الفصل الرابع: أساليب التعامل بين الجمعية والطرق الصوفية

الفصل الرابع

أساليب التعامل بين الجمعية والطرق الصوفية

لا تكفي وسائل الاتصال وحدها في تحقيق الأهداف مهما تكن قوتها وفاعليتها ما لم تصحبها الأساليب التي يمكنها أن تصل إلى عقل المتلقي وقلبه، وتستطيع بعد ذلك أن تؤثر في حياته، وفي الوجهة التي تتوجه إليها حياته.

بناء على هذا اهتم كلا الجانبين: الجمعية، والطرق الصوفية باستعمال الأساليب التي يرون مدى تأثيرها في المجتمع الذي يريد كل طرف منهما أن يجذبه إلى وجهته.

بناء على هذا كان لزاما على من يريد أن يدرس بموضوعية التاريخ الفكري للجمعية أو للطرق الصوفية وعلاقاتها أن لا يكتفي بالأفكار التي طرحت، ولا بالمواضيع التي طرقت، وإنما يهتم مع ذلك وقبله بالأساليب، فالحق إذا عبر عنه بتعبير أهل الباطل، صار باطلا أو كاد.

انطلاقا من هذه الأهمية التي تكتسيها الأساليب في المعاملات المختلفة نحاول في هذا المبحث أن نبحث في كيفية تعامل كلا الطرفين مع الآخر.

ولأجل هذا قسمنا هذا الفصل إلى مبحثين:

المبحث الأول: أساليب تعامل الجمعية مع الطرق الصوفية

المبحث الثاني: أساليب تعامل الطرق الصوفية مع الجمعية

المبحث الأول: أساليب تعامل الجمعية مع الطرق الصوفية

من خلال استقراء الأساليب التي استعملتها الجمعية في مواجهة الطرق الصوفية يمكننا تقسيمها إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: المواجهة العلمية، ونعني بها الخطاب العلمي، الذي يتضمن أدلة وأحكاما مباشرة، وصريحة، وتستعمل فيه اللغة العملية المجردة والدقيقة.

النوع الثاني: المواجهة الأدبية، ونعني بها الخطاب الأدبي، بمختلف أنواعه وأغراضه وأساليبه، وقد فرقنا بينه وبين الخطاب الأول، باعتبار ما يحمله هذا الخطاب من مبالغات قد لا تكون مقصودة، وبالتالي لا يمكن بناء الأحكام عليها، بالإضافة إلى أن أصحاب الخطاب في هذا القسم لا يشترط أن يكونوا من العلماء، فقد وظفت الجمعية الكثير من الطاقات الفنية والأدبية لخدمة أهدافها.

النوع الثالث: المواجهة العاطفية، ونعني بها استغلال الجمعية لمناسبات أو أحداث معينة، واستثمارها في التحذير من الطرق الصوفية.

وقد خصصنا كل نوع من هذه الأنواع بمطلب خاص.

المطلب الأول: المواجهة العلمية

ربما كان حظ المواجهة العلمية – من خلال ما وصل إلينا من تراث الجمعية من صحفها ورسائلها – كما عرفنا ذلك في الفصل السابق – هو أهون أنواع المواجهات وأقلها، فمع تلك الحملة الشديدة لم نر إلا بعض رسائل قصيرة محدودة المحتوى، وفي لغة لا نستطيع أن نصنفها ضمن اللغات العلمية المنهجية البحتة.

وربما يكون عذر الجمعية في هذا هو ما ذكرناه من قبل من طغيان المتشددين عليها، ورفضهم لأي حوار مع الآخر، بل رفضهم، ولو لذكر أدلة الطرف الآخر، ثم مناقشتها.

والعلة في هذا واضحة، وهي نابعة من صميم المنهج السلفي المحافظ الذي يؤكد كل حين ما ورد عن أئمتهم من تحريم رواية ما يذكره أهل الشبهات حتى لا تقع في ذهن القارئ، ثم يضعف استئصالها منه.

بناء على هذه النتائج المستخلصة، والتي سنرى تفاصيلها والنماذج الكثيرة عليها في الباب الرابع، نحب أن نركز في هذا الباب الحديث على أمرين يخصان هذا النوع من المواجهة:

الأول: هو المصادر التي تعتمدها الجمعية أثناء مناقشاتها للطرق الصوفية

الثاني: هو خصائص تلك المناقشات.

ونحب أن نبين أننا في هذه المحاكمات التي نجريها لتراث الجمعية العلمي في هذا الباب، لا نريد أن نخضعها للمنهج العلمي الحديث، والذي قد يرى البعض أن الجمعية لم تكن لها ا لفرصة الزمنية للاطلاع عليه، وإنما نخضعها لمنهج البحث العلمي التراثي، وخاصة ما ارتبط منه بالجدل مع المخالف، بل نربطها فوق ذلك بمن يعتبره التيار السلفي من الشخصيات العلمية، بل بمن يعتبر منظرا للتيار السلفي بقسميه التنويري والمحافظ، وهو ابن تيمية.

أولا ــ مصادر الجمعية في الرد على الطرق الصوفية:

يمكن تصنيف المصادر العلمية للجمعية، والتي كانت ترجع إليها في الفتوى والتعليم ونحوها إلى المصادر التالية([1]):

1- القرآن الكريم: ويعتير أكبر مصدر للجمعية في مناقشاتها، بل إن الجمعية تعتبر نفسها داعية للقرآن الكريم في مقابل الطرف الآخر الذي تتصور أنه لا يعرف القرآن الكريم، وقد سبق ذكر الشواهد على ذلك.

2- تفاسير القرآن: وهي ترجع إما للتفاسير المرتبطة بالمأثور كتفسير ابن جرير، وتفسير البغوي وتفسير ابن كثير وتفسير الثعالبي، وإما تفاسير فقهية كتفسير القرطبي، تفسير ابن العربي لآيات الأحكام.

بالإضافة إلى تفسير المنار للعلامة الشيخ محمد رشيد رضا: وهو من التفاسير الحديثة التي اهتمت به الجمعية كثيرا، يقول الشيخ أحمد حماني: (وإن تفسير المنار الذي اشتركا في إنتاجه محمد عبده ورشيد رضا، وكان الفضل الأكبر للثاني في إخراجه لم يأت تفسير قبله ولا بعده على مثاله، وقد كان له الأثر الكبير في النهضة الإسلامية واليقظة الشرقية والحركة القومية السياسية المنبنية على الدين الصحيح السليم من البدع والخرافات ومن الجحود والجمود([2]).

3- الحديث النبوي الشريف: ومن أهم الكتب التي اعتمدت عليها الجمعية: الموطأ، وصحيحي البخاري ومسلم، وكتب السنة المشهورة كسنن أبى داود، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي، ومسند أحمد، ومعاجم الطبراني الثلاثة، وسنن الدارقطني، والجامع الصغير للسيوطي، وبلوغ المرام، والمشكاة للتبريزي، والمصابيح للبغوي، ومصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، والتلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني.

4- شروح الحديث: ومن أهمها فتح الباري لابن حجر، وشرح النووي على مسلم، وشرح العيني على البخاري، وشرح عياض على مسلم، وشرح الصنعاني على بلوغ المرام (سبل السلام)، ونيل الأوطار للشوكاني، والمنتقى شرح الموطأ للباجي، شرح الخطابي على أبي داود.

5- كتب الأصول والمقاصد: ومن أهمها: الموافقات للشاطبي، وقواطع الأدلة للمعاني، وإرشاد الفحول للشوكاني، وبداية المجهد لابن رشد، وإعلام الموقعين لابن القيم، وكتب القرافي الأصولية.

6- كتب الردع على البدع: كالاعتصام للشاطبي، وأصول البدع والسنن محمد العدوي والباعث على إنكار البدع والحوادث أبو شامة المقدسي.

7- الكتب المختصة بالمذهب المالكي: مثل المدونة، ومختصر خليل، وشروح خليل وحواشيه كالخرشي والعدوي وعليش وشرح الدردير (أقرب المسالك)، والمقدمات لابن رشد، والجواهر الثمينة لابن شاس، وكتب ابن عرفة، وكتب الأجهري، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني وبعض شروحها وحواشيها، ومتن ابن عاشر وشروحه.

8- كتب الفتاوى: وهي المعيار للونشريسي، وفتاوى عليش، وفتاوى بخيت المطيعي في مجلة الإسلام.

9-كتب العقائد: كـ (منهاج السنة) لابن تيمية.

بالإضافة إلى هذا نحب أن نتعرف على المراجع التي كانت الجمعية تهتم بها خصوصا دراسة وتدريسا، ولعل أحسن من ذكر عن هذه المراجع الشيخ عمر بن البسكري العقبي([3]) الذي عرف به ابن باديس، وقدمه لمقال كتبه في هذا الباب بقوله:: (لنا أخ في الله ببلدة الفاتح العظيم سيدي عقبة بن نافع ممن يحفظون كتاب الله ويتدبرونه ويهتدون به ويعملون على نشر هدايته ويشاركون في العلوم الشرعية والأدبية والعقلية ويضربون في اللغة الفرنسية بسهم هو الشيخ عمر بن البسكري صاحب هذا المقال، وقد كان الشيخ معلما للصبيان خاملا، فهداه العلم ووفقه لمطالعة كتب السلف، فأصبح من أهل العلم العاملين وعباد الله الصالحين، وقد بين لي في كتاب خاص ما طالعه من الكتب، وأنا أذكرها ها هنا متمنيا لكل مهتم للعلم أن يكون طالعها أو عازما على مطالعتها)([4])

وهذا ما كتبه الشيخ عمر عن هذه المراجع: (وأما توغلنا في العلم الصحيح السلفي فهو ضالتنا المنشودة التي ظفرنا بها وسعادتنا العظمى التي أرجو بها الفوز عند الله والزلفى والتي نفثت في روعنا- والحمد لله – توحيدا خالصا من شوائب الشرك، وايمانا ناشئا عن نظر صحيح، ومن الكتب التي طالعناها مطالعة تحصيل (الاحكام) للآمدي، (بداية المجتهد)، و(الاعتصام) للشاطبي، (منهاج السنة)، وغيره من كتب الامام ابن تيمية، و(اعلام الموقعين) و(اغاثة اللهفان)، وغيرهما للامام ابن القيم، و(الدر النضيد)، وغيره من كتب الشوكاني، وغير هذا من كتب العلم الصحيحة بعدما طالعنا (الموطأ)، و(صحيح البخاري)، وبعض التفاسير الصحيحة، ولم يفتنا من مجلتكم الزاهرة بمجالس التذكير عدد واحد، فكم أفادتنا من علوم أدام الله حياة منشئه اللاسلام)

ونلاحظ من خلال هذه المراجع جميعا ما يلي:

1 ــ افتقارها للدراسات الفقهية المقارنة، والتي لها دور كبير في التعرف على الخلاف الوارد في الأمة، والذي يتيح لها بعد ذلك أن تتعامل بأفق أوسع، ورحابة صدر أكبر.

2 ــ افتقارها لكتب التصوف، مع كونها تتوجه بخطابها للصوفية، ومن المستغرب أن لا يكون (إحياء علوم الدين) من مصادر الجمعية الكبرى مع كونه لا يكاد يخلو منه بيت مسلم.

وهذا واضح، ومن الأمثلة القريبة عليه أن ابن باديس عندما ذكر إعجابه بإشارة القشيري، تصورت أنه اطلع على تفسيره، وتعجبت أنه لم ينكر عليه مثلما أنكر على الطرق الصوفية، لكني وجدت أنه لم يرجع إليه، وإنما وجد إشارته في تفسير ابن العربي المالكي، ورأى أن ابن العربي أقرها، فقلده في إقرارها([5]).

3 ــ افتقارها للتراث الصوفي المقارن، والموجه خصوصا للتيار السلفي، والذي سنذكر نمادج عنه في المبحث التالي، وهذا مما يضخم المشكلة بين الطرفين، فالافتقار إلى المصادر، كافتقار المريض إلى دواء من الأدوية، ولا يمكن أن يطمع في الشفاء من لم يحصل الدواء، أو رغب عن الدواء.

4 ــ اعتمادها في الحديث عن التصوف على كتب أعدائه، وخاصة ابن الجوزي، وخاصة ما ذكره في كتابه (تلبيس إبليس)، وهو كتاب لقي الكثير من مقولاته الرفض حتى من ابن تيمية وغيره.

ولهذا نجد الشيخ ابن عليوة في رده على مقال الشهاب في رسالة (الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف) يخاطب رجل الجمعية بقوله: (..فأقول لكم صريحاً يا حضرة الأخ: إن معتمدكم فيما نقلتموه من كتاب ابن الجوزي المسمى بـ (تلبيس إبليس) لا تقوم به حجة ولست أدري هل أنتم على علم من قيمة هذا الكتاب ومنزلته بين العلماء أم كنتم على خلاف ذلك؟ ولهذا أراني مضطراً أن أذكر لكم مقداره عند العلماء فأقول أن للعلماء في ذلك الكتاب كثيراُ من الأخذ والرد وفي الأخير اتضح عندهم أنه مما لا تنهض به الحجة ولا يصح به الاستدلال.. وها أنا أنقل لكم من أقوالهم حتى تدرك مقدار ما اعتمدتموه في الحط من كرامة رجال كان من واجبك أن تعتبرهم في الصف الأول من رجال الدين وأئمة المسلمين)([6])

ثانيا ــ خصائص المواجهة العلمية:

من خلال دراسة التراث القليل الذي كتبه رجال الجمعية حول تفاصيل الخلاف بينهم وبين الطرق الصوفية يمكن ملاحظة الخصائص التالية:

1 ــ عدم الاعتراف بالآخر:

فجمعية العلماء لم تكن ترى في الآخر شخصا اعتباريا يمكن أن تتحاور معه، أو تقبل مناقشته، لأنها، ومنذ أول يوم قررت عدم الحوار، بل لم تر من حل سوى الاستئصال الجذري لا للطرق الصوفية فقط، بل لكل ما يرتبط بها من معان، وهي في هذا ترجع لأشد أنواع السلفية تطرفا، وهي السلفية الوهابية.

ولهذا نرى مشايخ الصوفية في ردودهم على الجمعية، وخاصة الشيخ ابن عليوة يذكرهم بمقالات ابن تيمية وابن القيم والشيخ محمد عبده وغيرهم من أعلام المدرسة السلفية، كما سنرى ذلك بتفصيل في الباب الرابع.

وقد ذكر الشيخ ابن عليوة في معرض رده على المخالفين له الكيفية التي يتعاملون بها معه فقال: (..وأيّ معصية أشنع من تطبيقك جميع ما ورد في أهل الزيغ والضلالة على جماعة الصوفيّة؟ ولم يكفك ذلك حتى جعلتهم فرقة من فرق أهل النار مستدلا بما رواه عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليأتيّن على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمّه علانية لكان في أمتّي من يصنع ذلك، وإنّ بني إسرائيل تفرّقت إلى ثنتين وسبعين ملّة وتفترق أمتّي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟، قال: ما أنا عليه وأصحابي)([7]) رواه الترمذي في سننه، وهذا صريح في أنّك تعني أنّ فرقة أهل التصوّف واحدة من تلك الفرق، وإنّي أحكمك لله ولرسوله ولصالح المؤمنين فيما بينك وبين الصوفيّة)([8])

ثم أشار الشيخ ابن عليوة إلى العقلية الانتقائية للجمعية وللمنهج السلفي عموما، وهي انتقاؤها من النصوص ما تراه مناسبا لها، ثم تفسره بحسب ما تراه، فقال: (وهلا نقلت حديثا نقله الإمام الغزالي في كتابه المسمّى بـ (فصل التفريقـات)([9]) وهو قوله عليه الصلاة والسلام:(ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلّهم في الجنّة إلاّ الزنادقة)([10])

ثم يذكر العلة في هذه الانتقائية، وهي علة نفسية كما يتصورها الشيخ ابن عليوة، حيث يقول: (ولكن هذا لا يقع عليه بصرك وإنّما يقع على ما يساعدك في الحكم على سائر أفراد المسلمين بالنار حتى تخلو لك الجنّة أنت ومن هو على شاكلتك لا غير، ولا تجد من يرفع عنك معضلتك إلاّ صوفيّ ومحال أن تتنزل له لأنّ الحسد باب الإنصاف ويقطع لسان الاعتراف)([11])

ويرد الشيخ ابن عليوة على هذا المنهج الإقصائي الذي تمارسه الجمعية مع الطرق الصوفية بالمنهج الذي تمارسه أو تعتقده الطرق الصوفية، فقال – تعقيبا على الكلام السابق-: (وأنا أقول: إنّ الله سبحانه وتعالى عند ظنّ كلّ مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر مهما اجتهد لنفسه بما يقرّبه إلى الله، فإن أصاب فله أجران، وإن لم يصب فله أجر، فهو مأجور على كلّ حال أحببت أم كرهت، لأنّ الخلق ما كلّفوا إصابة الصواب، إنّما كلّفوا الظنّ بأنّه صواب، وجميع ذلك ممّا يقتضيه تسامح الشرع الأحمدي المشار إليه بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]

وبعد أن ذكر بعض النصوص الدالة على سعة رحمة الله للجميع، علق عليها بقوله: (فلما لم تصادف هذه الأخبار التي تفيد الوسع وتقضي على الأمّة بالنجاة؟، ولكنّك تنظر بالعين العوراء، فلهذا أراك إلى الآن لم تترك نصّا يقضي على الذاكرين بالدمار والخروج من سعة رحمة الله التي وسعت كلّ شيء إلاّ وألصقته بجانبهم)([12])

قد يرى البعض بأن استدلالنا بالشيخ ابن عليوة لإثبات هذه الخاصية مناف للمنهج العلمي، وهذا صحيح، ولكنا أردنا أن نذكر فقط بعض شكوى الطرق الصوفية من ذلك التعامل الاستعلائي الذي تمارسه الجمعية معهم، فلا تأذن لهم حتى بالحديث.

وأساس هذا التعامل هو تلك الصورة التي تحملها الجمعية عن نفسها، وهي أنها تمثل الكتاب والسنة، ولا ينبغي لأحد من الناس أن يواجه الكتاب والسنة، أو يقف أمام الكتاب والسنة.

والثاني – وهو أخطر- وهو اعتقادها أنها جماعة المسلمين في الجزائر، أو بتعبير آخر، هي من يمثل الإسلام في الجزائر، وهذا للأسف ما ورثته عنها الحركات الإسلامية بعد الاستقلال مما جعلها تستعلي على المجتمع، ثم تتميز عنه، ثم في الأخير تصطدم معه، ولو أنها تعاملت مع المجتمع على أنها طرف فيه، لا باعتباره الطرف الوحيد لما وقعت في الأزمة التي وقعت فيها.

وقد قدم الشيخ العربي التبسي لهذا التقرير الذي يريد من خلاله أن يلغي الآخر بذكره ما ذكر الفقهاء حول الأحكام المرتبطة بعدم الإمام، قال: (قال فقهاء الإسلام في بيان حكم هذه القضية بالنسبة إلى الإمام واستعمال سلطته في نشر العلم: ومعلوم عندنا بالضرورة أن المسلمين عندنا إذا فقدوا الإمام وجب على جماعة المسلمين أن يحلوا محل الإمام في القيام بالدين، يقول أولئك الفقهاء: يجب على الإمام في كل مسافة قصر أن يضع فيها من يعلم الناس أمر دينهم، والدين يقول: يجب على الأمة الجزائرية العديمة الإمام، والحكومة المعترفة بالإسلام وجوبا شرعيا، أن تقوم كأمة بفروض الكفاية والمعالم العامة الشعبية والاجتماعية وهذه الأمة الجزائرية عليها أن تمتثل آيــــة: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104])([13])

وكان في إمكانه بعد هذا الطرح أن يقترح اجتماع جميع من يمثل الأمة من فقهائها وأعيانها ونحوهم بمذاهبهم واتجاهاتهم المختلفة ليشكلوا هذه الجماعة لتكون رمزا لوحدة الأمة، وتكون صوتا عاليا يمكنه أن يؤثر في تحصيل الحقوق أو توجيهها.

لكن الشيخ العربي بدل ذلك قال – بكل برودة، وكأنه يقرر قضية بديهية لا خلاف فيها-: (وتلك الطائفة من الأمة المعبر عنها في هذه الآية بلفظ الأمة، هي جماعة المسلمين، وتتمثل في أمتنا جماعة المسلمين في جمعية العلماء)

ثم بين الدوافع التي جعلته يذهب إلى هذا، فقال: (فهذه الجمعية هي الطائفة التي توفرت فيها أوصاف جماعة المسلمين الشرعية، وإذا كنا ممن ينطق لله، ويغضب لله، ويرضى لله، ويحكم بما في دين الله، ويسـند الأمور إلى أهلها كما أمر الله)([14])

وبناء على هذه الأوصاف التي تغلب عليها لغة العاطفة، أكثر مما يغلب عليها لغة العلم، استنتج الشيخ العربي التبسي هذا الحكم الشرعية الخطير، فقال: (وقد وجب على كل مسلم في الجزائر أن يعترف بأن جماعة المسلمين في الجزائر هي جمعية العلماء)([15])

بل لم يكتف بهذه الألفاظ الشرعية المؤدبة، فأضاف إليها قوله: (لا ينازع في ذلك إلا من أضله الله على علم أو جهل، أو كان من الذين سبقت عليهم الشقوة، فأنساهم الشيطان والهوى وحظوظ أنفسهم القيام بالقسط والشهادة ولو على أنفسهم)([16])

ولسنا ندري المصدر الذي عرف من خلاله الشيخ العربي أن تلك الجموع الغفيرة التي لم تخضع للجمعية أنها ممن (من الذين سبقت عليهم الشقوة)، لأن هذا يستدعي الرجوع إلى مصادر لا توجد في هذه الحياة الدنيا، ولا يمكن لعاقل يحترم قدره أن يدعي أنه تعرف على ما فيها.

ثم بين الأسباب التي جعلت الجمعية لا تعترف بالآخر، والتي عبر عنها بقوله: (اعلموا أنه إذا كانت جماعة المسلمين بالعلم، فأكثر علماء الجزائر في هذه الجمعية، وإذا كانت الدعوة إلى الله فهي الجماعة المخلصة المؤمنة المجاهدة التي عاهدت ربها، وكتبت ميثاقا على نفسها، أنها الداعية بجماعتها وأفرادها إلى دين الله، وإلى كتابه، وسنة نبيه)([17])

ولسنا ندري كذلك كيف حكم على جميع أعضاء الجمعية بكونهم مخلصين مع أنه في ذلك الحين كان من أنشط دعاة الجمعية، وأكثرهم تطرفا الشيخ الزاهري، والذي كتب الشيخ العربي يقول عنه في البصائر بعد ذلك: (رد على معـرض أكـاذيــب الزاهري وتلامذته الزيتونيين)([18])

بل إن الشيخ العربي التبسي، وخشية أن يستدرك عليه بأن هناك في الجزائر الكثير من العلماء المحترمين الذين لم يدخلوا الجمعية، وأنه مسهم بأحكامه القاسية، عقب على ذلك بقوله: (وإذ وجدنا في الأمة الجزائرية شخصيات علمية أو لها في مجتمعنا مكانة طيبة أو سمعة قديمة، ولم تدخل جمعية العلماء أو دخلت فيها، ثم خرجت منها فإن تلك الشخصية لا تخلو من إحدى الآفتين)

أما الآفة الأولى – التي يراها الشيخ العربي- فهي الانتماء إلى الحكومة الاستعمارية سرا أو علنا. مباشرة أو بواسطة، ولا علينا أكان الانتماء حلالا أم حراما.. فأصحاب هذه الآفة يخشون غضب الحكومة عليهم إن هم وقفوا مع جمعية العلماء، وقالوا كما تقول جمعية العلماء: إننا على دين آبائنا وأجدادنا الذين دفنوا في هذه الأرض الجزائرية الطاهرة منذ ألف وثلاث مائة سنة عربا. وتركونا بعدهم ذرية عربا، فكيف تحاول فرنسا قطع بنا سلاسل أنسابنا وتحويلنا من بعدهم إلى فرنسيين لاتينيين.

أما الآفة الثانية – التي يراها الشيخ العربي- فهي (الحزبية وحب الرئاسة، فإن الرئاسة والحزبية لا تبنى على الإسلام وأنظمته وتشكيلاته، ولا على جماعة المسلمين.. فلا عجب أن يكون أصحاب الرئاسة من خصوم جمعية العلماء الممثلة لجماعة المسلمين من الجزائر العربية المسلمة)([19])

وكلا الآفتين لا تنهضان أمام حقيقة الواقع الذي مارسته الجمعية:

أما الآفة الأولى، فالكل يعلم – كما ذكرنا سابقا- بأن الجميع استعمل الهدنة مع الاستعمار، لأنه لولا استعمال الهدنة لما انتشر لا للجمعية ولا للطرق الصوفية في ذلك الواقع القمعي.

وأما الآفة الثانية، فهي غيب من الغيب، فالإخلاص والتبرؤ من حب الرئاسة لا يعلمه إلا الله، بالإضافة إلى هذا، فإن القوانين والديمقراطية لم نرها تطبق يوما واحدا في الجمعية للأسف، فلم يحدث أن حصلت انتخابات حرة ونزيهة ليغير على أساسها الرؤساء، بل إن الشيخ البشير الإبراهيمي عندما ذهب إلى المشرق ليستقر فيه أخذ الرئاسة معه، ولم يسمح لأحد بأن يخلفه مما هيأ لانحلال الجمعية بعد ذلك وصراعها على السلطة.

لكن الشيخ العربي بنى على ما ذكره من الآفتين حكما قاسيا لم يوجهه للعوام، وإنما وجهه للخواص من العلماء الذين لم يدخلوا الجمعية، أو لم يقتنعوا بمنهجها، قال فيه: (فالمرضى بهاتين الآفتين لا يضر خلافهم جمعية العلماء في تمثيل جماعة المسلمين من الأمة الجزائرية)([20])

ثم عقب على ذلك بهذا الحكم الخطير، والذي يمارسه عادة أصحاب المنهج السلفي: (وإذا صدقنا فيما وصفنا به جمعية العلماء من الأوصاف، وصدقنا فيما نسبناه إليها من الأعمال الدينية والعلمية والاجتماعية، فهي بحق جماعة المسلمين، ومن خالفها يوليه الله ما تولى إذا ما شذ عنها إلا من لا يعبأ الله به ممن يسير في هدي الحكومة الاستعمارية، أو من اتخذ آلهة حزبية، وما فيها من مبادىء وعصبيات ورجال)([21])

وهذا نفس ما ذكره الشيخ ابن عليوة عندما قال: (ولكن هذا لا يقع عليه بصرك وإنّما يقع على ما يساعدك في الحكم على سائر أفراد المسلمين بالنار حتى تخلو لك الجنّة أنت ومن هو على شاكلتك لا غير)([22])

 وعقب الشيخ العربي كذلك على من يشرط أن تضم جماعات المسلمين جميع أطياف المجتمع، وهذا ما ذكره الفقهاء، بقوله: (ولو قال قائل إن جماعة المسلمين لا تتحقق ولا نعترف بها البتة، إلا إذا ضمت جميع الطوائف الجزائرية من سياسيين وموالين للحكومة وطلاب الرياسات بالعصبيات. لكان طلبه هذا محالا، وطلب المحال ممنوع قانونا، ومحرم شرعا،، ولكان طلبه هذا أيضا ذريعة لتعطيل جماعة المسلمين)([23])

ثم استدل لهذا بقوله: (وقد قال العلماء في تقرير قاعدة عامة حادثتنا هذه فرع من فروعها، وجزئية من جزئياتها: (إن رأي الأمة يكفي في تمثيله أهل الحل والعقد، قلوا أو كثروا. ولا يشترط  في ذلك التمثيل حضور جميع الطوائف، وذكروا لذلك مسألة البيعة للخليفة، فإن من حضر من أفاضل الصحابة في كل من خلافة الخلفاء الأربعة انعقدت بهم الخلافة، ولزمت الأمة على اختلاف ديارها، ومذاهبها، وزعمائها، ومن خرج عن تلك  البيعة لم يضرها في نظر الإسلام، والأمة الإسلامية)([24])

وهذا الدليل كما يصح أن تستعمله الجمعية يصح أن يستعمله غيرها، بل إن الطرق الصوفية في المناطق التي كانت تستحوذ عليها كانت تمارس هذا الأسلوب، فقد كان شيخ الطريق هو الأب الروحي والحاكم السياسي والقاضي لمن يرى أهليته للمشيخة، وعلى هذا الأساس استطاعت الطرق أن تحقق بعض نجاحاتها التي أشرنا إليها عند الحديث عن مشروعها الإصلاحي.

ولكني مع البحث الشديد، لم أجد طريقة صوفية تلغي من سواها، جل ما في الأمر أن كل شيخ يطلب من أتباعه الثقة فيه، وأن يروا فيه أنه أهل للمشيخة، بل إنه أولى من يمثلها، وهذا شيء طبيعي، فلا يمكن للمريض أن يستفيد من علاج الطبيب أو يستعمله وهو يشك فيه، أو يرى أن غيره أولى منه.

وما ذكره الشيخ العربي التبسي من هذه المقاييس طبقه بكل دقة الشيخ البشير الإبراهيمي حين خاطب بكل عنجهية الذين طلبوا منه المناظرة في مسائل فرعية محددة، وبكل أدب([25])، فأجابهم بقوله: (إن المناظرة في الشيء تستدعي نظيرين، أي مثيلين في المعنى الذي يتناظران فيه، والمناظرة المطلوبة هنا في مسائل علمية دينية لَابَسَها تاريخ المسلمين الطويل، وداخلتها عوائدهم واجتماعياتهم وأثر فيها هذا وذاك.. وإذا كنا نحن الطرف الأول في هذه القضية، ونحن علماء نقول في الدين بِدَلِيلهِ المعتبر، ونتكلم في التاريخ بعلله وأسبابه، ونقول في العادات بمناشئها وآثارها، ونرجع كل شيء إلى أصله، ونرد كل حادثة إلى سببها، ونربط بين الدليل ومدلوله والعلة ومعلولها، فإن الطرقيين بالطبع هم الطرف الثاني، وهل بلغ الطرقيون أن يكونوا نظراءنا بالعلم والدين والتاريخ والاجتماع؟)([26])

ثم وضح السر الذي جعله لا يعتبر هؤلاء، فقال: (نحن نعرفهم حق المعرفة، ونعرف أنهم جهلاء ويفخرون بالجهل، وأنصاف أميين ويتباهون بالأمية، إذ ليس العلم ولا القراءة شرطًا في طرقهم ولا في مشيختهم، ونعرف أنهم لا يملكون من أسلحة هذا الميدان إلا العناد والإصرار على الباطل.. ولو كانوا علماء لما بلغ النزاع بيننا وبينهم إلى هذا الحد، ولرَجَوْنا- إن لم يزَعْهم الدين- أن يزَعَهم العلم)([27])

بل إنه يجاوز الحد في التعالي عليهم عندما يخاطبهم قائلا: (ولا يبلغ بهم الغرور أن يناظروا علماء من الطراز الذي تحتوي عليه جمعية العلماء، وإنما يعتمدون في هذه المناظرة على موجودات آلية يسمونها علماء عوَّدوها أن تنطق باسمهم وتسبح بحمدهم وتحامي عنهم بالباطل.. ونحن لا نعترف بالعلم لهذا الصنف المتهافت على أبواب الزوايا المتعيش من فضلاتها، ويأبى لنا شرف العلم أن يكون هؤلاء المسلوبو الإرادة الفاقدو الاستقلال في العلم نظراءنا في المناظرة، لأننا بلَوْنَاهم في العمل فوجَدناهم جبناء، وبلَوْنَاهُم في العلم فوجَدناهم يحكمون الهوى ولا يحكّمون الدليل، وبلَوْناهم في الكتابة فوجَدْنا أَمْثَلَهم يسمي البدع المنكرة عوائد دينية.. أَمَعَ هؤلاء تكون المناظرة؟ لا، وشرف العلم)([28])

ثم اسقط هذه المناظرة بسبب عدم كفاءة من يناظره، فقال: (فقد تحقق أن هذه المناظرة التي دعوا إليها ساقطة سقوط شرطها الأساسي مِن قِبَلهم وهو النظير)([29])

بل إن الشيخ الإبراهيمي يتعمق إلى أعماق نياتهم حين يذكر الدافع الحقيقي لهم من وراء المناظرة: (أَلا إنهم من إِفْكِهم ليتداهون ويختلون بهذه الدعوة إلى المناظرة، لنُجِيبَهم فنعترف لهم بالكفاءة، أو نسكت عنهم فيقولوا عنا: أَحْجَموا وخافوا، أو نُجيبَهم بالحقيقة (كما فعلنا) فيقولوا: إن جمعية العلماء تحتقر العلماء ويتباكون ويشنعون)([30])

وما ذكره الشيخ الإبراهيمي يجعلنا نتساءل عن سر هذا الغرور الذي يمنع من تعليم الجاهل، إذا جاء يبث ما لديه من قضايا وشبهات.. ولا بأس أن يسمي نفسه عالما أو مناظرا، لأن دور المربي هو رفع الشبهات، لا الترفع عليها.

ولكن هذا لم يحصل للأسف لأن المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها جعلته لا يرى إلا نفسه.

وأحب أن أذكر هنا حادثة شخصية ترتبط بشخص يعتبر نفسه من العلماء الكبار، وقد سمعته في محاضرة يحرض على إحراق كتب الغزالي، فطلبت الكلام فلم يؤذن لي، وبعد انتهاء المحاضرة التقيت به، وقلت له بأدب: أريد أن أناقشك في مسألة ذكرتها في المحاضرة، فنظر إلي شزرا، وقال: من أنت حتى تناقشني، لا بد أن تصير في مستواي حتى تناقشني.

أقول هذا من باب الشهادة لله في الوقت الذي كان الشيخ محمد بلقايد رحمه الله يحضر إليه الكثير من أصحاب الاتجاه السلفي ساخرين منه، فلم يكن يقابلهم إلا بالأدب، ويجيب على أسئلتهم بكل احترام، وهكذا كل من عرفته من مشايخ الصوفية، والسر بسيط، وهو أن التصوف بالمفاهيم العميقة التي يملأ بها أصحابه يجعل صدورهم أوسع من أن تضيق بأي خلاف أو أي مخالف.

2 ــ الانتقائية في التعامل مع القضايا العلمية:

المنهج العلمي، وخاصة المنهج المقارن يستدعي البحث الشامل والموضوعي في كل ما يذكره المخالف، والرد عليه بناء على ذلك، ونفس الشيء بالنسبة للمصادر التي يرجع إليها، فإن المنهج العلمي يقتضي عدم الانتقائية أو التقطيع فيها.

وهذا المنهج لم يقرره المحدثون فقط، بل هو منهج مقرر من قديم في العالم الإسلامي، ونحب هنا أن نأخذ نموذجا من العلماء القدامى لنقارنه بمنهج علماء الجمعية، ونرى مدى تحقق الموضوعية العلمية بين الطرفين:

وهذا النموذج هو أبو حامد الغزالي، والطرف الذي توجه إليه خلاف الغزالي ليس رجل دين، وإنما هم الفلاسفة، الذين ينظر إليهم الاتجاه السلفي نظرته الاستئصالية، لكن الغزالي لم يفعل ذلك، بل إنه أمضى سنين محترمة من عمره يدرس الفلسفة قبل أن يقدم على الحديث فيها تأييدا أو معارضة، وقد قال معبرا عن نفسه: (ثم إني ابتدأت، بعد الفراغ من علم الكلام، بعلم الفلسفة وعلمت يقيناً، أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائله، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقّاً)([31])

هذا هو المنطلق الذي ينطلق منه كل من يريد أن يناقش قضية، فلا يمكن أن يناقشها وهو يجهل جميع أبعادها، يستوي في هذا التصوف والفلسفة واي شيء آخر، وهذا للأسف ما لم تفعله الجمعية في مناقشاتها، فهي تتحدث عن (شيخ الحلول) من غير أن تشرح للمجتمع مرادها بهذا وأدلتها عليها وكلام المخالف عنه.

ثم يذكر الغزالي الجهد الذي بذله في فهم الفلسفة، وهو جهدان تحصيلي وتأملي، فقال: (فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة، على منتهى علومهم في أقل من سنتين. ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريباً من سنة، أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع وتلبيس، وتحقيق وتخييل، اطلاعاً لم أشك فيه)([32])

ثم ذكر بعد ذلك النتيجة التي وصل إليها، وهي تصنيف الفلسفة إلى ما يمكن اعتباره وقبوله، وإلى ما ينبغي رفضه وطرحه، ثم لم يناقشهم بعد ذلك إلا فيما ينبغي طرحه.

هذا هو المنهج الذي رسمه الغزالي، وعلى خطاه، بل قبله كان العلماء يناقش بعضهم بعضا، بل إنهم في مناقشاتهم يذكرون ما يقوله المخالف حرفا حرفا، ثم يردون عليه حرفا حرفا.

ولكن الجمعية – للأسف – لم تفعل هذا لأنها انطلقت – مثلما ذكرنا في الخاصية السابقة – من الخوف من تسرب أي شبهة للقارئ إن هي ذكرت أدلة الصوفية، وخاصة ما يذكره الصوفية من العلماء الذين تتبناهم الجمعية، بل تعتبرهم مشايخ لها كابن تيمية وابن القيم والشاطبي ومحمد عبده وغيرهم كما سنرى.

وسنذكر هنا بعض الأمثلة على هذه الانتقائية التي كانت الجمعية تمارسها لتمرر ما تريد تمريره فقط.

فقد ورد في بعض فتاوى الجمعية جواز اعتبار الأعراف في الإعلان بالبوق على موعد الاجتماع، باعتباره كان عرفا في منطقة الزواوة، وقد أقرته الجمعية وعبرت عن إقراره لذلك بقولها: (فالشارع أحال في الأمور التي تتغير مصلحتها وتتبدل بتغير الأزمان والأماكن والأحوال على العرف، وذلك لكون عرف الناس العام أو الغالب يحقق المصلحة المرجوة من هذه الأحكام)([33])

وهذا الموقف عجيب جدا في جانب موقفها من الأذكار الجماعية التي كان يمارسها الصوفية في بعض المناطق كإعلان عن الوفاة أو نحوها، فقد اعتبروا هذا من أخطر أنواع البدع وأنكروه كما سنرى في الباب الرابع.

ونحسب على فتاواهم تلك أنه لو كان العرف في الزواوة الإعلان بالذكر بدل البوق لاعتبروه بدعة وأفتوا بتحريمه، بل هذا حقيقة ما كانوا يعتقدونه، وقد ذكر الشيخ ابن عليوة كيف أنكر الإصلاحيون على أعراف جزائرية مرتبطة بالذكر، فقال – مخاطبا من زاره من بعض علماء الجمعية-: (و بمناسبة ما دار بيننا من الحديث، في تلك السويعات التي رأيتكم فيها موغر الصدر على إخوانكم العلاويين، حسبما لاح لي في ذلك الحين، لا لذنب ارتكبوه سوى أنهم مولعون بإجراء الاسم المفرد على ألسنتهم، وهو قولهم: (الله). فظهر لكم أن ذلك مما يستحق عليه العتاب، أو نقول العقاب، لأنكم قلتم إنهم يلهجون بذكر ذلك الاسم بمناسبة أو غير مناسبة، سواء عليهم في الأزقة، أو غيرها من الأماكن التي لا تليق للذكر، حتى أن أحدهم إذا طرق الباب يقول: (الله)، وإذا ناداه إنسان يقول: (الله)، وإذا قام يقول: (الله)، وإذا جلس يقول: (الله)، إلى غير ذلك مما جرى به الحديث)([34])

ومن النماذج التي تصلح لهذا ما يذكره الفقهاء حول اعتبار النيات في الأفعال، بل ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) ([35])

فقد وقفت الجمعية موقفا سلبيا مما يقوم به رجال الطرق الصوفية أو العوام مما تسميه (الزردة) مع أن أصحابها يذكرون اسم الله على الذبيحة، ويأتي للطعام الفقراء والمساكين، والمقيمون لها يخبرون عن أنفسهم أنهم يفعلونها من باب التكافل والتعاون والتصالح بين الناس، لكن الجمعية لم تكن تصدقهم في هذه النيات، وقد عبر عن مقاصدهم الشيخ الميلي فقال: (قد يقول الجامدون والمغرضون: إنا نحكم بالظواهر والله يتولى السرائر، وقد ظهر من حال الذابح أنه ذكر اسم الله، فلا نبحث عن نيته الباطنة! فنقول لهم: أولا: إن المفتي لا يقتصر دائما على الظواهر؛ ففي الأيمان والطلاق مسائل تنبني على النية والقصد، ويختلف حكمها باختلاف النية مع اتحاد اللفظ، بل تقدم قريبا الاستناد إلى النية في حكم الذبائح عن علي وغيره.. وثانيا: إن من السرائر ما تحف به قرائن تجعل الحكم للنية ولا تقبل معه الظواهر، وذبائح الزردة من هذا القبيل؛ فإن كل من خالط العامة يجزم بأن قصدهم بها التقرب من صاحب المزار)([36])

ولسنا ندري كيف عرف هذه النية، ثم ما الضرر فيها، إن اعتقدوا صلاحه، فهم يحيون صلاحه لا ذاته، وكأنهم يقولون للمجتمع: انظروا لحرمة الصالح حيا وميتا.

لكن الجمعية للأسف في موقف آخر تقبل النيات – مع كونها مجهولة- وتعتبرها، بل تلتمس الأعذار لأصحابها، ومع من؟ مع من سب الدين، بل سب الله ورسوله، مع أن العلماء مجمعون على كفره، في نفس الوقت الذي تشتد فيه على من ذكر الله في جماعة أو التزم أورادا يذكر الله بها صباح مساء, فقد اعتذروا للأول، وتشددوا مع الثاني، ثم بعد ذلك نتساءل عن السر الذي جعل الجزائريين من أكثر أمم الأرض سبا لله ورسوله.

وكيف لا يكون الأمر كذلك، وقد ابتليت بمن يبدع الذاكر ويكفره، ويعتذر للساب ويدافع عنه.

وحتى لا يكون حديثنا دعوى سننقل الفتوى بحروفها، ونعقب عليها بالفتوى المرتبطة بالأذكار التي تحرص عليها الطرق الصوفية.

كان السؤال الموجه للشيخ العربي التبسي باعتباره رئيس لجنة الفتوى في الجمعية هو:(ما قول سادتنا العلماء فيمن يسب الدين من رعاع المسلمين وسفهائهم؟ هل ذلك السب يخرج به الساب من الملة ويعتبر به مرتدا داخلا فيمن تشملهم آية {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65]؟)([37])

فأجابه الشيخ العربي بأن هذا الشخص الذي ســـب الدين لا يخلو حاله من أحد احتمالين([38]):

الاحتمال الأول أن يكون مسـتعملا للفظه في معناه اللغوي الشـرعي عالما بجريمته قاصدا لسب الدين، فاهما أنه سب الإسلام، أو من جاء به، أو من يعد سبه ردة عن الإسلام. وهذا الشخص كافر داخل في قوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] مستهزئ بالله تعالى وآياته وكفره فوق كفر من عبد غير الله، لأنه ممن قال الله فيه: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57]

والاحتمال الثاني أن يكون هذا الساب ناقلا كلامه من معناه اللغوي إلى معنى جديد متعارف عند من كان على شاكلته نقلا ينسخ المعنى اللغوي، وذلك بطرو استعمال جديد عرفي على هذا اللفظ، كما يطرأ العرف على اللغة في كثير من الألفاظ طروا عاما عند الناس كلهم، أو عند فريق منهم.

وبعد أن ميع هذه القضية الخطيرة التي لم يقدم لها بأي مقدمة تبين خطورتها، راح يدافع عن الاحتمال الثاني، فيقول: (.. فإذا تصورنا هذا الاحتمال، أمكن أن نقول: إن هذا الساب للدين قد نقل لفظ الدين من معناه الشرعي اللغوي إلى إهانة من يخاصمه ويتشاجر معه، واستعمل كلامه البشع القبيح في سب الشخص الذي تنازع معه، وذلك هو مراده وذلك ما يفهمه خصمه أيضا، وقد يجيب خصمه أيضا منتقما منه بذلك اللفظ نفسه، مريدا هو كذلك سب خصمه، وكلاهما لا يفهم ولا يريد بسبه إلا خصمه)([39])

ثم استدل لهذا بالعرف، في مسألة قد بت فيها القرآن وبتت فيها السنة، وليس فيها مجال للخلاف، لكنها عند الشيخ العربي مسألة بسيطة وفرعية، بل يمكن أن يقصى فيها القرآن ليستدل لها بالعرف، قال مقررا لوجه الاستدلال بالعرف: (والدليل على هذا العرف، وهذا النقل أن المقام الذي تستعمل فيه هذه الألفاظ هو مقام كفر وردة، وإذا علمنا من مقاصد المتسابين أنهما لم يريدا الكفر، والردة لم يجز لنا أن نحكم عليهما بالردة والكفر، ذلك أن الأعمال بالنيات. وهذا السب عمل لساني، ليس من مقصد أهله سب الإسلام، أو من يعد سبه ردة)([40])

والشيخ العربي المصلح يذكر أن مثل هذا منتشر في الجزائر بكثرة، وبدل أن يهتم هو وأعضاء الجمعية بالرد عليه باعتباره يمثل جماعة المسلمين واجبة الطاعة نراه يعتذر بالكثرة على ضرورة اللين، ولسنا ندري لم لم يعتذر بكثرة الطرق الصوفية في الجزائر أو كثرة أتباعها على ضرورة اللين معهم، يقول الشيخ العربي: (هذا ما فهمنا من هذه الحادثة الكثيرة الوقوع، التي لو أجرينا الحكم فيها على ظاهر اللفظ، غاضين النظر عن مقاصد الناس التي يجوز غض النظر عنها في الأحكام الشرعية، لحكمنا بردة ما لا يقل عن ثلث الأمة في الشمال الإفريقي. ونحن مع قولنا بعدم ردة أهل الاحتمال الثاني نقول أن عملهم هذا معدود من منكر القول ومن وفحشه، ومن الأقوال التي تحتمل الكفر والتفسيق، وما كان كذلك كان حراما بإجماع المسلمين)([41])

ثم ختم كلامه بهذه التوجيهات الباردة، التي لا تحمل حرارة الألم على ذلك الواقع الجزائري الخطير الذي يتجرأ فيه العبد على سب ربه، قال:(فعلى العلماء المدرسين والواعظين والداعين إلى الله أن يقاوموا هذه الشناعات بكل ما أعطاهم الله من قوة الحجة في باب الترغيب والترهيب، وإن هذا لمن أوكد الواجبات عليهم لأنه حماية للدين وعلماء الدين هم حماته)([42])

هذا نموذج التسامح واللين عند الجمعية، والذي بلغ حدوده في مقابله التشدد في أعلى حدوده مع الذاكرين لله بحجة أنهم مبتدعة، والمبتدع أحيانا أخطر من الكافر، يقول الشيخ العربي في موقفه من الأوضاع الطرقية والتي لم تكن تعني سوى الجلوس في الحلقات للاستغفار أو للتهليل أو للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لقراءة القرآن ونحوها، فالشيخ –كالجمعية جميعا- اعتبروا هذا من أنكر المنكر، وأن مهمته الإصلاحية لا تتمثل في الرد على من يسب الله، وإنما في الرد على من يذكر الله، يقول الشيخ العربي في هذا: (من البين لجميع من عرف الطرائق التي غضت بها الجزائر؛ أنها اشتركت في أمور وامتازت كل واحدة بخواص تجعلها منفصلة عن البقية تستحق بها اسم: طريقة فلان. وقد وضعوا طرائقهم كالشرع الموضوع المتبع، وبنوا هذه الأذكار على أوضاع وهيآت وألحقوا بها أدعية أحدثها من أسس الطريقة.. ومن الشائع الذائع: أن هذه الأذكار يعطيها رؤساء الطرائق أو من يقيمونه ويسمى بأخذ الورد أو رفع السبحة ويعينون أعدادها وصيغها وأوقاتها وما يرتئونه من آدابها. ونحن نعرض عملهم هذا ونقيسه بالهدي النبوي وعمل السلف فذلك الدين، وما لم يعرف في هذه الأيام بعموم أو خصوص فليس من الدين. وما دام ليس من الدين فإنكاره قربة والاعتراف به بدعة)([43])

بالإضافة إلى هذا، فالشيخ التبسي يمنع المأمومين من رفع الأيدي للدعاء والإمام يخطب معللا ذلك بأنه انفضاض من حول الإمام وإعراض عن الإنصات الواجب وتضييع للخطبة وتفويت لحكمتها والغرض منها([44]) مع أنه قد ورد في رفع الأيدي عند الدعاء مطلقا الأحاديث المتواترة، بل اتفقت عليه الأمة جميعا، بل إنه من دلائل انفعال المأمومين للإمام، فتأمينهم ورفعهم الأيدي دليل على مدى تجاوبهم معه.

ولكن القصد في هذا واضح، وهو مخالفة الآخر، فقد رأوا حرص الصوفية عند الدعاء على رفع الأيدي – بناء على ما صح عندهم من أحاديث في هذا([45]) – فراحوا يقاومونه حتى حدثت الفتن في المساجد أثناء الدعاء ففريق يرفع يديه، وفريق لا يرفعها، وكل طرف يرمي الآخر بالبدعة والضلال.

ثم لسنا ندري ما العلاقة بين الإنصات للخطبة ورفع الأيدي، أم أن الأيدي إذا رفعت سدت الآذان؟

3 ــ ترجيح الفتوى على الحوار العلمي:

وهذا من الخصائص التي حالت بين الجمعية وبين الكتابة العلمية المفصلة المتضمنة للرأي والرأي الآخر، ذلك أن الفتوى في العادة توجه للعوام، ولا تقتضي ذكر الدليل بتفصيل، ولا تقتضي نقل الخلاف، ولا ذكر أدلة المخالف.

ولعل الذي دعا الجمعية إلى هذا هو ما ذكرناه سابقا، وهو ما يعتمده المنهج السلفي عموما، من اعتبار ذكر الخلاف بتفصيل قد يكون نوعا من إشهار المبتدع والدعوة له بالمجان، والجمعية لا تريد هذا، ولهذا تمارس كل أنواع التشدد حتى الحسنات تبرزها بصورة السيئات حتى تتمكن من استئصال الآخر استئصالا جذريا، وقد ذكرنا الكثير من الشواهد على هذا سابقا.

ولأجل هذا نرى الجمعية اهتمت بالفتوى، فأسست لها مجلسا([46])، ولكنها لم تهتم بالنواحي العلمية، ولذلك لم تؤسس لها المجلس.

وهذا الخطأ المنهجي في تصورنا هو الذي جعل الجمعية ضعيفة في إنتاجها العلمي، حتى مع كونها اهتمت ببناء المدارس، وعلى أسس رفيعة من العمران، ولكنها لم تهتم بوضع المقررات مع أن المقررات أهم بكثير من المدارس، بل كانت تعتمد في مقرراتها على كتب بسيطة تقليدية.

والأخطر من ذلك – وهو لا يرتبط بموضوعنا – هو أن الجمعية لم تؤسس للدولة الجزائرية الإسلامية، فلا هي كتبت في النظام السياسي أو النظام الاقتصادي أو غيرها من النظم بلغة علمية عصرية، بحيث يتسنى للجزائريين بعد الاستقلال أن يجدوا أمامهم المشروع الإسلامي كاملا لتنفيذه، أو ليكون على الأقل حجة عليهم.

وفوق ذلك كله أنها – لغرامها باللغة العربية – جعلت كل أهداف التكوين أن تخرج جيلا من الذين يحسنون استعمال المحسنات البديعية، وجذب انتباه المستمع للألفاظ، وهذا واضح جدا في تلاميذها الذين وكلت إليهم أزمة التدريس في المساجد وفي القنوات الإعلامية، والذين كان يستفاد من كلامهم أكثر مما يستفاد من علمهم.

وهذا لا يعني أن أعضاء الجمعية، وخاصة الكبار منهم ليسوا علماء، فهم يشهدون لأنفسهم بأنهم علماء، بل علماء فحول قل نظيرهم في التاريخ الإسلامي، فالإبراهيمي يقول عن ابن باديس: (وعبد الحميد بن باديس باني النهضة وإمامها، ومدرب جيوشها، عالم ديني ولكنه ليس كعلماء الدين الذين عرفهم التاريخ الإسلامي في قرونه الأخيرة، جمع الله فيه ما تفرق في غيره من علماء الدين في هذا العصر، وأربى عليهم بالبيان الناصع، واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللماح، والفهم الغواص على دقائق القرآن، وأسرار التشريع الإسلامي، والاطلاع الواسع على أحوال المسلمين، ومناشئ أمراضهم، وطرق علاجها، والرأي السديد في العلميات والعمليات من فقه الإسلام وأطوار تاريخه، والإلمام الكافي بمعارف العصر مع التمييز بين ضارها ونافعها)([47])

والعربي التبسي يقول عن الإبراهيمي: (المواقف العظيمة الباهرة لرئيسنا الشيخ (محمد البشير الإبراهيمي) وبخطبه ودروسه ومحاضراته، وأعماله الجليلة العالية. فليعلم العالم في الشرق والغرب أن الإبراهيمي ليس فلتة من فلتات الطبيعة عندنا وليستعد كل واحد منا لأن يقف مواقف الإبراهيمي، وأن يكون لنا عمله ونبوغه وفصاحته. فالعار كل العار أن لا يكون لنا إلا بشير واحد. وليعلم هو وليعلم الناس أن له من يقف حواليه لشد أزره، وله من يقف وراءه، وله من يستعد لحمل الراية في ميادين الإسلام والعربية والإصلاح)([48])

والإبراهيمي يقول عن التبسي: (والأستاذ التبسي عالم عريق النسبة في الإصلاح، بعيد الغور في التفكير، سديد النظر في الحكم على الأشياء، عزوف الهمّة عن المظاهر والسفاسف)([49])

وهكذا، فكلهم يشهد لنفسه ولأخيه بالاقتدار العلمي، ولكنا عندما نبحث عن دلائل ذلك الاقتدار لا نجد إلا مقالات فيها بلاغة وبيان عريق، ولكن لا نجد أبدا أي تحقيق علمي، أو إنتاج علمي يرقى إلى المراتب التي يمكن اعتبارها علميا.

وسر ذلك بسيط، وقد استفدته من أستاذي الدكتور أحمد عيساوي، فهو يذكر كل حين حقيقة مهمة، وهي أنه يستحيل على من يتبنى المنهج السلفي، وخاصة الوهابي أن يتعلم أو يصير عالما، وذلك لأنه يسد أذنه عن الآخر، ومن سد أذنه يستحيل أن يتعلم.

بالإضافة إلى هذا فإن المنهج السلفي يقصر دارسته على ما قاله شاعرهم([50]):

العلم قال الله قال رسولُه
 
قال الصحابةُ ليس بالتمويه
 
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة
 
بين الرسول وبين رأى فقيه
 
كلا ولا جحْد الصفات ونفيها
 
حذرا من التمثيل والتشبيه
 

وهو لذلك لا يدرس الفلسفة، ولا العلوم التجريبية ولا أشياء كثيرة، ولهذا، فإنا لو قارنا إنتاج جمعية العلماء العلمي مع شخص واحد من الطرق الصوفية المتهم بالأمية لوجدنا فارقا كبيرا.

نعم نجد في كتب ابن عليوة ركاكة لغوية أحيانا، ولكنا نجد معها منهجا علميا، وللأسف حجبت الجمعية بالركاكة اللغوية عن المعاني العلمية, حتى أن الشيخ العربي التبسي يقول عن كتابته وكتابة غيره من أصحاب الطريقة العلاوية: (ولا يفوتني أن أذكر إلى كتاب العليويين طالبا منهم أن يعرضوا كتاباتهم على علماء المعاجم اللغوية والصناعة النحوية، فإنه أصاب اللغة العربية منهم ما لو علمه سيبويه في قبره والأصمعي في مضجعه لقاما من تحت التراب ورفعا قضية في إحدى محاكم الجنايات على هؤلاء الكتاب الذين أفسـدوا لغة العرب والإسلام)([51])

والذي رد عليه الشيخ ابن عليوة بقوله – متحدثا عن منهج الصوفية-: (.. بل لهم ذلك لكونهم لا يقفون عند ظاهر الألفاظ، وإنّما ينظرون إلى المعاني الدالّة على المراد، ولا يلتفتون للحن ولا للإعراب، بل يأخذون المعاني من حيث وجدوها، فهم ناظرون لإشارة الأرواح، غافلون عما يتلفظ به اللسان، تراهم مع الله في كلّ حال وشأن، مع انّه كلّ يوم هو في شأن، ما اتخذ الله وليّا جاهلا إلاّ علّمه، وابتداء التعليم به ثمّ بأحكامه، وأمّا بقيّة العلوم فليست شرطا في صحّة الولاية وإنّما هي شرط كمال وذلك كالنحو والصرف، والمعاني والبيان، وعلم اللغة، حيث من لم تغنه معرفة الله، فذلك هو الشقي)([52])

وينقل عن الفقيه (ميمون) قوله: (أقبح كلّ قبيح أن يتعلّم الإنسان نحو اللسان ويعلّمه، ولا يتعلّم نحو القلب ويعلّمه، مع أنّه محلّ نظر الربّ، فإذا كان نحو اللسان مع نحو الجنان كان صاحبهما في أمان، ولا يخشى عليه الخسارة والخذلان، يوم وقوفه بين يدي الرحمن، لأنّ الله تبارك وتعالى لا يثيب العباد على إعرابهم، وإنّما يثيبهم على قلوبهم) ([53])

4 ــ عدم المناقشة العلمية الهادفة:

لاشك أن من أول شروط المناقشة العلمية الهادفة ما يسميه العلماء (تحرير النزاع)، أو البحث في مواطن الخلاف، وعدم قصر الاهتمام بالنواحي الشكلية أو التعبيرية التي قد تكون صدرت من الطرف الآخر، وعدم الاهتمام – كذلك – ببعض الأخطاء الجزئية التي لا تمس صميم الموضوع.

وعكسها أنواع كثيرة من المناقشات تضيع جهدها في قضايا شكلية أو فرعية تصرف الذهن عن البحث عن القضايا الأساسية التي طرح البحث فيها.

وبناء على هذا، وعند دراسة التراث العلمي القليل الموجه للطرق الصوفية، الذي نشرته الجمعية نجد أن الكثير منه يضيع في مناقشات لا علاقة لها بالموضوع، أو لا تخدم الموضوع.

وكمثال على ذلك مقال علمي كتبه الشيخ العربي التبسي تحت عنوان (قد سمعنا باطـلك فأين حقك؟)([54])، وهو مقال قوي جدا من جهة اللغة، بل يصلح أن يكون نموذجا لدروس الإنشاء في المرحلة الإعدادية أو الثانوية، ولكنه لا يصلح أن يكون نموذجا لمقال علمي هادف.

وقد بدأ الشيخ مقاله باستهلال يذكر فيه ما كتبه المخالف، فقال: (طلع علينا كاتب في جريدة (البـلاغ) عدد (44)([55]) يضرب أصدريه، وينفخ مذرويه، يقول: ها أنا ذا فاعرفوني، واستمعوا لما جئت به. فأصخنا نستمع له، فإذا به محموم يهذي، أو ممسوس يتخبط. ولقد كان في مستودع المعقول والمنقول أن لا نعبأ به، ولا نقيم له وزنا، لأنه أهون على الله وعلى عباده مادام يهرف بما لا يعرف،    ولكننا أصبحنا في زمان ينعق فيه الناعق بما شاء، فسيجد أنصارا ولا بد. وفي قطر يعد كل لاغط فيه صاحب حكمة تقرع له العصى. فوجب علي حفظا لعقول الجماهير من الترامي في متاهات الغلط أن نصدع إلى الرأي العام، وهو الرشيد في حكمه بما يفهم حقيقة هذه المهزلة، التي سـودتها يد العارف بالله – كما يسمون أنفسهم – (قدور بن أحمد المجاجي)([56])، كفى الله المؤمنين شره)([57])

وأنا أتحدى من قرأ كل هذه التعبيرات القوية، وهذه البلاغة الجزلة أن يعرف ما الذي حصل، لأنه لا يسمع إلا صراخا لا يدري سببه ولا غايته.

وهذا مخالف للمنهج العلمي، فالمنهج العلمي في مثل هذه الأحوال لا ينظر إلا حزازات النفوس، ولا ما يضيع وقت القارئ بقراءة ما تفرزه الأحقاد، وإنما يقرأ الحقائق مجردة، وبلغة مؤدبة.

كان يكفيه بدل كل تلك الجمل الطويلة أن يقتصر على هذه الجملة: (كتب قدور بن أحمد المجاجي في جريدة البلاغ عدد (44) يقول:..)

وإذا إن أراد أن يستعمل اللغة الدبلوماسية التي كانت تستعملها الجمعية مع فرنسا أن يقول: (كتب المحترم قدور بن أحمد المجاجي في جريدة البلاغ عدد (44) بعض الأمور التي تستدعي المناقشة، وهي:..)

لكن الشيخ العربي لم يرض تينك العبارتين العلميتين التي اقترحناهما، بل كتب ما يزيد طينة الخلاف بلة، ولم يكفه ذلك، بل أضاف إليها يقول واصفا هذا المجاجي الذي أثار غضبه([58]): (.. غلت مراجله، لأني – كما يعلم القراء – من أمد كتبت في مجلة الشهاب فاتحة مقالات حالت دون نشرها ظروف تحت عنوان (الخلوة العليوية هل هي من الإسلام؟)، وكنت أظن أن في الرهط العليوي بقية من حكمة، وفضلا من تدبير. فإذا رأوا في كلامي جورا عن الحق، أو اعوجاجا عن الهدى قوموني بعلم وصدق وأدب، لأن هذه السنة سنة من يرغب حقا، وهذه الطريقة أدخل في باب النصيحة والوصول إلى المفاهمة. ولكن الله تعالى أبى أن تكون هذه الطائفة العليوية أهلا لمثل هذا فما عدوا قدرهم ولا تجاوزوا الفهم)([59])

وهكذا يمضي المقال لا يذكر أدلة المخالف ليقبلها أو ليرفضها أو ليبين محلها من العلم، وإنما يضيع كل الجهد في الحديث عن شخص المخالف أو عن الطائفة التي ينتمي إليها.

ولا نعلم من خلال المقال الطويل إلا شيئا واحدا هو أن هذا المجاجي كتب مقالا يرد على الشيخ العربي عارضه به، وعنونه (الخلـوة في الإسـلام)، وقد عبر عن هذه الفائدة وسط كم من الألفاظ كان يمكنه أن يستغني عنها، فقد قال:(  كتبنا حقا وذدنا عن الدين، ودافعنا عن حياض الصوفية رضي الله عنهم، فكتب حضرة العارف بالله كما يقولون بجهل لم ير الناس مثله، وقال بهتانا آثما صاحبه، ودافع عن شهوات إبليس، كتبنا كما علمت بالعنوان المار أعلاه مقالا، فجاء العارف المجاجي بعنوان (الخلـوة في الإسـلام)، وكأن هذا المخلوق الشاذ لم ير كلام الناس على اختلاف لغاتهم ونحلهم أن الكلام المقيد غير المطلق وإن نفى المقيد الخاص لا يلزمه نفي المطلق لا لغة ولا عرفا، فإذا نفينا العقل والعلم عن المجاجي، كما هو الواقع، لا يلزم منه نفي العقل والعلم المطلقين، وإلا لنبذت صحيفة البلاغ الجزائري عند العموم. وهذا ما يعرفه الأسود والأحمر قبل ظهور كتاب العليويين..)([60])

إلى آخر مثل هذا الكلام الذي لا مبرر له، وكان يمكنه أن يتجاوزه جميعا ليدخل في الموضوع مباشرة، ويفترض أن قصد محدثه طيب، ثم يناقشه في مقالاته بكل هدوء.

ولكن العربي التبسي لم يكن يمارس وظيفة الحوار العلمي لترشيد المخالف، وإنما كان يستعمل أسلوب المحارب الذي لا يرضيه إلا أن يجهز على خصمه.

ولهذا نجد مثل هذه التعبيرات في هذا المقال الذي اعتبرناه نموذجا على عدم المناقشة العلمية الهادفة: (يا حضرة العارف العليوي؟ إذا كنت كذوبا فكن ذكورا. أما دريت أن هذا البهت يفضحك. وينزع الثقة بك، وبمن تدافع عنه، إن رضي منك هذا الدفاع عنهم، وعلى ما نعيناه عليهم. أليس هذا الصنيع يجعلك ممقوتا عند العليويين أنفسهم؟ لو فهموا حقيقتك فإنهم إذا قرأوا كتابك علموا أنك غاش لهم، لم تدفع عنهم تهمة، بل سخرت منهم وخادعتهم)([61])

ومثلها قوله: (.. إما أن تجيب بالمنع عما كتبنا وأنت صادق غير غاش، وتذكر إلينا أن عارفكم الذي قص علي ما كتبت في ملاء من الناس كاذب في خبره، وليس لك بذلك يدان. لأن أخباركم قد سارت بها الركبان في كل مكان، وإنكارها رجوع عن مبادىء طريقتكم)([62])

ومثلها قوله: ( ألا ليعلم المجاجي أنه عـّد نفسه ريحا فقد لاقى إعصارا. أما جوابنا على شتائمك وما تتوعدني به من إظهار الأسباب التي لا تود أن تجرح عواطفي بها، فبعد أن أذن لك في نشرها، وإن تأخرت فأنت الكذاب على وجه الأرض)([63])

وهكذا لو حللنا المقال الطويل لا نجد منه أكثر من صفحة واحدة يمكن اعتبارها صفحة علمية بعد تهذيبها من السباب الكثير الذي يحيط بها.

والحسرة التي يشعر بها أي منصف بعد قراءة هذا المقال ليس على الشيخ العربي وما كتبه، ولا على المجاجي وما صب عليه، وإنما الأسف على ذلك القارئ الجزائري الذي لم يكفه أن يملأ صدره بالحقد على المستعمر ليضيف إليه الحقد على المجاجي.

5 ــ الرجوع في المناقشات إلى العامة بدل العلماء

من خصائص المنهج العلمي الرجوع في التحقيق إلى المعتمدين لدى الجهة التي يراد الحديث عنها، أو ما يسمى في العرف الحديث (الناطق الرسمي)

وإلا فإننا يمكننا إن أردنا أن نصف أي جماعة أو توجه أو طائفة بأي وصف أن نختار أي عينة نشاء، ثم نطبق من خلال ما تتصف به على الجماعة جميعا، وبذلك لن يمثل الحقيقة أحد.

وهذا للأسف ما تقوم به مراكز الشر في العالم عندما تريد أن تصور الإسلام بصورة الإرهابي، فلذلك تختار أسامة بن لادن والظواهري والمدخلي ونحوها كنماذج تعبر عن الإسلام.

وقد أشار الشيخ ابن عليوة إلى أن الجمعية تمارس هذا النوع من الأساليب مع طريقته أو مع الطرق الصوفية عموما، فقال: (.. ولكنّك ظننت أنّ التصوّف عبارة عن جماعة من الناس يجتمعون للرقص، وإنشاد الأشعار لا غير، ومثلك كمن قصد راعي الغنم بالليل يطلبه أن يتصدّق عليه بماشية، فأذن له في ذلك فذهب ليأخذ ماشية، فوقعت يده بالليل على كلب الحراسة الذي هو عادة يكون مختلطا بالمواشي، فلمّا أصبح الصباح وجد بيده كلبا فأخذ يتهم راعي المواشي، ويلقبّه براعي الكلاب، وهذا ما يقتضيه لسان ما جمعتموه لأنّكم أقصرتم التصوّف على الرقص وما في معناه) ([64])

طبعا ليس من المنهج العلمي أن نعتمد ما ذكره الشيخ ابن عليوة، فقد يكون مخطئا أو متوهما، ولهذا سنرجع إلى ما كتبه علماء الجمعية، ونرجع خصوصا إلى ما كتبه الشيخ ابن باديس من فتواه الخطيرة حول التيجانية، والتي اعتبرهم فيها كفارا بسبب مقالاتهم حول صلاة الفاتح([65]) مع أنه كان في إمكانه أن يعود إلى علماء التيجانية، وقد كانوا كثيرين في ذلك الوقت ليوضحوا له المراد، ويبينوا له أن ما يحكى من ذلك لا صحة له، وبالتالي يتراجع عن قراره الخطير بتكفير عشرات بل مئات الملايين من المسلمين، لأن فتواه لا ترتبط بزمن دون زمن، فلا زال أتباع السلفية الوهابية ينشرون رسالته تلك في جميع المحال، ليكفروا بذلك التيجانية، ثم يهدروا بعدها دماءهم.

ولو أنه رجع في هذا إلى كثير من علماء التيجانية لوجدهم يردون هذه الشبهة، ويصرحون بأنها لا تمت إلى الواقع بصلة، بل لو أنه رجع إلى شيخ الطريقة العلاوية في ذلك الحين، وهو الشيخ محمد الحافظ المصري الذي زار الجزائر في ذلك الوقت لوجده يتبرأ من تلك الشبهة.

وللأسف فإن هذه الشبهة لا تزال تطرح على الرغم من المؤلفات الكثيرة التي ألفها التيجانيون في الرد عليها، مع أن المسائل المرتبطة بالردة يكفي فيها مجرد تصريح الشخص بتراجعه أو براءته أو عدم فهم المخالف له لتنفى عنه التهمة.

ولخطورة المسألة لتعلقها بإسلام مئات الملايين من المسلمين نعرض هنا ما ذكره الشيخ محمد الحافظ شيخ الطريقة التيجانية في ذلك الحين، فقد كتب خطابا نشرته مجلة الفتح الصادرة في القاهرة العدد 418 بتاريخ: الخميس 16 رجب 1353، جاء فيه بعد الحمد والصلاة والسلام على رسول الله: (إني أعلن أننا لا نعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتم شيئاً مما أمِرَ بتبليغه، ومستحيل أن يُؤمَر بتبليغ ورد أو صلاة الفاتح أو غيرها أو بيانِ فضلها فيكتم شيئاً من ذلك، ومن أعتقد ذلك فهو كافر بالله ورسوله لا يُقبل منه صرف ولا عدل، ولا أدري كيف يعقل أن يكون قد كتم الورد وهو الاستغفار والصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم بأي صيغة ولا إله إلا الله. وصلاة الفاتح موجودة قبل الشيخ (أي أبي العباس التيجاني) مشهورة فلا يصح بحالٍ كونـُها ادّخِرَت له، ولم يثبت ذلك عنه)([66])

ورد على شبهة بقاء التشريع بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي يرميهم بها خصومهم، فقال: (ولا نعتقد أن هنالك بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشريعاً بأي وجه من الوجوه، وما جاء به صلى الله عليه وآله وسلم مستحيل أن ينسخ شيء منه أو يزاد شيء عليه، ومن زعم ذلك فهو كافر خارج على الإسلام) ([67])

وبين المراد من التلقي المباشر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (وإننا وإن قلنا بجواز أن يرى الوليُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم في اليقظة إلا أننا نعتبر حكمها حكم رؤية النوم الصحيحة سواء بسواء، ولا يعوّل فيها إلا على ما وافق شرعه صلى الله عليه وسلم، وليست مشاهد الأولياء بحجة وإنما الحجة هي الشريعة المحمدية. أما تلك فمبشرات مقيدة بشرعه الشريف: ما قبـِله منها قبلناه وما لم يقبله فمذهبنا فيه حسن الظن فنحكم عليها حكم الرؤيا المؤولة، ولا نشك أن معظم الرؤيا يحتاج إلى التأويل. وإنما رجحنا حسن الظن لأن المؤمن الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو شحيح بدينه حريص على متابعته نستبعد عليه أن يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ واليقظة في ذلك كالنوم ـ وهو يقرأ قوله عليه الصلاة والسلام: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)([68])، ولا نخص واحداً من الصالحين بذلك بل هو عندنا عام في كل ما ينقل عنهم، وكم نقِلَ عن الشيوخ من الموهمات والشطحات سواء في ذلك طريقة مولانا الشيخ عبد القادر وغيرها. وقد اعتذر لهم العلماء وردوا الوجهَ المخالف. ولا تخلو كتب أي طريقة من موهماتٍ وشطحٍ كلها مؤول)([69])

وبين حقيقة ما تريده التيجانية من تأثير العلاقة بين المريدين والمشايخ، فقال: (ولا نعتقد أن مجرد رؤية أحد من الصالحين كافية في نجاة المرء وإنما ينجيه الإيمان والعمل الصالح {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، ونرى أن الاجتماع بالصالحين مع صدق المحبة يجر إلى الصلاح غالباً ولذلك حث الشرع على صحبتهم وبيّن أنها من أسباب التوبة، وحديث الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم طلب التوبة فدله حبرٌ على بعض الصالحين ليصحبهم فأدركه الموت قبل أن يصل إليهم فرحمه الله وقبـِله، ثابتٌ في الصحيح. وحديث الجليس الصالح كذلك) ([70])

وبين أن صلاة الفاتح التي قامت عليها كل تلك الضجة، مجرد أوهام عارية من الصحة، فقال معبرا عن عقائد التيجانية في هذا: (ونعتقد أن من أعظم الكفر أن يعتقد أحد أن صلاة الفاتح أو غيرها من الصلوات عليه صلى الله عليه وآله وسلم تعادل في الفضل أية آية من القرءان، فكيف تفضلها؟! فكيف بسورة؟! فكيف به كله؟! ولا نعتقد أنها من القرءان كما زعم من زعم، ولا من الحديث القدسي ولا من أي قسم من وحي النبوة، فإن ذلك قد انقطع بلحوقه صلى الله عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى. والمذكور عندنا أنها من الإلهام الثابت للأولياء، ولا نعتقد أنها تساوي الكلمة الشريفة (لا إله إلا الله)، وحاشا الشيخ أن يقول بنسخ الذكر بالأسماء فذلك باطل، فنحن ولله الحمد نذكر الله عز وجل بأسمائه ونحافظ على التسبيح والتحميد وقيام الليل وسائر النوافل والأذكار الواردة في الشريعة ونحث عليها) ([71])

وبين التصور التيجاني للورد، وعدم تعارضه مع الالتزام الشرعي، فقال: (ولا نعتقد أن مجرد أخذ الورد يُدخلُ أحداً الجنة بحسابٍ أو بغير حساب فإن شرطَه المحافظة على الأوامر الشرعية كلها علماً وعملاً. وما هو الورد: استغفار وصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا إله إلا الله بعد القيام بالواجبات التي أوجبها الله تبارك وتعالى) ([72])

ورد على الشبهة التي ترفع الشيخ التيجاني أو أتباعه إلى مقامات عالية فوق جميع الصالحين، فقال: (.. ولا أن الشيخ التيجاني ولا أحداً من غير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبلغ مرتبة أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم. فكيف بالأنبياء عليهم السلام فكيف بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، والولي مهما سمت رتبته مستحيل أن يبلغ في العلوم الإلهية مبلغَ أي نبي، ومن زعم ذلك فهو ضال مضل. ونعتقد أن من الضلال أن يأمن العبد مكر الله تبارك وتعالى مهما توالت عليه المبشرات، ومن اتكل على عمله أو نسبته إلى أي شخص وترك العمل فذلك ءاية الخسران المبين والعياذ بالله تعالى) ([73])

ورد على الشبهة المرتبطة باعتقاد تصرف الأولياء، فقال: (ونعتقد أن من أشنع الشرك أن يعتقد أحد أن لأي أحدٍ كان مع الله تصرفاً، أو من دونه سبحانه وتعالى. وإنما نقول أن العبد قد يصل إلى مكانة من المحبوبية لدى ربه عز وجل بحيث يتصرف الحقُ فيه فيربط على قلبه فلا يسأله إلا ما سبقت به إرادته الأزلية سبحانه، وهذا الذي نفهمه في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن من عباد الله مَن لو أقسم على الله لأبرّه)([74]) وفي الحديث القدسي (وإن سألني لأعطينه) ([75]) وهذا غالباً، وإلا فقد يسأل ربَه عز وجل ولا يعطيه لأن ما شاء الله كان لا ما شاء غيره) ([76])

ورد على تهمة الحلول والاتحاد التي يرمي بها السلفيون ومن بينهم جميعة العلماء الطرق الصوفية، فقال: (وإن من اعتقد في الله عز وجل حلولاً أو اتحاداً أو اعتقد أن مخلوقاً هو ذات الله أو فيه صفة من صفاته أو شبهه بخلقه أو شبّه خلقه به أو أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة أو أوّله إلى صورة تخالفه كمن يقول بتناسخ الأرواح ويزعم أنه البعث، أو اتبع رأياً من ءاراء المبتدعة فهو ضال مضل) ([77])

ثم ذكر خلاصة عقيدة التيجانية، والتي تنسجم مع سائر عقائد المسلمين، فقال: (وخلاصة عقيدتنا في الأصول ما عليه السلف الصالح والخلف من أهل السنة والجماعة من الفقهاء والمحدثين والصوفية وما عليه الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وأصحابهم في الفروع. ونسلم للسادة الصوفية قاطبة مع وزن أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم بالشريعة، فما وافقها أقررناه وما كان يحتمل الموافقة والمخالفة حسّنـّا للظن فيهم وحملنا حالهم على الوجه الموافق ووكلنا أمرهم إلى الله العليم بما في القلوب، وقد نُقلت عنهم شطحات لا يتابَعون عليها ولا يُقتدى بهم فيها. وما لا يحتمل رددناه فإنه لا نبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تشريع)([78])

وهكذا يستمر الشيخ الذي هو مرجع التيجانية الأكبر في بيان عقائد التيجانية، وأنها لا تختلف عن سائر عقائد المسلمين، وكان في إمكان الشيخ ابن باديس وغيره من أعضاء الجمعية، ومن بعدهم من المكفرة أن يقرؤوا مثل هذه النصوص الصادرة من الناطقين الرسميين باسم الطريقة، ويتراجعوا عن تلك الأحكام الخطيرة التي أصدروها، ولكن ذلك للأسف لم يحصل، لسبب بسيط وهو الافتقار إلى المنهج العلمي، وإلى بعض الأمراض النفسية التي تجعل من الشخص لا يحب أن يدخل الجنة إلا وحده أو مع طائفته.

ولو أنهم رجعوا إلى مصادر التيجانية لعلموا أن الشيخ التيجاني يخبر أنه سيكذب عليه كما كذب على غيره، وأنه في هذه الحالة ينبغي العودة إلى المصادر الشرعية، فقد روي أنه سئل: هل يُكذَب عليك؟ قال: نعم، إذا سمعتم عني شيئاً فزنوه بميزان الشرع فما وافق فاعملوا به وما خالف فاتركوه)

وبناء على هذا يخير الشيخ محمد الحافظ، وهو مرجع من مراجع التيجانية الكبار في عهد الجمعية وبعدها أنه (ما من فرد في هذه الطريقة كبيراً كان أو صغيراً إلا وهو يعلن براءته من تلك الأباطيل. وقد تلقينا عن مشايخ هذه الطريق ـ وهو المنصوص عليه عن صاحبها نفسه ـ أن كل ما ينسب إلى الشيخ بفرض صحة نسبته إليه سواء وُجد في كتبه أو لم يوجد وكان ظاهره مخالفاً لنص الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة المحمدية فهو مؤول ويحرم الأخذ بظاهره، ويجب حمله على وجه يلتئم مع الشريعة. وقد قام علماء الطريق ببيان تأويله الموافق للشريعة حتى لا يضل أحد بحمله على الوجه المخالف. وما لم تصح نسبته إليه فلا يعول على شيء منه بحال. وقد بلغنا أن بعض خلفاء الطريق أحرق بعض ما ينسب للشيخ من الفضائل المختلفة التي تتنافى مع السنة المحمدية وأمر بإحراقها حيثما وجدت. وهل من منصف يستطيع أن يبين لنا معنى لتتبع تلك الموهمات ـ حتى كأنه ليس في الطريق غيرها مع أنه لا خلاف بين أهل الطريق في أنها مؤولة ـ وترك الصريح البيّن من الدعوة إلى الله عز وجل والعمل بالكتاب والسنة والتمسك الشديد بهما وهو الذي عليه العمل وحده عند كل فرد من أهل الطريقة؟ وحيث أن تلك العقائد المخالفة بحذافيرها لا خلاف بيننا في بطلانها ونحن متفقون على البراءة من كل من يعتقدها كلها أو بعضها، فلم تبق إلا الخلافات الشخصية وليست خلافاً جوهرياً.. فإن كان هذا النكير غيرةً على الدين حقيقة فلا يوجد أحد ـ فيما نعلم ـ يعتقد تلك العقائد من التيجانيين فهو جهاد في غير عدو. ومن نسب إلى الطريقة التيجانية أي عقيدة من تلك العقائد أو غيرها مما ينافي العقيدة الإسلامية فهو كاذب. وصح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (ما أكفر رجلٌ رجلاً إلا باء أحدهما بها إن كان كافراً وإلا يكفر بتكفيره)([79]) ([80])

المطلب الثاني: المواجهة الأدبية

نريد بالمواجهة الأدبية ما كانت تقوم به جمعية العلماء من استعمالها للأشكال والأساليب الأدبية المختلفة في الرد على الطرق الصوفية، وتشويه صورتها في عين الجمهور الذي يثق فيها، بغية صده عن تلك الثقة.

ويظهر – من خلال دراسة تراث الجمعية المكتوب – أن هذا الأسلوب من المواجهة كان أهم الأساليب وأكثرها استعمالا، ولعل ذلك يرجع إلى ما يلي:

1 ــ أن الجمعية عاصرت في ذلك الوقت أدباء كبار كطه حسين والرافعي والزيات وغيرهم، وقد كانت تحصل بينهم أحيانا سجالات في ميادين مختلفة، وكانت أداتهم في مواجهاتهم هي ما عرفه العرب من أساليب في هذا المجال.

2 ــ أن هذه الأداة كانت كأنها من الأسلحة التي لا توجد عند خصمهم، فلم يكن في الطرق الصوفية من الأدباء من له قوة لسانهم وحدته، بل كان الكثير منهم – على ما يظهر – ضعيفا في النواحي اللغوية، وخاصة النحو.

3 ــ أن معظم علماء الجمعية أتيح لهم الدراسة في تونس أو مصر، وأتيح لبعضهم السياحة في كثير من بلاد العالم الإسلامي، وقد رأوا في تلك المحال ما للكلمة القوية من التأثير، ولذلك راحوا يستعملون في مواجهة من تصوروا أنهم الخصم الأكبر للجزائر، وهم الطرق الصوفية.

هذه في تصورنا الأسباب الكبرى في كون الجمعية غالت في استعمال هذا الأسلوب دون غيره، وقد كنا نحب أن نعتبر من الأسباب ضعف باع الجمعية في بعض العلوم الشرعية، وخاصة ما تعلق منها بأصول الفقه، والمقاصد، والتصوف، والعلوم العقلية، ولكنا لم نؤثر أن نصف الجمعية بهذا الوصف، وإن كانت الأدلة الكثيرة تدل عليه، وهو ليس بدعة في الجمعية، بل لعلها تعتبره منقبة تفخر بها، فهي صافية خالصة لم تتكدر بعلوم التصوف ولا العلوم العقلية، ولا الكثير من الجدل الأصولي والمقاصدي الذي يتجنبه عادة أصحاب التوجه السلفي المحافظ.

بناء على هذا، نحب أن نتحدث هنا عن أهم الأشكال الأدبية التي استعملتها الجمعية في مواجهة الطرق الصوفية من الباب الذي يتعلق بمقصودنا، فلا نبحث فيما يتطلبه النقد الفني والأدبي والمحض، وإنما نتحدث عن المعاني والأغراض، ولا يهمنا الشكل الذي طرحت به لكون البحث فيه خاص بالمختصين في الأدب، وقد كتبت بعض الدراسات المرتبطة بالنواحي الأدبية عند الجمعية أو عند بعض أعضائها، ونظنها كافية في الوفاء بتلك الجوانب التي نقصر في ذكرها هنا.

أولا ــ الخطابة:

تعتبر الخطابة من أهم ما كان يستعمله علماء الجمعية من أساليب في إيصال رسالتهم الإصلاحية.

والعلة في ذلك – كما يذكر الإبراهيمي- هو التأثير القوي للخطابة في التغيير والإصلاح، وقد قارن بينها وبين التمثيل معتبرا دور الخطيب كدور الممثل في إيصال الحقائق بأبسط أسلوب وبأبلغ تأثير، فقال: (التمثيل والخطابة عند الأمم الحية توأمان، وأخوان شقيقان. وأن منزلتهما من دواعي التهذيب والتربية الفاضلة لأرفع منزلة، وأن مكانتهما من بين مقوّمات الأخلاق لمنزلة الطعام والشراب من بين المقوّمات الجسدية. وما بنيت نهضة من النهضات الأخلاقية في الأمم الجديدة إلا وللتمثيل والخطابة في بنائها القسط الأوفر والحظ الأولى.. وليس موقف الممثل بينهم دون موقف الخطيب ولا موقع الرواية من نفوسهم دون موقع الخطبة. فإنما الخطيب والممثل شيء واحد- الممثل خطيب إذا أحسن تصوير المغزى وشخّص الحقائق الغائبة للمشاهدين كالحاضر المشاهد، وألبس الخيالات لباس الواقع المحسوس. والخطيب ممثل إذا عرف كيف يقصّ الخبر وكيف يستخرج العبر، وكيف يسوق المؤثرات فيترك في نفوس سامعيه أعمق الأثر)([81])

وقد انتهجت الجمعية في تكوينها للنشء الإصلاحي على هذا الأساس، لذلك حاولت أن تنشئ فيهم القدرة على الكلام والخطابة، وقد صرح الإبراهيمي عند بيانه للإصلاح التعليمي الذي تريد الجمعية تحقيقه في مدارسها، فذكر من السبل لذلك سبيلان([82]):

الأول: مؤتمر سنوي تعقده الجمعية بقسنطينة يحضره كل القائمين بالتعليم من أعضائها العاملين، فتتبادل الآراء وتتلاقح الأفكار وتستفيض المباحث عن أصول التربية والتعليم وأقوم طرائقهما، وعن الأساليب والكتب التي تجمع بين العلم والعمل، وسيكون من نتائج هذا المؤتمر توحيد التعليم.

والثاني: سماه الإبراهيمي (عكاظ علمي سنوي) تقيمه الجمعية في مدينة الجزائر على أثر اجتماعها العام، وتمتد أيامه إلى ما فوق الأسبوع، ويلقي كل أعضائها العاملين محاضرات ليتمرّنوا على الخطابة في مواضيع الدعوة والإرشاد.

وبالإضافة إلى هذا نرى الجمعية في صحفها تصف الخطب التي يقدمها أعضاؤها، وتفاعل الجمهور معها، بأوصاف كثيرة تدل على مبلغ قيمة هذا الجانب عندهم، وخاصة أن الجانب الآخر ضعيف فيه إلى الغاية التي تجعل علماء الجمعية يضحكون منهم.

وهذا ما نراه في الاتجاه السلفي الوهابي عموما، فهم يركزون على الخطابة وتخريج الخطباء وذوي المقدرة على الكلام، ولو لم يكن في كلامهم ما يسمن أو يغني من جوع.

ثانيا ــ الشعر:

من الأشكال الأدبية التي استعملتها الجمعية في مواجهة الطرق الصوفية (الشعر)، وقد برزت فيه إلى درجة كبيرة، بحيث أنه قد تحول ما كتب من قصائد في هذا الجانب إلى زاد لا تزال تستعين به السلفية الحديثة في مواجهة التصوف والطرق الصوفية.

وسنحاول هنا باختصار أن نذكر بعض من كتب الشعر من علماء الجمعية فيما له علاقة بالطرق الصوفية، سواء اشتهر كشاعر، أو لم يشتهر، ولهذا استبعدنا الشاعر الكبير محمد العيد آل خليفة مع كونه شاعر الجمعية الأكبر، لأنا بعد البحث فيما كتبه لم نجد منه ما يستحق أن يضم لأجله إلى من نذكرهم، بالإضافة إلى ذلك، فقد كان للشيخ ميول صوفية، بل إن التيجانية تعتبره من رجالها المخلصين:

1 ــ الزاهري:

اشتهر الزاهري كما عرفنا في كل المجالات الأدبية من القصة والشعر ونحوها، وقد سخرها جميعا – في الفترة الأولى من حياته – لخدمة الجمعية، وخدمة أهدافها، وخدمة أهم هدف من أهدافها، وهو مواجهة الطرق الصوفية.

ومن قصائده في هذا المجال، قصيدة بعنوان (تحية الإصلاح) كتب يحذر من شيوخ الطرق الصوفية الذين يرشدون مريديهم إلى الضلالة، فيقول([83]):

ويريد آخر للجزائر أن تضل
 
ل الرشد في طرق وفي أبواب
 
تلقي زمام عقولها جهلا إلى
 
من كان متكلا على الأنساب
 
من كل ذي نسب يسلسله إلى
 
جد له متحنث أواب
 
أو كل ذي دجل يمت به إلى
 
شيخ له متصوف كذاب
 
يا ويحنا من أمة لم تتبع
 
في الدين غير مشائخ وذئاب
 
قسموا عباد الله أغناما
 
لهم فالجاهلون لهم من الأذناب
 
ملكوا على البسطاء من جهالنا
 
ما كان من مهج ومن أسلاب
 

وهو ينتقل من الحديث عن مشايخ الصوفية إلى الزوايا التي ساهمت في نشر العلم والتربية ليتهمها بأنها تحولت إلى حانة يتعاطى فيها الشيوخ ومريدوهم الخمر، ولسنا ندري المصدر الذي اعتمد عليه في هذه المعلومة، وربما يكون ما ذكرناه سابقا من تعبير شعراء الصوفية عن الحالة الوجدانية التي يشعرون بها، وبأنها كنشوة الخمرة، يقول في ذلك([84]):

يا رب زاوية بها لم يكن
 
في حانة من خمرة وشراب
 
يسقي الشيوخ الصالحون ضيوفهم
 
بالكأس أو بالطأس والأكواب
 
فتجنوا على الدين الحنيف وأفسدوا
 
ما فيه من خلق ومن آداب
 

 وفي قصيدة أخرى له بعنوان (إلى زعيم المصلحين)، ويعني ابن باديس، وقد عرج فيها إلى اتهام الطرق الصوفية بتهم كثيرة كالخمول وحب الذات، ونحوها، ومما جاء فيها قوله([85]):

مارست أخلاق الشيوخ فلم أجد
 
غير الخمول – وغير – حب الذات
 
ووجدت منهم من يعد أخا العبا
 
دة وهو في لهو وفي لذات
 
طلبوا صلاح المسلمين ففرقوا الإ
 
سلام في طرق لهم أشتات
 

ومن قصائده في هذا المجال قوله – وهو يرسم العلاقة التي تربط المريد بشيخه([86]) –

كانوا طوائف شتى كل طائفة
 
تطيع شيخا لها في كل ما زعما
 
إن قال إني ولي صدقوه وإن
 
هو ادعى الغيب قالوا أحكم الحكما
 
وإن تعلم بعض الشيء تهجية
 
قليلة هتفوا يا أعلم العلما
 
وإن هو ارتكب الفحشاء فاضحة
 
فلا محالة معذور وقد أثما
 
أو احتسى الخمر قالوا إنها عسل
 
ولا غرابة في هذا ولا جرما
 
أو ادعى أن خير الخلق يخدمه
 
فما اعتدى عندهم ولا ظلما
 
(أو لم يصل رأوه حسبما زعموا
 
يقيمها إذ يزور البيت والحرما
 

وفي قصدة أخرى يوبخ المجتمع الجزائري الذي وكل نفسه إلى هؤلاء الذين يعتبرهم غواة، فيقول([87]):

أمة تتبع الغوي وتعصي
 
كل هاد إلى الرشاد حكيم
 
إن دعاها الدعاة إلى الخير يوما
 
شردت منهم شروط الظليم
 
هي للمفسدين جنات عدن
 
وعلى المصلحين نار الجحيم
 
أمة لا ترى لذي الفضل فض
 
لا، ولا تعتني بعلم عليم
 
ومن يكن صوفيا كذوبا خبيثا
 
فاز منهم بكل خير عميم
 
وحبته بغير حق من التك
 
ريم كل الإكبار والتكريم
 
أنت لو كنت صوفيا لتلقت
 
كل ما تفتريه بالتسليم
 
وإن كنت مصلحا فلك الويل
 
ملوما وأنت غير ملوم
 

2 ــ الطيب العقبي:

وهو بالإضافة إلى قدراته الخطابية العالية التي تحدثنا عنها كان شاعرا فحلا، وقد وجه شعره لمواجهة الطرق الصوفية، بل إن قصائده في هذا المجال لا تزال تنشر على مستوى واسع، وخاصة في النوادي السلفية.

وقد شهد له بالقدرة الشعرية الشيخ ابن باديس الذي تحدث عن هذا الجانب فيه بقوله: (يعرف الناس العقبي واعظا مرشدا يلين القلوب القاسية، ويهد البدع والضلالات العاتية بقوة بيانه وشدة عارضته، ولكن العقبي الشاعر لا يعرفه كثير من الناس، فلما ترنحت السفينة على الأمواج وهب النسيم العليل هب العقبي الشاعر من رقدته وأخذ يشنف أسماعنا بأشعاره ويطربنا بنغمته الحجازية مرة والنجدية أخرى، ويرتجل البيتين والثلاثة والأربعة في المناسبات، وهاج بالرجل شوقه إلى الحجاز فلو ملك قيادة الباخرة لما سار بها إلا إلى جدة دون أن يعرج على مارساي، وإن رجلا يحمل ذلك الشوق كله للحجاز ثم يكبته ويصب على بلاء الجزائر وويلاتها ومظالمها لرجل ضحى في سبيل الجزائر تضحية أي تضحية) ([88])

ولعل أهم ما كتب من شعر في هذا المجال قصيدته الكبرى (إلى الدين الخالص) التي وصفها ووصف صاحبها الشيخ مبارك الميلي بقوله: (ولكن أتى الوادي فطم على القرى، إذ حمل العدد الثامن في نحره المشرق قصيدة (إلى الدين الخالص) للأخ في الله وداعية الإصلاح وخطيب المصلحين الشيخ الطيب العقبي ـ أمد الله في أنفاسه ـ فكانت تلك القصيدة أول المعول المؤثر في هيكل المقدسات الطرقية، ولا يعلم مبلغ ما تحمله هذه القصيدة من الجراءة ومبلغ ما حدث عنها من انفعال الطرقية، إلا من عرف العصر الذي نشرت فيه وحالته في الجمود والتقديس لكل خرافة في الوجود)([89])

وقد قدّمت (المنتقد) للقصيدة بهذه المقدمة الاستفزازية: (تحت هذا العنوان جاءتنا هذه المنظومة الإصلاحية للعلاّمة المرشد صاحب التوقيع، فحلّينا بها صدر هذا العدد تبصرة وذكرى لقوم يؤمنون ؛ و(المنتقد) يتحدّى بها كلّ ذي علم تحدّثه نفسه بمعارضتها إلى معارضتنا بصحيح الأدلّة من الكتاب والسنّة وكلام سلف الأمّة، ويتكفّل بنشرما يَرِدُ عليه من جميع المعارضين، ومن لم يفعل منهم وبقي يلغو في المجالس والحوانيت، فإنّه يكون من الجبناء الكاذبين المفسدين)([90])

ونحب أن ننبه هنا – قبل أن نذكر الجوانب التي تحدثت عنها القصيدة – إلى أن الطرق الصوفية واجهت التحدي، وعارضت القصيدة، ولكنها للأسف لم تنشر، بل لعله لم يبق لها وجود([91]).

تبدأ القصيدة بأسف العقبي على حال الجزائر، ويركز بوجه خاص على ما يركز عليه الاتجاه السلفي الذي يختصر الدين في بعض المظاهر والسلوكات، بل إنه من خلال ذلك يحكم على الشعب الجزائري بخروجه من الملة، وهو المعتقد التكفيري الذي اعتبرناه من الثمرات الخبيثة التي جنتها الجمعية من تأثرها بالوهابية يقول في ذلك بعد الاستهلال السابق، وبلهجة تقريرية([92]):

ماتت السنة في هذي البلاد
 
قبر العلم وساد الجهل ساد
 
وفشا داء اعتقاد باطل
 
في سهول القطر طرا والنجاد
 
عبد الكل هواء شيخه
 
حده ضل، فضل الإعتقاد
 
حكموا عاداتهم في دينهم
 
دون شرع الله إذ عم الفساد
 

بل إنه يتبرأ منهم، ويحكم عليهم كما يحكم الوهابية عادة على خصومهم بكونهم من أهل النار لا يستثنون في ذلك مشيئة الله ولا إرادته، بل يجزمون بأحكامهم جزما، يقول في ذلك([93]):

لست منهم لا، ولامني همو
 
ويلهم يا ويلهم يوم المعاد
 
يوم يأتي الخلق في الحشر وقد
 
نشروا نشر فراش وجراد
 
يوم لا تنفعهم معذرة
 
ولظى مأواهم بئس المهاد
 
يصهر الساكن في أطباقها
 
كلما أحرق منه الجلد عاد
 
وكل الله بمن حل بها
 
جمع أملاك غلاظ وشداد
 
أكلهم فيها ضريع، شربهم
 
من حميم لبسهم فيها سواد
 
كلما فكرت في أمرهم
 
طال حزني وتغشاني الهساد
 

ثم يتحدث – كشأن التيار الوهابي – عن نفسه – جازما قاطعا- بأنه ملتزم التزاما حقيقيا بالدين الصحيح الذي لا دين صحيح غيره، وبالتالي فهو – في مقابل ذلك الشعب الجزائري المسكين الذي حكم عليه بجهنم – من الفرقة الناجية المحفوظة المعصومة، يقول في ذلك على عادة شعراء الفخر([94]):

أيها السائل عن معتقدي
 
يبغي مني ما يحوي الفؤاد
 
إنني لست ببدعي ولا
 
خارجي دأبه طول العناد
 
يحدث البدعة في أقوامه
 
فتعم الأرض نجدا ووهاد
 
لست ممن يرتضي في دينه
 
ما يقول الناس زيد أو زياد
 
ليس يرضى الله من ذي بدعة
 
عملا إلا إذا تاب وهاد
 
بل أنا متبع نهج الألى
 
صدعوا بالحق في طرق الرشاد
 
حجتي القرآن فيما قلته
 
ليس لي إلا على ذاك استناد
 
وكذا ما سنه خير الورى
 
عدتي وهو سلاحي والعتاد
 
وبذا أدعو إلى الله ولي
 
أجر مشكور على ذاك الجهاد
 
منكم لا أسأل الأجر ولا
 
أبتغي شكركم بله الوداد
 
مذهبي شرع النبي المصطفى
 
واعتقادي سلفي ذو سداد
 
خطتي علم وفكر ونظر
 
في شؤون الكون بحث واجتهاد
 
وطريق الحق عندي واحد
 
مشربي مشرب قرب لا ابتعاد
 

ثم يخرج من الجملة إلى التفصيل ليتحدث عن المعتقدات الصوفية وآدابهم على حسب ما تتصورها الوهابية، فيقول([95]):

لا أرى الأشياخ في قبضتهم
 
كل شيء بل همو مثل العباد
 
وعلى من يدعي غير الذي
 
قلته إثبات دعوى الإتحاد
 
قال قوم: سلم الأمر لهم
 
تكن السابق في يوم الطراد
 
تنل المقصود، تحظى بالمنى
 
وترى خيلك في الخيل الجياد”
 
قلت:” إني مسلم ياويحكم
 
ليس لي إلا إلى الشرع انقياد
 
قولكم هذا هراء أصله
 
ما روت هند وما قالت سعاد
 
أنا لا أسلم نفسي لهم
 
لا، ولا ألقي إليهم بالقياد
 
لست أدعوهم كما قلتم وقد
 
عجزوا عن طرد بقٍّ أو قراد
 

وهو كالتيار الوهابي يعتبر الأضرحة والقباب ونحوها أصناما لا تختلف عن اللات والعزى، وبالتالي، فإن الزائر لها له حكم من زار اللات والعزى وعبدها، فيقول([96]):

لست من قوم على أصنامهم قد عكفـــــــــــــوا  يدعونها في كل ناد
 
كلما أنشد شاد فيهم
 
قول شرك ذهبوا في كل واد
 
كم بنوا قبرا، وشادوا هيكلا
 
وصروح الغي بالجهل تشاد
 
غرهم من داهنوا في دينهم
 
وارتضوا في سيرهم ذر الرماد
 

ثم يذكر شدة عداوته لهم، بل إنه يلعنهم هكذا إجمالا من دون استثناء، فيقول([97]):

إنني ألعنهم مما بدا
 
حاضر في إفكه منهم وباد
 
وأنا خصم لهم أنكرهم
 
كيفما كانوا جميعا أو فراد
 
علمونا طرق العجز وما
 
منهم من لسوى الشر أفاد
 
طالما جدَّ الورى في سيرهم
 
وهم كم صدهم طول الرقاد
 

ثم يعود إلى تفصيل ما يحفظه الوهابيون عموما من معنى التوحيد والشرك وقصره على القباب والقبور ونحوها، فيقول([98]):

لست أدعو غير ربي أحدا
 
وهو سؤلي وملاذي والعماد
 
وله الحمد فقد صيرنا
 
بالهدى فوق نزار وإياد
 
فاعبدوا ما شئتم من دونه
 
ما عناني منكم ذاك العناد
 
لست منقادا إلى طاغوتكم
 
بظبي البيض والسمر الصعاد
 
لم أطف قط بقبر لا،ولا
 
أرتجي ما كان من نوع الجماد
 
لست أكسو بحرير جدثا
 
نخرت أعظمه من عهد عاد
 
لا أشد الرحل أبغي حجه
 
قربة تنفعني يوم التناد
 
حالفا كل يمين أنه
 
سوف يقضي حاجتي ذاك الجواد
 
لا أسوق الهدي قربانا له
 
زردة يدعونها أهل البلاد
 

ويضم إلى هذه المظاهر التي يعتبرها شركا جليا مكفرا ما يقرره الصوفية من التوسل والاستغاثة ونحوها، فيعتبرها شركا كما يعتبرها أساتذته الوهابية، فيقول([99]):

لا أنادي صاحب القبر أغث
 
أنت قطب، أنت غوث وسناد
 
قائما أو قاعدا أدعو به
 
إن ذا عندي شرك وارتداد
 
لا أناديه، ولا أدعو سوى
 
خالق الخلق رؤوف بالعباد
 
من له أسماؤه الحسنى وهل
 
أحد يدفع ما الله أراد؟
 
مخلصا ديني له ممتثلا
 
أمره لا أمر من زاغ وحاد
 

3 ــ الإبراهيمي

وهو بالإضافة إلى قدراته البيانية المختلفة لديه قدرة كبيرة في صياغة الشعر الفصيح المتين([100])، وقد وجه جزءا محترما منه لمواجهة الطرق الصوفية، ومن ذلك ما كتبه في قصدية يقول فيها([101]):

فإن شئتموا أن تسمعوني محاضرا
 
أحاضركم عن حضرة الغوث والقطب
 
هنالك يدري الجاهلون حقيقتي
 
ويهتز ناديكم ويعرف ما خطبي
 
وان سكوتي مسحة مستعارة
 
من المدفع الصخاب والصارم الشطب
 
أنا المرء لا أعطي إلى القطب مقودي
 
ولو دفعتني الحادثات إلى القطب
 

ومن ذلك أرجوزته التي وجهها إلى بعض الوهابية من نجد([102])، وهي وإن لم يكن فيها مواجهة مباشرة للطرق الصوفية إلا في بعض المسائل المتعلقة بما يتصوره الوهابية شركا، إلا أنا نرى أن في أصل القصيدة مضادة ومواجهة حادة للطرق الصوفية ذلك أنهم في ذلك الحين خصوصا كانوا يعتبرون ما ورد من الأحاديث([103]) عن اعتبار نجد هي رأس الفتن ومنطلقها متعلقا بالمنطقة التي ولد فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وانطلقت منها دعوته.

لكن الإبراهيمي – على عكس ما ورد في تلك الأحاديث – كتب قصيدته يثني على علماء نجد، بل يعتبرهم من القلائل الذين حافظوا على توحيدهم في الوقت الذي انتشر فيه الشرك في جميع البلاد الإسلامية.

ومن الذين أثنى عليهم الشيخ صديقه الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وعمر بن حسن آل الشيخ – رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آنذاك-، ومما جاء فيها قوله([104]):

إنَّا إذا ما ليلُ نجدٍ عسعسا
 
وغربت هذا الجواري خُنَّسا
 
والصبح عن ضيائه لتنفسا
 
قمنا نؤدِّي الواجب المقدسا
 
ونقطع اليوم نناجي الطُّرُسا
 
وننتحي بعد العشاء مجلسا
 
موطَّداً على التقى مؤسَّسا
 
في شِيخةٍ حديثهم يجلوالأسى
 
وعلمهم غيث يغادي الجُلسا
 
خلائقٌ زهرٌ تنير الغلسا
 
وهمم غُرٌّ تعاف الدَّنسا
 
وذممٌ طهر تجافي النَّجَسا
 
يُحْيُون فينا مالكاً وأنسا
 
والأحمدين والإمام المؤتسا
 

ثم يخاطب نجد، ويعتبرها بلاد التوحيد ويقصره عليها في الوقت الذي يعتبر فيه جميع بلاد الإسلامي بلادا للشرك، وهذا للأسف ما يتفوه به التيار الوهابي كل حين([105]):

بوركتِ يا أرضٌ بها الدين رسا
 
وَأَمِنَتْ آثاره أن تُدْرُسا
 
والشرك في كلِّ البلاد عرَّسا
 
جذلان يتلو كُتْبَه مُدرِّسا
 
مصاولاً مواثباً مفترسا
 
حتى إذا ما جاء جَلْساً جَلَسَا
 
منكمشاً مُنخذلاً نقْعَنسسا
 
مُبَصْبصاً قيل له اخْسأْ فخسا
 
شيطانه بعد العُرَام خنسا
 
لما رأى إبليسه قد أبلسا
 
ونُكِّستْ راياته فانتكسا
 
وقام في أتباعه مبتئسا
 
مُخَافِتاً مِنْ صوته محترسا
 
وقال إنَّ شيخكم قد يئسا
 
من بلد فيها الهدى قد رأسا
 
ومعْلَمُ الشرك بها قد طُمِسا
 
ومعهدُ العلم بها قد أسسا
 
ومنهلُ التوحيد فيها انبجسا
 

ثالثا ــ القصة:

وإنتاج الجمعية فيها محدود جدا، ولعلها مقصورة على بعض القصص التي كتبها الشيخ الزاهري، ومنها قصته المعروفة التي أخرجها بعض الوهابية المعاصرين على شكل رسالة صغيرة، وسماها (اعترافات طرقي قديم)

وفي القصة حملة شديدة على الطرق الصوفية هكذا مجملة عامة لينصرف ذهن القارئ إلى جميع الطرق، ويركز فيها بشكل خاص على دورها في التفرقة الاجتماعية، وكأنه يواجه بذلك ما كانت تنشره الطرق من أن الجمعية تريد أن تخترق صف الأمة ووحدتها.

فالولاء الطرقي – كما يذكر الزاهري – مرتبط بالطريقة أكثر من ارتباطه بالإسلام، حتى أن هذا الطرقي التائب الذي يتحدث عنه (حينما كان طرقيا كان لا يفرح بانتشار الإسلام كما يفرح بانتشار الطرقية التي ينتسب إليها، فإذا سمع برجل دخل دين الله، سأل عنه هل اعتنق طريقته أم لا؟ فإذا لم يعتنقها تعامى وتصامم، وإذا سمع أن مسلما اعتنق الطريقة التي يعتنقها هو اهتز طرباً، وكاد يطير من شدة الفرح والسرور، وإذا نزل بالإسلام أي مكروه تصامم صاحبنا كأن الأمر لا يعنيه ولا يعني دينه، أما إذا أصابتطريقته مصيبة ما اغتم لها واهتم)([106])

وفي اعتراف آخر يقول: (لا أكتمكم، أنه قد يكون بيني وبين الرجل صلة القربى، وقد تجمعني به الروابط والصلات، وقد يكون مهذباً ولكني لم أكن أثق به ولا أطمئن إليه، لا لشيء سوى أنه لا يرافقني في الطريق!!وقد يكون الرجل لا قرابة بيني وبينه، وليس بيننا أية صلة أخرى، ولكني أثق به وأطمئن إليه، وأشعر نحوه بحب شديد لا لشيء سوى أنه أخي من الشيخ، هذا هو ما كان يوصينا به أسيادنا ورؤساء طريقتنا جميعاً)([107])

وينقل الحديث عن تائب آخر تحول – في تصوره- من الطرقية إلى الإصلاح، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجاهلية إلى الإسلام قوله: (وكان من كراهيتنا لأتباع الطرق الأخرى، أننا لا ننزل ضيوفاً إلا على من تبع ديننا(طريقتنا)، ولا نكرم ضيوفاً لا يكونون على طريقتنا، ولا نجتمع معهم في حلقة ذكر، وأذكر أن رجلا كان أخانا من الشيخ، له مكانة بيننا وكنا نحبه ونحترمه، وما هي إلا أن أخبرنا أحدنا بأنه رآه في بلدة أخرى، في حلقة ذكر لطائفة أخرى، حتى كرهناه وهجرناه، وأخبرنا سيدنا به وبما فعلنا، فقال، نعم ما فعلتم، لا تتساهلوا فيمن يخل بشيء من آداب الطريق، ولا تخالطوا من يفسد عليكم نيتكم في الشيخ، ولا تصلوا وراءهم، وكل من صلى منكم وراء إمام ليس على طريقتنا، ولا يجتمع معنا على محبة الشيخ، فصلاته باطلة تجب عليه إعادتها!!)([108])

ويصور الزاهري تأثير مشايخ الطرق في مريديهم حتى في المسائل المرتبطة بالحياة الشخصية لكل مريد، بل حتى الحياة الشخصية لأفراد أسرته، فقد ورد في القصة من اعترافات هذا الطرقي التائب: (وسأل رجل وقال:يا سيدنا إني أريد أن أستشيرك في أمر يهمني، قال وما هو؟قال:إن ابني قد كبر، وأردنا أن نزوجه، وخطبنا له كريمة فلان إلى أبيها، فوعدنا خيراً، ولكنها من بنات طريقة أخرى لا من بنات طريقتنا،وهي فتاة من الفتيات الصالحات،فقال له سيده: وكيف تكون صالحة، وهي ليست من بنات طريقتنا؟ ولم تدخل زاويتنا قط!!،فقال الرجل: عسى الله أن يهديها فتعتنق طريقتنا، وتزور زاوية سيدنا، فقال له سيده: اشترطوا عليها أن تترك طريقتها إلى طريقتنا، فإذا رضيت بهذا الشرط فذلك ما كنا نبغي، وإلا فلا تعزموا عقدة النكاح.. وتكلم له رجل وقال:يا سيدي،إن الآنسة فلانة، التي توفي عنها أبوها أخيراً، وكانت من بنات طريقتنا، قد أعجب بها فتى ليس منا، فأبت أن تقبله لها بعلاً حتى يترك طريقته إلى طريقتنا، وقد تزوجها على هذا الشرط وأصبح أخاً لنا في الشيخ، فقال سيدنا:أحسنت هذه الآنسة، وهي محبة في الشيخ، وإن عملها هذا هو من الصالحات، ومن أفضل ما يقربها إلى الله زلفى، ففرحنا نحن بها، وصرنا نسميها”سكينة”تشبيهاً لها بسيدتنا سكينة بنت زين العابدين رضي الله عنها)([109])

ويذكر الزاهري كيف كانت تنتشر العداوة بين الطرق الصوفية بسبب خلافات بسيطة، فيقول: (على أن الطرق الأخرى يحمل أتباعها لنا من الضغينة والحقد أكبر مما يحمل أتباع طريقتنا، فقد جربت ذات يوم أن أتودد إلى أهل طريقة، فرفضوا ودادي، وذلك أن جلست معهم في حلقة لهم عقدوها لتلاوة أورادهم، وكان من عادتهم أن يغمضوا أعينهم عند تلاوة هذه الأوراد، وكان من عادتنا نحن أن نفتح أعيننا، وأن لا نغمضها عند قراءة الأوراد، وما هي إلا أن عرفوا أنني لا أغمض عيني حتى طردوني، وقالوا لي:أنت لست من طريقتنا!!)([110])

وهو يحاول عن طريق اعترافات هذا الطرقي أن ينسب كل الرذائل والآفات إلى مشايخ الطرق بطريقة سردية بسيطة، فيذكر أنه قد في بعض الطلبة لتصوره أنه من الإصلاحيين لكنه ما إن زار زاوية من الزوايا فوجده فيها حتى تغير موقفه منه، وقد جرى في سر هذا التغير هذا الحوار الذي ذكره الزاهري، فقال: (وقال لي: لقد حضرت أنا نفسي على هذا الشيخ درساً في التوحيد يلقيه على أسيادنا، فظننت أن الإمام الأشعري هو الذي يلقي هذا الدرس علينا، فقلت: لقد أصبح الطالب في نظرك شيخاً نظير الإمام الأشعري، ولكن في أي مسألة من مسائل التوحيد كان درس هذا الشيخ؟ قال: كان في مسألة “كرامات الأولياء”، وقد ذكر من كرامات شيخنا أكثر من مائة وخمسين كرامة، فقلت له: يا فلان، هل نسيت ما كنت تقوله يوم لقيت هذا الطالب أنه قليل العلم مدمن على التدخين، فقال: أما ما قلته عنه من قلة العلم فقد كنت مخطئاً فيه، واليوم تبين لي أنه غزير العلم، وحسبك أنه أستاذ لأسيادنا، وأما أنه مدمن على شرب الدخان، فهذا أمر لا بأس به، لأن أسيادنا هم أنفسهم يدخنون ويدمنون على التدخين، ويدمنون على ما هو أكثر من الدخان أيضا، من غير أن يقدح ذلك في مروءتهم أو في دينهم، فقلت: إن المدمنين على هذه الآفات هم ممن لا مروءة لهم ولا دين، قال: لا يقول كلامك هذا إلا من كان مسلوباً من الإيمان، قلت: ويحك، فهل تعتقد أن تعاطي هذه الآفات هو أمر مباح؟ قال: لا، ولكني أعتقد أن الإنكار على أسيادنا، لا يجوز مهما ارتكبوا من الكبائر والموبقات، قلت: وهل أسيادك هم فوق الشرع الشريف حتى لا تنالهم أحكامه؟ قال: دعنا من هذا الكلام) ([111])

بل إن الزاهري يذكر أن من أتباع الطرق الصوفية يهود ظلوا على يهوديتهم، وأن العلاقة التي تربط مريدي الطريقة بهم أكثر من العلاقة التي تربطهم بالمسلمين، فيقول – على لسان هذا الطرقي التائب -: (كان اليهود في بعض نواحي الصحراء، قد دخلوا هم أيضاً في الطرق الصوفية، من غير أن يدخلوا في الإسلام، وكان قد اعتنق طريقتنا منهم عدد غير قليل، فجعل سيدنا عليهم(مقدما) يهودياً منهم.. ولا أكتمكم، أننا كنا نحب هذا المقدم اليهودي، ونحب هؤلاء اليهود الذين هم إخواننا من الشيخ أكثر مما نحب أي مسلم من المسلمين، الذين يتبعون الطرق الأخرى، وكما أن اليهود يسمون غيرهم-[الكوييم]- فإننا نحن أيضاً نسمي غيرنا من المسلمين باسم القراميط.. وبالجملة، فلم نكن نعرف الحب في الله والبغض في الله، وإنما كنا نعرف الحب في الشيخ والبغض في الشيخ)([112])

وهكذا تستمر القصة – وبلغة بسيطة –تجمع جميع ما ترمي به الجمعية الطرق الصوفية في محل واحد، لتعتبرها جميعا ضلالا وشركا، ثم تعلن انتصار الجمعية عليها بتوبة الطرقي، وتحوله إلى مصلح بمجرد توبته.

والملاحظة التي يمكن أن ندلي بها هنا هي أن هذه القصة ليست سوى نوع من القذف غير العلمي وغير الأخلاقي وغير الشرعي، لأن قارئ القصة البسيط يتصور أنها حقيقة واقعة، ويتصور أن ما فيها من أحداث ومواقف مرتبط بجميع الطرق، ولذلك جميع الطرق – كما تذكر القصة – يمارسون الكبائر بل يدمنون عليها مع أشياخهم، وهذا كله وإن صدق في محل لا يمكن أن يصدق في جميع المحال.

وهذا أكبر ما يشكو منه رجال الطرق من الجمعية، وهو التعميم المنافي للمنهج العلمي الصحيح، فالمنهج العلمي يقتضي التريث في إطلاق الأحكام قبل التحقيق.

رابعا ـ المقالة الأدبية:

تعتبر المقالة الأدبية هي أكثر ما وردنا من تراث الجمعية، وقد وظفت خصوصا في مجال النقد بأنواعه المختلفة، وخاصة النقد الاجتماعي.

وربما تكون الجمعية في توظيفها للمقالة الأدبية النقدية في مواجهة الطرق الصوفية مقلدة للتيار الأدبي النقدي في ذلك الوقت، والذي مثله أحمد أمين وإبراهيم المازني وعباس محمود العقاد والرافعي وطه حسين وغيرهم من الأدباء، ولهذا نجد انسجاما بين طرق التعبير وأساليبه بين ما كتبته الجمعية وما كان يكتبه هؤلاء.

وربما يكون اختيار الجمعية لهذا الأسلوب في الكتابة هو بساطته وسرعة وصوله للقارئ وعدم حاجات صاحبه إلى إمكانات علمية كبيرة، بالإضافة إلى الحرية التي يشعر بها الكاتب، خاصة إن كانت له قدرة على التعبير، فهو يخوض فيما شاء، وكيف شاء بعلم أو بغير علم.

وهذا ما يفرق المقالة العلمية عن المقالة الأدبية، فكاتب المقالة العلمية يحتاج عند ذكر كل عبارة إلى التوثيق والتحقيق والبرهان، فهو دائم محاصر برقيب يردد عليه قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]

انطلاقا من هذا وظفت الجمعية المقالة الأدبية خير توظيف في أداء رسالتها المتعلقة بمواجهة الطرق الصوفية.

وبما أن أكثر هذا المقالات إن لم نقل كلها يمكن اعتبارها من المقالات النقدية، فإنها استعملت – بالإضافة إلى الطريقة الوصفية- أساليب كثيرة لعلها أهمها أسلوب (التهكم والسخرية) من هذا الواقع لتصوره بصورة مستهجنة ينفر منها القارئ.

ولعل أشهر من اشتهر بهذا الأسلوب، وكان له القدرة الفائقة فيه بما أوتي من قوة بيان، الشيخ البشير الإبراهيمي، الذي لا يذكر الطرق ولا الصوفية أو مشايخها وعلماءها إلا ويصب عليهم من التهكم والسخرية ما يتصور أنه يذلهم به.

وكمثال على ذلك مقالين كتبهما عن العلامة المحدث الكبير عبد الحي الكتاني([113])، الذي لا يزال إلى الآن مرجعا من مراجع علماء الحديث، ولكنه – في منطق الإبراهيمي، وفي منطق المقالة الأدبية – ليس كذلك، وكيف يكون كذلك، هو يعتقد بما يعتقد به رجال الطرق الصوفية.

ولعل الداعي إلى سخرية الإبراهيمي من الشيخ عبد الحي الكتاني هو استقواء الطرق الصوفية به، وكيف لا وهو الذي يجلب إليهم ما يحتاجون إليه من المصادر والنصوص التي تحفظ كيانهم في مواجهة الغزو الإصلاحي الموجه ضدهم.

وقد كانت الحادثة المؤلمة التي جعلت الإبراهيمي يعلن على الشيخ حربه هو ما قام به من تجميع الزوايا في مؤتمر دعا من خلاله إلى الإصلاح التربوي والتعليمي، بل دعا من خلاله إلى الإصلاح الشامل للزوايا ومن يمثلها من الطرق الصوفية([114]).

وكان يمكن للجمعية أن تفرح بهذا، ولكنها للأسف لم تفعل، لأنها كانت تتصور أن في إصلاح الزوايا تقوية لها، وفي قوتها يذهب نشاط الجمعية هدرا، فهل يمكن للطبيب أن يمارس وظيفته إن شفي جميع المرضى؟

وبناء على هذه النظرة التي لم يفصح عنها الإبراهيمي، ولكنها تفوح بقوة من خلال كلماته صب جام غضبته وسخريته عليه، ولم يجد من وسيلة سوى المقالة الأدبية التي رآها خير وسيلة لتحطيم عنفوان الرجل وقوته، لأن المقالة العلمية تستدعي أدلة كثيرة، ووقتا طويلا، ولم يكن لدى الشيخ الإبراهيمي – وهو المستغرق في الإصلاح وما يتطلبه من جهد- هذا الوقت ليضيعه في نقده.

وتبدأ سخرية الإبراهيمي من الرجل من عنوان المقالة نفسها، فقد عنونها بـ (أفي كل حي… عبد الحي؟)([115])، وعنوان المقالة الثانية (عبد الحي الكتاني: ما هو؟ وما شأنه؟)([116])، وقد تعرض فيها لشخص الشيخ عبد الحي أكثر مما تعرض فيها لفكره ومنهجه ودعوته، وهذا كشأن التيار الوهابي عموما من تغليبه نقد الأشخاص على نقد الأفكار.

وقد قال جوابا عن سؤال طرحه (ما هو عبد الحي؟): (هو مكيدة مدبرة، وفتنة محضرة؛ ولو قال قائل في وصفه:

شعوذة تخطر في حجلين
 
وفتنة تمشي على رجلين
 

لأراح البيان والتحليل، كما يقول شوقي؛ ولعفى على أصحاب التراجم، من أعاريب وأعاجم، ولأتى بالإعجاز، في باب الإيجاز؛ إذ أتى بترجمة تحمل ببرقية، إلى الأقطار الغربية والشرقية، فيعم العلم، وتنتشر الإفادة، وتذيع الشهرة)([117])

ويعتبر أنه (مجموعة من العناصر منها العلم ومنها الظلم، ومنها الحق ومنها الباطل؛ وأكثرها الشر والفساد في الأرض)([118])

بل حتى اسمه يسخر منه، ويحوله عن المراد منه إلى مراد آخر يزيد من تهكمه به، فيقول: (إن اسم صاحبنا لم يصدق فيه إلا جزؤه الأول، فهو عبد لعدة أشياء جاءت بها الآثار وجرت على ألسنة الناس، ولكن أملكها به الاستعمار؛ أما جزؤه الثاني فليس هو من أسماء الله الحسنى، ولا يخطر هذا ببال مؤمن يعرف الرجل، ويعرف صفات عباد الرحمان، المذكورة في خواتيم سورة الفرقان، وإنما هو بمعنى القبيلة، كما يقال كاهن الحي وعراف الحي وعير الحي، وقبح الله الاشتراك اللفظي، فلو علم العرب أنه يأتي بمثل هذا الالتباس لطهروا منه لغتهم، وتحاموه فيما تحاموا من المستهجنات)([119])

وهكذا يتلاعب الإبراهيمي بالألفاظ، ويستخدمها خير استخدام في التهوين من شأن الرجل حتى فيما اشتهر من ذاكرة قوية وحفظ متين للحديث، أهله لأن يعتبر محدثا، لكن الإبراهيمي لم يكن ينظر إلى حفظه بتلك الصورة، فهو يقول عنه: (وعبد الحي محدث بمعنى آخر، فهو راوية بكل ما لهذه الكلمة من معنى. تتصل أسانيده بالجن والحن.. وبكل من هب ودب. وفيه من صفات المحدثين أنه جاب الآفاق، ولقي الرجال، واستوعب ما عندهم من الإجازات بالروايات، ثم غلبت عليه نزعة التجديد فأتى من صفات المحدثين (بالتخفيف) بكل عجيبة، فهو محدث محدث في آن واحد؛ وهمه وهم أمثاله من مجانين الرواية حفظ الأسانيد، وتحصيل الإجازات، ومكاتبة علماء الهند والسند للاستجازة، وأن يرحل أحدهم فيلقى رجلا من أهل الرواية في مثل فواق الحالب، فيقول له: أجزتك بكل مروياتي ومؤلفاتي.. فإذا عجز عن الرحلة كتب مستجيزا فيأتيه علم الحديث بل علوم الدين والدنيا كلها في بطاقة.. أهذا هو العلم؟ لا والله. وإنما هو شيء اسمه جنون الرواية)([120])

والإبراهيمي بحكم توجهه السلفي، وتغلب النزعة الوهابية خصوصا عليه ينفي عن الكتاني كونه محدثا، لأن من شروط المحدث في تصوره أن يكون سلفيا، فيقول: (ولقد كان من مقتضى كون الرجل محدثا أن يكون سلفي العقيدة وقافا عند حدود الكتاب والسنة.. لكن المعروف عن هذا المحدث أنه قضى عمره في نصر الطرقية وضلالات الطرقيين ومحدثاتهم بالقول والفعل والسكوت، وأنه خصم لدود للسلفيين، وحرب عوان على السلفية، وهل يرجى ممن نشأ في أحضان الطرقية، وفتح عينيه على ما فيها من مال وجاه وشهوات ميسرة ومخايل من الملك، أن يكون سلفيا ولو سلسل الدنيا كلها بمسلسلاته؟)([121])

وهكذا يستمر الإبراهيمي في التهكم والسخرية إلى نهاية مقاله الطريل، بل إنه يهدده بأنه إن استمر في دعم الطرق الصوفية في الجزائر، فإن سيروي الروايات في مثالبه وينشرها ويفضحه بها، فيقول: (..فإن عاد بالتوبة، عدنا بالصفح؛ وان زاد في الحوبة، عدنا على هذا المتن بالشرح، ولعل هذا الأسبوع هو أبرك الأسابيع على الشيخ، فقد أملينا فيه مجالس في مناقبه جاءت في كتيب، سميناه- بعد الوضع- “نشر الطي، من أعمال عبد الحي”، فإن تاب وأدناه، ووفينا له بما وعدناه، وإلا عممناه بالرواية، وأذنا لعبد الحي في روايته عنا للتبرك واتصال السند، وهو أعلم الناس بجواز رواية الأكابر عن الأصاغر)([122])

ولعل أهم ملاحظة نخرج بها من مطالعة هذه المقالة الطويلة هو أنها من الناحية الأدبية في منتهى الروعة والجمال، وكم تمنينا لو أنه كتبها أو كتب مثلها عن رجال الاستعمار الطغاة، لا عن رجل من المحدثين الثقاة.

وتمنينا – كذلك – لو خلطها ببعض العلم والأدلة، فلا يمكن للألفاظ مهما حسنت، ولا للتعابير مهما قويت أن تقنع عاقلا ما لم تتوج بالأدلة الكافية.

ولكن عذر الإبراهيمي هو كون كلامه موجها للعامة لا للخاصة، والعامة يفضلون السخرية والسباب على العلم والدليل.

هذا نموذج عن الإبراهيمي وهو قليل من كثير، ومثله في الجمعية الشيخ الزاهري الذي كانت سخريته تصل إلى حد السباب، وقد شهد له بالقوة في هذا الباب والريادة فيه زميله وصديقه الشيخ الإبراهيمي الذي كتب يقول عنه بعد أن انشق عن الجمعية: (لقد كنتم تسبوننا بألسنتكم في المقاهي ومجالس السوء، وتلقّنون صبيانكم سبّنا، حتى أصبحت أفواههم مستنقعات… فلم يُقنعكم ذلك لأنه سبٌّ بالمجان، فارتقيتم إلى سبّنا بالكتابة لتّتخذوا منها سلعةً للبيع، ووسيلة لجمع المال. وتضيفوا إلى الهلال الأحمر هلالًا أسود… ومن الغريب المضحك أنكم تعتمدون في بيع السب على السب، فقد شهد العقلاء أن تسعة أعشار جريدتكم لا تُباع إلا بالسب والتخويف والتهديد وما يُشبه الإكراه، وأن العشر العاشر فقط يباع بالتغليط والتضليل.. إن هذه لحقيقة لا تستطيعون إنكارها وتكذيبها إلا بالعمل. ولو فعلتم وتركتم بيعها للرغبة والاختيار- كما تباع الجرائد- لأفلست في أسبوع، فجرّبوا إن كنتم منصفين)([123])

وهو ينتقده في هذا المنهج مع كونه كان يحبذه منه قبل ذلك عندما كان متوجها بسبه إلى الطرق الصوفية، فيقول: (أيها القوم: إن الوطن الذي تتوقّف خدمته على بيع السب والكذب لوطن مخذول سلفًا؛ وإن الحزب الذي يريد أن يكملَ بتنقيص غيره لحزب ناقص أبدًا، وإن السياسة التي تغذّى بمثل هذه المطاعم لسياسة ميتة… بالجوع.)([124])

بل إنه يسخر حتى من جرائده التي كان ينشر فيها ما ينشر من سباب يرتبط بالطرق الصوفية، فيقول: (أتذكر- يا شيخ- ماضيك الصحافي، وصحائفك الماضية التي تهاوت في مثل عمر الزهر، من الجزائر، إلى البرق، إلى الوفاق، وقد ماتت كلها بالهزال والتسمّم، ولو كانت مما ينفع الناس لمكثت في الأرض، فاحتفظ بما بقي من أعدادها، فسيحتاج الناس إلى ما فيها يوم ينكس الله طباعهم، ويطمس على بصائرهم، فيصبح السب والكذب عندهم من الفنون الجميلة، فيشيدون المعاهد العالية لتعلّمها، ويقتبسون النماذج الرفيعة من تلك الجرائد)([125])

وليت هذا الموقف الذي وقفه الإبراهيمي ضد الزاهري استفاد منه هو قبله، ليعلم أنه لا يمكن أن يتحقق الإصلاح إلا بالصلاح، ففاقد الشيئ لا يعطيه.

ولا يتحقق الصلاح إلا بالتواضع مع الآخر وعدم السخرية منه، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} [الحجرات: 11]

المطلب الثالث: المواجهة العاطفية

نريد بالمواجهة العاطفية ما كانت تستعمله الجمعية لإثارة عواطف الجماهير ضد الطرق الصوفية، وهي مواجهة كالمواجهة الأدبية تتسم بالبساطة، وبعدم الحاجة إلى الإقناع العقلي المعتمد على الدليل، بل كل اعتمادها على ما عند المستقبل من ثروة عاطفية، وهي من أكثر الثروات توفرا خاصة في الزمن الذي يكثر فيه الظلم والاضطهاد.

بناء على هذا نحاول هنا أن نذكر ثلاثة نماذج عن هذا النوع من المواجهة، وقد ذكرنا – سابقا – أنا لا نتعامل مع الجمعية على أساس وجودها التاريخي الرسمي، وإنما على أساس وجودها الواقعي المتمثل في أولئك المصلحين الذين اتفقوا على كل شيء، ولكن تأخر فقط تأسيسهم الرسمي للجمعية إلى أن وجدوا الظرف المناسب، ولهذا فإن بعض الأحداث التي سنذكرها حصلت قبل التأسيس الرسمي للجمعية، بل لعله كان من الأسباب المؤثرة بعد ذلك في تأسيسها.

النموذج الأول: الاعتداء على ابن باديس

ذكرنا سابقا قصة هذا الاعتداء، وبساطته، وتعلقه بفرد واحد لم ينطلق في ذلك إلا من بعض الغضب على إهانة شيخه، بل إن صورة الحادثة تدل على أنه لم يرد أن يغتال، وإنما أراد أن يعاقب فقط، ولهذا لم تحدث كبير أثر في الشيخ ابن باديس، ولو أنه أراد اغتياله لطعنه بالسكين مباشرة، ولكان ذلك أسهل، بل ربما لو أراد ذلك لخطط له ولنجح في تخطيطه، فما أسهل القيام بمثل هذه العمليات في واقع كالواقع الذي حصلت فيه.

ولكن مع كل هذا نجد تضخيما كبيرا للحادثة، واتهاما لكل الطرق الصوفية بها، وكأن الطرق الصوفية جميعا اجتمعوا في اجتماع طارئ، ثم قرروا اغتيال ابن باديس، ولم يجدوا للتنفيذ إلا هذا الرجل الضعيف الهزيل الذي استطاع ابن باديس مع نحافته أن يلببه بثيابه، ويتغلب عليه بكل سهولة.

وقد كتب الإبراهيمي حينها يصف الحادثة وأسبابها وملابساتها بهذه الطريقة المثيرة للعواطف: (وإذا نسي الناس فإنهم لم ينسوا حادثة الاعتداء على الأستاذ عبد الحميد بن باديس الذي هو رئيس هذه الجمعية منذ تأسست إلى اليوم، فقد تآمر العليويون على اغتياله حيث ثقلت عليهم وطأة الحق الذي كان يقوله ولا زال يقوله فيهم وفي أمثالهم، وانتدب أشقاها لقتله في قسنطينة وضربه الضربة القاضية لولا وقاية الله ولطفه، ففي ذلك المشهد الذي تطيش فيه الألباب وتتفشى فيه روح الانتقام قوى الله الأستاذ- وهو أعزل- فأمسك خصمه الفاتك المسلّح ولبّبه بثيابه، ثم تجلّى على قلبه المطمئن بالرحمة فقال- وجرحه يثعب دمًا- للجمهور المتألّب المتعطّش لدم الجاني: إياكم أن يمسّه أحد منكم بسوء” حتى تسلموه للمحافظة، ولولا هذه الكلمة لقطعوا الجاني إربًا إربًا))([126])

فالإبراهيمي يبدأ مقاله بأن الناس، وإن نسوا كل شيء، فإنهم لن ينسوا هذه الحادثة، وكأنه يحرضهم أن لا ينسوها، ثم يتحدث – كعادته – على التآمر من غير أي دليل، ثم يصف المشهد الذي (تطيش فيه الألباب) ليملأ القلوب حقدا على الجاني ومن خلفه، ثم يذكر الموقف البطولي لابن باديس (المطمئن بالرحمة)

هكذا يصور الإبراهيمي الحادثة ليستثمرها في ملء القلوب بالأحقاد على الطريقة العلاوية أولا، وعلى الطرق الصوفية جميعا ثانيا.

وليت الأمر توقف عند الإبراهيمي، بل تعداه إلى غيره، إن ما كتب في هذا المجال يمكن جمعه في مصنف خاص، بل فعل ذلك الشيخ أحمد حماني حين صور الحادثة، وكأنها صراع بين السنة والبدعة، لا بين شخص بسيط انفعل لموقف من المواقف، فمد يده معبرا عن ذلك الموقف.

وقد ذكرنا سابقا أن الشيخ أحمد حماني، وفي موقف مماثل لم يقفه عامي، وإنما وقفه عضو بارز من أهم أعضاء جمعية العلماء، مع علم من أهم أعلام الطرق الصوفية، وكانت الواقعة أفدح، والألم المنجر عنها أشد، ومع ذلك وقف حماني مع الجاني ضد المجني عليه.

ولا بأس من إعادة ذكر ما ذكره الشيخ أحمد حماني هنا لنرى الأخلاق التي كانت تحكم الكثير من أعضاء الجمعية في مواقفهم، فقد قال: (وبلغ بالسيد مامي — عفا الله عنه — أن صار يسخر بالشيخ ابن باديس ويخترع على لسانه محاورات، فبلغ السيل الزبا، واشتد غيض الشهيد أحمد بوشمال ولم يملك نفسه ذات يوم في 1938م، أن ارتمى عليه في نهج تجاري مزدحم وأعطاه (طريحة); أي ضربة كانت كافية لكفه النهائي عن التعرض لشخصية الشيخ ابن باديس بسوء حتى مات رحمه الله)([127])

بعد هذا نحب أن نشير هنا باختصار لبعض ما كتب في ذلك الحين بهذه المناسبة من باب تهييج العواطف وإثارتها:

فممن كتب في ذلك الشيخ العربي التبسي، وقد كان حينها في القاهرة، فأرسل منها مقالا بعنوان (أريــد حيـاتـه ويريد قـتلـي)([128])، ومما جاء فيه قوله: (.. فمن ذا الذي لا ينفلق كبده أسفا وغما لما أتاه هذا الأفاك الأثيم العليوي مما يغضب الرحمان، ويثير الأشجان. ألا فليعلم العليوي السفاك ولي إبليس أن فعلته التي فعل لم تكن مسددة إلى الأستاذ العظيم ابن باديس، وإنما رمى بسهمه في نحر الإسلام، وأنه إنما أراد هو وشيعته أن يأتوا بدين مزيج من معتقدات الآباء الكاثوليك والرسل البروتستانت، فليس له أن يزغم علماء الإسلام على قبول بدعته باسم دينهم، وأن يكمم أفواههم حذر أن يبينوا للناس ما آتيتهم به مما ينقض هيكل الإسلام، ويحطمه لبنة لبنة، فدون وصولكم إلى غايتكم والله لمس السماء، ودك الشناخب أترم أنوفكم أن جاءكم بالحسنى يجادل بها رسول الله أعداء الإسلام، فهالكم الأمر، وسدت في وجوهكم مدارج الحق، فركنتم إلى الإجرام، وعمدتم إلى قتل من شهد له رسول الله بأنه عدل هذا الخلق، وأنه يحل محل نبي في بني إسرائيل)([129])

وهكذا يستمر الشيخ العربي في إثارة العواطف وتبيين القضية لا تتوقف عند اعتداء بسيط، وإنما هي حرب معلنة على الأمة، وعلى رسولها وعلى من شهد له رسولها بأنه يحل محل نبي في بني إسرائيل.

والشيخ العربي لا يكتفي بهذا، بل يقرر بإثارة عجيبة أن أعدى أعداء المسلمين ليست فرنسا، وليس الإلحاد ولا التبشير، وإنما أولئك الذين جعلوا من الزوايا أوكار للجريمة المنظمة في حق العلماء، فيقول: (ألا إن أعدى المسلمين للإسلام أولئك النفر الذين يظنون من قبل أنفسهم أنهم هم أولياء الرحمان وأحباؤه، وقد ملؤوا أنفسهم ومن يتبعهم بأماني هي ضلال، وما أرادوا بها صوابا. فاستباحوا من الله المحارم، وتعدوا له الحدود، وأعرضوا عما فيه من الهدى، فاغتر بهم الجهال، وانقاد لهم الأغرار، ودخلوا على الناس في عقائدهم، ولبسوا عليهم أمر دينهم، وزهدوا الملة الإسلامية في علمائها الذين أمر الله أن يرد إليهم الأمر في التشغيب، ونعتهم أجل نعت. وحث على سؤالهم عند حلول أي حادث. بما تحدث به هؤلاء المضللون إلى طغام الأحلام، من أن بين الصالحين وبين العلماء خلافا عظيما قديما، وضربوا لهم الأمثال، وساقوا عليها الشواهد، وقصوا عليهم من الأغاليط ما جنوا به جنونا، حتى ذهبوا بهذه الأمة في متاهات لا نجاة لها)([130])

وبعد أن يملأ الشيخ العربي جماهيره بهذا الشحن الممتلئ بالأحقاد يعبئهم للمواجهة الحادة الشديدة التي ترفض التنازل أو الصلح أو الاستسلام، فيقول: (     اتئدوا أيها المضللون، فإن الذي نعلمه ويعلمه كل أحد أن طريقة القوم لا تتنازل عن حصاة من أرض السنة، وفي سبيل السنة تبيع العلماء الأرواح بيع السماح)([131])

ثم يستغل الحادثة لبيان ضلال الطرق الصوفية وانحرافها وشركها وغير ذلك من المقولات التي رأينا الصياغات المختلفة لها، فيقول: (.. ركب منكم الشيطان كل مركب، واستنكفتم عن قبول الحق الأبلج، ووضعتم أصابعكم في آذانكم، وأصررتم على عنادكم إصرارا، شأن من سبقكم في الجاهلية الثانية.. هاأنتم استطعتم أن تفتنوا الأمة في دينها، وتحيدوا بها عن أوليات الدين الذي جعلتم أهله شيعا وأحزابا وأضرابا)([132])

ومما كتب في ذلك من شعر الزاهري، فقد قال في قصيدة له بهذه المناسبة ينوه بشخصية الإمام بن باديس، ويستنكر ما فعل أعداؤه([133]):

لا تبلغ العلياء دون ثبات
 
هيهات دون المجد كل أداة
 
يا وقفة لك في سبيل الله لم
 
نرهان لغيرك من ذوي الوقفات
 
بعثوا إليك منوما يعدو على
 
ما فيك من جد ومن عزمات
 
قطع الطريق عليك في غسق ولم
 
تكن التّيوس لتقطع الطرقات
 
نهضوا لحرب المصلحين لعلهم
 
يقفون دون طريقة عشرات
 
أذوك حين دعوت من ضلوا ال
 
دين النير بحكمة وعظات
 

ونلاحظ هنا كيف يعمم الشيخ الزاهري حكمه على الطرق الصوفية، وكونها تآمرت عليه وعلى المصلحين، ولا نجد هذا الأمر عند الشيخ محمد العيد آل خليفة الذي ذكرنا سابقا أنه أكثر أعضاء الجمعية اعتدالا، بل ذكرنا تبعيته للطريقة التيجانية، كما يذكر التيجانيون، فقد عبر عن الحادثة بما تقتضيه دون أن يتجاوز ذلك، فقال في في قصيدة بعنوان (حمتك يد المولي)([134]):

حَمتْك يَدُ المَوْلَى وكُنْتَ بِهَا أولَى
 
فيَالكَ مِنْ شَيخَ حَمَتْهُ يَدُ المَوْلَى
 
وأخطاك الموت الزؤام يقوده
 
إليك أمرؤ أملي له الغي ما أملي
 
وأهوى إلى نصل بكف لئمة
 
تعود أن ينضي بها ذلك النصلا
 
فأوسعها وهنا، وأوسعتها قوة
 
وأجهدتها عقدا، وأجهدها حلا
 
وكادت يد الجاني السخّر تعتلي
 
يد الشيخ لولا الله أدركه لولا
 
فَيَا لو ضِيع النّفْسِ كَيفَ تَطاولتْ
 
بِهِ نَفْسُه حتَّى أسرّ لَكَ القَتلاَ
 
فَوَافَتكَ بالنَّصْر العَزِيزِ طَلائعٌ
 
مُبَاركةٌ تَتْرى من الْملأ الأعْلَى
 
وإنْ أنْسَ لا أنْسَى الذينَ تَظَافَرُوا
 
عَلى الفَتْكِ بالجَاني فقلتَ لَهُم مَهْلاَ
 
أليس من الآيات أنك بيننا
 
تعامل بالعدل الذي أغضب العدلا
 
فدُم يا بن باديس كما كنت راشدًا
 
فإني رأيت الرشد يستأصل الدجلا
 

النموذج الثاني: الاعتداء على الزاهري

وهذا أيضا من الأحداث التي استثمرتها الجمعية أخطر استثمار في إلهاب العواطف، وتوجيهها نحو الطرق الصوفية، وقد أخذت حيزا محترما من صحيفة الشريعة التي انهالت عليها الأقلام تدين الحادثة، كما انهالت من قبل الأقلام على الشهاب تدين حادثة الاعتداء على ابن باديس.

وقد ذكر الشيخ الزاهري الحادثة وتأثيرها في مقال له كتبه بعد خمسة عشر يوما من الحادثة بعنوان (من الزاهري إلى سائر الأصدقاء والإخوان)، ومما استهل به مقاله ذكره لتأثير الحادثة في المجتمع، فقال:(مضى اليوم على حادث الاعتداء علي خمسة عشر يوما ولا يزال الحادث كما هو جديدا في أذهان الناس هنا في وهران يستنكرونه ويستفظعونه ويلعنون المعتدين الآثمين لعنا كثيرا)([135])

ثم ذكر الحادثة وأسبابها وصلتها ببعض المشايخ، ولم يذكر – كعادته في التعميم- لأي طريقة ينتمي هذا الشيخ حتى يحصر الأمر في محله، وتتلبس التهمة بأصحابها، فقال: (لقد كان الجاني الحقيقي الذي أغرى على هذه الجناية بعض أتباعه الأخلاف شيخا من أشياخ السوء في وهران وكان كثير العيال لا يكاد يحصى عدتهم إلا بعداد (!) وكان هو وعياله جميعا يعيشون عالة على المسلمين (الغافلين). يتظاهر بالولاية والصلاح ليحتال بذلك على ما في أيدي الناس, ولا نصيب له من الولاية والصلاح إلا سب العلماء والوقوع في أعراضهم والافتراء عليهم وأكل لحوم الناس, وكان في رغد من العيش بما كان يتناول من صدقات الناس. وكان الناس يحسنون إليه, ولكنه اليوم أصبح يعاني العسر والضيق, وانفض عنه أكثر من كان حوله من المتصدقين)([136])

ويبدو من خلال هذا الوصف أن الشيخ لم يكن يصف شيخا له علاقة بالطرق الصوفية، وإنما كان يصف من يسميهم الناس مشايخ البركة، وهم الذين يقصدونهم لطلب الدعاء، أو لقراءة الغيب ونحوه([137])، وهؤلاء لا علاقة لهم بالتصوف، ولا بالطرق الصوفية، بل إن الطرق الصوفية تتبرأ منهم، ولكن الجمعية للأسف تجمعهم في سلة واحدة، لتطبق أخطاء هؤلاء على هؤلاء وتمحوهم جميعا.

ثم ذكر العلة التي دفعت هذا الشيخ إلى الاعتداء عليه، فقال: (ورأى أن الناس أصبحوا يلهجون بذكر جمعية العلماء المسلمين ويتعلقون بها, ويذكرون رئيسها الأستاذ ابن باديس كما يذكرون أكبر إمام من أئمة هذا الدين, فوقع في نفسه أنه من هنا جاءه البلاء (!) وأنه من هنا انقطعت عنه الصدقات والنذور التي كانت تجبى إليه. فجعل دأبه أن يسب جمعية العلماء وأن يختص بالسب والقذف رئيسها الأستاذ عبد الحميد بن باديس وهذا الضعيف العاجز (الزاهري) الذي يمثل الجمعية في وهران وكان سبق لهذا التيس أن أغرى جروا له (ابنه) فشتمني في الطريق العام لولا أن الشاب المفضال المهذب السيد بلقاسم بن الشراب عطف عليه وكان من رفقائي فأدبه وجازاه بما يستحق.. وثار الرأي العام الإسلامي في وهران يومئذ على هذا الجرو وعلى والده الذي أغراه)([138])

وإلى هنا فإن المنصف لا يرى في كل هذا شيئا، بل إننا لو حللنا ما حصل لوجدنا أن الجاني فيها هو الزاهري وأصحابه، ذلك أن هذا الولد الذي يسميه جروا ما فعل غير ما يسميه (شتيمة)، ونحن لا ندري ما قال له بالضبط في هذه الشتيمة، ولعلنا إن طبقنا ما يذكر من شتائم الطرق الصوفية، فإنها لا تعدو رميه بالوهابية، وكان يمكن للشيخ – باعتباره مصلحا وداعية ومربيا- أن يخاطبه بالتي هي أحسن، ويوجهه إلى التي هي أحسن، لكن الشيخ لم يفعل ذلك، بل استعان بتابعه الذي (أدبه وجازاه بما يستحق)، ولم يكتف بذلك، بل راح يثير (الرأي العام الإسلامي في وهران يومئذ على هذا الجرو وعلى والده الذي أغراه)، وكان يمكنه بدل ذلك أن يهدئ الأوضاع ويطيب النفوس، ولكن الزاهري وجد فرصته في هذا، فأراد أن يحيي تلك الفتنة العظيمة التي حصلت بسبب الاعتداء على ابن باديس، وأراد أن يكون له هو الآخر حظ منها ومن شهرتها ومن المقالات والأشعار النابعة منها.

ويواصل الشيخ الزاهري وصف ما حدث فيقول: (كانت قبضة الشرطة السرية على شخص من أتباع شيخ السوء هذا ومن مريديه بتهمة أنه هو الجاني, ولكن بعدما حققوا معه لم يجدوا بينة على إدانته ولكنه لا يزال مسجونا بتهمة أنه هرب من منفاه قبل أن يستكمل المدة المحكوم عليه بها, ولما ترك سبيله من تهمة الاعتداء فإن الأعوان لم يقبضوا على شخص آخر بدعوى أنهم لا يجدون بينة على أحد تخول لهم أن يقبضوا عليه, ويظهر أن التحقيق في هذا الاعتداء بينما كان جاريا بغاية الجد والاجتهاد وقف فجأة ولم يتقدم قيد شعرة, وهنا سر يجب أن يفهمه القارئ وحده (!!) أما الرأي العام فلا يزال هائجا منفعلا ضد المعتدي الأثيم, والناس يعلمون كل شيء عن هذا الحادث ويعلمون أن أصل الجناية إنما هو شيخ السوء ويعلمون أن هذه الجناية قد دبرت في مسجد بناه لله أحد المحسنين)([139])

وإلى هنا فإن كل ما ذكر مجرد اتهامات لا دليل عليها، ولا صلة للشيخ المذكور بها، ولكن مع ذلك نرى الأقلام المستعدة للإبحار في طوفان الفتن تستثمر الحادثة أبشع استثمار لتهيج المجتمع على أولئك البسطاء أصحاب الحضرات والخلوات الذين يزعمون أنهم منشغلون بربهم عمن سواه.

ولن نحتاج لكشف هذه الحقيقة إلى كبير معاناة، فمع أن الحادثة لم تعرف ملابساتها بدقة إلا أن الشيخ العقبي، ومع كونه من أصحاب الاتجاه السلفي الذي يراعي التحري والتدقيق في الأسانيد لكنه في هذه الناحية لم يراع هذا الأمر، بل كتب يقول في مقال تحت عنوان (نحن والطرقيون أو حادث الاعتداء على الأستاذ الزاهري): (وقد كنا نحسب أن مثل هذا الاعتداء ينتهي بعد حادثة ذلك العليوي الجاني على الأستاذ الشيخ (عبد الحميد بن باديس) واقتصاص يد العدالة منه بما صيره عبرة لغيره وموعظة للمعتدين، فإذا به يتجدد مرة ثانية, فقد جاءتنا أنباء اليوم بفاجعة جديدة وجناية فظيعة تضاف إلى جنايات رجال الطرق السابقة حيث اعتدى بعض الطرقيين على (الأستاذ الزاهري) في هذه الأيام بمدينة (وهران) العضو الإداري بجمعية ((العلماء المسلمين)) وصاحب الكتابات الكثيرة ضد الضالين المضلين بما ذكرته جريدة ((الشريعة)) التي له اليد الأولى في تحريرها)([140])

ثم ذكر التأثير العاطفي للحادثة فيه وفي الجماهير، فقال: (تالله لقد هالنا هذا النبأ العظيم وأحزننا تجدد مثل هذه الحوادث من حين لآخر بهذا القطر البائس المسكين, وعز علينا ما نزل بأخينا الأستاذ الزاهري)([141])

وهو مع إقراره بأن الحادثة لم تعلم أسبابها ولا ملابساتها بدقة، يقول: (هذا وإننا لم ندر إلى ساعتنا هذه من هو المباشر لهذا الاعتداء والمنفذ لعملية أيسرها اعتداء على حرمة مسلم ذي شرف ودم معصوم مصون, وأعظمها لو تم للمعتدي ما أراد قتل عالم من علماء المسلمين يقول: ربنا الله, لا يؤمن بعقيدة الحلول ويكفر بها وبمن يقول: كل ما في الكون هو الله حتى الشيخ والكلب وحمار العزيز وخنزير جاره الذي يرعاه)([142])

ولكنه مع ذلك يظل مصرا على أن مرتكب الجريمة ينتمي للطرق الصوفية، يقول في ذلك: (وقد جاءتنا الأخبار الأخيرة عن هذا الحادث الفظيع أن الحكومة بوهران ألقت القبض على الجاني وأنه رهن السجن والتحقيق. ولكنا لم نعلم اسمه ولا هويته في طريقته ونحلته, ولا اسم (الشيخ) أو (المقدم) الذي سول له ارتكاب هذه الخطيئة وجرأه عليها بل أغراه بها وأشلاه, فلهذا لا نقدر أن نقول أنه من فقراء الطريقة العليوية أو أفرادها وما أكثر الأفراد في كل طريقة؟… غير أن الأمر المحقق عندنا هو أن الجاني طرقي وأنه مدفوع إلى هذه الجناية من طرقي ضال, وأفاك دجال ستظهره الأيام وسيلقى جزاء جريمته وما اكتسبت يداه, وإن غدا لناظره قريب, وقريب جدا ما يوعدون)([143])

لكن الأيام خلفت للأسف ما جزم به العقبي، فلم تعرف الطريقة ولا شيخها الذي استطاع بدهائه أن يدبر هذه الحادثة من غير أن يفطن له أحد.

ونحب في هذا المقام أن نذكر بما قاله مالك بن نبي من ممارسات الاستعمار لتفكيك المجتمع الجزائري، وإثارة النعرات العرقية أو الطائفية فيه، فقد ذكر من الأمثلة على ذلك (أن يغتال – المستعمر- رجلاً واحداً حتى يبث الفوضى والاضطراب، أو أن يشتري ضمير أحد الزعماء السياسيين، الذين تتجسد فيهم في فترة معينة، طاقة البلاد الحيوية وفكرة نضالها)([144])

وبناء على هذا لا نستبعد أن تكون الحادثة تدبيرا استعماريا لإثارة المنطقة الغربية الجزائرية ضد الطرق الصوفية، كما أثيرت من قبلها في المنطقة الشرقية، خاصة إذا علمنا أن الزاهري اتهم بعد ذلك من الجمعية بكونه عميلا للاستعمار، بل نفذت فيه الثورة الجزائرية حكمها بالإعدام، وبذلك قتل الزاهري بيد الثورة لا بيد المساكين من أبناء الطرق الصوفية الذين هم أعجز الناس عن تدبير محاولات الاغتيال.

النموذج الثالث: طلب المباهلة

يهتم أصحاب المنهج السلفي عادة بالمباهلة([145])، فهم يعوضون بها المناظرة والمناقشة والحوار، ولهذا يختارون هذا المنهج في التعامل مع مخالفيهم، والسر في استعمالهم لهذا الأسلوب يعود إلى أمرين:

الأول: ثقتهم الزائدة في أنفسهم، والتي تصل أحيانا إلى حد الغرور، فهم يعتبرون أنفسهم أصحاب الفرقة الناجية، وأنهم على الحق المطلق كما أن غيرهم على الضلال المطلق.

والثاني: هو ضعف خصومهم في هذه الناحية، فهم مع اعتقادهم أنهم مع الحق، إلا أنهم لا يعتقدون أن خصومهم على الباطل، لأن الحق متعدد الصور عندهم، ولهذا لا يجرؤون أن يتفوهوا باللعن على الآخر مهما كان، وسنلاحظ هذا عند الحديث عن أساليب تعامل الطرق الصوفية مع الجمعية.

وبناء على هذا، فقد حصل في تاريخ الجمعية حادثة من هذا النوع استثمرت أبشع استثمار، وكان الداعي لها في البداية الشيخ سكيرج وهو مغربي من الطريقة التيجانية، ولعل قصده من ذلك هو تحذير الجمعية من مغبة التكفير ونحوه، ثم تراجع عن ذلك، لكن الجمعية بقيت مصرة عليه، تلح عليه كل حين.

فقد كتب العقبي ردا على طلب المباهلة تحت عنوان (بل نجيب.. ولعنة الله على الكاذبين)([146])

ثم ذكر مباهلته في مقاله بقوله: (اللهم إن كنت تعلم أن سكيرج وجماعة الطرقيين فيما هم عليه اليوم وما يدعون الناس إليه ويقرونهم على فعله في طرقهم محقون، وأن ذلك هو دينك الذي ارتضيته وشرعته لعبادك بواسطة محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فالعني ومن معي لعنا كثيرا، وإن كنت ـ يا الله، يا ربنا ورب كل شيء ـ تعلم أن ما عليه الطرقيون اليوم فيما هم فيه من أمرهم ودعايتهم الناس إلى طرقهم هو من الحدث في دينك والباطل الذي لا يرضيك ولا يرضي نبيك، فالعن سكيرج ـ قاضي الجديدة ـ ومن معه لعنا كبيرا، واجعل مقتك الأبدي ولعنتك الدائمة على الكاذبين، ـ (آمين آمين آمين)([147])

ثم علق عليها بقوله: (هكذا أباهلك وألاعنك يا سكيرج فلاعني بمثلها وإياك أن تتأخر أو تنهزم يوم اللقاء)([148])

ولكن الشيخ سكيرج مع هذا الاستفزاز الذي استفزه به العقبي لم يستجب له، فما أصعب على الصوفي أن يتفوه بلفظ اللعنة على نفسه أو على شخص يعتقد إسلامه، ويعتقد في نفس الوقت خطأه المبني على الاجتهاد، خاصة وأن العقبي دعا في مباهلته باللعنة الأبدية.

ونرى أن الشيخ سكيرج في هذا الموقف الحرج وقف بين أمرين: بين أن يستجيب لذلك الاستفزاز الذي استفز به، فينطق بتلك الألفاظ الخطيرة، وبين أن ينسحب ولو اتهم بما اتهم به، فاختار لورعه الثاني، وهو موقف في غاية الشرف والنبل والإيمان.

ولكن الجمعية لم تفهم هذا للأسف، فقد علقت الشهاب على نفور الشيخ سكيرج من المباهلة بهذا التعليق: (سكت سكيرج ولم يجب عن مقال العقبي ببنت شفة، وكان واجبه أن يجيب بصراحة ويقول: (إني قبلت تعيين الزمان والمكان)، وهكذا انهزم سكيرج، ولكن أصحابه عمدوا إلى التمويه والمغالطة والكذب فأعرض العقبي عنهم، وقطع الكلام معهم لأنهم كما قال: (هم قوم بُهتٌ)([149])

وقد كانت هذه الحادثة من الحوادث التي استثمرت في إثارة عواطف المجتمع ضد الطرق الصوفية، فقد كتب ابن باديس تحت عنوان (سيهزم الجمع ويولون الدبر) يقول: مخاطبا الشيخ العقبي: (حياك الله وأيدك ـ يا سيف السنة وعلم الموحدين ـ وجزاك الله أحسن جزاء عن نفسك وعن دينك وعن إخوانك السلفيين المصلحين، ها نحن كلنا معك في موقفك صفا واحدا ندعوا دعوتك ونباهل مباهلتك ونؤازرك لله وبالله.. فليقدم إلينا الحلوليون وشيخهم ومن لف لفهم وكثر سوادهم في اليوم الموعود والمكان المعين لهم، وليبادروا بإعلان ذلك في جريدتهم، إن كانوا صادقين،فإن لم يفعلوا ـ وأحسب أنهم لن يفعلوا ـ فقد حقت عليهم كلمة العذاب وكانوا من الظالمين والحمد لله رب العالمين)([150])

المبحث الثاني: أساليب تعامل الطرق الصوفية مع الجمعية

لقد حاولنا – قبل إنجاز هذا المبحث – أن ننظر في مصادر الطرق الصوفية عن رد فعل الطرق الصوفية عن أنواع المواجهات التي سبق ذكرها حتى تكون المقارنة تامة بين الطرفين، لكنا للأسف لم نجد إلا نوعا واحدا فقط يصلح للحديث عنه عند الطرق الصوفية، وهو ما أطلقنا عليه المواجهة العلمية.

ذلك أن المواجهتين الأخريين: الأدبية والعاطفية تقتضيان وجود أدباء وخطباء وذوي قدرات بيانية، ولم نجد هذا عند الطرق الصوفية، وفي حال وجوده، فإن الأدب الصوفي متوجه عموما للسلوك والعرفان، ولا يتوجه للجدل والخصومات.

ولهذا، فإنا لم نجد في دواوين الشيخ ابن عليوة، والشيخ عدة بن تونس وغيرهما ما يمكن أن نواجه به ما كتبه الزاهري أو العقبي، فأشعار ابن عليوة وغيره أشعار صوفية، بعيدة تماما عن البيئة التي كتبت فيها، قد يصح مقارنتها بأشعار ابن الفارض أو الششتري أو غيرهما من الصوفية، ولكنه لا يصح بأي حال من الأحوال مقارنتها بأشعار رجال الجمعية.

وهكذا في كل المجالات الأخرى، ولهذا اكتفينا في هذا المبحث بذكر خصائص المواجهة العلمية، والتي رأينا أنها تتمثل في ثلاث خصائص:

أولا ــ الاعتماد على المصادر التي ألفت في الرد على الوهابية.

ثانيا ــ ضعفها في علوم الحديث

ثالثا ــ تسامحها مع المخالف

وسنتحدث عن هذه الخصائص في هذا المبحث.

أولا ــ الاعتماد على المصادر التي ألفت في الرد على الوهابية:

منذ بداية تأسيس الحركة السلفية على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب لقيت معارضة شديدة من طرف أكثر الطرق الصوفية، وألفت في ذلك الكتب والرسائل الكثيرة، وما أسرع ما انتشرت في العالم الإسلامي تلك الكتب والرسائل لتوسع الهوة بين كلا التيارين: السلفي والصوفي.

وقد ساعد على انتشار هذه الرسائل والكتب ما ووجهت به الدعوة السلفية الوهابية من معارضة سياسية واجتماعية في جميع بلاد العالم الإسلامي.

وكان من تلك الرسائل والكتب ما لبس لباس العلم والحوار العلمي بآدابه الشرعية، وهو قليل لا يكاد يذكر، وكان منها وهو الأكثر ما لبس لباس الشدة والعنف بجميع أشكاله.

وقد نهلت الطرق الصوفية الجزائرية من تلك المصادر جميعا، واستعانت بها في مواجهتها لجمعية العلماء المسلمين.

ولهذا نرى لزاما علينا أن نذكر هنا باختصار بعض ما ألف في مواجهة المدرسة السلفية من طرف رجال الطرق الصوفية، أو الفقهاء المنتسبين لهم، باعتبار أن هذه الكتب والرسائل كانت هي المصادر التي اعتمدت عليها الطرق الصوفية الجزائرية بعد ذلك في مواقفها من جمعية العلماء، ودليل ذلك – كما سنرى – أن التهم التي وجهها المحاربون للمدرسة السلفية هي نفسها التي وجهها رجال الطرق الصوفية في الجزائر لجمعية العلماء.

ونحب أن نذكر هنا ــ بأسف ــ أن معظم الكتب والرسائل التي سنذكرها، والتي راجت أول ظهور الدعوة الوهابية، وكان لها دور في الحد من تأثيرها وانتشارها، هي الآن في حكم النادر، وبعضها لا يزال مخطوطا في مراكز أجنبية، ولم يمكنا الحصول عليه، ولهذا رجعنا في التعريف بها وبمؤلفيها إلى كتاب (دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عرض ونقض) للشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف.

ونرى أن ما حصل للمخالفين للشيخ محمد بن عبد الوهاب من التعتيم هو نفسه ما حصل للمخالفين لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فلا تزال كتب المخالفين ورسائلهم إما نادرة أو مخطوطة أو مطبوعة طبعة رديئة مقارنة بكتب ورسائل الجمعية.

بعد هذه الملاحظات المنهجية، نذكر أهم ما ألف في الرد على الوهابية، واستندت إليه الطرق الصوفية في مواجهتها للمخالفين لها:

1 ــ رسالة (الدرر السنية في الرد على الوهابية)، وهي من أشهر ما كتب في هذا الباب، وهي من الكتب القليلة المطبوعة، وقد ألفها الشيخ أحمد بن زيني دحلان : ولعله أشهر من واجه السلفية (الوهابية) في ذلك الحين.

 وقد أتاحت له مكانته العلمية، فقد كان مفتي الشافعية، وأتاح له كذلك وجوده في الحجاز، وبالضبط في مكة المكرمة، أن ينشر أفكاره التحذيرية من الدعوة الوهابية على جميع بلاد العالم الإسلامي، وأن تؤتي تحذيراته أكلها.

وقد ذكر محمد منظور النعماني ما كان ينشره (أحمد بن زيني دحلان) من أفكار، مبيناً مدى انتشارها بعد سقوط الدرعية 1234هـ: (صادرت أرض الحجاز مركز دعاية ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجماعته بعدما أقصت الوهابيين قوات محمد علي باشا حاكم مصر آنذاك على إيعاز من الحكومة العثمانية.. وأضحت تنتشر في الحجاز – فيما يتصل بالشيخ – أمور مستهجنة إن سمعها مسلم فإنه لا يكره شخصه فحسب.. بل يعتبره أكفر الكافرين في العالم كله.. وبما أن الحرمين الشريفين هما مركز المسلمين الروحي والديني ومهد الدعوة الإسلامية ومنتجع الحجيج من المسلمين في العالم كله، يختلف إليها المسلمون ولا سيما في مناسبة الموسم فساعد كل ذلك على انتشار كل ما يحاك فيهما ضد الوهابيين أو يدور حولهم في المحافل والنوادي أو يقال ويكتب في المؤلفات ساعده على انتشار في طول العالم وعرضه)

وقد لقي لأجل هذا معارضة شديدة من طرف التيار السلفي بنوعيه التنويري والمحافظ:

فالشيخ محمد رشيد رضا ينفي عنه صفة العلمية بالرغم من كونه مفتي مكة المكرمة، فيقول: (إن دحلان غير محدث ولا مؤرخ ولا متكلم وإنما هو مقلد للمقلدين ونقال من كتب المتأخرين)

والتيار المحافظ يرميه بكل شيء حتى بالرفض كعادته في رمي المخالفين، يقول فوزان السابق:(قد قال بعض الفضلاء من علماء مكة: تصانيف دحلان كالميتة لا يأكلها إلا المضطر. وقد رد عليه كثير من علماء الهند والعراق ونجد وغيرهم ففضحوه وبينوا ضلاله. وقد سمعت غير واحد ممن يوثق بهم من أهل العلم يقولون: أن دحلان هذا رافضي لكنه أخفى مذهبه وتسمى بتقليد أحد الأئمة الأربعة ستراً لمقاصده الخبيثة، ولنيل المناصب التي يأكل منها. ومن أدل الدليل على رفضه الخبيث، تأليفه لكتاب (أسنى المطالب في نجاة أبي طالب) الذي ردّ فيه بهواه نصوص الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة)

2 ــ لفحات الوجد من فعلات أهل نجد: وقد ألفه الشيخ محسن بن عبد الكريم بن إسحاق الحسني، وهو عبارة عن أبيات شعرية كتبها ضد الوهابية ثم شرحها في هذا الكتاب، وقد ذكر في آخر الرسالة بعض المسائل الفقهية التي يعارض فيها الوهابية.

3 ــ فصل الخطاب في رد ضلالات ابن عبد الوهاب: وقد ألفه الشيخ أحمد بن علي البصري الشهير بالقباني، وقد كان حيّا سنة 1157هـ، وهو مجلد ضخم كتبه جوابا على رسالة ابن سحيم التي بعثها إلى علماء الدول الإسلامية يحذرهم فيها من الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته.

4 ــ الصواعق والرعود في الرد على ابن سعود: وقد ألفه عبد الله بن داود الزبيري (ت 1225هـ)، وقد لقي هذا الكتاب حينها اهتماما كبيرا من طرف المخالفين للدعوة الوهابية، وأثنى عليه الكثير من مشايخ الصوفية أو من ارتبط بهم، يقول الشيخ محمد بن محمد القادري واصفا للكتاب: (وهو كتاب مخزون بالعجائب، ومشحون بالغرائب، عظيم النفع، جليل الشأن، واضح البرهان، لا نعرف كتاباً في هذا النمط أشرف منه وأعظم، ولا أنفس منه وأتم، من شأنه أن يكتب سطوره بالنور على خدود الحور … ومن أراد أن يعرف دسائس الشيطان التي ألقاها إلى ابن سعود، فعليه بمطالعة (الصواعق والرعود)، فإنه كتاب غريب في صنعه عجيب، وكان التصدي لإبطالها فرض كفاية على علماء المسلمين، لئلا يغتر بها عوام المؤمنين، ويصير الوزر عليهم أجمعين، فجزا الله حضرة الشيخ عبد الله بن داود حيث أبطلها في (الصواعق والرعود) أحسن الجزاء حيث رفع الوزر عنه وعنهم في دار الجزاء)  

وذكره الشيخ (علوي الحداد)، فقال: (وقد سمعت بكتاب مبسوط في عشرين كراساً سماه (الصواعق والرعود رداً على الشقي عبد العزيز بن سعود)، وقد قرظ عليه أئمة من علماء البصرة وبغداد وحلب والإحساء وغيرهم، تأييداً لكلام مؤلفه وثناء منهم عليه، وقد أجادوا وبينوا)

5 ــ مصباح الأنام وجلاء الظلام في رد شبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام: ألفه الشيخ علوي بن أحمد الحداد (ت 1232هـ)، وهو يتكون من سبعة عشر فصلاً، ذكر فيها مسائل الخلاف بين الطرق الصوفية والوهابية كجواز الاستغاثة بالأموات وتعظيم الأولياء، وجواز البناء على القبور وتشييد المشاهد والمزارات لقبور الصالحين..

6 ــ الرد على بعض المبتدعين من الطائفة الوهابية: وهي رسالة من تأليف الشيخ محمد بن عبد المجيد بن عبد السلام بن كيران الفاسي (ت 1227هـ) وهو أحد علماء فاس بالمغرب، وكان سبب تأليف كتابه هو وصول رسالتين من الأمير سعود بن عبد العزيز (ت 1229هـ) إلى تلك البلاد فكتب هذا الرد على تلك الرسالتين.

بالإضافة إلى هذه الردود المبكرة، والمرتبطة بأصل الدعوة الوهابية، نجد الكثير من الكتب والرسائل التي ألفت بعد ذلك حول مسائل الخلاف الكثيرة بين الوهابيين والصوفية، وهي كلها مطبوعة ومنتشرة بكثرة خاصة بين الزوايا والطرق الصوفية نذكر منها باختصار:

1 – الأجوبة النعمانية عن الأسئلة الهـندية في العقائد: لنعمان بن محمود خير الدين الشهـير بابن الألوسي البغدادي، الحنفي (ت1317 هـ)

2- إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجذ والقباب على القبور: للشيخ الحافظ أحمد بن الصديق الغماري (ت 1380هـ)، وهو مطبوع طبعات كثيرة.

3 ــ الأصول الأربعة في ترديد الوهّابية: لمحمد حسن صاحب السرهـندي المجددي (ت 1346)

4- الأقوال السنية في الرد على مدعي نصرة السنة المحمدية: جمعهـا إبراهيم شحاتة الصديقي من كلام المحدث عبد الله الغماري.

5 ــ الأوراق البغدادية في الجوابات النجدية: للشيخ إبراهيم الراوي البغدادي، الرفاعي، رئيس الطريقة الرفاعية ببغداد.

6 ــ البراءة من الاختلاف في الرد على أهـل الشقاق والنفاق والرد على الفرقة الوهّابية الضالّة: للشيخ علي زين العابدين السوداني.

7 – تحذير الخلف من مخازي أدعياء السلف: للشيخ محمد زاهـد الكوثري.

8 ــ التحفة الوهـبية في الردّ على الوهّابية: للشيخ داود بن سليمان البغدادي، النقشبندي الحنفي، المتوفى سنة 1299

9 ــ تطهـير الفؤاد من دنس الاعتقاد: للشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي، من علماء الأزهـر الشريف.

10 ــ جلال الحقّ في كشف أحوال أشرار الخلق: للشيخ إبراهيم حلمي القادري الاسكندري.

11 ــ الردّ على ابن عبد الوهاب: لشيخ الإسلام بتونس إسماعيل التميمي المالكي، المتوفى سنة 1248هــ.

12 ــ الرد على الوهّابية: للشيخ صالح الكوا ش التونسي، وهـي رسالة مسجعة نقض بهـا رسالة لابن عبد الوهاب.

13 ــ الردّ على الوهّابية: لإبراهـيم بن عبد القادر الطرابلسي الرياحي التونسي المالكي من مدينة تستور، توفي سنة 1266هــ.

14 ــ سعادة الداربن في الردّ على الفرقتين: الوهّابية، ومقلّدة الظاهـرية: لإبراهـيم بن عثمان بن محمّد السمنودي المنصوري المصري، مطبوع في مصر سنة 1320 هــ، في مجلدين.

15 ــ صلح الإخوان في الردّ على من قال على المسلمين بالشرك والكفران: في الردّ على الوهّابية لتكفيرهـم المسلمين. للشيخ داود بن سليمان النقشبندي البغدادي الحنفي، المتوفى سنة 1299هــ.

16 ــ قمع أهـل الزيغ والإلحاد عن الطعن في تقليد أئمة الاجتهـاد: لمفتي المدينة المنورة المحدث الشيخ محمد الخضر الشنقيطي المتوفى سنة 1353 هــ.

ثانيا ــ ضعفها في علوم الحديث:

من الخصائص التي يكتشفها الباحث في الصوفية عموما هو عدم اهتمامهم الشديد بالتوثيق، وخصوصا في علم الحديث، ولعل سر ذلك يعود إلى اهتمامهم بالمعنى أكثر من اهتمامهم بالمصادر، فإذا صح المعنى عندهم قبلوه، بغض النظر عن مصدره، وإذا ضعف رفضوه، من غير مبالاة كثيرة بمصدره.

ولهذا نراهم يصححون ما اتفق المحدثون على تضعيفه أو تكذيبه، كحديث جابر المشهور: يارسول الله: (بأبي أنت، وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء، قال: (إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك يا جابر، ثم خلق منه كل خير، وخلق بعده كل شيء)([151])، فقد حكم المحدثون على هذا الحديث بالوضع([152])، ومع ذلك فإنا نرى الصوفية يستدلون به، بل يقرونه بناء على التي اتفاقه مع الكشف.

فقد أقر العلامة الدردير المالكي– مع فقهه وعلمه بل ومالكيته المتشددة- معنى الحديث فقال: (ونوره) صلى الله عليه وآله وسلم (أصل الأنوار) والأجسام كما قال صلى الله عليه وآله وسلم لجابر رضي الله عنه: (أول ما خلق الله نور نبيك من نوره) الحديث فهو الواسطة في جميع المخلوقات)([153])

وذلك لكونه صوفيا، والصوفية متفقون على الأقل على معنى الحديث.

وهكذا نراهم ينكرون الأحاديث التي وردت في البخاري ومسلم إذا كان معناها مخالفا لما يؤمنون به، يقول ابن عربي – عند ذكره لبعض الأحاديث -: (ولقد ورد في حديث نبوي عند أهل الكشف صحيح وإن لم يثبت طريقه عند أهل النقل لضعف الراوي)([154])

ويقول عن أولياء الصوفية: (ما وهبهم الحق تعالى في طاعته حين أطاعوه، وبما صح عندهم من أحاديث الأحكام ما أتفق على ضعفه وتجريح نقلته (من علماء الحديث)، وهم (الصوفية) أخذوه عن الكشف عن قائله صلى الله عليه وآله وسلم صحيحاً، فتعبدوا به أنفسهم على غير ما تقرر عند علماء الرسوم.. ورب حديث قد صححوه واتفقوا عليه (علماء الرسوم)، وليس بصحيح عندهم (الصوفية) من طريق الكشف، ويتركون العمل به)([155])

ولهذا نراهم – مثلا – ينكرون كون أبوي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النار مع أن الحديث الوارد في ذلك ورد في البخاري، بل إن السيوطي عدة رسائل في ذلك([156]).

بل إن السيوطى فى رسالته (التعظيم والمنة في أن أبوي الرسول في الجنة) يقدم الحديث الوارد في إحياء أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو باتفاق المحدثين من قسم الضعيف على الحديث الوارد في البخاري، وقد علل ذلك بأنه من (الضعيف الذى يتسامح بروايته في الفضائل خصوصا في مثل هذا الموطن)([157])

ومن عجيب ما استدل به السيوطي في هذه الرسالة أنه تأمل بالاستقراء فوجد جميع أمهات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مؤمنات فلا بد أن يكون أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، كأم إسحاق وإسماعيل ويعقوب وموسى وهارون وعيسى([158]).

بل إن السيوطي – كالصوفية جميعا- يذهب إلى أخطر من ذلك حين يقرر في رسالة (الدرج المنيفة في الآباء الشريفة) على أن جميع أجداد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنون وفي الجنة، ويستدل لذلك بما ورد في الحديث من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (رأيت عمرو بن لحى الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول سيب السوائب)، وهو أول من غير دين إبراهيم([159]).

قال السيوطي معقبا على الحديث: (فثبت بهذا التقرير أن أجداده صلى الله عليه وآله وسلم من إبراهيم عليه السلام إلى كعب بن لؤي وولده مرة منصوص على إيمانهم ولم يختلف فى ذلك اثنان، وبقى بين مرة بن كعب وعبد المطلب أربعة آباء هم: كلاب – وقصى – وعبد مناف – وهاشم، ولم أظفر فيهم بنقل لا بهذا ولا بهذا)([160])

بل إن الأمر لم يقتصر على أبوي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى عمه الذي يتفق المحدثون على صحة الأحاديث الواردة في شأنه، وأنه لم يمت على الإيمان، ولكن الصوفية مع ذلك كتبوا الكتب الكثيرة يصححون إيمانه([161]).

وهكذا في المسائل الكثيرة.. والتي جعلت المحدثين ينفرون منهم، ويعتبرونهم جهالا بعلم الحديث، وقد سبق أن ذكرنا نقد الشيخ العربي التبسي لمحاوره حول استدلاله بالحسن البصري في العهود، وهو ما ينفيه المحدثون.

والأخطر من ذلك كله هو تصحيح الحديث بالكشف، ومن ذلك ما أورده الشعراني عن أبي المواهب الشاذلي قال: قابلت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألته عن الحديث المشهور (اذكروا الله حتى يقولوا مجنون)([162])، وفي صحيح بن حبان (أكثروا من ذكر الله حتى يقولوا مجنون)، فقال عليه الصلاة والسلام: صدق ابن حبان في روايته, وصدق راوي (اذكروا الله) فاني قلتهما معاً, مرة قلت هذا, ومرة قلت هذا)([163])

ومن ذلك ما ورد في (جواهر المعاني): (وسئل سيدنا – رضي الله عنه – عن مسائل منها قوله عليه الصلاة والسلام: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)([164])؟ فقال: الجواب – والله الموفق بمنه وكرمه للصواب – أما ما ذكرت من الحديث وهو علماء أمتي… الخ فليس بحديث, نص عليه السيوطي في (الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة) وسأل صاحب (الإبريز) شيخه – رضي الله عنه – فقال له: ليس بحديث, وذكره من جهة الكشف لأنه لا دراية له بعلم الحديث، وقوله حجة على غيره لأنه قطب – رضي الله تعالى عنه – كما صرح به صاحب الإبريز المذكور)([165])

بل إن المحدث الكبير العجلوني مع كونه مرجعا من مراجع التيار السلفي في الحديث– نتيجة تأثره بالتصوف – يصحح هذا، ويحاول أن يستدل له، وقد قال في مقدمة كتابه (كشف الخفاء): (والحكم على الحديث بالوضع والصحة أو غيرهما، إنما بحسب الظاهرِ للمحدثين، باعتبار الإسناد أو غيره، لا باعتبار نفس الأمرِ والقطع، لجواز أن يكون الصحيح مثلاً باعتبار نظر المحدث: موضوعاً أو ضعيفاً في نفس الأمر، وبالعكس. نعم المتواتر مطلقاً قطعي النسبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتفاقاً.. ومع كون الحديث يحتمل ذلك، فيعمل بمقتضى ما يثبت عند المحدثين، ويترتب عليه الحكم الشرعي المستفاد منه للمستنبطين. وفي (الفتوحات المكية) للشيخ الأكبر قدس سره الأنور، ما حاصله: فرب حديث يكون صحيحاً من طريق رواته يحصل لهذا المكاشف أنه غير صحيح لسؤاله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيعَلم وضعه، ويترك العمل به وإن عمل به أهل النقل لصحة طريقه. ورب حديثٍ ترِك العمل به لضعف طريقه، من أجل وضاع في رواته، يكون صحيحاً في نفس الأمر، لسماعِ المكاشف له من الروح حين إلقائه على رسول الله صلى الله عليه وسلم)([166])

وإلى مثل هذا ذهب كل المحدثين من الصوفية، فهذا ابن حجر الهيثمي عندما سئل عن رأيه في استخدام الكشف الصوفي للحكم على الأحاديث وافق ذلك، ثم ذكر حكاية (عن بعض الأولياء أنه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثاً فقال له الولي: هذا الحديث باطل، قال: ومن أين لك هذا؟ قال هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقف على رأسك يقول: إنى لم أقل هذا الحديث وكُشف للفقيه فرآه)([167])

بل إن الأمر عند الصوفية أخطر من أن ينحصر في ذلك، فهم يرون الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل محل، وقد نقل النبهاني عن كتاب (العهود المحمدية) للشعراني قوله نصيحة لمن رغب في المجاورة في أحد الحرمين: (فإن كان من أهل الصفاء فليشاوره صلى الله عليه وآله وسلم في كل مسألة فيها رأي أو قياس ويفعل ما أشار به صلى الله عليه وآله وسلم بشرط أن يسمع لفظه صلى الله عليه وآله وسلم صريحا يقظة، كما كان عليه الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله قال: وقد صححت منه صلى الله عليه وآله وسلم عدة أحاديث قال بعض الحفاظ بضعفها فأخذت بقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيها، ولم يبق عندي شك فيما قاله وصار ذلك عندي من شرعه الصحيح أعمل به وإن لم يطعني عليه العلماء بناء على قواعدهم)([168])

ثالثا ــ تسامحها مع المخالف:

من الأمور المتفق عليها، والتي لقيت إنكارا شديدا خاصة من التيار السلفي، موقف الصوفية المتسامح من الآخر، حتى لو كان ذلك الآخر غير مسلم، ولهذا يرمونهم بالقول بوحدة الأديان، ويكفرونهم على أساس ذلك.

وبناء على هذا، فإن أسلوب الطرق الصوفية في تعاملها مع الجمعية كان ألين بكثير من أسلوب الجمعية مع الطرق الصوفية، وقد سبق ذكر الأمثلة الكثيرة على ذلك، بل سبق أن ذكرنا كيف وصف الشيخ ابن باديس تعامل الشيخ ابن عليوة معه، وكيف أشاد بتلك المعاملة.

وأبسط مقارنة في هذا بين التوجه الصوفي والتوجه السلفي هو الموقف من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلّها في النار إلاّ واحدة، وهي ما أنا عليه وأصحابي)([169])،والذي يتعلق به الاتجاه السلفي كثيرا، بل على أساسه يحكم على سائر الطوائف والفرق.

بينما نجد الشيخ ابن عليوة والصوفية عموما ينظرون إليه نظرة مغايرة، فقد سئل الشيخ ابن عليوة عن الحديث، فقال: (إنّ هذا الحديث ممّا يقضي على الأمّة المحمديّة بالهلاك، مهما فهمناه حسبما فهمه أغلب المفسرين، لأنّه صريح في نجاة جزء من ثلاث وسبعين جزءا من الأمّة المحمديّة، وعليه فالمرجو من الله والموافق لرأفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤمنين، أن نحمل ذكر الأمّة في الحديث على أمّة الدعوة، لا على أمّة الإجابة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا رسول من أدركته حيّا، ومن لم يولد بعدي)([170])، ويتضح لك المعنى من أنّ الأمّة هنا المراد بها أمّة الدعوة، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان آخر كلامه في الدنيا لا إله إلاّ الله دخل الجنّة)([171])، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء: 48] وغير هذا، ومن المعلوم أنّ أمّة الإجابة لم تعدم حظها من توحيد الله، والإقرار برسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن تفرّقت من حيث الفروع فأصلها ثابت، وشفاعته صلى الله عليه وآله وسلم محيطة بمن انتسب إليه، كيفما كان، والظنّ في الله حسن.. ومن المحتمل أنّ الملل كانت قبل بعثة موسى عليه السلام، بالغة إلى حد السبعين فرقة والملّة التي جاء بها موسى عليه السلام هي تمام الإحدى والسبعين فرقة، والجميع في النار إلاّ ما كان عليه موسى عليه السلام وأتباعه، ولمّا بعث الله عيسى عليه السلام، كانت ملته هي تمام الاثنين والسبعين فرقة، والجميع في النار إلاّ ما كان عليه عيسى وأتباعه، ولمّا بعث الله سبحانه وتعالى سيدنا (محمدا صلى الله عليه وآله وسلم) بشريعة سمحة عادت الفرق مع ما سبق ثلاثا وسبعين فرقة، والجميع في النار إلاّ ما كان عليـه (محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأتباعه)، والجميع أمتّه من جهة الدعوة حسبما سبق، والظنّ في الله جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل)([172])

وفي موضع آخر، وفي رده على الشيخ عثمان بن مكي، يقول: (وأيّ معصية أشنع من تطبيقك جميع ما ورد في أهل الزيغ والضلالة على جماعة الصوفيّة؟، ولم يكفك ذلك حتى جعلتهم فرقة من فرق أهل النار مستدلا بقوله، فعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليأتيّن على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمّه علانية لكان في أمتّي من يصنع ذلك، وإنّ بني إسرائيل تفرّقت إلى ثنتين وسبعين ملّة وتفترق أمتّي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟، قال: ما أنا عليه وأصحابي)([173]) رواه الترمذي في سننه، وهذا صريح في أنّك تعني أنّ فرقة أهل التصوّف واحدة من تلك الفرق، وإنّي أحكمك لله ولرسوله ولصالح المؤمنين فيما بينك وبين الصوفيّة، وهلا نقلت حديثا نقله الإمام الغزالي في كتابه المسمّى بـ (فصل التفريقـات)([174]) وهو قوله عليه الصلاة والسلام:(ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلّهم في الجنّة إلاّ الزنادقة)([175])، ولكن هذا لا يقع عليه بصرك وإنّما يقع على ما يساعدك في الحكم على سائر أفراد المسلمين بالنار حتى تخلو لك الجنّة أنت ومن هو على شاكلتك لا غير، ولا تجد من يرفع عنك معضلتك إلاّ صوفيّ ومحال أن تتنزل له لأنّ الحسد باب الإنصاف ويقطع لسان الاعتراف) ([176])

وعلى أساس ذلك يحكم على كل المخالفين بأنهم ناجون ما دام طلبهم الحقيقة، فيقول: (وأنا أقول: إنّ الله سبحانه وتعالى عند ظنّ كلّ مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر مهما اجتهد لنفسه بما يقرّبه إلى الله، فإن أصاب فله أجران، وإن لم يصب فله أجر، فهو مأجور على كلّ حال أحببت أم كرهت، لأنّ الخلق ما كلّفوا إصابة الصواب، إنّما كلّفوا الظنّ بأنّه صواب، وجميع ذلك ممّا يقتضيه تسامح الشرع الأحمدي المشار إليه بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].. فلما لم تصادف هذه الأخبار التي تفيد الوسع وتقضي على الأمّة بالنجاة؟، ولكنّك تنظر بالعين العوراء، فلهذا أراك إلى الآن لم تترك نصّا يقضي على الذاكرين بالدمار والخروج من سعة رحمة الله التي وسعت كلّ شيء إلاّ وألصقته بجانبهم)([177])

خاتمة الفصل

من النتائج المهمة التي يمكننا استخلاصها من هذا الفصل:

1 ــ رأينا أنه يمكن تقسيم الأساليب التي استعملتها الجمعية في مواجهة الطرق الصوفية إلى ثلاثة أنواع: المواجهة العلمية، والمواجهة الأدبية، والمواجهة العاطفية.

2 ــ ربما كان حظ المواجهة العلمية – من خلال ما وصل إلينا من تراث الجمعية من صحفها ورسائلها هو أهون أنواع المواجهات وأقلها، فمع تلك الحملة الشديدة لم نر إلا بعض رسائل قصيرة محدودة المحتوى، وفي لغة لا نستطيع أن نصنفها ضمن اللغات العلمية المنهجية البحتة، وربما يكون عذر الجمعية في هذا هو طغيان المتشددين عليها، ورفضهم لأي حوار مع الآخر، بل رفضهم، ولو لذكر أدلة الطرف الآخر، ثم مناقشتها.

3 ــ من خلال دراسة التراث القليل الذي كتبه رجال الجمعية حول تفاصيل الخلاف بينهم وبين الطرق الصوفية يمكن ملاحظة أن جمعية العلماء لم تكن ترى في الآخر شخصا اعتباريا يمكن أن تتحاور معه، أو تقبل مناقشته، لأنها، ومنذ أول يوم قررت عدم الحوار، بل لم تر من حل سوى الاستئصال الجذري لا للطرق الصوفية فقط، بل لكل ما يرتبط بها من معان، وهي في هذا ترجع لأشد أنواع السلفية تطرفا، وهي السلفية الوهابية.

4 ــ من الأمور التي حالت بين الجمعية وبين الكتابة العلمية المفصلة المتضمنة للرأي والرأي الآخر، ذلك أن الفتوى في العادة توجه للعوام، ولا تقتضي ذكر الدليل بتفصيل، ولا تقتضي نقل الخلاف، ولا ذكر أدلة المخالف، ولعل الذي دعا الجمعية إلى هذا هو ما يعتمده المنهج السلفي عموما، من اعتبار ذكر الخلاف بتفصيل قد يكون نوعا من إشهار المبتدع والدعوة له بالمجان، والجمعية لا تريد هذا، ولهذا تمارس كل أنواع التشدد حتى الحسنات تبرزها بصورة السيئات حتى تتمكن من استئصال الآخر استئصالا جذريا.

5 ــ ويظهر – من خلال دراسة تراث الجمعية المكتوب – أن المواجهة الأدبية كانت أهم الأساليب وأكثرها استعمالا، ولعل ذلك يرجع أن الجمعية عاصرت في ذلك الوقت أدباء كبار كطه حسين والرافعي والزيات وغيرهم، وقد كانت تحصل بينهم أحيانا سجالات في ميادين مختلفة، وكانت أداتهم في مواجهاتهم هي ما عرفه العرب من أساليب في هذا المجال، بالإضافة إلى أن هذه الأداة كانت كأنها من الأسلحة التي لا توجد عند خصمهم، فلم يكن في الطرق الصوفية من الأدباء من له قوة لسانهم وحدته، بل كان الكثير منهم – على ما يظهر – ضعيفا في النواحي اللغوية، وخاصة النحو.

6 ــ تعتبر الخطابة من أهم ما كان يستعمله علماء الجمعية من أساليب في إيصال رسالتهم الإصلاحية، والعلة في ذلك – كما يذكر الإبراهيمي- هو التأثير القوي للخطابة في التغيير والإصلاح.

7 ــ من الأشكال الأدبية التي استعملتها الجمعية في مواجهة الطرق الصوفية (الشعر)، وقد برزت فيه إلى درجة كبيرة، بحيث أنه قد تحول ما كتب من قصائد في هذا الجانب إلى زاد لا تزال تستعين به السلفية الحديثة في مواجهة التصوف والطرق الصوفية.

8 ــ استعملت الجمعية المواجهة العاطفية لإثارة عواطف الجماهير ضد الطرق الصوفية، وهي مواجهة كالمواجهة الأدبية تتسم بالبساطة، وبعدم الحاجة إلى الإقناع العقلي المعتمد على الدليل، بل كل اعتمادها على ما عند المستقبل من ثروة عاطفية، وهي من أكثر الثروات توفرا خاصة في الزمن الذي يكثر فيه الظلم والاضطهاد.

9 ــ لم نجد لدى الطرق الصوفية من أنواع المواجهات إلا نوعا واحدا فقط يصلح للحديث عنه، وهو ما أطلقنا عليه المواجهة العلمية، ذلك أن المواجهتين الأخريين: الأدبية والعاطفية تقتضيان وجود أدباء وخطباء وذوي قدرات بيانية، ولم نجد هذا عند الطرق الصوفية، وفي حال وجوده، فإن الأدب الصوفي متوجه عموما للسلوك والعرفان، ولا يتوجه للجدل والخصومات.

10 ــ من خصائص المواجهة العلمية لدى الطرق الصوفية: اعتمادها على المصادر التي ألفت في الرد على الوهابية، وضعفها في علوم الحديث، وتسامحها مع المخالف.


([1])  انظر: البعد المقاصدي للفتوى عند الجمعية: ص58.

([2])  أحمد حماني: صراع بين السنة والبدعة،1/52.

([3])  عمر بن البسكري العقبي (1898-1986): ولد  بسيدي عقبة سنة1898 وحفظ القرآن بها وتعلم على علمائها، انظر: ((مجلة الإصلاح الجزائرية)) عدد/14 بتاريخ: ماي/جوان2009م

([4])  جريدة البصائر: العدد/44.

([5])  انظر: آثار ابن باديس (2/ 34)

([6])  ابن عليوة، الناصر المعروف بالذب عن مجد التصوف، ص7.

([7])  سنن الترمذي (5/ 26)

([8])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص204.

([9])  يشير به إلى كتاب أبي حامد الغزالي (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة)، وهو من أهم الكتب في الرد على التكفيريين، وقد قال في هذا: (وظاهر ظني ـ والعلم عند الله ـ أن هؤلاء هم المرادون بقوله عليه السلام: (ستفترق أمتي بضعاً وسبعين فرقة، كلهم في الجنة، إلا الزنادقة) وهي فرقة، هذا لفظ الحديث في بعض الروايات، وظاهر الحديث يدل على أنه أراد به (الزنادقة) من أمته، إذ قال (ستفرق أمتي) ومن لم يعترف بنبوته فليس من أمته) (انظر: أبو حامد الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ط1، 1993، ص68 )

([10])  قال العجلوني  في (كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس (1/ 150)) بعد عرض الروايات الأخرى المشهورة: (وصححه الحاكم بلفظ غريب وهو (ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة كلها في الجنة إلا واحدة)، وفي رواية عند الديلمي (الهالك منها واحدة)، قال العلماء هي الزنادقة انتهى، وفي هامش الميزان المذكور عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلها في الجنة إلا الزنادقة)، قال وفي رواية عنه أيضا (تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقه إني أعلم أهداها الجماعة) انتهى، ثم رأيت ما في هامش الميزان مذكورا في تخريج أحاديث مسند الفردوس للحافظ ابن حجر، ولفظه (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلها في الجنة إلا واحدة وهي الزنادقة)، أسنده عن أنس قال وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن أنس بلفظ أهداها فرقة الجماعة انتهى، فلينظر مع المشهور ولعل وجه التوفيق أن المراد بأهل الجنة في الرواية الثانية ولو مآلا فتأمل)

([11])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص204.

([12])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص205.

([13])  جريدة البصائر : جريدة البصائر، السلسة الثانية، عدد 230، الجمعة 11/رمضان/1372هـ الموافق 22/ماي/ 1953م، ص 1.

([14])  جريدة البصائر : جريدة البصائر، السلسة الثانية، عدد 230، الجمعة 11/رمضان/1372هـ الموافق 22/ماي/ 1953م، ص 1.

([15])  جريدة البصائر : جريدة البصائر، السلسة الثانية، عدد 230، الجمعة 11/رمضان/1372هـ الموافق 22/ماي/ 1953م، ص 1.

([16])  المصدر السابق، ص 1.

([17])  المصدر السابق، ص 1.

([18])  المصدر السابق، ص 3، وقد ذكر الدكتور أحمد عيساوي قصة هذا المكتوب، وهي أن الشيخ العربي نشر هذا الرد التوضيحي في جريدة البصائر اثر التآمر الذي أظهره الأستاذ ( محمد السعيد الزاهري ) بواسطة بعض الطلبة الموالين له الدارسين بالزيتونة، الذين استغلوا كل أشكال التآمر والكيد من أجل الاستحواذ على أمانة جمعية الطلبة المسلمين الجزائريين الزيتونيين، وكان ذلك في بدايات سنة 1949م 1368هـ بتونس. وكان الشيخ العربي في زيارة لتونس فحرص السيد ( محمد  مرازقة ) عدم حضور الشيخ العربي والوفد المرافق له كي لا تنكشف لعبتهم، ثم حرف حقيقة ما جرى يومها في تونس صاحب ( جريدة المغرب العربي 1947-1948م ) ( محمد السعيد الزاهري )، فرد عليه الأستاذ (العباس بن الشيخ الحسين ) في جريدة البصائر بمقال عنونه بـ ( معرض الأكاذيب )  مذيلا به رسالة الشيخ العربي التبسي، انظر: نقلا عن: منارات من شهاب البصائر (آثار الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي) للدكتور أحمد عيساوي، ص259.

([19])  المصدر السابق، ، ص 3.

([20])  المصدر السابق، ص 1.

([21])  المصدر السابق، ص 1.

([22])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص204.

([23])  جريدة البصائر : جريدة البصائر، السلسة الثانية، عدد 230، الجمعة 11/رمضان/1372هـ الموافق 22/ماي/ 1953م، ص 1.

([24])  جريدة البصائر : جريدة البصائر، السلسة الثانية، عدد 230، الجمعة 11/رمضان/1372هـ الموافق 22/ماي/ 1953م، ص 1.

([25])  نص البشير الإبراهيمي على مضمون رسالتهم بطريقته التهكمية، فقال: تلقينا صبيحة يوم الاثنين الماضي رسالة مضمونة متتوجة باسم جامعة اتحاد الطرق الصوفية، ومنتعلة باسم كاتبها العام. وبين التاج والنعل سطور جميلة الخط (قريبة الأسلوب في أساليب التوثيق من المحاكم) ولكن تحتها من المعاني ما يضحك الثكل، ففيها بعد البَسْمَلة بالقلم العريض: تعالوا إلى المناظرة. وفيها بعد اسم رئيس جمعية العلماء والسلام عليه ورحمة الله ما نصه بالحرف: “أما بعد، فإنكم تعلمون علم اليقين أن ما فكك الأمة المسلمة الجزائرية ومزق وحدتها حتى صارت متنافرة متخالفة بعد أن كانت متقاربة متألفة هو ما أدخلتموه عليها من التشكيك في أمر دينها اعتقادًا وعملًا، وأفتيتموها في كل مسألة خلافية بما يعد خروجًا عن دائرة الحق والإنصاف وولُوجًا في ورطة الشذوذ والاعتساف، ولطالما انتظرنا رجوعكم إلى الجادة، ولكن ذهب انتظارنا سدى. وبناءً على هذا فإننا ندعوكم باسم الدين إلى “المناظر” في المسائل الآتي ذكرها، ونرجوكم أن لا تتخلفوا كما تخلفتم في المرة الأولى عن موعد المناظرة، ولكم الشكر”.

هذا نص الديباجة، وبعدها سرد المسائل، وهي إحدى عشرة مسألة) انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 300)

([26])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 301)

([27])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 301)

([28])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 302)

([29])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 302)

([30])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 302)

([31])  الغزالي، المنقذ من الضلال، ص13.

([32])  المنقذ من الضلال، ص14.

([33])  البصائر، ع 173: /07 جويلية 1939.

([34])  ابن عليوة، القول المعتمد في مشروعية الذكر بالاسم المفرد ص6.

([35])  صحيح البخاري (1/ 2)

([36])  رسالة الشرك ومظاهره (ص: 380)

([37])  نقلا عن: منارات من شهاب البصائر (آثار الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي) للدكتور أحمد عيساوي، ص:221.

([38])  المصدر السابق، ص:221.

([39])  المصدر السابق، ص:222.

([40])  المصدر السابق، ص:222.

([41])  المصدر السابق، ص:222.

([42])  المصدر السابق، ص:222.

([43])  العربي التبسي، بدعة الطرائق في الإسلام، ص10.

([44])  نص فتوى الشيخ العربي التبسي في هذا هي قوله: (أما رفع الأيدي في تلك الساعة للدعاء، فأما للمأموم فممنوع، لأنه نوع من الانفضاض حول الإمام، وإعراض عن الإنصات الواجب، وترك لـه وحده يخطب، وكل ذلك تضييع للخطبة، وتفويت لحكمتها، والغرض منها .. وأما رفع الإمام يديه للدعاء في خطبة الجمعة فقد اختلف الفقهاء في جوازه وكراهته، وليس مع المجيزين غير أقيسة لا معنى لها (نشرت هذه الفتوى في جريدة البصائر، السلسلة الأولى، السنة الثالثة، عدد 138، الجمعة 04/11/1938م الموافق 11/ رمضان/1357هـ، ص 2، نقلا عن: منارات من شهاب البصائر (آثار الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي) للدكتور أحمد عيساوي، ص:232)

([45])  من آداب الدعاء العظيمة التي نص عليها الفقهاء رفعَ اليدين في الدعاء إلى الله عزَّ وجلَّ؛ لثبوت ذلك عن النبي a في أحاديث كثيرة عدَّها بعضُ العلماء في جملة ما تواتر فيه النقلُ عن النبيِّ a، قال السيوطي في شرحه لتقريب الإمام النووي ممثِّلا لِما تواتر معناه عن النبي a: (فقد ورد عنه a نحوُ مائة حديث فيه رفعُ يديه في الدعاء، وقد جمعتها في جزء، لكنها في قضايا مختلفة، فكلُّ قضية منها لَم تتواتر، والقدر المشترَك فيه هو الرفعُ عند الدعاء تواتَر باعتبار المجموع) (عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق : عبد الوهاب عبد اللطيف، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، (2/ 180)

([46])  قررت الجمعية في اجتماعها السادس العام المنعقد ابتداء من: 1937/09/24 والذي دام ثلاثة أيام تقسيم المجلس الإداري الى لجان أربع والتي منها لجنة الإفتاء.

وكانت لجة الفتوى تضم الأعضاء التالية أسماؤهم:

1- العربي التبسي: بصفته رئيس اللجنة. 3- البشير الإبراهيمي: عضو مستشار.

2- مبارك الميلى: عضو مستشار. 4- على الخيار: عضو مستشار.

وكان الاقتراح بتشكيل اللجنة للإفتاء في المجلس العام للجمعة المنعقد في 06 شوال 1354 الموافق ل01 جانفي 1936، وكانت إدارة البصائر قد عهدت بصفة مؤقتة إلى لجنة تأتمنها على الفتوى في دين الله برئاسة الشيخ أبي يعلى الزواوي إلى حين تعيين جمعية العلماء من ناحيتها لجنة إفتاء بصفة رسمية باتة.

أما بعد استشهاد الشيخ التبسي فقد انتقلت رئاسة لجنة الإفتاء إلى رئيس الجمعية الشيخ البشير الإبراهيمي الذي وسع من دائرة تلك اللجنة بزيادة أعضائها، ويتمثلون في كل من: أحمد سحنون – مصطفى الفخار – عبد اللطيف القنطري – الفضيل اسكندر – نعيم النعيمي)

([47])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (5/ 137)

([48])  جريدة البصائر، السلسلة الثانية، السنة الخامسة، عدد 204، 20/ 10/1952م الموافق 01/صفر/1372هـ، ص2 .

([49])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (2/ 272)

([50])  محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله (ابن قيم الجوزية)، الفوائد، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية ، 1393 – 1973، ص 105.

([51])  العربي بن بلقاسم التبسي، لقد سمعنا باطـلك  فأين حقك؟ جريـدة الشهاب، السـنة الثالثة، عــدد 121، الخميس 01/12/1927م الموافق 06/ جمادى الآخرة/1346هـ، ص 13 ،نقلا عن: منارات من شهاب البصائر (آثار الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي) للدكتور أحمد عيساوي، ص171.

([52])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، ص24.

([53])  ابن عليوة، المنح القدوسية في شرح المرشد المعين على الطريقة الصوفية، ص20.

([54])  نشر هذا المقال في جريدة الشهاب : جريـدة الشهاب، السـنة الثالثة، عــدد 121، الخميس 01/12/1927م الموافق 06/ جمادى الآخرة/1346هـ، ص 10 و11 و12  و13.

([55])  جريدة البلاغ الصادرة عن الزاوية العليوية بمستغانم : جريدة البلاغ، عدد 44، 19/جمادى أولى/1346هـ الموافق 16/11/1927م.

([56])  قدور بن أحمد المجاجي : ( 1894-1951م ): ولد في قرية مجاجة بالقرب من مدينة مستغانم، وتلقى تعليما طرقيا أولا في زاويا القادرية بمدينة معسكر، ثم تحول منها إلى زاوية سيدي أحمد بن عليوة المستغانمي بمسـتغانم، وصارمن بين أهم شيوخها، ومن أشهر كتاب جريدة البلاغ العليوي. كتب العديد من المقالات الطرقية التي يرد فيها على شيوخ الجمعية، وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس والعربي التبسي ومبارك الميلي.. واتسم سلوكه الطرقي الاستغلالي في خدمة الزاوية وشيخه أحمد بن عليوة المستغانمي، والانتفاع من كتاباته الصحفية من جريدة البلاغ الجزائري. انظر : منشورات المكتبة الدينية للطريقة الصوفية العلاوية بمستغانم، ص 5، بتصرف، نقلا عن نقلا عن: منارات من شهاب البصائر (آثار الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي) للدكتور أحمد عيساوي،، ص 168.

([57])  العربي التبسي، قد سمعنا باطـلك  فأين حقك؟، جريـدة الشهاب، السـنة الثالثة، عــدد 121، الخميس 01/12/1927م الموافق 06/ جمادى الآخرة/1346هـ، ص 10، نقلا عن: منارات من شهاب البصائر (آثار الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي) للدكتور أحمد عيساوي،، ص267.

([58])  يبدو الشيخ العربي التبسي من خلال ما كتب سريع الغضب، وقد ذكرنا ما حصل بينه وبين مالك بن نبي بسبب هذا، ونضيف إليه هنا ما ذكره الدكتور أحمد عيساوي من أنه زار شيوخ جمعية العلماء مدينة وادي سوف سنة 1937م بمناسبة تدشين مسجد ومدرسة البلدة، وكان الوفد مكونا من الشيوخ عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي والعربي التبسي، وابتدأ الحفل بآيات بينات من القرآن الكريم، ثم بالكلمات الترحيبية، ثم بكلمة الشيخ عبد الحميد بن باديس، ثم بكلمة الشيخ البشير الإبراهيمي، ولما حان وقت كلمة الشيخ العربي التبسي قام الجمهور الحاضر وهمّ بالانصراف، فانزعج الشيخ العربي، ثم خاطبهم بحدة، : ( أنا أعلم يا أهل وادي سوف أنكم تسمعون لكلام تجاركم عني شيئا من الأباطيل، ولكنني أقول لكم : أنا أشرف منكم نسبا ومن عبد الحميد هذا – وأشار إلى الشيخ عبد الحميد بن باديبس في المنصة -، فعلاقة والدي بالاستعمار كلها علاقة قتل وقمع وتعذيب، ولكن علاقة والده كما تعرفون تعاون واتفاق) (انظر: منارات من شهاب البصائر (آثار الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي) للدكتور أحمد عيساوي، ص495)

([59])  نقلا عن: منارات من شهاب البصائر (آثار الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي) للدكتور أحمد عيساوي، ص168.

([60])  المصدر السابق، ص169.

([61])  المصدر السابق، ص170.

([62])  المصدر السابق، ص170.

([63])  المصدر السابق، ص171.

([64])  ابن عليوة، القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف، ص65.

([65])  صيغة صلاة الفاتح هي: (اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق الهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم)، وهي مشهورة متداولة، (انظر: حرازم ابن العربي براده المغربي، جواهر المعاني وبلوغ المعاني في فيض سيدي أبي العباس التيجاني، طبعة مصر، سنه 1901، ص94)

([66])  محمد الحافظ، براءة الطريقة التيجانية من كل ما يخالف الشريعة، د.ط.د.ت، ص3.

([67])  محمد الحافظ، براءة الطريقة التيجانية من كل ما يخالف الشريعة، ص3.

([68])  صحيح البخاري (1/ 38)، صحيح مسلم (1/ 8)

([69])  محمد الحافظ، براءة الطريقة التيجانية من كل ما يخالف الشريعة، ص4.

([70])  محمد الحافظ، براءة الطريقة التيجانية من كل ما يخالف الشريعة، ص4.

([71])  محمد الحافظ، براءة الطريقة التيجانية من كل ما يخالف الشريعة، ص5.

([72])  محمد الحافظ، براءة الطريقة التيجانية من كل ما يخالف الشريعة، ص5.

([73])  محمد الحافظ، براءة الطريقة التيجانية من كل ما يخالف الشريعة، ص6.

([74])  صحيح البخاري (3/ 243)، وصحيح مسلم (5/ 105)

([75])  نص الحديث كما في البخاري: (إن الله قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته) (صحيح البخاري (8/ 131)

([76])  محمد الحافظ، براءة الطريقة التيجانية من كل ما يخالف الشريعة، ص6.

([77])  محمد الحافظ، براءة الطريقة التيجانية من كل ما يخالف الشريعة، ص7.

([78])  محمد الحافظ، براءة الطريقة التيجانية من كل ما يخالف الشريعة، ص7.

([79])  نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية، (ص: 44)

([80])  محمد الحافظ، براءة الطريقة التيجانية من كل ما يخالف الشريعة، ص7.

([81])  الشهاب، الجزء الثالث، المجلد السادس، أبريل 1930. مقتطفة من خطاب مرتجل، نقلا عن الآثار: 1/67.

([82])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 145)

([83])  الزاهري: تحية الإصلاح. الشهاب. ع 161. س 1928، ص237.

([84])  الزاهري: تحية الإصلاح. الشهاب. ع 161. س 1928، ص237.

([85])  الزاهري: إلى (زيارة سيدي عابد)  الصراط. ص 4.

([86])  الزاهري، التحية الصادقة. الشهاب. مج10، ج9، 12 أوت 1933. ص 454.

([87])  الزاهري، ليتني ما قرأت حرفا. الشهاب. مج7، ج1، 1931. ص 927.

([88])  آثار ابن باديس (3/ 334)

([89])  رسالة الشرك ومظاهرة، ص 283.

([90])  المنتقد، العدد: 8، يوم الخميس 30 محرّم 1344هـ الموافق لِـ 20 أوت 1925م، ص3.

([91])  والقصيدة كتبها رجل (من أهل وادي سوف) وعنوانها (إرشاد الضالّين إلى سبيل أهل الحقّ المبين) ضمنها (64 بيتًا) ومن أبياتها قوله:

يا رجال الدين يا أهل الرشاد      =يـا ذوي التحقيق أهل الاعتقاد

ياذوي التمكين يا أهل النهى       =يا ذوي التصريف في كلّ البلاد

بلغتنـا في حمـاكـم سَبَّةً                =حالـها زعزع ركن كلّ نـاد

وقد بذلت جهدي في البحث عنها لكني لم أجدها، بل لم أجد الإشارة إليها إلا في موقع (راية الإصلاح) أو من نقل عنه، وهو على هذا الرابط: (http://www.rayatalislah.com/article.php?id=10).

([92])  الطيب العقبي، إلى الدين الخالص، دت، دط، ص3.

([93])  الطيب العقبي، إلى الدين الخالص، ص4.

([94])  الطيب العقبي، إلى الدين الخالص، ص5.

([95])  الطيب العقبي، إلى الدين الخالص، ص6.

([96])  الطيب العقبي، إلى الدين الخالص، ص6.

([97])  الطيب العقبي، إلى الدين الخالص، ص7.

([98])  الطيب العقبي، إلى الدين الخالص، ص7.

([99])  الطيب العقبي، إلى الدين الخالص، ص7.

([100])  للإبراهيمي ملحمة رجزية في ستة وثلاثين ألف بيت – مفقودة – أشار إليها المترجم له نفسه، وهي عرض تاريخي تحليلي للتاريخ الإسلامي وتقلبات الأمة الإسلامية – نظمها إبّان إبعاده في صحراء وهران الجزائرية، ورواية الثلاثة – مسرحية شعرية في 877 بيتًا من الرجز – نظمها إبّان تحديد إقامته في «آفلو»

التزم شعره الوزن والقافية، ويتنوع بين التعبير عن المناسبات الاجتماعية، والإخوانيات، ووصف بعض منجزات العصر: كالطائرة، ورصد الأحداث السياسية التي مرت بها الجزائر، والتعبير عن تجربة نفيه وسجنه، وبخاصة في المدة (1939 – 1946)، والتعبير عن القضية الجزائرية. مسرحيته الشعرية تقع في 877 بيتًا عبر ثلاث جلسات، تناول فيها أوضاع التعليم من خلال مدرسة وشخصيات محورية يدور بينها صراع.

([101])  جريدة البصائر، السنة الأولى، العدد 43، الجمعة 28 شعبان 1355هـ / 13 نوفمبر 1936م، وانظر آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 288)

([102])  آثار الإبراهيمي: 4 / 126 – 130 وأبياتها 73 بيتاً

([103])  من ذلك ما ورد في الحديث عن ابن عمر قال : ذكر النبي a فقال : اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا : وفي نجدنا، قال : اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا : يا رسول الله وفي نجدنا فأظنه قال الثالثة : هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان) صحيح البخاري، (9/ 67)

([104])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (4/ 127)

([105])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (4/ 127)

([106])  الزاهري، اعترافات طرقي قديم، جريدة الشريعة النبوية المحمدية، العدد7، ص 2.

([107])  الزاهري، اعترافات طرقي قديم، جريدة الشريعة النبوية المحمدية، العدد7، ص 3.

([108])  الزاهري، اعترافات طرقي قديم، جريدة الشريعة النبوية المحمدية، العدد7، ص 3.

([109])  الزاهري، اعترافات طرقي قديم، جريدة الشريعة النبوية المحمدية، العدد7، ص 3.

([110])  الزاهري، اعترافات طرقي قديم، جريدة الشريعة النبوية المحمدية، العدد7، ص 4.

([111])  الزاهري، اعترافات طرقي قديم، جريدة الشريعة النبوية المحمدية، العدد7، ص 2.

([112])  الزاهري، اعترافات طرقي قديم، جريدة الشريعة النبوية المحمدية، العدد7، ص 4.

([113])  نشرت في العدد 31 من جريدة «البصائر»، 12 أفريل سنة 1948، والثانية نشرت في العدد 33 من جريدة «البصائر»، 26 أفريل سنة 1948

([114])  مما يدل على هذا ما ذكره الإبراهيمي نفسه عندما قال: (.. بلغنا ما وقع في المؤتمر الثاني (مؤتمر الزوايا) بالتفصيل أيضا، حتى أسماء الحاضرين والخطباء وما خطبوا، وأنهم تواردوا على معان متقاربة في غايات الاجتماع الظاهرية وهي جمع الشمل وتجديد العهد وخدمة العلم بالتعليم) آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 20)

ولكنه كعادته – في استخدام منطق المؤامرة – يعتبر أن هناك أهدافا مبيتة غير هذه الأهداف، فقال: (وكان من كياسة الرئيسين الدائم والهائم (كان هذا الاجتماع تحت رئاسة اثنين: الدائم مصطفى القاسمي، والهائم عبد الحي الكتاني) أن بالغا في إخفاء الغاية الحقيقية، حتى قام طالب مأجور يعدونه من أتباع الأتباع، فذكر جمعية العلماء بوصفها القديم الذي كانوا ينبزونها به، وهو أنها جمعية وهابية) (انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 394)

([115])  نشرت في العدد 31 من جريدة «البصائر»، 12 أفريل سنة 1948، وانظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 391)

([116])  انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 395)

([117])  انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 539)

([118])  انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 540)

([119])  انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 540)

([120])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 545)

([121])  انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 544)

([122])  انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 547)

([123])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 561)

([124])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 561)

([125])  انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 562)

([126])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 268)

([127])  أحمد حماني ; صراع بين السنة والبدعة، ص131.

([128])  نشر هذا المقال في جريدة الشهاب : جريدة الشهاب، السنة الثالثة، عدد 83، 10/02/1927م الموافق 07/شعبان/1345هـ، ص  10

([129])  جريدة الشهاب، السنة الثالثة، عدد 83، 10/02/1927م الموافق 07/شعبان/1345هـ، ص  10.

([130])  جريدة الشهاب، السنة الثالثة، عدد 83، 10/02/1927م الموافق 07/شعبان/1345هـ، ص  10.

([131])  جريدة الشهاب، السنة الثالثة، عدد 83، 10/02/1927م الموافق 07/شعبان/1345هـ، ص  10.

([132])  جريدة الشهاب، السنة الثالثة، عدد 83، 10/02/1927م الموافق 07/شعبان/1345هـ، ص  10.

([133])  عبد الناصر : الشيخ عبد الحميد بن باديس في يوم حرية التعبير.. أول صحافي في التاريخ يتعرض لمحاولة اغتيال، جريدة الشروق اليومي، العدد 1676 الصادرة يوم الأربعاء 04 ربيع الثاني 1427 هـ الموافق لـ 03 ماي 2006 م، ص : 8.

([134])  محمد العيد آل خليفة : ديوان محمد العيد، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص : 122

([135])  جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية (ع 6/ ص2)

([136])  جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية (ع 6/ ص2)

([137])  ويدل لهذا ما كتبه العقبي في إدانة الحادثة، فقد جاء في مقاله: (إذن ما ذا يفعل (سيدي المرابط) أو الدجال المحتال الذي وقف له المصلحون في الطريق التي كان يجمع الناس لها ويحشرهم من كل ناحية إليها, وما هي إلا طريق ابتزازه الأموال من هذه الأمة واعتصاره آخر قطرة من دم بقيت في جسمها وقد قطعوا رزقه كما قيل وحالوا بينه وبين ما يشتهيه في هذه الأمة ومنها؟)

([138])  جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية (ع 6/ ص2)

([139])  جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية (ع 6/ ص2)

([140])  جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية (ع 6/ ص3)

([141])  جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية (ع 6/ ص3)

([142])  جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية (ع 6/ ص3)

([143])  الشريعة النبوية، (6/4)

([144])  مالك بن نبي، ميلاد مجتمع : ص77.

([145])   المباهلة في اللغة : من باهله مباهلة لعن كل منهما الآخر وابتهل إلى الله : ضرع إليه، وبهله بهلا : لعنه ومنه قول أبي بكر : من ولي من أمر الناس شيئا فلم يعطهم كتاب الله فعليه بهلة الله أي لعنته، وباهل بعضهم بعضا : اجتمعوا فتداعوا فاستنزلوا لعنة الله على الظالم منهم وفي أثر ابن عباس : من شاء باهلته أنه ليس للأمة ظهار، ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي (انظر: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية، دار السلاسل، الكويت، الطبعة الثانية، (36/ 57)

([146])  الشِّهاب»،  السنة الثانية، العدد (97)، 17 ذي القعدة 1345ه، ص8.

([147])  الشِّهاب»،  السنة الثانية، العدد (97)، 17 ذي القعدة 1345ه، ص8.

([148])  الشِّهاب»،  السنة الثانية، العدد (97)، 17 ذي القعدة 1345ه، ص8.

([149])  الشهاب العدد 112 / ص8 ـ 14

([150])  الشِّهاب»، السنة الثّانية، العدد(97)، 17 ذي القعدة 1345هـ، (ص: 7)

([151])  انظر كشف الخفا ومزيل الإلباس فيما اشتهر على ألسنة الناس، للعجلونى ص263.

([152])  حتى أن المنافحين عن الصوفية كالعلامة عبد الله بن الصديق الغماري يرى ضعفه، فيقول: (وعزْوه إلى رواية عبد الرزاق خطأ لأنه لا يوجد في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره، وقال الحافظ السيوطي في الحاوي في الفتاوى، ج1 ص 325 : (ليس له إسناد يعتمد عليه)ـ، وهو حديث موضوع جزمًا .. وبالجملة فالحديث منكر موضوع لا أصل له في شىء من كتب السُّنّة)(انظر: مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر، للعلامة: عبد الله بن الصديق الغماري، ص2.

ولقد حكم بوضعه أكثر المحدثين كالحافظ الصغاني (الموضوعات، للصغاني، ص 25)، وأقره الحافظ العجلوني على ذلك (كشف الخفاء، للعجلوني، ج2 ص 232)

([153])  الشرح الصغير، للدردير، ومعه حاشية الصاوي المسماة ببلغة السالك، ج4 ص 778، 779.

([154])  الفتوحات المكية: جـ 3 صــ 16 .

([155])  رسائل ابن عربي، ص30 .

([156])  هذه الرسائل هي:

1) مسالك الحنفا فى أبوى المصطفى .

2) التعظيم والمنة فى أن أبوى الرسول فى الجنة .

3)  الدرج المنيفة فى الآباء الشريفة .

4) نشر العلمين المنيفين فى إحياء الأبوين الشريفين .

5)  المقامة السندسية فى النسبة المصطفوية .

6) السبل الجلية فى الآباء العلية

وقد طبعت جميعا – عدا الخامسة – تحت عنوان (رسائل الإمام الحافظ جلال الدين السيوطى فى تحقيق نجاة أبوى المصطفى صلى الله عليه وسلم وأنهم من أهل الجنة فى الآخرة)، تحقيق العلامة الشيخ حسنين مخلوف، رحمه الله، أما الرسالة الخامسة فمن الواضح أنها مقامة أديبة فى المسألة، فاقتصر على الرسائل الأخرى، فقال العلامة المحقق: (اكتفينا بطبع الرسائل الخمس عن طبع المقامة السندسية، وذيلناها برسالة إنباه الأذكياء فى حياة الأنبياء عليهم السلام)، القاهرة: مطبعة المدنى، ط 2، 1396هـ/1976 م)

([157])  التعظيم والمنة، ضمن مجموعة الرسائل فى تحقيق نجاة أبوى المصطفى صلى الله عليه وسلم، (ص 78)

([158])  التعظيم والمنة، ضمن مجموعة الرسائل فى تحقيق نجاة أبوى المصطفى صلى الله عليه وسلم (ص 99- 100)

([159])  صحيح البخاريـ (2/ 82)، صحيح مسلم  (8/ 155)

([160])  السيوطي، الدرج المنيفة، ضمن مجموعة الرسائل السابقة، (ص 144 – 145)

([161])  من الكتب المتداولة في الزوايا حول إيمانه كتاب (أسنى المطالب في نجاة أبي طالب) للعلامة أحمد زيني دحلان، الفقيه الخطيب مفتي الشافعية (1232 – 1304 هـ)، وقد اختصر فيه كتاب ( بغية الطالب لإيمان أبي طالب)  للعلامة محمد بن رسول البر زنجي، وأضاف عليه مطالب مهمة، طبع بمصر سنة (1305 هـ)، وبعدها مكررا.

([162])  الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (2/93) حديث رقم (814) وأخرجه الحاكم في (المستدرك) 499/1 والإمام أحمد في (المسند) 3/68 وابن عدي في الكامل (3/980)

([163])  الشعراني، الطبقات الكبرى: (2/68)

([164])  قال السخاوي:  قال شيخنا – أي الحافظ ابن حجر ـ ومن قبله الدميري والزركشي: أنه لا أصل له، زاد بعضهم: ولا يعرف في كتاب معتبر (انظر: المقاصد الحسنة (ص 286)

([165])  جواهر المعاني: (2/71)

([166])  العجلوني، إسماعيل بن محمد الجراحي، كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس، دار إحياء التراث العربي، (1/ 9)

([167]) الفتاوى الحديثية صـ 217.

([168])  النبهاني، سعادة الدارين، صـ 440.

([169])  ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجة، مكتبة أبي المعاطي، (5/ 128)

([170])  مع اجتهادي في البحث عن تخريج الحديث إلا أني لم أجده.

([171])  مسند أحمد بن حنبل (5/ 233)

([172])  أحمد بن مصطفى العلاوي: أعذب المناهل، ص 58، ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص147.

([173])  سنن الترمذي (5/ 26)

([174])  يشير به إلى كتاب أبي حامد الغزالي (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) الذي سبقت الإشارة إليه.

([175])  سبق تخريجه مفصلا.

([176])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص204.

([177])  ابن عليوة، أعذب المناهل في الأجوبة والمسائل، نقلا عن: صفحات مطوية في التصوف الإسلامي، ص205.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *