الفصل الرابع: البعد الاجتماعي في تربية الأولاد

الفصل الرابع

البعد الاجتماعي في تربية الأولاد

وهو البعد الذي يبحث في علاقة الإنسان بالمجتمع، أو هو البعد الذي يهيء الفرد المسلم للتعايش الإيجابي مع المجتمع.

وهذا التعايش يقتضي أمرين، أو يتأسس على أمرين، بكليهما وردت الأحكام الشرعية مجملة ومفصلة، وهما:

1. السلوك الأمثل الذي يجعل الفرد إلفا مألوفا، محبا محبوبا، وهو ما أطلقنا عليه هنا (آداب العلاقات الاجتماعية)

2. التأثير الإيجابي في المجتمع بخدمته وإفادته، ومحاولة الاستغناء عنه، وهو ما أطلقنا عليه هنا (المساهمة في التنمية الاجتماعية)

وعلى هذين الأمرين تتأسس مباحث هذا الفصل، وقد حاولنا أن نركز على الجوانب العملية ـ باعتبار الفقه خاصا بالمسائل العملية ـ كعادتنا في هذه السلسلة.

أولا ـ آداب العلاقات الاجتماعية

الآداب التي تظهر في سلوك المسلم مع علاقاته المختلفة هي مظهر من مظاهر الخلق الرفيع، والسلوك النبيل، لأن الخلق الباطن لا يدل عليه إلا الأدب الظاهر.

زيادة على أن هذه الآداب هي التي تجعل للمتأدب بها مكانته الاجتماعية التي تخوله الاستفادة من المجتمع وإفادته، لأن الجلف الغليظ إما نافر من المجتمع أو المجتمع نافر عنه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس)([1])

ولهذا اهتم القرآن الكريم بالآداب الاجتماعية، وقد ورد في موعظة لقمان u: { وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (لقمان:18)

وورد في القرآن الكريم التنبيه إلى كثير من أصول الآداب الاجتماعية، كآداب الاستئذان، كما في قوله تعالى: { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النور:59)

أو آداب الزيارة كما في قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (النور:61)

أو آداب المجالس، كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة:11)

أو آداب الكلام، كما في قوله تعالى: { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (لقمان:19)، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} (الحجرات:2)

أو آداب التحية، كما في قوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} (النساء:86)

أو آداب المشي، كما وقد ورد في موعظة لقمان u: { وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (لقمان:18)، وقال تعالى: { وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً} (الاسراء:37)

أو آداب التعامل مع مختلف أصناف الناس بما يناسبهم، كما في قوله تعالى: { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً } (النور:63)

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الصحابة أصول هذه الآداب وفروعها، وقد قال لهم مرة:(إنكم قادمون على إخوانكم، فأحسِنوا لباسَكم، وأصلحوا رِحالكم، حتى تكون كأنكم شامَةُ في الناس، فإنَّ الله لا يُحبُّ الفُحشَ ولا التَفَحُّشَ)([2])، والنصوص والأمثلة على ذلك كثيرة تفيض بها كتب السنة.

ولهذا نجد المؤلفات الكثيرة المرتبطة بهذا النوع من التربية، فكتبوا في كل نوع من أنواع الآداب دقيقه وجليله إما مخصوصا بمصنفات خاصة، أو مجموعا مع غيره من فروع العلم، يستوي في ذلك كتب الحديث أو الفقه أو المواعظ أو التفسير وغيرها من الفنون الشرعية.

وبما أن هذا الفرع من فروع التربية هو من أهم ما يربط المسلم بدينه أولا، ثم بمجتمعه ثانيا، فسنحاول أن نجمع في هذا المبحث أكبر قدر من الآداب التي لها علاقة بالمجتمع، مصنفا بحسب ما ذكر في القرآن الكريم من أنواع الآداب، باعتباره الأصل الذي يرجع إليه في ذلك.

وهي ـ كما رأينا ـ تشمل ما يلي:

أولا ـ آداب الاستئذان

ثانيا ـ آداب التحية

ثالثا ـ آداب الزيارة والضيافة

رابعا ـ آداب المجالس

خامسا ـ آداب الكلام

سادسا ـ آداب المشي

سابعا ـ آداب المعاشرة مع أصناف الناس

1 ـ آداب الاستئذان

وهو من أهم الآداب التي تدل على اعتبار المسلم لغيره واحترامه له، فلذلك لا يتصرف أي تصرف لا يخصه أو لا يملكه إلا بعد استئذان صاحبه.

وهو من الأحكام التي خصت بالتفصيل في القرآن الكريم لأهميتها، ولعلاقة حرمة المؤمن بها، ولكونها من السلوك الحضاري الرفيع الذي جاء الإسلام ليغرسه في نفوس المؤمنين به.

فقد كانوا في الجاهلية ـ فيما يتعلق بالاستئذان لدخول البيوت مثلا ـ يهجمون هجوما، فيدخل الزائر البيت، ثم يقول:لقد دخلت، وكان يقع أن يكون صاحب الدار مع أهله في الحالة التي لا يجوز أن يراهما عليها أحد.

وكل ذلك كان يؤذي النفوس، ويجرح كرامتها، ويحرم البيوت أمنها وسكينتها ؛ كما يعرض النفوس من هنا ومن هناك للفتنة، حين تقع العين على ما يثير.

يقول سيد قطب مبينا سر اهتمام القرآن الكريم بهذه الناحية:(إن هذه التفاصيل الدقيقة في آداب الاستئذان تؤكد فيما تؤكد حرمة البيوت، ولزوم حفظ أهلها من حرج المفاجآت، وضيق المباغتات، والمحافظة على ستر العورات. عورات كثيرة تعني كل ما لا يُرغب الاطلاع عليه من أحوال البدن، وصنوف الطعام واللباس وسائر المتاع، بل حتى عورات المشاعر والحالات النفسية، حالات الخلاف الأسري، حالات البكاء والغضب والتوجع والأنين. كل ذلك مما لا يرغب الاطلاع عليه لا من الغريب ولا من القريب، إنها دقائق يحفظها ويسترها أدب الاستئذان)([3])

ولكنه مع هذا الاهتمام القرآني الشديد بهذه الناحية، ومع تبيين السنة لتفصيل آدابها ـ كما سنرى ـ نلاحظ تقصير المسلمين فيها تقصيرا شديدا بعد بهم عن هدي القرآن الكريم.

وقد بدأ هذا التقصير من لدن السلف الأول من بعض الأجلاف الغلاظ، فلذلك جاء إنكار الصالحين من السلف على هذا التقصير، فقد روي عن ابن عباس:(أن الاستئذان ترك العمل به الناس)، وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قال:(ثلاث محكمات تركهن الناس قوله تعالى: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً} (النساء:8)، وآية الاستئذان: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ } (النور:58)، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } (الحجرات:13)

أما في عصرنا، فالأمر أشد وأخطر، حيث نجد عودة خطيرة إلى البداوة الجاهلية التي لا تعرف حرمة، ولا تتقي عورة، يقول سيد قطب:(ونحن اليوم مسلمون، ولكن حساسيتنا بمثل هذه الدقائق قد تبلدت وغلظت)([4])

وقد يستغرب هذا، فقد يقول البعض:(كيف لا نستأذن، ونحن ندق الأبواب قبل ولوجها؟)

وهذا من سوء الفهم لحقيقة الاستئذان في مراده الشرعي، وقد ذكر سيد بعض الأمثلة عن تقصير واقعنا في أحكام الاستئذان، فقال:(وإن الرجل ليهجم على أخيه في بيته، في أية لحظة من لحظات الليل والنهار، يطرقه ويطرقه ويطرقه فلا ينصرف أبدا حتى يزعج أهل البيت فيفتحوا له. وقد يكون في البيت هاتف يملك أن يستأذن عن طريقه، قبل أن يجيء، ليؤذن له أو يعلم أن الموعد لا يناسب ؛ ولكنه يهمل هذا الطريق ليهجم في غير أوان، وعلى غير موعد، ثم لا يقبل العرف أن يرد عن البيت – وقد جاء – مهما كره أهل البيت تلك المفاجأة بلا إخطار ولا انتظار! ونحن اليوم مسلمون، ولكننا نطرق إخواننا في أية لحظة في موعد الطعام. فإن لم يقدم لنا الطعام وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئا! ونطرقهم في الليل المتأخر، فإن لم يدعونا إلى المبيت عندهم وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئا! دون أن نقدر أعذارهم في هذا وذاك، ذلك أننا لا نتأدب بأدب الإسلام ؛ ولا نجعل هوانا تبعا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما نحن عبيد لعرف خاطى ء، ما أنزل الله به من سلطان)([5])

انطلاقا من هذه الأهمية الشديدة التي أولاها الشرع للاستئذان، سنحاول في هذا المطلب أن نذكر كيفية الاستئذان وأحكامها بحسب ورودها في القرآن الكريم، وبحسب القسمة العقلية، والتي لا يخفى وجه الحصر فيها.

أ ـ الاستئذان لدخول البيوت

ويشير إليه مبينا آدابه قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النور:27)، ففي هذه الآية الكريمة نهي صريح عن اقتحام البيوت من غير استئذان ولا استئناس، ثم بيان لآداب ذلك.

والخطاب في الآية شامل لجميع المؤمنين، فلذلك نص الفقهاء على أن الاستئذان حقٌّ على كل داخل من قريب وبعيد من الرجل والمرأة، ومن الأعمى والبصير، ومن الصغير والكبير.

وقد روي في السنة ما يدل على ذلك، فعن عطاء بن يسار أن رسول الله سأله رجل فقال: يا رسول الله، أستأذن على أمي؟ فقال: نعم، قال الرجل: إني معها في البيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(استأذن عليها)، فقال الرجل: إني خادمها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟)، قال: لا. قال:(فاستأذن عليها)([6])

أما الأعمى فإنه يستأذن كالبصير، لأنه لربما يدرك بسمعه ما لا يدركه البصير ببصره، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه، صُبَّ في أذنه الآنك([7]) يوم القيامة)([8])

أما الصغير، فإنه يستأذن كما يستأذن الكبير، وقد كان أنس بن مالك دون البلوغ يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم.

وسر هذا الاهتمام بالاستئذان وشموله كل أصناف المكلفين أن الله تعالى جعل البيوت سكنا، (يفيء إليها الناس ؛ فتسكن أرواحهم؛ وتطمئن نفوسهم ؛ ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم، ويلقون أعباء الحذر والحرص المرهقة للأعصاب)([9])

ولا تكون البيوت كذلك إلا إذا كانت حرما آمنا لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم، وفي الوقت الذي يريدون، وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا عليها الناس.

ولهذا وردت النصوص محذرة من اقتحام هذه الحرمة أوانتهاكها، فحرمة البيوت من حرمة الإنسان، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم حل لهم أن يفقؤوا عينه)([10])، وعن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدرى يرجل به رأسه؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الله الإذن من أجل البصر)([11])، وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح)([12])

انطلاقا من هذا سنتحدث هنا عن فرعين كلاهما مما ورد النص عليه تصريحا أو إشارة:

ما لا يحتاج إلى استئذان:

نص الفقهاء على أن الأحكام السابقة خاصة بالبيوت التي لها أهلها المالكين لها، وفي الظروف العادية، أما إن لم يكن لها ساكن، أو حصلت ضرورة من الضرورات تستدعي اقتحام البيوت، فإن ذلك جائز، كما سنفصله فيما يلي:

البيوت العامة:

وإليها الإشارة بقوله تعالى بعد آيات الاستئذان: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} (النور:29)

والتعبير بقوله تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } دليل على الورع الشديد الذي تلقى به الصحابة المنتجبون هذه الأوامر الإلهية، وقد روي في سبب نزول هذه الآية أن بعض الناس لما نزلت آية الاستئذان تعمق في الأمر، فكان لا يأتي موضعا خربا ولا مسكونا إلا سلم واستأذن؛ فنزلت هذه الآية، أباح الله تعالى فيها رفع الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد لأن العلة في الاستئذان إنما هي لأجل خوف الكشفة على الحرمات فإذا زالت العلة زال الحكم.

 وقد اختلف الفقهاء في تحديد هذه البيوت على الأقوال التالية:

القول الأول: إنها البيوت التي تبنى على الطرقات، يأوي إليها المسافرون، ومثلها الخانات، وهو قول قتادة ومجاهد والضحاك ومحمد بن الحنفية.

القول الثاني: إنها الدكاكين التي في الأسواق، وهو قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي والشعبي، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن علي بن أبي طالب استظل في خيمة فارسي بالسوق من المطر دون إذن منه.

2. أن ما روي عن ابن عمر من أنه كان يستأذن في دخول حوانيت السوق كان من ورعه، فقد ذكر ذلك لعكرمة فقال: ومن يطيق ما كان يطيقه ابن عمر؟ قال الجصاص:(وليس في فعل ابن عمر هذا دلالة على أنه رأى دخولها بغير إذن محظورا، ولكنه احتاط لنفسه، وذلك مباح لكل واحد)

القول الثالث: هي البيوت الخربة التي يدخلها الناس للبول والغائط، وهو قول عطاء.

القول الرابع: أنها بيوت مكة، وقد روي عن محمد بن الحنفية، والأصل في هذا القول ـ كما يذكر الإمام مالك ـ مبني على القول بأن بيوت مكة غير متملكة، وأن الناس فيها شركاء.

القول الخامس: كل مكان فيه انتفاع، وله فيه حاجة، وهو قول جابر بن زيد، فقد قال:(ليس يعني بالمتاع الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة؛ أما منزل ينزله قوم من ليل أو نهار، أو خربة يدخلها لقضاء حاجة، أو دار ينظر إليها فهذا متاع وكل منافع الدنيا متاع)،وقد علق على هذا القول أبو جعفر النحاس، فقال:(وهذا شرح حسن من قول إمام من أئمة المسلمين، وهو موافق للغة. والمتاع في كلام العرب: المنفعة؛ ومنه أمتع الله بك. ومنه قوله تعالى: { فَمَتِّعُوهُنّ} (الأحزاب:49))

 واختار هذا القول ابن أبو بكر بن العربي، فقال:(أما من فسر المتاع بأنه جميع الانتفاع فقد طبق المفصل وجاء بالفيصل، وبين أن الداخل فيها إنما هو لما له من الانتفاع فالطالب يدخل في الخانكات وهي المدارس لطلب العلم، والساكن يدخل الخانات وهي الفنادق، أي الفنادق، والزبون يدخل الدكان للابتياع، والحاقن يدخل الخلاء للحاجة؛ وكل يؤتي على وجهه من بابه)([13])

وهو قول الحنفية فقد نصوا على أن البيوت إذا لم يكن لها ساكن، وللمرء فيها منفعة، فيجوز له أن يدخلها من غير استئذان، كالخانات والرباطات التي تكون للمارة، والخرابات التي تقضى فيها حاجة البول والغائط.

 وقريب منه قول المالكية، فقد نصوا على أن ذلك مبني على العرف، فيباح أن يدخل الإنسان بغير استئذان كل محل مطروق، كالمسجد، والحمام، والفندق، وبيت العالم، والقاضي، والطبيب – وهو المكان الذي يستقبل فيه الناس – لوجود الإذن العام بدخوله.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الخامس، بناء على أن الأصل في هذا النوع من البيوت فتحها لكل منتفع بها، فلا حاجة للاستئذان فيها، بل قد يكون الاستئذان مؤذيا، لأنه سيشغل غيره من المنتفعين بذلك المحل بالمستأذن.

فمن استأذن ـ مثلا ـ للدخول إلى مكتبة عمومية آذى الحاضرين وشغلهم عما هم فيه، ومثل ذلك كل المحال العمومية.

الضرورة:

وهي من أصول الاستثناءات في كل المسائل، فالضرورات تبيح المحظورات، ومن الضرورات التي نص عليها الفقهاء:

1. ما إذا كان في ترك الاستئذان لدخول بيت إحياء لنفس أو مال، حتى لو استأذن وانتظر الإذن تلفت النفس وضاع المال.

2. إذا كان البيت مشرفا على العدو، يقاتل منه العدو، ويوقع به النكاية، يجوز دخوله بغير استئذان ؛ لما في دفع العدو من إحياء نفوس المسلمين وأموالهم.

3. إذا سقط ثوبه في بيت غيره، وخاف لو أعلمه أخذه، جاز له الدخول لأخذه بغير استئذان، مع اشتراط أن يعلم الصلحاء أنه إنما دخل لذلك.

4. لو نهب منه ثوبا ودخل الناهب داره لا بأس بدخولها ليأخذ حقه.

البيت الذي فيه المنكر:

اختلف الفقهاء في جواز دخول البيت الذي يتعاطى فيه المنكر بغير استئذان، بقصد تغيير المنكر، هل يجوز ذلك أم لا على قولين:

القول الأول: يجوز الدخول عليهم بغير إذنهم، وهو قول الحنفية والمالكية، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن الدار لما اتخذت لتعاطي المنكر فقد سقطت حرمتها، وإذا سقطت حرمتها جاز دخولها بغير استئذان.

2. أن تغيير المنكر فرض، فلو شرط الإذن لتعذر التغيير.

القول الثاني: التفريق بين ما يمكن استدراكه بالإذن، وما لا يمكن إدراكه، وهو قول الشافعية، وتفصيل ذلك كما يلي:

1. أن المنكر إن كان مما يفوت استدراكه، جاز له دخوله لمنع ذلك المنكر بغير استئذان، ومثال ذلك ما لو أخبره من يثق بصدقه: أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو خلا بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك، من إزهاق روح معصوم، وانتهاك عرض المحارم، وارتكاب المحظورات.

2. أن ما لم يفت استدراكه، كما إذا دخل معها البيت ليساومها على أجرة الزنا، ثم يخرجان ليزنيا في بيت آخر، أو إذا كان مما يمكن إنكاره ورفعه بغير دخول، لم يحل له الدخول بغير استئذان، كما إذا سمع المحتسب أصوات تلاه منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم، أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليها بالدخول ؛ لأن المنكر ظاهر، وليس له أن يكشف عما سواه.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو جواز ذلك مطلقا، بشرط أن يكون ذلك من أهله ممن وكلهم الشرع بهذه المهمة، أو من ينوب عنهم، لأن فتح ذلك من غير تنظيم سيؤدي إلى مفاسد كبيرة.

ويستثنى من ذلك أحوال خاصة تبحث في أبواب الحسبة، لا مجال لتفصيلها هنا.

آداب استئذان الدخول للبيوت

من الآداب التي نص عليها الفقهاء مما يتعلق بآداب الاستئذان داخل البيوت:

صيغة الاستئذان:

ورد في السنة بيان الهيئة المثلى للاستئذان، وهي أن يقول الرجل: السلام عليكم أأدخل؛ فإن أذن له دخل، وإن أمر بالرجوع انصرف، وإن سكت عنه استأذن ثلاثا؛ ثم ينصرف من بعد الثلاث، ويدل على هذه الصيغة ما روي عن ربعي قال: حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بيت، فقال: ألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخادمه:(أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان)، فقال له:(قل السلام عليكم أأدخل)، فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخل([14])، وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمة له يقال لها روضة:(قولي لهذا يقول السلام عليكم أدخل؟)([15])

ولكن هذ الصيغة لا يقصد منها ألفاظها، فلكل بيئة مصطلحاتها وتعابيرها الخاصة بها، ولكن المراد منها هو تأكيد دلالتها على الإذن، ولهذا نص الفقهاء على جواز الاستئذان بالنداءٍ أو القرع أو النحنحة أو نحو ذلك، وخاصة إن كان ذلك في بيته، قالت زينب امرأة عبد الله بن مسعود:(كان عبد الله إذا دخل تنحنح وصوَّت)، قال الإمام أحمد:(يستحب أن يحرك نعله في استئذانه عند دخوله حتى إلى بيته؛ لئلا يدخل بغتة)، وقال مرةً:(إذا دخل يتنحنح)

ومن السنة في الصيغة ـ كذلك ـ أن يذكر المستأذن اسمه، أو يذكر ما يُعرف به، نفيا للغموض واللبس، ولأن في ذكر الاسم إسقاط كلفة السؤال والجواب، وقد روي عن جابر قال: أتيت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: من ذا؟، فقلت: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنا أنا!) كأنه كرهها([16])، وسبب كراهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقول الطارق:(أنا) أنها لاتفيد شيئا.

ولهذا كان الصحابة يسمون أنفسهم إذا قيل لهم (من هذا؟)، فقد روي عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمشي وحده، فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال:(من هذا؟) فقلت:(أبو ذر)([17])

الاستئذان ثلاثا:

إذا استأذن على إنسان، فتحقق أنه لم يسمع الاستئذان، فله أن يكرر الاستئذان حتى يسمعه، أما إذا استأذن عليه فظن أنه لم يسمع، فقد اختلف الفقهاء في تكرار الاستئذان فوق ثلاث على الأقوال التالية:

القول الأول: السنة ألا يكرر الاستئذان أكثر من ثلاث مرات،وهو قول الجمهور، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّات} (النور:58)، فقد استدل بها بعضهم على هذا، قال يزيد: ثلاث دفعات. قال: فورد القرآن في المماليك والصبيان، وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجميع([18]).

2. عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى الأشعري، كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثا، فلم يأذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع)، فقال – أي عمر –:(والله لتقيمن عليه بينة)، قال أبو موسى:(أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟)، قال أبي بن كعب:(فوالله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك)([19])

القول الثاني: له أن يزيد على الثلاث، حتى يتحقق سماعه، وهو قول مالك، قال ابن وهب قال مالك:(الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأسا أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع)

القول الثالث: أنه إن كان بلفظ السلام المشروع لم يعده، وإن كان بغيره أعاده، حكاه النووي، ومن الأدلة على ذلك ما روي عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال:زارنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد سعد ردا خفيا. قال قيس:فقلت:ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال:دعه يكثر علينا من السلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السلام عليكم ورحمة الله. فرد سعد ردا خفيا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: السلام عليكم ورحمة الله. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتبعه سعد فقال:يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردا خفيا لتكثر علينا من السلام – فقال:فانصرف معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر له سعد بغسل فاغتسل ؛ ثم ناوله خميصة مصبوغة بزعفران أو ورس، فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه، وهو يقول: اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة) الحديث([20]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن الأصل هو التزام ما ورد في السنة من الاستئذان ثلاثا، والحكمة من ذلك أن الغالب من الكلام إذا كرر ثلاثا سمع وفهم؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى يفهم عنه، وإذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثا.

ويدل عدم الإذن بعد الثلاث على أن صاحب المنزل قد يكون غير راغب في الإذن، فلذلك من احترامه عدم الإلحاح عليه بالاستئذان.

ولكنه في الحال التي تنص عليها هذه المسألة، والتي لا تكون إلا في البيوت الكبيرة التي يدل ظاهرها على عدم سماع أهل البيت الاستئذان، يجوز الزيادة على الثلاث، لأن المقصد من الثلاث هو تأكيد سماع صاحب الدار.

وقد نص الفقهاء هنا على مدة الانتظار بين كل استئذانين، فنص الحنفية على أنه يمكث بعد كل مرة مقدار ما يفرغ الآكل، والمتوضئ، والمصلي بأربع ركعات، حتى إذا كان أحد على عمل من هذه الأعمال فرغ منه، وإن لم يكن على عمل منها كانت عنده فرصة يأخذ فيها حذره، ويصلح شأنه قبل أن يدخل الداخل.

ولا نرى صحة هذا، ولا أن لذلك حدا معينا، لأن ذلك يحتلف باختلاف المحال، واختلاف القصد، والأصل بقاء المطلق على ما هو عليه تيسيرا لحياة الناس.

موضع الوقوف:

من آداب الاستئذان أن لا يقف المستأذن قبالة الباب إن كان الباب مفتوحا، ولكنه ينحرف ذات اليمين أو ذات الشمال، فقد كان ذلك من هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعن عبد الله بن بسر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول:(السلام عليكم، السلام عليكم)([21])

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الصحابة هذا الهدي، فعن هذيل بن شرحبيل قال: جاء رجل فوقف على باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستأذن، فقام على الباب – وفي رواية: مستقبل الباب – فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(هكذا عنك أو هكذا، فإنما الاستئذان من النظر)

أما إن كان الباب مردودا فله أن يقف حيث شاء ويستأذن، وإن شاء دق الباب، وقد روي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في حائط بالمدينة على قُف البئر فمد رجليه في البئر فدق الباب أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إيذن له وبشره بالجنة)([22])

عدم التطلع للبيت:

فلا يحل للمستأذن النظر في داخل البيت لأن للبيوت حرمتها، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم مبينا علة الاستئذان:(إنما الاستئذان من النظر)، وقد روي أن جارا لحذيفة بن اليمان وقف، وجعل ينظر إلى ما في البيت وهو يقول: السلام عليكم أأدخل؟ فقال حذيفة: أما بعينك فقد دخلت، وأما باستك فلم تدخل.

وقد اختلف الفقهاء هنا فيما لو نظر المستأذن إلى داخل البيت فجنى صاحب البيت على عينه فهل يضمن أم لا ـ بناء على اختلافهم في الأحاديث التي سبق ذكرها ـ على قولين:

القول الأول: ليس هذا على ظاهره، فإن فقأ فعليه الضمان، وهو قول الجمهور، وقد أجابوا على النص السابق بالوجوه التالية:

1. أن الخبر منسوخ، وكان قبل نزول قوله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (النحل:126

2. أن يكون خرج على وجه الوعيد لا على وجه الحتم، والخبر إذا كان مخالفا لكتاب الله تعالى لا يجوز العمل به.

3. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتكلم بالكلام في الظاهر وهو يريد شيئا آخر؛ كما جاء في الخبر أن عباس بن مرداس لما مدحه قال لبلال:(قم فاقطع لسانه)، وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئا، ولم يرد به القطع في الحقيقة.

4. أن يكون ذكر فقء العين والمراد أن يعمل به عمل حتى لا ينظر بعد ذلك في بيت غيره.

القول الثاني: لا ضمان عليه ولا قصاص؛ وقد رجحه القرطبي، قال:(وهو الصحيح إن شاء الله تعالى) واستدلوا على ذلك بما ذكرنا من الأحاديث.

الاستئناس:

ويدل عليه قوله تعالى: { حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا }(النور:27) وهو تعبير يدل على التلطف في الاستئذان، يقول سيد قطب في سر التعبير بهذا اللفظ:(ويعبر عن الاستئذان بالاستئناس – وهو تعبير يوحي بلطف الاستئذان، ولطف الطريقة التي يجيء بها الطارق، فتحدث في نفوس أهل البيت أنسا به، واستعدادا لاستقباله، وهي لفتة دقيقة لطيفة، لرعاية أحوال النفوس، ولتقدير ظروف الناس في بيوتهم، وما يلابسها من ضرورات لا يجوز أن يشقى بها أهلها ويحرجوا أمام الطارقين في ليل أو نهار)([23])

ويعبر عبد الفتاح أبو غدة عن بعض مظاهر تطبيق الاستئناس، فيقول:(وإذا قرع الباب فليكن برفق ولين من غير إزعاج أو إيذاء ولا ازدياد في الإصرار، ولا يفتح الباب بنفسه، وإذا أذن له في الدخول فليتريث، ولا يستعجل في الدخول، ريثما يتمكن صاحب البيت من فسح الطريق وتمام التهيؤ، ولا يرم ببصره هنا وهناك، فما جعل الاستئذان إلا من أجل النظر)([24])

وقد كان الصحابة يقرعون باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأظافر([25])، أدبا منهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وذلك لأن الدق العنيف يسيء كثيرا للمستأذن عليه، وقد روي ان امرأة جاءت إلى الإمام أحمد بن حنبل تسأله عن شىء من أمور الدين، ودقت الباب دقا فيه بعض العنف، فخرج وهو يقول: هذا الشرط – جمع شرطي -.

وهذا الدق اللطيف يكون فيمن كان جلوسه قريبا من بابه، وأما من بعد عن الباب، فيقرع عليه قرعا يسمعه في مكانه من غيرعنف.

السلام:

وينص على هذا الأدب قوله تعالى: { وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} (النور:27)، وقد روي في تطبيق هذا الأمر الإلهي عن كلدة بن حنبل أن صفوان بن أمية بعثه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلبن وجداية وضغابيس والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأعلى مكة، فدخلت ولم أسلم فقال (ارجع فقل السلام عليكم)، وذلك بعدما أسلم صفوان بن أمية([26]).

ويستحب السلام مطلقا، ولو دخل بيت نفسه وليس فيه أحد؛ ومن الصيغ الورادة في ذلك ما ذكره القرطبي بقوله:(قال علماؤنا: يقول السلام علينا من ربنا التحيات الطيبات المباركات، لله السلام. رواه ابن وهب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسنده ضعيف)([27])

ومنها ما قال قتادة:(إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنه يؤمر بذلك)،قال:(وذكر لنا أن الملائكة ترد عليهم)

حق صاحب البيت في عدم الإذن:

وينص على هذا قوله تعالى: { وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (النور:28)

وقد ذكرناه في الآداب لأن العرف يتصور أن رد المستأذن معصية، بل كبيرة من الكبائر،حتى لو كان للمستأذن عليه ظروفه الخاصة الشديدة التي لا تسمح له بالإذن، يقول سيد قطب:(من حق صاحب البيت أن يقول بلا غضاضة للزائر والطارق: ارجع. فللناس أسرارهم وأعذارهم، وهم أدرى بظروفهم، فما كان الاستئذان في البيوت إلا من أجل هذا، وعلى المستأذن أن يرجع من غير حرج، وحسبه أن ينال التزكية القرآنية)([28])

بل كان الصحابة المنتجبون يطلبون هذا الأدب حرصا على هذا الجزاء القرآني، قال بعض المهاجرين:(لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها، لقد طلبت أن أستأذن على بعض إخواني ليقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط. لقوله تعالى: { هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } (النور:28))([29])

ب ـ الإستئذان داخل البيوت

ويشير إليه مبينا آدابه قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النور:59)

فقد نص العلماء على أن الأحكام الواردة في هاتين الآيتين خاصة بالاستئذان داخل البيوت، كما أن الآية السابقة خاصة بأحكام الاستئذان على البيوت.

والآية الكريمة تنص على أن الخدم من الرقيق، والأطفال المميزين الذين لم يبلغوا الحلم يدخلون بلا استئذان إلا في ثلاثة أوقات تنكشف فيها العورات عادة، فهم يستأذنون فيها، وهذه الأوقات هي:

1 ـ قبل صلاة الفجر حيث يكون الناس في ثياب النوم عادة، أو أنهم يغيرونها ويلبسون ثياب الخروج.

2 ـ وقت الظهيرة عند القيلولة، حيث يخلعون ملابسهم في العادة ويرتدون ثياب النوم للراحة.

3 ـ بعد صلاة العشاء حين يخلعون ملابسهم كذلك ويرتدون ثياب الليل..

وقد سمى القرآن الكريم هذه الأوقات الثلاثة (عورات) لانكشاف العورات فيها، وهو بذلك يشير إلى ضرورة التوقي في غير هذه الأوقات لئلا يرى الصبية والخدم ما لا ينبغي أن يرى، يقول سيد قطب:(وهو أدب يغفله الكثيرون في حياتهم المنزلية، مستهينين بآثاره النفسية والعصبية والخلقية، ظانين أن الخدم لا تمتد أعينهم إلى عورات السادة! وأن الصغار قبل البلوغ لا ينتبهون لهذه المناظر. بينما يقرر النفسيون اليوم – بعد تقدم العلوم النفسية – أن بعض المشاهد التي تقع عليها أنظار الأطفال في صغرهم هي التي تؤثر في حياتهم كلها ؛ وقد تصيبهم بأمراض نفسية وعصبية يصعب شفاؤهم منها. والعليم الخبير يؤدب المؤمنين بهذه الآداب ؛ وهو يريد أن يبني أمة سليمة الأعصاب، سليمة الصدور، مهذبة المشاعر، طاهرة القلوب، نظيفة التصورات)([30])

ومع أن هذه الأحكام واضحة في أن القصد منها التوقي عن العورات داخل البيوت، لأن المقصد الأساسي من تشريع الاستئذان هو توقي العورات، فإن البعض قال بنسخها أو حملها محامل تنفي إحكامها أو دلالتها التطبيقية، وذلك غير صحيح.

وقد رد على هذه الأقوال ابن عباس، مبينا العلة فيها، فعن عكرمة أن نفرا من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس، كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد، قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ } (النور:58)، فقال ابن عباس:(إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور والخير، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد)

قال القرطبي تعليقا على هذا التفسير:(هذا متن حسن، وهو يرد قول سعيد وابن جبير؛ فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية، ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى ونحوها)([31])

وقد روي عن الشعبي أنه قال في الآية:(ليست بمنسوخة)، فقيل له:(إن الناس لا يعملون بها) ؛ فقال:(الله عز وجل المستعان)

بعد التعرف على العلة الشرعية من هذا النوع من أنواع الاستئذان، فإن في هذا النوع من التساهل ما ليس في النوع السابق، وسنبين التفاصيل المتعلقة بهذ المطلب في المسائل التالية:

الاستئذان على الزوجة:

نص الفقهاء على أنه يجوز للرجل عدم الاستئذان على زوجته إذا كانت في بيته، وليس معها غيرها، لأنه يحل له أن ينظر إلى سائر جسدها، ولكن مع ذلك يندب له الإيذان بدخوله بنحو التنحنح، وطرق النعل، ونحو ذلك ؛ لأنها ربما كانت على حالة لا تريد أن يراها زوجها عليها.

وقد روي في هذا عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (نهى أن يَطْرُق الرجل أهله ليلاً-أي أن ياتيهم ليلاً من سفر أو غيره على غفلة كأنه-، يتخونهم أو يلتمس عثراتهم)([32])

الاستئذان على المحارم:

اختلف الفقهاء فيما لو كان في بيته أحد محارمه، كأمه أو أخته أو نحو ذلك، من رجل أو امرأة، هل يجب الاستئذان أم لا على قولين:

القول الأول: لا يحل له أن يدخل عليه بغير استئذان، وهو قول الحنفية والمالكية، ويكون الاستئذان عندهم في هذه الحالة واجبا لا يجوز تركه، بل قال المالكية: من جحد وجوب الاستئذان يكفر، لأنه مما علم من الدين بالضرورة، قال ابن القاسم قال مالك: ويستأذن الرجل على أمه وأخته إذا أراد أن يدخل عليهما، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله تعالى: { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النور:59)

2. عن عطاء بن يسار أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: نعم، فقال: إنها معي في البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(استأذن عليها)، فقال الرجل: إني خادمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟)، قال: لا، قال: فاستأذن عليها)([33])

3. قال عبد الله بن مسعود:(عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم)([34])، وعن عطاء قال: سألت ابن عباس أأستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت: إنها معي في البيت وأنا أنفق عليها، قال: استأذن عليها([35])، وعن حذيفة بن اليمان، أنه سأله رجل فقال: أستأذن على أختي؟ فقال: إن لم تستأذن رأيت ما يسوءك.

4. قال موسى بن طلحة بن عبيد الله ما: دخلت مع أبي على أمي، فدخل واتبعته، فالتفت فدفع في صدري حتى أقعدني على الأرض! وقال: أتدخل بغيرإذن؟!. وقال نافع مولى عبد الله بن عمر ما: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم -أي مبلغ الرجال – عزله -أي أفرده عن حجرته -فلم يدخل على ابن عمر إلا بإذن.

5. أنه إذا دخل عليها بغير استئذان، فربما كانت مكشوفة العورة، فيقع بصره على ما لا يحل له النظر إليه منها، ولذلك وجب الاستئذان، سدا للذريعة.

القول الثاني: يجوز للرجل أن يدخل على محارمه الذين يسكنون معه بغير استئذان، ولكن عليه أن يشعرهم بدخوله بنحو تنحنح، وطرق نعل، ونحو ذلك، وهو قول الشافعية، قال قتادة:(إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم. فإن كان فيه معك أمك أو أختك فقالوا: تنحنح واضرب برجلك حتى ينتبها لدخولك؛ لأن الأهل لا حشمة بينك وبينها. وأما الأم والأخت فقد يكونا على حالة لا تحب أن تراهما فيها)

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن الخلاف في هذا ربما يكون خلافا في التعبير عن حكم المسألة، لا خلافا حقيقيا، لأن القول الأول نص على حكم الاستئذان، أما القول الثاني، فنص على كيفيته بالنسبة لمن هم في البيت، فلا خلاف في أصل وجوب الاستئذان، فيما نرى.

وربما يكون في القول الثاني مراعاة للتيسير المراعى في هذه الناحية، لأن الاستئذان في البيت قد يثقل كل حين، فلذلك يتساهل في طريقته، فيكون القصد فيه مجرد الإعلام لا طلب الدخول ونحوه.

 وقد روي أن عُبيدة عامر بن عبدالله بن مسعود قال: كان أبي – عبدالله بن مسعود- إذا دخل الدار استأنس-أي أشعر أهلها بما يؤنسهم- وتكلَّم ورفع صوته حتى يستأنسوا.

وقال الإمام أحمد: إذا دخل الرجل بيته، استحب له أن يتنحنح أو يحرك نعليه. قال عبد الله ابن الإمام أحمد: كان أبي إذا دخل-أي رجع- من المسجد الى البيت، يَضْرِبٌ برجله قبل أن يدخل الدار، حتى يسمع ضرب نعله لدخوله الى الدار، وربما تنحنح، ليعلم من في الدار بدخوله.

ج ـ الاستئذان خارج البيوت

وهو الاستئذان في كل الشؤون، لأنه لا يحق لأحد أن يتصرف في حق غيره إلا بإذنه، ويشير إلى هذا الأدب ما ذكره تعالى في وصف الصحابة: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور:62)

ولهذه وردت النصوص بوجوب استئذان كل صاحب حق في استعمال حقه أو الانتفاع له، ومن ذلك ما ورد من أنه على المسلم إذا دخل بيت إنسان ألا يتقدم عليه في الصلاة، ولا يجلس في مكان جلوسه المخصص له إلا بعد استئذانه، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنه)([36])

بل ورد النص على وجوب الاستئذان حتى عند الجلوس بين شخصين، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما)

ومثل هذا النهي النهي عن النظر في كتاب غيره إلا بعد استئذانه، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار)([37])

انطلاقا من هذا سنذكر ـ هنا ـ بعض النماذج عما ورد في الشرع من مواضع الاستئذان، والتي نرى التقصير فيها أو اعتبارها من الأعراف التي لا علاقة لها بالدين.

استعمال منافع الغير:

اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للإنسان التصرف في ملك غيره، أو في حق الغير إلا بإذن من الشارع، أو من صاحب الحق([38])، وإلا كان ذلك اعتداء محرما.

ويدل على هذا الحكم قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يحلبن أحد ماشية غيره إلا بإذنه)([39])، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد هنا اللبن بعينه، وإنما قصد كل حق للغير، فلا يجوز أكل طعام الغير إلا بإذن المالك، أو في حالة الضرورة، ولا يجوز سكنى داره إلا بإذنه.

وقد اختلف الفقهاء ـ هنا ـ في وجوب الاستئذان للأكل من ثمر البستان وشرب لبن الماشية على قولين:

القول الأول: لا يجوز لأحد أن يحلب ماشية أحد ولا أن يأكل من ثمر بستانه إلا بإذنه، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية، لما روي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه، فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه)([40])

القول الثاني: جواز الأكل من ثمر البستان، وحلب الماشية بغير استئذان، وإن لم يعلم حال صاحبه، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومن الأدلة على ذلك ما روي عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحلب وليشرب، إن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا، فإن أجاب فليستأذنه، وإلا فليتحلب وليشرب ولا يحمل)([41])

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول، وعلى كليهما يدل النصان اللذان استدل بهما الفريقان.

أما النص الأول فهو مبني على الأصل، وهو حرمة استعمال حق الغير أو منفعته من غير إذنه، زيادة على أن اللبن والفواكه ونحوها مال، فأكلها من غير استئذان صاحبها أو من غير تعويضه بعد استئذانه أكل للمال بالباطل.

أما النص الثاني، فهو زيادة على تقريره حق الاستئذان وتأكيده له نص على حالة خاصة تبقى محصورة في حدودها، وهي قد لا تقع إلا في البادية لشخص انقطعت به السبيل، فصار مضطرا، والضرورات تبيح المحظورات([42]).

ومع ذلك نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على مراعاة الاستئذان، ولو من باب التعبد، حرصا على عدم استحلال حقوق الغير من غير استئذانهم، ففي الحديث تأكيد للاستئذان لا ترخيص في تركه.

استئذان ولي الأمر:

وينص على هذا الآيات الكثيرة التي تحض على وجوب استئذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو ولي أمر المسلمين الأول، ويدخل في طاعته ووجوب استئذانه وجوب استئذان كل ولي أمر للمسلمين في حدود الطاعة الشرعية.

والعلة من ذلك أن لولايات أقيمت رعاية للمصالح وحفاظا عليها، واستئذان من له الولاية في حدود ولايته أمر لا بد منه ؛ لتستقيم الأمور وتحسم الفوضى.

ومن الفروع التي ذكرها الفقهاء لهذا الموضع من مواضع الاستئذان أنه إذا غزا الأمير بالناس، لم يحل لأحد ممن معه أن يخرج من المعسكر ليحضر الزاد والعتاد، ولا أن يبارز أحدا من العدو، ولا أن يحدث حدثا إلا بإذنه ؛ لأن الأمير أعرف بحال الناس، وحال العدو، ومكامنهم ومواضعهم وقربهم وبعدهم، فإذا خرج خارج بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كمينا للعدو أو طليعة لهم فيأخذوه، أو يرحل الأمير بالمسلمين ويتركه فيهلك.

ويدخل في هذا استئذان التلميذ من أستاذه، والعامل من رئيسه، وهكذا في كل المصالح.

ولكن هذا مضبوط بما احتمل الاستئذان فيه وجوها يحتاج إلى ترجيح أحدها من ولي الأمر، أما إذا لم يحتمل هذه الوجوه، فإن الاستئذان فيه قد يكون حراما، بل كبيرة من الكبائر.

ولهذا ذم الله تعالى بعض المستأذنين الذين يستأذنون فيما لا ينبغي الاستئذان فيه، قال تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} (التوبة:43)، ثم أخبر أن هذا النوع من الاستئذان لا يطلبه المؤمنون، قال تعالى: { لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} (التوبة:44)، وإنما يفعله من خلا قلبه من الإيمان، قال تعالى: { إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} (التوبة:45)

ولهذا عوقب هؤلاء بان لا يصحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: { فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} (التوبة:83)

وهذا النوع من الاستئذان يصدق على من يزور لولي الأمر ما لا حقيقة له، من أنواع البهتان ليأخذ بذلك ما لا يحق له أخذه من عطلة أو منفعة ونحوها.

استئذان الأبوين:

وهو يدخل فيما سبق، فالأبوان هما من أولياء أمور الإنسان، فلذلك كان من احترامهما استئذانهما في أي شيء قد يكرهانه، برا بهما، ومراعاة لحقهما.

وبناء على هذا، فإنه لو أراد الولد أن يخرج، لما يخاف عليه الهلاك منه، كخروجه إلى غزو غير مفروض عليه عينا، أو أراد الخروج لما لا يخشى عليه الهلاك منه، ولكن يخشى عليهما الضيعة، كمن أراد الخروج إلى الحج وأبواه معسران ونفقتهما عليه، وليس عنده من المال ما يفي بنفقة الحج – من الزاد والراحلة – ونفقتهما، وكما إذا أراد الخروج لطلب العلم في بلدة أخرى، أو للتجارة، وخاف على والديه الضيعة، فليس له أن يخرج إلا بإذنهما.

ويدل على هذا من النصوص:

1. جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما)([43])

2. عن عبد الله بن عمرو: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال يا رسول الله أجاهد؟ فقال: ألك أبوان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد)

أما إن كان العمل لا بد له منه، كافتراضه عليه فرض عين فلا يشترط استئذانهما لعمله، كما في حالة الجهاد، إذا هجم العدو على بلد من بلاد المسلمين، فإنه يخرج لدفعه بغير إذن أبيه.

2 ـ آداب التحية

تعتبر التحية من أهم ما يوثق المودة بين أفراد المجتمع، فلذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم:(والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)([44])

بل اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم إفشاء السلام من دلائل خيرية المسلم، فقد روي أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:أي الإسلام خير؟ قال:(تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)([45])

وقد نص على هذا الأدب قوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} (النساء:86)، وقال تعالى: { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً } (النور:61)

بل أخبر تعالى بأن هذا الأدب العظيم هو أدب المؤمنين جميعا، على أحقاب التاريخ، ومهما اختلفت أجناسهم، فقد أخبر تعالى عن دخول الملائكة على إبراهيم u، فقال تعالى: { إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} (الحجر:52)، وقال تعالى: { إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} (الذريات:25)

وقبل ذلك، أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن تحية آدم u والملائكة ـ عليهم السلام ـ قال صلى الله عليه وآله وسلم:(خلق الله آدم طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله)([46])

وأخبر تعالى عن تحية المؤمنين في الجنة وما يحييهم به الله، وما تحييهم به الملائكة، فقال تعالى: { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (يونس:10)، وقال تعالى: { سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد:24)، وقال تعالى: { وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ} (ابراهيم:23)، وقال تعالى: { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً} (الأحزاب:44)

انطلاقا من هذه النصوص المبينة لقيمة التحية وأثرها، جاءت النصوص والأحكام الشرعية الكثيرة التي تنفذ هذا الأمر وتحقق مقاصده، وسنتناول هذه الأحكام على طريقة الفقهاء في تناول المسائل الفقهية، فلا فرق بين أحكام العبادات والمعاملات وهذه الأحكام.

أ ـ أحكام التحية

أول التفاصيل التي ينبغي على المسلم تعلمها نحو هذا الأدب هو التعرف على تفاصيل الأحكام المتعلقة بإفشاء السلام، من البدء بالسلام، ورده، ومن يبدأ بالسلام، والسلام عند مفارقة المجلس، كما سنفصله فيما يلي:

حكم البدء بالسلام:

اختلف الفقهاء في حكم البدء بالسلام على قولين:

القول الأول: أن الابتداء بالسلام واجب، وهو قول الحنفية، وهو رواية عن أحمد وقول مقابل للمشهور عند المالكية، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله تعالى: { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً } (النور:61)، وقوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} (النساء:86)

2. قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(للمسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويتبع جنازته ويحب له ما يحب لنفسه)([47])

3. عن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار القسم)([48])

4. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)([49])

5. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)([50])

6. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم)([51])

القول الثاني: أن السلام سنة مستحبة، وليس بواجب. وهو سنة على الكفاية إن كان المسلمون جماعة بحيث يكفي سلام واحد منهم، ولو سلموا كلهم كان أفضل، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، ومن الأدلة على ذلك: نفس الأدلة السابقة حملوها على الندب.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء عى ظاهر قول البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار القسم)([52])، لأن الأصل في الأمر حمله على الوجوب.

زيادة على النصوص الدالة على أن هذا من حقوق المسلم على أخيه، زيادة على أن الإيذاء يتحقق إن مر المسلم على أخيه دون أن يلقي عليه السلام.

لكن هذا الأمر ـ فيما نرى ـ خاص بمن يعرفه المؤمن، أو دخوله إلى محل، أو ذهابه إلى جماعة، ونحو ذلك، لا عام لجميع الناس للحرج الشديد بالتكليف بالسلام على كل من يمر به.

ويدل على هذ التفريق بين من يعرف المؤمن أو لا يعرف ما روي عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(أي الإسلام خير؟)، قال:(تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف)، فقوله:(أي الإسلام خير؟) دليل على أن هذا من المستحبات لا من الواجبات.

وقد نص الماوردي على أنه إذا مشى في السوق أو الشوارع المطروقة كثيرا ونحو ذلك مما يكثر فيه المتلاقون أن السلام هنا إنما يكون لبعض الناس دون بعض، لأنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن كل منهم، ولخرج به عن العرف.

ومن العلل التي قد يعتل بها البعض هنا خشية أن لا يرد عليه لانشغال من ألقي عليهالسلام أو تكبره، وقد رد النووي على هذه العلة بقوله:(إذا مرّ على واحد أو أكثر وغلبَ على ظنه أنه إذا سلَّم لا يردّ عليه، إما لتكبّر الممرور عليه، وإما لإِهماله المارّ أو السلام، وإما لغير ذلك، فينبغي أن يُسلِّم ولا يتركه لهذا الظنّ، فإنّ السلامَ مأمورٌ به، والذي أُمِرَ به المارّ أن يُسلّم ولم يؤمر بأن يحصل الردّ مع أن الممرور عليه قد يُخطىء الظنّ فيه ويردّ)

ورد على من قال بغير ذلك بقوله:(وأما قول مَن لا تحقيق عنده: إن سلامَ المارّ سبب لحصول الإِثم في حقّ الممرور عليه فهو جهالة ظاهرة وغباوة بيِّنة، فإن المأمورات الشرعية لا تسقط عن المأمور بها بمثل هذه الخيالات، ولو نظرنا إلى هذا الخيال الفاسد لتركنا إنكار المنكر على مَن فعله جاهلاً كونه منكراً، وغلب على ظننا أنه لا ينزجر بقولنا، فإن إنكارنا عليه وتعريفنا له قبحه يكون سبباً لإِثمه إذا لم يقلع عنه، ولا شكّ في أنُّا لا نترك الإِنكار بمثل هذا، ونظائر هذا كثيرة معروفة)

وهو يرى في نفس الوقت أنه يُستحبّ لمن سلّم على إنسان وأسمعه سلامه وتوجّه عليه الردّ بشروطه فلم يرد؛ أن يحلِّله من ذلك فيقول:(أبرأته من حقّي في ردّ السلام)، أو جعلتُه في حِلٍّ منه ونحو ذلك، ويلفظ بهذا، فإنه يسقط به حقّ هذا الآدمي.

ولسنا ندري ما الذي استدل به على هذا النوع من الاستحلال، لأنه إن كان ترك من ترك الرد بسبب الكبر، فإن الاستحلال لا يجدي معه شيئا، والاثم واقع عليه لا محالة.

وإن كان تركه تشاغلا بأمر مهم شرعي، كما سنرى، أو بسبب عدم سماعه، فلا حاجة للاستحلال كذلك، لأنه لا إثم عليه، حتى يستحل له.

ولا نرى سبا غير هذين السببين.

حكم رد السلام:

اتفق الفقهاء على أن رد السلام واجب، بدليل قوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} (النساء:86)، فقد أمر الله تعالى برد التحية.

واتفقوا على أنه إن كان المسلم عليه واحدا تعين عليه الرد، أما إن كانوا جماعة، فقد اختلفوا في نوع وجوب الرد، هل هو واجب عيني على كل واحد منهم، أو هو فرض كفاية عليهم، على قولين:

القول الأول: هو فرض كفاية عليهم، فإن رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم، وإن ردوا كلهم فهو النهاية في الكمال والفضيلة، فلو رد غيرهم لم يسقط الرد عنهم، بل يجب عليهم أن يردوا، فإن اقتصروا على رد ذلك الأجنبي أثموا، وهو قول مالك والشافعي، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم)([53])، وهذا نص في موضع الخلاف.

2. أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمقال: (يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم)([54])، وهذا يدل على أن الواحد يكفي في الرد؛ لأنه لا يقال أجزأ عنهم إلا فيما قد وجب.

3. ما أجمعوا عليه من أن الواحد يسلم على الجماعة ولا يحتاج إلى تكريره على عداد الجماعة، كذلك يرد الواحد عن الجماعة وينوب عن الباقين كفروض الكفاية.

القول الثاني: رد السلام من الفروض المتعينة، وهو قول الكوفيين، حتى قال قتادة والحسن: إن المصلي يرد السلام كلاما إذا سلم عليه ولا يقطع ذلك عليه صلاته؛ لأنه فعل ما أمر به، ومن الأدلة على ذلك أن السلام خلاف الرد؛ لأن الابتداء به تطوع ورده فريضة، ولو رد غير المسلم عليهم لم يسقط ذلك عنهم فرض الرد، فدل على أن رد السلام يلزم كل إنسان بعينه.

الترجيح:

نرى أن الرجح في المسألة هو القول الأول، لا لما ورد فيه من الحديث، فقد تكلم فيه، وإنما لتناسب هذا مع مقاصد الشرع من رفع الحرج في مثل هذه الأمور، زيادة على أن المسلم يرفع عنه الأذى رد بعض من يسلم عليه.

من يبدأ بالسلام:

اتفق الفقهاء على أن الراكب يسلم على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير.

وذلك لما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير)([55])، وفي رواية زيادة (الصغير على الكبير)([56])

ويجوز أن يخالف ذلك من غير كراهة، فيسلم الماشي على الراكب، أو الجالس عليهما، والكثير على القليل، والكبير على الصغير، ابتداء، وذلك لأن من سن لهما البدء قد يغفل، فيسبقه الآخر بالسلام.

وإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ذكر من باب تنظيم آداب العلاقات الاجتماعية، حتى يعرف كل واحد ما ينبغي أن يفعله.

وقد نص الفقهاء على أن هذا خاص فيما لو تلاقى الاثنان في طريق، أما إذا ورد على قعود أو قاعد، فإن الوارد يبدأ بالسلام على كل حال، سواء كان صغيرا أو كان كبيرا، قليلا أو كثيرا.

وقد نص الفقهاء على كراهة تخصيص طائفة بالسلام دون غيرهم؛ لأن القصد من السلام المؤانسة والألفة، وفي تخصيص البعض إيحاش للباقين، وربما صار سببا للعداوة، وهذه العلة قد لا يكتفى فيها بمجرد الكراهة، فإذية المسلم حرام يعرفه أو لا يعرفه.

السلام عند مفارقة المجلس:

كما يكون السلام في بداية اللقاء، فإنه يكون عند إرادة التفرق، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة)([57])

بل ورد ما هو أكبر من ذلك، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر، ثم لقيه، فليسلم عليه)([58])

وقد كان هذا هدي الصحابة، قال أنس:(كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتماشون، فإذا استقبلتهم شجرةٌ أو أكمةٌ، تفرقوا يميناً وشمالاً، وإذا التقوا من ورائها، سلم بعضهم على بعضٍ)، وعن نافع قال: كنت أساير رجلا من فقهاء الشام يقال له عبدالله بن زكريا فحبستني دابتي تبول، ثم أدركته ولم أسلم عليه؛ فقال: ألا تسلم؟ فقلت: إنما كنت معك آنفا؛ فقال: وإن صح؛ لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتسايرون فيفرق بينهم الشجر فإذا التقوا سلم بعضهم على بعض.

ب ـ من يلقى عليه السلام

وهو الركن الثاني من الأركان التي ينبغي تعلمها من مسائل التحية، فقد يلقى السلام في غير المواضع التي أمر فيها بالسلام، وقد يكون في ذلك إحراج للمسلم عليه، فلذلك تحتاج هذه المسائل إلى هذا الضبط الشرعي:

السلام على المنشغل:

وهو من انشغل بوظيفة من الوظائف التي تمنعه من إجابة السلام، أو يكون في إجابته انصراف عما هو بشأنه، ومن الأمثلة التي ذكرها الفقهاء لهذا:

السلام على المؤذن والمقيم: نص أكثر الفقهاء على كراهة السلام على المشتغل بالآذان والإقامة، لأن الفصل بين جمل الأذان مكروهة، ولو كان ذلك الفصل إشارة كما ذهب إلى ذلك المالكية، خلافا للشافعية، فقد نصوا على أن له الرد بالإشارة.

وذهب الحنابلة إلى أنه لا يسن السلام على من يؤذن أو يقيم، ولا يجب عليه الرد، بل يجوز بالكلام ولا يبطل الأذان أو الإقامة.

ومن هذا الباب نصوا على أنه يكره السلام على الملبي بحج أو عمرة لنفس العلة.

السلام على المصلي ورده السلام: ويختلف حكم ذلك بحسب إلقاء السلام أو رده، كما يلي:

إلقاء السلام على المصلي: اختلف الفقهاء في حكم السلام على المنشغل بالصلاة على قولين:

القول الأول: السلام على المصلي سنة، وهو قول المالكية، بناء على قولهم في حكم السلام.

القول الثاني: السلام على المصلي جائز، وهو قول عند الحنابلة، فقد سئل أحمد عن الرجل يدخل على القوم وهم يصلون أيسلم عليهم؟ قال: نعم.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن للمصلي من الشغل بصلاته ما يمنعه من الانشغال بالسلام، فلذلك نرى كراهة السلام عليه، لأنه في أقل أحواله قد يخرجه عما هو فيه من الانشغال بالصلاة.

رد السلام من المصلي: اختلف الفقهاء في حكم رد السلام من المصلي على أقوال مختلفة قد يجمعها هذا القولان:

القول الأول: أن لا يرد السلام بلسانه ؛ لأنه كلام، ولا بيده ؛ لأنه سلام معنى، حتى لو صافح بنية التسليم تفسد صلاته، وهو قول الحنفية، وقد ذكروا أن رد المصلي السلام بالإشارة مكروه وبالمصافحة مفسد([59]).

وقريب منه قول الشافعية، فقد قالوا بعدم وجوب الرد عليه، ومثلهم الحنابلة فقد ذهبوا إلى أن رد المصلي السلام بالكلام عمدا يبطل الصلاة، أما رد المصلي السلام بالإشارة فهو مشروع عندهم.

القول الثاني: أن المصلي لا يرد السلام باللفظ، فإن رد عمدا أو جهلا بطل، ورده باللفظ سهوا يقتضي سجود السهو، بل يجب عليه أن يرد السلام بالإشارة، وهو قول المالكية، بل ذهبوا إلى أنه يجوز ابتداء المصلي السلام على غيره، وهو في الصلاة بالإشارة بيد أو رأس، ولا يلزمه السجود لذلك.

الترجيح:

 نرى أن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة بناء على تعارض فرضين: الصلاة والسلام، فذهب بعضهم إلى الجمع بينهما كما نص المالكية، وذهب البعض إلى تقديم فرض الصلاة.

ونرى تقديم فرض الصلاة ـ هنا ـ لأن لكل وقت عبادته الخاصة به، والرد بالإشارة شاغل عن الصلاة، فلذلك نرى الأولى عدم فعله إلا إذا اضطر إلى ذلك اضطرارا.

السلام على المنشغل بالقراءة والذكر: نص الفقهاء على أن الأولى ترك السلام على المنشغل بقراءة القرآن، فإن سلم كفاه الرد بالإشارة، وإن رد باللفظ استأنف الاستعاذة ثم يقرأ([60]).

ومثل ذلك السلام على المنشغل بالذكر من دعاء وتدبر ونحوه، لأنه كالسلام على المنشغل بالقراءة، بل إن الأظهر ـ كما ذكر النووي ـ أنه إن كان مستغرقا بالدعاء مجمع القلب عليه فالسلام عليه مكروه، للمشقة التي تلحقه من الرد، والتي تقطعه عن الاستغراق بالدعاء، وهي أكثر من المشقة التي تلحق الآكل إذا سلم عليه ورد في حال أكله.

أما السلام في حال خطبة الجمعة فيكره الابتداء به لأنهم مأمورون بالإنصات للخطبة، فإن سلم لم يردوا عليه لتقصيره، وقيل: إن كان الإنصات واجبا لم يرد عليه، وإن كان سنة رد عليه، ولا يرد عليه أكثر من واحد على كل وجه.

السلام على المنشغل بالأكل: نص الفقهاء على أنه لا يسلم على من كان منشغلا بالأكل واللقمة في فمه، فإن سلم لم يستحق الجواب، أما إذا سلم عليه بعد البلع أو قبل وضع اللقمة في فمه فلا يتوجه المنع ويجب الجواب، ويسلم في حال البيع وسائر المعاملات ويجب الجواب.

السلام على قاضي الحاجة: ومثله من كان مع أهله أو في في الحمام أو والنائم أو والغائب خلف جدار، وقد نص الفقهاء على كراهة التسليم على هؤلاء، فإذا سلم عليهم لم يستحق الجواب، أما حكم الرد منهم فهو الكراهة من قاضي الحاجة والمجامع، وأما من في الحمام فيستحب له الرد.

السلام على الصبي:

اتفق الفقهاء على مشروعية السلام على الصبيان، واختلفوا في مدى هذه المشروعية، فنص الحنفية على أن السلام على الصبي أفضل من تركه، وذهب المالكية إلى أنه مشروع، وذكر الشافعية والحنابلة أنه سنة.

ومما يدل على ذلك من النصوص ما روي عن أنس أنه مر على صبيان، فسلم عليهم، وقال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعله([61]).

واتفقوا على أن جواب السلام من الصبي غير واجب ؛ لعدم تكليفه، وقد سبق في مواضع كثيرة ذكر أدلة ذلك.

واختلفوا فيما لو أجاب صبي السلام بدل الجماعة، هل يسقط رد السلام برده عن الباقين أم لا على

القول الأول: يسقط رد السلام برده عن الباقين إن كان عاقلا، وهو قول الحنفية ؛ وهو قول الأجهوري من المالكية والشاشي من الشافعية، ومن الأدلة على ذلك:

1. أنه من أهل الفرض في الجملة، بدليل حل ذبيحته مع أن التسمية فيها فرض عندهم.

2. القياس على أذانه للرجال.

القول الثاني: عدم سقوط فرض رد السلام عن الجماعة برد الصبي، وهو الأصح عند الشافعية، وبه قطع القاضي والمتولي من الشافعية.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو التورع في المسألة، وإن كان الظاهر هو صحة الاكتفاء بسلامه خاصة إن كان مميزا عاقلا،كما ذهب إلى ذلك الحنفية.

أما من حيث الأدلة، فهي متكافئة في هذه المسألة، ذلك ما جعل صاحب الفواكه الدواني من المالكية يقول:(ولنا فيه وقفة ؛ لأن الرد فرض على البالغين، ورد الصبي غير فرض عليه فكيف يكفي عن الفرض الواجب على المكلفين؟ فلعل الأظهر عدم الاكتفاء برده عن البالغين)([62])

السلام على النساء:

اتفق الفقهاء على أن سلام المرأة على المرأة له نفس حكم سلام الرجل على الرجل، ورد السلام من المرأة على مثلها كالرد من الرجل على سلام الرجل.

أما سلام الرجل على المرأة ؛ فيختلف بحسب علاقتها بها، وكونها محل فتنة أو لا، كما يلي:

1 ـ إن كانت تلك المرأة زوجة أو من المحارم فسلامه عليها سنة، ورد السلام منها عليه واجب، بل يسن أن يسلم الرجل على أهل بيته ومحارمه،

2 ـ إن كانت تلك المرأة أجنبية، فإن كانت عجوزا أو امرأة لا تشتهى، أو أمن الفتنة فالسلام عليها سنة، ورد السلام منها على من سلم عليها لفظا واجب، ومما يدل على ذلك ما روي عن سهل بن سعد قال:(كانت لنا عجوز ترسل إلي بضاعة نخل بالمدينة فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في قدر، وتكركر([63]) حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا ونسلم عليها فتقدمه إلينا)([64])

3 ـ ومثل ذلك سلام الرجل على جماعة النساء، بدليل ما روي عن أسماء بنت يزيد قالت:(مر علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نسوة فسلم علينا)([65])

4 ـ أما إن كانت تلك المرأة شابة يخشى الافتتان بها، أو يخشى افتتانها هي أيضا بمن سلم عليها فقد اختلف الفقهاء ف ذلك على قولين:

القول الأول: كراهة السلام عليها وجواب السلام، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، وقريب منه قول الحنفية، فقد نصوا على أن الرجل يرد على سلام المرأة في نفسه إن سلمت هي عليه، وترد هي أيضا في نفسها إن سلم هو عليها.

القول الثاني: حرمة ردها عليه، وهو قول الشافعية.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو ترك السلام عند خشية الفتنة، ولكنه إذا ما سلمت عليه يرد السلام جهرا، حتى لا يحصل في ذلك أي حرج على من سلمت عليه، خاصة إن كان ممن يقتدى به، لأن تركه الرد قد يكون فيه من الفتنة ما هو أخطر من الفتنة التي خشي منها.

السلام على الفساق:

نص أكثر الفقهاء على كراهة السلام على من يجاهر بالفسق أو البدعة ردعا له وتحذيرا من فسوقه، ومن النصوص الدالة على ذلك ما ورد في قصة كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له فقال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كلامنا، قال: وكنت آتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأسلم عليه فأقول:(هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟)([66])

وروي عن عبد الله بن عمرو قال:(لا تسلموا على شراب الخمر)([67])

ونرى أن هذا الحكم لا ينبغي أن يكون مطلقا، فقد يكون في إلقاء السلام عليه تألفيا لقلبه أو دفعا لشره، وقد روي عن عائشة قالت جاء مخرمة بن نوفل فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوته قال: بئس أخو العشيرة، فلما دخل أدناه وبش به حتى خرج، فلما خرج قلت: يا رسول الله قلت له وهو على الباب: ما قلت فلما دخل بششت به حتى خرج؟ قال: أعهدتني فحاشا؟ إن شر الناس من يتقى شره([68]).

وقد نص على هذا الاعتبار النووي، فقال:(فإن اضطر إلى السلام على الظلمة، بأن دخل عليهم وخاف ترتب مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما إن لم يسلم سلم عليهم)

وذكر عن أبي بكر بن العربي أنه يسلم وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فيكون المعنى الله عليكم رقيب.

وقال أبو داود: قلت لأحمد: أمر بالقوم يتقاذفون أسلم عليهم؟ قال هؤلاء قوم سفهاء، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، قلت لأحمد: أسلم على المخنث؟ قال لا أدري السلام اسم من أسماء الله عز جل.

السلام على الكفار غير المحاربين:

اختلف الفقهاء في حكم السلام على الكفار من غير المحاربين على الأقوال التالية:

القول الأول: كراهة السلام عليهم، وهو مذهب أكثر الفقهاء، على اختلاف منهم في بعض الفروع، فنص الحنفية على أن السلام على أهل الذمة مكروه، ولا بأس أن يسلم على الذمي إن كانت له عنده حاجة ؛ لأن السلام حينئذ لأجل الحاجة لا لتعظيمه، ويجوز أن يقول: السلام على من اتبع الهدى، ونص المالكية على أن ابتداء اليهود والنصارى وسائر فرق الضلال بالسلام مكروه ؛ لأن السلام تحية والكافر ليس من أهلها، ومن الأدلة على ذلك:

1. ما ما ورد من النهي عن تعظيمهم.

2. قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)

القول الثاني: يحرم بداءة الذمي بالسلام، وله أن يحييه بغير السلام بأن يقول: هداك الله أو أنعم الله صباحك إن كانت له عنده حاجة، وإلا فلا يبتدئه بشيء من الإكرام أصلا ؛ وهو قول أكثر الشافعية، قال النووي في الأذكار:(اختلف أصحابنا في أهل الذمة، فقطع الأكثرون بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام، وقال آخرون ليس هو بحرام بل هو مكروه)

وقريب من هذا قول الحنابلة، فقد نصوا على أن بداءة أهل الذمة بالسلام لا تجوز بلفظ السلام أو بغيره، قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله: تكره أن يقول الرجل للذمي كيف أصبحت؟ أو كيف حالك؟ أو كيف أنت؟ أو نحو هذا؟ قال: نعم هذا عندي أكثر من السلام.

واستدلوا على ذلك بأن في ذلك بسط له وإيناس وإظهار ود، وقد قال الله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } (المجادلة:22)

القول الثالث: أنه يجوز ابتداؤه بالسلام، ولكن يقتصر المسلم على قوله: السلام عليك ولا يذكره بلفظ الجمع، وقد حكاه الماوردي وجها لبعض الشافعية، ووصفه النووي بأنه شاذ، وذكر الحنفية أنه لو قال للذمي:(أطال الله بقاءك جاز) إن نوى أنه يطيله ليسلم أو ليؤدي الجزية لأنه دعاء بالإسلام وإلا فلا يجوز.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو تحيتهم بما يحيون به أنفسهم من غير تحية الإسلام، من باب تأليف قلوبهم على الإسلام، ويمكن أن يسلم عليهم بالأسلوب الذي سلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(السلام على من اتبع الهدى) إلا إذا كان في ذلك إذية لهم أو حرجا، فيتركه إلى التحيات التي يتعارفونها فيما بينهم بشرط أن لا تكون مما يحمل طابعا دينيا يخصهم.

أما الحديث الذي ذكره أصحاب القول الأول، فلا نرى عمومه كل أهل الذمة، بل قد يكون خاصا بمن يؤثر في إصلاحهم مثل ذلك الأسلوب.

ويدل على هذا أن أسلوب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل الكتاب، بل مع المشركين أنفسهم، فقد كان يختلف عن هذا اختلافا شديدا، بحيث كان يؤلف قلوبهم بكل أساليب التأليف.

حكم الاستقالة من السلام:

اختلف الفقهاء في حكم الاستقالة، وهي أن يقول للكافر الذي سلم عليه:(رد سلامي الذي سلمته عليك ؛ لأني لو علمت أنك كافر ما سلمت عليك) على قولين:

القول الأول: يستحب إن سلم على من يظنه مسلما فبان ذميا أن يستقيله بأن يقول له: رد سلامي الذي سلمته عليك، وهو قول الشافعية والحنابلة، لما روي عن ابن عمر أنه مر على رجل فسلم عليه فقيل: إنه كافر فقال: رد علي ما سلمت عليك فرد عليه، فقال أكثر الله مالك وولدك، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أكثر للجزية.

القول الثاني: لا يستقيله، وهو قول المالكية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، أما فعل ابن عمر، فلا يمثل سماحة الشريعة، بل هو يخالف ما أمرنا به من تأليف قلوب غير المسلمين.

رد السلام على الكفار:

اختلف الفقهاء في حكم رد السلام على الكفار على قولين:

القول الأول: لا بأس به، وهو قول الحنفية، وهو جائز أيضا عند المالكية ولا يجب إلا إذا تحقق المسلم من لفظ السلام من الذمي.

القول الثاني: هو واجب، وهو قول الشافعية والحنابلة، وقد نقل النفراوي عن الأجهوري قوله:(إن تحقق المسلم أن الذمي نطق بالسلام بفتح السين، فالظاهر أنه يجب الرد عليه ؛ لاحتمال أن يقصد به الدعاء)

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني لأمر الله تعالى برد التحية مطلقا، كما قال تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} (النساء:86)، وقد قال ابن عباس:(من سلّم عليك من خلق اللّه فاردد عليه، وإن كان مجوسياً ذلك بأن اللّه يقول، وذكر الآية السابقة)([69])

كيفية الرد على سلام الكفار:

اختلف الفقهاء في كيفية الرد على من سلم من الكفار على قولين:

القول الأول: يقتصر في الرد على قوله: وعليكم، بالواو والجمع، أو وعليك بالواو دون الجمع، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، ومن الأدلة على ذلك:

1. عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليكم([70])([71])

2. عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم فقل وعليك)([72])

القول الثاني: يقول في الرد: عليك، بغير واو بالإفراد أو الجمع، وهو قول المالكية، ومن الأدلة على ذلك ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم السام عليكم فقل عليك)، وفي رواية أخرى له قال:(عليكم) بالجمع وبغير واو.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة أن هذا خاص بما لو تحقق من أنهم قالوا هذا الكلام، أما لو سلموا بسلام المسملين العادي، فإنه يجوز الرد عليهم بما يرد به على المسلمين، وهو اختيار ابن القيم، قال:(هذا كله إذا تحقق أنه قال: السام عليكم، أو شك فيما قال، فلو تحقق السامع أن الذمي قال له:(سلام عليكم) لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: وعليك؟ فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } (النساء:86)) ([73])

وقد رد على ما قد يتوهم مع تعارض هذا مع النصوص السابقة، فقال:(فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئا من أحاديث الباب بوجه ما، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما أمر بالاقتصار على قول الراد (وعليكم)، بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم، وأشار إليه في حديث عائشة،فقال:(ألا ترينني قلت: وعليكم، لما قالوا: السام عليكم)، ثم قال:(إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم)، والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه، قال تعالى: { وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} (المجادلة:8)، فإذا زال هذا السبب وقال الكتابي:(سلام عليكم ورحمة الله، فالعدل في التحية يقتضي أن يرد عليه نظير سلامه)

ج ـ صيغة السلام

اتفق الفقهاء على أن التحية الشرعية التي ورد الأمر بها، وورد الأمر بالرد عليها هي تحية الإسلام التي ورد النص عليها لا تحية أي عرف من الأعراف.

وبناء على هذا اتفقوا على أن أن التحية بغير السلام للمسلم، كنحو: صبحك الله بالخير، أو السعادة، أو طاب حماك، أو قواك الله، من الألفاظ التي يستعملها الناس في العادة لا أصل لها، ولا يجب الرد على قائلها، لكن لو دعا له مقابل ذلك كان حسنا.

واتفقوا على أن الرد على من حيا بغير السلام غير واجب، سواء أكانت تحيته بلفظ، أم بإشارة بالإصبع، أو الكف أو الرأس، إلا إشارة الأخرس أو الأصم، فيجب الرد بالإشارة مع اللفظ، ليحصل به الإفهام، لأن إشارته قائمة مقام العبارة.

واتفقوا على أن الرد بغير السلام على من ألقى السلام لا يجزئ، ولا يسقط الرد الواجب، لأنه يجب أن يكون بالمثل، لقوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} (النساء:86)

وهذا لأن الإسلام جاء بهذه التحية كشعيرة من شعائره وعبادة من عباداته، فلا يصح إبدالها بغيرها.

فقد كان من عادة العرب قبل الاسلام أنه إذا لقي بعضهم بعضا أن يقولوا:(حياك الله)([74])، فلما جاء الاسلام أبدل ذلك بالسلام، فجعلوا التحية اسما للسلام([75]). قال تعالى: { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ }(الأحزاب: 44)

وهذا الاختيار الإلهي الذي ميز به المؤمنين هو أرفع الاختيارات وأعلاها وأكملها، فلا يمكن لأي تحية أن تقارن مع تحية الإسلام.

وقد بين الفخر الرازي وجوها من تفضيل السلام الإسلامي على تحية الجاهلية، ومثلها يمكن تطبيقها على التحيات المعاصرة التي تطرح نفسها بدائل عن تحية الإسلام، ومن الوجوه التي ذكرها:

الوجه الأول: أن الحي إذا كان سليما كان حيا لا محالة، وليس إذا كان حياً كان سليما، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات، فثبت أن قوله: السلام عليك أتم وأكمل من قوله: حياك الله.

الوجه الثاني: أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فالابتداء بذكر الله أو بصفة من صفاته الدالة على أنه يريد ابقاء السلامة على عباده أكمل من قوله: حياك الله.

الوجه الثالث: أن قول الانسان لغيره: السلام عليك فيه بشارة بالسلامة، وقوله: حياك الله لا يفيد ذلك، فكان هذا أكمل.

زيادة على هذا، فإن السلام شعار من شعارات هذا الدين، ومقصد كبير من مقاصده، فقد ذكر الله تعالى سلامه على عباده الصالحين في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، قال تعالى: { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} (النمل:59)، وقال تعالى: { وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} (الصافات:181)

بل سلم عليهم بأسمائهم، قال تعالى: { سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} (الصافات:79)، وقال تعالى: { سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} (الصافات:109)، وقال تعالى: { سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} (الصافات:120)، وقال تعالى: { سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} (الصافات:130)

وقد اعتبر ابن الحاج إبدال السلام من البدع التي انحرف بها المجتمع الإسلامي عما ميز به من لدن سلفه الأول، قال:(وقد ورد في السلام من الفضل والترغيب ما هو مشهور معروف كفى به أنه اسم من أسماء الله تعالى ينطقون به على ألسنتهم على سبيل الامتثال والتشريع فيكون بسببه من الذاكرين، وقد ورد في الحديث الصحيح إخبارا عن رب العزة عز وجل يقول:(من ذكرني ذكرته وأنا جليس من ذكرني) فيحصل لهم هذا الخير العظيم والنعمة الشاملة، والغالب أن السلام المشروع إذ ذاك بيننا متروك، وكذلك المصافحة، فإن وقع منا السلام كان قولنا (صبحك الله بالخير مساك الله بالخير يوم مبارك ليلة مباركة) وذلك كله من البدع والحوادث)([76])

بل إنه أنكر ذلك، واعتبره من البدع حتى لو كان دعاء، قال:(وإن كان دعاء والدعاء كله حسن لكن إذا لم يصادم سنة كان مباحا أو مندوبا بحسب الواقع والنية، وأما إن صادم سنة فلا يختلفون في منعه ؛ لأن علماءنا ـ رحمة الله عليهم ـ قد اختلفوا في البدع هل تمنع مطلقا، وهو مذهب مالك وأكثر أهل العلم أو لا تمنع إلا إذا عارضت السنن، وهو مذهب الشافعي ومن تبعه، وهذا من القسم الذي عارض سنة ؛ لأنه ترك السلام الشرعي بسببه وأحل القيام والدعاء محله، ولا قائل به من المسلمين، فإن قال العالم مثلا أنا أفعل ذلك بعد السلام فجوابه أن العوام يقتدون به في البدع وهم لا يعرفون السنة فيظنون أن تلك هي السنة التي ارتكبوها)([77])

وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجوز أن يقول (كيف أمسيت كيف أصبحت؟) بدلا من السلام، واستدل لذلك بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحاب الصفة:(كيف أصبحتم؟)([78])، وبما روي عن جابر قلت:(كيف أصبحت يا رسول الله؟) قال:(بخير من رجل لم يصبح صائما ولم يعد سقيما)([79])

وقد استدل بعض الحنابلة لهذا بقول الإمام أحمد لصدقة وهم في جنازة:(يا أبا محمد كيف أمسيت؟) فقال له:(مساك الله بالخير)، وبقوله للمروذي وقت السحر:(كيف أصبحت يا أبا بكر؟)، وقال: إن أهل مكة يقولون إذا مضى من الليل يريد بعد النوم كيف أصبحت؟ فقال له المروذي: صبحك الله بخير يا أبا عبد الله، وقد ترجم الخلال لهذا بـ (قوله في السلام كيف أصبحت)

ولا نرى صحة هذا، فليس فيما ذكروا أي دليل على صحة استبدال السلام بأي تحية أخرى، أما ما ذكر عن أحمد، فهو ليس مصدرا من مصادر الشريعة.

أما الأحاديث التي ذكروها فهي مع عدم نهوضها للاستدلال يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم ذلك بعد أن سلم عليهم، بدليل ما روي من حديث أبي أسيد الساعدي أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل على العباس فقال: السلام عليكم قالوا وعليك السلام ورحمة الله وبركاته قال: كيف أصبحتم؟ قالوا بخير نحمد الله، كيف أصبحت بأبينا وأمنا أنت يا رسول الله قال: أصبحت بخير أحمد الله([80]).

بعد هذا التنبيه إلى أهمية الاقتصار على ما ورد في الشرع من هيئة التحية، وكيفيتها نذكر هنا بعض ما نص عليه الفقهاء من آداب تتعلق بصيغتها:

الرد بأحسن منها:

ويدل عليه قوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أو ردوها} (النساء:86)، أي إذا سلم عليكم أحد فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم، وهذا يدل على أن الزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.

ومما ورد في صيغة الزيادة وفضلها ما روي عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، فقال:(وعليك السلام ورحمة اللّه)، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه؛ فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم:(وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته)، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، فقال له:(وعليك) فقال له الرجل: يا نبي اللّه بأبي أنت وأمي: أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهم أكثر مما رددت علي؟ فقال:(إنك لم تدع لنا شيئاً، قال اللّه تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } (النساء:86) فرددناها عليك)، قال ابن كثير:(وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة (السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته)، إذا لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم)([81])

مما ورد في فضل الزيادة، ما وري عن عمران بن حصين أن رجلا جاء إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: السلام عليكم يا رسول اللّه، فرد عليه ثم جلس، فقال:(عشر)، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة اللّه يا رسول اللّه فرد عليه ثم جلس فقال:(عشرون)، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته فرد عليه، ثم جلس فقال:(ثلاثون)([82])

السلام بصيغة الجماعة:

نص الفقهاء على أنه ينبغي أن يكون السلام كله بلفظ الجماعة، وإن كان المسلم عليه واحدا، وقد علل إبراهيم النخعي ذلك، فقال:(إذا سلمت على الواحد فقل: السلام عليكم، فإن معه الملائكة)

ومثل ذلك في الجواب، فإنه يكون بلفظ الجمع؛ قال ابن أبي زيد:(يقول المسلم: السلام عليكم، ويقول الراد: وعليكم السلام)

تعريف السلام:

ورد اسلام في القرآن الكريم معرفا ومنكرا، فمن التنكير مثلا قوله تعالى عن نوح: { قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَـٰمٍ مّنَّا } (هود: 48) وقال عن الخليل: { قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } (مريم: 47) وقال في قصة لوط: { قَالُواْ سَلَـٰماً قَالَ سَلَـٰمٌ } (هود: 69) وقال عن يحيى: { وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ } وقال عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ } (النمل: 59)، وقال عن الملائكة: { وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } (الرعد: 23 ـ 24)،وقال عن رب العزة: { سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } (يۤس: 58) وقال: { فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ }

ومن التعريف قوله تعالى عن موسى u: { فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} (طـه:47)، وقال عن عيسى u: { وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ } (مريم: 33)

وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يصح التحليل من الصلاة إلا معرفا، واختلفوا في سائر المواضع، هل التنكير أفضل أم التعريف؟

القول الأول: التنكير أفضل، وقد ذكره الفخر الرازي، واستدل له بالوجوه التالية:

1. أن لفظ السلام على سبيل التنكير كثير في القرآن فكان أفضل.

2. أن كل ما ورد من الله والملائكة والمؤمنين فقد ورد بلفظ التنكير كما سبق ذكره.

3. أن ما ورد بالألف واللام فانما ورد في تسليم الانسان على نفسه، كما قال موسى u: { وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } (طه: 47) وقال عيسى u: { وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ } (مريم: 33)

4. أن لفظ السلام بالألف واللام يدل على أصل الماهية، والتنكير يدل على أصل الماهية مع وصف الكمال، فكان هذا أولى.

القول الثاني: التعريف أفضل، وهو قول الجمهور، ومن الأدلة على ذلك: كل ما ورد في النصوص من صيغ السلام، مما سبق ذكره.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على أن صيغة السلام تعبدية لا مجال فيها للاجتهاد، فلذلك لا يمكن اقتباس ما ورد فيها من القرآن الكريم لعدم النص على أنه المراد من التحية.

ثم كيف نرجح صيغة من صيغ السلام نرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخالفها إلى غيرها، ففهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعمق، وعلمه بذلك أعظم.

رفع الصوت به قدر الإبلاغ:

لأن الغرض من التحية سماعها، فلذلك كان الواجب فيها رفع الصوت بها قدر الإبلاغ سواء إفشاء أو ردا.

وقد ذكر القرطبي في ذلك حديثا، فقال: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا سلمتم فأسمعوا، وإذا رددتم فأسمعوا وإذا قعدتم فاقعدوا بالأمانة ولا يرفعن بعضكم حديث بعض)([83])

وروى عن عبدالله بن الحارث قال:(إذا سلم الرجل على القوم كان له فضل درجة، فإن لم يردوا عليه ردت عليه الملائكة ولعنتهم. فإذا رد المسلم عليه أسمع جوابه؛ لأنه إذا لم يسمع المسلم لم يكن جوابا له؛ ألا ترى أن المسلم إذا سلم بسلام لم يسمعه المسلم عليه لم يكن ذلك منه سلاما، فكذلك إذا أجاب بجواب لم يسمع منه فليس بجواب)

ولا يتنافى هذا مع ما ورد من حديث قيس بن سعد بن عبادة، قال: زارنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد سعد ردا خفيا. قال قيس:فقلت:ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال:دعه يكثر علينا من السلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد ردا خفيا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: السلام عليكم ورحمة الله. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأتبعه سعد فقال:يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردا خفيا لتكثر علينا من السلام) الحديث([84]) الذي استدل به بعضهم على جواز الإسرار حيث اكتفى صلى الله عليه وآله وسلم برد سعد هذا حيث لم يأمره برد يسمعه ولم ينكر عليه هذا الرد([85]).

ولكن هذا لا يدل على ذلك، لأنه قد بين غرضه من ذلك، فلذلك استحق دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما في الحالة العادية، فلا شك في أن السلام لا يؤدي غرضه إن أسره صاحبه ولم يرفع الصوت به.

وحد رفع الصوت أن يسمع غيره من غير إيذاء، وقد ورد في حديث المقداد: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما، ويسمع اليقظان)([86])

وبما أن الغرض من السلام هو إبلاغ الغير لينشر المودة، فإنه يشرع لمن سلم على أصم الجمع بين اللفظ والإشارة، فإن لم يجمع لم يجب الجواب، فإن سلم عليه أصم جمع بين اللفظ والإشارة في الرد والجواب، فأما الأخرس فسلامه بالإشارة وكذلك جواب الأخرس.

وقد قال المروذي عن الإمام أحمد: إن أبا عبد الله لما اشتد به المرض كان ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجا فيسلمون عليه فيرد عليهم بيده.

3 ـ آداب الزيارة والضيافة

من أهم ما يظهر السلوك الحضاري الرفيع للمسلم هو آدابه الرفيعة التي يظهرها عند زيارته لغيره، أو عند زيارة غير له.

وقد جاءت النصوص الكثيرة تبين آداب هذه الزيارة، لترفع عنها ثقل أخلاق الجاهلية وكثافة طبعها، بل وردت في بعض المواضع بصيغة العتاب المتشدد، لما في الزيارة الثقيلة من أذى شديد يصيب المسلم، يدعوه الحياء لتحمله، فتكفل الله تعالى برحمته برفع مسبب هذا الحياء، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (الأحزاب:53)

فالآية الكريمة تتضمن آدابا لم تكن تعرفها الجاهلية في دخول البيوت، فقد كان الناس يدخلون البيوت بلا إذن من أصحابها – كما ذكرنا لك في الأحكام الخاصة بالاستئذان ـ وكان بعضهم يدخل وحين يرى طعاما يوقد عليه يجلس في انتظار نضج هذا الطعام ليأكل بدون دعوة إلى الطعام، وكان بعضهم يجلس بعد الطعام – سواء كان قد دعي إليه أو هجم هو عليه دون دعوة – ويأخذ في الحديث والسمر غير شاعر بما يسببه هذا من إزعاج.

والآية الكريمة تعبر عن تأذي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنها في الحقيقة ـ ومن باب أولى ـ تعبر عن كل مؤمن، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو صاحب الخلق العظيم، يتأذى من مثل هذه التصرفات، فكيف بغيره؟ ولهذا قال وقال حماد بن زيد:(هذه الآية نزلت في الثقلاء)، وقال إسماعيل بن أبي حكيم:(هو أدب أدب الله به الثقلاء)، وقال ابن أبي عائشة:(حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم)

انطلاقا من هذا التأديب الرباني، فإن هناك الكثيرمن الآداب التي حض الشرع على مراعاتها سواء عند الزيارة أو عند الاستضافة، تنفي الثقل، وترفع الأذى، نجمع مجامعها فيما يلي:

مقاصد الزيارة

تنطلق الآداب الشرعية جميعا من تحديد المقاصد والأهداف، لأن أي تصرف يخلو من المقصد تصرف عبثي، لا ينتج عنه أي مصلحة، بل قد تنتج عنه المضرة الشخصية والمتعدية.

ومن تحديد المقصد تتجلى الآداب، لأن لكل مقصده آدابه الخاصة به، قال النووي:(يستحب – للمسلم – استحبابا متاكدا زيارة الصالحين، والإخوان، والجيرا ن، والأصد قاء، وا لأ قا رب، وإكرامهم، وبرهم، وصلتهم، وضبط ذلك يختلف باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم، وينبغي أن تكون زيارته لهم على وجه لا يكرهونه، وفي وقت يرتضونه)

وسنذكر هنا بعض الأمثلة عن مقاصد الزيارة وآدابها لتكون نماذج لغيرها:

زيارة الصالحين:

من الإخوان والعلماء والمربين وغيرهم ممن التزم بالشرع ودعا له، وهي سنة من السنن العظيمة التي وردت النصوص مخبرة عن عظيم فضلها.

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله – تعالى – على مدرجته ملكا فلما أتى عليه، قال أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحبه في الله – تعالى – قال: فإني رسول الله إليك بأن الله – تعالى – قد أحبك كما أحببته فيه)([87])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من عاد مريضا أو زار أخا له في الله – تعالى – ناداه مناديان طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا)([88])

ويستحب أن يطلب من صاحبه الصالح أن يزوره، وأن يزوره أكثر من زيارته، لحديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل u:(ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟)، فنزلت: { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} (مريم:64))([89])

أما مقاصد هذا النوع من الزيارة، فيفصله ابن الحاج بقوله في فصل خصصه لزيارة الأولياء والصالحين:(وينبغي له أن لا يخلي نفسه من زيارة الأولياء، والصالحين الذين برؤيتهم يحيي الله القلوب الميتة كما يحيي الأرض بوابل المطر، فتنشرح بهم الصدور الصلبة، وتهون برؤيتهم الأمور الصعبة إذ هم وقوف على باب الكريم المنان فلا يرد قاصدهم، ولا يخيب مجالسهم، ولا معارفهم، ولا محبهم إذ هم باب الله المفتوح لعباده، ومن كان كذلك فتتعين المبادرة إلى رؤيتهم، واغتنام بركتهم ؛ ولأنه برؤية بعض هؤلاء يحصل له من الفهم، والحفظ، وغيرهما ما قد يعجز الواصف عن وصفه، ولأجل هذا المعنى ترى كثيرا ممن اتصف بما ذكر له البركة العظيمة في علمه، وفي حاله، فلا يخلي نفسه من هذا الخير العظيم)([90])

والأولياء الذين يشير إليهم ابن الحاج هنا هم الأولياء الحريصون على الهدي النبوي المتأدبون بآدابه، لا من انحرف عنه، قال مستدركا على كلامه السابق:(لكن بشرط أن يكون محافظا على اتباع السنة في ذلك كله فليحذر أن يزور أحدا من أهل البدع، وممن لا خطر له في الدين إلا بالتمويه، وبعض الإشارات، والعبارات)

ويذكرعن بعض الأدعياء في عصره ممن يكثر الناس زيارتهم، مع أنه لا حظ لهم من الدين ولا الخلق قال:(مع أنه قد قل في هذا الزمان من يضطر إلى ذلك من المدعين بل قد تجد بعض من ينتسب إلى العلم يقعد بين يدي بعض من يدعي الفقر والولاية، وهو مكشوف العورة، وقد تذهب عليه أوقات الصلاة، وهو لم يصل، ويعتذرون عنه بأنه يحزب على نفسه. وقد رأيت بعض الفقراء الصلحاء رحل إلى زيارة شخص من هذا الجنس نحو ثلاثة أيام، أو أربعة حتى اجتمع به، وهو عريان ليس عليه شيء يستره، وبين يديه بعض قضاة البلد، ورؤسائها، وهذا أمر شنيع في الدين، وقلة حياء من عمل الذنوب، وارتكاب مخالفة السنة، وترك الفرائض إذ أن كشف العورة محرم، وكذلك النظر إليها، وإخراج الصلاة عن وقتها محرم اتفاقا فيرتكبون محرمات جمة، وهذا إنما هو تمثيل ما، وإلا فالمفاسد التي تعتورهم في ذلك أكثر من أن تحصر، أو ترجع إلى قانون معروف في الغالب)([91])

وحكي عن بعض السلف أنه أثني عنده على شخص كان في وقته فخرج هو، ومن أثنى عليه إلى زيارته، ودخلا المسجد الذي كان يصلي فيه فلم يجداه فجلسا ينتظرانه فلما أن جاء، ودخل المسجد تنخم، وبصق فيه، فخرج هذا السيد، ولم يسلم عليه، وخرج معه الشخص الذي كان أثنى عليه فقال له: لم خرجت، ولم تسلم عليه فقال له: إذا كان إنسان لم يأتمنه الله تعالى على أدب من آداب الشريعة فكيف يأتمنه على سر من أسراره.

والأدب في هذا النوع من الزيارات الاستفادة من هذا الصالح وطلب دعائه والتماس نصحه وتوجيهه والأخذ من سمته.

عيادة المريض:

وهي من حقوق المسلم على أخيه، وقد وردت الآثار الكثيرة في فضلها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، قيل يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال: جناها)([92])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من عاد مريضا لم يزله يخوض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها)([93])

ومن الآداب التي ذكرها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة لهذا النوع من الزيارة:

1. أن يكون عائد المريض نقي الثوب، طيب الرائحة طيب نظافة، لتنشرح نفسه وتنتعش صحته، ولا يحسن أن يدخل إليه بملابس الزينة والأفراح، كما لا يحسن أن يكون متطيبا بطيب شديد الرائحة، فقد يزعج المريض ويؤذيه، لضعف تحمله ووهن قوته.

2. أن لا يخبر المريض أويتحدث عنده بما يغمه، من خبر تجارة خسرت له فيها سبب أو صلة، أوذكر ميت، أوخبر رديء لمريض، أو نحو ذلك مما يكدر المريض أو يحزنه أو يؤثر على صحته أو شعوره.

3. أن لا يستخبر عن مرض المريض استخبار متقص، فإن ذلك التقصي من العائد لاينفع المريض إلا أن يكون طبيبا له اختصاص بمرضه.

4. أن لا يشيرعلى المريض بدواء ولا بغذاء قد كان نفعه هو، أوسمع بأنه نافع، فإن ذلك ربما حمل المريض – بجهله أو لشدة ما به – أن يستعمله، فيضر به ويفسد على الطبيب عمله، وربما كان ذلك سببا لهلاك المريض.

5. أن لا يعارض الطبيب بحضرة المريض، إذا لم يكن من أهل العلم والاختصاص، فيوقع للمريض الشك فيما وصفه الطبيب.

6. أن لا يطيل الجلوس عنده، لأن له من الحالات المرضية الخاصة ما لا يسمح بإطالة الجلوس عنده، فعيادة المريض كجلسة الخطيب([94])، وقد قال ابن عبد البر:(ومن زار صحيحا، أو عاد مريضا، فليجلس حيث يأمره، فالمرء أعلم بعورة منزله. وعيادة المريض سنة مؤكدة، وأفضل العيادة أخفها. ولا يطيل العائذ الجلوس عند العليل، إلا أن يكون صديقا يأنس به،ويسره ذلك منه)

زيارة الأقارب:

وهي من صلة الرحم التي ورد التشديد في الحض عليها، قال تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} (النساء:36)

وفي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)([95])

وفي التشديد في قطع الرحم، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن اللَّه تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائد بك من القطيعة. قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك)، ثم قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم:(اقرءوا إن شئتم: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (محمد:22 ـ 23)) ([96])

وقد انتشر في واقعنا أن الزيارة بين الأقارب لا تكون إلا بالمكافأة، فمن زير زار، ومن قطع قطع، وقد أرشد صلى الله عليه وآله وسلم إلى خلاف هذا، فقال:(ليس الواصل بالمكافيء، ولكن الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها)([97])

وجاءه رجل، فقال: يا رَسُول اللَّهِ إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال:(لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل([98])، ولا يزال معك من اللَّه ظهير عليهم ما دمت على ذلك)([99])

آداب الزيارة

تتفق جميع أنواع الزيارات السابقة، وغيرها في هذه الآداب التي سنسوقها هنا باختصار، فمن آداب الزيارة:

تحديد الموعد:

أول الآداب وأهمها هو تحديد موعد الزيارة، حتى لا يفاجأ المزور بالزائر من غير استعداد لذلك، فيحرجه أو يمنعه من عمل يلزمه، وربما لا يصلح هذا الأدب في عصرنا إلا لمن لديه وسائل الاتصال التي يتمكن منها من إخبار المزور بزيارته.

ولكن ما ذكره السلف يشير إلى هذا، فقد اتفقوا على أن للمزور أن يرد زائره إن لم يكن مستعدا لاستقباله، كما قال تعالى: { وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (النور:28)

يقول عبد الفتاح أبو غدة:(إذا زرت أحد إخوانك دون موعد، أوعلى موعد سابق منه، فاعتذر لك عن قبول زيارتك له، فاعذره، فإنه أدرى بحال بيته وملابسات شأنه، فقد يكون جد لديه مانع من الموانع الخاصة، أوحصل عنده من الحرج: مالايسمح له باستقبالك وقتئذ، فله أن يعتذر لك تحرج)

ومما يتعلق بهذا الأدب ما نص عليه بقوله:(وينبغي أن تتخير الوقت الملائم للزيارة، وأن تجلس المدة المناسبة التي تتلاقى مع مقامك عند المزور، ومع الحال التي هوعليها، فلا تطل، ولا تثقل، ولا تأت في وقت غير ملائم لزيارته، كوقت الطعام أوالنوم أوالراحة أو ا لسكون)

ويقول الغزالي:(أما الدخول فليس من السنة أن يقصد قوماً متربصاً لوقت طعامهم فيدخل عليهم وقت الأكل، فإن ذلك من المفاجأة، وقد نهي عنه)([100])

ويدل لهذا قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ } (الأحزاب:53) أي غير متحينين نضجه واستواءه، أي لا ترقبوا الطعام إذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا مما يكرهه اللّه ويذمه.

يقول الغزالي:(ولكن حق الداخل إذا لم يتربص واتفق أن صادفهم على طعام أن لا يأكل ما لم يؤذن له، فإذا قيل له: كُلْ. نظر فإن علم أنهم يقولونه على محبة لمساعدته فليساعد، وإن كانوا يقولونه حياء منه فلا ينبغي أن يأكل، بل ينبغي أن يتعلل، أما إذا كان جائعاً فقصد بعض إخوانه ليطعمه ولم يتربص به وقت أكله فلا بأس به)([101])

مراعاة النظافة والنظام:

فليس من الأدب أن يدخل الزائر بيت المزور بحذاء متسخ، أو هيئة رثة، فمن الآداب التي ذكرها الشيخ عبد الفتاح: (عندما تزور بيت أخيك – أو تدخل بيتك – كن لطيفاً في مدخلك ومخرجك، غاضا طرفك وصوتك، واخلع حذاءك في محله، وصف نعليك أثناء خلعهما، ولاتدعهما هكذا وهكذا.. وقبل الدخول إلى بيتك أو بيت أخيك انظر في نعليك، فإذا رأيت فيهما شيئا من آثار الطريق فامطه عنهما، وادلكهما في الأرض لينزاح عنهما ما علق بهما، فإن الإسلام دين النظافة واللطافة)

ومن الأدب المرتبط بهذا أن لا ينازع الزائر مزوره المحل المخصص له، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يؤمّن الرجل الرجل في سلطانه([102])، ولا يقعد في بيته على تكرمته([103]) إلا بإذنه)([104])

ومن العلل في هذا الأدب ما ذكره الشيخ عبد الفتاح بقوله:(لا تنازع مضيفك أو أخاك في المكان الذي يجلسك فيه من منزله، بل لاتجلس إلا حيث يجلسك، فلعلك – إن جلست كما تريد- تجلس إلى مكان فيه إطلال على عورة من عورات الدار، أو فيه إحراج لساكنيها، فعليك بامتثال ما يأمرك به مضيفك، واقبل ما يكرمك به أيضاً)

ومن الآداب التي تحقق هذا المعنى ما ذكره الشيخ بقوله:(إذا دخلت بيت أخيك أو صديقك، وأقعدك فيه، أوأنامك فيه، فلا تتفقده ببصرك تفقد الفاحص الممحص، بل غض بصرك في أثناء قعودك أومنامك فيه، قاصرا نظرك على ما تحتاج إليه فحسب، ولا تفتح مغلقا من خزانة، أو صندوق، أو محفظة، أو صرة ملفوفة، أو شىء مستور، فإن هذا خلاف أدب الإسلام والأمانة التي خولك بها أخو ك أو محبك ذخول بيته والمقام عنده، فاعرف لزيارتك آدابها، واسلك لحسن المعاشرة أبوابها، تزداد عند مضيفك حبا وأدبا، والله تعالى يرعاك ويتولاك)

ومنها ما ذكره الغزالي، وهو يتحدث عن آداب الضيافة، قال:(أدبه أن يدخل الدار ولا يتصدّر فيأخذ أحسن الأماكن بل يتواضع ولا يطوّل الانتظار عليهم ولا يعجل بحيث يفاجئهم قبل تمام الاستعداد، ولا يضيق المكان على الحاضرين بالزحمة، بل إن أشار إليه صاحب المكان بموضع لا يخالفه البتة فإنه قد يكون رتب في نفسه موضع كل واحد فمخالفته تشوّش عليه، وإن أشار إليه بعض الضيفان بالارتفاع إكراماً فليتواضع، ولا ينبغي أن يجلس في مقابلة باب الحجرة الذي للنساء وسترهم)([105])

خفة الزيارة:

وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في أول هذا المطلب، بل عن كل الآداب تسعى لنفي الثقل عن الزيارة، ونحب أن ننبه هنا مستدكين على ما ذكرنا من أن ذلك ليس على العموم، فإن من الأخوان من لا يستشعر بثقله مهما فعل، وهو ما عبر عنه تعالى بقوله: { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ} (النور:61)

يقول الغزالي مبينا حدود ذلك:(فإن دخل ولم يجد صاحب الدار وكان واثقاً بصداقته عالماً بفرحه إذا أكل من طعامه فله أن يأكل بغير إذنه، إذ المراد من الإِذن الرضا لا سيما في الأطعمة وأمرها على السعة، فرب رجل يصرح بالإِذن ويحلف وهو غير راض فأكل طعامه مكروه، وربّ غائب لم يأذن وأكل طعامه محبوب)([106])

ويروي عن محمد بن واسع وأصحابه أنهم كانوا يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن، وكان الحسن يدخل ويرى ذلك فيسر به ويقول: هكذا كنا.

وروى عن الحسن أنه كان قائماً يأكل من متاع بقال في السوق يأخذ من هذه الجونة تينة ومن هذه قسبة، فقال له هشام: ما بدا لك يا أبا سعيد في الورع تأكل متاع الرجل بغير إذنه؟ فقال: يا لكع اتل عليَّ آية الأكل فتلا إلى قوله تعالى: { أَوْ صَدِيقِكُمْ } فقال: فمن الصديق يا أبا سعيد؟ قال: من استروحت إليه النفس، واطمأن إليه القلب.

ومشى قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه ففتحوا الباب وأنزلوا السفرة وجعلوا يأكلون، فدخل الثوري وجعل يقول: ذكرتموني أخلاق السلف هكذا كانوا.

وزار قوم بعض التابعين ولم يكن عنده ما يقدمه إليهم، فذهب إلى منزل بعض إخوانه فلم يصادفه في المنزل فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها وإلى خبز قد خبزه وغير ذلك فحمله كله فقدمه إلى أصحابه وقال: كلوا فجاء رب المنزل فلم ير شيئاً فقيل له: قد أخذ فلان، فقال: قد أحسن، فلما لقيه قال: يا أخي إن عادوا فعد.

آداب الضيافة

وهي القسم المكمل للزيارة، لأن الشخص إما زائر أو مزور، والمزور هو المضيف، وهو الذي تتعلق به هذه الآداب التي سنذكرها باختصار، لأنه لها محلها الخاص.

إكرام الضيف:

وهو ما يشير إليه قوله تعالى: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ إبراهيم المكرمين } (الذريات:24 ـ 27)وقوله تعالى: { وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} (هود:78)، ففي الآية الأولى دليل على إكرام الضيف، وفي الثانية دليل على حمايته.

وقد ورد في السنة التشديد في وجوب إكرامه([107])، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)([108])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته)، قالوا: وما جائزته يا رَسُول اللَّهِ؟ قال:(يومه وليلته. والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه)([109])، وفي رواية:(ولا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه) قالوا: يا رَسُول اللَّهِ وكيف يؤثمه؟ قال:(يقيم عند أخيه ولا شيء يقريه به)([110])

ومما يدل على أن هذه النصوص للوجوب، قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن عمرو:(إنَّ لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا)([111]) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محرومًا فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه)([112])، بل روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:(أيما رجل أضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا، فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله)([113])

بل ورد في النصوص ما يبين علو أخلاق الصالحين من تقديمهم الضيف على أنفسهم، كما قال تعالى: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} (الانسان:8)

وقد روي من فعل السلف ما بين كرم أخلاقهم وعظيم إيثارهم، فعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(من يضيف هذا الليلة؟) فقال رجل من الأنصار: أنا يا رَسُول اللَّهِ. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: أكرمي ضيف رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي رواية قال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيء، وإذا أرادوا العشاء فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل. فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين. فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(لقد عجب اللَّه من صنيعكما بضيفكما الليلة)([114])

ومن هديه صلى الله عليه وآله وسلم في إكرام الضيف ما ورد في خبر إسلام عدي بن حاتم الطائي، فقد روي أنه قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأكرمه بالجلوس على وسادة، وجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الأرض، قال عدي: ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى إذا دخل بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا، فقذفها إلي فقال: اجلس على هذه، قلت: بل أنت فاجلس عليها، قال: بل أنت، فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأرض.

احترام الضيف:

وهو أمر زائد على مجرد الإكرام، لأنه يدل على الحفاوة به، وعدم الضيق من وجوده، زيادة على ما يبثه في نفسه من المحبة لمضيفه وهي مقصد جليل من مقاصد الشارع، ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم:(والذي نفس محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)([115])

ومن مظاهر احترام الضيف التي ذكرها العلماء أن يقدّم الطست إليه ليغسل، فقد روي أنه اجتمع أنس بن مالك وثابت البناني على طعام فقدّم أنس الطست إليه فامتنع ثابت فقال أنس:(إذا أكرمك أخوك فاقبل كرامته ولا تردها فإنما يكرم الله عز وجل)

ومنها أن لا يبتدىء بالطعام ومعه من يستحق التقديم بكبر سن أو زيادة فضل إلا أن يكون هو المتبوع والمقتدى به، فحينئذ ينبغي أن لا يطول عليهم الانتظار إذا اشرأبوا للأكل واجتمعوا له.

ومنها أن يدعوه للأكل، من غير إلحاح، قال الغزالي:(فإن قلل رفيقه نشطه ورغبه في الأكل وقال له: (كُلْ) ولا يزيد في قوله: (كُلْ) على ثلاث مرات فإن ذلك إلحاح وإفراط)([116])

واستدل لذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خوطب في شيء ثلاثاً لم يراجع بعد ثلاث، وكان يكرّر الكلام ثلاثاً، (فليس من الأدب الزيادة عليه)

ومن الإلحاح المنهي عنه الحلف عليه بالأكل، قال الحسن بن علي:(الطعام أهون من أن يحلف عليه)

ومنها أن يقدم له الطعام من غير أن يقول له: هل أقدّم لك طعاماً؟ بل ينبغي أن يقدّم إن كان، قال الثوري:(إذا زارك أخوك فلا تقل له: أتأكل؟ أو أقدّم إليك؟ ولكن قدّم فإن أكل وإلا فارفع)

ومنها أن يتعامل مع كل ضيف بما يتناسب معه، قال بعض الصالحين:(إذا دخل عليكم الفقراء فقدموا إليهم طعاماً، وإذا دخل الفقهاء فسلوهم عن مسألة، فإذا دخل القراء فدلوهم على المحراب)

ومنها أن لا يميز الغني بالإِجابة عن الفقير، فذلك هو التكبر المنهي عنه ولأجل ذلك امتنع بعضهم عن أصل الإِجابة وقال: انتظار المرقة ذل، وقال آخر: إذا وضعت يدي في قصعة غيري فقد ذلت له رقبتي، ومن المتكبرين ممن يجيب الأغنياء دون الفقراء وهو خلاف السنّة.

 ومن أهم مظاهر احترام الضيف أن لا يميز بين غني وفقير، لأنه إن ميز بينهما كان احترامه للمال لا للضيف، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيب دعوة العبد ودعوة المسكين.

ومر الحسن بن علي بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق وقد نشروا كسراً على الأرض في الرمل، وهم يأكلون وهو على بغلته فسلم عليهم فقالوا له: هلم إلى الغداء يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:(نعم، إن الله لا يحب المستكبرين)، فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل، ثم سلم عليهم وركب وقال: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم، فوعدهم وقتاً معلوماً فحضروا فقدّم إليهم فاخر الطعام وجلس يأكل معهم.

الخفة وعدم التكلف:

وهي أصل من أصول هذا الباب يشير إليه قوله تعالى: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (صّ:86)، أي وما أريد على ما أرسلني اللّه تعالى به، ولا أبتغي زيادة عليه، بل ما أمرت به أديته، لا أزيد عليه ولا أنقص منه.

وهذا لا يقتصر فقط على هذا الباب، بل يشمل جميع حياة المسلم، قال مسروق: أتينا عبد اللّه بن مسعود فقال:(يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: اللّه أعلم، فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: اللّه أعلم، فإن اللّه عزَّ وجلَّ قال لنبيكم صلى الله عليه وآله وسلم: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (صّ:86))([117])، وعن ابن عمر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمفي بعض أسفاره، فسار ليلا فمروا على رجل جالس عند مقراة له، فقال له عمر: يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(يا صاحب المقراة لا تخبره هذا متكلف لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور)([118])

وهكذا في باب الضيافة، فإن التكلف سواء كان من المضيف او الضيف يضاد مقاصد الشيعة منها، فتتحول من وسيلة للتآلف والتراحم والتكافل إلى وسيلة للقطيعة والبغضاء وجميع الأمراض النفسية.

ولهذا سنذكر هنا بعض ما يرتبط بهذا الأدب من مظاهر:

خفة المضيف: ومن أول مظاهرها ـ كما يذكر الغزالي ـ تقديم ما حضر، فإن لم يحضره شيء ولم يملك، فلا يستقرض لأجل ذلك فيشوش على نفسه، وإن حضره ما هو محتاج إليه لقوته ولم تسمح نفسه بالتقديم فلا ينبغي أن يقدم([119]).

وينقل عن بعض السلف قوله في تفسير التكلف:(أن تطعم أخاك ما لا تأكله أنت بل تقصد زيادة عليه في الجودة والقيمة)

وسبب هذا أن التكلف هو الذي يجعل الضيف ثقيلا على المضيف، بخلاف ما لو قدم ما يمكنه، وقد نبه إلى هذا الفضيل، فقال:(إنما تقاطع الناس بالتكلف يدعو أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه)، ولهذا قال بعضهم:(ما أبالي بمن أتاني من إخواني فإني لا أتكلف له إنما أقرب ما عندي ولو تكلفت له لكرهت مجيئه ومللته)، وقال بعضهم:(كنت أدخل على أخ لي فيتكلف لي فقلت له: إنك لا تأكل وحدك هذا ولا أنا فما بالنا إذا اجتمعنا أكلناه؟ فإما أن تقطع هذا التكلف أو أقطع المجيء، فقطع التكلف ودام اجتماعنا بسببه)

ومن مظاهر التكلف ـ كما يذكر الغزالي ـ أن يقدم جميع ما عنده فيجحف بعياله ويؤذي قلوبهم([120])، ويروي في ذلك أن رجلاً دعا علياً فقال علي:(أجيبك على ثلاث شرائط: لا تدخل من السوق شيئاً، ولا تدخر ما في البـيت، ولا تجحف بعيالك)، وكان بعضهم يقدم من كل ما في البـيت فلا يترك نوعاً إلا ويحضر شيئاً منه.

وهذا لا يتنافى مع ما ذكرنا من إكرام الضيف، لأن الإكرام لا يكون إلا بالمقدور عليه، فالجود لا يكون إلا بالموجود كما يقال.

ومن مظاهر التكلف أن يدعو من لا يحب إجابته، قال سفيان:(من دعا أحداً إلى طعام وهو يكره الإِجابة فعليه خطيئة فإن أجاب المدعو فعليه خطيئتان)

خفة الضيف: ومن أول مظاهرها ـ كما يذكر الغزالي ـ أن لا يقترح ولا يتحكم بشيء بعينه فربما يشق على المزور إحضاره، فإن خيَّره أخوه بـين طعامين فليتخير أيسرهما عليه([121]).

وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي الحديث:(ما خير رسول الله بـين أمرين إلا اختار أيسرهما)([122])

ويروى من ذلك من هدي السلف عن أبـي وائل قال: مضيت مع صاحب لي نزور سلمان فقدم إلينا خبز شعير وملحاً جريشاً، فقال صاحبـي: لو كان في هذا الملح سعتر كان أطيب، فخرج سلمان فرهن مطهرته وأخذ سعتراً، فلما أكلنا قال صاحبـي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا. فقال سلمان: لو قنعت بما رزقت لم تكن مطهرتي مرهونة.

وهذا إذا توهم تعذر ذلك على أخيه أو كراهته له، أما إن علم أنه يسر باقتراحه ويتيسر عليه، فلا يكره له الاقتراح، وقد روي أن الشافعي كان نازلاً عند الزعفراني ببغداد، وكان الزعفراني يكتب كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان ويسلمها إلى الجارية، فأخذ الشافعي الرقعة في بعض الأيام وألحق بها لوناً آخر بخطه، فلما رأى الزعفراني ذلك اللون أنكر وقال: ما أمرت بهذا؟ فعرضت عليه الرقعة ملحقاً فيها خط الشافعي فلما وقعت عينه على خطه فرح بذلك وأعتق الجارية سروراً باقتراح الشافعي عليه.

ومن مظاهرها أن لا يحوج مضيفه إلى الإلحاح عليه في الأكل، قال جعفر بن محمد:(أحب إخواني إليَّ أكثرهم أكلاً وأعظمهم لقمة وأثقلهم عليَّ من يحوجني إلى تعهده في الأكل)

وينقل الغزالي في ذلك عن بعض الأدباء قوله:(أحسن الآكلين أكلاً من لا يحوج صاحبه إلى أن يتفقده في الأكل وحمل عن أخيه مؤنة القول)

4 ـ آداب المجالس

والمراد من المجالس كل اجتماع للشخص مع غيره، سواء كان ذلك في مدرسة أو مسجد أو شارع، وسواء كان ذلك جلوسا أو مشيا، وسواء كان ذلك بقصد أو بغير قصد.

فكل اجتماع كثر أفراده أو قلوا مجلس من المجالس ينطبق عليه ما نصت عليه الشريعة من آداب.

وقد أشار إلى هذا النوع من الآداب قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة:11)

وهذه الآداب لها أهميتها الاجتماعية الكبرى، لأنه لا يمكن أن يستفيد أي إنسان من غيره، ولا يمكن له أن يفيده إلا إذا كان ذلك تحت ظلال الأدب الرفيع الذي أرشدنا إليه الإسلام.

ويمكن تقسيم هذه الآداب إلى ثلاثة أنواع، هي:

أ ـ اختيار الجليس

وهو أول الآداب وأهمها، وإليه يشير قوله تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأنعام:68)، ففي الآية الكريمة نهي عن القعود مع هذا الصنف من الناس، وفيه دلالة على وجوب اختيار من يجلس معهم.

وإليه الإشارة كذلك بقوله تعالى على لسان الظالم يوم القيامة: { يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً} (الفرقان:28)

وسر هذا النهي هو أن هذا الجلوس قد يكون سببا لأمرين خطيرين كلاهما له تأثيره النفسي والاجتماعي:

التأثر بالمنكر:

وهو أول اخطار الجلوس مع الظالمين، وذلك لأن الطبع يسرق من الطبع، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:(المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)([123])، وقال الإمام علي:(الصحبة سارية والطبيعة سارقة) ولذا قالوا فيما نسب إلى الإمام جعفر الصادق:(احذر عدوك مرة، واحذر صديقك ألف مره)، فقد ذكر من معانيه أنه لا ينبغي أن يتخذ كل أحد صديقا وخليلا، بل لا بد أن يكون له نحو حسن الخلق وحسن السيرة والصلاح وعدم الحرص على الدنيا، وهذا لا يوجد إلا في واحد من ألف.

وقد قيل:(صحبة الأخيار تورث الخير وصحبة الأشرار تورث الشر، كالريح إذا مرت على النتن حملت نتنا، وإذا مرت على الطيب حملت طيبا)

وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى على لسان الظالم يوم القيامة: { يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً} (الفرقان:28)

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يبين أهمية الجليس وتأثيره في جليسه:(إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة)([124])

وبين صلى الله عليه وآله وسلم ما يمكن أن يستفيده المؤمن من مجالسته للصالحين، فقد ورد في الحديث عن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله؛ أي جلسائنا خير؟ قال:(من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكركم بالآخرة عمله)([125])

الإقرار على المنكر:

وهو ما يشير إليه قوله تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأنعام:68)، فأمر الله نبيه بالإعراض عن الذين يخوضون في آيات الله بالتكذيب وإظهار الاستخفاف إعراضا يقتضي الإنكار عليهم وإظهار الكراهة لما يكون منهم إلا أن يتركوا ذلك ويخوضوا في حديث غيره.

وذلك لأن في مجالستهم مختارا مع ترك النكير دلالة على الرضا بفعلهم، وقد قال تعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} (المائدة:78)، ثم بين سبب هذا اللعن بقوله تعالى: { كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} (المائدة:79 ـ 80)

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن كيفية حصول ذلك، فقال:(إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض) ثم قرأ الآيات السابقة، ثم قال:(كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم)([126])

وذلك لأن المجالسة نوع من الركون إلى الجليس، وقد نهانا الله تعالى عن الركون إلى الظالمين، قال تعالى: { وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} (هود:113)

ولكن هذا مقيد بما ذكرنا، أما إن كان قصده الدعوة لله، أو تغيير المنكر، فلا حرج من الجلوس، بل هو واجب، كما حكى تعالى عن الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ في حوارهم مع أقوامهم، وكما حكى عن الصاحبين في سورة الكهف، وغيرها من مشاهد الحوار في القرآن الكريم.

وهذا أيضا مقيد منضبط بمدى استعدادهم للتلقي والاستفادة، فإن كانوا مستعدين للسماع والتأثر، فإنه يستحب الجلوس معهم للتأثير فيهم، وإن لم يكونوا مستعدين لذلك، فلا حاجة للجلوس معهم، قال تعالى: { عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} (عبس:1 ـ 10)

ب ـ احترام الجليس

وهو من أهم آداب المجالسة، لأن الجليس إن شعر بالمهانة،أو لم يشعر بما يستحقه من احترام قد يصرفه عن جليسه، فلا يفيده ولا يستفيد منه، فتضيع بذلك أهم مقاصد المجالس.

واحترام الجليس سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان يكرم جلساءه إكراما لا حدود له، وعن ابن عباس قال:(أعز الناس علي جليسي الذي يتخطى الناس إلي، أما والله إن الذباب يقع عليه فيشق علي)، وسئل:(من أكرم الناس عليك؟ قال: جليسي حتى يفارقني)، وروي عنه قوله:(ثلاثة لا أقدر على مكافأتهم ورابع لا يكافئه عني إلا الله تعالى، فأما الذين لا أقدر على مكافأتهم: فرجل أوسع لي في مجلسه، ورجل سقاني على ظمإ، ورجل أغبرت قدماه في الاختلاف إلى بابي، وأما الرابع الذي لا يكافئه عني إلا الله عز وجل فرجل عرضت له حاجة فظل ساهرا متفكرا بمن ينزل حاجته وأصبح فرآني موضعا لحاجته، فهذا لا يكافئه عني إلا الله عز وجل، وإني لأستحي من الرجل أن يطأ بساطي ثلاثا لا يرى عليه أثرا من أثري)

ومن مظاهر احترام الجليس التي وردت بها النصوص:

أن لا يقام من مجلسه:

لأن من جلس في محل صار حرما له، فلا يقام عنه إلا بإذنه، وبطيب نفس منه، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا)([127])، فلفظ الخبر في هذا الحديث في معنى النهي، وقد ورد في رواية أخرى:(لا يقيمن)([128]) بصيغة النهي مؤكدا.

وظاهر هذا النص يدل على التحريم، فمن سبق إلى موضع مباح من مسجد أو غيره لصلاة أو غيرها من الطاعات فهو أحق به، ويحرم على غيره أن يقيمه منه إلا لسبب من الأسباب، كما ورد في الحديث الآخر قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به)([129]) أي أنه إذا كان قد سبق فيه حق لأحد بقعوده فيه من مصل أو غيره ثم فارقه لأي حاجة ثم عاد وقد قعد فيه أحد أن له أن يقيمه منه.

وقد بين ابن الحاج التفاصيل المرتبطة بهذا الأدب، فقال:(وينبغي له أيضا أن لا يكون في مجلسه مكان مميز لآحاد الناس بل كل من سبق لموضع فهو أولى به كما هو ذلك مشروع في انتظار الصلاة، ولا يقام أحد من موضعه جبرا ويجلس فيه غيره للنهي من صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك حتى لو قام غير معرض عنه لضرورة وعاد كان به أحق أيضا اللهم إلا أن يكون الموضع معلوما عند الناس أنه لا يجلس فيه إلا فلان، وهم محتاجون إليه في فتواه وعلمه، فإن جلس في غيره لم يعلم مكانه أو يعلم بمشقة فهذا مستثنى مما نهي عنه، فإن كان المسبوق صاحب علم وفضيلة فحيثما جلس كان صدرا، وليست المواضع بالتي تصدر الناس، ولا ترفعهم وإنما يرفع المرء ما هو حامله من علم وفضيلة ودين وتقوى، وإنما وقع التخصيص لمن ذكر لاحتياجهم إليه في فتواه وعلمه، وإن كان الدليل مقتضاه العموم فالضرورة خصصت الدليل العام، وليس هذا بأول دليل خص وذلك كثير، ولا بأس أن يوسع له في المجلس ما لم يؤد ذلك إلى الضرر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ولكن تفسحوا وتوسعوا)([130])

وما ذكره ابن الحاج نراه ـ للأسف ـ في مجتمعاتنا التي أحيت الطبقية الجاهلية، فميزت بين الناس على أسس ليس للشرع فيها نصيب.

وقد ذكر ابن العربي أنواع المجالس، ومن يتصدر فيها، فقال:(الأول مجلس صلى الله عليه وآله وسلم يفسح فيه بالهجرة والعلم والسن. الثاني مجلس الجمعات يتقدم فيه بالبكور إلا ما يلي الإمام، فإنه لذوي الأحلام والنهى. الثالث: مجلس الذكر يجلس فيه كل أحد حيث انتهى به المجلس. الرابع مجلس الحرب يتقدم فيه ذوو النجدة والمراس من الناس. الخامس مجلس الرأي والمشاورة يتقدم فيه من له بصر بالشورى)([131])

وما ذكره حسن وقوي، يمكن أن يستشهد له بالشواهد الكثيرة، كقوله تعالى: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة:11) فيرتفع المرء بإيمانه أولا، ثم بعلمه ثانيا.

وقد أرشد القرآن الكريم إلى بديل عن إقامة أي شخص، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} (المجادلة:11)، فهذا أمر بتحسين الأدب في مجالسة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى لا يضيقوا عليه المجلس، وأمر المسلمين بالتعاطف والتآلف حتى يفسح بعضهم لبعض، حتى يتمكنوا من الاستماع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والنظر إليه. قال قتادة ومجاهد:(كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض)

طرح الوسادة للزائر:

ومثل ذلك في عصرنا أن يجلسه كرسيا وثيرا، أو في موضع لائق جميل، وقد كان هذا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بحسب الإمكانيات المتاحة في ذلك الوقت، عن طارق قال: كنا جلوسا عند الشعبي فجاء جرير بن يزيد، فدعا له الشعبي بوسادة فقلنا له: يا أبا عمرو، نحن عندك أشياخ، دعوت لهذا الغلام بوسادة؟ فقال:(إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه)([132])

وعن عاصم قال: طرح أبو قلابة لرجل وسادة فقال أبو قلابة: إنه كان يقال: لا ترد على أخيك كرامته

وعن جعفر عن أبيه قال: دخل علي ورجل، فطرح لهما وسادتين، فجلس علي ولم يجلس الآخر، فقال علي: لا يرد الكرامة إلا حمار.

عدم التفريق بين الجالسين:

فلا يفرق بين اثنين إلا إذا ضاق المكان واحتاج إلى التفريق، فيستأذنهما في ذلك، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما)([133])

ومن الحكم التي ذكرها العلماء لذلك أنه قد يكون بينهما محبة ومودة، أو حديث سر، وجلوسه بينهما يسوؤهما.

عدم الجلوس في وسط الحلقة:

وقد ورد النهي الشديد عن ذلك حتى عده بعضهم من الكبائر، فعن حذيفة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لعن الله من جلس وسط الحلقة)([134])

وروي أن رجلا قعد وسط حلقة فقال حذيفة:(ملعون على لسان محمد) أو:(لعن الله على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جلس وسط الحلقة)([135])

وقد قيل في علة هذا النهي أنه إذا جلس في وسطها استدبر بعضهم بظهره فيؤذيهم بذلك ويسبونه ويلعنونه، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا حمى إلا في ثلاثة)([136])، وذكر منها حلقة القوم، أي لهم أن يحموها حتى لا يتخطاهم أحد ولا يجلس وسطها.

ج ـ آداب الحديث في المجالس:

من الآداب التي ذكرها العلماء للحديث في المجالس أن لا يجيب إلا من يسأل فيها، وقد ذكروا من ذلك عن مجاهد بن جبر، قال: قال لقمان u لابنه: إياك إذا سئل غيرك أن تكون أنت المجيب، كانك أصبت غنيمة، أوظفرت بعطية، فإنك إن فعلت ذلك، أزريت بالمسؤول، وعنفت السائل، ودللت السفهاء على سفاهة حلمك، وسوء أدبك.

ومنها عدم تخجيل المحدث بإخبارك عن علمك بما يخبرك به إن كان يظن عدم معرفتك به، ويذكر من ذلك عن عطاء أبي رباح، قال:(إن الشاب ليحدثني بحديث، فأستمع له كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد)

وقال عبد الله بن وهب القرشي المصري، صاحب الإمام مالك والليث بن سعد والثوري وغيرهم: إني لأسمع من الرجل الحديث قد سمعته قبل أن يجتمع أبواه، فأنصت له كأني لم أسمعه.

وقال إبراهيم بن الجنيد: قال حكيم لابنه: تعلم حسن الاستماع، كما تتعلم حسن الكلام، فإن حسن الاستماع إمهالك للمتكلم حتى يفضي إليك بحديثه، وإقبالك بالوجه والنظر عليه، وترك المشاركة له في حديث أنت تعرفه.

وأنشد الحافظ الخطيب البغدادي في هذا المقام:

ولا تشارك في الحديث أهله   وإن عرفت فرعه وأصله

ومنها الصبر على المحدث إلى أن ينتهي حديثه وعدم مقاطعته، قال الهيثم بن عدي: قالت الحكماء:من الأخلاق السيئة مغالبة الرجل على كلامه، والاعتراض فيه لقطع حديثه.

ومنها عدم الجهر بالكلام أو رفع الصوت به من غير حاجة، لأن الجهر الزائد عن الحاجة يخل بأدب المتحدث، وقد ورد في وصية لقمان u لابنه: { وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}(لقمان:19) أي اخفض منه ولا ترفعه عاليا إذا حادثت الناس، فإن الجهر الزائد بالصوت منكروقبيح.

د ـ احترام المجلس

لأن كل مجلس له حق على صاحبه، يسأل عنه يوم القيامة، بل هو جزء من عمره، فلذلك كان الاهتمام بما يجري في المجلس من أوكد الآداب وأهمها.

وأول ما يحترم به المجلس أن لا يفارقه الجلوس إلا وقد ضمخوه بطيب ذكر الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من قعد مقعدا لم يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعا لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة)([137])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيهم فيه إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم)([138])

وقد اختلف الفقهاء في حكم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المجلس على الأقوال التالية:

القول الأول: أنها تجب كلما ذكر اسمه صلى الله عليه وآله وسلم ولو اتحد المجلس، وهو قول الطحاوي من الحنفية، والطرطوشي، وابن العربي، والفاكهاني من المالكية، وأبي عبد الله الحليمي وأبي حامد الإسفراييني من الشافعية، وابن بطة من الحنابلة، ومن الأدلة على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي)([139])

القول الثاني: وجوب الصلاة مرة في كل مجلس، وهو ما صححه النسفي قال:(وهو كمن سمع اسمه مرارا، لم تلزمه الصلاة إلا مرة، في الصحيح، لأن تكرار اسمه صلى الله عليه وآله وسلم لحفظ سنته التي بها قوام الشريعة، فلو وجبت الصلاة بكل مرة لأفضى إلى الحرج)،وهو قول أبي عبد الله الحليمي إن كان السامع غافلا فيكفيه مرة في آخر المجلس.

القول الثالث: ندب التكرار في المجلس الواحد، ذكره ابن عابدين في تحصيله لآراء فقهاء الحنفية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على النصوص الواردة في ذلك، زيادة على عدم المشقة في ذلك، فأي مشقة في أن يردد السامع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما ذكر اسمه.

ومع ذلك، فإنه يتساهل في الغفلة، فهو واجب مع الذكر والقدرة، ساقط مع العجز والنسيان.

5 ـ آداب الكلام

الكلام هو رسول الإنسان إلى المجتمع، بل هو مظهر حقيقته، والمعبر عن ذاته، فإن حسن كان صاحبه مقربا حسنا، وإن ساء قالته الأنفس، ونبت عنه الأعين.

وإلى هذا الأدب الإشارة بالنصوص الكثيرة من القرآن الكريم، وأولها ما ورد في موعظة لقمان u لابنه: { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (لقمان:19)

ومن أمثال النصوص الكثيرة التي تضم مجامع الآداب وأصولها كقوله تعالى: { لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} (النساء:148)، وقال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (الأنعام:112)، وقال تعالى: { وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} (الحج:24)، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} (الحجرات:2)

وغيرها كثير، والتي يجمع مجامعها ثلاثة أصول كبرى:

1. أن لا يتكلم إلا إذا احتاج إلى الكلام، فلا يتكلم إلا بواجب أو مستحب، أو مباح لا يفرط به في واجب.

2. أن لا يخوض في باطل، ولا منكر من القول أو زورا.

3. أن يختار في كلامه ما ندب إليه الشرع من ألفاظ، فيبتعد عن كل تعبير مؤذ، ولو كان مباحا في أصله، ويبتعد كذلك في إخراجه الحروف عن كل ما يؤذي الأسماع.

وسنفصل بعض ما يتعلق بهذه الأصول في هذا المطلب، باختصار، لأن لذلك محله الخاص.

أ ـ الكلام عند الحاجة

ويشير إلى هذا الأصل قوله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (قّ:18)، أي ما يتكلم بكلمة إلا ولها من يرقبها، معد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة منها([140]).

وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان اللّه تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب اللّه عزَّ وجلَّ له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط اللّه تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب اللّه تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه)([141])، فكان علقمة يقول:(كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث)

ولهذه الخطورة التي تحملها الكلمة ـ خيرا كانت أو شرا ـ كان من مجاهدات الصالحين ما يسمى بمجاهدة (الصمت)، وهم لا يريدون بها الصمت المطلق، وإنما يريدون صمت الحكمة، صمت الذي لا ينطق كثيرا، ولكنه إذا نطلق لا ينطق إلا بخير وفي موضعه المناسب له.

وقد روي في هذا أن عبد الله بن مسعود قال:(والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان)، وقال طاوس:(لساني سبع إن أرسلته أكلني)، وقال الحسن:(ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه)، وقال بعضهم:(الصمت يجمع للرجل فضيلتين؛ السلامة في دينه والفهم عن صاحبه)، وقال محمد بن واسع لمالك بن دينار:(يا أبا يحيـى حفظ اللسان أشدّ على الناس من حفظ الدينار والدرهم)، وقال يونس بن عبـيد:(ما من الناس أحد يكون منه لسانه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله)، وقال إبراهيم التيمي:(إذا أراد المؤمن أن يتكلم نظر فإن كان له تكلم وإلا أمسك، والفاجر إنما لسانه رسلاً رسلاً)، وقال الحسن:(من كثر كلامه كثر كذبه، ومن كثر ماله كثرت ذنوبه، ومن ساء خلقه عذب نفسه)

وقد يستغرب هذا، فكيف يحتاج اللسان إلى كل هذه التشديدات والعقوبات، وهو طاقة من طاقات الإنسان، وهو في العلاقات الاجتماعية ضرورة لا غنى عنه.

وقد أجاب الغزالي على هذا مبينا الحدود التي يمكن أن يتصرف فيها اللسان، والمخاطر التي تكتنف تلك الحدود، فقال:(ويدلك على فضل لزوم الصمت أمر، وهو أن الكلام أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم فيه ضرر ومنفعة، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة، أما الذي هو ضرر محض فلا بدّ من السكوت عنه، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر، وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضيـيع زمان وهو عين الخسران، فلا يبقى إلا القسم الرابع، فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام وبقي ربع، وهذا الربع فيه خطر إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجاً يخفى دركه فيكون الإنسان به مخاطراً)([142])

وكل هذ الأقسام الأربعة التي ذكرها الغزالي، والتي تدل على حاجة السان إلى إلزامه الصمت في أكثر الأحيان وردت به النصوص وتظافرت عليه الأدلة.

بل ورد ما يعتبره من أساسيات الدين وأصوله، فعن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، فأصبحت يوماً قريباً ونحن نسير، فقلت: يا بني اللّه أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال:(لقد سألتني عن عظيم! وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت؛ ألا أدلك على أبواب الخير! الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل؛ ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه! رأس الأمر الإسلام، من أسلم سلم وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد؛ ألا أخبرك بملاك ذلك كله! فقلت: بلى يا نبي اللّه، فأخذ بلسانه، ثم قال:(كف عليك هذا)، وأشار إلى لسانه، فقلت: يا رسول اللّه وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال:(ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)([143])

فقد ذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث أصول الإسلام الكبرى، ثم جعل ملاك الأمر كله حفظ اللسان، ثم أكد ذلك بأن حصائد الألسن هي السبب الأكبر في كب الناس على وجوههم في النار.

قد يقال: نعم إن الكلام الذي هو ضرر محض حرام، ومثله ما اختلط فيه الضرر بالنفع، لأن سد المفسدة اولى من جلب المصلحة، ولكن هناك كلاما كثيرا هو مباح لا يمكن تحريمه، وهو أكثر الكلام، فكف يقال بأفضلية الصمت إلا للحاجة؟

والجواب عن ذلك هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من حسن الإسلام المرء تركه ما لا يعنيه)([144])، فهذا الحديث الذي هو أصل من أصول الآداب يحجر كثيرا من الكلام الذي قد يتصور إباحته.

يقول الغزالي مبينا أضرار هذ النوع من المباح:(اعلم أن أحسن أحوالك أن تحفظ ألفاظك من جميع الآفات التي ذكرناها من الغيبة والنميمة والكذب والمراء والجدال وغيرها، وتتكلم فيما هو مباح لا ضرر عليك فيه ولا على مسلم أصلاً إلا أنك تتكلم بما أنت مستغن عنه ولا حاجة بك إليه، فإنك مضيع به زمانك ومحاسب على عمل لسانك وتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير)([145])

ثم يذكر البدائل النافعة بدل ذلك الهذر الفارغ، فيقول:(لأنك لو صرفت زمان الكلام إلى الفكر ربما كان ينفتح لك من نفحات رحمة الله عند الفكر ما يعظم جدواه، ولو هللت الله سبحانه وذكرته وسبحته لكان خيراً لك فكم من كلمة يبنى بها قصراً في الجنة؟ ومن قدر على أن يأخذ كنزاً من الكنوز فأخذ مكانه مدرة لا ينتفع بها كان خاسراً خسراناً مبـيناً، وهذا مثال من ترك ذكر الله تعالى واشتغل بمباح لا يعنيه فإنه وإن لم يأثم فقد خسر حيث فاته الربح العظيم بذكر الله تعالى، فإنّ المؤمن لا يكون صمته إلا فكراً ونظره إلا عبرة ونطقه إلا ذكراً)([146])

بل إن ضرر هذا النوع من المباح لا يقتصر على كونه مضيعا لوقت صاحبه فيما لا طائل وراءه، بل إنه يتعدى ذلك إلى ما يحمله الكلام نفسه من مخاطر قد يغفل عنها.

وقد ذكر الغزالي لذلك أمثلة واقعية مهمة يحسن التنبيه إليها، واعتبارها نماذج لغيرها.

أما المثال الأول، فهو أن (أن تجلس مع قوم فتذكر لهم أسفارك وما رأيت فيها من جبال وأنهار، وما وقع لك من الوقائع، وما استحسنته من الأطعمة والثياب، وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم. فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم تستضر، وإذا بالغت في الجهاد حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة ولا نقصان، ولا تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة، ولا اغتياب لشخص ولا مذمة لشيء مما خلقه الله تعالى فأنت مع ذلك كله مضيع زمانك ـ وأنّى تسلم من الآفات التي ذكرناها ـ)([147])

ومنها (أن تسأل غيرك عما لا يعنيك فأنت بالسؤال مضيع وقتك وقد ألجأت صاحبك أيضاً بالجواب إلى التضيـيع، هذا إذا كان الشيء مما لا يتطرّق إلى السؤال عنه آفة، وأكثر الأسئلة فيها آفات. فإنك تسأل غيرك عن عبادته مثلاً فتقول له: هل أنت صائم؟ فإن قال: نعم، كان مظهراً لعبادته فيدخل عليه الرياء، وإن لم يدخل سقطت عبادته من ديوان السر، وعبادة السر تفضل عبادة الجهر بدرجات، وإن قال: لا، كان كاذباً، وإن سكت كان مستحقراً لك وتأذيت به، وإن احتال لمدافعة الجواب افتقر إلى جهد وتعب فيه. فقد عرضته بالسؤال إما للرياء أو للكذب أو للاستحقار أو للتعب في حيلة الدفع، وكذلك سؤالك عن سائر عباداته، وكذلك سؤالك عن المعاصي وعن كل ما يخفيه ويستحي منه. وسؤالك عما حدّث به غيرك فتقول له: ماذا تقول؟ وفيم أنت؟ وكذلك ترى إنساناً في الطريق فتقول: من أين؟ فربما يمنعه مانع من ذكره، فإن ذكره تأذى به واستحيا، وإن لم يصدق وقع في الكذب وكنت السبب فيه… وكذلك تسأل عن مسألة لا حاجة بك إليها والمسؤول ربما لم تسمح نفسه بأن يقول لا أدري، فيجيب عن غير بصيرة)([148])

ب ـ تجنب الكلام المحظور

وهو الأصل الثاني من أصول آداب الكلام، وهو فرع من التفريط في الأصل الأول، لأن من راعى لسانه، فلم يتكلم إلا لحاجة في دينه أو دنياه لم يقع في هذا المحظور، لأن الله تعالى لم يحرم علينا ما نجلب به مصالحنا المشروعة، أو نرد به المفاسد الضارة.

ولهذا قال تعالى: { لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} (النساء:148)، فقد أخبر عن بغضه للجهر بالسوء، واستثنى من ظلم إذا اضطر لذلك، وقد قال ابن عباس في تفسيرها:(لا يحب اللّه أن يدعوا أحدا على أحد إلا أن يكون مظلوماً، فإنه قد أرخص له يدعوا على من ظلمه)، وقال عبد الكريم الجزري فيها:(هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه)، ويشير إلى هذه الأقوال قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(المستبان ما قالا فعلى البادىء منهما ما لم يعتد المظلوم)([149])

وانطلاقا من هذا، فإن كل ما وردت به النصوص من الكلام المحظور لا مصلحة فيه ولا حاجة لا في الدنيا، ولا في الآخرة، بل هو ضرر محض، لا يستثنى منه إلا ما ضطر إليه، فيتناول بقدره، كما يتناول الجائع من الميتة بقدره.

وسنذكر هنا بعض الأمثلة عن الكلام المحظور مع تعريفات مختصرة منقولة من (كتاب آفات اللسان)([150]) للغزالي.

الخوض في الباطل:

وهو يدخل في اللغو من جهة كونه فضولا محضا لا منفعة فيه، ويدخل في الحرام من حيث أنه يعبر به عن الحرام، او بالتعبير الحرام، يقول الغزالي في تعريفه:(وهو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال النساء ومجالس الخمر ومقامات الفساق وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة، فإن كل ذلك مما لا يحل الخوض فيه وهو حرام. وأما الكلام فيما لا يعني أو أكثر مما يعني فهو ترك الأولى ولا تحريم فيه. نعم من يكثر الكلام فيما لا يعني لا يؤمن عليه الخوض في الباطل. وأكثر الناس يتجالسون للتفرج بالحديث ولا يعدو كلامهم التفكه بأعراض الناس أو الخوض في الباطل. وأنواع الباطل لا يمكن حصرها لكثرتها وتفننها، فلذلك لا مخلص منها إلا بالاقتصار على ما يعني من مهمات الدين والدنيا)([151])

وإلى هذا الجنس من المحظورات الإشارة بالحديث السابق، من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط اللّه تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب اللّه تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه)([152])

المراء والجدال:

ويدخل كذلك في اللغو، والكلام الذي لا حاجة له، لأن المجادل لا يكتفي بإبداء رأيه أو البرهنة عليه، بل يظل يردد الكلام ويعيده، محاولا (إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه ونسبته إلى القصور والجهل فيه)

فيطعن في كلام الغير في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللغة أو من جهة العربـية أو من جهة النظم والترتيب بسوء تقديم أو تأخير من غير حاجة إلى ذلك كله.

أو يطعن في المعنى: فبأن يقول ليس كما تقول؛ وقد أخطأت فيه من وجه كذا وكذا.

أو يطعن في قصده، مثل أن يقول هذا الكلام حق ولكن ليس قصدك منه الحق، وإنما أنت فيه صاحب غرض، وما يجري مجراه.

وإلى هذا النوع الإشارة بالنصوص القرآنية والنبوية الكثيرة، كقوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} (الحج:3)، وقال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} (الحج:8)، وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (غافر:56)، وقال تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ} (غافر:69)، وقال تعالى: { وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ} (الشورى:35)

أما الأحاديث، فكثيرة منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أتوا الجدل)([153])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان ما زحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)([154])

الغيبة:

 وهي من أخطر آفات اللسان، وأكثرها انتشارا، وأضرها بالعلاقات الاجتماعية التي جاء الإسلام لتأسيسها والحفاظ على متانتها.

فلذلك كان تحريمها، وتحريم ما تنبع عنه من آفات، وما ينتج عنها من مخاطر أصلا من أصول الإسلام الكبرى التي حفظ بها المجتمع، أفرادا، وجماعات.

ولذلك ورد تحريمها والتشديد على تحريمها في القرآن الكريم، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} (الحجرات:12)

ففي هذه الآية الكريمة تحريم للغيبة،وعرض لمشهد ـ يمثل حقيقة الغيبة ـ (تتأذى له أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية، مشهد الأخ يأكل لحم أخيه ميتا.

والقرآن الكريم، قبل تحريم الغيبة يحرم ما تنبع منه، ويبدأ بالتجسس، والبحث عن عورات الناس، لأنه لولا هذا البحث المرضي ما حصلت الغيبة، وهذا التجسس والبحث عن عورات الناس، أو توهم عورات للناس يحتاج للبحث عنها، تفكير مرضي يحطم المجتمع، ويجعله غير آمن على نفسه ولا عرضه، وهو خلاف ما أراد الله للمجتمع المسلم، يقول سيد قطب:(في المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم يعيش الناس آمنين على أنفسهم، آمنين على بيوتهم، آمنين على أسرارهم، آمنين على عوراتهم. ولا يوجد مبرر – مهما يكن – لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات. حتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على الناس. فالناس على ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم. وليس لأحد أن يأخذهم إلا بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم. وليس لأحد أن يظن أو يتوقع، أو حتى يعرف أنهم يزاولون في الخفاء مخالفة ما، فيتجسس عليهم ليضبطهم! وكل ما له عليهم أن يأخذهم بالجريمة عند وقوعها وانكشافها، مع الضمانات الأخرى التي ينص عليها بالنسبة لكل جريمة. والمنبع الثاني هو الظن السيئ، وهو إما أن يكون نتيجة للتجسس، أو نتيجة للنفس المريضة التي تلقي ما بها من أمراض على أعراض المسلمين. ثم يأتي تحريم الغيبة التي هي المظهر الفعلي لهذه الأمراض السابقة، بل هي اخطرها، وأشدها بتلك الصيغة المشددة من صيغ التحريم)([155])

وقد دعا هذا التشديد الصحابة إلى سؤال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حد الغيبة وحقيقتها، فعن أبي هريرة قال:قيل:يا رسول الله، ما الغيبة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ذكرك أخاك بما يكره)، قيل:أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)([156])

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يتشدد في الغيبة تشددا عظيما، حتى مع أقرب الناس إليه، وفي أبسط ما نتصوره من الغيبة، عن عائشة قالت:قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم:(حسبك من صفية كذا وكذا) ـ قال عن مسدد تعني قصيرة ـ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)، قالت:(وحكيت له إنسانا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا)([157])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم بما رأى من أحوال المتفكهين بأعراض المسلمين، فقال: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم. قلت:من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال:هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم)([158])

وقد ذكر الغزالي بعض مظاهر الغيبة التي قد يغفل عنها، قال في تعريفها:(اعلم أن حدَّ الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه أو في دنياه، حتى في ثوبه وداره ودابته)

أما البدن: فكذكر العمش والحول والقرع والقصر والطول والسواد والصفرة، وجميع ما يتصوّر أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان، وقد سبق ذكر حديث عائشة في هذا، وقد روي ان ابن سيرين ذكر رجلاً فقال: ذاك الرجل الأسود، ثم قال: أستغفر الله إني أراني قد اغتبته، وذكر إبراهيم النخعي فوضع يده على عينه ولم يقل الأعور.

وأما النسب: فبأن تقول أبوه نبطي أو هندي أو فاسق أو خسيس أو إسكاف أو زبال، أو شيء مما يكرهه كيفما كان.

وأما الخلق: فبأن تقول هو سيـىء الخلق بخيل متكبر مراء شديد الغضب جبال عاجز ضعيف القلب متهوّر وما يجري مجراه.

وأما في أفعاله المتعلقة بالدين: فكقولك هو سارق أو كذاب أو شارب خمر أو خائن أو ظالم أو متهاون بالصلاة أو الزكاة أو لا يحسن الركوع أو السجود أو لا يحترز من النجاسات أو ليس باراً بوالديه أو لا يضع الزكاة موضعها أو لا يحسن قسمها أو لا يحرس صومه عن الرفث والغيبة والتعرض لأعراض الناس.

وأما فعله المتعلق بالدنيا: فكقولك إنه قليل الأدب متهاون بالناس، أو لا يرى لأحد على نفسه حقاً أو يرى لنفسه الحق على الناس، أو أنه كثير الكلام نؤوم ينام في غير وقت النوم ويجلس في غير موضعه، وأما في ثوبه فكقولك إنه واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب.

النميمة:

وهي التحريش بين الناس، ونقل الحديث لفساد ذات بينهم وهي الحالقة، فلذلك كانت من أصول المحرمات، لأثرها الخطير على العلاقات الاجتماعية.

ولذلك ورد ذكرها في مواضع في القرآن الكريم، بل لم ترد إلا في أوصاف الكفار والمنافقين وأشباههم قال تعالى: { هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} (القلم:11)، وقال تعالى: { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ([159]) وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} (التوبة:47)، وقال تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} (الهمزة:1)، وقال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} (المسد:4)

وهي أشد خطورة من الغيبة، لأن مقصد صاحبها هوالتفريق بين المؤمنين، وهو خلاف ما قصده الشارع من التأليف بينهم.

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن خطر النميمة، واعتبر أصحابها شرار الناس ن قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ألا أخبركم بخياركم؟)، قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال:(الذين إذا رؤوا ذكر اللّه عزَّ وجلَّ)، ثم قال:(ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العَنَت)([160])

وقد مر صلى الله عليه وآله وسلم بقبرين فقال:(إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)([161])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يدخل الجنة قتات([162])([163])

وعلى عكس النميمة التي تقصد التفريق بين المؤمنين، ولو باستعمال سلاح الصدق في غير موضعه، ورد في الشرع استحباب الإصلاح بين المؤمنين، ولو باستعمال الكذب المحرم، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيرا، ويقول خيرا)([164])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امراته ليرضيها والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس)([165])

ج ـ التعبير الصحيح واختيار الألفاظ

وهو الأصل الثالث من أصول آداب الكلام، لأن المتكلم قد يخلو كلامه من المحظورات التي ورد التصريح بالنهي عنها، وقد يخلو من آثار تلك المحظورات، ولكن تعبيره يحوي أخطاء قد تكون لها آثارها الخطيرة على الصعد المختلفة.

ولهذا كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخير تعبيره (ويختار لأمته أحسن الألفاظ، وأجملها، وألطفها، وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة والفحش، فلم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً ولا فظاً)([166])

وترجع أصول هذا الهدي النبوي إلى أصول الآداب التالية:

صدق التعبير:

وهو أن يوضع التعبير في وضعه المناسب له، وليس المراد به صدق المعنى، لأن المعنى قد يكون صادقا، ولكن التعبير كاذب.

ومن هذا النوع نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن استعمال الألفاط الشريفة في المواضع التي لا تستحقها، فقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم أن تسمى شجرة العنب كرماً، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: العنب والحبلة)([167])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تسموا العنب الكرم، ولا تقولوا: خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر)([168])

ونهى صلى الله عليه وآله وسلم أن يقال للمنافق(يا سيدنا)، فقال: (إذا قال الرجل للمنافق يا سيدنا فقد أغضب ربه)([169])

ونهى صلى الله عليه وآله وسلم المملوك أن يقول لسيده أو لسيدته: ربـي وربتي، وللسيد أن يقول لمملوكه: عبدي، ولكن يقول المالك: فتاي وفتاتي، ويقول المملوك: سيدي وسيدتي، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضئ ربك، واسق ربك، ولا يقل أحدكم ربي، وليقل سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم، عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي)([170])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم لمن ادعى أنه طبـيب (أنت رجلٌ رفيقٌ، وطبـيبها الذي خلقها)([171])، وربما أبشع من هذا التعبير أن نسميه حكيما، قال ابن القيم:(والجاهلون يسمّون الكافر الذي له علمٌ بشيء من الطبـيعة حكيماً، وهو من أسفه الخلق)([172])

ونهى كل ما يوهم الشرك من الألفاظ، فنهى الخطيب عن قوله:(من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى)، وقال له:(بئس الخطيب أنت)([173])

ونهى عن قول (ما شاء الله وشاء فلان)، وقال:(لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم ما شاء فلانٌ)، وقال له رجل: (ما شاء الله وشئت، فقال(أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده)([174])

قال ابن القيم:(وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قول من لا يتوقى الشرك: أنا بالله وبك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، ووالله، وحياتك، وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائلها المخلوق نداً للخالق، وهي أشدّ منعاً وقبحاً من قوله: ما شاء الله وشئت. فأما إذا قال: أنا بالله، ثم بك، وما شاء الله، ثم شئت، فلا بأس بذلك، كما في حديث الثلاثة: (لا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك)([175])

ومن هذا الباب ـ كذلك ـ نهى صلى الله عليه وآله وسلم أن تطلق ألفاظ الذم على من ليس من أهلها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تقل تعس الشيطان فإنه يعظم حتى يصير مثل البيت فيقول بقوتي صرعته ولكن قل بسم الله فإنك إذا قلت ذلك تصاغر الشيطان حتى يصير مثل الذباب)([176])

وعلى قياس هذا قال ابن القيم:(ومثل هذا قول القائل: أخزى الله الشيطان، وقبح الله الشيطان، فإن ذلك كله يفرحه ويقول: علم ابن آدم أني قد نلته بقوتي، وذلك مما يعينه على إغوائه، ولا يفيده شيئاً، فأرشد النبـيّ من مسه شيء من الشيطان أن يذكر الله تعالى، ويذكر اسمه، ويستعيذ بالله منه، فإن ذلك أنفع له، وأغيظ للشيطان)([177])

ومن هذا الباب نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن سب الدهر، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)([178])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما)([179])

وقد ذكر ابن القيم المفاسد التي يتضمنها سب الدهر، وهي([180]):

1. سبّه من ليس بأهلٍ أن يسب، فإن الدهر خلقٌ مسخرٌ من خلق الله، منقادٌ لأمره، مذللٌ لتسخيره، فسابّه أولى بالذم والسب منه.

2. أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضرّ وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحقّ العطاء، ورفع من لا يستحقّ الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرةٌ جداً. وكثيرٌ من الجهال يصرح بلعنه وتقبـيحه.

3. أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحقّ فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم، حمدوا الدهر، وأثنوا عليه. وفي حقيقة الأمر، فربّ الدهر تعالى هو المعطي المانع، الخافض الرافع، المعزّ المذلّ، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم للدهر مسبة لله عز وجل، ولهذا كانت مؤذيةً للرب تعالى.

التفاؤل والنشاط:

لأن للكلام تأثيره العظيم في بث الأمل، أو بث اليأس، ولهذا نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن كل ما يؤدي إلى التشاؤم والعجز، ومن ذلك نهيه عن قول القائل بعد فوات الأمر: (لو أني فعلت كذا وكذا)، ققال صلى الله عليه وآله وسلم: (وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فان لو تفتح عمل الشيطان)([181])

وسر هذا النهي أن هذا القول لا يحمل أي فائدة إلا الندم على مافات مما لا يمكن تدراكه، وهو لا يبث في النفس إلا الحزن واليأس، ولا ينشر في الأعضاء إلا العجز والكسل، قال ابن القيم:(وذلك لأن قوله: لو كنت فعلت كذا وكذا، لم يفتني ما فاتني، أو لم أقع فيما وقعت فيه، كلامٌ لا يجدي عليه أي فائدة، فإنه غير مستقبل لما استدبر من أمره، وغير مستقيلٍ عثرته ب(لو)([182])

زيادة على أن في ذلك اتهام للقدر، بل عدم معرفة بأن الله هو المستقل بتقدير المقادير، قال ابن القيم:(وفي ضمن(لو) ادعاء أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه، لكان غير ما قضاه الله وقدره وشاءه، فإن ما وقع مما يتمنى خلافه إنما وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته، فإذا قال: لو أني فعلت كذا، لكان خلاف ما وقع فهو محال، إذ خلاف المقدر المقضي محال، فقد تضمن كلامه كذباً وجهلاً ومحالاً، وإن سلم من التكذيب بالقدر، لم يسلم من معارضته بقوله: لو أني فعلت كذا، لدفعت ما قدر الله علي)([183])

الفحش وبذاءة اللسان:

والفحش ـ كما عرفه الغزالي ـ هو (التعبـير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة)([184])، فيعبر بذيء اللسان بعبارات يستحيي منها ذو الطع السليم.

يقول الغزالي:(هناك عبارات فاحشة يستقبح ذكرها ويستعمل أكثرها في الشتم والتعيـير، وهذه العبارات متفاوتة في الفحش وبعضها أفحش من بعض. وربما اختلف ذلك بعادة البلاد وأوائلها مكروهة وأواخرها محظورة وبـينهما درجات يتردد فيها)([185])

من ذلك نهيه أن يقول الرجل: (خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي)([186]) ومعناهما واحد، أي: غثت نفسي، وساء خلقها، فكره لهم لفظ الخبث لما فيه من القبح والشناعة، وأرشدهم إلى استعمال الحسن، وهجران القبـيح، وإبدال اللفظ المكروه بأحسن منه.

ولهذا قال ابن عباس:(إن الله حيـي كريم يعفو ويكنو، كنى باللمس عن الجماع)، فالمسيس واللمس والدخول والصحبة كنايات عن الجماع وليست بفاحشة.

التفاصح:

وهو المبالغة في الاهتمام بالألفاظ وتزيينها، فينشغل بتزيينها عن المعنى، وهو من التكلف الممقوت المنهي عنه، ولهذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن بغضه لهذا الصنف من الناس، فقال:(أحبكم وأقربكم مني مجلسا في الجنة أحاسنكم أخلاقا، وأبغضكم إلي الثرثارون المتشدقون المتفيهقون)([187])، واعتبره صلى الله عليه وآله وسلم من شرار المؤمنين، فقال:(خياركم أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، وشراركم الثرثارون المتفيهقون المتشدقون)([188])

وقد حصل في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ضربت ضرة ضرة لها بعمود فسطاط فقتلتها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بديتها على عصبة القاتلة ولما في بطنها غرة، فقال الأعرابي: يا رسول الله! أتغرمني من لا طعم ولا شرب ولا صاح فاستهل، فمثل ذلك يطل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(أسجعا كسجع الأعراب)([189])، قال الغزالي في تعليل هذا النهي الذي يتضمنه هذا الحديث:(لأن أثر التكلف والتصنع بـين عليه، بل ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده، ومقصود الكلام التفهيم للغرض وما وراء ذلك تصنع مذموم)([190])

التلطف في التعبير:

وهو من الأصول المهمة في هذا الباب، لأن الصدق في التعبير قد يحمل ـ أحيانا ـ آلاما شديدة يحتاج إلى البحث عن الطرق التي تلطفها.

وقد ذكر الشيخ عبد الفتاح أبو غدة بعض التعابير المثالية في حال اضطرار المسلم للإخبار عن شيء مكروه، ومما ذكره من طرق التلطف:

1 ـ إذا اضطررت إلى الإخبار عن أمر مكروه، أو وقوع حادث مفجع، أو وفاة قريب أوعزيز على صاحبك أوقريبك، أوما شابه ذلك، فيحسن بك أن تلطف وقع الخبرعلى من تخبره به، وتمهد له تمهيدا يخفف نزول المصاب عليه، فتقول فيمن تخبرعن وفاته مثلا:(بلغني أن فلانا كان مريضا مرضا شديدا، وزادت حاله شدة، وسمعت أنه توفي رحمه الله تعالى)

2 ـ لا تخبرعن وفاة ميت بنحوما يقوله بعضهم: أتدري من توفي اليوم؟! أوبقولك: توفي اليوم فلان…، بل ينبغي أن تبدأ باسم الذي تخبرعن وفاته قبل ذكر وفاته، لأن من تخبره بذلك حين تسأله أيدري من توفي اليوم؟ أوتقول له: توفي اليوم…، يتبادر فورا إلى ذهنه المروعات الشداد، فيقدر أن الوفاة وقعت بأقرب الناس إليه من مريض أوكبير أوشاب، فيتروع بهذه الصيغة منك في السؤال أو الإخبار أشد الترويع، ولوقلت له: فلان… توفي اليوم، فبدأت باسم من تخبرعن وفاته، لخف الوقع عليه،! وانتفى الترويع، وبقي أصل الخبر المحزن أو المكروه.

3 ـ ينبغي أن تراعي صيغة الإخبار عن الحريق أوالغريق أوالحادث.. فمهد له بالتمهيد الذي يخفف شدة وقعه على النفس، واذكر اسم المصاب به متلطفا، ولا تصك سمع صاحبك أوقريبك أومجالسيك بالخبر المفجع صكا، فإن بعض القلوب يكون تحملها ضعيفا، فربما تأذَّى بالخبر المفجع أشد الأذى، وربما يصعق بعض الأفراد بذلك، أويغمى عليه،أو يصاب بسمعه أو بصره، فتلطف بالإخبار عن المفجعات أذا اضطررت إلى ذلك.

4 ـ تحين الوقت الملائم لإخباره إذا كان هناك داع لإخبار، فلا تخبره بذلك وهو على طعام، أوقبل النوم أو في حالة مرض أو استفزاز، أو نحو ذلك من الأحوال.

6 ـ آداب المشي

وهو من الآداب التي لها علاقة بالعلاقات الاجتماعية من بعض النواحي، وقد أشار إليها في موعظة لقمان u لابنه قوله تعالى: { وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } (لقمان:18 ـ 19)

وقد جمعت هاتان الآيتان كل ما يتعلق بالمشي من آداب، وفيهما دليل على أن هذا النوع من الآداب له علاقة بالآداب الاجتماعية، يقول سيد قطب:(والمشي في الأرض مرحا هو المشي في تخايل ونفخة وقلة مبالاة بالناس، وهي حركة كريهة يمقتها الله ويمقتها الخلق. وهي تعبير عن شعور مريض بالذات، يتنفس في مشية الخيلاء! إن الله لا يحب كل مختال فخور.. ومع النهي عن مشية المرح، بيان للمشية المعتدلة القاصدة: واقصد في مشيك.. والقصد هنا من الاقتصاد وعدم الإسراف. وعدم إضاعة الطاقة في التبختر والتثني والاختيال. ومن القصد كذلك. لأن المشية القاصدة إلى هدف، لا تتلكأ ولا تتخايل ولا تتبختر، إنما تمضي لقصدها في بساطة وانطلاق)([191])

وبما أنا قد تحدثنا عن تعبير المشي ونحوه عن الكبر في موضعه من:(البعد الأخلاقي)، فسنكتفي هنا بذكر ثلاثة آداب لها علاقة بالطريق، والتي هي محل المشي:

حرمة الطريق:

وردت النصوص الكثيرة التي تعتبر الطريق حقا عاما لا يجوز لأحد أن يستأثر به أو يضيق على الناس أو يحد من حريتهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من اقتطع من طريق المسلمين وأفنيتهم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)([192])

وقد أنكر ابن الحاج استبداد البعض بالطريق واعتبره اغتصابا، فقال:(ومن ذلك الشراء من أصحاب الطبليات والدكك المستديمة في طريق المسلمين ومن يقعد في طريقهم يبيع ويشتري ؛ لأن ذلك غصب لطريق المسلمين وليس لأحد في طريق المسلمين إلا أن يمر في حاجته أو يقف قدر ضرورته ولا يجعله كأنه دكان يبيع فيه ويشتري ؛ لأن في ذلك تضييقا على المسلمين في طرقاتهم ولو كانت متسعة فذلك لا يجوز لا سيما والطرق في هذا الوقت قد ضاقت عن الطريق التي شرعت للناس وذلك على ما قاله العلماء أن يمر جملان معا محملان تبنا في الطريق لا يمس أحدهما الآخر. فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى حد الطريق المشروع وإلى ما عليه الطريق اليوم فكيف يجوز والحالة هذه شيء مما تقدم ذكره لا سيما إذا انضاف إلى ذلك أن يكون يوم الجمعة أو في وقت منصرف الناس إلى الخمس صلوات أو إلى تفقد أحوالهم في البيع والشراء، وأشد من هذا كله ما يفعله بعضهم من الجلوس بالطبليات على أبواب الجوامع فيضيقون على الناس طريقهم إلى بيت ربهم فهم غاصبون لذلك في وقت الحاجة إليه. وكل من اشترى منهم فقد أعانهم على ما فعلوه من الغصب فهو شريك معهم في الإثم)([193])

وقد أنكر ابن الحاج التعامل مع هؤلاء، بل اعتبره حراما، فقال:(وليس ذلك مخصوصا بالمقاعد ليس إلا بل كل من غصب شيئا من الأرض فلا ينبغي معاملته إلا من ضرورة داعية إلى ذلك ولم يوجد منه بد كهذه الدكاكين التي يعملون بها مساطب يقطعونها من طريق المسلمين خارجة عن حوانيتهم قد ضاق الطريق بها من الجانبين وسبب هذا كله عدم النظر إلى ما كلفه المرء من مراعاة الشرع وغفلة من غفل من بعض العلماء وترك السؤال من العامة كما تقدم بيانه غير مرة. ألا ترى أن المعنى الذي لأجله منع الشراء من المكاس موجود في الشراء ممن اتصف بشيء مما ذكر إذ أنه لو تحامى المسلمون الشراء منه لأجل ما اتصف به من غصب طريق المسلمين لنزع عن ذلك وإذا كان ذلك كذلك فالشراء منهم إعانة لهم على ما يفعلونه، وذلك لا ينبغي ؛ لأن المشتري يصير شريكا لهم في إثم غصبهم لطريق المسلمين)([194])

وقد نقل من تورع العلماء من ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان عنده شيخ من الصلحاء يحضر مجلسه، وكان الإمام يعظمه لخيره وبركته، ثم بلغه أن الشيخ ليس جدار بيته بالطين من الخارج، فتركه الإمام وكان من عادته أنه إذا جاء إليه أجلسه إلى جانبه ورحب به، فلما أن بلغه عنه ذلك تركه ولم يقبل عليه وأعرض عنه، فبقي كذلك أياما، فسأل الشيخ أصحاب الإمام عن سبب إعراضه عنه، فأخبروه أنه بلغه أنك ليست جدار بيتك بالطين من خارج، فجاء الشيخ إلى الإمام فسأله عن موجب هجرانه له، فأخبره الإمام بذلك، فقال له الشيخ:(لي ضرورة في تلييس الجدار، وليس فيه كبير أمر في حق المارين)، فقال له الإمام: ذلك غصب في طريقهم، فقال له الشيخ: هو نزر يسير، فقال له الإمام:(اليسير والكثير سواء في حق المسلمين)، فقال له: كيف أفعل؟، فقال له الإمام:(أحد أمرين: إما أن تزيل التلييس، وإما أن تنقص الجدار وتدخله في ملكك قدر التلييس، فتبنيه على ذلك ثم تليسه بعد ذلك)، فلم يكلمه الإمام حتى امتثل ما أمره به([195]).

وليس هذا خاصا بالمتورعين فقط، بل هو من الأحكام الشرعية التي نص عليها الفقهاء، ولا مجال لطرح مسائلها هنا، ولكنا نكتفي باقتباس هذا النص من المبسوط لنعلم موقف الشريعة من اغتصاب الطريق، بل هواء الطريق، قال السرخسي:(وإذا مال حائط الرجل أو وهي فوقع على الطريق الأعظم فقتل إنسانا فلا ضمان على صاحبه لأنه لم يوجد منه صنع هو تعد فإنه وضع البناء في ملكه فلا يكون متعديا في الوضع ولا صنع له في مثل الحائط، ولكن هذا إذا كان بناء الحائط مستويا، فإن كان بناه في الأصل مائلا إلى الطريق فهو ضامن لمن يسقط عليه، لأنه متعد في شغل هواء الطريق ببنائه، وهواء الطريق كأصل الطريق حق المارة، فمن أحدث فيه شيئا كان متعديا ضامنا، فأما إذا بناه مستويا فإنما شغل ببنائه هواء ملكه وذلك لا يكون تعديا منه)([196])

وقد يقاس على هذا كله اتخاذ الأولاد الطرق ملاعب لهم، بحيث يؤذون المارة، بل قد يؤذون أنفسهم عندما يتعرضون للحوادث بسبب ذلك.

وهذا ما يستدعي تدخل أولي الأمر بوضع محال خاصة للعب تقي الأولاد كما تقي المجتمع من مخاطر اللعب في الطرق، واستغلالها في غير ما وضعت له.

إماطة الأذى عن الطريق:

وردت النصوص الكثيرة التي ترغب في تنظيف الطرق وإماطة الأذى عنها بما يفيد من مجموعها وجوب ذلك، وعلى الأقل وجوب عدم التسبب في اتساخها ومن تلك النصوص قوله صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الأمر الذي يفيد الوجوب:(نح الأذى عن طريق المسلمين)([197])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(أمط الأذى عن الطريق فإنه لك صدقة)([198])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(يا أبا برزة أمط الأذى عن الطريق فإن لك بذلك صدقة)([199])

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن الجزاء العظيم المعد لمن فعل هذا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(مر رجل بغصن شجرة على ظهر الطريق فقال: والله لأنحين هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم؛ فأدخل الجنة)([200])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(كانت شجرة في طريق الناس تؤذي الناس فأتاها رجل فعزلها عن طريق الناس، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(فلقد رأيته يتقلب في ظلها في الجنة)([201])

ويدخل في هذا تنظيف جميع المحال العامة، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:(عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها)([202])

ويدخل في هذا الباب ما ذكرناه من التسبب في حصول الأذى في الطريق، ومما ورد التنصيص عليه بالخصوص، بل اعتباره من الملاعن قضاء الحاجة في الطريق، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(اتقوا اللعانين الذي يتخلى في طريق الناس وأفنيتهم)([203])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من سل سخيمته([204]) على طريق عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة الله وملائكته والناس أجمعين)([205])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(اتقوا الملاعن الثلاث: أن يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء)([206])

احترام الطريق:

وهو الأدب الثالث، وهو مكمل للأدب السابقين، لأنه يراعي العابرين في الطريق، فلا يؤذيهم، أو يمسهم بما يحد من حريتهم، وقد أشار إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إياكم والجلوس على الطرقات، فإن أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)([207])

وقد جمع الطحاوي بين الآثار الناهية عن الجلوس في الطرقات والآثار المبحية لذلك، بعد أن أورد جملة منها بأسانيده، فقال:(فتأملنا ما في هذه الآثار فوجدنا فيها نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الجلوس بالصعدات، ثم أباح بعد ذلك ما أباحه من الجلوس فيها على الشرائط التي اشترطها على من أباحه ذلك منها، فوقفنا بذلك على أن نهيه كان على الجلوس فيها إنما كان على الجلوس الذي ليس معه الشرائط التي اشترطها عند إباحته الجلوس فيها على من آثر أن يجلس فيها وعلى أن إباحته الجلوس فيها مضمن بالشرائط التي اشترطها في إباحته الجلوس فيها على من أباحه ذلك منها وفي ذلك ما قد دل على تباين نهيه صلى الله عليه وآله وسلم وتباين إباحته، وأن كل واحد منهما لمعنى ليس في الآخر منهما وفي هذه الآثار ما يدل على إباحة الناس الاستعمال من طرقهم العامة ما لا ضرر فيه على أحد من أهلها)([208])

ولكن هذه الإباحة بهذه الشرائط مقيدة بما لا يستضر به الناس، قال الطحاوي معقبا على كلامه السابق:(وإذا كان ذلك كذلك كان معقولا أن الجلوس فيها إن كان مما يضيق على المارين بها جلوس الجالسين بها إياها غير داخل فيما أباحه صلى الله عليه وآله وسلم منها، وأن ذلك راجع إلى ما في حديث سهل بن معاذ الجهني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر مناديا في بعض غزواته لما ضيق الناس المنازل وقطعوا الطرقات فنادى:(أن من ضيق منزلا وقطع طريقا فلا جهاد له)([209]))([210])

7 ـ آداب المعاشرة مع أصناف الناس

من أصول الآداب التي ينبغي على المربي أن يعلمها من يربيه، ويحرص على ذلك، تعليمه كيفية التعامل مع أصناف الناس بحسب منازلهم ليعامل كل واحد منهم بما تقتضيه منزلته من معاملة، فقد يصلح لصنف من الناس ما لا يصلح مع غيره، بل قد يكون نفس التصرف حسنة مع قوم سيئة مع غيرهم.

كما روي أن فتى جاء إلى سفيان بن عيينة من خلفه فجذبه وقال‏:‏ يا سفيان حدثني، فالتفت سفيان إليه وقال‏:(يا بني من جهل أقدار الرجال فهو بنفسه أجهل‏)، فهذا التصرف الذي فعله هذا الفتى قد يصلح مع أصدقائه، ولكنه لا يصلح بأي حال من الأحوال مع شيخه الذي يريد أن يتلقى عليه العلم.

وقد نبه إلى هذا الاختلاف في التعامل مع الناس قوله تعالى: { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً }(النور:63)، فمما قال سعيد بن جبير ومجاهد في تفسيرها: قولوا يا رسول الله، في رفق ولين، ولا تقولوا يا محمد بتجهم، وقال قتادة: أمرهم أن يشرفوه ويفخموه.

وإلى ذلك الإشارة أيضا بقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (الحجرات:3)، فقد أثنى الله تعالى على هؤلاء بهذا السلوك أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي مقابل هؤلاء ورد ذم قوم أساءوا الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (الحجرات:4)

انطلاقا من هذا تحدث العلماء بتفصيل شديد عن كيفية التعامل مع كل صنف من الناس.

ومن أحسن ما ورد في ذلك وأشمله وأدقه ما ورد في [رسالة الحقوق] ([211]) للإمام زين العابدين بن الحسين، والتي شملت خمسين حقاً على الإنسان، ابتداءً من حقوق الله تعالى إلى حق نفسه ومحيطه ومجتمعه ودولته، وحقوق أهل الأديان الأخرى. وتبدأ بإجمال كالفهرس، ثم تفصل الحقوق واحداً واحداً.

وقد استهل الإمام هذه الرسالة بقوله: (اعلم أن لله عز وجل عليك حقوقاً محيطة بك في كل حركة تحركتها أو سكنه سكنتها، أو حال حلتها أو منزلة نزلتها أو جارحة قلبتها أو آلة تصرفت فيها (بعضها أكبر من بعض)، فأكبر حقوق الله تعالى عليك ما أوجب عليك لنفسه من حقه الذي هو أصل الحقوق، ثم ما أوجب الله عز وجل عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك، على اختلاف جوارحك، فجعل عز وجل للسانك عليك حقاً، ولسمعك عليك حقاً، ولبصرك عليك حقاً، وليدك عليك حقاً، ولرجلك عليك حقاً، ولبطنك عليك حقاً، ولفرجك عليك حقاً، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال، ثم جعل عز وجل لأفعالك عليك حقوقاً، فجعل لصلاتك عليك حقاً، ولصومك عليك حقاً، ولصدقتك عليك حقاً، ولهديك عليك حقاً. ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي الحقوق عليك فأوجبها عليك حقوق أئمتك، ثم حقوق رعيتك، ثم حقوق رحمك فهذه حقوق يتشعب منها حقوق)

وبعد هذا الذكر المجمل لأنواع الحقوق راح يفصل مجامع حقوق كل جهة من الجهات، ومن أمثلتها قوله في حق الأستاذ والمعلم: (وحق سائسك بالعلم التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الإستماع إليه، والإقبال عليه، (والمعونة له على نفسك فيما لا غنى بك عنه من العلم، بأن تفرغ له عقلك، وتحضره فهمك، وتزكي له قلبك، وتجلي له بصرك، بترك اللذات ونقض الشهوات)، وأن لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحداً يسأله عن شئ، حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدِّث في مجلسه أحداً، ولا تغتاب عنده أحداً، وأن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه، ولا تجالس له عدواً ولا تعادي له ولياً، فإذا فعلت ذلك شهد لك ملائكة الله بأنك قصدته، وتعلمت علمه لله جل اسمه لا للناس)

ومن أمثلتها قوله في حق المسؤول عن أي رعية: (وأما حق رعيتك بالسلطان فأن تعلم أنهم صاروا رعيتك لضعفهم وقوتك، فيجب أن تعدل فيهم، وتكون لهم كالوالد الرحيم، وتغفر لهم جهلهم، ولا تعاجلهم بالعقوبة، وتشكر الله عز وجل على ما آتاك من القوة عليهم)

ومن أمثلتها قوله في حق التلاميذ على الأستاذ: (وأما حق رعيتك بالعلم فأن تعلم أن الله عز وجل إنما جعلك قيما لهم فيما آتاك من العلم وفتح لك من خزائنه، فإن أحسنت في تعليم الناس، ولم تخرق بهم، ولم تضجر عليهم، زادك الله من فضله. وإن أنت منعت الناس علمك، أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك، كان حقاً على الله عز وجل أن يسلبك العلم وبهاءه ويسقط من القلوب محلك)

ومن أمثلتها قوله في حق الزوجة: (وأما حق الزوجة فأن تعلم أن الله عز وجل جعلها لك سكناً وأنساً فتعلم أن ذلك نعمة من الله عليك، فتكرمها وترفق بها، وإن كان حقك عليها أوجب فإن لها عليك أن ترحمها لأنها أسيرك، وتطعمها وتكسوها، وإذا جهلت عفوت عنها)

ومن أمثلتها قوله في حق الأم: (وأما حق أمك فأن تعلم أنها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداً، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحداً، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحى وتظلك، وتهجر النوم لأجلك، ووقَتْكَ الحر والبرد، لتكون لها، فإنك لا تطيق شكرها إلا بعون الله وتوفيقه)

ومن أمثلتها قوله في حق الأب: (وأما حق أبيك فأن تعلم أنه أصلك، وأنه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك، فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره، على قدر ذلك)

ومن أمثلتها قوله في حق الأولاد: (وأما حق ولدك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه (فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا المعذر إلى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه، والأخذ له منه)

ومن أمثلتها قوله في حق الأخ: (وأما حق أخيك فتعلم أنه يدك التي تبسطها، وظهرك الذي تلتجي إليه، وعزك الذي تعتمد عليه، وقوتك التي تصول بها، فلا تتخذه سلاحاً على معصية الله، ولا عدة للظلم لخلق الله، ولا تدع نصرته على نفسه، ومعونته على عدوه، والحول بينه وبين شياطينه وتأدية النصيحة إليه، فإن انقاد لربه وأحسن الإجابة له، وإلا فليكن الله آثر عندك وأكرم عليك منه)

ومن أمثلتها قوله في حق صاحب الفضل: (وأما حق ذي المعروف عليك، فأن تشكره وتذكر معروفه، وتكسبه المقالة الحسنة، وتخلص له الدعاء فيما بينك وبين الله عز وجل، فإذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سراً وعلانية، ثم إن قدرت على مكافأته يوماً كافأته)

ومن أمثلتها قوله في حق الجليس: (وأما حق جليسك فأن تلين له جانبك، وتنصفه في مجاراة اللفظ ولا تقوم من مجلسك إلا بإذنه، ومن يجلس إليك يجوز له القيام عنك بغير إذنه، وتنسى زلاته وتحفظ خيراته، ولا تسمعه إلا خيراً)

ومن أمثلتها قوله في حق الجار: (وأما حق جارك، فحفظه غائباً، وإكرامه شاهداً، ونصرته إذا كان مظلوماً، ولا تتبع له عورة، فإن علمت عليه سوءا سترته عليه، وإن علمت أنه يقبل نصيحتك نصحته فيما بينك وبينه، ولا تسلمه عند شديدة، وتقيل عثرته، وتغفر ذنبه، (لا تتبع له عورة، ولا تبحث له عن سوءة لتعرفها، فإن عرفتها منه من غير إرادة منك ولا تكلف، كنت لما علمت حصناً حصيناً وستراً ستيراً، لا تستمع عليه من حيث لا يعلم، ولا تسلمه عند شديدة، ولا تحسده عند نعمة، تقيله عثرته، وتغفر زلته، ولا تذخر حلمك عنه إذا جهل عليك، ولا تخرج أن تكون سلماً له، ترد عنه لسان الشتيمة، وتبطل فيه كيد حامل النصيحة، وتعاشره معاشرة كريمة)

ومن أمثلتها قوله في حق الرفيق: (وأما حق الصاحب، فأن تصحبه بالتفضل والإنصاف، وتكرمه كما يكرمك، ولا تدعه يسبق إلى مكرمة، فإن سبق كافأته، وتوده كما يودك، وتزجره عما يهم به من معصية، وكن عليه رحمة ولا تكن عليه عذاباً)

ومن أمثلتها قوله في حق الشريك في العمل: (وأما حق الشريك، فإن غاب كفيته، وإن حضر رعيته، ولا تحكم دون حكمه، ولا تعمل برأيك دون مناظرته، وتحفظ عليه ماله، ولا تخونه فيما عز أو هان من أمره، فإن يد الله تبارك وتعالى على أيدي الشريكين ما لم يتخاونا)

ومن أمثلتها قوله في حق الغريم المطالب بحقه: (وأما حق غريمك الذي يطالبك، فإن كنت موسرا أعطيته (ولم ترده وتمطله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: مطل الغني ظلم)، وإن كنت معسراً أرضيته بحسن القول، (وطلبت إليه طلباً جميلاً)، ورددته عن نفسك رداً لطيفاً، (ولم تجمع عليه ذهاب ماله وسوء معاملته، فإن ذلك لؤم)

ومن أمثلتها قوله في حق من تعيش معه: (وحق الخليط أن لا تغره ولا تغشه ولا تخدعه، وتتقي الله تبارك وتعالى في أمره (ولا تكذبه، ولا تغفله، ولا تخدعه، ولا تعمل في انتقاضه، عمل العدو الذي لا يبقي على صاحبه، وإن اطمأن إليك استقصيت له على نفسك وعلمت أن غبن المسترسل ربا)

ومن أمثلتها قوله في حق الخصم المدعي: (وحق الخصم المدعي عليك، فإن كان ما يدعي عليك حقاً كنت شاهده على نفسك ولم تظلمه، وأوفيته حقه، وإن كان ما يدعي به باطلاً، رفقت به ولم تأت في أمره غير الرفق، ولم تسخط ربك في أمره. (فإن كان ما يدعي عليك حقاً لم تنفسخ في حجته ولم تعمل في إبطال دعوته، وكنت خصم نفسك له، والحاكم عليها، والشاهد له بحقه دون شهادة الشهود. وإن كان مايدعيه باطلاً، رفقت به وردعته وناشدته بدينه، وكسرت حدته عنك بذكر الله، وألقيت حشو الكلام ولفظة السوء الذي لا يرد عنك عادية عدوك بل تبوء بإثمه، وبه يشحذ عليك سيف عداوته، لأن لفظة السوء تبعث الشر، والخير مقمعة للشر)

ومن أمثلتها قوله في حق الخصم المدعى عليه: (وحق خصمك الذي تدعي عليه، إن كنت محقاً في دعواك أجملت مقاولته، ولم تجحد حقه، (فإن كان ما تدعيه حقاً أجملت في مقاولته بمخرج الدعوى، فإن للدعوى غلظة في سمع المدعى عليه، وقصدت قصد حجتك بالرفق، وأمهل المهلة، وأبين البيان، وألطف اللطف، ولم تتشاغل عن حجتك بمنازعته بالقيل والقال، فتذهب عنك حجتك، ولا يكون لك في ذلك درَك)، وإن كنت مبطلاً في دعواك اتقيت الله عز وجل، وتبت إليه، وتركت الدعوى)

ومن أمثلتها قوله في حق المستشير: (وأما حق المستشير، فإن حضرك له وجه رأي جهدت له في النصيحة، وأشرت عليه بما تعلم أنك لو كنت مكانه عملت به، وذلك ليكن منك في رحمة ولين، فإن اللين يونس الوحشة، وإن الغلظ يوحش من موضع الأنس. وإن لم يحضرك له رأي وعرفت له من تثق برأيه وترضى به لنفسك، دللته عليه وأرشدته إليه، فكنت لم تأله خيراً، ولم تدخره نصحاً).

ومن أمثلتها قوله في حق المستشار: (وحق المشير عليك أن لا تتهمه فيما لا يوافقك من رأيه، وإن وافقك حمدت الله عز وجل. (فإنما هي الآراء وتصرف الناس فيها واختلافهم، فكن عليه في رأيه بالخيار إذا اتهمت رأيه. فأما تهمته فلا تجوز لك إذا كان عندك ممن يستحق المشاورة، ولا تدع شكره على ما بدا لك من إشخاص رأيه، وحسن وجه مشورته، فإذا وافقك حمدت الله وقبلت ذلك من أخيك، بالإرصاد بالمكافأة في مثلها إن فزع إليك)

ومن أمثلتها قوله في حق المستنصح: (وأما حق المستنصح، فإن حقه أن تؤدي إليه النصيحة على الحق الذي ترى له أن يحمل، ويخرج المخرج الذي يلين على مسامعه، وتكلمه من الكلام بما يطيقه عقله، فإن لكل عقل طبقة من الكلام، يعرفه ويجيبه، وليكن مذهبك الرحمة)

ومن أمثلتها قوله في حق الناصح: (وحق الناصح أن تلين له جناحك، وتصغي إليه بسمعك (حتى تفهم عنه نصيحته)، فإن أتى بالصواب حمدت الله عز وجل، (وقبلت منه وعرفت له نصيحته) وإن لم يوافق رحمته ولم تتهمه، (وعلمت أنه لم يألك نصحاً إلا أنه أخطأ)، ولم تؤاخذه بذلك، إلا أن يكون مستحقاً للتهمة، فلا تعبأ بشئ من أمره على حال)

ومن أمثلتها قوله في حق كبار السن: (وحق الكبير توقيره لسنه، وإجلاله لتقدمه في الإسلام قبلك، وترك مقابلته عند الخصام، ولا تسبقه إلى طريق، ولا تتقدمه، ولا تستجهله، وإن جهل عليك احتملته وأكرمته، لحق الإسلام وحرمته)

ومن أمثلتها قوله في حق صغير السن: (وحق الصغير رحمته في تعليمه، والعفو عنه، والستر عليه، والرفق به، والمعونة له. (والستر على جرائر حداثته فإنه سبب للتوبة، والمداراة له وترك مماحكته، فإن ذلك أدنى لرشده)

وغيرها كثير.. انطلاقا من هذا سنذكر هنا بعض التفاصيل المرتبطة ببعض أصناف الناس مما يحتاج الولد إلى تعلمه والاهتمام به:

مع الكبار:

فالكبار ذوو نفسيات خاصة، فلذلك يحتاجون إلى معاملة خاصة، وقد نص على هذه المعاملة الخاصة فوله تعالى: { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} (الاسراء:23)، فمع أن الوصية بالوالدين عامة ومطلقة في القرآن الكريم إلا أنه خص الكبر بمزيد الإحسان، وضرورة القول الحسن لما تستلزمه هذه الفترة من ذلك.

وقد رود في السنة الحظ على احترام الكبار، ومعاملتهم بما يليق بهم من معالمة تناسب مع احوالهم النفسية، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من لم يرحم صغيرنا ولم يعرف حق كبيرنا فليس منا)([212])، وقد ورد الحديث بصيغ مختلفة تبين في مجموعها طريقة معاملة الكبير، ومن تلك الصيغ، قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا)([213])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا)([214])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه)([215])

بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر إكرام الشيوخ من إجلال الله، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن من إكرام جلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم والإمام العادل وحامل القرآن لا يغلو فيه ولا يجفو عنه)([216])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من تعظيم جلال الله عز وجل إكرام ذي الشيبة في الإسلام، وإن من تعظيم جلال الله إكرام الإمام المقسط)([217])

وجاء أخوان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليحدثاه بحادثة وقعت لهما، وكان أحدهما أكبر من أخيه، فاراد أن يتكلم الصغير، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(كبر كبر)([218]) أي أعط الكبير حقه، ودع لأخيك الأكبر الكلام.

مع الأصدقاء:

من أهم ما ينبغي أن يحرص عليه المربي تعليم ابنه أو من تكفل بتربيه حسن العشرة مع أقرانه من إخوانه وأصدقائه، لأن حسن علاقتهم بهم هو الدليل على حسن خلقه وكرم أدبه.

وقد صرحت النصوص الكثيرة بقيمة الصداقة والأخوة، ومالها من حقوق، وأول ما يستشف منه من ذلك قوله تعالى: { وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ } (النور:61) فقد قرن الله تعالى في هذه الآية الصداقة بالقرابة القريبة، وأباح للصديق أن يأكل من بيت صديقه بدون حرج.

بل إن الله تعالى يطلق على الصداقة لقبا عظيما، فيسميها الأخوة، وكأن الأصدقاء ذوو أب واحد هو الإيمان والإسلام، قال تعالى: { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (التوبة:11)، وقال تعالى: { ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} (الأحزاب:5)

بل إن الله تعالى حصر علاقة المؤمنين في الأخوة، فقال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات:10)

وورد في السنة النصوص الكثيرة التي تعظم هذه العلاقة، وتبين أصولها وكيفية التعامل معها، وقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم الأصل الأكبر لذلك، فقال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)([219])

انطلاقا من هذا، ومن أهمية تبيين المربي آداب العلاقات بين من يربيه وأصدقائه وإخوانه، نحاول هنا استعراض ما أمكن من هذه الآداب على حسب ما ذكر علماء السلوك من المسلمين، وعلى حسب ما كانت عليه هذه العلاقة العظيمة في عهد السلف.

وسنذكر هذه الآداب مفرقة مع شواهدها، وهي تدل على الأصول التي تستند إليها هذه العلاقة، ليقاس عليها غيرها([220]).

 فمن تلك الآداب معرفة أسمائهم وبلدانهم ونحو ذلك، لأن العلاقة تنطلق أصلا من المعرفة، قال ابن عمر:(رآني النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألتفت فقال‏:(‏إلام تلتفت‏؟) قلت‏:‏ إلى أخ لي أنا في انتظاره فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(‏إذا أحببت رجلاً فسله عن اسمه واسم أبيه وجده وعشيرته ومنزله فإن مرض عدته وإن استعان بك أعنته‏)([221])

ومنها الصفح عن عثراتهم وترك تأنيبهم عليها‏، قال الفضيل بن عياض:(‏الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان‏)

ومنها قلة الخلاف ولزوم موافقتهم فيما يبيحه العلم والشريعة‏، قال أبو عثمان‏:(‏موافقة الإخوان خير من الشفقة عليهم‏)

ومنها أن يحمدهم على حسن ثنائهم وإن لم يساعدهم باليد، قال علي:(‏من لم يحمل أخاه على حسن النية لم يحمده على حسن)

ومنها ألا يحسدهم على ما يرى عليهم من آثار نعمة الله بل يفرح بذلك ويحمد الله على ذلك كما يحمده إذا كانت عليه فإن الله تعالى ذم الحاسدين على ذلك بقوله‏ تعالى: { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً} (النساء:54)

ومنها سلامة قلبه معهم والنصحية لهم وقبولها منهم لقوله تعالى: { إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء:89)، وقال سري السقطي:(‏من أجل أخلاق الأبرار سلامة الصدر للإخوان والنصيحة لهم‏)

ومنها ألا يعدهم ويخالفهم فإنه نفاق‏، قال الثوري:(‏لا تعد أخاك وتخلفه فتعود المحبة بغضة‏)

ومنها ملازمة الحياء معهم، قال الإمام علي:(أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه‏)، وقال أحمد بن حنبل:(ما أوقعني في بلية إلا صحبة من لا أحتشمه‏)

ومنها أن يراعي في صحبة أخوانه صلاحهم لا مرادهم ودلالته على رشدهم لا على ما يحبونه‏، قال أبو صالح المزي:(‏المؤمن من يعاشرك بالمعروف ويدلك على صلاح دينك ودنياك والمنافق من يعاشرك بالمماذعة ويدلك على ما تشتهيه والمعصوم من فرق بين ترك الأذى)

ومنها حمل كلامهم على أحسن الوجوه ما وجدت لذلك‏ سبيلا، قال سعيد بن المسيب:(كتب إلي بعض إخواني من الصحابة أن ضع أمر أخيك على الأحسن ما لم تغلب‏) ‏

ومنها الإغضاء عن الصديق في بعض المكاره، قال ابن المبارك‏:(‏من استخف بالعلماء ذهبت آخرته ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته‏)

ومنها ألا تقطع صديقاً بعد مصادقته ولا ترده بعد قبول‏، كما قال حمدون القصار:(‏اقبلوا إخوانكم بالإيمان وردوهم بالكفر فإن الله سبحانه وتعالى أوقع قدسية الصداقة)

ومنها ألا يضيع صداقة صديق بعد ود فإنها عزيزة وكتب عالم إلى من هو مثله:(‏أن اكتب لي بشيءٍ ينفعني في عمري‏) فكتب إليه:(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ استوحش من لا إخوان له وفرط المقصر في طلبهم وأشد تفريطاً من ظفر بواحد منهم فضيعه ولوجد أن الكبريت الأحمر أيسر من وجدانه وإني أطلبه منذ خمسين سنة ولم أجد إلا نصف صديق‏) ‏.‏

ومنها إيثارهم بالكرامة على نفسه‏، قال أبو عثمان‏:(‏من عاشر الناس ولم يكرمهم وتكبر عليهم فذلك لقلة رأيه وعقله فإنه يعادي صديقه ويكرم عدوه فإن إخوانه في الله أصدقاؤه ونفسه عدوه‏) ‏، وقال القاسم بن محمد:(قد جعل الله في الصديق البار عوضاً من الرحم المدبر‏)

ومنها حفظ أسرارهم، قيل:(‏أفشى رجل لصديق له سرا من أسراره فلما فرغ قال له‏:‏ حفظته قال‏:‏ لا بل نسيته‏)

ومنها بذل المشورة لهم وقبولها منهم‏، كما قال الله تعالى: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}(آل عمران:159)

ومنها قلة مخالفتهم في أسباب الدنيا لأنها أقل خطراً من أن يخالف فيها أخ من الأخوان، قال يحيى بن معاذ الرازي‏:(‏الدنيا بأجمعها لا تساوي غم ساعة فكيف بغم طول عمرك وقطع إخوانك بسببها مع قلة نصيبك منها‏)

ومنها ترك المداهنة في الدين، قال سهل بن عبد الله التستري‏:(‏لا يشم رائحة الصدق من داهن نفسه أو غيره‏) ‏

ومنها مجانبة التباغض والتدابر والتحاسد لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك)([222])

ومنها قبول العذر من فاعله صدق أو كذب لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(من اعتذر إليه أخوه بمعذرة فلم يقبلها كان عليه من الخطيئة مثل صاحب مكس) ([223])

ومنها التسارع إلى قضاء حاجة رافعها إليك، لقول الإمام جعفر الصادق‏:(‏إني لأسارع إلى قضاء حوائج الإخوان مخافة أن يستغنوا عني بردي إياهم‏)

ومنها الصبر على جفاء الإخوان وإسقاط التهمة عنهم بعد صحة الأخوة‏، قال يحيى بن أكثم: لما حضرت علقمة العطار الوفاة قال لابنه:(‏يا بني إذا صحبت الرجال فاصحب من إذا أخدمته صانك وإن صحبته زانك وإن تحركت بك مؤنة صانك وإن أمددت بخير مد وإن رأى منك حسنة عدها أو سيئة سترها وإن أمسكت ابتدأك أو نزلت بك نازلةٌ واساك وإن قلت صدقك أو حاولت أمراً أمرك وإذا تنازعتما في حق آثراك‏)

مع الوالدين:

وهو من أهم الآداب التي ينبغي على المربي أن يلقنها لمربيه، وإليها الإشارة في موعظة لقمان u في قوله تعالى: { وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لقمان:14) على قول من الأقوال([224]).

ونحب أن نشير إلى أن هذه الوصية حملت الإشارة إلى ناحية مهمة في بر الولد لوالديه، وهي أن البر لا يعني تحول الابن إلى نسخة طبقة الأصل لوالديه، بل للولد شخصيته المستقلة، فلذلك عقب الله تعالى الآية السابقة بقوله تعالى: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (لقمان:15)

وهذا يعني أن للابن حريته الفكرية والحياتية التي لا تتعارض مع بره لوالديه، لأن الفكر والسلوك لا يمكن أن يورث من الوالدين، بل هو من باب القناعات التي تحصل للإنسان بحسب ما لديه من الطاقات والتوجهات.

وفي غير هذه الحالة وردت النصوص الكثيرة في الحض على بر الوالدين والإحسان إليهما:

فالله تعالى يقرن بر الوالدين في القرآن الكريم بتوحيده وعبادته، قال تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} (الاسراء:23 ـ 24)، ففي هاتين الآيتين الكريمتين نجد التفاصيل الكثيرة المرتبطة ببر الوالدين وخاصة حال حاجتهما الشديدة إل هذا البر عند كبرهما.

ومثل ذلك في السنة نجد التأكيد على وجوب بِرّ الوالدين والترغيب فيه، والترهيب من عقوقهما:

فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعتبر رضا الوالدين من رضا الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما)([225])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يوصي من يأتيه بالاستعداد لأمر قد يشق على والديه ببرهما والإحسان إليهما، واستئذانهما ليخفف عنهما بعض ما قد ينالانه من الجهد بسبب ذلك، فقد جاء رجل إلى رسول الله فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبويّ يبكيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما)([226])

ومثل ذلك ما يروى عن معاوية بن جاهمة السلمي: أنه استأذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الجهاد معه، فأمره أن يرجع ويَبرَ أُمَّه، ولما كرر عليه، قال:(ويحك.. الزم رجلها… فثمّ الجنة)([227])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد على حق المستضعف من الوالدين، وهي الأم، لحاجتها الشديدة إلى ولدها، فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله من أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال:(أمّـك)، قال: ثم من؟ قال:(أمّـك) قال: ثم من؟ قال:(أمّـك)، قال ثم من؟ قال:(أبوك)([228])، فمقتضى هذا الحديث أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع، زيادة على مشاركتها الأب في التربية.

وقد جاءت الإشارة إلى هذا الحق الخاص بالأم في قوله تعالى في وصية لقمان u: { وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } (لقمان:14)

وفي مقال هذا نجد التحذير الشديد من عقوق الوالدين، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنّان بما أعطى)([229])

ويقرن صلى الله عليه وآله وسلم بين العقوق والشرك، فيقول موصيا معاذا بن جبل قال:(لا تشرك بالله شيئاً، وإن قتلت وحرّقت، ولا تعقّنَّ والديك، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك) الحديث([230]).

وهذا البر هو سنة المرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ، وقد روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما مرّ على قبر والدته آمنة بنت وهب بالأبواء حيث دفنت – وهو مكان بين مكة والمدينة – ومعه أصحابه وجيشه وعددهم ألف فارس، وذلك عام الحديبية، فتوقف وذهب يزور قبر أمه، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبكى من حوله، وقال:(استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي([231])، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)([232])

وهكذا نرى القرآن الكريم يثني على يحيى u، قال تعالى: { وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً} (مريم:14)

ويخبر عن قول المسيح u،: { وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} (مريم:32)

مع المستضعفين:

والمراد بهم الفقراء والمعاقين ومن وضعتهم الحاجة في مواضع قد يستعف عنها عامة الناس.

وقد وردت الوصية بتعظيم الأدب مع هذا الصنف، ففي القرآن الكريم تكرر الأمر بالإحسان إلى هؤلاء، وهو لا يعني الإحسان المادي فقط، بل يشمل كل مظاهر الإحسان،

ففي سورة القرة وحدها ـ وهي السورة الخاصة بالأحكام الكبرى في الإسلام ـ نجد ثلاثة مواضع توصي بهؤلاء:

ففي الآية الأولى نجد الوصية بهؤلاء من ميثاق الله على بني إسرائيل، قال تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} (البقرة:83)

وفي الآية الثانية نجد الإحسان إلى هؤلاء من أصول البر المقترنة بأصول الدين، قال تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (البقرة:177)

وفي الآية الثالثة نجد الوصية بهؤلاء مقرونة بالوالدين، باعتبارها من الخير العظيم، قال تعالى: { يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (البقرة:215)

وهكذا نجد الوصية بهؤلاء في القرآن الكريم في كل المواضع، ففي الاحتضار يقول تعالى مخاطبا المحتضر، وهو يودع آخر ساعاته من الدنيا: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً} (النساء:8)

وعند غمرة النصر يخاطب الله المؤمنين الذي بلوا لأجل الحصول على النصر، مذكرا لهم بحق المستضعفين: { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الحشر:7)

بل إن الله تعالى يوصي بهؤلاء المستضعفين، ولو كانوا سببا في أذى للمحسن إليهم، قال تعالى: { وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (النور:22)

ولهذا كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإحسان العظيم لهؤلاء، بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يعيش وكأنه واحد منهم، بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو أن يكون واحدا منهم، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين)([233])

قال ابن أبي أوفى يصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ‏كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي حاجتهما‏‏‏.‏

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يوصي بهؤلاء المستضعفين، فيقول:(أحب الأعمال إلى الله من أطعم مسكينا من جوع أو دفع عنه مغرما أو كشف عنه كربا)([234])

ويدخل في الباب الأوامر الخاصة برعاية الخدم وحسن عشرتهم، باعتبارهم من المستضعفين، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(‏هم إخوانكم جعلهم الله تعالى تحت أيديكم فأطمعوهم مما تأكلون وأكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما لا يطيقون‏)([235])

وكان آخر كلامه صلى الله عليه وآله وسلم وهو محتضر‏:(‏الصلاة وما ملكت أيمانكم‏) ‏

وكان صلى الله عليه وآله وسلم نعم القدوة في ذلك، قال أنس:(خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين فما قال لشيءٍ فعلته‏:‏ لم فعلته، ولا لشيءٍ لم أفعله لم لا فعلته‏)([236])

ثانيا ـ المساهمة في التنمية الاجتماعية

قد يكون الفرد المسلم ملتزما بكل ما تتطلبه حياته في المجتمع من سلوك وآداب، ولكنه يظل فردا حياديا، وجوده كعدمه إن لم تتشكل شخصيته بما يجعلها فاعلة لا منفعلة، ومؤثرة لا متأثرة، وهذا يتطلب تربيته على معان من السلوك قد لا يفطن لها أو لا يهتم بها مع أن لها تأثيرها الخطير في قدرة هذا الفرد على إيصال ما يمكنه من النفع للمجتمع.

وقبل أن نتحدث عن الأصول الجامعة لهذا النوع من التربية نحب أن ننبه إلى حض الشريعة بمصادرها المختلفة على كون المسلم عاملا فاعلا في مجتمعه وأمته لا مجرد فرد يعيش لنفسه ويموت لنفسه.

وأول ما نسترشد به في هذا المقام القرآن الكريم، فهو الكتاب الوحيد الذي يشكل الشخصية القوية الفاعلة الحية التي تكون نورا وحياة لنفسها وللمجتمع.

وأول ما يخرجنا به القرآن الكريم من قوقعة الحياد التي يرمينا فيه العجز والكسل هو نهينا عن القعود والتثاقل إلى الأرض:

فيقسم الناس بحسب قعودهم ونشاطهم إلى قسمين، قال تعالى: { لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} (النساء:95)

ويخبر عن موقف الكسالى في كل عصر من حنينهم إلى القعود حرصا على أنفسهم وعلى ما يتوهمونه من ممتلكاتهم، قال تعالى عن المنافقين ممن ادعوا صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: { وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} (التوبة:86)، وفي موقف آخر يرد عليهم بقوله: { وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} (التوبة:46)، وقال عن المنافقين من أصحاب موسى u: { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة:24)

ولهذا يأمر المؤمنين بالنفير مهما كانت أحوالهم، قال تعالى: { انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (التوبة:41)، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً} (النساء:71)

ويعاتبهم على تحديث أنفسهم بعدم النفير: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} (التوبة:38)، بل يتشدد عليهم، فيتوعدهم بالعذاب الأليم إن لم ينفروا، قال تعالى: { إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التوبة:39)

وهو نفير لا يقتصر على نفيرالجيش فقط، بل هو نفير يشمل الحياة جميعا، فكل في هذه الحياة طاقته التي يخدم الأمة من خلالها، قال تعالى: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة:122)

والنفير يقتضي السعي والاجتهاد، فلذلك يرد في القرآن الكريم الترغيب في السعي بأجمل صيغ التعبير، قال تعالى عن صاحب موسى u: { وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} (القصص:20)، وقال تعالى عن صاحب الرسل: { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} (يّـس:20)، وقال تعالى عن صاحب محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى} (عبس:8)

والمؤمن لهذا الاجتهاد والسعي الذي يمشي به في الناس هو في الحقيقة نور يضيء ظلمات المجتمع، قال تعالى: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام:122)

ولهذا تضمنت وصية لقمان u الحض على هذا النوع من التربية، فقال تعالى: { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان:17)

انطلاقا من هذه الآيات القرآنية نحاول في هذا المبحث أن نتعرف على الأصول الكبرى لهذا النوع من التربية، وهي فيما نرى ثلاثة أصول: تنمية طاقة التحمل، والاستغناء عن المجتمع، وخدمة المجتمع.

ذلك لأن المجتمع يحتاج أولا إلى أفراد أقوياء لا تؤثر فيهم البيئة ولا ما يصابون به من أنواع البلاء، ثم هم مستغنون عن مجتمعهم بما لديهم من الطاقات، فليسوا عالة على المجتمع، بل يجتهدون ليجعلوا من مجتمعاتهم عالة عليهم، فخير الناس أنفعهم للناس.

وخير من اتصف بهذه الصفات الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ، لأنهم خير من مثل شخصية المسلم في أعلى درجاتها، ولذلك سيكونون مصدرنا الأول في هذا المبحث.

1 ـ تنمية طاقة التحمل

ونريد بها أن يسعى المربي ليرفع ذلك الدلال الذي يسبه الترف في نفس من يربيه، فيتحلى بسببه بالعجز المطلق، أو يجعل كل جهده منصبا على خدمة ما يتطلبه ترفه من خدمات، فيصيرا عبدا لترفه وأهوائه.

وإلى هذا الأصل الإشارة بقوله تعالى: { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (آل عمران:186)، وقال تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة:155)، وقال تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد:31)

فالله تعالى يحضر الأنفس المؤمنة لاستقبال البلاء بما يخبر به من سنته في خلقه وسنته في المؤمنين، حتى تتأدب الأنفس بأدب الصبر العظيم الذي يجعل لها الطاقة على تحمل البلاء.

وهو يخبر أن المقصد من البلاء، ليس ذات البلاء، وإنما تمحيص الأنفس، وتبيين حقيقتها، والتفريق بين الطيب والخبيث، قال تعالى: { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:179)

بل إن الله تعالى يجعل لمن نجح في امتحان البلاء الشديد الإمامة في الأرض، والإمام في الاصطلاح القرآني هو من كان قائدا للناس وقدوة لهم، قال تعالى: { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} (البقرة:124)

والله تعالى كما يخبرنا بأنه هو المبتلي لعباده ليمحص المحق من المبطل، فإنه يدعونا إلى أن نمارس هذا الأسلوب مع أنفسنا ومع من نربيه لتمرن على تحمل البلاء.

فالله تعالى ـ مثلا يأمرنا بابتلاء اليتامى للنظر في قدرتهم على التعامل السليم مع المال، قال تعالى: { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} (النساء:6)

وهو يخبرنا عن نموذج من نماذج البلاء الذي قام به طالوت لتمييز جنوده، فقال تعالى: { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة:249)

انطلاقا من هذا، فإن تنمية طاقة التحمل تستند إلى ركنين أساسيين لا غنى عنهما، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، أولهما الصبر على الأذى، والثاني هو القدرة على تحمل المشاق.

فقد يكون الشخص صابرا إن حل به الأذى، ولكن ليست له القدرة على المبادرة لتحمل المشاق، فيصير صبره سلبيا، يتحمل ما يفاجئه، لا يبادر ليتحمل ما يمكن أن يحتاج إليه.

الصبر على الأذى:

وهو ما ورد في وصية لقمان بعد ذكره للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: { َأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان:17)

لأن مواجهة الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستدعي مواجهة الناس في العادة لهذا الآمر بأصناف الأذى.

لأن هذا الناصح المحتسب لا يواجه عقول الناس بقدر ما يواجه مواطن الشر فيهم، وهي مواطن تأخذها الحمية ويستفزها الشيطان، فلا تسكت عن هذا الآمر المحتسب.

ولهذا أخبر تعالى عن سنته في المرسلين أنهم يتعرضون لكل أنواع البلاء، قال تعالى: { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً} (الاسراء:76)، ثم قال بعدها مبينا أن هذا سنته في من أرسل من خلقه: { سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} (الاسراء:77)

وأخبر تعالى أنهم كانوا يقولون لأقوامهم، وهم يواجهونهم بأنواع البلاء: { وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (ابراهيم:12)

ولهذا لما جاء الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستنصرونه دلهم على الصبر والتحمل، قال خباب بن الأرت: شكونا إِلَى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوسد بردة له في طل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال:(قد كان مِنْ قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمِنْشار فيوضع عَلَى رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عَنْ دينه! واللَّه ليتمن اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب مِنْ صنعاء إِلَى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب عَلَى غنمه ولكنكم تستعجلون)([237])، وفي رواية:(وهو متوسد بردة وقد لقينا مِنْ المشركين شدة)

ولا نريد بالصبر هنا الصبر في مواضع المحن فقط، بل هناك من الصبر في ميادين الحياة والتعمل مع الناس ما يحتاج إلى قوة عظيمة، ونحسب أن ما عانى موسى u من بلاء مع قومه بعد نجاتهم من فرعون أعظم من صبره على كيد فرعون وزبانيته.

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يتمثل ذكراه عندما يصيبه أي بلاء، عن ابن مسعود قال: لما كان يوم حنين آثر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ناسا في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة مِنْ الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناسا مِنْ أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: واللَّه إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه اللَّه. فقلت: واللَّه لأخبرن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال:(فمن يعدل إذا لم يعدل اللَّه ورسوله؟)، ثم قال:(يرحم اللَّه موسى قد أوذي بأكثر مِنْ هذا فصبر)، فقلت:(لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا)([238])

وقد ذكرنا في المباحث السابقة أن الصبر أصل مهم من أصول التربية، بل لا يمكن للتربية أن تنجح إن لم ينجح صاحبها في تعلم خلق الصبر، ولذلك لما سئل سهل عن حسن الخلق قال:(أدناه احتمال الأذى، وترك المكافأة، والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه)، وكلها تحتاج إلى الصبر.

ولهذا كان الصالحون يمرنون أنفسهم على هذا الخلق العظيم، ويجعلون عدتهم لمواجهة الأذى، وهو ما اخبر به تعالى عن عباده الصالحين، قال تعالى: { وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (المؤمنون:3)، وقال تعالى: { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} (القصص:55)، وقال تعالى: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} (الفرقان:63)

ومن أخبار الصالحين التي تمثل هذا المعنى القرآني خير تمثيل ما روي أن إبراهيم بن أدهم خرج يوماً إلى بعض البراري فاستقبله رجل جندي فقال: أنت عبد؟ قال: نعم، فقال له: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة، فقال الجندي: إنما أردت العمران؟ فقال: هو المقبرة، فغاظه ذلك فضرب رأسه بالسوط فشجه ورده إلى البلد فاستقبله أصحابه فقالوا ما الخبر؟ فأخبرهم الجندي ما قال له فقالوا، هذا إبراهيم بن أدهم فنزل الجندي عن فرسه وقبَّل يديه ورجليه وجعل يعتذر إليه، فقيل بعد ذلك له: لم قلت له أنا عبد؟ فقال: إنه لم يسألني: عبد من أنت بل قال: أنت عبد؟ فقلت: نعم، لأني عبد الله، فلما ضرب رأسي سألت الله له الجنة قيل كيف وقد ظلمك؟ فقال: علمت أنني أؤجر على ما نالني منه فلم أرد أن يكون نصيبـي منه الخير ونصيبه مني الشر.

وقد يحسب بعض المتنطعين المتكلفين أن هذا غلو، ولم يدروا أي خير نما من هذا الموقف الذي وقفه إبراهيم مع ذلك الجندي أو مع أولئك الناس الحضور، أو مع أمم من الناس جاءت بعد ذلك لتهتدي بهذا الموقف العظيم.

ويروى أن داعيا دعا أبا عثمان الحيري إلى دعوة ـ وكان الداعي قد أراد تجربته ـ فلما بلغ منزله قال له: ليس له وجه، فرجع أبو عثمان، فلما ذهب غير بعيد دعاه ثانياً فقال له: يا أستاذ ارجع فرجع أبو عثمان، فقال له مثل مقالته الأولى فرجع، ثم دعاه الثالثة وقال: ارجع على ما يوجب الوقت فرجع، فلما بلغ الباب قال له مثل مقالته الأولى فرجع أبو عثمان، ثم جاءه الرابعة فرده حتى عامله بذلك مرات، وأبو عثمان لا يتغير من ذلك، فأكب على رجليه وقال:(يا أستاذ إنما أردت أن أختبرك فما أحسن خلقك)، فقال:(إنّ الذي رأيت مني هو خلق الكلب، إن الكلب إذا دعي أجاب وإذا زجر انزجر)

وهو موقف عظيم لو تمثل في المجتمع لحفظ المجتمع من أكثر أسباب الشقاق التي يسببها التعالي والعزة الكاذبة.

ويروى عن هذ الصالح الذي ربى نفسه على الصبر الشديد، أنه اجتاز يوماً في سكة فطرحت عليه إجانة رماد فنزل عن دابته فسجد سجدة الشكر ثم جعل ينفض الرماد عن ثيابه ولم يقل شيئاً، فقيل: ألا زبرتهم؟ فقال: إن من استحق النار فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب.

ويروى أن أبا عبد الله الخياط كان يجلس على دكانه، وكان له حريف مجوسي يستعمله في الخياطة فكان إذا خاط له شيئاً حمل إليه دراهم زائفة، فكان أبو عبد الله يأخذ منه ولا يخبره بذلك ولا يردّها عليه، فاتفق يوماً أن أبا عبد الله قام لبعض حاجته، فأتى المجوسي فلم يجده فدفع إلى تلميذه الأجرة واسترجع ما قد خاطه فكان درهماً زائفاً، فلما نظر إليه التلميذ عرف أنه زائف فرده عليه، فلما عاد أبو عبد الله أخبره بذلك فقال: بئس ما عملت. هذا المجوسي يعاملني بهذه المعاملة منذ سنة وأنا أصبر عليه وآخذ الدراهم منه وألقيها في البئر لئلا يغرّ بها مسلماً.

وقال يوسف بن أسباط: علامة حسن الخلق عشر خصال؛ قلة الخلاف، وحسن الإنصاف، وترك طلب العثرات، وتحسين ما يبدو من السيئات، والتماس المعذرة، واحتمال الأذى، والرجوع بالملامة على النفس، والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره، وطلاقة الوجه للصغير والكبـير، ولطف الكلام لمن دونه ولمن فوقه.

ويروى أنه قيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم فقال: من قيس بن عاصم، قيل وما بلغ من حلمه؟ قال: بـينما هو جالس في داره إذ أتته جارية له بسفود عليه شواء فسقط من يدها فوقع على ابن له صغير فمات، فدهشت الجارية فقال لها: لا روع عليك أنت حرة لوجه الله تعالى.

وشتمه رجل وهو لا يجيبه وكان يتبعه فلما قرب من الحي وقف وقال: إن كان قد بقي في نفسك شيء فقله كي لا يسمعك بعض سفهاء الحي فيؤذوك.

ويروى أن علياً دعا غلاماً فلم يجبه فدعاه ثانياً وثالثاً فلم يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعاً فقال: أما تسمع يا غلام؟ قال: بلى، قال: فما حملك على ترك إجابتي؟ قال: أمنت عقوبتك فتكاسلت، فقال: امض فأنت حر لوجه الله تعالى.

ويروى ن أويساً القرني كان إذا رآه الصبـيان يرمونه بالحجارة فكان يقول لهم: يا إخوتاه إن كان ولا بد فارموني بالصغار حتى لا تدموا ساقي فتمنعوني عن الصلاة.

وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مرائي، فقال: يا هذه وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة. وكان ليحيـى بن زياد الحارثي غلام سوء فقيل له: لم تمسكه؟ فقال: لأتعلم الحلم عليه.

قال الغزالي بعد سوقه لهذه القصص وغيرها:(فهذه نفوس قد ذللت بالرياضة فاعتدلت أخلاقها، ونقيت من الغش والغل والحقد بواطنها فأثمرت الرضا بكل ما قدره الله تعالى وهو منتهى حسن الخلق. فإن من يكره فعل الله تعالى ولا يرضى به فهو غاية سوء خلقه، فهؤلاء ظهرت العلامات على ظواهرهم كما ذكرنا. فمن لم يصادف من نفسه هذه العلامات فلا ينبغي أن يغتر بنفسه فيظن بها حسن الخلق، بل ينبغي أن يشتغل بالرياضة والمجاهدة إلى أن يبلغ درجة حسن الخلق فإنها درجة رفيعة لا ينالها إلا المقربون والصديقون)([239])

تحمل المشاق:

ويشير إلى هذا الركن قوله تعالى: { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً} (مريم:12) أي بجد وعزم، وقد روى عبد اللّه بن المبارك بعضا من ذلك الجد، فقال: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما لّلعب خلقنا.

ومثل ذلك أمره موسى u بأخذ الكتاب بقوة، قال تعالى: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} (الأعراف:145)

ولهذا أمر صلى الله عليه وآله وسلم في أول الدعوة بأمر (قم)، قال تعالى: { قُمْ فَأَنْذِرْ} (المدثر:2)، وقال تعالى: { قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً} (المزمل:2)

وكأنه تعالى يقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأصحابه الذين معه: قم، فإن القعود لا يأتي بشيء، (إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا، ولكنه يعيش صغيرا ويموت صغيرا. فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير.. فماله والنوم؟ وماله والراحة؟ وماله والفراش الدافئ، والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح؟!)([240])

وقد كان من حكمة الله أن ربى الصحابة على هذا الجهد في أول الدعوة، لأن الدعوة لا يقوم بها إلا الرجال أصحاب الجد والحزم، عن سعيد بن هشام.. أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال:نعم. قال: ائت عائشة فسلها، ثم ارجع إلي فأخبرني بردها عليك..ثم يقول سعيد بن هشام: قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان القرآن. فهممت أن أقوم، ثم بدا لي قيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلت:يا أم المؤمنين، أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت:ألست تقرأ هذه السورة: يا أيها المزمل؟ قلت:بلى. قالت:فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة ؛ فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم. وأمسك الله ختامها في السماء اثني عشر شهرا. ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة) الحديث([241])

وهذا الجهد والجد تحتاجه كل دعوة وكل رسالة، بل كل عمل نبيل، لأن الأعمال العظيمة أعمال جادة لا يقوم بها إلا الجادون الذين قال تعالى في صفتهم: { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} (لأعراف:170)

ففي هذا التعبير ما يبين مبلغ الجد الذي تحملى به هؤلاء المتمسكون بالكتاب الذي يعني الدين كله، يقول سيد قطب:(ن الصيغة اللفظية: يمسكون تصور مدلولاً يكاد يحس ويرى، إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة الصورة التي يحب الله أن يؤخذ بها كتابه وما فيه.. في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت.. فالجد والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمت شيء آخر.. إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع! ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون الواقع هو الحكم في شريعة الله! فهو الذي يجب أن يظل محكوماً بشريعة الله)([242])

وهذا التحمل للمشاق يحتاج إلى تمرين شديد على ذلك، وكما ذكر الله تعالى عن اختبار هذه الأمة في أول أمرها بقيام الليل وغيره من التكاليف الشاقة([243]) اختبر بني إسرائيل برفع الطور فوقهم حتى يلتزموا بأخذ الكتاب بقوة، قال تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:63)، وقال تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا} (البقرة:93)، وقال تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (لأعراف:171)

وتنفيذ هذا الركن في الواقع يحتاج إلى وضع برنامج تربوي يتمكن من خلاله المربي من تدريب من يربيه على تحمل المشاق مرحلة مرحلة حتى يصل به إلى تحقيق الشخصية القوية المستعدة لتحمل الأعباء العظيمة.

2 ـ الاستغناء عن المجتمع

وهو الأصل الثاني من أصول المساهمة في تنمية المجتمع، وهو أصل من الأصول الكبرى لسببين:

الأول: أن المجتمع الذي يكتفي أفراده بطاقاتهم ـ فلا يلقي بعضهم تبعاته على بعض ـ مجتمع قوي، لأن كل فرد فيه أمة بنفسه.

الثاني: أن الفرد والمجتمع الذي يصل إلى درجة الاكتفاء الذاتي سينصرف بالضرورة إلى إكفاء الغير وإفادته، فتصبح لهذا الفرد كما للمجتمع الإمامة على غيره من الأفراد والمجتمعات، وهو المقصد الأكبر الذي يسعى كل فرد قوي، بل كل مجتمع، بل كل أمة إلى تحقيقه.

كما قال تعالى عن أفراد هذه الأمة: { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } (الانبياء:73)، وقال تعالى: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (القصص:5)، وقال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة:24)، بل أخبر أن عباد الرحمن يطلبون الإمامة لا على الناس فقط، وإنما على المتقين أيضا، كما قال تعالى في الإخبار عن دعائهم: { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} (الفرقان:74)

وقال تعالى عن الأمة القوية التي تكون لها الإمامة على الأمم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (البقرة:143)، وقال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } (آل عمران:110)

وهذان السببان يستدعيان تربية الفرد على أن يستغني عن مجتمعه قدر طاقته، فلا يكون عالة عليه، ولا ثقلا يكلفه، وقد دعت الشريعة إلى هذه الاستغناء عبر التوجيهات والتشريعات المختلفة، وسنذكر منها هنا على سبيل المثال لا الحصر ما قد يساهم في تنمية هذا الجانب في نفس المتربي.

النهي عن السؤال:

ويدل على كون هذا أصلا من أصول الاستغناء قوله تعالى يخبر عن رسله الكثيرين: { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} (الأنعام:90)، وقال تعالى: { يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ} (هود:51)، وقال تعالى: { اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (يّـس:21)، وقال تعالى: { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء:109)، وفي (الشعراء:127)، وفي (الشعراء:145)، وفي(الشعراء:164)، وفي(الشعراء:180) في مواضع من القرآن الكريم على ألسنة الأنبياء المختلفين.

والقرآن الكريم يخبر عن العلة في هذا الاستغناء، فيقول تعالى: { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} (الطور:40)، وفي (القلم:46) في موضعين من القرآن الكريم، وذلك لأن من يطلب من غيره الأجر يثقل عليه، بخلاف من يكون خفيفا مستغنيا، فإنه يكون موضع محبة للناس.

وإلى هذا الإشارة بما روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله تعالى وأحبني الناس؟ فقال ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)([244])

ولهذا ذم الله تعالى السؤال ومدح العفاف في القرآن الكريم، فقال تعالى: { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (البقرة:273)، أي لا يلِّحون في المسألة([245])، ويكلفون الناس مال لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن المسألة فقد ألحف في المسألة.

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يربي الصحابة عل الاستغناء والعفاف وعدم مد اليد للناس، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرأوا إن شئتم: يعني قوله تعالى: { لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً} (البقرة:273))([246])

وكان يخبرهم بالوعيد الشديد الذي أعده الله لمن يسأل من غير حاجة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر)([247])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم)([248])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحدد لهم مقدار الحاجة حتى لا يدعي كل واحد الحاجة مع أنه ليس من أهلها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو كدوحاً في وجهه)، قالوا: يا رسول اللّه وما غناه؟ قال:(خمسون درهماً أو حسابها من الذهب)([249])

ويروى عن رجل من مزينة، أنه قالت له أمه: ألا تنطلق فتسأل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كما يسأله الناس، قال: فانطلقت أسأله فوجدته قائما يخطب، وهو يقول:(ومن استعف أعفه اللّه، ومن استغنى أغناه اللّه، ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق فقد سال الناس إلحافاً)، فقلت بيني وبين نفسي: لنا ناقة لهي خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسال)([250])

وعن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال: نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد فقال لي أهلي: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاسأله لنا شيئاً نأكله، وجعلوا يذكرون من حاجتهم، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(لا أجد ما أعطيك)، فتولى الرجل عنه وهو مغضب وهو يقول: لعمري إنك لتعطي من شئت! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إنه يغضب علي ألا أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا)، قال الأسدي: فقلت للقحة لنا خير من أوقية([251]) قال: فرجعت ولم أسأله، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب فقسم لنا منه حتى أغنانا الله)([252])، وهذا الحديث يدل على أن السؤال مكروه لمن له أوقية من فضة، فمن سأل وله هذا الحد والعدد والقدر من الفضة أو ما يقوم مقامها ويكون عدلا منها فهو ملحف، وقد نقل القرطبي عدم الخلاف في هذا، فقال:(وما علمت أحدا من أهل العلم إلا وهو يكره السؤال لمن له هذا المقدار من الفضة أو عدلها من الذهب على ظاهر هذا الحديث)([253])

بل ورد ما هو أقل من ذلك، فقد روي عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها من رضف جهنم)، قالوا: يا رسول الله، وما ظهر الغنى؟ قال:(عشاء ليلة)([254])

وروي عن سهل بن الحنظلية عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:(من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار)، فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ ـ وفي رواية: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ ـ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(قدر ما يغديه ويعشيه ـ وفي رواية ـ أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم ـ)([255])

وهذا هو الذي أخذ به أهل الورع ـ وهو الدرجة المثلى التي يسعى المربون لتحقيقها ـ، وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل ـ وهو إمام من أئمة الورع ـ عن المسألة متى تحل، فقال:(إذا لم يكن ما يغذيه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية)، قيل لأبي عبدالله: فإن اضطر إلى المسألة؟ قال: هي مباحة له إذا اضطر. قيل له: فإن تعفف؟ قال: ذلك خير له. ثم قال: ما أظن أحدا يموت من الجوع، الله يأتيه برزقه)، وقال إبراهيم بن أدهم:(سؤال الحاجات من الناس هي الحجاب بينك وبين الله تعالى، فأنزل حاجتك بمن يملك الضر والنفع، وليكن مفزعك إلى الله تعالى يكفيك الله ما سواه وتعيش مسرورا)

وقد أرشد هؤلاء إلى البديل الشرعي الصحيح، والذي هو منزلة أهل الكمال، وهو الالتجاء لله وحد، وهو ما عبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:(من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله تعالى له برزق عاجل أو آجل)([256])، وفي رواية:(أرسل الله له بالغنى، إما بموت عاجل أو غنى آجل)([257])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من جاع أو احتاج فكتمه عن الناس وأفضى به إلى الله كان حقا على الله أن يفتح له قوت سنة من حلال)([258])

وهذا لا يختص بما يتعلق بحاجات المعيشة فقط ـ بل يشمل كل شيء إلا السؤال المرتبط بالعلم ـ فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يبايع الناس على أن لا يسألوا شيئا، فعن عوف بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال: ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا: قد بايعناك حتى قالها ثلاثا؛ فبسطنا أيدينا فبايعناه، فقال قائل: يا رسول الله! إنا قد بايعناك فعلى ماذا نبايعك؟ قال:(أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتصلوا الصلوات الخمس وتسمعوا وتطيعوا وأسر كلمة خفية – قال: لا تسألوا الناس شيئا) قال: ولقد كان بعضد، أولئك النفر يسقط – سوطه فما يسأل أحدا أن يناوله إياه([259]).

وقد روي من تطبيق هذا عن بعض المتأخرين، وهو أبو حمزة الخراساني، وهو من كبار العباد أنه سمع أن أناسا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا يسألوا أحدا شيئا، فقال أبو حمزة: رب! إن هؤلاء عاهدوا نبيك إذ رأوه، وأنا أعاهدك ألا أسأل أحدا شيئا؛ قال: فخرج حاجا من الشام يريد مكة فبينما هو يمشي في الطريق من الليل إذ بقي عن أصحابه لعذر ثم أتبعهم، فبينما هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على حاشية الطريق؛ فلما حل في قعره قال: استغيث لعل أحدا يسمعني. ثم قال: إن الذي عاهدته يراني ويسمعني، والله! لا تكلمت بحرف للبشر، ثم لم يلبث إلا يسيرا إذ مر بذلك البئر نفر، فلما رأوه على حاشية الطريق قالوا: إنه لينبغي سد هذا البئر؛ ثم قطعوا خشبا ونصبوها على فم البئر وغطوها بالتراب؛ فلما رأى ذلك أبو حمزة قال: هذه مهلكة، ثم أراد أن يستغيث بهم، ثم قال: والله! لا أخرج منها أبدا؛ ثم رجع إلى نفسه فقال: أليس قد عاهدت من يراك؟ فسكت وتوكل، ثم استند في قعر البئر مفكرا في أمره، فإذا بالتراب يقع عليه؛ والخشب يرفع عنه، وسمع في أثناء ذلك من يقول: هات يدك! قال: فأعطيته يدي فأقلني في مرة واحدة إلى فم البئر؛ فخرجت فلم أر أحدا؛ فسمعت هاتفا يقول: كيف رأيت ثمرة التوكل؛ وأنشد:

نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى

   فأغنيتني بالعلم منك عن الكشف

تلطفت في أمري فأبديت شاهدي

  إلى غائبي واللطف يدرك باللطف

تراءيت لي بالعلم حتى كأنما

   تخبرني بالغيب أنك في كف

أراني وبي من هيبتي لك وحشة

   فتؤنسني باللطف منك وبالعطف

وتحيي محبا أنت في الحب حتفه

   وذا عجب كيف الحياة مع الحتف

فهذا التصرف، وإن كنا نرى عدم جوازه شرعا([260]) إلا أن فيه فائدة، وهي ان الله تعالى يمن على من اكتفى به واستغنى به عن أي حاجة لخلقه، وهذه الكفاية قد تكون بالأسباب على ما تتطلبه الحكمة، وقد تكون من عالم القدرة المجردة، قال ابن العربي تعليقا على الموقف السابق: هذا رجل عاهد الله فوجد الوفاء على التمام والكمال، فاقتدوا به إن شاء الله تهتدوا([261]).

الحض على العمل والتكسب:

وهو الأصل الثاني من أصول الاستغناء عن المجتمع، وقد يكون فرعا عما قبله أو نتيجة له، لأن من استغنى عن سؤال الناس لا بد أن يضطر للعمل والتكسب حتى يستغني بعمله عن سؤال الناس.

ولهذا دل صلى الله عليه وآله وسلم السائل الذي جاء يسأله الصدقة على العمل والكسب، فقد روي أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله فقال: أما في بيتك شيء؟ فقال بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه الماء فقال: ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده فقال: من يشتري هذين؟ فقال رجل: أنا آخذهما بدرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا؟)، فقال رجل: أنا أخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فائتني به، فلما أتاه به شد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عودا بيده، ثم قال:(اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما)، ففعل وجاء فأصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تحل إلا لثلاث: لذي فقر مدقع([262])، ولذي غرم([263]) مفظع([264])، ولذي دم موجع([265])([266])

ويدل لهذا الأصل الأدلة الكثيرة المستفيضة من القرآن الكريم:

فالله تعالى يقرن الضرب في الأرض للعمل والتكسب بالجهاد في سبيل الله، بل يقدمه عليه، قال تعالى: { عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } (المزمل:20)، قال القرطبي:(سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله، والإحسان والإفضال، فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله)([267])

وقد وردت النصوص الكثيرة الدالة على اعتبار العمل والكسب نوعا من الجهاد في سبيل الله، فقد روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:(أبشر، فإن الجالب إلى سوقنا كالمجاهد في سبيل الله، والمحتكر في سوقنا كالملحد في كتاب الله)([268])

ورأى بعض الصحابة شاباً قوياً يسرع إلى عمله، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله! فرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بقوله: (لا تقولوا هذا ؛ فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان)([269])

ويقرن القرآن الكريم العمل والتكسب بالصلاة، التي هي عمود الدين، قال تعالى: { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الجمعة:10)

ويقرنهما بالحج، قال تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} (البقرة:198)، فمن الأقوال في تفسير قوله تعالى: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم} (الحج:28) أن المنافع (الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا)

انطلاقا من هذا، فقد اتفق الفقهاء على وجوب العمل والكسب، بل اتفقوا على وجوب استغناء المجتمع الإسلامي بما لديه من الطاقات عن سائر المجتمعات، وقد ذكر السرخسي في كتاب الكسب([270]) الأدلة الكثيرة على فرضية العمل والتكسب، ومما ساقه من الأدلة:

1. النصوص القرآنية والنبوية الكثيرة، قال في وجه الاستدلال بها:(وفي هذا بيان أن المرء باكتساب ما لا بد له منه ينال من الدرجات أعلاها، وإنما ينال ذلك بإقامة الفريضة)([271])

2. أنه لا يتوصل إلى إقامة الفرض إلا به فحينئذ كان فرضا بمنزلة الطهارة لأداء الصلاة وذلك لأنه لا يمكنه من أداء الفرائض بقوة بدنه، وإنما يحصل له ذلك بالقوت عادة، ولتحصيل القوت طرق الاكتساب أو التغالب بالانتهاب والانتهاب يستوجب العقاب، وفي التغالب فساد والله تعالى لا يحب الفساد فعين جهة الاكتساب لتحصيل القوت، وإنما لا يتوصل إلى ذلك إلا بالكسب، كما لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا بالطهارة.

3. أن الكسب طريق المرسلين ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ، وقد أمرنا بالتمسك بهداهم قال الله تعالى: { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام:90)، فقد كان أول من اكتسب أبونا آدم u قال الله تعالى: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} (طـه:117)، أي تتعب في طلب الرزق، وقد كان نوح u نجارا يأكل من كسبه، وإدريس u كان خياطا، وإبراهيم u كان بزارا، وداود u كان يأكل من كسبه، وغيرهم ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ

وقد رد على بعض الجهال الذين ذهبوا إلى حرمة التكسب، قال:(وقال قوم من جهال أهل التقشف وحماقى أهل التصوف: إن الكسب حرام لا يحل إلا عند الضرورة بمنزلة تناول الميتة وقالوا: إن الكسب ينفي التوكل على الله تعالى أو ينقص منه)([272])

ولهذا الرد([273]) أهميته في الرد على من يقتدي بهم من البطالين، وإن لم يقل بقولهم، ولن نسوق ذلك الرد هنا، ففي ما سبق من الأدلة ما يكفي للرد على ذلك.

بل يكفي أن نسمع للرد على ذلك النصوص الكثيرة الداعية إلى إحياء الأرض وعمارتها واستنباط ما فيها من خير، وكأن ذلك هدف بحد ذاته بغض النظر عما يأتي به ذلك التكسب من رزق، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة([274])، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها)([275])

بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن كل منتفع بذلك العمل يصب في أجر صاحب العمل، فقال صلى الله عليه وآله وسلم في إحياء الأرض:(ما من امرئ يحي أرضا فتشرب منها كبد حرى أو تصيب منها عافية إلا كتب الله تعالى له به جرا)([276])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية منها فهو له صدقة)([277])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم في غرس الغرس:(ما من مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كانت له به صدقة)([278])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما من رجل يغرس غرسا إلا كتب الله له من الأجر قدر ما يخرج من ثمر ذلك الغرس)([279])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه([280]) أحد إلا كان له صدقة)([281])

النهي عن الترف:

وهو الأصل الثالث من أصول الاستغناء عن الناس، لأن الشخص قد يعمل ويتكسب، ولكن مبالغته في الترف، وفي إرضاء ما تتطلبه نفسه من شهواته قد يجعله فقيرا لغيره، مستعبدا لشهواته، عالة على المجتمع.

وقد اهتم علماء السلوك من المسلمين بهذا الأصل في التربية، وقد ذكره الغزالي في مواضع عند بيانه لكيفية تربية الأولاد، قال عند ذكر أصول وقايته:(وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من القرناء السوء ولا يعوده التنعم، ولا يحبب إليه الزينة والرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد)([282])

وقال عند ذكره لآداب الأكل:(وأن يعوّد الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتماً، ويقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم، وبأن يذم بـين يديه الصبـي الذي يكثر الأكل ويمدح عنده الصبـي المتأدب القليل الأكل، وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان)([283])

وقال عند ذكر آداب اللباس:(وأن يحبب إليه من الثياب البـيض دون الملون والإبريسم ويقرّر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين وأن الرجال يستنكفون منه ويكرّر ذلك عليه، ومهما رأى على صبـي ثوباً من إبريسم أو ملون فينبغي أن يستنكره ويذمه، ويحفظ الصبـي عن الصبـيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة، وعن مخالفة كل من يسمعه ما يرغبه فيه، فإن الصبـي مهما أهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذاباً حسوداً سروقاً نماماً لحوحاً ذا فضول وضحك وكياد ومجانة، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب)([284])

وقال ملخصا أسس ما ذكر من آداب:(وبالجملة؛ يقبح إلى الصبـيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب، فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أضر من آفة السموم على الصبـيان بل على الأكابر أيضاً)([285])

وقال ابن القيم:(وينبغي لوليه أن يجنبنه الكسل والبطالة والدعة والراحة، بل يأخذه بأضدادها، ولا يريحه إلا بما يُجم ّنفسه نفسه وبدنه للشغل، فإن الكسل والبطالة عَواقِبُ سوء ومَغَبةُ نَدَم، وللجد والتعب عواقب حميدة، أما في الدنيا وإما في الآخرة، وإما فيهما، فأروح الناس أتعب الناس،واتعب الناس أروح الناس، فالسيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة)([286])

 وقد اشار إلى هذا الأصل الآيات القرآنية الكثيرة، فقد ورد ذكر الترف في القرآن الكريم في ثمانية مواضع كلها في موضع الذم له والتحذير منه:

فالقرآن الكريم يعتبر الترف من أسباب هلاك القرى والمجتمعات، قال تعالى: { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} (الاسراء:16)

ولفظ (الأمر) الذي ورد في الآية يحتمل معاني كثيرة، وقع بسببه الخلاف بين المفسرين، ونرى أن معنيين من المعاني له علاقة بسنة الله في إهلاك المجتمعات المترفة:

الأول: معنى (أمرنا) أكثرنا([287])، أي أكثرنا المترفين، بحيث يصبح غالبا على القرى، أو يصبح هو الأصل في المجتمع،فذلك مؤذن بهلاكها.

الثاني: معنى (أمرنا) أمَّرنا، قال ابن جرير (يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء)، وهذا يستقيم على قراءة من قرأ { أمَّرنا مترفيها }، وقد يدل لهذا القول قول ابن عباس في الآية:(سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم اللّه بالعذاب، ويدل لهذا قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (الأنعام:123)

وتأمل ما حصل في تاريخ الإسلام من سقوط الدول المختلفة يبين أن للترف الاجتماعي، أو ترف المسؤولين سببا كبيرا مباشرا، ولا يتسع المقام لذكر الشواهد هنا.

والقرآن الكريم يعتبر المترفين أكبر عقبة في طريق كل إصلاح، بل هم أول من يقف في وجه الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ، قال تعالى: { فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} (هود:116)

وأخبر عن أسلوب المترفين في الرد على المرسلين، فقال تعالى: { وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} (المؤمنون:33)، وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} (سـبأ:34)، وقال تعالى: { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (الزخرف:23)

والقرآن الكريم في الأخير يذكر المصير الذي يئول إليه المترفون فيقول: { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} (المؤمنون:64)، وقال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} (الواقعة:45)، وقال تعالى: {)لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} (الانبياء:13)

ولهذه الخطورة التي تكمن في الترف على حياة الأفراد والمجتمعات كان صلى الله عليه وآله وسلم يخشى على أمته عواقب الترف، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا)، قالوا: وما زهرة الدنيا؟ قال:(بركات الأرض) وذكر الحديث([288]).

وعندما قدم أبو عبيدة بن الجراح بمال من البحرين، وسمعت الأنصار بقدومه وافوا صلاة الفجر مع رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فلما صلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم انصرفوا فتعرضوا له فتبسم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم حين رآهم ثم قال:(أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟) فقالوا: أجل يا رَسُول اللَّهِ. فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(أبشِرُوا وأمِّلُوا ما يَسُرُّكم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم)([289])

وقال أبو سعيد الخدري: جلس رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال:(إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها)([290])

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(الدنيا حلوة خضرة، وإن اللَّه تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء)([291])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال)([292])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم نموذج الزاهد في الدنيا الراغب فيما عند الله، وكان يقول:(اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة)([293])، وعن أبي ذر قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حرة المدينة فاستقبلنا أحد فقال:(يا أبا ذر) قلت: لبيك يا رَسُول اللَّهِ. قال:(ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه دينار إلا شيء أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد اللَّه هكذا وهكذا وهكذا) عن يمينه وعن شماله ومن خلفه. ثم سار فقال:(إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا) عن يمينه وعن شماله وعن خلفه (وقليل ما هم) الحديث([294])

أما حياته صلى الله عليه وآله وسلم فيصفها عمر، فيقول، وقد ذكر ما أصاب الناس من الدنيا:(لقد رأيت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يظل اليوم يلتوي، ما يجد من الدقل([295]) ما يملأ به بطنه)([296])

ويصف تركته عمرو بن الحارث أخو جويرية بنت الحارث أم المؤمنين فيقول:(ما ترك رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عند موته ديناراً، ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة)([297])

وتصف عائشة حياتها معه صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف كانوا يعيشون، فتقول:(توفي رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير([298]) في رف لي فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني) ([299])، وقالت:(ما شبع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض) ([300])، وفي رواية:(ما شبع آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعاً حتى قبض)، وكانت تقول لابن أختها عروة:(والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال: ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم نار)، قال: يا خالة فما كان يعيشكم؟ قالت:(الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم جيران من الأنصار وكانت لهم منائح وكانوا يرسلون إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم من ألبانها فيسقينا)([301])

ويتأثر الصحابة لحاله، فيطلبون إصلاحها، فيقول ـ كما يروي عبد اللَّه ابن مسعود، قال: نام رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه. قلنا: يا رَسُول اللَّهِ لو اتخذنا لك وطاء، فقال:(ما لي وللدنيا! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)([302])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يزهد أصحابه في الدنيا مذكرا لهم بمصيرها، وبحقيقة ما يظفر به الإنسان منها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله؛ فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله)([303])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط، هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط، هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط)([304])

ويقارن لهم زهرة الدنيا وترفها بالآخرة، فيقول:(ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع)([305])

ويمر صلى الله عليه وآله وسلم بالسوق والناس كَنَفَتَيْهِ([306])، فمر بِجَدْيٍ أَسَكَّ([307]) مَيِّتٍ، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال:(أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال:(أتحبون أنه لكم؟) قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً أنه أَسَكّ فكيف وهو ميت! فقال:(فوالله للدنيا أهون على اللَّه من هذا عليكم)

وقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم المترف عبدا لترفه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة! إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض)([308])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحدد لهم مواضع الحاجات حتى لا تمتد أعينهم إلى ما زاد عليها من أنواع الترف، فيقول صلى الله عليه وآله وسلم:(ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء)([309])

وفسر صلى الله عليه وآله وسلم: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} (التكاثر:1)، فقال:(يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟)([310])

فهذه النصوص الكثيرة تبين عواقب الترف وخطورته، وكمالات القناعة والزهد، لأن الأعمال العظيمة لا يقوم بها إلا من تخلص من عبوديته للدينار والدرهم والخميصة.

3 ـ خدمة المجتمع

وهي الأصل الثالث من أصول المساهمة في تنمية المجتمع، وهي الناحية الإيجابية من تلك الأصول، لأن ما سبق من الأصول تقتصر علاقته بالفرد من حيث وقايته المجتمع مما قد يصدر عنه من أذى.

أما هذا الأصل، فهو ينظر إلى ما يقدم هذا الفرد للمجتمع من خدمات، فيقاس كماله بعظم الخدمات التي يقدمها.

وإلى هذا الأصل الإشارة بقوله تعالى: { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (القصص:23 ـ 24)

فهذا موقف بسيط، ولكنه يدل على نفس طيبة صاحبة مروءة عالية، لقد انتهى بموسى u السفر الشاق الطويل إلى ماء لمدين. (وصل إليه وهو مجهود مكدود، وإذا هو يطلع على مشهد لا تستريح إليه النفس ذات المروءة، السليمة الفطرة، كنفس موسى u وجد الرعاة الرجال يوردون أنعامهم لتشرب من الماء ؛ ووجد هناك امرأتين تمنعان غنمهما عن ورود الماء. والأولى عند ذوي المروءة والفطرة السليمة، أن تسقي المرأتان وتصدرا بأغنامهما أولا، وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما.

 ولم يقعد موسى الهارب المطارد، المسافر المكدود، ليستريح، وهو يشهد هذا المنظر المنكر المخالف للمعروف. بل تقدم للمرأتين يسألهما عن أمرهما الغريب: قال:ما خطبكما؟. قالتا:لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير..

 فأطلعتاه على سبب انزوائهما وتأخرهما وذودهما لغنمهما عن الورود. إنه الضعف، فهما امرأتان وهؤلاء الرعاة رجال. وأبوهما شيخ كبير لا يقدر على الرعي ومجالدة الرجال! وثارت نخوة موسى u وفطرته السليمة. فتقدم لإقرار الأمر في نصابه. تقدم ليسقي للمرأتين أولا، كما ينبغي أن يفعل الرجال ذوو الشهامة. وهو غريب في أرض لا يعرفها، ولا سند له فيها ولا ظهير. وهو مكدود قادم من سفر طويل بلا زاد ولا استعداد. وهو مطارد، من خلفه اعداء لا يرحمون. ولكن هذا كله لا يقعد به عن تلبية دواعي المروءة والنجدة والمعروف، وإقرار الحق الطبيعي الذي تعرفه النفوس)([311])

وإلى هذا الأصل الإشارة ـ كذلك ـ بقوله تعالى في وصف نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} (الأحزاب:46)، فقد اعتبر تعالى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم سراجا منيرا للخلق، فهو شمس أرواح الخلائق، ونور قلوبهم، وأي خدمة أعظم من هذه.

وهي خدمة أو خدمات تنطلق من رحمة عظيمة يمتلئ بها قلبه صلى الله عليه وآله وسلم لأمته، قال تعالى: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة:128)

بل كان صلى الله عليه وآله وسلم في حرصه على حصول الخير للخلق أنه يكاد يقتل نفسه حزنا على إعراضهم عن الله، قال تعالى: { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام:33)، وقال تعالى: { فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (فاطر:8)، وقال تعالى: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} (الكهف:6)، وقال تعالى: { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (الشعراء:3)

وإليه الإشارة ـ كذلك ـ بقوله تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } (التوبة:71) أي يتناصرون ويتعاضدون ويخدم بعضهم بعضا.

وقال تعالى واصفا من استحق معية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ }(الفتح:29)

أما من السنة، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)([312])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) وشبك بين أصابعه([313])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه)([314]).

وقد ظهر في المجتمعات الإسلامية من يهتم بهذا الجانب، ويوليه العناية الخاصة، كما ظهر من يهتم بكل جانب من جوانب الدين ويختص فيه.

وقد أطلق على هؤلاء المهتمين بهذا الجانب لقب (الفتيان)، وأطلق على سلوكهم (الفتوة)، ولعل هذا الاصطلاح ناشئ من أن أكثر من يتخصص في هذا الجانب يكون من الفتيان والشباب([315])، كما نجد في وقتنا أكثر من ينتسب للكشافة من الشباب والأحداث.

وقد عرف ابن القيم (الفتوة) باعتبارها منزلا من منازل السائرين، فقال:(حقيقتها هي منزلة الإحسان إلى الناس، وكف الأذى عنهم، واحتمال أذاهم، فهي استعمال حسن الخلق معهم، فهي في الحقيقة نتيجة حسن الخلق واستعماله)([316])

وعرفها السبكي، فقال:(والفتوة من أعظم خصال الخير جامعة كمال المروءة وحسن الخلق والإيثار على النفس واحتمال الأذى وبذل الندى وطلاقة الوجه والقوة على ذلك، حتى تكون فتوته على ذلك فتوة الفتيان والصفح عن العثرات ويكون خصما لربه على نفسه وينصف من نفسه ولا ينتصف ولا ينازع فقيرا ولا غنيا ويستوي عنده المدح والذم والدعاء والطرد ولا يحتجب ولا يدخر ولا يعتذر ويظهر النعمة ويحقق المحبة سرا وعلنا فإذا قوي على ذلك فهو الفتى وإذا اجتمع قوم على ذلك وتعاهدوا عليه فنعم ما هو)([317])

وهي قريبة من المروءة، وإن كان (المروءة) أعم منها، لأنها ـ كما يعرفها ابن القيم ـ (استعمال ما يجمل ويزين مما هو مختص بالعبد أو متعد إلى غيره، وترك ما يدنس ويشين مما هو مختص أيضا به أو متعلق بغيره)([318])

و (الفتوة) بهذا الاسم لم يرد ذكرها في القرآن الكريم، ولا في السنة المطهرة، ولا حرج في ذلك، فكثير من المصطلحات حدثت في الأمة بعد عصر الرسالة، قال ابن القيم:(وهذه منزلة شريفة لم تعبر عنها الشريعة باسم الفتوة، بل عبرت عنها باسم مكارم الأخلاق..فاسم الفتى لا يشعر بمدح ولا ذم كاسم الشاب والحدث، ولذلك لم يجىء اسم الفتوة في القرآن ولا في السنة ولا في لسان السلف وإنما استعمله من بعدهم في مكارم الأخلاق.. وأصلها عندهم أن يكون العبد أبدا في أمر غيره)([319])

ولا ضير في كل هذا، لأن الشرع لا ينهى عما يتعارف عليه الناس من صيغ التعبير، وإنما ينهى عن إدخال ما ليس من الدين في الدين، ولعل هؤلاء اضطروا إلى هذا الاصطلاح، لعدم ورود ما يدل عليه منفصلا عن غيره، لأن مكارم الأخلاق شاملة، لا تختص بخدمة الغير فقط.

وقد ذكر ابن القيم أن أقدم من تكلم في الفتوة الإمام جعفر الصادق، ثم الفضيل بن عياض والإمام أحمد وسهل بن عبدالله والجنيد ثم الطائفة، فذكر عن الإمام جعفر الصادق أنه سئل عن الفتوة فقال للسائل:(ما تقول أنت؟) فقال:(إن أعطيت شكرت وإن منعت صبرت)، فقال:(الكلاب عندنا كذلك)، فقال السائل:(يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما الفتوة عندكم؟)، فقال:(إن أعطينا آثرنا، وإن منعنا شكرنا)

وقال الفضيل بن عياض:(الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان)، وقال الإمام أحمد، وقد سئل عن الفتوة:(ترك ما تهوى لما تخشى)، وسئل الجنيد عن الفتوة فقال:(لا تنافر فقيرا ولا تعارض غنيا)، وقال الحارث المحاسبي:(الفتوة أن تنصف ولا تنتصف)، وقال عمر بن عثمان المكي:(الفتوة حسن الخلق)

ويعبر الدقاق عن كمال الفتوة، فيقول:(هذا الخلق لا يكون كماله إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن كل أحد يقول يوم القيامة نفسي نفسي، وهو يقول أمتي أمتي)([320])

وعرف صاحب المنازل منبع الفتوة وأصلها، فقال:(أن لا تشهد لك فضلا، ولا ترى لك حقا)، وقد شرحه ابن القيم بقوله:(قلب الفتوة وإنسان عينها أن تفنى بشهادة نقصك وعيبك عن فضلك وتغيب بشهادة حقوق الخلق عليك عن شهادة حقوقك عليهم)([321])

والحكايات والقصص الورادة عن هؤلاء الفتيان تبرز ناحية مهمة، وهي التنافس على الأخلاق العالية النبيلة، ووجود التنافس على الخير في المجتمع يرفع المجتمع إلى آفاق عالية من التحضر، ولهذا مر المجتمع الإسلامي بفترات يكاد يعدم فيها الفقر لكثرة من يتنافس على الرحمة بالفقراء وخدمتهم.

ومن تلك الحكايات، وهي متعلقة بجانب من الفتوة، وهو التغافل عن عيوب الغير وأخطائهم، أن رجلا من الفتيان تزوج امرأة، فلما دخلت عليه رأى بها الجدري، فقال: اشتكيت عيني، ثم قال: عميت، فبعد عشرين سنة ماتت، ولم تعلم أنه بصير، فقيل له في ذلك، فقال:(كرهت أن يحزنها رؤيتي لما بها)، فقيل له:(سبقت الفتيان)

ومثل ذلك أن امرأة سألت حاتما عن مسألة، فاتفق أنه خرج منها صوت في تلك الحالة، فخجلت، فقال حاتم:(ارفعي صوتك)، فأوهمها أنه أصم، فسرت المرأة بذلك، وقالت:(إنه لم يسمع الصوت) فلقب بحاتم الأصم.

واستضاف رجل جماعة من الفتيان، فلما فرغوا من الطعام خرجت جارية تصب الماء على أيديهم، فانقبض واحد منهم، وقال:(ليس من الفتوة أن تصب النسوان الماء على أيدي الرجال) فقال آخر منهم:(أنا منذ سنين أدخل إلى هذه الدار، ولم أعلم أن امرأة تصب الماء على أيدينا أو رجلا)

وقدم جماعة فتيان لزيارة فتى، فقال الرجل:(يا غلام قدم السفرة)، فلم يقدم، فقالها ثانياوثالثا فلم يقدم، فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا:(ليس من الفتوة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه في تقديم السفرة كل هذا)، فقال الرجل:(لم أبطأت بالسفرة)، فقال الغلام:(كان عليها نمل، فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل، ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل وطردهم عن الزاد، فلبثت حتى دب النمل)، فقالوا:(يا غلام مثلك يخدم الفتيان)

قال ابن القيم:(ومن الفتوة التي لا تلحق ما يذكر أن رجلا نام من الحاج في المدينة، ففقد هميانا فيه ألف دينار، فقام فزعا فوجد جعفر بن محمد، فعلق به وقال:(أخذت همياني)، فقال:(أي شيء كان فيه؟)، قال:(ألف دينار)، فأدخله داره، ووزن له ألف دينار، ثم إن الرجل وجد هميانه، فجاء إلى جعفر معتذرا بالمال، فأبى أن يقبله منه، وقال:(شيء أخرجته من يدي لا أسترده أبدا)، فقال الرجل للناس:(من هذا؟)، فقالوا:(هذا جعفر بن محمد)([322])

انطلاقا من هذا، فإن النصوص الكثيرة تدل على أن هذا الأصل يقوم على ثلاثة أركان لا غنى لأحدها عن الآخر، هي: التكافل، والتناصح، والتناصر.

ووجه الحصر فيها: أن المؤمن إما أن يكون محتاجا، فيعان، أو جاهلا أو منحرفا، فيعلم وينصح، أومظلوما، فينصر.

وكل ما عدا هذه الثلاثة يدخل فيها بوجه من الوجوه، ولذلك سنتحدث عنها هنا باختصار مشيرين إلى اهتمام الشرع بها، أما كيفيات تنفيذها، فلها محالها الخاصة بها.

وقد يشير إلى هذه الأركان الثلاثة مجتمعة قوله تعالى: { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} (البلد:11 ـ 17)

فقوله تعالى: { فَكُّ رَقَبَةٍ } يشير إلى النصرة، لأن أعظم نصر للمؤمن لأخيه أن يفك رقبته من قيد من استعبده.

وقوله تعالى: { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } يشير إلى ركن التكافل الاجتماعي.

وقوله تعالى: { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} يشير إلى الركن الثالث، ركن التناصح بين المؤمنين.

وهذه بعض التفاصيل المرتبطة بهذه الأركان الثلاثة:

التكافل:

وهو إعانة المسلم لأخيه إعانة تخرجه من العوز إلى الغنى، ويشير إلى هذ من القرآن الكريم قوله تعالى: { وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9)

ففي هذه الآية إخبار عن الإيثار الذي تحلى به الأنصار لما قدم المهاجرون إليهم، بعد أن تركوا في بلادهم كل ما يلزم لنفقتهم، فوجدوا لهم إخوانا لهم اقتسموا معهم زادهم، بل آثروهم على أنفسهم.

وقد سبق ذكر الآية السابقة قوله تعالى: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحشر:8)، فأخبر بفضل المهاجرين الذي آثرهم الأنصار على أنفسهم ليبين أن ذلك الإيثار وتلك النفقات لم تذهب عبثا، بل وقعت في موقعها الصحيح، لأن الإنسان قد ينفق، ويؤثر ولكنه لا يسد خللا، لا يحقق مقصدا، لأنه رمى بنفقته في غير مواضعها، فعبثت بها الرياح.

وقد حفظت لنا كتب الحديث بعض ما فعله الأنصار مع المهاجرين، فعن أنَس قال: قال المهاجرون:(يا رسول اللّه ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم، أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم اللّه لهم)([323])

وظلوا هكذا حتى بعد أن فتح الله على المؤمنين، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا الأنصار أن يقطع لهم البحرين، فقالوا:(لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها)، قال:(إما لا، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثرة)([324])

بل روي أكثر من ذلك، فعن أبي هريرة قال: قالت الأنصار:(اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل)، فقال:(لا)، فقالوا:(أتكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة؟) قالوا:(سمعنا وأطعنا)([325])

بل روي أكثر من ذلك، فقد كان الأنصار من حرصهم على الحفاوة بإخوانهم المهاجرين أنه ما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة.

وكان المهاجرون في قمة الاستغناء، كما كان إخوانهم الأنصار فيقم البذل، فقد روي أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد لعبد الرحمن:(إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك، فسمِّها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها)، فقال عبد الرحمن:(بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟؟)

فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدُوَ..ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(مَهْيَمْ؟)، قال:(تزوجتُ)، قال:(كم سقتَ إليها)، قال:(نواة من ذهب!)([326])

ويعلق الشيخ محمد الغزالي على هذين الموقفين، فيقول:(وإعجاب المرء بسماحة سعد لا يعدله إلا إعجابه بنبل عبد الرحمن، هذا الذي زاحم اليهود في سوقهم، وبزَّهم في ميدانهم، واستطاع-بعد أيام-أن يكسب ما يعف به نفسه ويحصن به فرجه، إن علو الهمة من خلائق الإيمان؛ وقبح الله وجوه أقوام انتسبوا للإسلام فأكلوه، وأكلوا به حتى أضاعوا كرامة الحق في هذا العالم)([327])

وقد عبر القرآن الكريم عن هذا التكافل بصورة أخرى جميلة، فقال تعالى: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً} (الانسان:8 ـ 9)

ففي هاتين الكريمتين إخبار عن إيثار هؤلاء المحاويج من المؤمنين غيرهم بالطعام مع حبهم له وحاجتهم إليه، ثم هم لا يطلبون على ذلك جزاء ولا شكورا.

وهو موقف يشبه كثيرا موقف موسى u عندما سقى للفتاتين، ثم أوى إلى الظل من غير أن يشعر نفسه أو يشعر غيره أنه فعل شيئا، قال تعالى: { فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (القصص:24)

وهذه المواقف ـ في حقيقتها، وفي حقيقة الإسلام ـ ليست شيئا ثانويا مستحبا، وإنما هي واجب من واجب من واجبات الدين، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به)([328])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(أيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله)([329])

بل نص القرآن الكريم على هذا في مواضع مختلفة بصيغ مشددة تدل على أن الأمر ليس موكولا لرغبات الناس، وإنما هو واجب من واجبات الدين، فلا يصح أن يموت الناس جوعا في نفس الوقت الذي تمتلئ يه خزائن الكثيرين، ولو دفعوا الزكاة.

فالواجب هو إغناء المحتاجين بأدنى ما يجب إغناؤهم به، وما الزكاة إلا وسيلة لذلك، إن كفت فبها، وإن لم تكف وجب في أموال الجميع ما يكفيهم.

والقرآن الكريم يحض على هذا ويصرح به ويشير إليه، قال تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} (المدثر:38 ـ 48)

فقد اعتبر تعالى عدم إطعام المساكين من الجرائم التي تسبب الدخول في جهنم، بل تقرن هذه الجريمة بترك الصلاة، ثم تقدم على التكذيب بالدين، ثم يتوعدون بعدم نفع الشافعين فيهم.

بل لم يعف القرآن الكريم من هذا الواجب حتى العامة من الناس الذين لا يملكون ما يطعمون غيرهم، لأنه لم يأمر بالإطعام فقط، بل أمر بالحض على الإطعام، ليشمل هذا الأمر الجميع، قال تعالى: { كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً} (الفجر:17 ـ 20)

وقال تعالى وهو يذكر موقفا من مواقف القيامة الشديدة: { خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} (الحاقة:30 ـ 37)

بل نجد هذا في سورة كاملة تكاد تكون خاصة بهذا الجانب يعتبر من لا يحض على طعام المسكين مكذبا بالدين، قال تعالى: { أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ }(الماعون:1 ـ 7)

يقول سيد قطب في تقديمه لهذه السورة:(ولقد يقول الإنسان بلسانه:إنه مسلم وإنه مصدق بهذا الدين وقضاياه. وقد يصلي، وقد يؤدي شعائر أخرى غير الصلاة ولكن حقيقة الإيمان وحقيقة التصديق بالدين تظل بعيدة عنه ويظل بعيدا عنها، لأن لهذه الحقيقة علامات تدل على وجودها وتحققها. وما لم توجد هذه العلامات فلا إيمان ولا تصديق مهما قال اللسان، ومهما تعبد الإنسان. إن حقيقة الإيمان حين تستقر في القلب تتحرك من فورها لكي تحقق ذاتها في عمل صالح، فإذا لم تتخذ هذه الحركة فهذا دليل على عدم وجودها أصلا وهذا ما تقرره هذه السورة نصا)([330])

ويعلق على قوله تعالى: { فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ }، فيقول:(إنها تبدأ بهذا الاستفهام الذي يوجه كل من تتأتى منه الرؤية ليرى: أرأيت الذي يكذب بالدين؟ وينتظر من يسمع هذا الاستفهام ليرى إلى أين تتجه الإشارة وإلى من تتجه؟ ومن هو هذا الذي يكذب بالدين، والذي يقرر القرآن أنه يكذب بالدين.. وإذا الجواب: فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين)

فالقرآن الكريم يعرف الدين في هذه السورة تعريفا يختلف عما عهده الناس من تعاريف، فهو ينقل الدين من المعابد التي تصورها الناس إلى معابد جديدة غفلت عنها الديان، يقول سيد:(وقد تكون هذه مفاجأة بالقياس إلى تعريف الإيمان التقليدي.. ولكن هذا هو لباب الأمر وحقيقته.. إن الذي يكذب بالدين هو الذي يدفع اليتيم دفعا بعنف – أي الذي يهين اليتيم ويؤذيه. والذي لا يحض على طعام المسكين ولا يوصي برعايته. فلو صدق بالدين حقا، ولو استقرت حقيقة التصديق في قلبه ما كان ليدع اليتيم، وما كان ليقعد عن الحض على طعام المسكين. إن حقيقة التصديق بالدين ليست كلمة تقال باللسان ؛ إنما هي تحول في القلب يدفعه إلى الخير والبر بإخوانه في البشرية، المحتاجين إلى الرعاية والحماية. والله لا يريد من الناس كلمات. إنما يريد منهم معها أعمالا تصدقها، وإلا فهي هباء، لا وزن لها عنده ولا اعتبار)([331])

وقد ذكر الغزالي درجات المؤمنين في قيامهم بما يتطلبه هذا الركن من البذل، وهي ثلاث درجات:

الأولى: وهي أدناها أن تنزله منزلة عبدك أو خادمك فتقوم بحاجته من فضلة مالك، فإذا سنحت له حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة.

الثانية: أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك ونزوله منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال قال الحسن: كان أحدهم يشق إزاره بـينه وبـين أخيه.

الثالثة: وهي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدّم حاجته على حاجتك وهذه رتبة الصدّيقين ومنتهى درجات المتحابـين.

قال الغزالي تعقيبا على هذه الدرجات:(فإن لم تصادف نفسك في رتبة من هذه الرتب مع أخيك فاعلم أن عقد الأخوة لم ينعقد بعد في الباطن وإنما الجاري بـينكما مخالطة رسمية لا وقع لها في العقل والدين، فقد قال ميمون بن مهران: من رضي من الإِخوان بترك الإِفضال فليؤاخ أهل القبور)([332])

التناصر:

وهو نصرة المسلم لأخيه في مواقف الشدة والحاجة، لأن الأمن ركن أساسي في الحياة لا يقل عن ركن الغذاء، ولذلك جمع الله تعالى بينهما في قوله: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (النحل:112)، وقال تعالى في ذكر نعمه على قريش: { الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش:4)

لأن أسباب الهلاك لا تصيب الإنسان من جهة الجوع وحده، بل تصيبه أيضا من الأعداء الذين يتربصون به، بل إن هذا الجانب أكثر ضررا بالإنسان من جانب الجوع.

وقد أشار إلى هذا الركن قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (لأنفال:72)

ففي هذه الآية الكريمة حض على نصر المؤمنين بعضهم بعضا، فلا يصح أن ينعم المسلم بالأمن في الوقت الذي يصاب إخوانه بكل أنواع البلاء.

وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحض على رعاية هذا الركن:(المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، قيل: يا رسول الله! أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالما؟)، قال:(تمنعه من الظلم؛ فذلك نصرك إياه)([333])

ولأجل تحقيق هذا الركن شرع الشارع الجهاد في سبيل الله، قال تعالى في تبرير الأمر بالجهاد مع كونه إزهاقا للأرواح التي جاءت الشريعة لحفظها: { وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} (النساء:75)

وقد ورد هذا التبرير في مواضع مختلفة، وكلها تنطلق من أن الغرض من القتال في الإسلام ليس المقصود منه التوسع ولا الاستعمار والسيطرة، وإنما المقصد منه نصرة المستضعفين، قال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج:39)، وقال تعالى: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة:190)، وقال تعالى: { يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:217)

وتحقيق هذا الركن يستدعي بذل الجهد في تحصيل القوة بأنواعها المختلفة، كما قال تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} (لأنفال:60)، وقال ذاما من لم يعد للأمر عدته، واعتبه كاذا في دعواه: { وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} (التوبة:46)

وما ذكرناه هنا هو مظهر من مظاهر النصرة، لأن ما قد يتعرض له أي مسلم أعم من ذلك، وقد قال الغزالي يذكر نصرة المسلم أخاه في عرضه:(وأعظم من ذلك تأثيراً في جلب المحبة الذب عنه في غيبته مهما قصد بسوء أو تعرض لعرضه بكلام صريح أو تعريض فحق الأخوة التشمير في الحماية والنصرة وتبكيت المتعنت وتغليظ القول عليه، والسكوت عن ذلك موغر للصدر ومنفر للقلب وتقصير في حق الأخوة.. فأخسس بأخ يراك والكلاب تفترسك وتمزق لحومك وهو ساكت لا تحركه الشفقة والحمية للدفع عنك وتمزيق الأعراض أشد على النفوس من تمزيق اللحوم ولذلك شبهه الله تعالى بأكل لحوم الميتة فقال: { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} (الحجرات:12)) ([334])

وهذا الركن يستدعي ما سبق ذكره من تحمل القدرة على تحمل المشاق والصبر والعزيمة، وهي أركان أساسية في التربية لا غنى عنها.

التناصح:

وهو الركن الثالث من أركان خدمة المجتمع، وهو أساسي من حيث أن الإنسان ليس جسدا فقط يحتاج إلى غذاء قد يكفي أمره التكافل، أو حماية قد يكفي أمرها التناصر، ولكنه روح وعقل يحتاج إلى تعليم وتوجيه وتربية ونصح، وكل ذلك يستدعي وجود هذا الركن.

يقول الغزالي في بيان الحاجة إلى هذا الركن:(ومن ذلك التعليم والنصيحة فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال، فإن كنت غنياً بالعلم فعليك مؤاساته من فضلك وإرشاده إلى كل ما ينفعه في الدين والدنيا، فإن علمته وأرشدته ولم يعمل بمقتضى العلم فعليك النصيحة)([335])

وقال ذو النون:(لا تصحب مع الله إلا بالموافقة، ولا مع الخلق إلا بالمناصحة، ولا مع النفس إلا بالمخالفة، ولا مع الشيطان إلا بالعداوة)

وقد رد الغزالي على من اعتبر هذا سببا للوحشة بين المؤمنين، فقال:(اعلم أن الإِيحاش: إنما يحصل بذكر عيب يعلمه أخوك من نفسه فأما تنبـيهه على ما لا يعلمه فهو عين الشفقة وهو استمالة القلوب، أعني قلوب العقلاء، وأما الحمقى فلا يلتفت إليهم فإن من ينبهك على فعل مذموم تعاطيته أو صفة مذمومة اتصفت بها لتزكي نفسك عنها كان كمن ينبهك على حية أو عقرب تحت ذيلك وقد همت بإهلاكك، فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك والصفات الذميمة عقارب وحيات وهي في الآخرة مهلكات فإنها تلدغ القلوب والأرواح وألمها أشد مما يلدغ الظواهر والأجساد وهي مخلوقة من نار الله الموقدة)([336])

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الركن في قوله تعالى: { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} (البلد:17)، وقال تعالى: { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر:3)

وإلى هذا الركن الإشارة بقول لقمان u في وصيته لابنه: { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان:17)

وقد اعتبر القرآن الكريم هذا الركن خاصة من خصائص هذه الأمة، فقال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران:110)

واعتبر أداء هذا الركن من علامات المؤمنين الصادقين، فقال تعالى: { يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} (آل عمران:114)، وقال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:71)، وقال تعالى: { التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ_ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (التوبة:112)

بل اعتبره من صفات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الأساسية، قال تعالى: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (لأعراف:157)

واعتبره بعد ذلك من علامات صحة التمكين في الأرض، قال تعالى: { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (الحج:41)

وقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم هذا التناصح ركنا من أركان الدين، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(الدين النصيحة) ثلاثا، قلنا لمن؟ قال:(لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)([337])، فقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم الدين نصيحة، ثم عد من النصيحة النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم.

ولكن هذا الركن يحتاج آدابا كثيرة ليس هذا محل تفصيلها، ولعل أهمها ـ كما يذكر الغزالي ـ أن يكون ذلك في سر لا يطلع عليه أحد، لأن ما كان على الملأ فهو توبـيخ وفضيحة وما كان في السر فهو شفقة ونصيحة، قال الشافعي:(من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه)، وقيل لمسعر: أتحب من يخبرك بعيوبك؟ فقال: إن نصحني فيما بـيني وبـينه فنعم وإن قرّ عني بـين الملأ فلا.

قال الغزالي:(فالفرق بـين التوبـيخ والنصيحة بالإِسرار والإِعلان كما أن الفرق بـين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الإِغضاء. فإن أغضيت لسلامة دينك ولما ترى من إصلاح أخيك بالإِغضاء فأنت مدار وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن)([338])

وتحقيق هذا الركن في الواقع يحتاج إلى بذل الجهد لطلب العلم الصحيح ـ كما سنوضحه في البعد المعرفي ـ لأن هذا الركن يقوم أساسا على العلم.


([1])  رواه الدارقطني في الأفراد والضياء، وفي حديث آخر:( المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ) رواه أحمد والطبراني في الكبير.

([2])  رواه أبو داود وأحمد والحاكم في ( المستدرك)

([3]) في ظلال القرآن: 2508.

([4]) في ظلال القرآن: 2510.

([5]) في ظلال القرآن: 2510.

([6])  رواه مالك بإسناد جيد.

([7]) الآنك: هو الرصاص المذاب.

([8])  رواه البخاري.

([9]) في ظلال القرآن: 2510.

([10])  رواه مسلم.

([11])  رواه مسلم.

([12])  رواه مسلم .

([13]) أحكام القرآن: 3/376.

([14])  رواه أبو داود.

([15])  رواه الطبري.

([16])  رواه البخاري ومسلم.

([17])  رواه البخاري ومسلم.

([18]) وقد تعقب على هذا الاستدلال ابن عبدالبر بقوله:( ما قاله من هذا وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية التي نزع بها، والذي عليه جمهورهم في قوله: ﴿ ثَلاثَ مَرَّات ﴾ أي في ثلاث أوقات، ويدل على صحة هذا القول ذكره فيها ) مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ (النور:58)

([19])  رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([20])  رواه أبو داود والنسائي.

([21])  رواه أبو داود.

([22])  رواه مسلم.

([23]) في ظلال القرآن: 2508.

([24]) من أدب الإسلام ـ عبد الفتاح أبو غدة.

([25])  رواه البخاري في الأدب المفرد.

([26])  رواه أبو داود.

([27]) القرطبي: 12/219.

([28]) في ظلال القرآن: 2508.

([29])  رواه الطبري.

([30]) في ظلال القرآن: 2532.

([31]) القرطبي: 12/303.

([32])  رواه البخاري ومسلم.

([33])  رواه مالك.

([34])  رواه الطبراني.

([35]) الجصاص.

([36])  رواه الترمذي.

([37])  رواه أبو داود.

([38]) وقد يبذل ذلك الغير الإذن بالتصرف في ملكه، أو في حقه بادئ ذي بدء من غير استئذان، كأن يقول لأجيره: أذنت لك أن تأكل مما تصنعه من مأكولات دون أن تحمل منه شيئا، وعندئذ فلا حاجة للاستئذان لحصول مقصوده، وهو الإذن. وقد لا يبذل الإذن. وعندئذ، يجب على من أراد التصرف في ملك غيره استئذانه في ذلك التصرف.

([39])  رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([40])  رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([41])  رواه أبو داود والترمذي وصححه.

([42]) من الوجوه التي ذكرها ابن حجر للجمع بين الحديثين:

1. حمل الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي على ما إذا لم يعلم.

2. تخصيص الإذن بابن السبيل دون غيره، أو بالمطر أو بحال المجاعة مطلقا. انظر: فتح الباري: 5/89.

([43])  رواه أبو داود والنسائي.

([44])  رواه أبو داود.

([45])  رواه البخاري ومسلم.

([46])  رواه البخاري ومسلم.

([47])  رواه أحمد والترمذي وابن ماجة.

([48])  رواه البخاري ومسلم.

([49])  رواه مسلم.

([50])  رواه الدارمي والترمذي وقال: حديث صحيح.

([51])  رواه أبو داود عن علي.

([52])  رواه البخاري ومسلم.

([53])  رواه أبو داود.

([54])  رواه مالك.

([55])  رواه البخاري ومسلم.

([56]) رواه البخاري.

([57])  رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم .

([58])  رواه أبو داود وابن ماجة والبيهقي .

([59]) وقد نصوا على أن المصلي لا يلزمه رد السلام لفظا بعد الفراغ من الصلاة، بل يرد في نفسه في رواية عن أبي حنيفة. في رواية أخرى عنه أنه يرد بعد الفراغ، إلا أن أبا جعفر قال: تأويله إذا لم يعلم أنه في الصلاة. وعند محمد يرد بعد الفراغ، وعن أبي يوسف لا يرد، لا قبل الفراغ ولا بعده في نفسه.

([60]) واختار النووي أنه يسلم عليه، ويجب عليه الرد لفظا.

([61])  رواه البخاري ومسلم.

([62]) الفواكه الدواني: 2/323.

([63]) تكركر أي: تطحن.

([64])  رواه البخاري.

([65])  رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن.

([66])  رواه البخاري ومسلم.

([67]) رواه البخاري في الأدب المفرد.

([68])  رواه ابن عساكر.

([69])  رواه ابن ابي حاتم.

([70]) قال الخطابي: عامة المحدثين يروون هذا الحديث، فقولوا: وعليكم، بإثبات واو العطف، وكان ابن عيينة يرويه بغير واو. وهو الصواب، لأنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودا عليهم خاصة، وإذا أثبت الواو وقع الاشتراك معهم فيما قالوه؛ لأن الواو تجمع بين الشيئين. النهاية [2/427]

([71])  رواه ابن حبان.

([72])  رواه أبو داود والترمذي.

([73]) أحكام أهل الذمة:426.

([74]) واشتقاقه من الحياة كأنه يدعو له بالحياة.

([75]) اختلف العلماء في معنى السلام على قولين:

القول الأول: هو اسم من أسماء الله تعالى، فقوله السلام عليك، أي اسم السلام عليك، ومعناه اسم الله عليك أي أنت في حفظه كما يقال الله يصحبك والله معك، وهو نص أحمد في رواية أبي داود.

القول الثاني: السلام بمعنى السلامة أي السلامة ملازمة لك، وهو قول الجمهور، وهو الظاهر.

([76]) المدخل: 1/160.

([77]) المدخل: 1/160.

([78])  رواه عبد الله بن أحمد عن الحسن مرسلا.

([79])  رواه ابن ماجة،.

([80])  رواه ابن ماجه.

([81]) ابن كثير: 1/532.

([82])  رواه أحمد، والنسائي.

([83]) القرطبي: 5/303. ولم أجده في المراجع التي اعتمدت عليها في التخريج.

([84])  رواه أبو داود والنسائي.

([85]) واستدل كذلك بما روى أحمد عن حارثة بن النعمان قال: مررت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جبريل جالس في المقاعد فسلمت عليه ثم أجزت فلما رجعت وأبصرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هل رأيت الذي كان معي قلت نعم قال: فإنه جبريل وقد رد عليك السلام )، ولا دلالة فيه كذلك،لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبره بجواب جبريل u.

([86])  رواه مسلم.

([87])  رواه مسلم.

([88])  رواه الترمذي.

([89])  رواه البخاري.

([90]) المدخل: 2/139.

([91]) المدخل: 2/139.

([92])  رواه مسلم وغيره.

([93])  رواه أحمد وابن حبان في صحيحه.

([94]) يعنون جلسة الخطيب يوم الجمعة بين الخطبتين في قصرها وخفتها.

([95])  رواه البخاري ومسلم.

([96])  رواه البخاري ومسلم.

([97])  رواه أحمد والبخاري وأبو داود.

([98]) أي كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن إليهم لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه وإدخالهم الأذى عليه.

([99])  رواه مسلم.

([100]) إحياء علوم الدين:2/9.

([101])  رواه مسلم.

([102]) أي منزله ومكان سلطته.

([103]) التكرمة: الموضع الخاص لجلوس صاحب البيت من فراش أو سرير أو نحوهما.

([104])  رواه مسلم.

([105]) إحياء علوم الدين: 2/15.

([106]) إحياء علوم الدين: 2/10.

([107]) اختلف الفقهاء في حق الضيف: هل هو واجب أو مستحب على قولين:

القول الأول: أن الضيافة من مكارم الأخلاق، ومحاسن الدين، وليست واجبة، وهو قول الجمهور، ومن الأدلة على ذلك:

1.قوله صلى الله عليه وآله وسلم 🙁 من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة )، فلفظ (جائزته) المذكور في الحديث يدل على الاستحباب فإن الجائزة هي العطية والصلة التي أصلها على الندب، وقلما يُستعمل هذا اللفظ في الواجب.

2.الأحاديث القاضية بحرمة مال المسلم إلا بطيب نفسه.

3.الأحاديث الدالة على أن ليس في المال حق سوى الزكاة.

4.أما الأحاديث الواردة في حق الضيف، فقد قال الخطابي:(إنما كان يلزم ذلك في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم حيث لم يكن بيت مال، وأما اليوم فأرزاقهم في بيت المال، لا حق لهم في أموال المسلمين ) أو أن هذا كان في أول الإسلام، إذ كانت المواساة واجبة، فلما اتسع الإسلام نُسخِ ذلك.

القول الثاني: وجوب الضيافة، وأنها واجبة ليلة واحدة، وهو قول الليث بن سعد، وهو قول ابن حزم، قال:( الضيافة فرض على الحَضَري والبدوي والفقيه والجاهل، يوم وليلة مبرة وإتحاف، ثم ثلاثة أيام ضيافة، ولا مزيد، فإن زاد على ذلك فليس نراه لازمًا، وإن تمادى على قراه فحسن، فإن منع الضيافة الواجبة فله أخذها مغالبة، وكيف أمكنه، ويُقضى له بذلك )، وقد انتصر له الشوكاني، واستدل له بما يلي، زيادة على ما سبق من الأدلة:

1.إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك، وهذا لا يكون في غير واجب.

2.التأكيد البالغ بجعل ذلك فرع الإيمان بالله واليوم الآخر، ويفيد أن فعل خلافه فعل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ومعلوم أن فروع الإيمان مأمور بها. ثم تعليق ذلك بالإكرام وهو أخص من الضيافة، فهو دال على لزومها بالأولى.

3.قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( فما وراء ذلك فهو صدقة) فهو صريح أن ما قبل ذلك غير صدقة، بل واجب شرعًا.

4.قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( ليلة الضيف حق واجب) فهذا تصريح بالوجوب، لم يأت ما يدل على تأويله.

5.قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( فإن نصره حق على كل مسلم) فإن ظاهر هذا وجوب النصرة، وذلك فرع وجوب الضيافة.

([108])  رواه البخاري ومسلم.

([109])  رواه البخاري ومسلم.

([110])  رواه مسلم.

([111])  رواه البخاري واللفظ له، ومسلم وغيرهما.

([112])  رواه أحمد ورواته ثقات والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

([113])  رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

([114])  رواه البخاري ومسلم.

([115])  رواه أحمد والترمذي والضياء.

([116]) إحياء علوم الدين: 2/7.

([117])  رواه البخاري ومسلم.

([118])  رواه الدارقطني.

([119]) إحياء علوم الدين: 2/10.

([120]) إحياء علوم الدين: 2/10.

([121]) إحياء علوم الدين: 2/11.

([122])  رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.

([123])  رواه أبو داود والترمذي .

([124])  رواه مسلم.

([125])  رواه أبو بكر البزار.

([126])  رواه أبو داود.

([127])  رواه البخاري ومسلم.

([128])  رواه مسلم.

([129])  رواه مسلم.

([130]) المدخل: 1/199.

([131]) أحكام القرآن: 4/168.

([132])  رواه ابن ماجة والبزار وابن خزيمة، والطبراني في الكبير.

([133])  رواه أحمد وأبو داود كتاب والترمذي، وقال: حديث حسن.

([134])  رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن والترمذي والحاكم.

([135])  رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

([136])  رواه البيهقي.

([137])  رواه أبو داود بإسناد حسن.

([138])  رواه الترمذي وقال حديث حسن.

([139])  رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، والحاكم.

([140]) وقد روي ما يصور هذا من أحاديث الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ، فقد روي أنّ سليمان u بعث بعض عفاريته وبعث نفراً ينظرون ما يقول ويخبرونه، فأخبروه بأنه مرَّ في السوق فرفع رأسه إلى السماء ثم نظر إلى الناس وهز رأسه فسأله سليمان عن ذلك فقال: عجبت من الملائكة على رؤوس الناس ما أسرع ما يكتبون ومن الذين أسفل منهم ما أسرع ما يملون.

([141])  رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة.

([142]) إحياء علوم الدين: 3/111.

([143])  رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة.

([144])  رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب، وابن ماجه.

([145]) إحياء علوم الدين: 3/112.

([146]) إحياء علوم الدين: 3/112.

([147]) إحياء علوم الدين: 3/113.

([148]) إحياء علوم الدين: 3/113.

([149])  رواه أبو داود.

([150]) انظر: إحياء علوم الدين: 3/107 ـ 3/164.

([151]) إحياء علوم الدين: 3/115.

([152])  رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة.

([153])  رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والحاكم.

([154])  رواه أبو داود والضياء.

([155]) في ظلال القرآن: 3346.

([156])  رواه الترمذي وصححه.

([157])  رواه أبو داود.

([158])  رواه أبو داود.

([159]) أي ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة.

([160])  رواه أحمد وابن ماجة.

([161])  رواه البخاري ومسلم وبقية الجماعة.

([162]) القتات: النمام.

([163])  رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود.

([164])  رواه أحمد والبيهقي وأبو داود والترمذي.

([165])  رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

([166]) زاد المعاد: 1/731.

([167])  رواه مسلم.

([168])  رواه البيهقي .

([169])  رواه الحاكم والبيهقي.

([170])  رواه أحمد والبيهقي .

([171])  رواه أبو داود.

([172]) زاد المعاد: 2/353.

([173])  رواه البيهقي في الشعب وأحمد.

([174])  رواه أحمد وأبو داود والنسائي.

([175]) زاد المعاد: 1/731.

([176]) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم.

([177]) زاد المعاد: 1/731.

([178])  رواه البخاري ومسلم.

([179])  رواه مسلم .

([180]) زاد المعاد: 2/355.

([181])  رواه أحمد .

([182]) زاد المعاد: 2/357.

([183]) زاد المعاد: 2/357.

([184]) إحياء علوم الدين: 3/122.

([185]) إحياء علوم الدين: 3/122.

([186])  رواه أحمد والبيهقي وأبو داود والنسائي.

([187])  رواه ابن عساكر.

([188])  رواه البيهقي.

([189])  رواه عبد الرزاق في الجامع.

([190]) إحياء علوم الدين: 3/121.

([191]) في ظلال القرآن: 2709.

([192]) نقلا عن: المدخل: 2/79، وقريب منه في الحلية لأبي نعيم وعبد الرزاق.

([193]) المدخل: 2/79.

([194]) المدخل: 2/79.

([195]) المدخل: 2/79.

([196]) المبسوط: 27/9.

([197])  رواه ابن حبان .

([198])  رواه البخاري في الأدب المفرد باب إماطة الأذى رقم (228)

([199])  رواه الطبراني في الكبير.

([200])  رواه أحمد ومسلم .

([201])  رواه أحمد والخرائطي في مكارم الأخلاق.

([202]) رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

([203])  رواه ابن حبان .

([204]) يعنى الغائط والنجو النهاية [2/351]

([205])  رواه الطبراني في الأوسط والحاكم .

([206])  رواه أحمد.

([207])  رواه أحمد والبيهقي وأبو داود.

([208]) مشكل الآثار: 1/154.

([209])  رواه أحمد وأبو داود.

([210]) مشكل الآثار: 1/154.

([211]) صحح روايتها بعد بحثه في أسانيدها العلامة الجلالي في كتابه جهاد الإمام السجاد، ص269، وشرحها العلامة السيد حسن القبانجي باسم (شرح رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين)، وذكر شروحها وترجماتها صاحب الذريعة: 7/42 ومعجم المطبوعات النجفية/220، وموسوعة مؤلفي الإمامية: 1/233.

([212])  رواه البخاري في الأدب وأبو داود.

([213])  رواه الترمذي (راجع أحاديث الترمذي باب ما جاء في رحمة الصبيان كتاب البر رقم (1920، 1921، 1922)، وأحمد عن أبي أمامة (5/257)

([214])  رواه أحمد والترمذي والحاكم.

([215])  رواه أحمد والحاكم.

([216])  رواه ابن عدي والبيهقي والخرائطي في مكارم الأخلاق.

([217])  رواه ابن الضريس .

([218])  رواه البخاري ومسلم.

([219])  رواه البخاري:1/10.

([220]) انظر تفاصيل هذه الآداب وغيرها في: آداب العشرة وذكر والصحبة والأخوة، لأبي البركات الغزني.

([221]) قريب منه في: الطبراني في الكبير عن ابن عمر، والخرائطي في مكارم الأخلاق.

([222])  رواه مالك، وأحمد، ومسلم وأبو داود والترمذي .

([223]) ابن ماجة عن جودان (جودان غير منسوب ويقال ابن جودان سكن الكوفة مختلف في صحبته. تهذيب التهذيب (2/122).

([224]) سبق أن ذكرنا الخلاف في اعتبار هذا من قول لقمان u.

([225])  رواه الطبراني في الكبير.

([226])  رواه أصحاب السنن إلا الترمذي بسند صحيح.

([227])  رواه أحمد في المسند وابن ماجة – واللفظ له -.

([228])  رواه البخاري ومسلم.

([229])  رواه النسائي وأحمد والحاكم.

([230])  رواه أحمد بسند حسن.

([231]) استدل بعض المنحرفين بهذا الحديث على أن أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النار، وهذا من سوء الفهم للحديث، لأن الاستغفار لا يكون إلا لمكلف وأم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليست مكلفة حتى يستغفر لها، فقد كانت من أهل الفترة. ومن الوجوه التي ذكرها العلماء إجابة عن هذا الفهم المنحرف:

1) أن هذا الفهم يعارض معارضة صريحة قول الله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾(الاسراء:15) مع قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (سـبأ:44)

2) أن بكاءه صلى الله عليه وآله وسلم على أمه لا يدل على أنها من أهل النار بأي وجه من الوجوه بدليل أنه بكى على إبنه إبراهيم كما في الصحيحين إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم:( تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون )

3) إن الله تعالى أذن له بزيارة قبرها يدل على أنها مؤمنة وليست كافرة من أهل النار وإلا لتعارض صدر الحديث مع عجزه ناهيك أيضا أن الله تعالى قد نهاه أن يقوم على قبور الكفار والمنافقين بقوله تعالى: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (التوبة:84)

([232])  رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

([233])  رواه عبد بن حميد، وابن ماجة والطبراني في الكبير، والضياء.

([234])  رواه الطبراني في الكبير.

([235])  رواه عبد الرزاق في المصنف.

([236]) رواه البخاري ومسلم.

([237])  رواه البخاري.

([238])  رواه البخاري ومسلم.

([239]) إحياء علوم الدين: 3/72.

([240]) في ظلال القرآن: 3744.

([241])  رواه أحمد.

([242]) في ظلال القرآن: 1388.

([243]) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (لأنفال:65)، ثم قال في التخفيف: ﴿ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (لأنفال:66)

([244])  رواه ابن ماجه مرفوعا: بإسناد حسنه بعضهم قال الترمذي وفيه بعد، قال الحافظ:( وليس في رواية من ترك، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة ولا يمنع كون راويه ضعيفا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله، قال الشعراني:وهذا الحديث من الأربعة أحاديث التي عليها مدار الإسلام وقد نظمها بعضهم بقوله:

عمدة الدين عندنا كلمات أربع من كلام خير البرية

اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنيه

([245]) اختلف العلماء في النفي هنا، هل هو متوجه للإلحاف أم لأصل السؤال على قولين:

القول الأول: أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة، وهو قول جمهور المفسرين، وبهذا يكون التعفف صفة ثابتة لهم، أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح.

القول الثاني: إن المراد نفي الإلحاف، أي أنهم يسألون غير إلحاف، وهو قول بعض المفسرين منهم الطبري والزجاج، وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا.

ويدل لهذا القول الأخير قوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته ) رواه الجماعة.

([246])  رواه البخاري ومسلم.

([247])  رواه مسلم.

([248])  رواه مسلم.

([249])  رواه أحمد وأصحاب السنن.

([250])  رواه أحمد.

([251])  رواه قال مالك: والأوقية أربعون درهما.

([252])  رواه  مالك في الموطأ.

([253]) القرطبي: 3/343.

([254])  رواه الدارقطني.

([255])  رواه أبو داود.

([256])  رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.

([257])  رواه الحاكم.

([258])  رواه الطبراني.

([259])  رواه أبو داود وغيره.

([260]) وقد أنكر أبو الفرج الجوزي هذا التصرف غاية الإنكار، فقال: سكوت هذا الرجل في هذا المقام على التوكل بزعمه إعانة على نفسه، وذلك لا يحل؛ ولو فهم معنى التوكل لعلم أنه لا ينافي استغاثته في تلك الحالة؛ كما لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التوكل بإخفائه الخروج من مكة، واستئجاره دليلا، واستكتامه ذلك الأمر، واستتاره في الغار، وقوله لسراقة: (اخف عنا). فالتوكل الممدوح لا ينال بفعل محظور؛ وسكوت هذا الواقع في البئر محظور عليه. انظر: تلبيس إبليس، نقلا عن: القرطبي: 9/308.

([261]) القرطبي: 9/308.

([262]) المدقع هو الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء يعني الأرض التي لا نبات بها.

([263]) الغرم هو الذي يلزم صاحبه أداؤه يتكلف فيه لا في مقابلة عوض.

([264]) المفظع هو الشديد الشنيع.

([265]) هو الذي يتحمل عن قريبه أو حميمه أو نسيبه دية إذا قتل نفسا ليدفعها إلى أولياء المقتول. ولو لم يفعل قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله.

([266])  رواه أبو داود والترمذي.

([267]) القرطبي: 19/55.

([268])  رواه الحاكم.

([269])  رواه الطبراني في الكبير.

([270]) وهو من رواية محمد بن سماعة عن محمد بن الحسن ،قال السرخسي في التنويه بكتاب الكسب وفضله:( وفيه من العلوم ما لا يسع جهلها، ولا التخلف عن عملها، ولو لم يكن فيها إلا حث المفلسين على مشاركة المكتسبين في الكسب لأنفسهم والتناول من كد يدهم لكان يحق على كل واحد إظهار هذا النوع من العلماء) انظر: كتاب الكسب: 32

([271]) الكسب: 32.

([272]) الكسب: 37.

([273]) وقد ذكر من أدلتهم:

1.أنا أمرنا بالتوكل، فما يتضمن نفي ما أمرنا به من التوكل يكون حراما، واستدلوا لذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:( لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقتم، كما يرزق الطير يغدو خماصا ويروح بطانا )، وقوله تعالى: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذريات:22)، وفي هذا حث على ترك الاشتغال بالكسب وبيان أن ما قدر له من الموعود يأتيه لا محالة.

2.قوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (طـه:132)، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالمراد أمته، فقد أمروا بالصبر والصلاة وترك الاشتغال بالكسب لطلب الرزق لقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذريات:56)، وفي الاشتغال بالكسب ترك ما خلق المرء لأجله وأمر به من عبادة ربه.

3.ما رووه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الكذب الموضوع:( ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من المتاجرين، وإنما أوحي إلي ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (الحجر:98)

4.أن ما في القرآن من ذكر البيع والشراء في بعض الآيات ليس المراد به التصرف في المال والكسب بل المراد تجارة العبد مع ربه تعالى ببذل النفس في طاعته والاشتغال بعبادته فذلك يسمى تجارة.

5.أن الصحابة لم يشتغلوا بالكسب فالقول مع أصحاب الصفة م كانوا يلزمون المسجد فلا يشتغلون بالكسب ومدحوا على ذلك، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من أعلى الصحابة لم يشتغلوا بالكسب وهم الأئمة السادة والقدوة القادة.

([274]) الفسيل: صغار النخل وهي الودي والجمع فسلان مثل رغيف ورغفان الواحدة فسيلة وهي التي تقطع من الأم أو تقلع من الأرض فتغرس. المصباح 2/647.

([275])  رواه أحمد وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب وابن منيع.

([276])  رواه الطبراني في الكبير.

([277])  رواه أحمد والترمذي وابن حبان، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

([278])  رواه أحمد والترمذي.

([279])  رواه أحمد.

([280]) ولا يرزؤه: أي لا ينقصه ويأخذ منه.

([281])  رواه مسلم.

([282]) إحياء علوم الدين:3/73.

([283]) إحياء علوم الدين:3/74.

([284]) إحياء علوم الدين:3/74.

([285]) إحياء علوم الدين:3/74.

([286]) تحفة المودود: 241.

([287]) وهو قول قتادة والحسن، قال ابن مسعود: كنا نقول في الجاهلية للحي إذا كثروا: أمر أمر بني فلان؛ قال لبيد:

كل بني حرة مصيرهم     قل وإن أكثرت من العدد

إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا   يوما يصيروا للهلك والنكد

وفي حديث هرقل الحديث الصحيح:( لقد أمِر أمْرُ ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر ) أي كثر.

 وقد أنكر هذ التفسير الكسائي وقال: لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد.

([288])  رواه مسلم.

([289])  رواه البخاري ومسلم.

([290])  رواه البخاري ومسلم.

([291]) رواه مسلم.

([292])  رواه التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح.

([293])  رواه البخاري ومسلم.

([294])  رواه البخاري ومسلم.

([295]) رديء التمر.

([296])  رواه مُسلِمٌ.

([297])  رواه البُخَارِيُّ.

([298]) أي شيء من شعير. كذا فسره الترمذي.

([299])  رواه البخاري ومسلم.

([300])  رواه البخاري ومسلم.

([301])  رواه البخاري ومسلم.

([302])  رواه التِّرمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح.

([303])  رواه البخاري ومسلم.

([304])  رواه مُسلِمٌ.

([305])  رواه مُسلِمٌ.

([306]) أي عن جانبيه.

([307]) الصغير الأذن.

([308])  رواه البُخَارِيُّ.

([309])  رواه التِّرمِذِيُّ وقال: حديث صحيح.

([310])  رواه مُسلِمٌ.

([311]) في ظلال القرآن: 2686.

([312])  رواه البخاري ومسلم.

([313])  رواه البخاري ومسلم.

([314]) رواه مسلم.

([315]) اتفق المتحدثون على الفتوة على أن أصلها من الفتى، وهو الشاب الحديث السن، قال الله تعالى عن أهل الكهف: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ (الكهف:13)، وقال عن قوم إبراهيم u إنهم قالوا: ﴿ سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (الانبياء:60)، وقال تعالى عن يوسف u: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ (يوسف:36)، وقال: ﴿ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ (يوسف:62)

([316]) مدارج السالكين:2/340.

([317]) فتاوى السبكي: 2/548.

([318]) مدارج السالكين:2/340.

([319]) مدارج السالكين:2/340.

([320]) مدارج السالكين:2/342.

([321]) مدارج السالكين:2/343.

([322]) مدارج السالكين:2/343.

([323])  رواه أحمد.

([324])  رواه البخاري.

([325])  رواه البخاري.

([326])  رواه البخاري.

([327]) فقه السيرة.

([328])  رواه البزار، والطبراني في الكبير.

([329])  رواه مسلم.

([330]) في ظلال القرآن:3985.

([331]) في ظلال القرآن:3985.

([332]) إحياء علوم الدين: 2/256.

([333])  رواه البخاري وأحمد.

([334]) إحياء علوم الدين: 2/181.

([335]) إحياء علوم الدين: 2/182.

([336]) إحياء علوم الدين: 2/183.

([337])  رواه مسلم.

([338]) إحياء علوم الدين: 2/182.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *