا من أساليب الدعوة والتربية، فإن أول ما يمارسه المربي من العقوبة هو إنذار المتلقي من عذاب الله وسخطه، كما قال تعالى:{ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ } (ابراهيم:44)

فالإخبار بالعقوبة الأخروية كفيل وحده ـ لمن آمن بالله واليوم الآخر ـ بردعه من غير حاجة إلى أن يمارس معه أسلوبا آخر من أساليب الردع.

ولهذا رفع الله تعالى عقوبة المحاربة على من جاء تائبا مستغفرا قبل أن يقدر عليه، كما قال تعالى:{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (المائدة:34)، لأن التائب يكون قد امتلأ بالندم الذي دعاه إليه خوفه من الله، فكان في احتراقه الداخلي رادعا لا يحتاج معه إلى رادع خارجي.

وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى:{ وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً} (النساء:16)، فإن الآية ـ وإن قيل بنسخها ـ إلا أن لها دلالة على أن للتوبة تأثيرها في رفع الحد أو التخفيف منه بشرط أن لا يتمكن من العاصي قبل توبته، لأن توبته حينذاك قد تكون مدخولة أو نوعا من الحيلة للفرار من العقوبة.

وقد ذكرنا ـ سابقا ـ قول إبراهيم بن سفيان وهو يبين أثر الخوف في الردع عن الانحراف بقوله:(إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها، وطرد الدنيا عنها)، وعبر عن ذلك أبو سليمان بقوله:(ما فارق الخوف قلبا إلا خرب)وعبر عنه ذو النون بقوله:(الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق)

فالخوف المتولد من الإنذار هو السوط الأول الذي يضرب به المربي الانحراف، ويقوم به الاعوجاج، ويصحح به السلوك.

بل هو أخطر في تأثيره الرادع من العقوبة المادية نفسها، وذلك لأن المنحرف قد يتعود عليها، فلا يبقى لها أي تأثير فيه، ولذلك جمع الله تعالى للقاتل مجموعة عقوبات أخروية تفوق في خطرها العقوبة التي أعدت له في الدنيا، والتي قد يفلت منها بأي حيلة من الحيل،فقال تعالى:{ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} (النساء:93)

فقد جمعت الآية أنواعا من الوعيد تهتز لها القلوب وترتعد لها الفرائص، أخطرها الوعيد بالخلود في جهنم([66])، وما أعد فيها من العذاب العظيم، زيادة على غضب الله ولعنه.

ومثل ذلك ما ورد في السنة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء)([67])، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لزوال الدنيا أهول عند اللّه من قتل رجل مسلم)([68])، وفي حديث الآخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آئس من رحمة الله)([69])

فإن هذه النصوص الترهيبية وحدهاكافية في ردع أي نفس خبيثة قد لا يردعها القصاص نفسه، فإنا نجد في الواقع من يقول مهددا:(سأقتله ولو قتلت به)، لأن القوة الغضبية ـ كالقوة الشهوانية ـ لا يعقلها إلا الترهيب العظيم المنشئ للخوف في النفس من الله من غضبه وعقابه.

ولهذا ذكر الله تعالى نموذج المؤمن الذي ضحى بنفسه خوفا من الله، وكان أقواهما قوة كما يذكر المفسرون([70])، ولكن خوفه من الله منعه من أن يبسط يده لأخيه ليقتله، قال تعالى ذاكرا سر توقف أحد ابني آدم عن قتل أخيه:{ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} (المائدة:28 ـ 29)

ولهذا، فإن الشريعة تعتمد لردع الرذائل من النفس والمجتمع هذا الأسلوب، بل تجعل له النصيب الأوفر، تاركة سائر الأساليب مراتب تالية، معتبرة تأثيرها المحدود.

وهذا الأسلوب يعتمد أساسا على الإيمان بالله واليوم الآخر، فمن لم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يجدي فيه الإنذار شيئا، بل قد يستهزئ بالعذاب، ويطلبه،كما قال تعالى حاكيا عن المشركين:{ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (الأنفال:32)، فهؤلاء من كثرة جهلهم وشدة تكذيبهم وعنادهم وعتوهم، طلبوا العذاب بدل أن يقولوا (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه)

وحكى عنهم طلب التعجيل بالعذاب، كما قال تعالى:{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} (العنكبوت:53)، وقال تعالى:{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} (الحج:47)، وقال تعالى:{ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} (صّ:16)، وقال تعالى:{ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} (المعارج:1)، وهذا يدل على تكرر ذلك منهم.

ومثل ذلك واجه أقوام الأنبياء السابقين إنذارات الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ، كما حكى الله تعالى قول قوم شعيب عليه السلام له:{ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (الشعراء:187)

وهذا ما يبين قيمة الاهتمام بالبعد الإيماني والروحي في تربية الأولاد منذ نشوئهم، لأن كل ما نذكره من الأساليب يعتمد أساسا على هذين البعدين.

2ـ الدعاء واللعن

ويشير إلى هذ النوع من العقاب قوله تعالى:{ وَيَدْعُ الْأِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً} (الاسراء:11)، فالله تعالى يخبر في هذه الآية عن عجلة الإنسان ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه.

وإليه الإشارة كذلك بقوله تعالى:{ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (يونس:11)، فالله تعالى يخبر عن حلمه ولطفه بعباده، وأنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أولادهم بالشر، في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفاً ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأولادهم بالخير والبركة، فلذلك عقب على ذلك بالإخبار بأنه تعالى لو استجاب لهم كل ما دعوه به في ذلك لأهلكهم.

وهاتان الآيتان تتضمنان نهيا يكاد يكون صريحا عن دعاء المؤمن على نفسه أو أهله أو ولده، بل قد ورد تصريح الحديث الشريف بالنهي الذي لا يقتضي غير التحريم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من اللّه ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم)([71])

ففي الحديث تخويف شديد من أن ذلك الدعاء الذي يتوجه به الإنسان لينزل عليه الشر أو على أهله وماله قد يصادف ساعة إجابة، فيستجاب له مع ما فيه من الخطر الشديد([72]).

وقد ورد ما يؤيد هذا من حديث جابر الطويل، ففيه قال جابر: سرنا مع رسول الله r في غزوة بطن بواط وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني، وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة والسبعة، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له فأناخه فركب، ثم بعثه فتلدن عليه بعض التلدن؛ فقال له: شأ؛ لعنك الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(من هذا اللاعن بعيره؟)، قال: أنا يا رسول الله؛ قال:(انزل عنه فلا تصحبنا بملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم)([73])

وفي حديث آخر أو في رواية أخرى، أن النبي r كان في سفر فلعن رجل ناقته فقال:(أين الذي لعن ناقته؟)، فقال الرجل:(أنا هذا يا رسول الله)؛ فقال:(أخرها عنك فقد أجبت فيها)([74])

وأخطر الدعاء ما يتساهل فيه كثير من الناس من اللعن([75]) الذي يمثل أخطر الأدعية، لأن معناه الطرد والإبعاد عن الله تعالى، وأي خير يحصل لمن طرد من حضرة الله، وحجب عن الله وكرم الله.

ولهذا وردت النصوص الكثيرة تحرم اللعن وتحذر من عواقبه:

أما تحريم اللعن، فقد ورد التصريح به في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تلعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه، ولا بالنار)([76])، ففي الحديث نهي صريح عن الدعاء بهذه الأمور جميعا.

أما التحذير من عواقبه، فإن أول عواقب اللعن هو الابتعاد عن هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهدي الصالحين من أمته، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة)([77])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يكون المؤمن لعانا)([78])

ومن عواقبه ما عبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:(لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة)([79])

ومن عواقبه الخطيرة ارتداد اللعنة على صاحبها إن لم يكن الملعون أهلا لها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا خرجت اللعنة من في صاحبها نظرت فإن وجدت مسلكا في الذي وجهت إليه، والإ عادت إلى الذي خرجت منه)([80])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان لذلك أهلا وإلا رجعت إلى قائلها)([81])

وهذه العقوبة الأخيرة مما قد يتهاون في شأنها، فيلعن اللاعن، وهو مطمئن إلى أنها لن تحل على غير من لعنه، ناسيا أن الله قد يرحم عبده أو يتوب عليه في أي لحظة، فلا يصبح أهلا للعنة الله، ولهذا قيد تعالى لعنة الكافرين بموتهم على كفرهم، فقال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (البقرة:161)

يقول الغزالي في بيان خطورة اللعن من هذه الجهة:(إن في اللعنة خطراً لأنه حكم على الله عز وجل بأنه قد أبعد الملعون وذلك غيب لا يطلع عليه غير الله تعالى، ويطلع عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أطلعه الله عليه)([82])

ومن عقوبات اللعن، أو هو من مقتضياتها الابتعاد عمن لعن، فكيف يتأتى أن يلعنه ثم يظل مصاحبا له، وقد ورد في هذا عن عمران بن حصين أن امرأة لعنت ناقة لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(خذوا متاعكم عنها، فأرسلوها فإنها ملعونة)([83])، وفي رواية:(لا تصحبنا ناقة عليها لعنة)([84])، قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يَعرض لها أحد.

وقد يعترض على هذا الترهيب الشديد من اللعن الذي وردت به النصوص بنصوص مثلها أو أكثر منها تنص على اللعن، بل تخبر عن لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

وقد أجاب العلماء على هذا بتقسيم اللعن إلى قسمين، كل منهما له حكمه الخاص، هما:

أ ـ لعن الشخص بعينه:

وقد اتفقوا على أنه لا يحل إلا إذا علم موته على كفره، كما قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (البقرة:161)

ومن هؤلاء من أخبرت النصوص عن وفاتهم على الكفر، يقول الغزالي:(كل شخص ثبتت لعنته شرعاً تجوز لعنته كقولك: فرعون لعنه الله، وأبو جهل لعنه الله، لأنه قد ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعاً. وأما شخص بعينه في زماننا كقولك زيد لعنه الله، وهو يهودي مثلاً فهذا فيه خطر فإنه ربما يسلم فيموت مقراً عند الله فكيف يحكم بكونه ملعوناً؟)([85])

وقد أجاب على الاعتراض القائل بأن اللعن إنما يراد للحال، كما يقال في مقابله للمسلم: رحمه الله، لكونه مسلماً في الحال، وإن كان يتصور أن يرتد، إجابة جيدة فقال:(اعلم أن معنى قولنا رحمه الله: أي ثبته الله على الإسلام الذي هو سبب الرحمة وعلى الطاعة، ولا يمكن أن يقال ثبت الله الكافر على ما هو سبب اللعنة فإن هذا سؤال للكفر وهو في نفسه كفر، بل الجائز أن يقال: لعنه الله إن مات على الكفر، ولا لعنه الله إن مات على الإسلام. وذلك غيب لا يدرى، والمطلق متردد بـين الجهتين ففيه خطر، وليس في ترك اللعن خطر وإذا عرفت هذا في الكافر فهو في زيد الفاسق أو زيد المبتدع أولى، فلعن الأعيان فيه خطر لأن الأعيان تتقلب في الأحوال إلا من أعلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يجوز أن يعلم من يموت على الكفر)([86])

ويؤيد ما ذكره الغزالي ما ورد في الحديث الصحيح من أنه صلى الله عليه وآله وسلم أتي بشارب خمر مرارا، فقال بعض من حضره:(لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به)، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم)([87]) فاعتبر لعنته إعانة للشيطان وخدمة له.

ولهذا نهي صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو أحد على أعدائه لاحتمال إسلامهم، ففي غزوة أحد عندما كسرت رباعيته صلى الله عليه وآله وسلم، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول:(كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله تعالى)، فأنزل الله تعالى:{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (آل عمران:128))([88])

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يستبدل الدعاء على قومه بالدعاء لهم، بل كان ذلك سمته الدائم، فعن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله r يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:(رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)([89])، فالحاكي في هذا الحديث هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو المحكى عنه؛ بدليل ما قد جاء صريحا مبينا أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقا شديدا وقالوا:(لو دعوت عليهم)، فقال:(إني لم أبعث لَعّانا ولكني بعثت داعيا ورحمة، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)

ب ـ لعن المتصف بصفات تقتضي اللعن من غير تعيين:

وقد اتفق الفقهاء على جواز ذلك، قال القرطبي:(أما لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك… قال علماؤنا: وسواء كانت لهم ذمة أم لم تكن، وليس ذلك بواجب، ولكنه مباح لمن فعله، لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله، وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كشراب الخمر وأكلة الربا، ومن تشبه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء، إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه)([90])

وقال ابن العربي: وأما لعن العاصي مطلقا فيجوز إجماعا، لما روي عن النبي rأنه قال:(لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده)([91])

ومن الأدلة على ذلك من فعل السلف ما رواه مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول:(ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان)

ونرى أن هذا النوع من اللعن هو في الحقيقة نوع من أنواع العقاب السابق، أي هو أقرب إلى الإخبار منه إلى الإنشاء، وإلى الإنذار منه إلى الدعاء.

لأن من دعا على كافر كان ذلك تحذيرا من الكفر، ومن دعا على فاسق كان في ذلك تحذيرا من الفسق.

ولهذا كان من صيغ الترهيب في القرآن الكريم والسنة المطهرة ذكر لعنة الله على من اتصف بصفات معينة ليحذر منها، باعتبار اللعن أخطر من العذاب نفسه.

ومن الأوصاف التي ورد القرآن الكريم باللعن عليها الكفر، قال تعالى:{ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} (البقرة:88)

ومنها كتمان هدي الله، قال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} (البقرة:159)

ومنها تحريف هدي الله، قال تعالى:{ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً} (النساء:46)، وقال تعالى:{ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (المائدة:13)

ومنها الظلم، قال تعالى:{ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} (هود:18)، وقال تعالى:{ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (غافر:52)

ومنها الافتراء على الله قال تعالى:{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (المائدة:64)

ومنهم الظن بالله ظن السوء، قال تعالى:{ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (الفتح:6)

ومنها قتل المؤمن عمدا، قال تعالى:{ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} (النساء:93)

ومنها نقض عهد الله وما يتولد عنه، قال تعالى:{ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (الرعد:25)

ومنها قذف المحصنات، قال تعالى:{ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور:23)

ومنها إيذاء الله ورسوله، قال تعالى:{ إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً} (الأحزاب:57)

وقد ورد في السنة المطهرة لعن كثير من المتصفين بأصناف المعاصي، ومما ورد فيها([92]): (لعنة الله على الراشي والمرتشي)([93]) و(لعن الله الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور)([94]) و(لعن الله الخمر، وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها)([95]) و(لعن الله الراشي والمرتشي، والرائش الذي يمشي بينهما)([96]) و(لعن الله الربا، وآكله وموكله، وكاتبه وشاهده، وهم يعلمون، والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والنامصة والمتنمصة)([97]) و(لعن الله الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل)([98]) و(لعن الله الرجلة([99]) من النساء)([100]) و(لعن الله السارق: يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)([101]) و(لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء)([102]) و(لعن الله المحلل والمحلل له)([103]) و(لعن الله المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء)([104]) و(لعن الله النائحة والمستمعة)([105]) و(لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله)([106]) و(لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة، والمستوشمة)([107]) (لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهده، وكاتبه)([108]) و(لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه ومانع الصدقة)([109]) و(لعن الله من قعد وسط الحلقة)([110]) و(لعن الله من يسم في الوجه)([111]) و(لعن الله من فرق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وأخيه)([112]) و(لعن الله من لعن والديه، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من غير منار الأرض)([113]) و(لعن الله من مثل بالحيوان)([114]) و(لعن عبد الدينار؛ لعن عبد الدرهم)([115])

3 ـ القول الغليظ

وإليه الإشارة بقوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:{ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (الانبياء:67)، فقد غلظ إبراهيم عليه السلام القول على قومه من جهتين، كل واحدة منهما يمكن اعتبارها نوعا من أنواع القول الغليظ:

الأولى: قوله: { أُفٍّ لَكُمْ } و(أف)صوت دال على التضجر، فإذا صوت به علم أن صاحبه متضجر، فإبراهيم عليه السلام أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادة الأصنام بعد انقطاع عذرهم، وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل، فتأفف بهم، ويدخل في هذا النوع كل الحركات والأصوات التي يكون لها نفس دور القول الغليظ.

الثانية: قوله:{ أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي افلا تستعملون عقولكم، فكأنه رماهم بالبلادة والبلاهة والغباء، وهي من الأقوال التي يتأذى بها سامعها، وقد ذكر القرآن الكريم استعمال الأنبياء لهذا الأسلوب، فقال عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:{ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (يونس:16)، وقال تعالى:{ يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ} (هود:51)

ويدخل في هذا النوع ما ورد في الحديث عن أبي ذر قال: سابَبْتُ رجلاً، فعيرته بأمه (قال له يابن السوداء)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(يا أبا ذر.. أعيرته بأمه، إنك امرؤٌ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، وإن كلفتموهم فأعينوهم)([116])

فقد اشتد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خطاب أبي ذر مع عظيم صحبته وصدق إيمانه لعظم ما صدر منه، قال ابن حجر:(وإنما وبخه بذلك على عظيم منزلته عنده تحذيرا له عن معاودة مثل ذلك لأنه وأن كان معذورا بوجه من وجوه العذر لكن وقوع ذلك من مثله يستعظم أكثر ممن هو دونه)

وقد يدخل في هذا ـ على حسب بعض الأقوال التفسيرية ـ ما روي عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية:{ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ } (البقرة:187)عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض، قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما فلما تبيَّن لي الأبيض من الأسود أمسكت فلما اصبحت غدوت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته بالذي صنعت فقال:(إن وسادك إذن لعريض إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل)([117])، وفي بعض الألفاظ (إنك لعريض القفا)، فقد فسره بعضهم بالبلادة.

ولا نرى صحة هذا، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكرم من أن يقول له مثل هذا، وأحسن من هذا([118]) ما ذكره القاضي قال:(معناه إن جعلت تحت وسادك الخيطين الذين أرادهما الله تعالى وهما الليل والنهار فوسادك يعلوهما ويغطيهما وحينئذ يكون عريضاً، وهو معنى الرواية الأخرى في صحيح البخاري (إنك لعريض القفا)، لأن من يكون هذا وساده يكون عظم قفاه من نسبته بقدره، وهو معنى الرواية الأخرى (إنك لضخم)

انطلاقا من هذه الأدلة على جواز استعمال القول الغليظ في محله، فإن هذا الجواز أو هذه الرخصة مقيدة بضوابط تجعل منها وسيلة تربوية شرعية، بدل أن تصبح إفرازا من إفرازات الهوى، فتنعكس آثارها إلى غير ما قصدت له، وهذه القيود هي:

أ ـ الضرورة:

لأن الأصل في حكم استعمال القول الغليظ الحرمة، كما وردت على ذلك الأدلة الكثيرة:

ومنها قوله تعالى:{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران:159)

فقد اعتبر القرآن الكريم لين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورحمته هي السبب في اجتماع الصحابة عليه، ثم بين أنه لو كان سيء الكلام غليظ القلب([119]) لانفضوا عنه وتركوه، ولكن اللّه جمعهم عليه، وألان جانبه لهم تأليفا لقلوبهم.

وكذا كان وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السالفة، كما قال عبد اللّه بن عمرو:(إني أرى صفة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب المتقدمة: أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح)

ومن الأدلة قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} (الأحزاب:58)ففي الآية تحريم صريح لإذية المؤمنين، والقول الغليظ نوع من أنواع الإذية، قال القرطبي:(وقد قيل: إن من الأذية تعييره بحسب مذموم، أو حرفة مذمومة، أو شيء يثقل عليه إذا سمعه، لأن أذاه في الجملة حرام)

ومن الأدلة على ذلك من السنة النبوية: الأحاديث الكثيرة الناهية عن سب المؤمنين، لأن السب نوع من أنواع القول الغليظ، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر)([120])، فقد قرن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بين السب والقتل، واعتبره من الفسوق، وفي ذلك دليل على كونه من الكبائر.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يرمي رجل رجلاً بالفسق أو الكفر، إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك)([121])

بل إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حرم إذية من استوجب الحد، فأقام عليه الحد ونهى عن سبه، وعن أبي هريرة قال أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل قد شرب قال: اضربوه، فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم:(أخزاك اللَّه)، قال:(لا تقولوا هذا؛ لا تعينوا عليه الشيطان)([122]) وفي هذا دليل على أن القول الغليظ قد يكون أشد على النفس من العقاب الحسي نفسه

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه)([123])،فقد اعتبر سلامة المسلمين من أذى اللسان من علامات الإسلام.

بعد هذا، فإن هذه الحرمة المنصوص عليها قد ترفع في أحوال الضرورة، لأن هناك من لا تصلحه إلا الشدة، فتعتمد كوسيلة من وسائل الإصلاح لا كحظ من حظوظ النفس، قال الغزالي:(ولا يعدل إليه إلا عند العجز عن المنع باللطف،أو حين تظهر مبادئ الإسرار والاستهزاء بالوعظ والنصح)([124])

وهذه الرخصة لا تكون إلا بعد استنفاذ كل الأساليب التي يمكن أن تؤدي الغرض، فإن لم تستنفذ أو ظن عدم فلاحها، فحينذاك يمكن اللجوء إلى هذا الأسلوب مع رعاية الشروط الأخرى.

ولهذا، فإن تأفف إبراهيم عليه السلام على قومه وإسماعهم ما أ سمعهم لم يحصل إلا بعد أن استنفذ كل أساليب الدعوة والإرشاد، فوعظهم وحاورهم وأقام عليهم الحجج الملموسة.

وهكذا، فإن المربي الصادق لا يلجأ لهذه الوسيلة الشديدة إلا في إطار ضيق محدود:

فيمكن أن يكون المخطئ جاهلا فيعلمه، كما روي عن عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلاماً في حِجْر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(يا غلام سمِّ الله، وكلْ بيمينك، وكلْ مما يليك)([125])، فلم ينهره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يغلظ عليه، بل علمه أدب الأكل.

ومثل ذلك ما ورد في قصة معاوية بن الحكم حيث قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت:(يرحمك الله)، فرماني القوم بأبصارهم فقلت:(ما شأنكم تنظرون إلي)، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما نهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال:(إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)([126]).

ويمكن أن يكون للمخطئ شبهة جرتها غلبة نفسه، فتزال الشبهة لتعود إليه قوته على قهر شهوات نفسه، كما روي أن شابا جاء يستأذنه صلى الله عليه وآله وسلم في الزنا بكل جرأة وصراحة، فهمَّ الصحابة أن يوقعوا به؛ فنهاهم وأدناه وقال له:(أترضاه لأمك؟!)، قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم)، قال:(أترضاه لأختك؟!)، قال: لا، قال:(فإن الناس لا يرضونه لأخواتهم)([127])

ويمكن أن يكون للمخطئ من الطبع الذي جبل عليه ما حجبه عن بعض الأدب، فيعلم بيسر وسهولة من غير تعنيف ولا تشديد، عن أبي هريرة قال: بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(دعوه وأريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)([128])

ويمكن أن يكون المخطئ لبيبا، فتكفيه الإشارة، من غير حاجة إلى أن يقال له ما يؤذيه، وقد روي أن الفضل بن عباس كان رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الاَخر فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال:(نعم)وذلك في حجة الوداع([129]).

ويمكن أن يكون الخطأ تقصيرا، فيدل على الصواب ممزوجا بما يسيغه ويحببه في النفس، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في عبد الله بن عمر:(نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)، قالت حفصة: فكان بعدُ لا ينام إلا قليلاً([130]).

ومثل ذلك ما روي عن أبي الدرداء قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال:(هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء)، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن! فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ثكلتك أمك([131]) يا زياد أن كنت لأعدك من فقهاء المدينة هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم)([132])

وقريب من هذا ما روي عن ميمونة بنت الحارث أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر معروفها، ولكنه دلها على الكمال.

وغير ذلك من البدائل الكثيرة التي يمتلئ بها الهدي النبوي، وقد قال أنس بن مالك: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين لا والله ما سبني سب قط، ولا قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته)([133])

وفي رواية:(خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، فلا والله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعته؟ ولا لشيء لم أصنعه ألا صنعته؟ ولا لامني، فإن لامني بعض أهله قال: دعه، وما قدر فهو كائن أو ما قضي فهو كائن)

 وأساس هذه البدائل كلها هو الاهتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرفق، فما كان الرفق في شيء إلا زانه:

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن (اللَّه رفيق يحب الرفق في الأمر كله)([134])، وأخبر أن (اللَّه رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه)([135]) وأن (الرفق لا يكون إلا في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)([136])، وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن (من يحرم الرفق يحرم الخير كله)([137])

فالرفق هو الأساس النفسي والسلوكي الذي يمنع اللسان من المسارعة إلى فاحش القول أو غليظه.

والرفق لا يكون إلا في النفوس اللينة السهلة، لا النفوس الشديدة القاسية، عن ابن مسعود عن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال:(ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هين لين سهل)([138])

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو خير البشر ـ أيسر الناس والينهم وأسهلهم، عن عائشة قالت: ما خير رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة اللَّه فينتقم لله تعالى)([139])

فالرفيق الهين المهتدي بهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغل الأحداث والمواقف مهما كان عنفها ليوجه من خلالها من يربيه للتربية الصحية السليمة، لا الذي يشفي غيظه بسبه والتغليظ عليه.

ويضرب بعض الموجهين التربويين بعض الأمثلة على ذلك([140])، فيذكر أن الولد قد يخطئ في الإجابة الصحيحة فيمكن أن يقال له:(خطأ اجلس)أو (أنت بواد ونحن بواد)أو (غير فاهم أبداً)، مع بعض عبارات التوبيخ أحياناً، ويمكن أن يقال له:(جزاك الله خيراً لقد اقتربت من الإجابة)، ثم يسأل:(من يساعد أخاه أو يكمل له الإجابة؟)

فالعبارات الأولى ليست من الرفق، ولا من الهدي النبوي، بل تعين على إحباط الولد، بينما الإجابة الأخيرة من المربي تنقذ الموقف ولا يشعر الطالب بأي شيء غير عادي..

ويضرب مثالا آخر على ذلك، كأن يدخل المدرس الفصل، فيجد التلاميذ قد أمسكوا بتلميذ سارق، ويجدوا عنده قلم زميله، وتتعالى الأصوات: سارق، سارق، فإن المربي في هذه الحالة قد يستجيب لطبيعة العنف المتأصلة فيه، فيصيح معهم:(سارق ! كيف تسرق؟ والله لأفعلن وأفعلن)، ثم ينهال عليه ضرباً وتوبيخاً.

بينما قد يتأنى ويستجيب للعقل والحكمة ومنطق الرفق، فيستغل الموقف تربويا، فيسكت التلاميذ، ثم يقول:(لا، سعيد لا يسرق، كيف يسرق وهو يعرف أن السرقة حرام؟! لا بد أنه أخطأ وظن أن القلم قلمه، ووضعه في الحقيبة، أليس ذلك يا سعيد؟)، ثم يعالج الأمر بعد ذلك مع التلميذ وفق ما تمليه الحكمة.

ب ـ قدر الحاجة:

لأن كل ضرورة مرتبطة بقدر معين لا تتجاوزه، فإن تجاوزته صار القدر المتجاوز حراما، كما قال تعالى:{ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (البقرة:173)في ثلا ث مواضع من القرآن الكريم.

وقال تعالى بعد ذكر بعض المحرمات:{ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (المائدة:3)يعني من دعته ضرورة إلى أكل الميتة وسائر المحرمات في هذه الآية غير مائل إلى الاثم، فإن الله غفور رحيم، فاعتبر الزيادة إثما.

ومن مظاهر الاقتصار على قدر الحاجة، ما ذكره الغزالي من اشتراط التزام الصدق، قال:(أن لا ينطق إلا بالصدق مقتصرا على قدر الحاجة،فإن تطويل اللسان بالكذب أو فوق الحاجة ربما يزيد من ترسيخ المنكر)([141])

ومن الأمثلة التي ذكرها الغزالي على ذلك:} (يا فاسق،يا أحمق،يا جاهل،ألا تخاف الله)،فـ } (كل فاسق أحمق وجاهل،ولو لا حمقه ما عصى الله تعالى)

ومن مظاهر الاعتداء والزيادة على الحاجة:

السخرية:

ومعناها ـ كما يذكر الغزالي ـ الاستهانة والتحقير والتنبـيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه([142]).

وهي محرمة بلا خلاف، كما قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ } (الحجرات:11)فالله تعالى ينهى في هذه الآية عن السخرية بالناس واحتقارهم والاستهزاء بهم، معللا ذلك بأنه قد يكون المحتقر أعظم قدراً عند اللّه تعالى وأحب إليه من الساخر منه المتحقر له.

وذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علة السخرية من الناس واحتقارهم، فقال:(الكبر بطر الحق، وغمط الناس)([143]) أي احتقارهم واستصغارهم.

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن الجزاء المعد لهؤلاء، وهو جزاء من جنس العمل، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن المستهزئين يفتح لأحدهم باب الجنة، فيقال: هلم: فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر، فيقال له: هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له الباب، فيقال له: هلم هلم، فما يأتيه)([144])

 وللسخرية مظاهر مختلفة، فقد تكون ألفاظا جارحة، كتعيير بذنب تاب منه صاحبه، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله)([145])، وفي حديث آخر:(لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك)([146])

وإليه الإشارة بقوله تعالى:{ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الحجرات:11)، فمن الأقوال في تفسيرها ما ذكره الحسن ومجاهد، قالا:(كان الرجل يعير بعد إسلامه بكفره يا يهودي يا نصراني، فنزلت)، وقال قتادة:(هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق)

وقال ابن عباس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب، فنهى الله أن يعير بما سلف.

وقد يكون بألفاظ محتملة للسب من غير أن تدل عليه بالضرورة، وإليها الإشارة بقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (البقرة:104)، فقد كان في المخاطبة بهذا جفاء، فأمر المؤمنين أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أرقها، لأن معنى (راعنا)في اللغة أرعنا ولنرعك، لأن المفاعلة من اثنين، فتكون من رعاك الله، أي احفظنا ولنحفظك، وارقبنا ولنرقبك.

قال ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم:(راعنا. على جهة الطلب والرغبة – من المراعاة – أي التفت إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سبا، أي اسمع لا سمعت، فاغتنموها وقالوا: كنا نسبه سرا فالآن نسبه جهرا، فكانوا يخاطبون بها النبي rويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: عليكم لعنة الله! لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي rلأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه.

فهذه الآية دليل على وجوب تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض.

وقد يكون بالمحاكاة في الفعل والقول، قالت عائشة: حاكيت إنساناً فقال لي النبـي صلى الله عليه وآله وسلم: (والله ما أُحِبُّ أَنِّي حَاكَيْتُ إنْسَاناً وَلِي كَذَا وَكَذَا)

وقد يكون ابتسامة أو ضحكة في غير محلها، قال ابن عباس في قوله تعالى:{ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا } (الكهف:49):(إن الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمن، والكبـيرة القهقهة بذلك)، وفي هذا إشارة إلى أن الضحك على الناس من جملة الذنوب والكبائر.

وعن عبد الله بن زمعة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخطب فوعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال: (عَلامَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ)([147])، ففي هذا الحديث النهي عن الضحك من الضرطة يسمعها من غيره، بل ينبغي أن يتغافل عنها ويستمر على حديثه واشتغاله بما كان فيه من غير التفات ولا غيره، ويظهر أنه لم يسمع.

وقد يكون لقبا جارحا يؤذي الملقب به، كما قال تعالى:{ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الحجرات:11)

ويكون أشياء كثيرة غير ذلك، قال الغزالي:(وذلك تارة بأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه ولم ينتظم، أو على أفعاله إذا كانت مشوشة كالضحك على خطه وعلى صنعته، أو على صورته وخلقته إذا كان قصيراً أو ناقصاً لعيب من العيوب. فالضحك من جميع ذلك داخل في السخرية للنهي عنها)([148])

المبالغة في اللوم والنقد:

فهو يحطم الشخصية، فلا يستطيع أن يقدم المربى أي مبادرة خشية أن تلقى إليه سهام اللوم من كل صوب.

واللوم والنقد هو الطعن في كلام الغير أو تصرفاته بإظهار خلل فيه، قد يكون صحيحا، فيجب النقد واللوم بآدابه الشرعية، وقد لا يكون صحيحا أو مهما، فتعتبر المبالغة في الإنكار من الإيذاء المحرم.

ومن مظاهر المبالغة في اللوم والنقد في الكلام ـ كما يذكر الغزالي ـ الطعن في كلام الغير إما في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللغة أو من جهة العربـية أو من جهة النظم والترتيب بسوء تقديم أو تأخير. وذلك يكون تارة من قصور المعرفة وتارة يكون بطغيان اللسان. وكيفما كان فلا وجه لإظهار خلله.

وأما في المعنى: فبأن يقول ليس كما تقول؛ وقد أخطأت فيه من وجه كذا وكذا.

وأما في قصده، فمثل أن يقول هذا الكلام حق ولكن ليس قصدك منه الحق، وإنما أنت فيه صاحب غرض، وما يجري مجراه.

وقد ذكر الغزالي الباعث النفسي على هذا، فقال:(وأما الباعث على هذا فهو الترفع بإظهار العلم والفضل، والتهجم على الغير بإظهار نقصه. وهما شهوتان باطنتان للنفس قويتان لها)([149])

أما الأولى فهي من قبـيل تزكية النفس وهي من مقتضى ما في العبد من طغيان دعوى العلو والكبرياء وهي من صفات الربوبـية.

وأما الثانية، وهي تنقيص الآخر فهو من مقتضى طبع السبعية فإنه يقتضي أن يمزق غيره ويقصمه ويصدمه ويؤذيه.

التشهير:

وهو نشر عيوب المخطئ وإذاعتها بين الناس، وهي نوع من أنواع الانتقام للنفس في أغلب الأحيان، وهي من الناحية التربوية لا تؤثر فقط في فساد المتربي، بل تزيد إليه فساد المجتمع.

فقد أخبر الله تعالى عن آثار نشر حديث الإفك، فقال تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النور:19)

فهؤلاء الذين قاموا بنشر حديث الإفك يقومون بطريق غير مباشر بإشاعة الفاحشة في المجتمع، ولذلك توعدهم الله بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، يقول سيد قطب:(والذين يرمون المحصنات – وبخاصة أولئك الذين تجرأوا على رمي بيت النبوة الكريم – إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة ؛ وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة، وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها.. بذلك تشيع الفاحشة في النفوس، لتشيع بعد ذلك في الواقع، من أجل هذا وصف الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وذلك جانب من منهج التربية، وإجراء من إجراءات الوقاية. يقوم على خبرة بالنفس البشرية، ومعرفة بطريقة تكيف مشاعرها واتجاهاتها.. ومن ثم يعقب بقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (النور:19))([150])

وقد وردت النصوص الكثيرة بتحريم نشر عيوب المخطئين، قال تعالى:{ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} (الحجرات:12)، لأن المشهر بغيره لا يشهر به إلا عن طريق اغتيابه.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من سمّع سمّع الله به)، فمما قيل في تفسيره:(أي من سمّع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه)([151])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته)([152])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(كل أمتي معافى إلا المجاهرين الذين يعملون العمل بالليل فيستره ربه ثم يصبح فيقول: يا فلان إني عملت البارحة كذا وكذا، فيكشف ستر الله عز وجل)([153])، فإنه إن كان تشهير الإنسان بنفسه حراما فتشهيره بغيره أولى، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:(اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله تعالى، ولا يعد)([154])

ومع كل هذه الأدلة المحرمة للتشهير بالمخطئ، فقد يرخص، بل يجب التشهير في بعض الأحيان إذا خشي من تعدي ضرر المخطئ على غيره، كمن يقوم بالنصب والاحتيال على أموال الناس وأعراضهم، فإنه لا بد من التشهير به حتى لا يوقع الناس في حبائله، ولكن ذلك بعد استنفاذ كل وسائل الإصلاح كما ذكرنا سابقا.

وذلك لأن غرض هذا التشهير هو نصيحة المسلمين وتحذيرهم، فلذلك يضحى بالمصالح الخاصة من أجل المصلحة العامة.

ومن هذا الباب جرح الرواة والشهود، والتشهير بمن لا يحسنون الفتيا، أو يكتبون فيما لا يعلمون أو المبتدعة، أو ممن يتظاهرون بالعلم وهم فسقة أصحاب سوء وفتنة فهو واجب، قال القرافي:(أرباب البدع والتصانيف المضلة ينبغي أن يشهر في الناس فسادهم وعيبهم، وأنهم على غير الصواب ليحذرها الناس الضعفاء فلا يقعوا فيها…بشرط أن لا يتعدى فيها الصدق، ولا يفترى على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه، بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة، فلا يقال في المبتدع: إنه يشرب الخمر ولا أنه يزني ولا غير ذلك مما ليس فيه، ويجوز وضع الكتب في جرح المجروحين من الرواة.. بشرط أن تكون النية خالصة لله تعالى في نصيحة المسلمين في ضبط الشريعة، أما إذا كان لأجل عداوة أو تفكه بالأعراض وجرياً مع الهوى فذلك حرام، وإن حصلت به المصلحة عند الرواة)([155])

وربما يستدل لهذا من القرآن الكريم بقوله تعالى آمرا بإشهار إقامة الحدود:{ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (النور:2)، قال الكاساني:(والنص وإن ورد في حد الزنى لكن النص الوارد فيه يكون وارداً في سائر الحدود دلالة ؛ لأن المقصود من الحدود كلها واحد، وهو زجر العامة، وذلك لا يحصل إلا وأن تكون الإقامة على رأس العامة ؛ لأن الحضور ينزجرون بأنفسهم بالمعاينة، والغائبون ينزجرون بإخبار الحضور، فيحصل الزجر للكل)([156])

الفحش والسب وبذاءة اللسان:

وهو تغليظ القول عن طريق ذكر الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة، قال ابن عباس:(إن الله حيـي كريم يعفو ويكنو، كنى باللمس عن الجماع)، فالمسيس واللمس والدخول والصحبة كنايات عن الوقاع وليست بفاحشة.

قال الغزالي:(وهناك عبارات فاحشة يستقبح ذكرها ويستعمل أكثرها في الشتم والتعيـير، وهذه العبارات متفاوتة في الفحش وبعضها أفحش من بعض. وربما اختلف ذلك بعادة البلاد وأوائلها مكروهة وأواخرها محظورة وبـينهما درجات يتردد فيها، وليس يختص هذا بالوقاع، بل بالكناية بقضاء الحاجة عن البول، والغائط أولى من لفظ التغوّظ.. فإن هذا أيضاً مما يخفى وكل ما يخفى يستحيا منه، فلا ينبغي أن يذكر ألفاظه الصريحة فإنه فحش)([157])

وهذا مما شاع، فصار يتهاون به، وهو مما رفع الحرمة والحياء بين المسلمين، وهو مذموم ومنهي عنه، ومصدره ـ كما يذكر الغزالي ـ هو خبث النفس ولؤمها.

وقد اتفق على تحريمه العقل والشرع والطبع، قال المناوي في تعريفه:(وهو اسم لكل ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع فيتفق في حكمه آيات اللّه الثلاث من الشرع والعقل والطبع)

ومن النصوص الدالة على الحرمة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إياكم والظلم! فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش! فإن الله لا يحب الفحش ولا المتفحش، وإياكم والشح! فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بقطع الرحم فقطعوا)([158])، ويكفي في دلالته ما قرن به من الكبائر.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إياكم والفحش والتفحش! فإن الله تعالى لا يحب الفاحش المتفحش، وإياكم والظلم! فإنه هو الظلمات يوم القيامة، وإياكم والشح! فإنه دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم، ودعا من كان قبلكم فاستحلوا حرماتهم)([159])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن اللّه تعالى لا يحب الفاحش المتفحش ولا الصياح في الأسواق)([160]) ففي هذا الحديث ذم لكل ما يرتبط بالفحش طبعا أو تطبعا وما يجر إليه من الصراخ في الشوارع والطرق ومجامع الناس.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن اللّه لا يحب الفحش ولا التفحش)([161])

4 ـ العقوبة الحسية

ويشير إلى هذا النوع من العقوبات ما رتب الله تعالى على التفريط في التكاليف من العقوبات الدنيوية كالحدود والتعزيرات ووالغرم المالي وغير ذلك مما ينضبط به صلاح المجتمع، وتستقيم به المصالح العامة.

وذلك لأن من النفوس من لا يردعها إلا هذا النوع من العقوبات، فلذلك كان في استعمالها من الرحمة ما كان في تجرع الدواء المرير، والعملية الجراحية، والكي، وغير ذلك، ولذلك جعلنا هذا النوع من الجزاء هو آخر أسلوب يمكن اللجوء إليه.

وسنحاول في هذا المطلب أن نبين الأنواع المرتبطة بهذا الأسلوب وضوابطها الشرعية.

وهي على الترتيب التالي:

أ ـ الحرمان:

وهو أن يحرم ولده من نفقة من النفقات، أو جائزة من الجوائز بسبب تقصيره أو خطئه، وهو في مقابل ما ذكرنا سابقا من إثابة المحسن ماديا.

ونرى أن للوالد أن يعاقب ولده ببعض الكماليات التي يمكن استغناء الولد عنها، ولكنه ليس له أن يحرمه من النفقات الضرورية التي قد تؤثر في صحته أو في حياته، كحرمانه من الطعام الصحي، أو من شراء ما يلزمه لدراسته.

والأدلة على هذه المسألة هو ما نص عليه الشرع من وجوب النفقة من الوالد على ولده مطلقا من غير اعتبار للطاعة أو عدمها.

وقد يرد على هذا بما نص عليه الفقهاء من سقوط النفقة من الزوج على زوجته في حال نشوزها وقد ذكرنا ـ في المحل الخاص بالمسألة ـ أن هذا الحكم يكاد يكون محل اتفاق، كما قال ابن المنذر: (لا أعلم أحدا خالف هؤلاء إلا الحكم، ولعله يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها، فكذلك نفقتها)، وقال الطحاوي:(لم يختلفوا أن الناشز لا تستحق النفقة ولا الكسوة لعدم التسليم)([162])، وقال في جواهر العقود:(واتفقوا على أن الناشز لا نفقة لها)([163])

ونحن وإن كنا لا نسلم بصحة هذا القياس إلا أنه مع ذلك، فإن هناك خلافا قديما في المسألة ينص على عدم سقوط النفقة في حال نشوز الزوجة، وهو قول الظاهرية، وقول كثير من المالكية([164])، وقد ذكر ابن حزم الأدلة الكثيرة على هذا القول، والتي يمكن الاستفادة منها هنا:

1 ـ أن الله تعالى بين ما على الناشز فقال: { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (النساء:34)، فأخبر تعالى أنه ليس على الناشز إلا الهجر والضرب، ولم يسقط عز وجل نفقتها ولا كسوتها.

2 ـ عن حكيم بن معاوية القشيري قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال:(أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت)([165]) فعم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل النساء ولم يخص ناشزا من غيرها، ولا صغيرة ولا كبيرة، ولا أمة مبوأة بيتا من غيرها.

وقد رجحنا هذا القول في محله لعدم أي دليل نصي صريح يدل على عدم النفقة للناشز مقابل وجود الأدلة الصريحة الكثيرة على استحقاقها النفقة، زيادة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم أشار في خطبته في حجة الوداع إلى هذا إشارة صريحة حين قال:(فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الرزق والكسوة بعد الضرب، وهو لا يكون إلا بعد نشوزها ومعصيتها لزوجها، فكأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يمنعكم تأديبكم لهن من إعطائهن حقهن في النفقة والكسوة، وفي ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكسوة في هذا الموضع إشارة إلى مدى تأثير ذلك في رفع النشوز عن الزوجة وإعادة الأسرة إلى جو السلام العائلي، وهو معروف مجرب واقعيا.

بل ذكر ابن حزم أن هذا النهج هو نهج الظلمة من الحكام الذين يمنعون حق الرعية في المال العام إذا أرادوا عقوبتهم، قال ابن حزم:(فإن قالوا: إنها ظالمة بنشوزها؟ قلنا: نعم، وليس كل ظالم يحل منعه من ماله إلا أن يأتي بذلك نص، وإلا فليس هو حكم الله ; هذا حكم الشيطان، وظلمة العمال والشرط، والعجب كله أنهم لا يسقطون قرضا أقرضته إياه من أجل نشوزها؟ فما ذنب نفقتها تسقط دون سائر حقوقها إن هذا لعجب عجيب؟)([166])

ب ـ التهديد:

وهو أسلوب من الأساليب الرادعة عن الخطأ، وهو مقدم على تنفيذ العقوبة، وإليه الإشارة بالنصوص الكثيرة:

ومنها قوله تعالى:{ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} (الانبياء:57)، فهذا وعيد من إبراهيم عليه السلام بتحطيم أصنام المشركين.

ومنها قول سليمان عليه السلام عن الهدهد:{ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} (النمل:21)

ومنها تهديدات الله تعالى في القرآن الكريم كقوله تعالى:{ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} (الأحزاب:30)، وقوله:{ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} (الاسراء:74 ـ 75)، أى لولا تثبيتنا لك لقد كدت تركن إليهم بعض الشيء، ولو فعلت لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، أى ضاعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة، وقال تعالى:{ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} (الحاقة:45 ـ 46)، أي لو أتى بشيء من عند نفسه لأخذنا منه بيمينه وقطعنا نياط قلبه وأهلكناه.

ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ليتنهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم)([167])، ففي هذا الحديث تهديد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحرق بيوت المتخلفين عن الجماعة، ومع ذلك لم ينفذه صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد عد الغزالي من مراتب تغيير المنكر اللجوء إلى أسلوب التهديد والتخويف (كقوله: دع عنك هذا أو لأكسرن رأسك أو لأضربن رقبتك أو لآمرن بك وما أشبهه)([168])

وقدم هذه المرتبة على مباشرة الضرب وتنفيذه، قال:(وهذا ينبغي أن يقدم على تحقيق الضرب إذا أمكن تقديمه)

وذكر من الأدب في هذه المرتبة أن لا يهدده بوعيد لا يجوز له تحقيقه، كقوله لأنهبن دارك أو لأضربن ولدك أو لأسبـين زوجتك وما يجري مجراه، بل ذلك إن قاله عن عزم فهو حرام، وإن قاله من غير عزم فهو كذب.

وذكر جواز الكذب في هذا، بأن (يزيد في الوعيد على ما هو في عزمه الباطن إذا علم أن ذلك يقمعه ويردعه)

وبين أن هذا ليس ذلك من الكذب المحذور، لأن المبالغة في مثل ذلك معتادة، وهي من جنس مبالغة الرجل في إصلاحه بـين شخصين وتأليفه بـين الضرتين، فقد ورد الشرع بجواز الكذب في هذا الباب، لأن القصد به إصلاح ذلك الشخص.

ومع هذه الأدلة المجوزة لاستعمال التهديد كأسلوب من أساليب تقويم الاعوجاج إلا أنه يظل مرتبة من المراتب لا يلجأ إليه إلا بعد استنفاذ ما سبقه من المراتب.

ونحب أن ننبه هنا إلى أن المبالغة في التهديد كتخويفه بالشرطة، أو بمن يسرقه، أو بالحيوان المفترس، قد تؤثر نفسيا على الولد، فتؤثر على مشاعره، وتزيد في مخاوفه، وتثير قلقه، زيادة على أنها لا تحقق الهدف المرجو منها.

ج ـ الهجر:

ويشير إليه قوله تعالى:{ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (التوبة:118)

ففي هذه الآية الكريمة إخبار من الله تعالى بنجاح أسلوب الهجر الذي استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع هؤاء الثلاثة الذين تخلفوا عن عن غزوة تبوك في جملة من تخلف كسلاً وميلاً إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكاً ولا نفاقاً، وهم الذين أشار إليهم قوله تعالى:{ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة:106)

ويشير إلى هذا الأسلوب كذلك قوله تعالى في تأديب الناشز:{ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} (النساء:34)

فقد جعل الله تعالى الهجر وسيلة من وسائل الإصلاح في هذين الموطنين:

أما في الموطن الأول، فالهجر لأجل الفسوق والانحراف، وهو هجر مؤقت له غاياته التي تحدد مدته وكيفيته، ولا يدخل فيما ورد النهي عنه من هجران المسلم فوق ثلاث، وهذا محل اتفاق من العلماء:

قال ابن عبد البر:(وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت له منه بدعة أو فاحشة يرجو أن يكون هجرانه تأديبا له وزجرا عنها)([169])، وقال القرطبي:(فأما الهجران لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا)وقال ابن عبد البر أيضا:(أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا أن يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه فإن كان كذلك رخص له في مجانبته ورب صرم جميل خير من مخالطة مؤذية)

ومن الغايات التي ذكرها العلماء لهذا النوع، ما ذكره الشاطبي بعد أن ما ورد الآثار الكثيرة عن السلف الصالح من هجر المبتدع زجرا له وتحجيما للبدعة:(وأيضاً فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان بالهدم على الإسلام: أحدهما: التفات العامة والجهال إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس، وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته دون اتباع أهل السنة على سنتهم. والثانية: أنه إذا وقر من أجل بدعته صار ذلك كالحادي المحرض له على انتشار الابتداع في كل شيء، وعلى كل حال فتحيا البدع وتموت السنن، وهو هدم الإسلام بعينه)([170])

زيادة على أن الخوض في الجدل مع المبتدع ـ الذي لا يجدي معه الحوار العلمي ـ قد يرسخ بدعته في نفسه ويزيدها شدة، ويشير إلى هذا قوله تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأنعام:68)، فالله تعالى نهى عن الخوض معهم فيما هم فيه من الباطل، وهو نهي مؤقت حتى يخوضوا في حديث غيره، في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب.

ومثل هذا ما جاء في الآية الأخرى، قال تعالى:{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} (النساء:140)، فقد جعل الله تعالى الجالس المشارك في مرتبة المستهزئ، لأن الجلوس قد يكون نوعا من الإقرار، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر)([171]) لأن الجلوس عليها إقرار على الاثم.

أما الموطن الثاني، فهو هجر لغاية استصلاح أمر دنيوي، وهو حق محض للعبد، وفي مثل هذا ورد النص بجواز هجر المسلم بما دون ثلاث ليال، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال)([172])

ومن هذا النوع من الهجر هجر الوالد لولده، والزوج لزوجته، وهو ليس محدودا بالثلاث، فقد هجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم نساءه شهرا، قال الخطابي:(فأما هجران الوالد ولده والزوج لزوجه، ومن كان في معناهما فلا يضيق أكثر من ثلاث، وقد هجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءه شهراً)([173])

وقد أشار القرآن الكريم إلى آداب الهجر بتسميته هجرا جميلا، فقال تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر، على ما يقوله سفهاء قومه:{ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} (المزمل:10)

والجميل هو القيد الذي يجعل من الهجر أسلوبا من أساليب الإصلاح لا وسيلة من وسائل الهدم، ومن الهجر الجميل أن يعدل معه، فلا يؤديه اختلافه معه إلى أن يسلبه حقه ولو في الرأي، فليس من العدل رد الحق لكون صاحبه على خطأ أو باطل ؛ قال معاذ:(اقبلوا الحق من كل من جاء به وإن كان كافراً أو قال: فاجراً)، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول الحق؟ قال: (على الحق نور)

د ـ الضرب:

وهو آخر أسلوب قد يضطر إلى استعماله المربي في حال عدم نجاح كل الأساليب السابقة، ابتداء من الموعظة، ويشير إليه من القرآن الكريم قوله تعالى: { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} (النساء:34)، فقد جعل الله تعالى الضرب وسيلة من وسائل التأديب تختص بصنف معين من النساء وفي أحوال معينة من النشوز.

ويشير إليه إشارة غير مباشرة قوله تعالى:{ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (صّ:44)

ويشير إليه استعمال الشرع لهذا الأسلوب في الردع عن الجرائم الكبرى التي تستدعي المواقف الصارمة، كردع المحاربين، كما قال تعالى:{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة:33)

أو كالردع عن الفواحش، قال تعالى:{ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (النور:2)

وبشير إليه فيما يخص أساليب تربية الأولاد قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر)([174])، فقد أذن صلى الله عليه وآله وسلم في استعمال هذه الأسلوب في تربية الأولاد، ولكن بعد ثلاث سنين تجرب فيها جميع الوسائل الأخرى.

ونستشف من هذا الحديث الشريف أن الضرب من أجل تعويد الطفل الصلاة لا يصح قبل سن العاشرة، ويحسن أن يكون التأديب بغير الضرب قبل هذه السن.

وقد نص الفقهاء على أن هذا النوع من التأديب يجوز ـ في حال الضرورة ـ من كل ولي على الصبي سواء كان أبا، أو جدا، أو وصيا، أو قيما من قبل القاضي.

واتفقوا على أن للمعلم أن يستعمل هذا الأسلوب مع التلميذ، واختلفوا في اشتراط إذن الولي، فنص جمهور الفقهاء على أنه ليس له التأديب بغير إذن الولي، ونقل عن بعض الشافعية قولهم: الإجماع الفعلي مطرد بجواز ذلك بدون إذن الولي.

ونص الفقهاء كذلك على أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين)لا ينحصر في الأمر بالصلاة بل يشمل ترك الطهارة والصوم وكل الواجبات الأخرى.

وقد حد الشرع حدودا وضوابط لهذا الضرب الشرعي، نحاول استنباطها هنا من خلال كلام الفقهاء في الضرب المستعمل في الحدود، أو الضرب المستعمل في حال تأديب الزوجة، فإن تلك الضوابط يصح القول بها هنا من باب أولى.

اجتناب المقاتل:

وهي الأماكن الخطرة الحساسة التي قد تؤدي إصابتها إلى ضرر خطير، قال القرطبي في قوله تعالى:{ وَاضْرِبُوهُنَّ } (النساء:34):(والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها؛ فإن المقصود منه الصلاح لا غير. فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامه لتعليم القرآن والأدب)([175])

ومن الأماكن التي نص عليها الفقهاء على الخصوص:

الوجه:

لورود الأدلة الكثيرة الآمرة باتقاء الوجه، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه)([176])، قال الصنعاني:(الحديث دليل على أنه لا يحل ضرب الوجه في حد ولا غيره)([177])

بل قد ورد النص على النهي عن ضرب الوجه في القتال نفسه الذي لا تراعى فيه ـ في العادة ـ مثل هذه الأمور، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته)([178])

قال النووي:(قال العلماء هذا تصريح بالنهي عن ضرب الوجه ; لأنه لطيف يجمع المحاسن وأعضاؤه نفيسة لطيفة وأكثر الإدراك بها فقد يبطلها ضرب الوجه وقد ينقصها وقد يشين الوجه والشين فيه فاحش فإنه بارز ظاهر لا يمكن ستره ومتى ضربه لا يسلم من شين غالبا)

وقد نص الفقهاء على أنه يدخل في ذلك ضرب الإمام أو مأذونه في الحدود والتعازير، وضرب الإنسان زوجته أو ولده أو عبده على طريق التأديب.

بل نص الفقهاء على أن هذه الحرمة ترتبط بجنس الإنسان مطلقا بغض النظر عن كونه مسلما أو كافرا، قال العراقي:(ظاهر قوله (أخاه)اختصاص ذلك بالمسلم وقد يقال إنه خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ويؤيده أنه ورد غير مقيد بأحد وذلك في صحيح البخاري وغيره)([179])

وقال القرطبي:(يعني بالأخوة هنا، والله أعلم أخوة الآدمية فإن الناس كلهم بنو آدم ودل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(فإن الله خلق آدم على صورته)([180]) أي على صورة وجه المضروب، فكأن اللاطم في وجه أحد ولد آدم لطم وجه أبيه آدم وعلى هذا فيحرم لطم الوجه من المسلم والكافر ولو أراد الأخوة الدينية لما كان للتعليل بخلق آدم على صورته معنى لا يقال فالكافر مأمور بقتله وضربه في أي عضو كان إذ المقصود إتلافه والمبالغة في الانتقام منه ولا شك في أن ضرب الوجه أبلغ في الانتقام والعقوبة فلا يمنع وإنما مقصود الحديث إكرام وجه المؤمن لحرمته ; لأنا نقول: مسلم أنا مأمورون بقتل الكافر والمبالغة في الانتقام منه لكن إذا تمكنا من اجتناب وجهه اجتنبناه لشرف هذا العضو ; ولأن الشرع قد نزل هذا الوجه منزلة وجه أبينا ويقبح لطم الرجل وجها شبه وجه أبي اللاطم وليس كذلك كسائر الأعضاء ; لأنها كلها تابعة للوجه)([181])

الرأس:

نص الفقهاء على أن من المقاتل التي يحرم الضرب عليها الرأس([182])، قال الجصاص:(وإذا لم يضرب الوجه فالرأس مثله)([183]) واستدل لذلك بما يلي:

1 ـ أن الشين الذي يلحق الرأس بتأثير الضرب كالذي يلحق الوجه، وإنما أمر باجتناب الوجه لهذه العلة، ولئلا يلحقه أثر يشينه أكثر مما هو مستحق بالفعل الموجب للحد. والدليل على أن ما يلحق الرأس من ذلك هو كما يلحق الوجه أن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس والوجه سواء وفارقا سائر البدن من هذا الوجه ; لأن الموضحة فيما سوى الرأس والوجه إنما تجب فيه حكومة ولا يجب فيها أرش الموضحة الواقعة في الرأس والوجه، فوجب من أجل ذلك استواء حكم الرأس والوجه في اجتناب ضربهما.

2 ـ أنه ممنوع من ضرب الوجه لما يخاف فيه من الجناية على البصر، وذلك موجود في الرأس ; لأن ضرب الرأس يظلم منه البصر وربما حدث منه الماء في العين وربما حدث منه أيضا اختلاط في العقل، فهذه الوجوه كلها تمنع ضرب الرأس.

الضمان في حال إصابة المقاتل:

اختلف الفقهاء في تضمين الأب والجد والوصي ونحوهم فيما لو أدى تأديبهم إلى إصابة مقاتل الولد على قولين:

القول الأول: يضمن الجميع إذا ترتب على تأديبهم التلف، وهو قول أبي حنيفة، والشافعية([184])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن الولي مأذون له بالتأديب لا بالإتلاف، فإذا أدى إلى التلف تبين أنه جاوز الحد.

2 ـ أن التأديب قد يحصل بغير الضرب كالزجر وفرك الأذن.

3 ـ أن الواجب لا يتقيد بسلامة العاقبة، والمباح يتقيد بها، ومن المباح ضرب الأب أو الأم ولدهما تأديبا ومثلهما الوصي، فإذا أفضى إلى الموت وجب الضمان، وإن كان الضرب للتعليم فلا ضمان، لأنه واجب، والواجب لا يتقيد بسلامة العاقبة.

القول الثاني: أنه لا ضمان عليهم،وهو قول الصاحبين، ونقل عن بعض الحنفية أن أبا حنيفة رجع إلى قول الصاحبين، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن التأديب منهم فعل مأذون فيه لإصلاح الصغير، كضرب المعلم، بل أولى منه.

2 ـ أن المعلم يستمد ولاية التأديب من الولي، والموت نتج من فعل مأذون فيه، والمتولد من فعل مأذون لا يعد اعتداء فلا ضمان عليهم.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول، فالشرع تشدد في هذا الباب، ولا يردع عن هذا ومثله إلا التشدد، خاصة مع ما نسمعه في عصرنا من كوارث بسبب التهاون في مثل هذه الأمور.

تجنب الانفعال أثناء العقوبة:

يعتبر علماء التربية والنفسانيون([185]) هذا الأسلوب أخطر ما يكون على الطفل إذا استخدم بكثرة… فالحزم مطلوب في المواقف التي تتطلب ذلك،.. أما العنف والصرامة فيزيدان تعقيد المشكلة وتفاقمها ؛ حيث ينفعل المربي فيفقد صوابه وينسى الحِلْم وسعة الصدر فينهال على الطفل معنفا وشاتما له بأقبح وأقسى الألفاظ، وقد يزداد الأمر سوءاً إذا قرن العنف والصرامة بالضرب.

وهذا ما يحدث في حالة العقاب الانفعالي للطفل الذي يُفِقْدُ الطفل الشعور بالأمان والثقة بالنفس كما أن الصرامة والشدة تجعل الطفل يخاف ويحترم المربي في وقت حدوث المشكلة فقط، وهو خوف مؤقت، ولكنها لا تمنعه من تكرار السلوك مستقبلا.

وقد يعلل الكبار قسوتهم على أطفالهم بأنهم يحاولون دفعهم إلى المثالية في السلوك والمعاملة والدراسة.. ولكن هذه القسوة قد تأتي برد فعل عكسي فيكره الطفل الدراسة أو يمتنع عن تحمل المسؤوليات أو يصاب بنوع من البلادة، كما أنه سيمتص قسوة انفعالات عصبية الكبار فيختزنها ثم تبدأ آثارها تظهر عليه مستقبلاً من خلال أعراض (العصاب)الذي ينتج عن صراع انفعالي داخل الطفل..

 وقد يؤدي هذا الصراع إلى الكبت والتصرف المخل والعدوانية تجاه الآخرين أو انفجارات الغضب الحادة التي قد تحدث لأسباب ظاهرها تافه.

الضرورة القصوى:

لأن الضرب كالكي آخر علاج يمكن استعماله، فلذلك تصبح المبالغة فيه غير مجدية، بل قد تولد في الولد إصرارا على تصرفاته، خاصة إن كان القصد من العقاب التشفي، لأن ذلك قد يجعل الولد يشعر (بالارتياح الداخلي، لأنه وهو الصغير استطاع أن يثير أولئك الكبار ويزعجهم.. وعندئذ تكون الخسارة مزدوجة العقوبة أدت غرضها في الإصلاح، وزاد في نفس الطفل انحراف جديد هو تحقيق الذات عن طريق غير سوي)

ولهذا كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدم استعمال هذه الوسيلة مطلقا، قالت عائشة: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحداً قط بيده ولا أمره، ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله)([186])، وعن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا)([187])، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه)([188])

ونحب أن نبين أن المربي إذا عرف كيف يتعامل مع من يربيه، فلن يحتاج إلى استعمال هذه الوسيلة مطلقا، وسنضرب مثالا على ذلك بالمعلم الذي هو أحد المسؤولين شرعا عن تربية الولد([189]):

فإن بعض المعلمين قد يجعلون الضرب وسيلتهم الوحيدة في كثير من الأحيان لتصحيح ما يقع من تلاميذهم من أخطاء، بل قد يبالغون في ذلك إلى أن يصيبوا تلاميذهم بعاهات نفسية أو جسمية مستديمة، حتى منعت كثير من الدول استعمال هذه الوسيلة في المؤسسات التربوية.

فالأخطاء التي يقع فيها التلاميذ لا تخرج غالبا عن أن تكون من أحد النوعين التاليين:

أخطاء تتعلق بالدرس والتحصيل.

أخطاء تتعلق بالسلوك والتربية.

أما الأول إما أن يكون سببه المدرس والمنهج، وهذا لا علاقة للتلميذ به، أو أن التلميذ مقصر في الاجتهاد والواجبات، فهنا يبحث المربي عن الأسباب الحقيقية لهذا التقصير ويتصل بالبيت ويتعاون مع الأهل، حتى يضعوا العلاج ولو أدى الأمر إلى صرف التلميذ إلى مجالات مهنية.

وأما السبب الثاني وهو الخطأ في السلوك والتربية، كالكذب، والحيل، والسرقة، والاعتداء، والغياب عن المدرسة، وكمثال على ذلك يضربه أحد المربين في علاج خطأ السلوكى كالسرقة، فإن لدى المربي أسلوبي لعلاج هذا الخطأ:

أخذ التلميذ وضرب ضرباً شديداً حتى لا يعود لمثلها، وربما كان ذلك أمام أقرانه، حتى إذا حدثت أي سرقات في المستقبل يشيرون إليه، ولو كان بريئاً وسمي من قبلهم سارقا.

يؤخذ الطالب ويبحث معه ومع أهله ـ إذا لزم الأمر ـ عن الأسباب الدافعة للسرقة، بتكتم ورفق، وأسباب السرقات عند الأطفال معروفة فهي إما عن حاجة أو عبث أو نكاية بزميله، أو غير ذلك، وإذا عرف السبب عولج الأمر من جذوره.


([1])  رواه الترمذي كتاب صفة القيامة رقم (2452)وقال هذا حديث حسن غريب في سنده أبو فروة وهو ضعيف وأخرجه الحاكم. وقال صحيح لكن نوزع. تحفة الأحوذي (7/146).

([2])  رواه عبد بن حميد في تفسيره عن الحسن مرسلا.

([3])  رواه البخاري ومسلم.

([4])  رواه البخاري.

([5])  رواه أحمد والطبراني في الكبير.

([6])  رواه البيهقي.

([7])  رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([8])  الموضوعات 2/84.

([9])  الموضوعات: 2/84.

([10])  الموضوعات: 2/84، 85.

([11])  تنزيه الشريعة: 331.

([12])  رواه الطبراني في الكبير.

([13])  رواه أبو داود (792 و793)وابن ماجة (910)وأحمد (3/474 و5/74).

([14])  رواه مسلم.

([15])  انتصف.

([16])  أي ذهب معظمه.

([17])  سقط.

([18])  رواه مسلم.

([19])  رواه البخاري ومسلم.

([20])  رواه ابن عساكر وأبو يعلى.

([21])  رواه الترمذي والحاكم.

([22])  رواه ابن السني.

([23])  رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

([24])  رواه النسائي وابن ماجه وابن السني.

([25])  رواه أبو داود والنسائي واللفظ له وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما.

([26])رواه الطبراني .

([27])  رواه أحمد والترمذي بسند صحيح.

([28])  رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح، قال الحافظ المنذري: روى هذا الحديث برفع الله وبرفع الناس، وروى أيضا بنصبهما وبرفع الله وبنصب الناس وعكسه، أربع روايات.

([29])  رواه أحمد ورواته ثقات والطبراني.

([30])  رواه الترمذي وأبو داود وابن حبان في صحيحه.

([31])  رواه الطبراني وابن أبي الدنيا.

([32])  رواه ابن أبي الدنيا وغيره بإسناد لا بأس به.

([33])  رواه أبو داود والنسائي واللفظ له.

([34])  رواه الترمذي وقال: غريب.

([35])  رواه مسلم.

([36])  إحياء علوم الدين: 1/219.

([37])  والآية تحتمل أن ذلك قولهم بألسنتهم، وهو ما يقتضيه ظاهرها، أو أن يكون ذلك تعبيرا عن حالهم، كما قال ابن عباس  :« كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا »، وعن مجاهد قال :« أما إنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله جل ثناؤه منهم فأثنى به عليهم؛ ليرغب في ذلك راغب ».

([38])  رواه البخاري ومسلم.

([39])  إحياء علوم الدين: 1/217.

([40])  إحياء علوم الدين: 1/216.

([41])  ظاهر الآية أنها عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل سواء كانت مفروضة أو مندوبة. لكن روى ابن جرير عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: جعل اللّه صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفاً.

وهو معنى صحيح يشير إليه استحباب أداء صلاة الفرائض في المساجد معلنا بها، والإسرار بالنوافل ما أمكن.

([42])  أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (3/115)وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.

([43])  رواه مالك، البخاري.

([44])  رواه الطبراني في الكبير والحاكم.

([45])  نقلا عن: عون المعبود: 13/110.

([46])  إحياء علوم الدين: 3/160.

([47])  رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.

([48])  رواه الواحدي والثعلبي.

([49])  رواه البخاري.

([50])  رواه أبو داود.

([51])  رواه مسلم وأحمد.

([52])  رواه مسلم ، والبخاري دون ذكر البغضاء.

([53])  هذا الحديث قد حمله على ظاهره المقداد الذي هو راويه ووافقه طائفة وكانوا يحثون التراب في وجهه حقيقة. وقال آخرون: معناه خيبوهم فلا تعطوهم شيئاً لمدحهم، وقيل: إذا مدحتم فاذكروا أنكم من تراب فتواضعوا ولا تعجبوا وهذا ضعيف.

([54])  رواه مسلم.

([55])  رواه ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، وأبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس، وابن عدي في الكامل عن بريدة.

([56])  رواه أحمد وابن ماجة وابن جرير في تهذيبه والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب.

([57])  رواه ابن جرير في تهذيبه.

([58])  رواه أبو نعيم.

([59])  رواه الطبراني في الكبير.

([60])  اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، هل هو من هذا الباب الذي جعلناه محلا للاستدلال أم أنه حكم شرعي عام، على قولين:

القول الأول: يستحق القاتل سلب القتيل في جميع الحروب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلاً فله سلبه أم لم يقل ذلك، وهو قول الشافعي ومالك والأوزاعي والليث والثوري وأبي ثور وأحمد وإسحاق وابن جرير وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأن هذه فتوى من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإخبار عن حكم الشرع فلا يتوقف على قول أحد.

القول الثاني: لا يستحق القاتل بمجرد القتل سلب القتيل بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة إلا أن يقول الأمير قبل القتال، من قتل قتيلاً فله سلبه، وهو قول أبي حنيفة ومالك ومن تابعهما، وقد حملوا الحديث على هذا وجعلوا هذا إطلاقاً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس بفتوى وإخبار عام. انظر: فتح الباري: 6/247، التمهيد: 23/242 فما بعدها، تحفة الأحوذي: 5/149.

وقد يكون القول الأول هو الأرجح خلافا لما ذكرنا في الاستدلال، لأنه صرح في هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال هذا بعد الفراغ من القتال واجتماع الغنائم، والله أعلم.

ومع ذلك لا مانع من الاستدلال به على ما ذكرنا، لأن التشجيع المادي إما أن يكون عن طريق حكم شرعي، كما ذهب أصحاب القول الأول أو يكون عن طريق القائد أو الإمام كما ذهب أهل القول الثاني.

([61])  رواه البيهقي.

([62])  في تفسير الحب هنا مذهبان للعلماء: (أحدهما): أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال، (والثاني): وإنه لحريص بخيل من محبة المال، وكلاهما صحيح.

([63])  أصل الحديث في: أحمد والحاكم.

([64])  رواه أبو داود والحاكم.

([65])  رواه البخاري.

([66])  وهو مما اختلف فيه العلماء، والجمهور على عدم الخلود، وذهب ابن عباس إلى ظاهر الآية، قال البخاري عن المغيرة بن النعمان قال: سمعت بان جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت إلى ابن عباس فسالته عنها فقال: نزلت هذه الآية 🙂 وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً((النساء:93)هي آخر ما نزل وما نسخها شيء.

وروى سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعدما كُفَّ بصره فأتاه رجل فناداه: يا عبد اللّه بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال: جزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب اللّه عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً، قال: افرأيت إن تاب وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمداً، جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله وبيده الأخرى رأسه يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني ، وإيم الذي نفس عبد اللّه بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وما نزل بعدها من برهان (ابن جرير عن سالم بن أبي الجعد).

([67])  رواه نعيم بن حماد في الفتن، والبيهقي.

([68])  رواه الترمذي.

([69])  رواه ابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة؛ والطبراني في الكبير عن ابن عباس؛ وابن عساكر عن ابن عمر؛ والبيهقي عن الزهري مرسلا.

([70])  قال عبدالله بن عمرو وجمهور المفسرين: كان هابيل أشد قوة من قابيل ولكنه تحرج، قال ابن عطية: وهذا هو الأظهر.

([71])  رواه البزار وأبو داود.

([72])  وقد ذكر بعضهم أن مثل هذه الأدعية لا تستجاب، واستدل على ذلك بما روي عن النبي r أنه قال :« إني سألت الله عز وجل ألا يستجيب دعاء حبيب على حبيبه»،  وقال شهر بن حوشب: قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول للملائكة الموكلين بالعبد: لا تكتبوا على عبدي في حال ضجره شيئا؛ لطفا من الله تعالى عليه.

وربما يستدل لذلك بما ورد في القرآن الكريم كما مر في تفسير الآيتين السابقتين.

ونرى أن مثل هذا الدعاء لو تحققت شرائطه، بأن كان الولد ظالما، والوالد الداعي مظلوما قد تحققت فيه شرائط الإجابة، فقد يكون ذلك سببا للاستجابة، أما لغو الدعاء، فإن الله أكرم من أن يستجيب له، خاصة إن لم يبدر من الولد ما يستوجب مثل ما دعي عليه به.

([73])  رواه مسلم.

([74])  ذكره الحليمي في منهاج الدين.

([75])  وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد. ويقال للذئب: لعين. وللرجل الطريد: لعين، وقال الشماخ:

ذعرت به القطا ونفيت عنه        مقام الذئب كالرجل اللعين

([76])  رواه أبو داود والترمذي والحاكم.

([77])  رواه مسلم.

([78])  رواه الترمذي.

([79])  رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

([80])  رواه البيهقي.

([81])  رواه أبو داود.

([82])  إحياء علوم الدين: 3/123.

([83])  رواه ابن حبان.

([84])  رواه أحمد وابن حبان.

([85])  إحياء علوم الدين:3/124.

([86])  إحياء علوم الدين:3/124.

([87])رواه البخاري .

([88])  رواه مسلم.

([89])  رواه مسلم.

([90])  القرطبي: 2/189.

([91])  رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والبيهقي.

([92])  التخريج في هذه النصوص بحسب ما في الجامع الصغير، وقد أشار إلى معظمها بالصحة والحسن، وليس فيه ضعيف.

([93])  رواه أحمد وأبو داود والترمذي  وابن ماجة.

([94]) رواه ابن ماجة وابن حبان.

([95])  رواه أبو داود والحاكم.

([96])  رواه أحمد.

([97])  رواه الطبراني في الكبير.

([98])  رواه أبو داود والحاكم.

([99])  بفتح الراء وضم الجيم: المتشبهة بالرجال في زيهم أو مشيهم أو رفع صوتهم أو غير ذلك، أما في العلم والرأي فمحمود. ويقال كانت عائشة رجلة الرأي.

([100])  رواه أبو داود.

([101])  رواه أحمد والنسائي وابن ماجة.

([102])  رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.

([103])  رواه الترمذي والنسائي.

([104])  رواه الترمذي.

([105])  رواه أحمد وأبو داود.

([106])  رواه أحمد والبيهقي.

([107])  رواه أحمد.

([108])  رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.

([109])  رواه أحمد  والنسائي.

([110])  رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن حذيفة.

([111])  رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس.

([112])  رواه ابن ماجة.

([113])  رواه أحمد ومسلم والنسائي.

([114])  رواه أحمد والنسائي.

([115])  رواه الترمذي.

([116])  رواه البخاري.

([117])  رواه البخاري ومسلم.

([118])  وقد فسره بعضهم بأنه كناية عن السمن لكثرة أكله إلى بيان الخيطين، وقال بعضهم: المراد بالوساد النوم أي إن نومك كثير، وقيل: أراد به الليل أي من لم يكن النهار عنده إلا إذا بان له العقالان طال ليله وكثر نومه.

([119])  غلظ القلب عبارة عن تجهم الوجه، وقلة الانفعال في الرغائب، وقلة الإشفاق والرحمة، ومن ذلك قول الشاعر:

يبكى علينا ولا نبكي على أحد؟          لنحن أغلظ أكبادا من الإبل

([120])  رواه البخاري ومسلم.

([121])  رواه البخاري.

([122])  رواه البخاري.

([123])  رواه البخاري ومسلمِ.

([124])  إحياء علوم الدين:2/230.

([125])  رواه البخاري ومسلم.

([126])  رواه مسلم:1/381.

([127])  أحمد بإسناد جيد :5/256.

([128])  رواه البخاري.

([129])  رواه مسلم.

([130])  رواه البخاري.

([131])  هي كلمة تقولها العرب للإنكار ولا تريد بها حقيقتها.

([132])  رواه الترمذي.

([133])  رواه عبد الرزاق في المصنف.

([134])  رواه البخاري ومسلم.

([135])  رواه مسلم.

([136])  رواه مسلم.

([137])  رواه مسلم.

([138])  رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

([139])  رواه البخاري ومسلم.

([140])  انظر: التربية: الواقع والبديل، عدنان محمد عبد الرزاق، مجلة البيان: عدد 27، ص42.

([141])  إحياء علوم الدين: 2/331.

([142])  إحياء علوم الدين: 3/131.

([143])  رواه أبو داود والحاكم.

([144])  رواه ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة عن الحسن مرسلا.

([145])  رواه الترمذي.

([146])  رواه الترمذي.

([147])  رواه البخاري ومسلم.

([148])  إحياء علوم الدين:3/132.

([149])  إحياء علوم الدين:3/117.

([150])  في ظلال القرآن: 2503.

([151])  ومما فسر به الحديث: من رايا بعمله وسمعه الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيره سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه، وقيل معناه من سمع بعيوبه وأذاعها أظهر الله عيوبه، وقيل أسمعه المكروه، وقيل أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه، وقيل معناه من أراد بعمله الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك حظه منه.

([152])  رواه ابن ماجة.

([153])  رواه أبو داود الطيالسي.

([154])  رواه الديلمي.

([155])  الفروق:4/206.

([156])  بدائع الصنائع:7/60.

([157])  إحياء علوم الدين: 3/122.

([158])  رواه أحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك وأبي داود الطيالسي.

([159])  رواه أحمد والحاكم.

([160])  رواه البخاري في الأدب وابن أبي الدنيا عن جابر، قال الزين العراقي: وسنده ضعيف قال:ولابن أبي الدنيا والطبراني عن أسامة بن زيد :« إن اللّه لا يحب الفاحش المتفحش » وسنده جيد.

([161])  رواه مسلم.

([162])  مختصر اختلاف العلماء:2/371.

([163])  جواهر العقود:2/174.

([164])  مواهب الجليل:4/183، التاج والإكليل:4/188، حاشية الدسوقي: 2/343.

([165])  رواه أبو داود.

([166])  المحلى:9/511.

([167])  رواه ابن ماجة.

([168])  إحياء علوم الدين: 2/332.

([169])  انظر: التمهيد: 6/127، فتح الباري: 10/496، الزرقاني: 4/328.

([170])  نقلا عن: طرح التثريب: 8/91.

([171])  رواه الترمذي: كتاب الأدب باب ما جاء في دخول الحمام رقم (2801)قال: حسن غريب.

([172])  رواه مسلم: كتاب البر باب تحريم الظن رقم 2563.

([173])  نقلا عن: طرح التثريب: 8/91.

([174])  رواه أبو داود والحاكم.

([175])  القرطبي: 5/172، وانظر: الشرح الكبير: 2/343، مواهب الجليل: 4/15..

([176])  رواه البخاري ومسلم..

([177])  سبل السلام: 2/447.

([178])  رواه مسلم.

([179])  طرح التثريب: 8/17.

([180])  رواه الدارقطني.

([181])  نقلا عن: طرح التثريب: 8/17.

([182])  أما ما ورد  من قول علي  للجلاد :« اضرب الرأس »، ولقول أبي بكر :« اضرب الرأس فإن الشيطان فيه » أخرجه ابن أبي شيبة، ففيه ضعف وانقطاع.

([183])  الجصاص: 3/485.

([184])  ذهب الشافعية إلى وجوب الضمان في التأديب وإن لم يتجاوز القدر المعتاد في مثله , فإن كان مما يقتل غالبا ففيه القصاص على غير الأصل (الأب والجد)وإلا فدية شبه العمد على العاقلة , لأنه فعل مشروط بسلامة العاقبة , إذ المقصود التأديب لا الهلاك , فإذا حصل به هلاك تبين أنه جاوز القدر المشروع فيه , ولا فرق عندهم بين الإمام وغيره ممن أوتوا سلطة التأديب , كالزوج والولي.

([185])  نقلا عن: أربعة أخطاء في تربية الأبناء، بقلم: سحر رحمه، مجلة  « الأسرة » العدد 101.

([186])  رواه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وقريب منه في: أبي داود.

([187])  رواه عبد الرزاق، وقصته كما في ابن عساكر: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وأنا يومئذ ابن ثمان سنين فذهبت بي أمي إليه فقالت: يا رسول الله! إن رجال الأنصار ونساءهم قد أتحفوك غيري، وإني لم أجد ما أتحفك به إلا ابني هذا فتقبله مني يخدمك ما بدا لك! فخدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين لم يضربني قط ولم يسبني ولم يعبس في وجهي.

([188])  رواه مسلم.

([189])  نقلا عن: المدرسة الابتدائية بين الثواب والعقاب، عدنان محمد عبد الرزاق، مجلة البيان: العدد: 31، محرم1411، ص 37..

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *