الفصل الرابع: أسس بناء المجتمع

الفصل الرابع

أسس بناء المجتمع

نتناول في هذا الفصل الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم ـ كما يتصوره الغزالي ـ وهي أربعة أسس كبرى، هي:

  1. الإيمان.
  2. العلم.
  3. التزكية.
  4. الروابط الاجتماعية.

وقد خصصنا كل أساس منها بمبحث من المباحث.

أولا ـ الإيمان

يرى الغزالي أن الإيمان هو المقصود الأول لكل إصلاح نفسي أو اجتماعي، لأن كل السلوكيات النفسية أو الاجتماعية ناشئة عن تصورات عقدية، فلهذا كان البحث في الإيمان والسبيل إلى تحققه بأكمل درجاته هدفا مقصودا له منذ شبابه الأول عندما تعرض لمرحلة الشك، ثم بعد ذلك عندما حاول أن ينقل تجربته في البحث عن الإيمان إلى غيره.

وقد جلبت عليه طروحاته الجديدة، والتي تعرض فيها لنقد بعض الطوائف الباحثة في العقائد الكثير من النقد الناتج في أكثر الأحيان عن سوء فهم لمواقفه وآرائه، واعتباره بالتالي متناقضا، ومن أهم تلك الطوائف (المتكلمين من الأشاعرة)، وسنحاول في هذا المبحث أن نكشف موقفه الحقيقي من علم الكلام، ثم نبين عرضه التجديدي للعقيدة، ونختم ذلك ببيان موقفه من ظاهرة التكفير، والتي انتشرت، وبحدة، في عصره، سواء بين المتكلمين أو غيرهم من الطوائف.

1 ـ موقف الغزالي من منهج المتكلمين في عرض العقيدة:

يحرص الغزالي عند بيانه لموقفه من علم الكلام ومن المتكلمين أن يبين الدور الحقيقي المناط بعلم الكلام، وكونه علما محمودا أو فرض كفاية بسببه، ثم علاقة تلك المباحث الكلامية بالإيمان.

وهو يرى لذلك أن الغرض الأصلي من علم الكلام هو (حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش البدعة)([1])، ويرى المتكلمين حراسا لتلك العقيدة من شبهات المبتدعة مشبها إياهم بالحرس المستأجرين لحماية الحجاج من قطاع الطرق، فلو ترك قطاع الطرق اعتداءاتهم لم يكن لاستئجارهم معنى، (فلذلك لو ترك المبتدع هذيانه لما افتقر إلى الزيادة على ما عود في عصر الصحابة)([2])

ولهذا، فإن المتكلمين في رأي الغزالي قد قاموا بما وجب عليهم، وانتدبوا له من نصرة العقيدة وحمايتها من الشبهات الحادثة، (فأحسنوا الذب عن السنة والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة والتغيير في وجه ما حدث من البدع)([3])، ويرى كذلك ضرورة وجودهم الدائم في المجتمع الإسلامي كحراس للعقيدة من كل شبهة طارئة أو بدعة حادثة.

وقد مارس الغزالي نفسه هذه الوظيفة، واكتسب بسببها صفة المتكلم الأشعري، فإنه في منهجه العقدي العام (لم يخرج قط عن المخطط الإسلامي، وبخاصة الاتجاه السني الأشعري، ولم يكن هناك أي تناقض صريح فيما تتضمنه كتبه سواء كانت للعامة أو للخاصة)([4])

ومع ذلك فالغزالي يدعو إلى تطوير علم الكلام ليتناسب مع عصره أو مع العصور التي تليه، وليؤدي الدور الحقيقي المتعلق به، فقد انشغل الكثير من المتأخرين بحكاية أقوال السابقين، وأدخلوا في علم الكلام ما ليس من غرضه، وأوجبوه على العامة، وحكموا بالتفكير والتضليل بناء على ذلك، والغزالي ينتقد كل ذلك، ولعل أهم الملامح العامة لدعوة الغزالي التطويرية لعلم الكلام هي:

أ ـ التفريق بين المقاصد والغايات في علم الكلام:

فالإيمان هو المقصد الأول، وما علم الكلام إلا منهج من مناهجه وظيفته حماية الإيمان من تشويشات المبتدعة وشبهاتهم، يقول الغزالي عن علم الكلام بعدما طلب البحث فيه عن الحقيقة: (فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودي)([5])

ولهذا، فإن له حكم الوسيلة من حيث الحاجة إليها، لذلك ينتقد الغزالي الطريقة التعميمية في عرض مسائل العقيدة بالمناهج الكلامية لما تثيره من شبهات وتشكيكات، ويرى أن يقتصر في البلاد التي تقل فيها البدعة، ولا تختلف فيها المذاهب على العقائد المعروفة دون التعرض للأدلة إلى أن تقع الشبهة، وحينذاك تذكر الأدلة بقدر الحاجة.

فإن كانت البدعة شائعة، وخيف على العوام ان يخدعوا بها، فلا بأس من عرض الأدلة وتعميم العلم بها بحسب الحاجة إلى ذلك([6])، اما في غير تلك المواضع فإن الغزالي يرى حرمة خوض العوام في علم الكلام وإلجامهم عنه إلا لأحد شخصين:

1 ـ رجل وقعت له شبهة لا يمكن إزالتها عنه بكلام وعظي، وعلم أن القول الكلامي المرتب يرفع شبهته ويداويها.

2 ـ شخص كامل العقل راسخ القدم في الدين ثابت الإيمان يريد تحصيله ليداوي به مريضا إذا وقعت له شبهة، أو يفحم به مبتدعا، أو يحرس معتقده إذا أراد المبتدع إغواءه([7])، وهو يرى لذلك حرمة التصدي لتعلمه بتفاصيله كفرض كفائي إلا لمن توفرت فيه الأهلية لذلك، الغزالي يحصرها في ثلاث خصال:

  1. التجرد للعلم والحرص عليه، لأن المحترف تمنعه أشعاله عن مواصلة التعلم وإزالة الشكوك إذا عرضت.
  2. الذكاء، لأن البليد لا ينتفع بفهمه ولا حججه، فيخاف عليه من ضرر الكلام في نفس الوقت الذي لا يرجى نفعه.
  3. أن يكون في طبعه الصلاح والتقوى، لأن الفاسق يرتد عن الدين لأدنى شبهة([8]).

وهو لهذا التحديد الوظيفي لعلم الكلام يرى ان المرتبة الإيمانية للمتكلمين لا تختلف عن مراتب العوام، ولهذا ينصح المتكلم بقوله:(فليعلم المتكلم حده ممن الدين، وأن موقعه منه موقع الحارس في طريق الحج، فإذا تجرد الحارس للحراسة لم يكن من جملة الحاج، والمتكلم إذا تجرد للمناظرة والمدافعة، ولم يسلك طريق الآخرة لم يكن من جملة علماء الدين أصلا)

ثم يعقب على ذلك بقوله:(وليس عند المتكل من الدين إلا العقيدة التي شاركه فيها سائر العوام، وإنما يتميز عن العامي بسرعة المجادلة والحراسة)([9])

ب ـ تطوير المنهج البرهاني لعلم الكلام:

يرى الغزالي أن معظم الحجج التي اعتمد عليها المتكلمون ترجع إلى مقدمات تسلموها من خصومهم تستند إلى مجرد النقل أو التقليد، دون أن تعتمد على ضروريات واضحة، وهم في مناقشاتهم لخصومهم يعتمدون على استخراج مناقضاتهم ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم، وهذا المنهج قد يؤثر في إبطال أقوال الخصوم وقمع البدعة لكنه غير كاف في إظهار الحق والبرهنة عل صحته، وخاصة في حق من لا يسلم بغير الضروريات([10]).

ومع تحديد الغزالي لوظيفة علم الكلام باعتباره وسيلة تعتمد حجج كل بيئة توجد فيها، ولو كانت حججا خطابية جدلية إلا أنه يرى ضرورة البحث العقلي للتوصل إلى حراسة المعتقدات بأدلة منطقية ضرورية تصلح لكل بيئة ويسلم لها كل الناس.

ومع هذا فإن الغزالي نفسه عند مناقضاته للخصوم، وخاصة الفلاسفة، اعتمد على مسلماتهم، وحاربهم بمنطقهم وألزمهم بأقوالهم، ولعل في ذلك إشارة إلى صعوبة التوصل إلى أدلة ضرورية تتفق عليها كل العقول وتنتفي بها كل الشبهات.

وقد حاول المتأخرون من المتكلمين، كما يذكر الغزالي، البحث عن حقائق الأمور، وخاضوا في البحث في الجواهر والأعراض وأحكامها، ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحو كلية ظلمات الحيرة باختلافات الخلق([11]).

ومع هذه الدعوة والقصور عن الوفاء بها في نفس الوقت، تلميح إلى ضرورة الاجتهاد الدائم في هذا العلم، ونهي عن التقليد، أو تحويل علم الكلام عن غرضه الأصلي، الذي هو البحث الدائب عن الأدلة لنصرة العقيدة إلى التعصب للآراء والتمذهب بها، وكأنها مقصودة لذاتها.

ج ـ توسيع ميادين علم الكلام:

بما أن مقصد علم الكلام هو حراسة العقيدة من تشويشات المبتدعة وشبهاتهم، فإن الغزالي يرى وجوب تصدية لكل شبهة عارضة، وعدم حصره في الرد على المعتزلة، أو بعض الفرق الإسلامية كما هو حاصل في عصره، لأن آراء المعتزلة، وإن كانت سببا في نشوئه كعلم شرعي إلا أن الشبهات العقدية لا تتوقف عندهم، فهناك الفلسفات المضللة والأديان المحرفة والشبهات التي تنتشر بين العامة داعية إلى التكاسل عن الطاعات وغيرها، وكل ذلك يحتاج إلى نصرة.

ولهذا فإن الغزالي يوسع علم الكلام ليشمل نصرة العقيدة والشريعة معا ضد كل الفرق المنحرفة والأديان المضللة والشبهات العامة، ونجد هذه النصرة صريحة في كل كتبة، ولهذا لا غرابة في وضف جميع كتبة بـ (الكلامية) ما دام هدفها هو النصرة، فرده على الفلاسفة كان ردا كلاميا عقليا دعاه إليه ما رآه من إهمال الكثير من الواجبات الشرعية، والتذرع بطلب الحكمة والفلسفة، وكذلك في رده على الباطنية أو مبتدعي الصوفية أو بتفنيده لألوهية المسيح وبيانه لتحريف الإنجيل او رده على الشبهات التي يعتمد عليها المغترون.

وفي هذا التوسيع دعوة ثانية من الغزالي للمتكلمين إلى الخروج من القوالب التي وضعها أسلافهم، والنهوض بهذا العم لأداء غرضه الأصلي الشرعي.

2 ـ تجديد الغزالي في عرض العقيدة:

لا يعني التجديد في الفكر الإسلامي شيئا غير العودة للأصول وتطبيقها في الواقع تطبيقا يلائم العصر ويراعي الحاجات، وقد كان تجديد الغزالي في الميدان العقدي يتمثل هذا المعنى، فهو يدعو إلى العودة إلى (الإيمان) بمفهومه الحقيقي الواسع، بعد أن تحور معناه إلى (صناعة الكلام، ومعرفة طريق المجادلة والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم والقدرة على التشدق فيها بتكثير الأسئلة، وإثارة الشبهات وتأليف الإلزامات)([12])، وحقيقة الإيمان التي يدعو الغزالي إل عرضها والتحقق بها ترتكز على دعامتين:

أ ـ العلم:

وهو العلم بالعقائد والتسليم لها، وبما أن كل علم يتطلب موضوعا ومسائل يتعلق بها،والتسليم يقتضي براهين وحججا تؤيده، فإن العلم الإيماني عند الغزالي يستلزم كلا الجانبين:

البراهين العقدية:

يحاول الغزالي عند حديثه عن البراهين الإيمانية أن ينقل آثار تجربته الشكية حيث أنجاه الله منها (ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر)([13])

فالإيمان إذن هبة ربانية، لا يعلم على وجه التحديد سببها (ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المجردة والتقسيمات المرتبة فقد أبدع جد الإبداع، بل الإيمان نور يقذفه الله في قلوب عبيده عطية وهدية من عنده)([14])

ثم يرد ساخرا عل منهج المغالين من المتكلمين قائلا: (فليت شعري متى نقل عن رسول الله a أو عن الصحابة إحضار أعرابي أسلم، وقوله له:(الدليل على أن العالم حادث أنه لا يخلو من الحوادث والأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث حادث، وأن الله تعالى عالم بعلم، وقادر بقدرة زائدة عن الذات، لا هي هو ولا هي غيره)([15])

ولذلك، فإنه يضع منهجا آخر في التصديق بدل ذلك، وقد أشار إلى هذا المنهج البارون كارادوفو بقوله: (لم يقم الغزالي مذهبا في علم الكلام بحصر المعنى، وإنما أتى بما هو أعظم من هذا، وهو أنه أحدث روحا، وجدد مذهبا، فهو قد طرد المناقشات غير الجدية وأبعد الفضول الدقيق والزهو العقلي، وأوجب تغلب روح الإيمان)([16])، وروح الإيمان تستدعي التسليم والإذعان ببساطة دون غلو في إعمال العقل أو إهماله.

ولعل ما دعا الغزالي إلى هذا الحكم هو ما شهده من عقيدة أهل الصلاح من العوام مقارنة بعقيدة المتكلمين والمجادلين، (فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ وعقيدة المتلكم الخارس اعتقاده بتقسيمات الجدل كخييط مرسل في الهواء تفيئه الريح مرة هكذا ومرة هكذا)([17])

وبذلك، فإن الطريق الذي يرسمه الغزالي للتصديق هو أن يثبت الاعتقاد في نفس العامي، بل في نفوس الصبية حتى تترسخ، وطريق ذلك أن يشتغل بوظائف العبادات، (فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخا بما يقرع سمعه من أدلة القرآن وحججه، وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها، وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها، فيكون أول التلقين كإلقاء البذر في الصدر، وتكون هذه الأسباب كالسقي والتربية له)([18])، وبعد هذا ينبغي حراسته عن الجدل والكلام، لأن ما يشوشه الجدل أكثر مما يمهده، وما يفسده أكثر مما يصلحه.

المسائل العقدية:

يرى الغزالي أن هذه المسائل محدودة بما جاءت به النصوص الشرعية، ويرى ان أقل ما ينبغي اعتقاده هو ما يترجمه قول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فإذا صدق رسول الله a فعليه أن يصدقه في صفات الله تعالى (وليس عليه البحث عن حقيقة هذه الصفات، وأن الكلام والعلم وغيرهما قديم أو حادث، بل لو لم تخطر هذه المسألة عليه حتى مات مات مؤمنا… ولم يكلف رسول الله a أكثر من ذلك)([19])

وقد وضع الغزالي رسالة في العقيدة موجهة للصبيان والعامة بغرض حفظها، وهي تجمع بأسلوب متين جميع ما يطلب اعتقاده مستندا إلى النصوص الشرعية في ذلك، وقد سماها (الرسالة القدسية)([20])، ثم وضع رسالة أخرى مكملة لها كاشفة عن براهينها سماها(لوامع الأدلة)، وكلتا الرسالتين تجمعان ما اتفقت عليه الأمة من العقائد، وتغني عن الكتب المطولة في ذلك.

وكما أن منهج البراهين العقدية تعرض لغلو بعض المتكلمين، فكذلك بعض مسائل العقيدة تعرضت لشبهات (الكرامية)([21])و (المشبهة)([22]) وغيرهم، فاحتاجت إلى من يقي المجتمع الإسلامي أخطار شبهها، وبما أن كل تلك الطوائف كان تعرضها للإيمان بالله بالدرجة الأولى نتيجة سوء فهم للألوهية ساعد عليه ما تشابه من النصوص، فإن الغزالي قد ناصر، وخاصة بالنسبة للعامة، المنهج الأسلم لذلك، وهو منهج السلف من الصحابة والتابعين، ولهذا لم يقف منها موقف التأويل أو التعطيل بل دعا إلى معاملتها بسبع وظائف هي:

  1. التقديس: وهو تنزيه الله تعالى عن الجسمية وتوابعها من صفات الحوادث.
  2. التصديق: وهو الإيمان بأن ما ورد من النصوص حق، وأنه أريد بها معنى يليق بجلال الله وعظمته.
  3. الاعتراف بالعجز عن معرفة حقيقتها.
  4. السكوت عن السؤال عن معناه، لأن كل ذلك بدعة، كما نص عليه الإمام مالك.
  5. الإمساك عن التصرف في ألفاظها بالتصريف والتبديل للغة أخرى والزيادة فيها والنقصان منها والجمع والتفريق…بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الإيراد والإعراب والصيغة.
  6. كف الباطن عن البحث عنها والتفكير فيها.
  7. التسليم لأهلها ممن يعلمون ما تشابه منه من الأنبياء والراسخين في العلم([23]).

ب ـ التحقق الذوقي:

يعبر الغزالي عن هذا الركن من الإيمان باليقين، معتبرا إياه رأس مال الدين، هو لا يقصده منه ما يقصده المتكلمون من التصديق الجازم بالشيء، والذي ينفي عنه الظن أو الشك أو الوهم، فإن ذلك لا يحتل إلا حيزا بسيطا من الإنسان هو حيز الذهن المصدق، أما اليقين الحقيقي، فهو غلبة التصديق على القلب، حتى يصير هو المتحكم والتصرف في النفس بالإجازة والمنع ([24]).

وهذا الإيمان هو الينبوع الذي تفيض منه كل الخيرات، ويضرب الغزالي لذلك مثلا بتوحيد الأفعال، فالعقل بعد أن يطمئن إلى حقيقة توحيد الأفعال مصدقا بذلك مدعما له يكون قد دخل حيز الإيمان، ونال المرتبة الأولى منه، ولكنه إذا نقل ذلك اليقين العقلي إلى نفسه وقلبه وحواسه جميعا، فصار (يرى الأشياء كلها من مسبب الأسباب، فلا يلتفت إلى الوسائط، بل يرى الوسائط مسخرة لا حكم لها، فإنه ينتقل إلى مرتبة اليقين)([25])

والإيمان بالمعنى الأول ـ الذي هو مجرد التصديق بالتوحيد ـ معتبر، وينفع صاحبه، ولكنه لا يؤثر في سلوكه ولا في حياته، ولا في نيله للدرجات العليا في الآخرة، وأما بالمعنى الثاني، فإنه كما يقول الغزالي:(مهما تحقق أن الشمس والنجوم والجمادات والنباتات مسخرات بأمره، وأن القدرة الأزلية هي المصدر للكل استولى على قلبه غلبة التوكل والرضى والتسليم، وصار موقنا بريئا من الغضب والحقد والحسد وسوء الخلق)([26])

وهذا أثر من آثار نوع واحد من أنواع التوحيد، وهو توحيد الأفعال، ولكل صفة من صفات الله تعالى أو اسم من أسمائه أثره الخاص به، والذي لا يمكن للإنسان الحصول عليه إذا لم يستول على قلبه معنى ذلك الاسم أو تلك الصفة، وهو معنى الإحصاء الذي ورد في قوله a: (إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة)([27])

وليس الإحصاء أن يسمع لفظها أو يفهم في اللغة تفسيرها، أو يعتقد وجودها، فإن سماع اللفظ لا يستدعي إلا سلامة السمع، وأما فهم وضعها اللغوي، فلا يستدعي إلا المعرفة بالعربية، وأما اعتقاد ثبوت معناها لله تعالى فلا يستدعي إلا فهم معاني هذه الألفاظ والتصديق بها، بل إن الإحصاء ـ كما يشرحه الغزالي ـ هو أن ينال المؤمن ثلاثة حظوظ من معاني أسماء الله الحسنى:

  1. معرفة معاني تلك الأسماء معرفة كشفية شهودية، ولفظا (المكاشفة والمشاهدة) اللذان يكثر الغزالي من استعمالهما في كتبه لا يريد بهما الرؤية البصرية والحسية، وإنما هما استعارة لغلبة اليقين على البصيرة الباطنة التي هي أقوى من البصر الحسي([28]).
  2. استعظام ما ينكشف له من صفات الجلال على وجه يشوقه إلى الاتصاف بما يمكن من تلك الصفات، ليؤهله ذلك إلى التقرب من الله تعالى، فالمعرفة ـ كما يرى الغزالي ـ بذر الشوق([29]).
  3. السعي إلى اكتساب الممكن من تلك الصفات والتخلق بها، والتحلي بمحاسنها، وبذلك يصير العبد (ربانيا) متحققا بالقرب من ربه تعالى.

وهذا وصف جيد لطريق التحقق بالاعتقاد الذي ينطلق من المكاشفة، وينتهي بالتخلق، وهو النتيجة الطبيعية للمعرفة، وبذلك فإن التخلق الناتج عن المعرفة أكمل وأدوم بخلاف التخلق الناتج عن الرياضات والمجاهدات.

والغزالي يحبذ هذا الطريق ويدعو له، وفي نفس الوقت يدعو إلى رياضة النفس في حالة جموحها، لأن صفاءها الممكن شرط أولي للتحقق بالمعرفة.

ولأجل بيان كيفية إحصاء كل اسم من الأسماء ألف الغزالي كتابه (المقصد الأسنى في شرح اسماء الله الحسنى)، وهو كتاب فريد في بابه تكلم فيه كلام الذائق المشاهد الذي عاش الإيمان، واستولى على قلبه، لا كلام من غلبت عليه صناعة المتكلمين وتدقيقاتهم.

3 ـ موقف الغزالي من ظاهرة التكفير:

بما أن مفهوم الإيمان يرتبط بتحديد مفهوم نقيضه، وهو الكفر، ونتيجة للأخطار التي تسببها ظاهرة التكفير، فإن الغزالي يهتم بتحديد ضوابط الكفر، ولعل ما دعاه إلى ذلك هو الطعن الشديد الذي تعرض له بسبب مخالفته الأشعري في بعض المسائل الفرعية، وخاصة من طرف المازري، وقد ألف بسبب ذلك الطعن رسالة تعتبر من أهم الرسائل في هذا المجال، وهي (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة)، والتي يقول في مقدمتها: (إني رأيتك أيها الأخ المشفق منقسم الفكر لما قرع سمعك من طعن طائفة من الحسدة على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معاملات الدين، وزعمهم أن فيها ما يخالف مذاهب الأصحاب المتقدمين والمشايخ المتكلمين، وأن العدول عن مذهب الأشعري ولو في قيد شبر كفر، ومباينته ولو في شيء نزر ضلال وخسر)([30])  

ثم يسأل هؤلاء المتعصبين عن الميزان الذي رأوا به أن الحق قاصر على الأشعري أو غيره مع أن الباقلاني نفسه، وهو من أتباع الأشعري، يخالفه في صفة البقاء لله تعالى، وأنه ليس وصفا زائدا على الذات، (لم صار الباقلاني أولى بالكفر بمخالفته الأشعري من الأشعري بمخالفته الباقلاني؟ ولم صار الحق وقفا على أحدهما دون الثاني؟ أكان ذلك لأجل السبق في الزمان، فقد سبق الأشعري غيره من المعتزلة، فليكن الحق للسابق عليه، أم لأجل التفاوت في الفضل والعلم؟ فبأي ميزان ومكيال قدر درجات الفضل؟)([31])

ثم يعقب على ذلك بقوله:(فإن رخص للباقلاني في مخالفته فلم حجر على غيره؟)([32])

وهو يبين أن سبب هذه الظاهرة، والتي لم يخلو منها عصر من العصور الإسلامية، غلبة الجهل، أو ما يسمى بالجهل المركب، وخاصة ممن بضاعتهم الفقه المجرد، يقول في ذلك:(فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل، فأعرض عنه، ولا تشغل به قلبك ولسانك، فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع لا يصبر عنه الجهل، ولأجله كثر الخلاف بين الناس)([33])

ويمثل لهؤلاء ببعض المتكلمين في العقائد الذين كفروا عوام المسلمين، و(ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده، وجعلوا الجنة وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلمين)([34])

ولذلك يتشدد الغزالي في شروط من له حق التكفير والتضليل حتى لا يبقى مشاعا بين العامة، أو من هو في حكمهم، يقول الغزالي:(ولا ينكشف هذا إلا لقلوب طهرت عن وسخ أوضار الدنيا أولا، ثم صقلت بالرياضة الكاملة ثانيا، ثم نورت بالذكر الصافي ثالثا، ثم غذيت بالفكر الصائب رابعا، ثم زينت بملازمة حدود الشرع خامسا حتى فاض عليها النور من مشكاة النبوة)([35])

واشتراط الغزالي تزكية النفس لمن يتصدى لمثل هذه القضايا يشير إلى أن الكثير من مسائل التفكير المنتشرة يتدخل فيها إلى حد كبير التعصب والحسد وغيرهما من الأمراض النفسية التي تحجب المصاب بها عن رحمة الله الواسعة، ولذلك يقول الغزالي، وبتفتح عجيب قد يستغرب من متكلم:(وأنا أقول: إن الرحمة تشمل كثيرا من الأمم السالفة، وأن أكثرهم يعرضون على النار، إما عرضة خفيفة حتى في لحظة أو ساعة، وإما في مدة حتى يطلق عليهم بعث النار، بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة ـ إن شاء الله تعالى ـ أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة)([36])

ويقسم هؤلاء باعتبار بلوغهم الدعوة وعدم بلوغهم إلى ثلاثة أصناف:

  1. صنف لم تبلغهم الدعوة، فهم معذورون.
  2. صنف بلغتهم الدعوة، ولكنهم جحدوا، فهم الكفار الملحدون.
  3. صنف بين الدرجتين: بلغتهم الدعوة، ولكنها شوهت ي أذهانهم، والغزالي يضم هذا الصنف إلى الصنف الأول باعتبار ذلك التشويه لا يحرك في نفوسهم داعية الطلب([37]).

هذا رأي الغزالي في التكفير خارج دائرة المسلمين، أما داخل دائرة المسلمين، فإن الغزالي يضع قانونا يساهم إلى حد كبير في تضييق دائرة الكفر إلى أدنى حد مشروع.

ولأهمية هذا القانون ودوره في الحد من الغلو في التكفير، وكون العلم به هو العلاج الأمثل لهذه الظاهرة، فسنختصر شرحه في هذا المقام.

ينطلق الغزالي من قاعدة تطرد وتعكس في التكفير ن وهي (أن الكفر تكذيب رسول الله a في شيء مما جاء به، والإيمان تصديقه في جميع ما جاء به)([38])

ومع أن هذا الحد يتفق عليه الجميع إلا أن الخلاف واقع في تطبيقه (فالحنبلي يكفر الأشعري زاعما أنه كذب الرسول في إثبات الفوق لله تعالى، وفي الاستواء على العرش، والأشعري يكفره زاعما أنه مشبه، وكذب الرسول في أنه ليس كمثله شيء، والأشعري يكفر المعتزلي زاعما أنه كذب الرسول في جواز رؤية الله تعالى، والمعتزلي يكفر الأشعري زاعما أن في إثبات الصفات تكثير للقدماء)([39])

هذه هي الشبهة الكبرى في التكفير حتى أن البعض يكفر أخاه إن أنكر سنة آحاد أو أول نصا، ولهذا يضع الغزالي خمسة ضوابط يمكن الحكم انطلاقا منها بالتكفير أو عدمه، وهي:

أ ـ موضوع التكذيب:

وهي النظر في قصد المكذب لما جاء به الشارع، هل هو للخبر أم للمخبر؟ فإن كان للمخبر فقد كفر، لا خلاف في ذلك، وأما إن كان للخبر فينظر فيه، فإن لكل موجود خمس مراتب (لأجل الغفلة عنها نسبت كل فرقة مخالفها إلى التكذيب)([40])، وهذه المراتب هي:

الوجود الذاتي: وهو الوجود الحقيقي الثابت خارج الحس، وذلك كإخبار الرسول a عن العرش والكرسي والجنة والنار ونحوها.

الوجود الحسي: وهو ما يتمثل في الحواس مما لا وجود له خارجها، وعليه يفسر الغزالي قوله a:(من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي)([41])، فذلك لا يعني انتقال شخصه a من روضة المدينة إلى موضع النائم، بل هي على سبيل وجود صورته في حس النائم فقط([42]).

الوجود الخيالي: وهو اختراع صور من المحسوسات في الخيال، فيكون وجودها قاصرا عليه، دون أن يكون له أي أثر خارجي.

الوجود العقلي: لأن لكل شيء روحا وحقيقة ومعنى، يتلقى العقل معناه دون صورته، فاليد مثلا لها وجود ذاتي في نفسها، وحسي برؤيتها، وخيالي باختراع صورتها في المخيلة، وعقلي بحقيقتها، وهي الدور الذي تؤديه من بطش أو كتابة أو إحسان، أو غير ذلك.

الوجود الشبهي: وهي أن لا يكون نفس الشيء موجودا، ولكن يوجد شيء آخر يشبهه (فمن قام عند البرهان على استحالة ثبوت نفس الغضب لله تعالى نزله على ثبوت صفة أخرى يصدر منها ما يصدر من الغضب، كإرادة العقاب)([43])

هذه هي المراتب الخمسة للوجود كما يفصلها الغزالي، وهو يرى أن كل من نزل قولا من أقوال صاحب الشرع على درجة منها، فهو من المصدقين، وإنما التكذيب أن ينفي جميعها)([44])

ولكن ذلك ليس مطلقا، فالتأويل الذي يخرج النص عن ظاهره وحقيقته لا بد أن يستند إلى قانون وإلا أمكن تأويل الدين كله، كما فعل الغلاة من الباطنية، وضابط التأويل عند الغزالي هو قيام البرهان على استحال الظاهر، والظاهر الأول هو الوجود الذاتي، فإنه إذا ثبت تضمن الجميع، وإن تعذر، فالوجود الحسي، فإن تعذر فالوجود الخيالي أو العقلي، وإن تعذر فالوجود المجازي([45]).

ويجب التكفير عند الغزالي إن تعلق التأويل بأصول العقائد المهمة من غير برهان قاطع، كإنكار حشر الأجساد، أو إنكار العقوبات الحسية في الآخر وغير ذلك، إذا لا برهان على استحالة ذلك، زيادة على الضرر العظيم الذي تحدثه مثل هذه التأويلات على الدين([46]).

هذا هو الضابط الأول، ولا يستقل بمعرفته إلا الجهابذة من العلماء ن أما اعتباره تعطيلا للنص، واعتقاد أن ذلك مذهب السلف فهو طعن فيهم، وكذب عليهم، فقد روي من تأويلهم الشيء الكثير، فقد أول ابن عباس الساق في قوله تعالى: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق }(القلم: 42) بالشدة([47])، يقول الغزالي:(ما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه، فأبعد الناس عن التأويل أحمد بن حنبل، وأبعد التأويلات عن الحقيقة أن تجعل الكلام مجازا أو استعارة، وهو الوجود العقلي والوجود الشبهي، والحنبلي مضطر إليه وقائل به)([48])

ب ـ سند النص:

وهو النظر في الطريق الذي ورد به الخبر، هل هو بالتواتر أو بالآحاد، أو بالإجماع؟ فإن كان تواترا، ننظر هل تحققت فيه شروط التواتر أم لا؟ ومعرفة ذلك غامضة جدا إلا على الباحثين في كتب التاريخ والحديث وأحوال الرجال وغيرها من علوم التوثيق، ولذلك كثر الخلاف في تواتر أكثر ما زعم تواتره.

أما الإجماع فهو أصعبها من حيث الوقوف عليه، إذا لا بد من إجماع العلماء في صعيد واحد، مع الاتفاق على امر واحد بلفظ صريح، ثم الاستمرار عليه إللى انقراض العصر([49]).

ج ـ بلوغ الخبر:

وهو النظر في الطريق الذي وصل فيه الخبر للمكذب، فقد يبلغه الخبر المتواتر بطريق الآحاد، فيكذب به على ذلك الأساس، فيكون مخطئا وجاهلا، لا مكذبا، والاستقلال بمعرفة التحقيق في ذلك ليس يسيرا، لاعتمادها على الاطلاع على حال المكذب ومعارفه([50])

د ـ الدليل الباعث على مخالفة الظاهر:

فينظر فيه، أهو موافق لشروط الالبرهان الصحيح أم لا؟ لأن البرهان إن كان قاطعا رخص في التأويل، ولا يستقل بهذه المعرفة إلا من عرف البرهان وشروطه،وأتقن ذلك، وهذا ما يفتح مجالا أكبر لحرية الرأي والمناقشة العلمية الهادفة،والبعد عن الأحكام المسبقة.

هـ ـ الخطورة الشرعية،لا العقلية أو العرفية:

وهو النظر في الخطر الذي تسببه تلك المقالة على الدين، فما لا يعظم ضرره بأن كان خرافة أو قولا شنيعا ظاهر البطلان لايكفر به، ويضرب الغزالي مثلا لذلك بمقولة الإمام المنتظر عند الشيعة، فهو ـ مهما كان باطلا ـ لا ضرر فيه على الدين، وإنما الضرر على المعتقد لذلك، فلذلك لا يكفر به([51]).

ومن هذا الباب كفر الغزالي الفلاسفة القائلين بعدم علم الله بالجزئيات، وعدم حشر الأجساد([52])،لأن مضرة هذا القول ـ زيادة على عدم استنادها إلى حجج واضحة قوية ـ تفتح المجال لأخطار كبيرة على جمهور الأمة، وترفع الثقة على الألفاظ.

هذه هي الضوابط الخمسة عند الغزالي، وهي كما رأينا شديدة الصعوبة لا يستقل بمعرفتها إلا من مارس العلوم الكثيرة، مع الاطلاع الواسع الدقيق على حال المكفر، ويختم الغزالي ذلك، ويسبقه بوصية يقول فيها: (أما الوصية: فان تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك، ماداموا قائلين لا إله إلا الله، محمد رسول الله، غير مناقضين لها، والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول الله a بعذر، أو غير عذر، فإن التكفير فيه خطر.والسكوت لا خطر فيه)([53])

ثانيا ـ العلم

إن أول ما فعله الغزالي بعد خروجه من عزلته وعزمه على التفرغ للإصلاح هو تأسيسه مدرسة للعلماء، وخانقاه للصوفية، ولعل في ذلك إشارة للبداية الصحيحة للإصلاح.

فبالعلماء الذين يمزجون بين العلم الشرعي السليم من كل دخن، والتربية الروحية العالية التي تسير على منهاج النبوة ينطلق الإصلاح، وبهذين الوصفين (تصير الحسبة من القربات، وبها تندفع المنكرات، وإن فقدت لم يندفع منكر، بل ربما كانت الحسبة ـ أيضاـ منكرة لمجاوزة حد الشرع فيها)([54])

وقد كان كلا هذين الجانبين بحاجة إلى الإصلاح لإخراج العلماء الرانيين والمصلحين، ولذلك أخذا قسطا كبيرا من اهتمام الغزالي، وتمحورت حولهما كل كتبه.

وهذان الجانبان لا يتحققان ـ كما يرى الغزالي ـ إلا بإعادة النظر في توجيه التعليم إلى أبعاده الإصلاحية، وهو لا يتم إلا بإصلاح نظام التعليم نفسه، وسنتناول كلا الأمرين في هذا المبحث.

1 ـ البعد الإصلاحي للعلم:

لقد لاحظ الغزالي أن خلو التعليم في عصره من التوجيه الإصلاحي حول العلماء إلى معاول للإفساد، بدل أن يكونوا سببا لتشييد صرح الإصلاح.

وهذا الحكم لم يرسله الغزالي عبثا، وإنما هو نتيجة خبرة وتجربة واستبار ومعاينة لأفراد الناس وسؤالهم عن سبب تقصيرهم في الشريعة، فالكثير منهم أجابه بأن (هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه لكان العلماء أجدر بذلك)([55])

يقول الغزالي:(إن الأطباء هم العلماء، وقد مرضو في هذه الأعصار مرضا شديدا عجزوا عن علاجه، فاضطروا إلى إغواء الخلق والإشارة عليهم بما يزيدهم مرضا، فبهذا السبب عم الخلق الداء، وعظم الوباء، وانقطع الدواء، وهلك الخلق لفد الأطباء)([56])

ولهذا يدعو إلى عنصرين أساسيين لتحقيق أبعاد العلم الإصلاحية وهما:

أ ـ ربانية التعليم:

و هو توجيهه الوجهة الربانية لا الدنيوية، والقصد به الله لا الجاه أو المال، وتحريره من كل المطالب النفسية أو المادية، وهذا ـ كما يصور الغزالي ـ هو الحال الذي دفعه إلى الإعتزال لأنه بعد البحث في مقصده وجده متوجها لطلب الجاه، ووجد نفسه يعلم العلوم التي بها يكسب الجاه.

ويعبر عن ذلك أثناء تبريره لرجوعه إلى التعليم بالمدرسة النظامية وبقوله: (وأنا أعلم أني إن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت، فإن الرجوع عود إلى ما كان، وكنت في الزمان (الماضي) أنشر العلم الذي به يكسب الجاه، وأدعو إليه بقولي وعملي، وكان ذلك قصدي ونيتي، أما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك الجاه، ويعرف به سقوط رتبة الجاه)([57])

 ولهذا يعتبر الغزالي السلوك الروحي شرطا ضروريا لربانية التعليم، وتحقيق أبعاده الإصلاحية في النفس أولا، ثم المجتمع ثانيا، وهذه هي حقيقة العلم ـ في تصوره ـ كما كانت في عهد السلف الصالح.

وقد عقد الغزالي فصلا طويلا في (كتاب العلم) من (الإحياء) بين فيه علامات علماء السوء، وآفاتهم التي يجرونها على المجتمع الإسلامي، وأهم تلك العلامات وأخطرها، هي الإستغراق في حب الدنيا، واتخاذ العلم وسيلة لها، فذلك يجر إلى خطرين:

1 ـ خوف العالم على دنياه فلذلك يضطر إلى المداهنة وعدم الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر خوفا من تغير قلوب الناس أو السلطان عليه، ولذلك ـ كما يعبر الغزالي ـ (لا يخلو عن تكلف في طلب مرضاتهم واستمالة قلوبه مع أنهم ظلمة)([58])

وقد ذكر الغزالي من آداب المحتسب تقليل العلائق حتى لا يكثر خوفه وقطع الطمع عن الخلائق حتى تزول عن المداهنة) ([59])

ويذكر قصة في ذلك عن بعض المشايخ أن كا له سنور وكان يأخذ من قصاب كان في جواره كل يوم شيئا من الغدد لسنوره، فرأى على القصاب منكرا، فدخل داره أولا، وأخرج السنور، ثم جاء واحتسب عليه، فقال له القصاب: (لا أعطيك بعد هذا شيئا لسنورك)، فقال الشيخ: (ما احتسبت عليك إلا بعد إخراج السنور، وقطع الطمع منك)([60])

ولذلك كان السلف يتخوفون من ثناء الناس عليهم خوفا من أن يكون مصدر ذلك مداهنتهم لهم.

2 ـ تقصيرهم أو تفريطهم في العمل الصالح، وارتكابهم المعاصي والفواحش بسبب الغلو في كلب الدنيا، فمطالبها يجر بعضها إلى بعض.

وقد بين الغزالي العامل النفسي لذلك التناقض بين علمهم وعملهم فقال: (وفرقة (أي من أهل العلم) أحكمو العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها، واشتغلوا بها، وأهملوا تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي، واعتبر بعلمهم وظنوا أنهم عند الله بمكان، وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذب الله مثلهم، بل يقبل في الخلق شفاعتهم)([61])

ويضرب لهؤلاء مثلا بالمريض الذي به علة لا يزيلها إلا دواء مركب من أخلاط كثيرة لا يعرفها إلا حذائق الأطباء، فسعى في طلب الطبيب، فلما عثر عليه، وفصل الأخلاط وأنواعها ومقاديرها ومعداتها فتعلم كل ذلك وكتب منه نسخا، فلما رجع إلى بيته أخذ يكررها، ولا يشتغل بشربها واستعمالها، يقول الغزالي: (أفترى ذلك يغني عنه من مرضه شيئا؟ هيهات هيهات لو كتب منه ألف نسخة، وعلمه ألف مريض حتى شفي جميعهم، وكرره كل ليلة ألف مرة لم يغنه ذلك من مرضه شيئا)([62])

وفي رسالة (أيها الولد)، وكلها نصائح قيمة في هذا المجال، يضرب الغزالي مثلا أخر لعدم إمكانية النجاة بالعلم المجرد عن العمل، وهو أنه (لو كان على رجل في برية عشرة أسياف هندية مع أسلحة أخرى، وكان الرجل شجاعا وأهل حرب، فحمل عليه أسد عظيم مهيب، فما ظنك؟. هل تدفع الأسلحة شره عنه بلا استعمالها؟)([63])

وفي تلك الرسالة ينطق الغزالي بهذه الحكمة: (لو كان العلم المجرد كافيا لك، ولا يحتاج إلى عمل سواه لكان نداء هل من سائل. هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ ضائعا بلا فائدة)([64]).

ب ـ تعميم التعليم:

يرى الغزالي أن الوظيفة الحقيقية للعلماء هي التوجه لإصلاح العامة وتعليمهم دون قضاء العمر في التفريعات النادرة، والتعمق في دقائق العلوم التي هي من فروض الكفاية ([65]).

لكن هذه الوظيفة عرض لها ما جعلها وظيفة تطوعية ندر من يتفرغ لها من العلماء، والسبب الذي يراه الغزالي لذلك هو إقبال العلماء على الولاة والسلاطين، والتقرب منهم، ونسيان أمر العامة، يقول الغزالي عند بيانه لعلامات علماء الآخرة: (ومنها أن يكون مستقصيا عن السلاطين، فلا يدخل عليهم البتة مادام يجد إلى الفرار سبيلا، (لأن) المخالط لا يخلو عن تكلف في طلب مرضاتهم واستمالة قلوبهم مع أنهم ظلمة)([66])

وبقدر تلك المفاصلة عن السلاطين يدعو الغزالي إلى الاقتراب من العامة وتعليمهم وتربيتهم، لأن إصلاح القاعدة أجدى وأقرب وأسهل منالا، وقد وصف علماء السلف من تبعهم بأنهم (رجال عامة) ([67])

وإلى جانب دعوة الغزالي العلماء لتعليم الناس وإصلاحهم، يدعو الحكام أن يرتبوا في كل قرية أو محلة فقيها متدينا يعلم الناس دينهم، وبهذا يتكامل الإصلاح بتعاون الحكام مع العلماء، (فالعلماء أطباء، والسلاطين قوام دار المرضى، فكل مريض لم يقبل العلاج بمداواة العالم يسلم إلى السلطان ليكف شره، كما يسلم الطبيب المريض الذي لا يحتمي، أو الذي غلب عليه الجنون إلى القيم ليكف شره عن نفسه وعن سائر الناس)([68])

2 ـ اصلاح النظام التعليمي:

لقد بلغت العلوم في عصر الغزالي أوجها، ولكنه مع ذلك دخل في النظام التعليمي باسم العلوم الشرعية أمور لم يكن لها أهمية في الشرع، فحصل نتيجة لذلك أخطاء وضلالات في تصورات الناس وسلوكيتهم ([69]).

ويتأسف الغزالي على مصير المدارس في عصره حيث (سلم لأقوام قل من الله خوفهم، وضعفت في الدين بصيرتهم، وقويت في الدنيا رغبتهم، ولم يتمكنوا من الاستتباع وإقامة الجاه إلا بالتعصب)([70])، فصارت المدارس بدل أن تكون رمزا لوحدة الأمة الثقافية، ومركزا لإخراج الكفائات في كل ميادين الحياة مصدرا للخلاف والجدل، وخاصة الجدل الفقهي الذي انتشر حينذاك انتشارا فضيعا، وهو ما جر إلى اعتبار (الفقه) أفضل العلوم وأشرفها مع حصره في معرفة الفروع الغريبة في الفتاوى والوقف على دقائق عللها ([71])، وكل ذلك مفصولا عن الشريعة التي لا يشكل الفقه، أو تلك الفروع الغريبة إلا جزءا سرا منها.

وكمثال وقع في عهد الغزالي على غلبة الجزئية على علماء ذلك العصر ما ذكره ابن العربي عند الحديث عن سبب سفارته ليوسف بن تشفين إلى المشرق حيث التقى الغزالي، قال: (وبقيت طائفة من رؤساء لثغر الشرقي من جزيرة الأندلس حالفوا النصارى، أو صار معهم إليها، ودعاهم أمير المسلمين إلى الجهاد والدخول في بيعة الجمهور فقالو: (لا جهاد إلا مع إمامة قريش وليست به، أو مع نائب عن إمام وما أنت ذاك)([72])

فهذا الفصل جعلهم يعتقدون أن محالفة النصارى أولى من جهاد مع أمير مسلم، لكونه غير قرشي، والفقهاء يشترطون قرشية الإمام، ومثل هذا حصل في سائر العلوم الشرعية، كما عرفنا سابقا عند الحديث عن القرآن أو السنة أو التصوف أو العقيدة أو غيرها.

ولذلك فإن دعوة الغزالي إلى إصلاح النظام التعليمي لا تعني ابتداعا جديد أو منهجا مستحدثا، وإنما تعني العودة بالعلم إلى أصله الأول حيث كان حيا مثمرا مريبا، ولذلك أطلق على أكبر جهد علمي له (إحياء علوم الدين) قاصدا بذلك العودة إلى العلوم التي قتلها الجدل، وأرهقتها الحرفية ([73]).

ويمكن تلخيص أثر الغزالي في الإصلاح التعليمي في:

أ ـ منهج التعليم:

لاحظ الغزالي أن لمنهج التعليم دورا كبيرا في التربية والإصلاح وتعميق المعلومات والتحقق بها، ولذلك أولاه العناية الكبرى، بل إن له الزيادة في تحقيق الكثر من القواعد المتعلقة به، والتي بنى أغلب المتأخرين آراءهم التربوية عليها ([74])، وسنشير ـ هناـ لبعض تلك لقواعد مع بيان أثرها الإصلاحي:

التدرج:

وهو مراعاة الترتيب بين أجزاء العلم الواحد أو بين العلوم المختلفة بحيث لا يخوض الطالب في علم حتى يستوفي العلم الذي قبله، لأن العلوم مرتبة ترتيبا ضروريا، وبعضها يؤدي إلى بعض، وبهذا المعنى يفسر الغزالي قوله تعالى: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (البقرة:120)، أي لا يجاوزون فنا حتى يحكموه علما وعملا ([75]).

والأثر الإصلاحي لهذه القاعدة ـ كما يرى الغزالي ـ هو أن لا يحكم على فساد أي علم من العلوم، أو خطأ فيه إلا بعد النظر والتحقيق والتدقيق، دون أن يكون النقد مبينا على مجرد النظر السطحي الظاهري.

ويذكر الغزالي أمثلة من واقعه الاجتماعي ناقدا لها، منها أن طائفة يعتقدون بطلان الطب لخطأ شاهدوه من طبيب، وطائفة اعتقدوا صحة التنجيم لصواب اتفق لواحد، وطائفة اعتقدوا بطلانه لخطأ اتفق لآخر ([76]).

وبناء على هذه القاعدة انتقد الغزالي المتكلمين أو المحدثين الذين أنكروا على الفلاسفة وغيرهم من الطوائف، دون التمكن من النظر في علومهم، وفهم أغراضهم، ولهذا كان إفسادهم أكثر من إصلاحهم ([77]).

وهو يشرح كيفية التدرج في العلوم بأن يبتدئ الطالب بكتاب الله تعالى، ثم بسنة رسوله a، ثم بعلم التفسير وسائر علوم القرآن، وكذلك في السنة، ثم يشتغل بالفروع من الفقه، دون استغراق العمر في فن واحد منها طلبا للاستقصاء فيه. لأن هذه العلوم آلات ومقدمات، وليست مطلوبة بعينها بل لغيرها ([78]).

الأصول قبل الفروع:

لأن أصول الشريعة ومبادئها الكبرى مقدمة على الفروع، يقول الغزالي ـ عند ذكره لآداب المتعلم ـ: (أن لا يخوض في فنون العلم دفعة، بل يراعي الترتيب، ويبتدئ بالأهم فإذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالبا، فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه) ([79])

وأصل العلوم وأشرفها وأعلاها وأولاها معرفة الله تعالى والسلوك إليه ـ أو ما يسميه الغزالي بعلم الآخرة ـ باعتباره الأصل الذي يرتبط بمدى العلم به كل التصرفات السلوكية في الدنيا، ويرتبط به المصير الأبدي في الآخرة.

ولكن أهميته مع ذلك في تصور الغزالي لا تعني النظر بعين الاحتقار إلى سائر العلوم الشرعية أو غيرها، يقول الغزالي: (لا تفهمن من غلونا في الثناء على علم الآخرة تهجين هذه العلوم، فالمتكلفون بالعلوم كالمتكلفين بالثغور والمرابطين لها والغزاة والمجاهدين في سبيل الله، منهم المقاتل ومنهم الذي يسقيهم الماء، ومنهم الذي يحفظ دوابهم، ولا ينفك أحد منهم من أجر)([80])

ولذلك فإن التفاضيل بين هذه العلوم نسبي، ومعرفة الله تعالى التي هي الأصل الأول لكل المعارف لا تحجب عن غيرها من العلوم، بل إنها ـ كما رأينا من قبل ـ لا تكمل إلا بها، فكل ما في الكون من أفعال الله وتقديراته، يقول الغزالي: (من قصد الله تعالى بالعلم، أي علم كان نفعه ورفعه لا محالة)([81])

المتفق عليه قبل المختلف عليه:

لاحظ الغزالي أن هدف الكثير من المدارس في عصره كان متوجها نحو نصرة المذاهب والآراء، ولذلك احتلت المسائل المختلف فيها الحيز الأكبر من نصيب برامج الدراسة فيها بمختلف المستويات والعلوم، والتوجه لمثل هذا النوع من العلوم ـ كما يرى الغزالي ـ تضييع لمقاصد العلم، وإرباك لتفكير المتعلم خاصة اذا كان الأستاذ المدرس غير قادر على الإجتهاد للتوفيق بين الآراء المختلفة، أو الترجيح بينها، يقول الغزالي عند ذكره لآداب المتعلم: (أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس، سواء كان ما خاص فيه من علوم الدنيا، أو من علوم الآخرة، فإن ذلك يدهش عقله، ويحير ذهنه، ويفتر رأيه وييئسه عن الإدراك والإطلاع)([82])

هذا مع المتوجهين إلى العلم والمتخصصين فيه، أما العوام وأهل الحرف والصناعات، فلا ينبغي أن تصرف همهم ـ في رأي الغزالي ـ إلا لحرفهم وصناعاتهم، ولهذا لا ينبغي أن يلقنوا إلا خلاصة العلم، وما يتعلق منه بالعمل فقط ([83]).

الموسوعة العلمية مع التخصص:

وهو أن يكون لطالب العلم نصيب عام من كل علم، بحيث يطلع على مقاصده وغاياته ومسائله اطلاعا مجملا من غير تخصص فيه، وبعد ذلك وانطلاقا منه يمكنه التخصص فيما يراه مناسبا له، وهذا لأن العلوم ـ كما يرى الغزالي ـ متعاونة، وبعضها مرتبط ببعض، زيادة على أن النظر في كل العلوم يكسب صاحبة سعة صدر تجعله يتخلص من العداوة غير الموضوعية لها، لأن الناس أعداء ما جهلوا، أو كما قال تعالى حاكيا على حال الكفار: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} (الأحقاف:10)([84])

وهذا الرأي يرجع إلى دعوة الغزالي الدائمة إلى احترام كل العلوم، ومحاولة الاستفادة منها، ولو حوى ظاهرها بعض البطلان، ولكنه مع ذلك يضع بعض الضوابط لهذا الطلب الموسوعي، وهي أن يتجنب طالب العلم كل العلوم التي تضر به أو بغيره، كتعلم السحر والطلسمات، وهو تعلم ليس مذموما في حد ذاته، وإنما لما يرتبط به من إضرار بالخلق، يقول الغزالي: (ومعرفة هذه من الأسباب من حيث أنها معرفة ليست مذمومة، ولكنها ليست تصلح إلا للإضرار بالخلق، والوسيلة إلى الشر شر) ([85])

ومنها علم التنجيم، وقد كان يشمل في عصر الغزالي جانبين:

1 ـ جانب علمي، وهو ما يدرسه علم الفلك، وهو ـ كما يرى الغزالي ـ علم شريف نطق القرآن به كما قال تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} (الرحمن:3)

2 ـ جانب تخميني لا فائدة فيه، وهو استنباط العلاقة بين مواقع النجوم وحياة الناس، وضرره كبير على اعتقادات الناس، حيث ينسبون تلك الأحكام إلى النجوم، لا إلى في التدبيرات الإلهية، يقول الغزالي: (إنه إذا ألقي إليهم أن هذه الآثار تحدث عقب سير الكواكب وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثرة، وأنها الآلهة المدبرة، وأنها جواهر شريفة سماوية، ويعظم وقعها في القلوب، فيبقى القلب متلفتا إليها) ([86])

ومنها طلب دقيق العلوم قبل جليلها، وخفيها قبل جليها، أو البحث في الأسرار الإلهية ويضرب الغزالي مثلا على إضرار هذه العلوم بأصحابها بالضرر الذي تحدثه اللحوم أو الحلوى للصبي الرضيع، وهو يوجه هذه النصيحة لمن يشتغل بهذه العلوم المذمومة، التي هي ظنون وتخمينات لا دليل عليها يلحقها بالعلم، ولا أثر لها في السلوك بقوله: (لا تكن باحثا عن علوم ذمها الشرع وزجر عنها.. واقتصر على اتباع السنة، فالسلامة في الاتباع، والخطر في البحث عن الأشياء والاستقلال، ولا تكثر اللجاج برأيك ومعقولك ودليلك وبرهانك وزعمك أني أبحث عن الأشياء لأعرفها على ما هي عليه)([87])

هذه بعض القواعد التربوية التي ذكرها الغزالي، وآثارها الإصلاحية كبيرة، فالعلم النافع يقتضي السبيل الصالح والوسيلة الصحيحة.

ب ـ برامج التعليم:

يقسم الغزالي العلوم بحسب وجوبها الفقهي إلى قسمين:فروض عينية، وفروض كفائية.

أما الفروض العينية، فهي العلوم المتعلقة بمعرفة الضروري من العقائد، ومعرفة كيفية العمل الواجب دون الخوض في تفاصيل ذلك، وهو يختلف باختلاف حال الشخص ووقته.

فمن كان له مال لزمه تعلم ما يجب عليه من زكاة، وإن لم يملك إلا الإبل لم يلزمه إلا تعلم زكاة الإبل، وهكذا في كل الأفعال والأحوال، فلا يجب على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام، ولا على الأعمى تعلم ما يحرم من النظر، ولا على البدوي تعلم ما يحرم الجلوس فيه من المساكن ([88]).

والغزالي يرى وجوب بذل هذا النوع من العلم على نطاق واسع بين العامة لارتباطه بالعمل، أما تفاصيل ذلك فهي من الفروض الكفائية التي يتعلق وجوبها بمن تعرض لها من طلبة العلم، ويقسمها بحسب أهميتها وأولويتها إلى أربعة أنواع:

  1. الأصول: وهي مصادر التشريع الكبرى من كتاب وسنة وإجماع وآثار.
  2. الفروع: وهوما استنبط من المصادر السابقة بطريق التلميح والإشارة وغيرها، وهو إما متعلق بمصالح دنيوية، ويتكفل به علم الفقه، أو بمصالح الآخرة، وهو علم السلوك.
  3. المقدمات: وهي العلوم الآلية التي تستعمل في فهم المصادر الأصلية من لغة ونحو وغيرها.
  4. المتممات: وهي العلوم المتممة والخادمة للمصادر الأصلية. والتي دعت إليها الضرورة، كتعلم مخارج الحروف والقراءات والعلم بالرجال وأسمائهم وأنسابهم، والعلم بالجرح والتعديل، وغيرها من العلوم التي يختلف حكمها باختلاف الحاجة إليها ([89]).

والغزالي يدعو إلى الإقتصار على ما تمس إليه الحاجة من هذه العلوم دون الغلو في التفريع والتفاصيل، بل إنه يرى أن بعض العلوم استنفذت أغراضها، فلذلك لا ضرورة تدعو إلى بذل الجهد فيها، كحفظ أسامي الرجال (فقد كفيت عنه بما تحمله عنك من قبلك)([90]).

ونحب أن ننوه هنا إلى دعوة الغزالي الدائمة إلى العلوم الكونية والعملية، فقد كان من أكبر الأخطاء التي أصابت النظام التعليمي في المجتمعات الإسلامية هو ذاك التفريق بين علوم الدين وعلوم الدنيا، وانشغالهم بعلوم الدين، وخاصة الفقه أو الكلام مع ترك الكثير من العلوم الضرورية كالطب ونحوه.

ويعبر الغزالي على ذلك متأسفا على هذا التفريق بقوله: (فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة، ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه، ثم لا نرى أحدا يشتغل به، ويتهاترون على علم الفقه، ولا سيما الخلافيات والجدليات، والبلد مشحون من الفقهاء)([91])

ولذلك دعا الغزالي إلى هذه العلوم العملية باعتبارها من الفروض الكفائية المضيعة، لأن هذا الكلام غريب في عصر حرف فيه معنى العلم قال الغزالي: (فلا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضا من فروض الكفايات، كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الصناعات أيضا من فروض الكفايات، كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة، فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم، وحرجوا بتعريض أنفسهم للهلاك)([92])

ولأجل هذا نرى كتب الغزالي مشحونة بالإشارات العلمية بحيث لا يخلو كتاب من كتبه منها، ولعل ما يبرز عقليته العلمية هو تجنبه لكثير من الأخطاء العلمية المنتشرة في عصره والمعتبرة من البديهيات في ذلك العصر، وخاصة في المراجع العلمية التي استفاد منها الغزالي تلك الإشارات.

هذه إشارة مختصرة لأهم ما اقترحه الغزالي من برامج لإصلاح نظام التعليم، باعتباره خطوة أساسية في الطريق على الإصلاح العام.

ثالثا ـ التزكية

يعتبر الغزالي تزكية النفس وتطهيرها من الأمراض التي تصيبها أساسا من أسس البناء الاجتماعي، لأن المجتمع الصالح لا يقوم إلا على الأفراد الصالحين، والصلاح لا يتحقق إلا بالتزكية، فلذلك جعل الغزالي تعلم التزكية فرضا من الفروض العينية متعلقا بكل المكلفين، يقول في ذلك:(وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب، إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت، وترادفت العلل وتظاهرت)([93])

وقد كانت كتابة الغزالي في هذا الشأن من أروع الكتابات وأدقها وأجمعها، بحيث صارت مرجعا نسج على منواله المتأخرون، ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى استفادته من كتب الصوفية، وخاصة كتب الحارث المحاسبي وأبي طالب المكي اللذين أولىا هذا الجانب اهتماما كبيرا، زيادة على تجربته الروحية التي مر بها أثناء عزلته، إضافة إلى اقتباسه من الفلسفة وغيرها ما رآه مناسبا لذلك.

وسنحاول في هذا المبحث استخلاص تصور الغزالي لحقيقة التزكية، ثم لمنهجها وثمراتها.

1 ـ مفهوم التزكية:

لغة:

 تتوارد على مادة (زكا) في اللغة العربية المعاني التالية

1 ـ النمو والبركة، ومنه قول الشاعر:

والمال يزكو بك مستكبرا    يختال قد أشرق للناظر

2 ـ الصلاح والتقوى، يقال: رجل زكي، أي تقي صالح.

3 ـ الطهارة، ومنه زكاة المال أي طهارته ([94]).

  اصطلاحا:

يعرف الغزالي التزكية ([95]) بأنها تطهير القلب عما لا يحبه الله عز وجل ([96])، وهي بذلك تشكل شطر الإيمان كما نص الرسول a على ذلك بقوله: (الطهور شطر الإيمان)([97])، وهو ينفي أن يكون المراد بالحديث مجرد تطهير الظواهر وتنظيفها بإفاضة الماء وإلقائه عليها، مع تخريب الباطن وبقائه مشحونا بالخبائث والأقذار، بل إن المراد بالتطهير في الحديث ـ كما يفهمه الغزالي ـ يشمل أربع مراتب تشكل بمجموعها حقيقة التزكية الشاملة وتلك المراتب هي:

  1. تطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث والفضلات، كما نصت على ذلك الأحكام الفقهية والسنن الشرعية.
  2. تطهير الجوارح عن الجرائم والآثام والمعاصي الظاهرة.
  3. تطهير القلب عن الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة والصفات المهلكة.
  4. تطهير السر عما سوى الله عز وجل ([98]).

وكل هذه المراتب تشكل شطر العمل أو الصفة التي تتعلق بها، فهي البذور للثمار الناتجة عنها، فلا تصح الصلاة إلا بالطهارة الحسية، ولا تعمر الظواهر بالأخلاق والآداب إلا بعد تطهيرها من المعاصي والآثام، ولا يتحلى القلب بحلة التقوى إلا بعد تهذيبه وصقله من أخلاقه المذمومة، ولا ينكشف جلال الله وعظمته إلا بعد تطهير السر عما سواه عز وجل.

وهذه المراتب كلها تكون مقامات الإيمان التي يتدرج في سلوكها المؤمن، ولكل مقام طبقة، ولن ينال العبد الطبقة العالية إلا بمجاوزة الطبقة السافلة، (فلا يصل إلى طهارة السر عن الصفات المذمومة، وعمارته بالمحمودة ما لم يفرغ من طهارة القلب عن الخلق المذموم، وعمارته بالخلق المحمود)([99])، فالتزكية إذا وبهذا الإعتبار، هي تدرج في مراتب الكمال الإنساني، بتطهيره من كل سيء إلى حقيقته وفطرته التي جيل عليها.

وفطرة القلب الإنساني وخاصيته تكمن ـ كما يرى الغزالي ـ في استعداده من حيث جوهره لمعرفة الله تعالى، وهذه المعرفة تتعلق بالقلب لا بالجوارح (فالقلب هو العالم بالله، وهو المتقرب إلى الله، وهو العامل لله، وهو الساعي إلى الله، وهو المكاشف بما عند الله ولديه، هو المقبول عند الله إذا سلك من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقا بغير الله)([100])

ولكن لماذا احتاج القلب الإنساني إلى هذا التطهير؟ ولم كان هذا التطهير مقدمة للتعرف على الله؟

يجيب الغزالي على هذا السؤال بأن ازدواج التركيب الإنساني من جسم مظلم كثيف مركب، ومن نفس جوهرية مفردة لا تشابه هذا العالم ([101]) استدعى وجود قوى حيوانية تتعلق بلطيفته الروحانية الربانية، وتلك القوى نوعان:

القوى المحركة:

وهي القوى الباعثة أو العاملة لأي فعل، والباعثة إما أن تبعث إلى جذب نفع أو دفع ضر، فالباعثة إلى جلب النفع تسمى (شهوة)، والباعثة إلى دفع الضر تسمى (الغضب) والعاملة هي المحركة والمطبقة لما تمليه الإرادة، فإن كانت الإرادة حازمة انبعثت وان كانت مترددة ترددت، والإرادة تتبع القوة الثانية من القوى الإنسانية وهي قوته الإدراكية العلمية، يقول الغزالي: (الإرادة لا تنهض من مكانها ولا تخرج من مكامنها ما لم يأت إليها رسول العلم، فإذا أتى وجزم الحكم انبعثت الإرادة، وإذا جزمت الإرادة الحكم انبعثت القدرة بتحريك الأعضاء، فلا تجد محيصا وخلاصا من الامتثال والارتسام بموجب رسمها، وإذا جزمت القدر الحكم تحركت الأعضاء، بحيث لا تجد محيصا من الحركة)([102])

القوى المدركة:

وهي القوة المتعرفة على العالم الخارجي، ويقسمها الغزالي إلى مدركات ظاهرة، وهي الحواس الخمس، وباطنة هي قوة الخيال والحفظ والحس المشترك والتفكر والتذكر ([103]).

وبما أن أعيان هذه القوى مستعدة لكل ما يحل بها سواء كان في مصلحتها أو مضرتها احتاجت إلى حسن عناية وتأديب، كما احتاجت الحركات النباتية إلى تشذيب، والحركات الحيوانية إلى تهذيب، وذلك التأديب لا يتحقق إلا بالتأييد والتسديد والتعريف.

  1. أما التأييد فهو اختيار الخير من الحركات الفعلية دون الشر.
  2. وأما التسديد فاختيار الصدق من الحركات القولية دون الكذب.
  3. وأما التعريف فاختيار الحق من الحركات الفكرية دون الباطل ([104]).

ولكن هذه الأعمال الثلاثة لا تتحقق إلا بوجود قوى تفوق القوى الحيوانية، ولذلك أيد القلب الإنسان بجند رباني يعينه على تأديب تلك القوى وتلك الجنود هي:(العلم والحكمة والتفكر)([105])، فإذا استعان الإنسان بذلك الجند حصلت التزكية، ونال ثمارها، وكان من أهل قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} (الشمس:9) وإذا أهملها كان من أهل قوله تعالى: { وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } (الشمس:10)([106])

ولتوضيح ضرورة التزكية وأثرها في المحافظة على حقيقة الإنسان وتوازنه يضرب الغزالي أمثلة كثيرة عن علاقة قلب الإنسان بالقوى المودعة فيه.

ومن تلك الأمثلة تشبيه العقل، وهو الجند الرباني، بالصياد، وتشبيه الشهوة بالفرس، والغضب بكلب الصيد، فإن كان الصياد حاذقا، وفرسه مروضا، وكلبه مؤدبا معلما كان جديرا بالنجاح (أما إن كان هو في نفسه أخرق، وكان الفرس جموحا، والكلب عقورا، فلا فرسه ينبعث تحته منقادا، ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا، فهو خليق بأن يعطب فضلا عن أن ينال مطلبه)([107])

ثم يشرح هذا المثال بأن خرق الفارس هو جهله وقلة حكمته وضعف بصيرته، وجماح الفرس هو غلبة الشهوة، وعقر الكلب هو غلبة الغضب واستيلائه.

ولعل الغزالي يقصد بالصيد في هذا المثال هو تلك المعارف الإلهية، لأنها المقصد الأصلي من السلوك التطهيري، وللغزالي في ذلك مثال يكثر من استعماله، هو تشبيه القلب الإنساني بالمرآة، وبما أن من أسباب عدم انكشاف الصوة في المرآة الكدورة والخبث والصدأ العالق بها، فكذلك قلب الإنسان لا تتجلى فيه صور الحق مادام ملطخا بأرجاس المعاصي والذنوب، يقول في ذلك: (فالقلب في حكم المرآة، قد اكتنفته هذه الأمور المؤثرة فيه، أما الآثار المحمودة فإنها تزيد مرآة القلب جلاء وإشراقا حتى يتلألأ فيه جلية الحق، وينكشف فيه حقيقة الأمر المطلوب في الدين، وأما الآثار المذمومة فإنها مثل دخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب، ولا يزال يتراكم عليه إلى أن يسود ويظلم، ويصير بالكلية محجوبا عن الله تعالى)([108])

ويمكن تلخيص تصور الغزالي للتزكية ـ انطلاقا مما سبق ـ بأنها الطريق الذي يسلكه المؤمن لتحقيق الكمال المطاق، وذلك الطريق كما يراه الغزالي صعب ومجهد، فكلما عز المطلوب وشرف صعب مسلكه، وبعدت غايته وكثرت عقباته ([109]).

2 ـ منهج التزكية:

ينحصر منهج التزكية عند الغزالي في سبيلين، لا تتحقق التزكية إلا باجتماعها معا، هما كما يعبر الغزالي: (معجون العلم والعمل)([110])، لا يغني أحدهما عن الآخر.

أ ـ المنهج العلمي:

 بناء على إدراكنا لتصور الغزالي للنفس الإنسانية، فإن الصراع فيها على الصعيد الفكري دائم بين الحق والباطل، فقلب الإنسان ـ كما يصوره الغزالي ـ مثل قبة مضروبة تنصب إليها الأحوال من كل باب، أو هو كهدف ترمى عليه السهام من كل جانب، وبالنسبة لمثال المرآة، هو كمرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة، فتتراءى فيها صورة بعد صورة، ولا تخلو عنها الصور أبدا([111]).

وبما أن القوة المحركة ـ كما عرفنا من قبل ـ تخضع لتأثير القوى المدركة فإن لتلك الصور والآثار دورها السلوكي، فالخيالات الحاصلة في النفس ـ مثلاـ تبقى، وينتقل الخيال من شيء إلى شيء آخر، وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال آخر.

ولكن أهم تلك الآثار وأخطرها في نفس الوقت هي (الخواطر) ويعني بها الغزالي ما تدركه النفس، إما على سبيل التجدد أو على سبيل التذكر، فالخاطر هو الذي يحرك الرغبة، والرغبة تحرك العزم، والعزم يحرك النية ([112]).

وتلك الخواطر تنقسم إلى مايدعو للخير والصدق والحق، وتسمى إلهاما، ويسمى الداعي إليها ملكا، ويسمى اللطف الرباني الذي يتهيأ به القلب لذلك توفيقا، أولى إلى ما يدعو إلى الشر والكذب والباطل، ويسمى وسواسا، ويسمى الداعي إليها شيطانا، ويسمى الاستعداد له إغواء وخذلانا.

والغزالي يستند في تصويره للتنازع الدائم بين الإلهام والوسواس لقوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (البقرة:267)، وقوله a: (قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء)([113])

وهذا التجاذب دائم في النفس الإنسانية، وباعتبار ميلها إلى جانب من الجوانب بكون ترقيها أو تدنيها، وتكون زكاتها أو تدنسها، والنفس الفطرية مستعدة لقبول كل ذلك قبولا متساويا لا يترجح أحدهما على الآخر ([114])، وترجيح الإلهام ترجيحا كليا ينفي الخواطر السيئة والوساوس الرديئة هو ما يعبر عنه الشارع بـ (النفس المطمئنة)([115])، وهي بداية تحقيق الكمال الإنساني.

وأهم المرجحات المعرفية لجانب الإلهام هي معرفة الإنسان لنفسه باعتبار التزكية متعلقة بها، وتلك المعرفة هي اجتماع العلم بالكمالات الممكنة مع الإطلاع على النقص الموجود، وبالازدواج بين هاتين المعرفتين تتحقق التزكية.

أما المعرفة الأولى، فهي علم الإنسان بنفسه وخصائصها الجيلية، وما فطرت عليه من طباع، وما مكنت منه قوى، فإن ذلك كله حاث على النهوض به من كبوته، والترفع من أن يسقط في (أسفل سافلين) بعد أن رفعه الله إلى (أحسن تقويم)

يقول الغزالي مبينا قيمة هذه المعرفة: (من عرف نفسه فقد عرف ربه، وعرف صفاته وأفعاله، وعرف مراتب العالم، ومبدعاته ومكوناته، وعرف الملائكة ومراتبهم، وعرف لمة الملك ولمة الشيطان والتوفيق والخذلان، وعرف رسالة النبوة)([116])

وقد ألف الغزالي في هذا النوع من المعرفة مجموعة كتب منها: (معراج القدس في مدارج معرفة النفس) و(معراج السالكين) و(كيمياء السعادة)، بالإضافة إلى كتابين في الإحياء صدر بهما ربع المهلكات هما: (شرح عجائب القلب) و(رياضة النفس)

أما المعرفة الثانية فهي المنطلق السلوكي الأول، فعجب الإنسان بنفسه وشعوره بكماله هو الحجاب الأكبر الحائل بين الانسان والتحقق بالكمالات المهيأ لها، ولذلك قال ابن مسعود: (الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب) ([117])، وقد علق الغزالي على هذا الجمع بينهما بقوله: (السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب والجد والتشمر، والقانط لا يسعى ولا يطلب، والمعجب يعتقد أنه قد سعد، وقد ظفر بمراده)([118])، فالموجود لا يطلب لوجوده، والمحال لا يطب لاستحالته.

ولهذا، فإن أول درجات العلاج هي تلك اليقظة الروحية التي تحصل لصاحبها فتريه حقيقة نفسه، (وإذا أراد الله بعبده خيرا بصره بعيوب نفسه)([119]) ولكن البصيرة إن لم تكن نافذة، وكان النظر إلى العيوب ضعيفا احتاج ذلك إلى أطراف خارجية تبصره بتلك العيوب، ويرى الغزالي لذلك أربعة أطراف هي:

الشيخ المربي:

وهو ضروري سواء للدلالة على عيوب النفس أو الإرشاد إلى طرق علاجها، وهو في رأي الغزالي أشد ضرورة من التلميذ إلى الأستاذ، لأن العلوم قد يظفر بها بالذكاء والمذاكرة، ولكن عيوب النفس ودقائق آفاتها لا ينتبه لها إلا من خير ذلك ومارسه، والغزالي يرى ندرته كما يرى ضرورته فهو (نور من أنوار النبي a نادر أعز من الكبريت الأحمر)([120])

وقد اتفق على اشتراط الشيخ المربي كل من تحدث في التزكية، سواء كان من الصوفية أو غيرهم، ولا بأس أن ننقل هنا نصا جميلا لـ (عبد الوهاب الشعراني) يحدثنا فيه عن نفسه كشاهد لضرورة الشيخ يقول في (لطائف المنن): (وكانت صور مجاهداتي لنفسي من غير شيخ أني كنت أطالع كتب القوم، كرسالة القشيري وعوارف المعارف والقوت والإحياء، ونحو ذلك، وأعمل بما ينقدح لي من طريق الفهم، ثم بعد مدة يبدو لي خلاف ذلك، فأترك الأمر الأول، وأعمل الثاني وهكذا، فكنت كالذي يدخل دربا، لا يدري هل ينفذ أم لا؟ فهذا مثال من لا شيخ له، فإن فائدة الشيخ إنما هي اختصار الطريق للمريد)([121])

وإن كان الطب الحديث يحذر من علاج الإنسان لنفسه بنفسه، ولو قرأ كتب الطب، ويلح على ضرورة الطبيب الذي يكشف خفايا العلل ويطلع على ما دق من الأمراض، (فإن الأمراض القلبية والعلل النفسية أشد احتياجا للطبيب المزكي، لأنها أعظم خطرا، وأشد خفاء، وأكثر دقة)([122])

وقد وضح الغزالي الآداب التي بها يستطيع مريد التزكية الاستفادة من الشيخ المربي، ومن تلك الآداب أن لا يجادله أو يشتغل بالاحتجاج معه في كل مسألة، لأن ذلك قد يدعوه إلى إساءة الأدب معه، وهو حائل بينه وبين إمكانية الاستفادة منه، وأن يعمل ما يأمره به من العمل قدر وسعه وطاقته، ولو لم يفهم مراد الشيخ من ذلك، لأن وضيفة الشيخ هي وظيفة الطبيب، والمريض لا يسأل طبيبه ـ مادام يثق في كفائته ـ عن أسرار وظيفته ([123]).

وينبه الغزالي هذا الشيخ الذي يعالج قلوب المريدين بأن لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص، في طريق مخصوص مالم يعرف أخلاقهم وأمراضهم، ولذلك ينبغي (أن ينظر في مرض المريد في حاله وسنه ومزاجه وما تحملته بنيته من الرياضة، ويبني على ذلك رياضته)([124])

ويضرب الغزالي الأمثلة الكثيرة على نماذج علاج المشايخ لمريديهم، ومن ذلك أن المريد إذا كان مبتدئا جاهلا بحدود الشرع، فعليه أن يعلمه أولا الطهارة والصلاة وظواهر العبادات، وإن كان مشغولا بمال حرام أو مقارفا لمعصية يأمره أولا بتركها، (فإذا تزين ظاهره بالعبادات، وطهر عن المعاصي الظاهرة جوارحه نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه ليفطن لأخلاقه وأمراض قلبه)([125])، ثم يعالجه ـ انطلاقا من ذلك ـ مما يراه مناسبا لحاله.

الصحبة الصالحة:

ولها دور كبير في التنبيه للعيوب، أو في المذاكرة للتطهر منها، وقد عبر الغزالي عن ذلك بقوله:(.. أن يطلب صديقا متدينا نصيرا، فينصبه رقيبا على نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله، فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهر ينبهه عليه)([126])

فليست هذه الصحبة التربوية صحبة مداهنة أو تغاض عن العيوب، وإنما هي صحبة تنظيف وتطهير وإصلاح، والغزالي يجدد للصاحب الصالح خمس خصال، وهي: (أن يكون عاقلا حسن الخلق غير فاسق ولا مبتدع ولا حريصا على الدنيا)([127])، فمثل هذا الصاحب هو الذي يمكن الإستفادة منه في هذا المجال.

الأعداء:

لأن العدو يبحث عن عيوب عدوه وينبهه إليها، ومع أن ذلك من العدو شماتة أو حسد، وفيها من المبالغة والتضخيم ما فيها إلا أن الساعي لإصلاح نفسه لا يلتفت إلى ذلك، وإنما ينظر إلى صدق ما قيل في حقه، لأن مساوئ الأخلاق (حيات وعقارب، فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقربا لتقلدنا منه منة وفرحا به، واشتغلنا بإزالة العقرب، وإبعادها وقتلها دون الالفتات إلى كونه صديقا أو عدوا)([128])

المخالطة:

وهي طريق للعلم بالعيوب من جهتين:

1 ـ أن كثيرا من العيوب لا تظهر إلا بالمخالطة، (كل غضوب أو حقود أو حسود إذا خلا بنفسه لم يترشح منه خبثه)، ويشبه الغزالي ذلك بالدمل الممتلئ بالصديد، قد لا يحس صاحبه بألم ما لم يتحرك، أو يمسه غيره، فإن لم يكن له يد تمسه، أو عين تبصر صورته، لم يكن من يحركه ربما ظن بنفسه السلامة ([129]).

2 ـ أ ن يرى من عيوب غيره عيوب نفسه، فيكون قصده من رؤية عيوب غيره الإستفادة، لا الشماتة أو التكبر، فلو ترك الناس ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب، ويروي الغزالي في ذلك عن عيسى عليه السلام قوله ـ عندما سأل من أدبك؟ ـ:(ما أدبني أحد، رأيت جهل الجاهل شينا فاجتنبته)([130])

ب ـ المنهج العملي:

العمل هو الركن الثاني في العلاج النفسي، وهو نتيجة طبيعية لاستقرار معاني العلم في النفس والتأثر بها والانفعال لمتطلباتها.

ولا نستطيع ـ هنا ـ أن نحصي كل الأعمال التي يقوم بها طالب التزكية، فإن لكل مرض علاجه الخاص به، والربع الثالث من الإحياء قد حوى كل ذلك، وبتفصيل شديد، ولكن جملة ذلك تعود إلى ما يمكن التعبير عنه بـ(مضادة الصفات)، وهي معالجة كل صفة نفسية بضدها، فيعالج مرض الجهل بالتعلم، ومرض البخل بالتسخي، ومرض الكبر بالتواضع، وهكذا ([131]).

وهو يقدم لذلك بتشبيه العلل الباطنة بالعلل الظاهرة، فعالم الشهادة عنده إسقاط ونموذج من عالم الغيب، يقول الغزالي: (فكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن الموجبة للمرض لا تعالج إلا بضدها، فإن كانت من حرارة فبالبرودة، وإن كانت من برودة فبالحرارة، فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدها)([132])

وهو يطبق هذه القاعدة على كل الأمراض، فالعلاج العلمي للحسد أن يعرف طالب التزكية حكم الحسد، وما يتقاضاه من قول وفعل، فيخالفه ويعمل بنقيضه، فيثني على المحسود، ويظهر الفرح بنعمته، ويتواضع له، وبذلك يعود المحسود صديقا له، فيزول عنه الحسد، ويتخلص من الإثم والألم ([133]).

والعلاج العملي للرياء أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها، كما يغلقها على الفواحش حتى يقنع بعلم الله وإطلاعه، ولا تتشوف نفسه لغير الله ([134]).

وهذه الأعمال التي يقترحها الغزالي لمعالجة العلل الباطنة صعبة، والصبر عليها شاق، ولكن دون الشفاء مرارة الدواء ([135]).

وهو يذكر الأمثلة الواقعية الكثيرة على ذلك تنشيطا للهمم، وحثا للإرادة، فقد حكى عن بعضهم أنه كان لأجل تعويد نفسه على الحلم يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس، ويكلف نفسه الصبر، ويكظم غيظه، حتى صار مضرب المثل في الحلم، وبعضهم كان يستشعر في نفسه الجبن، فأراد أن يحصل خلق الشجاعة، فكان يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الأمواج ([136]).

وهذا يذكرنا بـ (ديموستين)([137]) خطيب أثينا الكبير الذي شيدت له التماثيل تعظيما له مع أنه ولد عيبا ضعيف الجسد لا يقوى على الكلام، ولكنه كان يعمل للتغلب على ما فيه من نقص طبيعي، فكان يخاطب البحر، وفمه مملوء بالحصاء، أو يخطب، وهو بصعد الجبل، وكان يعيد خطبه مرارا على نفسه أمام المرآة ([138]).

وهنا يفند الغزالي شبهة قد تغري النفس فتمنعها من المجاهدة التي ترهقها وتحول بينها وبين ملذاتها قائلا: (إذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل وتميل إليه، فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة، والتزمت المواظبة عليه)([139]). وذلك لأن ميل النفس إلى المعاصي خارج عن الطبع، أما ميلها إلى الحكمة، فهو مقتضى القطرة، وهو كالميل إلى الطعام والشراب.

وهو لذلك ينقل من غرائب طباع النفس وشذوذاتها الأمثلة الكثيرة، مبينا كيف أصبحت نتيجة الممارسة مستلذة لدى أصحابها حتى أنه يجري بين (الحجامين والكناسين التفاخر والمباهاة كما يجري بين الملوك والعلماء)([140])

ويساعد على العناء الحاصل من هذه المجاهدة مشاهدة أصحاب الفعال الجميلة، فهم قرناء الخير، وإخوان الصلاح، (اذ الطبع يسرق من الطبع الخير والشر جميعا)([141])

وبالإضافة إلى الاعمال السابقة المتعلقة بالجوارح، يرى الغزالي ضرورة تأييدها وتأسيسها على عمل العقل، وهو التفكير، فليست ثمرة التفكير العلوم وحدها، بل إن جميع الأعمال والأحوال من ثمراته، وذلك لأن العلم إذا استقر في القلب تغير بالضرورة حاله، ولذلك يستخدم الغزالي هذا العلاج العلمي في كل أمراض النفس:

فعلاج الغيبة أن يتفكر في الوعيد الوارد فيه: (فينظر في قلة حسناته وكثرة غيبته، وأنه ينتهي إلى إفلاسه على القرب، فإن كان فيه عيب، فيشتغل بنفسه عن غيره)([142])

وعلاج العجب أن يتفكر، ويقول في نفسه: (إنما أعمل بيدي وجارحتي، وقدر إرادتي، وكل ذلك ليس مني ولا إلي، وإنما هو من خلق الله وفضله علي، فكي أعجب بعملي ونفسي؟)([143])، وهكذا في علاج كل الأمراض النفسية.

وقد كتب الغزالي خطابا طويلا في توبيخ النفس حوى الكثير من مجاري التفكير ضمنه كتاب (المراقبة والمحاسبة) من الإحياء ([144])، وهو في منتهى البلاغة والجمال الأدبي يجعلنا نؤيد ماعبر عنه د.زكي مبارك بقوله:(والذي يعبر بنظره كتاب الإحياء والأربعين وكتاب المنهاج يرى البدائع الفنية وألوان البيان في طرق الترغيب والترهيب، وهو يجيد في التخييل حتى يغلب القارئ على أمره، ويشككه في نفسه، ويحمله قهرا على أن يدرس نفسه من جديد)([145])، ولكنه يعقب على ذلك بقوله:(وهذا وجه الخطر في مؤلفات الغزالي)([146])

وهو تعقيب غير موضوعي لأن دراسة الإنسان لنفسه ومراجعة أفكاره وأعماله هي السبيل الوحيد للوصول إلى الكمال الإنساني المنشود.

3 ـ ثمار التزكية:

لعل أهمل ثمار التزكية التي يشير إليها الغزالي، ويتفق عليها كل الصوفية، بل كل من تحدث في التزكية هي (معرفة الله) والأحوال الناتجة عنها، وبما أن الحديث عن ذلك سبق في مبحث التصوف([147])، فإنا سنقتصر ـ هناـ على الثمار العملية للتزكية، وخصوصا ما يتعلق منها بالجانب الاجتماعي.

أ ـ الأخلاق:

يعرف الغزالي الخلق بأنه (هيئة في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة خلقا سيئا)([148])

ويرد الغزالي على من قصر الخلق على الأفعال بأن الجوارح المؤدية لتلك الأفعال تستوي عندها كل التصرفات سواء كانت حسنة أو قبيحة، ومن ثم فقد تبرز عنها بعض التصرفات الحسنة على سبيل الندرة، أو بباعث الرياء والسمعة، وذلك مناقض للخلق الحسن، ويضرب مثالا على ذلك بالسخاء، فرب شخص خلقه السخاء، ولا يبذل بسبب فقد المال أو لمانع، وآخر خلقه البخل، وهو يبذل بباعث من رياء غيره ([149]).

ومن هنا فإن الظروف المحيطة مهما تعقدت لا تؤثر في صاحب الخلق الحسن، لأن خلقه هيئة راسخة في نفسه، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بذلك في قوله تعالى: { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } (الأحزاب:39) وقوله تعالى: { يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ }(المائدة:56)

وعدم القدرة على تصور الأساس الإيماني للخلق الذي جر الغزالي إلى التعامل النفسي معه هو الذي دفع البارون كارادوفو إلى قوله: (إن علم الأخلاق عند الغزالي هو علم نفسي خلقي على الخصوص، ومن الجلي أنه مدين لعلم الأخلاق لدى اليونان قليلا، ولا يكاد يكون أقل من هذا على الراجح اقتباسه شكلا بالتعليم الخلقي المداول لدى النصارى في ذلك الحين)([150])

ومع أنه يقر بعدم وجود الدليل الذي يكشف له هذه المنابع إلا أنه يمضي كسائر المستشرقين ينسب كل منقبة في الإسلام إلى أصل يوناني أو نصراني.

انطلاقا من تصور الغزالي للخلق أخذ يحلل الصورة الباطنة التي هي مصدر السلوكيات الظاهرة إلى مكوناتها الأساسية مسقطا كعادته الباطن على الظاهر، يقول في ذلك:(وكما أن حسن الصوة الظاهرة مطلقا لا يتم بحسن العينين دون الأنف والفم والخد، بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر، فكذلك للباطن أربع أركان لا بد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق)([151])، وهذه الأركان الأربعة هي: قوة العلم وقوة الغضب، وقوة الشهوة، وقوة العدل بين هذه القوى الثلاثة.

وأمهات الأخلاق وأصولها الصادرة عن تهذيب تلك القوى الأربعة هي الحكمة والشجاعة والعفة والعدل، (ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع إلا رسول الله a، والناس بعد متفاوتون في القرب والبعد منه، فكل من قرب منه في هذه الأخلاق، فهو قريب من الله تعالى بقدر قربه من رسول الله a) ([152])

ب ـ الآداب:

والغزالي يقسمها إلى نوعين:

الآداب الظاهرة:

ويعرفها بأنها (ضبط الحركات بموازين المعاني)([153])، والربط بين الحركات والمعاني عند الغزالي ـ هناـ هو نفسه الربط بين الظاهر والباطن في كل القضايا التي يبحث فيها سواء كانت عقدية أو نفسية أو صوفية، فإن الظاهر هو عنوان الباطن، والباطن ـ هناـ هو تلك المعاني التي تعبر عن أرواحها أجسام الحركات، وهنا تختلف الآداب عن الأخلاق، فالأخلاق تظهر عن طريق الأفعال المبينة للهيئة الراسخة، وهي تختلف من حالة إلى حالة، أما الآداب فأفعالها مضبوطة ومقيدة بموازين خاصة، هي موازين المعاني.

وبما أن الناس يختلفون في إدراك تلك المعاني، وعوامهم لا يدركونها أصلا، والعلماء أيضا يختلفون في ذلك، فالعقول مختلفة، واعتبارات النظر مختلفة، فلذلك لا بد من ضابط يوحد تلك الحركات، وذلك الضابط هو (النبي المعصوم) لعلمه الكامل بموازين المعاني.

ولذلك فإن الآداب الظاهرة عند الغزالي لا تتحقق إلا بالاقتداء التام بالرسول a في جميع الحركات، يقول الغزالي: (أعلم أن العالم لا يكون وارثا للنبي a إلا اذا اطلع على جميع معاني الشريعة حتى لا يكون بينه وبين النبي a إلا درجة واحدة هي درجة النبوة، وهي الدرجة الفارقة بين الوارث والمورث)([154])

وقد جمع الغزالي الكثير من الآداب الظاهرة في بعض رسائله وكتبه، ولعل أهمها وأصلحها للعامة بحكم صغر حجمها وسهولة أسلوبها: (بداية الهداية)، و(الأدب في الدين) أما إحياء علوم الدين فملئ بتفاصيل: آداب الأكل والشرب، والسفر والزواج والعزلة والخلطة وطلب العلم والتجارة والتكسب… حتى آداب من سرق متاعه، أو ضاعت ضالتة، وكل أدب منها مرفوق بالنصوص الحاثة والآثار الباعثة ممتزجة بتوجيهات الغزالي وعظاته، مما يجعل حركات الإنسان جميعا مقيدة بالموازين الشرعية، فبذلك التقييد يتحقق الكمال الإنساني، فـ (الاسترسال مهملا كما يتفق سجية البهائم)([155])

ولكن هذا التحديد الذي لم يكن دور الغزالي فيه إلا استنباطه من الشريعة وإخراجه للناس لم يعجب زكي نجيب محمود الذي قال: (قل ما شئت عن الإمام الغزالي في قوة حجته وفي قدرته القادرة على التحليل، وفي سعة أفقه وغزارة علمه وحضور بديهته، وفي عقلانية نظرته فلن تجاوز الحق، ولكن ذلك كله لا ينفي عنه أنه استخدم تلك القوة والقدرة والرسوخ في أن رسم صورة تفصيلية للمسلم، كيف ينبغي له أن يعيش ليساير ما يقتضيه الشرع.. فكان كأنما وضع لحياة المسلم قالبا من حديد لم يعد بعدها قادرا على أن يتحرك بتلقائية الإنسان المفكر الحر)([156])

مع أن الالتزام بتلك الآداب والتقيد بها هو الذي أخرج العباقرة الذي يشهد لهم زكي نجيب محمود نفسه، وأما الاسترسال مهملا ـ كما نعيش الآن ـ فمن أخرج لنا؟!

الآداب الباطنة:

ويقصد بها الغزالي ما تستشعره النفس عند أدائها لأي عمل سواء كان عبادة أو غيرها، لأن القصد من تلك الظواهر المؤداة انسجام النفس معها والتحقق بها، وكما عبرنا في الآداب الظاهرة من الحركات إلى معانيها، فالعبور من الباطن أو الروح أو المعنى إلى الظاهر أو الجوارح أو الحس، وفي كل ذلك يتوحد الإنسان بتوحد سلوكه وتوجهه واهتمامه، وفي ذلك التوحد يتحقق معنى الإسلام.

والغزالي يفصل الآداب الباطنة، وما ينبغي أن تستشعره النفس المؤمنة في كل تصرفاتها، ويأتي في ذلك أحيانا بالغرائب، فمن آداب المتصدق مثلا أن يعتبر الفقير محسنا إليه لقبوله صدقته، وعلامة ذلك (أن يقدر أن الفقير لو جنى عليه جناية، أو مالأ عدوا له عليه مثلا، هل كان يزيد استنكاره واستبعاده له على استنكاره قبل التصدق؟)([157])

وقد ألف الغزالي زيادة على ما في الإحياء من دقائق الآداب الباطنة رسالة خصها بها سماها (منهاج العارفين) بين فيها ما ينبغي استشعاره عند كل سلوك عادي، فعند اللبس مثلا (اذكر محبة الله الستر على عباده، فلا تفضح أحدا من خلقه بعيب تعلمه منه، واشتغل بعيب نفسك، فاستره بدوام الاضطرار إلى الله تعالى في تطهيره) ([158])، وهكذا في كل حركة من الحركات العادية.

رابعا ـ الروابط الاجتماعية

تعرضنا في الأسس السابقة إلى كيفية بناء الفرد بناءا سليما ليكون لبنة صالحة في صرح البناء الاجتماعي، ولكن بناء المجتمع مع ذلك يظل محتاجا إلى روابط توثق صلات أفراده وتقويها، فالمسلمون (كالبنيان يشد بعضه بعضه بعضا) ([159])

وتنطق هذه الروابط في تصور الغزالي من أسس نفسية، وتتفرع إلى ظواهر سلوكية، وكلاهما ركن في تنمية الروابط وشدها وتوثيقها، وسنرى ذلك في هذا المبحث.

1 ـ الأسس النفسية للروابط الاجتماعية:

الظاهر عند الغزالي – كما عرفنا سابقا ـ عنوان الباطن، فكل سلوك ظاهري ينبع من حالة نفسية، ويستمد قيمته منها. وهذا الأمر ينطبق على الروابط الاجتماعية، فإنها تقوم على أسس نفسية، عليها يتوقف صدق العلاقات الاجتماعية ومثاليات الظواهر السلوكية، والغزالي يقسم الأسس النفسية الرابطة بين أفراد المجتمع إلى قسمين:

الروابط المادية:

وهي الروابط المتعلقة بأغراض دنيوية محضة، فيكون التوجه في هذه العلاقات مرتبطا بالأغراض المادية يدوم بدوامها وينفصم بانقطاعها، والغزالي يشبه المحبة الناشئة عنه أمثال هذه العلاقات بحب الناس للذهب والفضة، فهي علاقات تجارية تحكمها المصلحة، وتحدد سلوكياتها المنافع، ولكن حكمها مع ذلك يتراوح بين الذم والإباحة، فما كان المقصد منه مذموما كمحبة الأستاذ الذي ينال به الطالب رتبة العلم، وكان مقصده من العلم تولي الولايات التي لايطلبها إلا لأغراض دنيئة محرمة، كطلب الجاه أو حيازة أموال اليتامى أو ظلم الناس فإن ذلك المقصد محرم مذموم، وأما إن كان المقصد مباحا، فإن تلك الرابطة تأخذ حكمه، فـ (إنما تكتسب الوسيلة والصفة من المقصد المتوصل إليه، فإنها تابعة له غير قائمة بنفسها) ([160])

ومع ذم الغزالي الشديد للدنيا واعتبارها الحجاب الأعظم الحائل بين العباد وربهم ([161]) إلا أنه يجيز اجتماع محبتين في قلب العبد: محبة الله ومحبة الدنيا، فإذا أحب مثل هذا الشخص آخر لأنه توصل به إلى رضوان الله وإلى الكفاف في أمور الدنيا، (فهو من المحبين في الله) ([162])

ويستدل الغزالي لذلك بأن حب الدنيا مطبوع في القلوب لا يمكن الإنفكاك عنه، والشرع لم يأمرنا بذلك كما قال تعالى مخبرا عن دعاء المؤمنين: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً } (البقرة:199)، وينقل دعاء المسيح عليه السلام: (اللهم لا تشمت بي عدوي، ولاتسؤ بي صديقي، ولاتجعل مصيبتي لديني، ولاتجعل الدنيا أكبر همي)، ويعقب عليه بقوله: (فدفع شماتة الأعداء من حظوظ الدنيا، ولم يقل: ولاتجعل الدنيا أصلا من همي، بل قال: ولا تجعلها أكبر همي) ([163])

ويستدل كذلك بطلب كل مؤمن السعادة في الآخرة، ورغبته في تحقيق مقاصده فيها، وما الدنيا والآخرة إلا حالتان إحداهما أقرب من الأخرى، فكيف يتصور أن يحب الإنسان حظوظ نفسه غدا، ولا يحبها اليوم؟

أما ما ورد في ذم الدنيا فإن المقصود به ـ كما يرى الغزالي ـ الحظوظ التي تنافي حظوظ الآخرة وتمنع منها، أما الحظوظ غير المنافية كالزواج الصحيح وأكل الحلال وغير ذلك، فليس فيها أي منافاة أو تضاد من حظوظ الآخرة، فلذلك لو أحب الرجل زوجته لحظوظ الدنيوية والآخروية كان حبه في الله ([164]).

ولا بأس من الإشارة هنا إلى قضية جوهرية في المنهج التصنيفي للغزالي أسيء يسبب الغفلة عنها تفهم مواقفه، وهي ما عبر عنه بقوله: (من أسرار حكمة الشريعة أن كل ما يطلب الطبع فيه الطرف الأقصى، وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة في المنبع على وجه يومئ عند الجاهل أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الإمكان. والعالم يدرك أن المقصود وسط)([165])

ولذلك فان الغزالي بعد ذكره للطوائف المغالبة في حب الدنيا ونقيضها المغالبة في بغضها ذكر الموقف الحقيقي نحوها، وهو (ماكان عليه رسول الله a وأصحابه، وهو أن لايترك الدنيا بالكلية، ولايقمع الشهوات بالكلية، أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد، وأما الشهوات فيقمع منها ما خرج عن طاعة الشرع والعقل، ولا يتبع كل شهوة، ولا يترك كل شهوة)([166])

الروابط الروحية:

وهي العلاقة التي سماها الشارع ب (الحب في الله) وهو كما يعرفه الغزالي (كل حب لا يتصور دون الإيمان بالله واليوم الآخر) ([167])، وهو ينقسم بحسب ذلك إلى محبة عامة، وهي المحبة المطلوب بها نصيبا من المحبوب يوصل إلى الآخرة، وهي عند الغزالي درجة عموم المؤمنين، وأما الخاصة من المؤمنين، فمحبتهم في الله والله، دون أي حظ أو غرض.

وفي كلتا الدرجتين تكون علاقة الفرد بالمجتمع محكومة بضابط هذا الحظ الإيماني، وهو لا يتصور إلا لمن امتلأ قلبه بحب الله وذكر الآخرة، وصارت جوارحه تابعة لقلبه في همته، فتكون كل تصرفاته وسلوكياته وعلاقاته ومواقفه ناتجة عن همته، فإذا أحب التلميذ أستاذه ـ مثلا ـ لأنه يتوصل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل، وكان مقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة فهو من المحبين في الله، وكذلك إذا أحب الأستاذ تلميذه لأنه بسببه ينال شرف التعليم وجزاءه المعد له في الآخرة، وهكذا الذي يتصدق بأمواله لله، ويجمع الضيوف ويهيء لهم أصناف الأطعمة تقربا إلى الله، (فأحب طباخا لحسن صنعته في الطبخ، فهو من جملة المحبين في الله) ([168])

وهذا الحب هو أقوى الروبط، وهو الذي وردت الآثار الكثيرة في فضله والثناء على أهله، وتتفاوت درجات هذا الحب بتفاوت العلاقة الوجدانية بين العبد وربه، لذلك لا يحيل الغزالي وجود مثل هذا الحب، ولو في عوام المؤمنين، فإنه (ما من محب للآخرة ومحب لله إلا إذا أخبر عن حال رجلين، أحدهما عالم عابد، والآخر جاهل فاسق إلا وجد في نفسه ميلا إلى العالم العابد، ثم يضعف ذلك الميل ويقوى بحسب ضعف إيمانه وقوته، ويحسب ضعف حبه لله وقوته)([169])

وذلك الميل النفسي هو المحبة نفسها، فالحب عند الغزالي هو (ميل الطبع إلى الشيء الملذ)([170])، وهو تابع للإدراك مرتبط به، وثمرة من ثمار المعرفة، فلذلك كانت الروابط بين المؤمنين عند الغزالي مرتبطة بالمعرفة والسلوك، فبقدر تزكية الإنسان لنفسه يقدر ما يحققه بالمحبة للمؤمنين، فهي علامة الصفاء النفسي والقرب من الله تعالى.

ومثل هذه العلاقات لا تنطوي على أي أمراض تخرب المجتمعات أو تشيع فيها المظاهر الفاسدة، فليس فيها الحسد ولا الكبر ولا الحقد ولا ما ينشأ عنها من سلوكيات مدمرة لنفس الإنسان ومجتمعه، بل إن الفرد في علاقة (المحبة في الله) ـ كما يصوره الغزالي ـ يذوب في وسط إخوانه ذوبانا لا يمحوه، وإنما يرفعه، ولايذله، وإنما يعزه.

وكما تساهم (المحبة في الله) كأساس نفسي في الربط بين المؤمنين وتوثيق الصلات الصادقة بين أفراد المجتمع وحمايته من كل الآثار السلبية الناتجة عن الاجتماع، فإن (البغض في الله) وهو ثمرة أخرى من ثمار المعرفة الإيمانية يؤدي نفس الغرض، وإن اختلف مظهر كليهما، فـ (البغض في الله) ضرورة ناتجة عن المحبة في الله، لأن (من أحب بسبب فبالضرورة يبغض لضده، وهذان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر) ([171])

ويفرق الغزالي بين البغض الذي هو مظهر لمرض نفسي من حسد أو حقد أو غيرها، وبين (البغض في الله) الناتج عن ولاء المرء التام لله، فيحب من أحب الله، ويبغض من أبغضه، ولو كان أقرب الناس إليه؟

ولهذا يمكن أن يجتمع في القلب الواحد نحو شخص واحد محبة وبغض، فالمسلم العاصي يحب لإسلامه ويبغض لمعصيته، فالبغض أو المحبة لا تتعلقان بالذات، وإنما بالعمل، فإن حسن ازدادت علاقة المحبة وثوقا، وإن ساء ازداد البغض رسوخا.

وهذا ـ كما يرى الغزالي ـ ممكن في العادات، بل هكذا يتعامل الناس فيما بينهم فإن (من وافقك على غرض وخالفك في آخر [تكون معه] في حالة متوسطة بين الإنقباض والاسترسال، وبين الإقبال والإعراض، وبين التودد إليه والتوحش عنه) ([172])

وبتأمل آراء الغزالي في (البغض في الله) نجد أنها تساهم مساهمة كبيرة في تحويل الصلات بين المؤمنين إلا صلات إيمانية تربوية، لا مجرد علاقات وجدانية عاطفية ليس لها آثار إصلاحية، فإن جميع مظاهر البغض في الله التي ذكرها الغزالي ترتبط بمدى إمكانية التأثير في العاصي الذي أبغض بسبب معصيته.

فمن تلك المظاهر مثلا قطع المعونة عن العاصي وترك نصرته، وهذا قد يبدو مظهرا سلبيا ربما يساهم في قطع الصلات بين المؤمنين والتفريق بينهم، ولكن الغزالي يعقب على ذلك بقوله:(وليس يجب تركها [أي المعونة]، إذا ربما يكون لك نية في أن تتلطف بإعانته وإظهار الشفقة عليه ليعتقد مودتك، ويقبل نصحك، فهذا حسن، وإن لم يظهر لك، ولكن رأيت أن تعينه على غرضه قضاء لحق إسلامه، فذلك ليس بممنوع، بل هو الأحسن)([173])

2 ـ الظواهر السلوكية:

إن المظاهر السلوكية نتيجة حتمية للأسس النفسية تترقى برقيها، وتنزل بنزولها، وسنكتفي بالحديث هنا على خمسة سلوكيات اجتماعية يدعو الغزالي بأساليب مختلفة إلى رعايتها، وهي:

التناصح:

بما أن العلاقة بين المؤمنين هي علاقة الأخوة في الله فإن التناصح هو المظهر الأول لهذه العلاقة، فالمؤمنون يجتمعون بالله، ويتفرقون عليه، وينقل الغزالي في هذا المعنى عن ذي النون المصري ([174]) قوله: (لاتصحب مع الله إلا بالموافقة، ولا مع الشيطان إلا بالعداوة) ([175])

وليس في هذا السلوك أي وحشية أو نفرة قلب، بل هو عين الشفقة والرحمة، لأن (من ينبهك إلى صفة مذمومة اتصفت بها لتزكي نفسك عنها كان كمن ينبهك على حبة أو عقرب تحت ذيلك، وقد همت بإهلاكك، فإن كنت تكره ذلك فما أشد حمقك)([176])

ولكن الغزالي يفرق بين المناصحة التي تتعلق بالمصالح الدينية أو الدنيوية، وبين المناصحة التي هي عتاب على التقصير في الحقوق الأخوية، فإن الأفضل في الحالة الثانية هو الاحتمال والعفو والصفح والتعامي إلا إذا أدى استمرار ذلك إلى القطيعة، فحينذاك يكون (العتاب في السر خير من القطيعة، والتعريض خير من التصريح، والمكاتبة خير من المشافهة، والاحتمال خير من الكل)([177])

وذلك لأن الغزالي يرى أن دوام اتصال العلاقة بين المؤمنين المصلحة الكبرى التي ينبغي المحافظة عليها، ولو يتحمل بعض المفاسد الفرعية الناجمة عن هذه العلاقة إذا أدى إصلاحها إلى ضرر على وجود العلاقة أو دوامها.

وبناء على هذا الأصل، يدعو الغزالي إلى الأخذ بآداب النصيحة، فلا يكون الباعث عليها إلا الشفقة والرحمة بالمنصوح، ثم انتهاج الأساليب المناسبة لذلك، بأن (تذكر آفات ذلك الفعل وفوائد تركه، وتخوفه بما يكرهه في الدنيا والآخرة ليترجر عنه، وتنبهه إلى عيوبه، وتقبح القبيح في عينه، وتحسن الحسن)([178])

وذلفك كله في السر، فالنصيحة في العلن فضيحة، وينقل الغزالي عن الشافعي في ذلك قوله: (من وعظ أخاه في السر فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه) ([179])

ولا يلزم الناصح أسلوبا واحدا لا يتعداه، بل يتلطف في النصح باختلاف أساليبه، فينصح بالتعريض مرة، وبالتصريح أخرى، ولكنه إن علم أن النصح لا يؤثر فيه، (وأنه مضطر من طبعه إلى الإصرار عليه، فالسكوت عنه أولى) ([180])

وهنا يفرق الغزالي بين المداراة المشروعة باعتبارها مصدرا لدوام العلاقة بين المؤمنين، وبين المداهنة المذمومة، ويعبر عن هذا التفريق بقوله: (إن أرضيته لسلامة دينك، ولما ترى من إصلاح أخيك بالإغضاء، فأنت مدار، وإن أغضيت لحظ نفسك، واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك، فأنت مداهن) ([181])

وكما تتعلق المناصحة بالقول تتعدى إلى الفعل، فالتاجر النصوح هو الذي يعامل زبائنه بالمناصحة وعدم الغش، يقول الغزالي ذاكرا بعض آداب التاجر: (أن يظهر جميع عيوب المبيع خفيها وجليها، ولا يكتم منها شيئا، فذلك واجب، وإن أخفاه كان ظالما غاشا، وكان تاركا للنصح في المعاملة، والنصح واجب)([182])

وهو يطيل في تفصيل كيفية النصح في التجارة والمعاملات المالية، لما لها من آثار في العلاقات الاجتماعية، وفي تيسير حياة الناس، وله فيها كتاب خاص في الإحياء سماه (آداب الكسب والمعاش)

ومن تلك الآداب: ترك الثناء على السلعة بما ليس فيها، وأن لا يجلس في طريق المسلمين، فيضيق عليهم، وأن لا يبخس في كيله، ولا ينقص في وزنه، وإذا وقف عليه شريف أكرمه، أو جار فضله، أو ضعيف رحمه، أو غير هؤلاء أنصفه ([183]).

والحاكم النصوح هو الذي يرفق برعيته، ويترك التعنيف والتكبر عليهم، ويتودد إليهم، مع مزج الرهبة لهم رحمة بهم ([184])، ولا يكتفي برفع يده عن الظلم، بل يأمر نوابه وعماله بذلك، ويتشدد عليهم فيه، فإنه يسأل عن ظلمهم، كما يسأل عن ظلم نفسه ([185]).

والمعلم النصوح هو الذي يبدأ بصلاح نفسه، باعتباره قدوة لتلاميذه، ويلزم الصمت في جلسته، ويكون معظم تأديبه بالرهبة، ولا يحادثهم فيجرئون عليه، ولا يدعهم يتحدثون وينبسطون بين يديه، ولا يمازح بين أيديهم أحدا، ويتنزه عما يعطونه ([186]).

والقاضي النصوح هو الذي يمنع الحاشية من الفساد والطغيان، ويرفق بالأرامل، ويحتاط للأيتام، ويتوقف في الجواب، ويرفق بالخصوم، ولا يميل إلى أحد المتخاصمين ([187]).

وهكذا يختلف مظهر التناصح باختلاف الوظيفة، وكل فرد في المجتمع قائم على مصلحة من مصالح المسلمين، وتلك المصلحة في التي تفرض عليه السلوك الخاص بها، والضابط الكلي لذلك – كما ينص عليه الغزالي – هو (أن لا يحب لأخيه إلا ما يحبه لنفسه، فكل ما لو عومل به شق عليه، وثقل على قلبه، فينبغي أن لا يعامل غيره به) ([188])

التآلف:

ويشمل كل الآداب الشرعية المؤلفة بين قلوب المؤمنين، والموثقة لعرى المودة بينهم، كما قال تعالى: { لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } (الأنفال:63)

والغزالي يجمع الكثير من تلك الآداب من النصوص الشرعية ويقيس عليها غيرها، وسنلخص هنا ما أمكن من تلك الآداب:

فمنها ما يسميه ب(السكوت)، وهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في غيبته وحضرته، بل يتجاهل عنه، ويسكت عن الرد عليه فيما يتكلم به، ولا يماريه، ولا يناقشه، وأن يسكت عن التجسس والسؤال عن أحواله إذا ما علم أن ذلك لا يرضيه، وإذا رآه في طريق أو حاجة لم يفاتحه بذكر غرضه من مصدره ومورده، ولا يسأل عنه، لأنه ربما يثقل عليه ذكره، أو يحتاج إلى أن يكذب فيه، وليسكت عن أسراره التي بثها إليه، ولا يبثها لغيره البتة، ولو إلى أخص أصدقائه، ولا يكشف شيئا منها، ولو بعد القطيعة، وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده، وأن يسكت عن حكاية قدح غيره فيه ([189]).

ومنها التماس مايزيد أواصر المحبة الأخوية، وأولها إخبار الأخ بالمحبة لقوله a: (إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره) ([190])، ويعقب الغزالي على هذا الحديث بقوله: (إنما أمرنا بالإخبار لأن ذلك يوجب زيادة حب، فإن عرف أنك تحبه أحبك بالطبع لا محالة، فإذا عرفت أنه أيضا يحبك زاد حبك لا محالة، فلا يزال الحب يتزايد من الجانبين ويتضاعف)([191])

ومنها أن يدعوه بأحب أسمائه إليه في غيبته وحضوره، ويثني عليه بما يعرف من محاسن أحواله، بل يثني على أولاده وأهله وصنعته وفعله حتى على عقله وخلقه وهيئته وشعره وجميع ما يفرح به، وذلك من غير كذب وإفراط، وأن يبلغه ثناء من أثنى عليه مع إظهار الفرح، فإن إخفاء ذلك حسد، وأن يشكره على صنيعه في حقه، ويذب عنه في غيبته مهما قصد بسوء، أو تعرض لعرضه بتصريح أو تلميح.

ويجعل الغزالي الحد الجامع لهذه المظاهر وغيرها هو (الإخلاص في الصحبة)، ويفسره باستواء الغيب والشهادة، واللسان والقلب، والسر والعلانية، والجماعة والخلوة، ويعتبر ضده نفاقا، وينصح من كان كذلك بالانقطاع والعزلة لأن (حق الصحبة لا يطيقه إلا محقق، فلا جرم أجره جزيل لا يناله إلى موفق) ([192])

ومن علامات هذا الإخلاص الدعاء للأخ في حياته وبعد موته بكل مايحبه لنفسه ولأهله، وكل ما يتعلق به، وينقل الغزالي عن محمد بن يوسف الأصبهاني ([193]) هذه الصورة الجميلة للأخ المؤمن: (أين مثل الأخ الصالح؟ أهلك يقتسمون ميراثك، ويتنعمون بما خلفت، وهو منفرد لحزنك، مهتم بما قدمت وما صرت إليه، يدعو لك في ظلمة الليل، وأنت تحت أطباق الثرى)([194])

التسامح:

كما أن الجانب الإيماني من الأخوة يحفظ بالتناصح، وجانب الترابط وتوثيق العلاقة يوطد بالتآلف، فإن دوام الأخوة يقتضي التسامح والعفو وسعة الصدر فيما يعرض للأخوة من أزمات تريد فك أواصرها، ويذكر الغزالي لذلك موقفين كلاهما يساهم في تحقيق معنى التسامح بين المؤمنين، هما:

  1. الاحتمال وسعة الصدر والتماس الأعذار القريبة أو البعيدة، وينقل الغزالي في هذا المعنى قول بعضهم: (ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرا، فلا تقبله، فأنت المعيب لا أخوك)([195])
  2. قبول الاعتذار من الأخ مع عدم تعنيفه، فإن لم يتحقق بذلك فقد ورد الوعيد الشديد في بيان إثم ذلك، زيادة على دلالته على قساوة القلب، فإن القلوب المؤمنة رقيقة سمحة لا تحمل الأحقاد.

ولا يتعلق التسامح عند الغزالي بجانب العلاقة الأخوية فقط، بل يتعداه إلى الجانب الديني نفسه الذي قامت على أساسه الأخوة، فالغزالي يرى أن عقد الأخوة بين المؤمنين ينزل منزلة القرابة، فإذا انعقدت تأكد الحق، ووجب الوفاء بموجب العقد، ومن الوفاء أن لايهمل أخاه أيام حاجته وفقره، وفقر الدين أخطر من فقر المال([196]).

زيادة على ذلك يؤكد الغزالي معنى إصلاحيا للتسامح، هو أن الفاجر إذا صحب تقيا، وهو ينظر إلى خوفه ومداومته، فإن ذلك يؤثر فيه، ويستحيي من الإصرار ([197])، فلذا لا ينبغي أن يحجر على مخالطة الفسقة في رأي الغزالي، والتفريق بين المؤمنين بسبب ذلك، بل يخالط تقيهم فاجرهم، ويتلطف لإصلاحه بما أطاق ([198]).

والغزالي ينقل –هنا – الخلاف الواقع بين السلف في ذلك، فقد ذهب أبو ذر إلى أن الإنقطاع عنه أولى، وقال في ذلك:(إذا انقلب أخوك عما كان عليه فأبغضه من حيث أحببته) ([199])، وذهب أبو الدرداء إلى خلافه، قال أبو الدرداء: (إذا تغير أخوك، وحال عما كان عليه، فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة، ويستقيم أخرى)([200])

والغزالي ينتصر للرأي الثاني ويقويه بالآثار الكثيرة الدالة على ذلك، أما البغض الذي أمرنا الشرع به فيتعلق بأعمال العاصي لابذاته، ولذلك قال تعالى: { فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} (الشعراء:213)، قال الغزالي: (ولم يقل: إني بريء منكم، مراعاة لحق القرابة ولحمة النسب)([201])

التكافل:

وهو من أهم المظاهر السلوكية الدالة على صدق التآخي بين المؤمنين، ولا يقصد الغزالي بالتكافل – هنا – ما شرعه الله تعالى من زكاة أو صدقات أو تطوعات، فإن ذلك قد يسد بعض الحاجات، ولكنه يقصر عن الكثير منها وإنما يقصد قيام علاقات أخوية خاصة بين المؤمنين تجعل كل واحد منهم يشعر بالمسؤولية نحو أخيه في كل شؤونه المالية وغيرها، بحيث يقضي حاجياته بشعور أدائه واجبا لا نافلة أو تطوع، فعقد الأخوة كما يراه الغزالي مثل عقد القرابة وسائر العقود الشرعية يقتضي حقوقا يجب الوفاء بها.

ويضع الغزالي للتكافل المالي بين الإخوة ثلاث مراتب تتدرج بحسب الدرجة الإيمانية للمسلم، وأدنى تلك المراتب أن ينزل الأخ أخاه منزلة خادمه، فيقوم بحاجته من فضل ماله دون انتظار سؤاله، وأعلى منها أن ينزله منزلة نفسه، فيرضى بمشاركته إياه في ماله، يأخذ منه ما يشاء، ويدع ما يشاء، وأعلاها أن يؤثره على نفسه، ويقدم حاجته على حاجته، وهذه الرتبة كما يرى الغزالي هي مرتبة الصديقين ومنتهى درجات المتحابين ([202]).

وهذه المعاملة المثالية لا تتعلق بالمال فقط، بل تتعداه إلى قضاء حاجاته والاهتمام بها، سواء كانت جليلة أو دقيقة، ويروي الغزالي في ذلك عن بعض السلف أنه كان يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة، يقوم بحاجاتهم، ويتردد كل يوم إليهم، يمولهم من ماله، فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه، وكان الواحد منهم يتردد إلى باب دار أخيه، ويسألهم: هل لكم زيت؟ هل لكم ملح؟ هل لكم حاجة؟ ([203]).

وينصح الغزالي أن لاتتخذ هذه الخصلة الشرعية سلما للمطامع الشخصية، فلا ينبغي أن يكلف الأخ أخاه ما يشق عليه، فلا يحمله من أعبائه إلا ما لم يطق منها، ولا يستمد منه جاها ولا مالا، بل (لا يقصد بمحبته إلى الله تعالى تبركا بدعائه، واستئناسا بلقائه، واستعانة به على دينه، وتقربا إلى الله تعالى بالقيام بحقوقه وتحمل مؤونته)([204])

وهكذا، بتوفر التكافل والعفة ترتقي الأخوة بين المؤمنين إلى أعلى درجات الصدق والإخلاص والوفاء.

التواصل:

يعتبر الغزالي التواصل بين المسلمين وحسن الصحبة معهم ركنا من أركان الدين، وأصلا من أصوله التي لايستغنى عنها، لأن الدين سفر إلى الله تعالى، ومن أركان السفر حسن الصحبة مع المسافرين ([205]).

وهذا المبدأ السلوكي العام يختلف باختلاف المصاحبين لأن الشارع فرق بين درجات الناس في المودة والمعاملة، يقول الغزالي: (وكل مخالط، ففي مخالطته أدب، والأدب على قدر حقه، وحقه على قدر رابطته التي بها وقعت المخالطة)([206])

وبناء على ما اعتبره الشارع من روابط يقسم الغزالي درجات التواصل ويرتبها كما يلي:

القرابة:

وقد أوجب الشرع وصلها واحترامها، وعلق الكثير من الأحكام بها باعتبارها المجتمع الأصغر الذي يتوقف على مدى تماسكه تماسك المجتمع الأكبر.

وأخص من حق القرابة (حق الوالدين)، ومن الآداب التي ذكرها الغزالي نحوهما: (أن يسمع كلامهما، ويقوم لقيامهما، ويمتثل أمرهما، ويلي دعوتهما ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة، ولا يبرهما بالإلحاح، ولا يمن عليهما بالبر لهما، ولا بالقيام بأمرهما، ولا ينظر إليهما شزرا، ولا يعصي لهما أمرا)([207])

ومن آداب الوالد على أولاده أن يعينهم على بره، ولا يكلفهم من البر فوق طاقتهم، ولا يلح عليهم في وقت ضجرهم، ولا يمن عليهم بتريته ([208]).

والغزالي يعتبر تربية الالأولاد من أعظم الواجبات على الآباء باعتبارها أساسا لكل السلوكيات التي تظهر على ذلك الابن في صغره أو كبره، (فالصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفسية ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه) ([209])، ولهذا وضع فصلا مهما في كتاب (رياضة النفس) لكيفية تربية الأولاد، وهو فصل في غاية الأهمية والابتكار كان للغزالي السبق فيه إلى الاهتداء إلى الكثير من الجوانب النفسية للطفل، وكيفية التعامل معه على أساسها ([210]).

الزوجية:

 وهي من العلاقات التي اعتبرها الشارع وسماها { مِيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء:21)، وسمى الزوجة على أساسها { َالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ } (النساء:36)، وقد ذكر الغزالي الآداب الكثيرة الواصلة لحبل المودة بين الزوجين، ومن آداب الرجل مع زوجته لطافة الكلمة، وإظهار المودة، والبسط في الخلوة والتغافل عن الزلة، وإقالة العثرة، وصيانة العرض، وقلة المجادلة، وبذل المؤونة، وإكرام أهلها، وشدة الغيرة عليها ([211]).

ولما لغيرة الزوج من تأثيرات سلبية على كيان الأسرة، فإن الغزالي ينصح بالاعتدال فيها، وهو أن لا يتغافل الزوج عن مبادئ الأمور التي يخشى غوائلها، دون مبالغة في إساءة الظن وتجسس البواطن، يقول الغزالي: (أما الغيرة التي يحبها الله، فالغيرة في الريبة، والغيرة التي يبغضها الله، فالغيرة في غي ريبة)([212])

ومن آداب المرأة نحو زوجها دوام الحياء منه، وقلة المجادلة له، ولزوم الطاعة لأمره، والسكوت عند كلامه، والحفظ له في غيبته، وترك الخيانة في ماله، وطيب الرائحة، ونظافة الثياب، وإظهار القناعة، واستعمال الشفقة، ودوام الزينة، وإكرام أهله وقرابته، ورؤية حاله بالفضل، وقبول فعله بالشكر، وإظهار الحب له عند القرب منه، وإظهار السرور عند رؤيته ([213]).

وهذه الآداب وغيرها تحول بيت الزوجية الذي هو المجتمع الأصغر إلى مستقر مودة وسكينة ورحمة.

الجوار:

وهو من العلاقات التي أوجبت الشريعة وصلها، فلذلك يقتضي حقوقا زائدة على حقوق المسلمين العامة، كما قال a (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) ([214])، ومن الآداب التي ذكرها الغزالي لحقوق الجوار أن يبدأه بالسلام ولا يطيل معه الكلام، ولايكثر عن حاله السؤال، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، وغيرها([215]).

عامة المسلمين:

ووصلهم يكون بمقتضى حق الإيمان، وحقوقه كثيرة منها: إفشاء السلام، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس، وشهود الجنازة، وبر القسم، والنصيحة، والدعاء له بظهر الغيب، والإخلاص في محبته ([216])، وأولها عدم إيذاء أي أحد من المسلمين، فقد قال a: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ([217])، وهذا الإيذاء يعم كل التصرفات الجارحة، ولو كانت مباحة في حد ذاتها.

وبهذا التواصل بين المؤمنين يترسخ عقد الأخوة الرابطة بينهم، ويجعل من المجتمع الإسلامي بناء واحدا متكاملا متينا.

هذه هي الأسس التي يضعها الغزالي لبناء المجتمع الصالح، وهي أسس متسلسلة مترابطة تبدأ بالفرد كلبنة أساسية في المجتمع، ثم تكون من الأفراد الأقوياء الصالحين المجتمع القوي الصالح.سسأس

الخاتمة

لقد حاولنا في هذا البحث أن نبرز جانبا هاما من فكر الغزالي، هو جانب الإصلاح الاجتماعي، والذي رأينا أنه كان هدفا أساسيا ملحوظا في جميع أعماله وتآليفه ومواقفه، ولأجل الغفلة عنه أسيء فهم الكثير من آرائه، ولعل أهم ما يبرز هذه الناحية من توجه الغزالي الفكري ما يلي:

 1 ـ أن الغزالي قام بضبط فقهي تأصيلي لمنهج الإصلاح الاجتماعي يقوم على مقاصد الشريعة الكلية، وتغليبها على الآراء الفقهية المجردة عن الأدلة القطعية، مع إعطاء قواعد عامة لذلك حتى يحفظ أسلوب الإصلاح ووسائله وأهدافه ـ بوصفها عملا شرعيا ـ من تحكم الأهواء والعقول.

 وبناء على ذلك قال بوجوب إيجاد علماء يجمعون بين العلم والتزكية تكون مهمتهم الخروج للعامة ودعوتهم وإصلاحهم، لا المكوث في المدارس والانشغال بالفروع الفقهية والكلامية أو المناظرات الجدلية، مع وجوب التكوين المتكامل لهؤلاء العلماء تربويا وعلميا.

 وإيجاد مثل هؤلاء العلماء يستدعي إصلاح نظام التعليم باعتباره ركنا أساسيا في الإصلاح الاجتماعي ؛ والذي غلبت عليه في عصر الغزالي الحرفية والجزئية والتقليد، وذلك بنظام متكامل يشمل الجوانب الشرعية والواقعية، ويعيد لفروض الكفاية الغائبة قيمتها.

 وهذه الشروط تبين العلاقة التي ينبغي قيامها بين العلم والإصلاح، فالإصلاح الشرعي الكامل ثمرة للعلم الصحيح، وهو كالشعائر التعبدية لا ينتقل المؤمن فيها من ركن إلى ركن إلا بناء على حكم شرعي، فالمصلح مقتد وتابع، لا مشرّعا.

 واعتبار العلم ركنا أساسيا في منظومة الغزالي الإصلاحية يمكن إدراكه بسهولة، فقد قضى معظم حياته مدرّسا، وبنى في آخر حياته مدرسة، وسمى كتابه الذي ضمنه آراءه الإصلاحية (إحياء علوم الدين)، وابتدأ أول جزء منه بكتاب العلم، معتبرا العلم الصحيح الخطوة الأولى للمجتمع الصالح.

 2 ـ أنه دعا إلى تعميق التعامل مع الكتاب والسنة بالفهم الصحيح،والتدبر الواعي، والتأثر الحي لما فيهما من الحقائق الكبرى، لا مجرد الانشغال بظاهر التفسير والاكتفاء بعلم الرواية. فالكتاب والسنة ـ وإن لم يخلو من الرجوع إليهما جيل من أجيال المسلمين ـ إلا أن طريقة التعامل معهما هي المختلفة، وهو ما يتفق فيه مع الكثير من المصلحين المحدثين. 

3 ـ أن الغزالي يرى أن العقيدة الإسلامية هي منطلق الإصلاح الاجتماعي، فبدون إيمان لا يكون صلاح ولا إصلاح، وقد انتقد الطريقة الجافة في تبليغ العقيدة للناس، والتي غلب عليها في عصره الطابع الكلامي والمنطقي، ودعا بدل ذلك إلى الإيمان المؤثر الذي ينطلق من العقل والقلب ليغطي جميع مناحي الحياة، ورأى لحفظ العقيدة من الشبه والأهواء ضرورة تطور علم الكلام في كل عصر بحسب ما يجدُّ فيه من الفتن.

4 ـ اختار الغزالي التصوف منهجا للتربية الإصلاحية، باعتبار الصوفية ورثة للسلف الصالح في علم السلوك، وقد حاول إنقاذ التصوف من البدع والخرافات والفلسفات التي حاولت الالتصاق به.

وفي نفس الوقت بسط الغزالي المفاهيم المعقدة لكثير من قضايا التصوف، والتي كانت محل إنكار من الفقهاء،وقد كان لذلك دور كبير في جعله أكثر شعبية، وهو ما يفسر لنا انتشار التصوف في المجتمع الإسلامي بعده بقوة.

5 ـ أنه اعتبر تزكية النفس وتخليصها من باطن الإثم أساسا من أسس الإصلاح، لما لأمراض النفوس من أثر سلبي خطير في تدهور المجتمعات وتفككها، وقد كان للغزالي دور كبير في إعطاء العلاج المناسب لتلك الأمراض، والذي لا تزال الحاجة ماسة إلى الاطلاع عليه، والاستفادة منه.

 6 ـ أنه يرى أن على الحكام القيام بالإصلاح وإعانة المصلحين، باعتبارهم ركنا أساسيا في الإصلاح الكامل الشامل، أما العلماء فإن الأولى لهم في رأي الغزالي هو الابتعاد عن أبوابهم، والاستغناء قدر الإمكان عن هباتهم حفظا لعزتهم وكرامتهم،وهذا ما يبرر لنا قيام الأوقاف في العصور المتأخرة بمصاريف العلماء مما ساهم في استقلالية التعليم والدعوة عن السلطة.

7 ـ انتقد الغزالي الكثير من الظواهر التي تسببت في تفكك وحدة المجتمع الإسلامي كالتعصب المذهبي أو الغلو في التكفير، وقد وضع البديل لذلك بالقول بصحة المذاهب الفقهية جميعا ما دامت تستمد من أصل واحد، وتضييق دائرة الكفر وضبط حدودها، وإشاعة مظاهر الترابط الاجتماعي من تكافل وتواصل وتآلف وغيرها، فالأخوة هي المظهر الكامل للعلاقة بين المؤمنين مهما اختلفت مذاهبهم وأعراقهم.

وقد لاحظنا أن الدراسات المهتمة بفكر الغزالي اختلفت نظراتها له بسبب عدم مراعاتها لبعد الإصلاح الاجتماعي في تفكيره ومواقفه؛ وهذا باستثناء بعضها كدراسة الدكتور سليمان دنيا عن (الحقيقة في نظر الغزالي)، فإن الصفة التي اجتمعت فيها شخصية الغزالي الفقيه والصوفي والمتكلم والفيلسوف هي الإصلاح، فلذا اختلفت آراؤه، أو بدت متعارضة تؤلّب عليه الخصوم،وتحيرهم في حقيقة مواقفه.

وهذا يفسر لنا ـ أيضا ـ الأسلوب الذي اختاره للتعبير عن أفكاره من كثرة التكرار في كتبه، وغوصه أحيانا إلى أعماق غامضة يصعب إدراكها، ونزوله أحيانا في تبسيطه إلى حد السطحية والسذاجة، واستعماله الكثير للأمثلة والشواهد، أو الأحاديث الضعيفة والقصص.. فهو يحاول أن يخاطب عامة الناس وخاصتهم،كل واحد بما يليق به من الأساليب.

ونرى هذا التنوع في أسلوب الطرح وموضوعه يكشف عن شخصية إصلاحية عميقة، لاعن شخصية قلقة محتارة ـ كما يزعم بعض الباحثين ـ لأن المصلح الاجتماعي يعالج أمراض مجتمعه، وهي مختلفة معقدة متشعبة، ولذا يظهر بمظهرها مختلفا ومعقدا ومتشعبا.

ولهذا نرى الغزالي الفيلسوف هو الذي ينقد الفلسفة، وينجح في الحد من غلوائها، ولو نقدها متكلما أو فقيها ما أثر فيها ذلك التأثير، فهو يدرك أن لكل مرض دواؤه الخاص به، وقد يصبح الدواء سما إذا لم يعط بالجرعات المناسبة.

وقد ظهر لنا الغزالي في هذه الرسالة بهذا المظهر: إنسان مؤمن حزين لما أصاب الدين في عصره، وما أصاب ممثليه من العلماء، فهو لذلك يمارس دوره في جميع الميادين: في العقيدة بتنقيتها من الأهواء والبدع والانحرافات، وفي التصوف بتبيين محاسنه ومساوئه، وفي سلوكات الناس بالبحث عن جذورها العميقة،وفي الملل والنحل بالرد عليها، والكشف عن أباطيلها..

وهو أثناء ذلك قد ينقل عن صوفي أو فقيه أو فيلسوف من المعاني ما يراه مناسبا، فلذلك اتهم بالنقل،ورمي بالفلسفة،وشنع عليه بالتكرار والمبالغة.

وقد حاولنا أن نبين إمكانية الاستفادة من آراء الغزالي في إصلاح واقعنا الاجتماعي الذي يكاد يمر بنفس الظروف التي مر بها عصر الغزالي من ضعف إيماني وانهيار خلقي وتشتت في الوحدة الاجتماعية وغفلة عن القضايا الأساسية.

ولعل أهم نتيجة لذلك نطرحها ـ هنا ـ هي الدعوة إلى الاهتمام بتراث العلماء والاستفادة من تجاربهم في إثراء فقه الدعوة، ونبذ التعصب الذي يبعث على تتبع عثرات العلماء وزلاتهم دون الاهتمام بما قدموا من خدمات للإسلام والمسلمين.

  وكذلك دعوة المهتمين بالعمل الإسلامي إلى تركيز الجهود في العمل الاجتماعي بدل الغرق في المتاهات السياسية، فإصلاح المجتمع هو القاعدة التي ينطلق منها الإصلاح في كافة مجالاته، وما مر بهذه الأمة من تجارب، وما حاق بها من هزائم يثبت ذلك.

  وفي الأخير، نأمل أن تؤدي هذه الرسالة بعض ما سعت له من أهداف،وأن تكون مساهمة طيبة في البحوث المتعلقة بالإصلاح الاجتماعي الذي يهتم بدراسة آراء العلماء والمصلحين وتجاربهم،و الاستفادة منها، بدل التفكير العقيم الذي يعزل مواريث الأمة وخبراتها؛ فالأمة التي لا تستفيد من رجالها أمة لا جذور لها، ولا قيام لأمرها.

  نسأل الله تعالى في نهاية هذا البحث أن يتجاوز لنا عن كل تقصير، وأن يغفر لنا كل زلة، وأن يهبنا من الفهم ويلقننا من الحكمة ما نعتصم به من كل تقول أو دعوى.

  والحمد لله رب العالمين.


([1])  الغزالي ، المنقذ من الضلال ، ص87.

([2])  الغزالي ، الإحياء : 1/22.

([3])  الغزالي ، المنقذ من الضلال ، ص89.

([4]) د.محمد جلال شرف ،الله والعالم والإنسان في الفكر الإسلامي ،بيروت:دا ر النهضة العربية،ص47.

([5])  الغزالي ، المنقذ من الضلال ، ص87.

([6])  الغزالي ، الإحياء : 1/98.

([7])  الغزالي ، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ، ص173، 174.

([8])  الغزالي ، الإحياء : 1/99.

([9])  الغزالي ، الإحياء : 1/23.

([10])  الغزالي ، المنقذ من الضلال ، ص90.

([11])  الغزالي ، المنقذ من الضلال ، ص91.

([12])  الغزالي ، الإحياء : 1/33.

([13])  الغزالي ، المنقذ من الضلال ، ص85.

([14])  الغزالي ، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ، ص172.

([15])  الغزالي ، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ، ص172.

([16])  البارون كارادوفو، الغزالي ، ترجمة عادل زعيتر، ط2 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984، ص103.

([17])  الغزالي ، الإحياء : 1/94.

([18])  الغزالي ، الإحياء : 1/94.

([19])  الغزالي ، الإحياء : 1/94.

([20])  وهي رسالة صغيرة  ومع ذلك تجمع الكثير من تفاصيل العقائد، وقد لقيت العناية من الكثير من العلماء بالشرح والتفصيل لمسائلها، وسميت كذلك لأنها وضعت بالقدس في فترة العزلة الأولى، انظر: الغزالي، الإحياء : 1/104/115.

([21])  أتباع محمد بن كرام ـ ت 869 م ـ وهي من الفرق المجسمة القائلة بأن الله تعالى محل للحوادث، انظر: عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص202، 214.

([22])  وهو طوائف شتى اجتمعت على القول بتشبيه ذات الله تعالى صفاته بغيرها ، انظر: عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص214.

([23])  انظر تفصيل  ذلك في : الغزالي، إلجام العوام عن علم الكلام ، ص:54 ـ 85.

([24]) الغزالي، الإحياء: 1/73.

([25])  الغزالي ، الإحياء : 1/74.

([26])  الغزالي ، الإحياء : 1/74.

([27])  تخريج

([28])  الغزالي ، الإحياء : 4/312.

([29])  الغزالي ، المقصد الأسنى ، ص32.

([30])  الغزالي ، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ، ص147.

([31])  المرجع السابق ، ص47.

([32])  المرجع السابق، ص171.

([33])  المرجع السابق ، ص171.

([34])  المرجع السابق ، ص145.

([35])  المرجع السابق ، ص176.

([36])  المرجع السابق ، ص177.

([37])  المرجع السابق ،  ص147.

([38])  المرجع السابق ، ص49.

([39])  المرجع السابق ، ص149.

([40])  المرجع السابق ، ص150.

([41])  رواه البخاري وغيره.

([42])  الغزالي ، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ، ص149.

([43])  المرجع السابق ، ص151.

([44])  المرجع السابق ، ص156.

([45])  المرجع السابق ، ص159.

([46])  المرجع السابق ، ص159.

([47])  ابن حجر، فتح الباري، ط2، بيروت : دار إحياء التراث العربي، 1402، 13/428، وانظر: ابن الجوزي، دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، تحقيق : حسن السقاف، ط2، عمان: دار الإمام النووي، 1412 ـ 1992 ، فقد نقل المحقق النصوص الكثيرة عن ما ورد عن السلف الصالح من التأويل.

([48])  الغزالي ، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ، ص157.

([49])  الغزالي ، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ، ص140، وانظر: الغزالي ، المستصفى ، 1/96.

([50])  الغزالي ، فيصل التفرقة، ص170.

([51]) المرجع السابق ، ص171.

([52]) المرجع السابق ، ص149.

([53]) المرجع السابق ، ص149.

([54])   الإحياء 2/333  .

([55])    المنقذ من الضلال ص137 .

([56])    الإحياء 4/51 .

([57])   المنقذ من الضلال ص141  .

([58])     الإحياء 1/86.

([59])     المرجع السابق 2/334.

([60])     المرجع السابق 2/334.

([61])     الإحياء 3/388.

([62])     الإحياء 3/388.

([63])     رسالة (أيها الولد) ص125.

([64])     المرجع السابق ص128 ـ 129.

([65])     الإحياء 4/50 ـ 51.

([66])     الإحياء 1/68.

([67])     الإحياء 2/23.

([68])     الإحياء 4/51.

([69])     أبو الأعلى المودودي موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه، الجزائر: شركة الشهاب، ص80.

([70])     الإحياء 3/35.

([71])     المرجع السابق 1/32.

([72])     وقد كتب الغزالي فتوى بصحة ما فعله يوسف بن تاشفين من الولاء للخلافة العباسية، وذلك بطلب من أبي بكر بن العربي ووالده أبي محمد عندما لقياه ببغداد، وشرحا له أحوال الأندلس، انظر: عبد الله عنان، عصر المرابطين والموحدين في المغرب و الأندلس ط1، القاهرة: لجنة التأليف والنشر،1964، 1/42.

([73])     وليس كما زعم الشيخ محمد الشاذلي النيفر من أن سبب ذلك هو تعالي الغزالي وتعاظمه، وذلك عند مقارنته بين المازري المتواضع لأنه سمى كتابه (معلم) بينما يظل الغزالي على كتبه الألقاب المغالية كـ (كيمياء السعادة) و (إحياء علوم الدين) ، انظر: المازري، المعلم بفوائد سلم، تحقيق محمد الشاذلي النيفر، تونس: الدار التونسية للنصر 1978م،1/142.

([74])    د.عبد الأمير شمس الدين المذهب التربوي عند ابن جماعة،ط1، بيروت: دار اقرأ،1404ه،1984م، ص14،13 .

([75])     الإحياء 1/52.

([76])     .الإحياء 1/52

([77])     المنقذ من الضلال ص110.

([78])     الإحياء 1/40.

([79])     المرجع السابق 1/52.

([80])     المرجع السابق 1/53.

([81])     الإحياء 1/52.

([82])     المرجع السابق 1/51.

([83])     إلجام العوام عن علم الكلام ص63.

([84])     الإحياء 1/52،51.

([85])     الإحياء 1/59.

([86])     المرجع السابق 1/29.

([87])     المرجع السابق 1/30.

([88])     الإحياء 1/15.

([89])     المرجع السابق 1/17،16.

([90])     الإحياء 1/40.

([91])     المرجع السابق 1/21.

([92])     المرجع السابق 1/16.

([93])     الإحياء 3/49.

([94])     ابن منظور، لسان العرب، (مادة زكا)، 14/358 رقم 9023.

([95])     يطلق عليها الغزالي كعادته في التكثير من المصطلحات (رياضة النفس) و(تهذيب الأخلاق) و(معالجة أمراض القلب)، انظر: الإحياء 3/48.

([96])     الأربعين في أصول الدين ص78.

([97])     مسلم، الجامع الصحيح، (كتاب الطهارة)، 1/203 رقم 223.

([98])     الإحياء 1/126.

([99])     الإحياء 1/126.

([100])     المرجع السابق 3/2.

([101])     الرسالة اللدنية ص101.

([102])     معارج القدس ص38.

([103])     الإحياء 3/6.

([104])     معارج القدس ص39.

([105])     الإحياء 3/6.

([106])     المرجع السابق 3/49.

([107])     المرجع السابق 3/7.

([108])     المرجع السابق 3/12.

([109])     الإحياء 1/126.

([110])     الأربعين في أصول الدين ص94.

([111])     الإحياء 3/26.

([112])     المرجع السابق 3/27.

([113])     الترمذي، السنن،(كتاب القدر)، 4/498،رقم 2066.

([114])     الإحياء 3/27.

([115])     وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿  يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)﴾ (الفجر: 30 ـ 32). انظر: الرسالة اللدنية ص103..

([116])     معارج القدس في مدارج معرفة النفس ص7.

([117])     الإحياء 3/369.

([118])     الإحياء 3/369.

([119])     المرجع السابق 3/64.

([120])     رسالة (أيها الولد)، ص134.

([121])     عبد الوهاب الشعراني، لطائق المنن والأخلاق، مصر: المطبعة الميمنية، 1321ه، 1/48 ـ 49.

([122])     عبد القادر عيسى، حقائق عن التصوف، ط4، عمان: المطبعة الوطنية، 1401ه ـ 1981م، ص48.

([123])     رسالة (أيها الولد) ص135.

([124])     الإحياء 3/61.

([125])     الإحياء 3/61.

([126])     المرجع السابق 3/64.

([127])     الإحياء 2/171.

([128])     المرجع السابق 3/64.

([129])     المرجع السابق 2/241.

([130])     المرجع السابق 2/242.

([131])     الإحياء 3/61.

([132])     الإحياء 3/61.

([133])     الأربعين في أصول الدين ص95.

([134])     الإحياء 3/312.

([135])     المرجع السابق 3/61.

([136])     المرجع السابق 3/62.

([137])     هو ديموستين (384 ـ 322ق.م)، سياسي وخطيب يوناني، حرض أثينا على مقاومة فليبس المقدوني، انظر: منير البعلبكي، معجم أعلام المورد، ص197.

([138])     انظر: أحمد حسين، الطاقة الإنسانية،ط3، بيروت: المكتبة العصرية 1970،ص249 . وفي هذا الكتاب النماذج الكثيرة عما تفعله الإرادة الإنسانية إذا ما وجهت توجيها قويا نحو غاية معينة، بحيث تكاد تأتي بالمعجزات.

([139])     الإحياء 3/59.

([140])     الإحياء 3/59.

([141])     المرجع السابق 3/60.

([142])     الأربعين في أصول الدين ص89.

([143])     الإحياء 4/430.

([144])     المرجع السابق 4/416 ـ 422.

([145])     د. زكي مبارك، الأخلاق عن الغزالي، صيدا، بيروت: المكتبة العصرية ص102.

([146])     المرجع السابق، ص102.

([147])     راجع هذه الرسالة، ص116 ـ 119.

([148])     الإحياء 3/53.

([149])     .الإحياء 3/53

([150])     البارون كارادوفو، الغزالي ص130.

([151])     الإحياء 3/53.

([152])     الإحياء 3/55.

([153])     المرجع السابق  1/142.

([154])     المرجع السابق  1/142.

([155])     المرجع السابق  1/142.

([156])     د. زكي نجيب محمود، المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري، ط3،بيروت،القاهرة: دار الشروق ، 1401ه ـ 1981م، ص345.

([157])   الغزالي، الإحياء، ج1 ،ص217  .

([158])     الغزالي، منهاج العارفين، [ضمن القصور العوالي]، ص85.

([159])   البخاري، الجامع الصحيح،[كتاب الأدب]،ج1 ص150، رقم:459  .

([160])     الغزالي، الإحياء، ج2، ص161.

([161])     المرجع السابق، ص201.

([162])     الغزالي الإحياء، ج2، ص202.

([163])     المرجع السابق، ج2، ص202.

([164])     المرجع السابق، ج2، ص202.

([165])     المرجع السابق، ج3، ص96.

([166])     المرجع السابق، ج3، ص230.

([167])   الغزالي، الأربعين في أصول الدين ، ص64  .

([168])     الغزالي، الإحياء، ج2، ص202.

([169])     المرجع السابق، ج2، ص165.

([170])     المرجع السابق، ج4، ص296.

([171])   الغزالي، الإحياء، ج2، ص166  .

([172])     المرجع السابق، ج2 ، ص167.

([173])   المرجع السابق،ج2، ص167  .

([174])     هو أبو القبض ثومان بن إبراهيم ، من كبار الصوفية المتقدمين، مشهور بحكاياته في الحب الإلهي، توفي سنة 140هـ، انظر:ابن الجوزي، صفة الصفوة، ج2، ص460.

([175])     الغزالي، الإحياء، ج2، ص182.

([176])     المرجع السابق، ج2، ص183.

([177])   المرجع السابق، ج2، ص183  .

([178])     المرجع السابق، ج2، ص182.

([179])     المرجع السابق، ج2، ص182.

([180])     المرجع السابق، ج2، ص183.

([181])     المرجع السابق، ج2، ص182.

([182])     المرجع السابق، ج2، ص75.

([183])     المرجع السابق، ج2، ص74 ـ 79  .

([184])     الغزالي، الأدب في الدين، [مجموعة المنقذ من الضلال]، بيروت، المكتبة الثقافية، ص133.

([185])     الغزالي، التير المسبوك في نصيحة الملوك، [على هامش: شراج الملوك للطرطوشس]، ط1، مصر الطبعة الخيرية:1306 ه، ص22.

([186])     الغزالي،  الأدب في الدين، ص111.

([187])     المرجع السابق، ص133.

([188])     الغزالي، الإحياء، ج2، ص75.

([189])     المرجع السابق، ج2، ص176 ـ 180.

([190])     الترمذي، السن،[كتاب الزهد]، ج4، ص599، رقم:2395.

([191])     الغزالي، الإحياء، ج2، ص181.

([192])     المرجع السابق،  ج2، ص182.

([193])     هو أبو عبد الله محمد بن يوسف البناء، كان من المتديينين الأتقياء، كتب الحديث، توفي سنة 286ه، انظر ابن الجوزي، صفة الصفوة، ج2، ص294.

([194])     الغزالي، الإحياء ج2، ص186.

([195])     المرجع السابق، ج2، ص185.

([196])     المرجع السابق،  ج2، ص184.

([197])     المرجع السابق، ج1، ص286.

([198])     يفرق الغزالي في المخالطة بين تقي تغير حاله، فينصح بالدوام على مخالطته والتلطف بنصحه، وبين الفاسق ابتداء المصر على ذلك المجاهر به فيرى أن الإنقطاع عنه أولى (لأن مشاهدة الفسق والفساق تهون أمر المعصية على القلب، وتبطل نفرة القلب عنها)، انظر: الغزالي، الإحياء، ج2، ص172.

([199])     المرجع السابق،  ج2، ص183.

([200])     المرجع السابق،  ج2، ص183.

([201])     المرجع السابق، ج2، ص184.

([202])     المرجع السابق، ج2، ص173.

([203])     المرجع السابق،  ج2، ص175.

([204])   المرجع السابق، ج2، ص188  .

([205])     الغزالي، الأربعين في أصول الدين، ص56.

([206])     الغزالي، الإحياء ج2، ص193.

([207])     الغزالي، الأدب في الدين، ص132.

([208])     المرجع السابق، ص132.

([209])     الغزالي، الإحياء، ج3، ص72.

([210])     د. محمود قاسم، دراسات فلسفية، ص103.

([211])     الغزالي، الأدب في الدين، ص128.

([212])     الغزالي، الإحياء، ج2، ص46.

([213])     الغزالي، الأدب في الدين، ص129.

([214])     مسلم، الجامع الصحيح، [كتاب الإيمان]، ج1، ص68، رقم:67.

([215])     الغزالي الإحياء، ج2، ص213، وانظر:الغزالي، الأدب في الدين، ص132.

([216])     البخاري، الجامع الصحيح،[كتاب الإيمان]، ج1، ص9، رقم 9.

([217])     الغزالي الإحياء، ج2، ص195.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *