الفصل الخامس: حق الزوجات في العدل

الفصل الخامس

حق الزوجات في العدل

نتناول في هذا الفصل حقا من الحقوق المعنوية للزوجة، وهو مرتبط بحالة تعدد الزوجات، وهو العدل الذي أبيح على أساسه التعدد، وقد قسمنا الكلام عن هذا الموضوع إلى المباحث التالية:

  1. حكم تعدد الزوجات وحكمته والرد على الشبهات المتعلقة بالتعدد، باعتبار ذلك مدخلا أساسيا للفصل.
  2. مفهوم العدل في القسمة وأحكامه.
  3. أنواع الميل، هو الجور بين الزوجات وأحكامه.
  4. أحوال الزوجين في القسمة.
  5. القسمة العادلة بين الزوجات وضوابطها الشرعية.

ونرى أن هذه الجوانب تحيط بأكثر المسائل المتعلقة بهذا الباب، وهي في نفس الوقت أكبر دليل عملي على مراعاة الشريعة للعدل في أسمى صوره.

أولا ـ حكم تعدد الزوجات وحكمته

نعتذر مقدما على طول هذا المبحث لأن الغرض الذي دعانا إليه يحتم هذا الطول، فالغرب الآن ومعه جحافل المستغربين لا هم لهم من الأسرة المسلمة إلا إزاحة هذا الحكم الشرعي القطعي بحجة منافاته للفطرة والطبيعة البشرية وانتهاكه لحقوق الإنسان..

ولذلك أصبح الاعتقاد بأن تعدد الزوجات فيه انتهاك عظيم لكرامة المرأة وحقوقها المعنوية، وهذا ما يستدعي التفصيل في المسألة والإطناب فيها، لاستبيان المصالح المرعية التي قصدها الشرع من هذا الحكم.

وقد قسمنا الحديث فيه إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ حكم تعدد الزوجات

اتفق الفقهاء على جواز تعدد الزوجات، واستدلوا على ذلك بصراحة النصوص الدالة على ذلك، وقد سبق ذكر بعضها في محله.

ولكن هذا الحكم مع ذلك لقي معارضة شديدة من بعض مرضى القلوب، ممن سنتعرض للرد عليهم عند ذكر الحكمة من هذا الحكم.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن هناك من الدول الإسلامية من قننت لتحريم التعدد، وقد نجح هؤلاء فعلاً في بعض البلاد العربية والإسلامية، فصدرت قوانين تحرم ما أحل الله من التعدد، اتباعا لسنن الغرب، ولا زال منهم من يحاول ذلك في بلاد أخرى.

ففي مصر يحكي لنا العلامة الجليل الأستاذ محمد أبو زهرة([1]) أنه بعد نحو من عشرين سنة من وفاة الأستاذ الإمام وجدت مقترحات تتضمن تقييد تعدد الزواج قضائياً، بقيدين وهما: العدالة بين الزوجات، والقـدرة على الإنفاق، وكان ذلك في اللجنة التي أُلفت في أكتوبر 1926م، إذ قدمت مشروعاً مشتملاً على ذلك، ولكن بعد الفحص والتمحيص والمجاوبات المختلفة بين رجال الفقه ورجال الشورى، رأى أولياء الأمر العدول عن ذلك، وجاء المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 خالياً منه.

وفي سنة 1943 همَّت وزارة الشئون الاجتماعية المصـرية أن تنشر المقبور، ولكنه عدل وشيـكاً عما هم به فكان له بذلك فضل.

ثم جاء من بعد ذلك وزير آخر، وجعل من أعظم ما يعنى به هذه المسألة، فأعاد نشر ذلك الدفين، وهمَّ بأن يقدمه لدار النيابة ليأخذ سـيره، ولكنه بعد أن خطا بعض الخطوات، ونبه إلى ما فيه من خطر اجتماعي – وممن كتب في ذلك الأستاذ أبو زهرة نفسه في مجلة القانون والاقتصاد في العددين الأول والثاني للسنة الخامسة عشرة – أعاده إلى حيث كان.

وبعد أن طبع الأستاذ أبو زهرة كتابه هذا، أعيد الجدل مرة أخرى في سنة 1961م. على صفحات الصحف، وقد أيدت عناصر مختلفة منع التعدد أو وضع القيود له، وعارضه علماء الإسلام وعلى رأسهم العلامة الشيخ أبو زهرة معارضة قوية.

ومن الطريف أن رئيس تحرير مجلة كبرى في القاهرة – آخر ساعة – وهو الأستاذ محمد التابعي كتب مقالاً مدعماً بالاحصاءات الرسمية عن تركيـا وكيف أن منع التعدد قانوناً لم يمنع الشعب التركي من التعـدد فعلاً، وقد انتهى فيه إلى أن أي تشريع يمنع التعدد سيلقى الفشل الذي لقيه قانون منع التعدد في تركيا.

وفي تونس، صدر قانون بمنع التعدد تماماً، وفرض عقوبة على من يتزوج أكثر من واحدة، يقول الشيخ القرضاوي: والعجب العجاب أن تأخذ بعض البلاد العربية الإسلامية بتحريم تعدد الزوجات في حين أن تشريعاتها لا تحرم الزنى، إلا في حالات معينة مثل الإكراه، أو الخيانة الزوجية إذا لم يتنازل الزوج.

وقد حكى في ذلك حكاية نقلها عن الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود رحمه الله: أن رجلاً مسلماً في بلد عربي أفريقي يمنع التعدد، تزوج سراً بامرأة ثانية على زوجته الأولى وعقد عليها عقداً عرفياً شرعياً مستوفى الشروط، ولكنه غير موثق، لأن قانون البلد الوضعي يرفض توثيقه ولا يعترف به، بل يعتبره جريمة.. وكان الرجل يتردد على المرأة من حين لآخر.. فراقبته شرطة المباحث، وعرفت أنها زوجته، وأنه بذلك ارتكب مخالفة القانون.

وفي ليلة ما ترصدت له وقبضت عليه عند المرأة، وساقته إلى التحقيق بتهمة الزواج بامرأة ثانية !. وكان الرجل ذكياً، فقال للذين يحققون معه: من قال لكم إنها زوجتي؟ إنها ليست زوجة، ولكنها عشيقة، اتخذتها خدناً لي، وأتردد عليها ما بين فترة وأخرى !

وهنا دهش المحققون وقالوا للرجل بكل أدب: نأسف غاية الأسف ؛ لسوء الفهم الذي حدث. كنا نحسبها زوجة، ولم نكن نعلم أنها رفيقة !.وخلوا سبيل الرجل، لأن مرافقة امرأة في الحرام، واتخاذها خدناً يزانيها يدخل في إطار الحرية الشخصية التي يحميها القانون !

وفي الباكستان وفي عهد رئيس جمهوريتها (أيوب خان) أصدر قانوناً – بصفته الحاكم العسكري – يضع قيوداً شديدة جداً للزواج بأكثر من واحدة، منها أن يعرض ذلك على مجلس عائلي، وأن يدفع مبلغاً ضخماً من المال.

وقد قوبل هذا القانون في الباكستان في الأوساط العالمية الإسـلامية وفي الأوساط الشعبية بالسخط والاستنـكار، كما قوبل من السيدات المثـقفات ثقافة أجنبية وأمثالهن من المثقفين كذلك باستحسان وسرور، وقد أيدته الصحف الاستعمارية والأوساط التبشيرية وأثنت عليه كثيراً.

وفي مصر حاولت جيهان زوج الرئيس الراحل أنور السادات استصدار قانون يمنع التعدد، لكن رجال الأزهر الشريف والتيار الإسلامي الجارف نجحوا في إحباط المحاولة، وإن كانت جيهان قد نجحت في تمرير قانون يجعل اقتران الرجل بأخرى إضرارا بالزوجة الأولى يعطيها الحق في طلب الطلاق، وبعد مقتل السادات وانهيار سطوة جيهان تم إلغاء هذه المادة.

ولكن وسائل الأعلام المختلفة لم تتوقف عن مهاجمة التعدد الشرعي والسخرية منه، والتندر على معددي الزوجات في الأفلام والمسلسلات الساقطة التي تقوم في ذات الوقت بتزيين الفواحش، وتعرض اتخاذ العشيقات على أنه أمر للتسلية والفكاهة.

ومن العجيب أن يراد تبرير هذا باسم الشرع، وأن يحتجوا لها بأدلة تلبس لباس الفقه، والفقه منها بريء، ومن الشبه التي استندوا إليها في ذلك:

أولا: أن من حق ولي الأمر أن يمنع بعض المباحات جلباً لمصلحة أو درءاً لمفسدة.

ثانيا:إن القرآن الكريم اشترط لمن يتزوج بأكثر من واحدة أن يثق من نفسه بالعدل بين الزوجتين أو الزوجات، فمن خاف ألا يعدل وجب أن يقتصر على واحدة، وذلك قوله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا}(النساء:3) وأنه جاء في نفس السورة بآيه بينت أن العدل المشروط غير ممكن وغير مستطاع، وهى قوله تعالى: { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}(النساء:129)، وبهذا نفت هذه الآية اللاحقة ما أثبتته الآية السابقة !

ومن الردود التي أجاب بها العلماء المعاصرون على ذلك:

  1. { فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} (النساء:3) معنى، ولا أدى إلى غرض ولكـان الأولى أن يمنع التعدد رأسا وبلفظ واحد، لا أن يبيح التعدد ويعلقه بشرط مستحيل، فهذا عبث من الكلام يصان عنه أي واحد من العقلاء، فكيف بكلام رب العالمين، الذي هو الذروة العليا من الفصاحة والبلاغة والبيان العربي المبين؟..
  2. – في دعواهم – كمثل من قال: أبحت لك أن تسلك هذه الطريق أو هذه الطريق، أو هذه الطريق، ولكن من المستحيل عليك أن تسلك إلا طريقـاً واحداً لكذا وكذا؟ ما معنى مثل هذا الكلام؟ وما فائدته؟ وهل يقع مثل هذا في قانون؟ أو دستور أو كتاب علمي فضلاً عن كتاب رب العالمين.

2 ـ حكم العدل في القسمة:

اتفق الفقهاء على أن القسمة العادلة بين الزوجات واجبة تستوي في ذلك المسلمة والكتابية([2])،قال ابن المنذر:(أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء، كذلك قال سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي والزهري والحكم، وحماد، ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي)([3])، بل نصوا على أن جحود هذا الحكم كفر، قال البجيرمي:(وجوب القسم مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة فيكفر جاحده، فإن تركه مع اعتقاده وجوبه فسق([4])، واستثني من ذلك ما لو كانت إحدى زوجته ناشزا، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قول الله تعالى: { فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا}(النساء:3)
  2. قول الله تعالى: { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ } (النساء:129)، أي لا هي مطلقة ولا ذات زوج، وهو تشبيه بالشيء المعلق من شيء لأنه لا على الأرض استقر، ولا على ما علق عليه انحمل.
  3. قول الله تعالى: { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}(النساء:34) فلم يبح الله عز وجل هجرانها في المضجع إلا إذا خاف نشوزها
  4. قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من كانت عنده امرأتان، فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة، وشقه ساقط([5])، وقد علل المناوي هذا بقوله:(وعلى ما هو المتبادر من الحمل على الحقيقة فحكمته أن النساء لما كانت شقائق الرجال، وكانت الزوجة نفس الرجل ومسكنه ولباسه، وعطل واحدة من بينهن جوزي بتعطـيل نصفه)([6])

وقد استفاد بعضهم من إشارة الحديث إلى ميل شق واحد بسبب ميل إلى امرأة واحدة إلى أن الشق يتعدد بتعدد الميل، فقال:(وفيه ما فيه للزوم تعطيل ربعه لواحدة من أربع وثلاثة أرباعه لثلاثة (لكن مثل هذا يفتقر إلى الدليل، لأن الشق المائل قد يكون بسبب ميله لا بسبب كون الممال عليه امرأة واحدة)

3 ـ حق الزوجات في القسمة

اختلف الفقهاء في حق الزوجة أو الزوجات في القسمة على قولين:

القول الأول: لا يجب قسم الابتداء، إلا أن يترك الوطء مصرا، فإن تركه غير مصر لم يلزمه قسم، ولا وطء، وهو قول لأحمد، وقال الشافعي: لا يجب قسم الابتداء بحال، واستدل على ذلك بأن القسم لحقه، فلم يجب عليه، قال النووي:(مذهبنا أنه لا يلزمه أن يقسم لنسائه، بل له اجتنابهن كلهن، يكره تعطيلهن مخافة من الفتنة عليهن والاضرار بهن)([7])

واختلف قول أبي حنيفة، ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه قال:

إذا تشاغل الرجل عن زوجته بالصيام أو بالصلاة قسم لامرأته من كل أربعة أيام يوما، ومن كل أربع ليال ليلة، وذكر الجصاص أن هذا ليس مذهبنا، لأن المزاحمة في القسم إنما تحصل بمشاركات الزوجات، فإذا لم يكن له زوجة غيرها لم تتحقق المشاركة، فلا يقسم لها، وإنما يقال له: لا تداوم على الصوم، ووف المرأة حقها كذا قاله الجصاص وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن أبا حنيفة كان يقول: أولا كما روى الحسن عنه لما أشار إليه كعب، وهو أن للزوج أن يسقط حقها عن ثلاثة أيام بأن يتزوج ثلاثا أخر سواها، فلما لم يتزوج، فقد جعل ذلك لنفسه، فكان الخيار له في ذلك، فإن شاء، صرف ذلك إلى الزوجات، وإن شاء، صرفه إلى صيامه، وصلاته، وأشغاله، ثم رجع عن ذلك. وقال: هذا ليس بشيء، لأنه لو تزوج أربعا، فطالبن بالواجب منه يكون لكل واحدة منهن ليلة من الأربع، فلو جعلنا هذا حقا لكل واحدة منهن لا يتفرغ لأعماله، فلم يوقت في هذا وقتا([8]).

القول الثاني: يلزمه المبيت عندها ليلة من كل أربع ليال، ما لم يكن له عذر يمنعه من ذلك، وإن كان له نساء فلكل واحدة منهن ليلة من كل أربع، وهو قول الثوري، وأبي ثور ورواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن عمرو: يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: فلا تفعل، صم، وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا) ([9])، فأخبر أن للمرأة عليه حقا، ومن حقها معاشرتها جنسيا.
  2. أنه لو لم يكن ذلك حقا لها لم تستحق فسخ النكاح لتعذره بالجب والعنة، وامتناعه بالإيلاء.
  3. أنه لو لم يكن ذلك حقا للمرأة، لملك الزوج تخصيص إحدى زوجتيه به، كالزيادة في النفقة على قدر الواجب.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو وجوب القسم سواء لامرأة واحدة أو لأكثر من امرأة مع ترك التقدير لظروف كلا الزوجين.

ثانيا ـ أنواع الميل لإحدى الزوجات وأحكامها

لتفضيل الزوج إحدى زوجاته على سائر نسائه أربعة أنواع هي:

النوع الأول ـ الميل القلبي:

وهو الميل بالمحبة لإحدى زوجاته، وهذا الضرب لا يملك أحد دفعه ولا الامتناع منه، وإنما الإنسان مضطر إلى ما جبل عليه منه، لأن المحبة وميل القلب ليس مقدورا للعبد، بل هو من الله تعالى لا يملكه العبد، ويدل عليه من القرآن الكريم قوله تعالى:{ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} بعد قوله { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} (الأنفال:63) ومثلها في الدلالة قوله تعالى:{ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (الأنفال:24)

وإليه الإشارة بقوله تعالى: { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ } (النساء:129)، فقد أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء وذلك في ميل الطبع بالمحبة، والحظ من القلب فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض، فالمنهي ليس هو الميل القلبي، وإنما هو أن { تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} (النساء:129)

ولكن مع ذلك لا يجوز أن يؤذيها بذكر محبته لضرتها لأن إذية المسلم حرام، ولأجل هذا الاعتبار فرض لكل زوجة من الزوجات بيتها الخاص حتى لا ترى أي أثرة عليها، وقد قيل في قوله تعالى:{ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ }(الأحزاب:51) أي ذلك أقرب ألا يحزن، إذا لم يجمع إحداهن مع الأخرى، ويعاين الأثرة والميل([10]).

وقد يقال هنا: أليس في هذا جورا عظيما على المرأة أن تكون في بيت رجل وهو يحب غيرها، وقد يتحذلق مثل هذا بقصائد من الخيال، وقد يأتي بدراسات مبنية على إحصائيات دقيقة، ولكن كل ذلك لا ينفع مع نظرة تبصر واحدة للواقع.

فلو ترك الأمر للحب وحده لخربت البيوت، فإن البيوت لا تقوم على الحب بقدر قيامها على الرحمة والشعور بالمسؤولية، ولنتصور أن للرجل أولادا من زوجته الأولى، ثم علق بغيرها فتزوجها، وكان حبه لها أكثر من حبه للأخرى، فنحن بين أمرين: إما أن نشرط عليه العدالة في هذه الناحية، فبالتالي لا يجد أمامه حلا إلا تطليق زوجته الأولى حتى لا يأتي يوم القيامة وشقه مائل، أو أن يحتفظ بالزوجة الأولى مع جميع حقوقها، فتنتفع ببقائها في كنفه مع أولادها، ولا حرج عليها من قلبه، فلا أثر لذلك في سلوكه معها.

ثم إن القلب بعد ذلك سريع التقلب، فقد يعود ميله لزوجه الأولى إذا عرفت كيف تتعامل مع الوضع الجديد بهدوء وسكينة وعقل، أما التحذلق بأنواع الخيال، ففيه خراب البيوت وتشريد الأولاد، وإفساد المجتمع.

النوع الثاني ـ الميل الجنسي:

اتفق الفقهاء على عدم اشتراط القسمة في المعاشرة الجنسية بين الزوجات لأن ذلك لا يكون إلا عن شهوة وميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك، فإن قلبه قد يميل إلى إحداهما دون الأخرى، قال ابن قدامة:(ولو وطىء زوجته ولم يطأ الأخرى، فليس بعاص، ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع، وهو مذهب مالك والشافعي، وذلك لأن الجماع طريقة الشهوة والميل ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك، فإن قلبه قد يميل إلى إحداهما دون الأخرى([11])

ومثل الجماع المباشرة ونحوها، قال ابن قدامة: ولا تجب التسوية بينهن في الاستمتاع بما دون الفرج من القبل واللمس ونحوهما لأنه إذا لم تجب التسوية في الجماع ففي دواعيه أولى([12])، والدليل على ذلك قول الله تعالى: { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } (النساء:129)وقد فسرت الآية بأنها في الحب والجماع.

واختلف الفقهاء في كون العدل في هذه الناحية مستحبا أم لا على قولين([13]):

القول الأول: أنه يستحب للزوج أن يسوي بين زوجاته في جميع الاستمتاعات من الوطء والقبلة ونحوهما، وهو قول الجمهور والإمامية، لأنه أكمل في العدل بينهن، وليحصنهن عن الاشتهاء للزنا والميل إلى الفاحشة،، لأنه أبلغ في العدل، وهو من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقسم بينهن فيعدل، وأنه كان يسوي بينهن حتى في القبل([14]).

القول الثاني: أن الزوج يترك هذه الناحية لطبيعته في كل حال، إلا إذا قصد الإضرار بإحدى الزوجات بعدم الوطء – سواء تضررت بالفعل أم لا – ككفه عن وطئها مع ميل طبعه إليها، وهو عندها لتتوفر لذته لزوجته الأخرى، فيجب عليه ترك الكف، لأنه إضرار لا يحل، وهو قول المالكية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أن هذه الناحية من العشرة الزوجية من أهم الحقوق التي تلزم عن الحياة الزوجية، وللتقصير فيها خطره سواء من الناحية النفسية أو الناحية الاجتماعية، فلذلك لا نرى القول بالاستحباب كافيا في مثل هذا، فكيف بما قال المالكية بترك ذلك للطبع، بل إن الوجوب هو الذي يليق بمثل هذه المسائل لنفي الضرر الذي يلحق الزوجة نفسيا، وقد يلحق بعدها المجتمع، لأن الغالب على الكثير من الناس الآن عدم اعتبار المستحب اكتفاء بفعل الواجبات.

ولذلك نرى وجوب رعاية الزوج لمثل هذه الناحية في حق زوجاته جميعا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيجب عليه لذلك إذا لم تتوفر داعية الطبع أن يوفرها، وإلا كان مقصرا في حق زوجته إلا إذا تسامحت لسبب من الأسباب ككبر ومرض في ذلك.

أما داعية القول بالوجوب، فإنه يكفي أن نتصور بيتا فيه ضرتان مثلا إحداهما محصنة والأخرى تجد الرغبة، ولكنه يحول بينها وبين تحقيقها طبع الزوج، فكيف يكون حال مثل هذا البيت؟وكيف يكون حال الزوجة؟ وهل هي زوجة، أم معلقة؟ وهل يكفي للوفاء بحقوق الزوجية أن ينفق عليها؟

ولكن مع ذلك لا تشترط التسوية التامة، بل يكفي حصول التحصين، والوفاء بحق الرغبة، وللمسألة مزيد تفصيل في الفصل الخاص بالمعاشر الجنسية.

النوع الثالث ـ الميل في النفقة:

اختلف الفقهاء فيما لو قام الزوج بالواجب من النفقة والكسوة لكل واحدة من زوجاته، هل يجوز له بعد ذلك أن يفضل إحداهن عن الأخرى في ذلك، أم يجب عليه أن يسوي بينهن في العطاء فيما زاد على الواجب كما وجبت عليه التسوية في أصل الواجب على قولين:

القول الأول: أن الزوج إن أقام لكل واحدة من زوجاته ما يجب لها، فلا حرج عليه أن يوسع على من شاء منهن بما شاء، وهو قول الشافعية والحنابلة، وهو الأظهر عند المالكية، بل نص الباجي على أن هذا الإيثار واجب، فليس للأخرى الاعتراض فيه، ولا للزوج الامتناع منه ولو امتنع الحكم به عليه([15]) لأن ذلك بحسب ما تستحقه كل واحدة منهما لأن لكل واحدة منهما نفقة مثلها ومؤنة مثلها ومسكن مثلها على قدر شرفها وجمالها وشبابها وسماحتها.

وفي العتبية ومن رواية ابن القاسم عن مالك أن ذلك له، فهذا الضرب من الإيثار ليس لمن وفيت حقها أن تمنع الزيادة لضرتها لا يجبر عليه الزوج وإنما له فعله إذا شاء([16]).

قال القرطبي:(قال مالك: ويعدل بينهن في النفقة والكسوة إذا كن معتدلات الحال ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب(وأجاز مالك أن يفضل إحداهما في الكسوة([17])

ونقل ابن قدامة عن أحمد في الرجل له امرأتان قال: له أن يفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والشهوات والكسوة إذا كانت الأخرى كفاية، ويشتري لهذه أرفع من ثوب هذه وتكون تلك في كفاية، وهذا لأن التسوية في هذا كله تشق، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج، فسقط وجوبه، كالتسوية في الوطء، لكنهم قالوا: إن الأولى أن يسوي الرجل بين زوجاته في ذلك، وعلل بعضهم ذلك بأنه للخروج من خلاف من أوجبه ([18]).

القول الثاني: يجب على الزوج التسوية بين الزوجات في النفقة، وهو قول للحنفية([19]) وقول للحنابلة، وكذا الكسوة([20])، وقال ابن نافع: يجب أن يعدل الزوج بين زوجاته فيما يعطي من ماله بعد إقامته لكل واحدة منهن ما يجب لها، ونص الحنفية على وجوب التسوية بين الزوجات في النفقة على قول من يرى أن النفقة تقدر بحسب حال الزوج، أما على قول من يرى أن النفقة تقدر بحسب حالهما فلا تجب التسوية وهو المفتى به، فلا تجب التسوية بين الزوجات في النفقة لأن إحداهما قد تكون غنية والأخرى فقيرة([21]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ـ حسبما ذكرنا في فصل النفقة ـ وجوب العدل في هذه الناحية، بل إن العدل لا يتجلى في شيء كما يتجلى فيها، فكيف يستقيم شرعا أو عقلا أن يتزوج رجل امرأتين إحداهما يلبسها الحرير ويطعمها الخمير، والأخرى يكسوها الوبر ويطعمها الشعير، ثم يعتبر مع ذلك عادلا بين زوجاته، لأن مبرره في هذا الجور العظيم، وهذه القسمة الظيزى أن الأولى كانت غنية ميسورة، والأخرى كانت فقيرة مسكينة،وكأن الغنى كتب على الأولى في بيت والدها وزوجها، وأن الفقر قد نحت في جبين الثانية حيثما حلت يحل معها الفقر.

فأي عقل أو شرع يقر هذا؟ وهل هناك جور أعظم من هذا؟ وليشتط بنا الخيال، لنرى المرأتين تجتمعان في وليمة من الولائم حيث تبرز النساء ما شئن من زينة، كيف يكون حال الزوجتين؟ وبماذا تشعر الزوجة الثانية؟ وماذا يقول الناس؟

إن تصور هذا وحده كاف للدلالة على عدم صحة هذا القول، وعلى أنه أقرب إلى الاعتبار المبالغ فيه للأعراف على حساب الشريعة، لأن السنة وردت بخلاف ذلك.

النوع الرابع ـ الميل في المبيت:

وهو أن يؤثر إحدى زوجاته بنفسه بأن يبيت عند إحداهما ولا يبيت عند الأخرى أو يكون مبيته عند إحداهما أكثر، فهذا النوع من التفضيل والميل لا يحل للزوج فعله إلا بإذن المؤثر لها، فإن فعله كان لها حق الاعتراض فيه والاستعداء عليه، ويتعلق بهذا النوع من الميل المسألتين التاليتين:

تنازل الزوجة عن حقها في القسمة:

اتفق الفقهاء على أنه للمرأة أن تهب حقها من القسمة لزوجها، أو لبعض ضرائرها، أو لهن جميعا، ولكن ذلك يتوقف على رضى الزوج، مراعاة لحقه في الاستمتاع بها، ولا عبرة بإباء الموهوبة قبول الهبة، لأن حق الزوج في الاستمتاع بها ثابت في كل وقت، فإذا زالت المزاحمة بهبتها، ثبت حقه في الاستمتاع بها.

ومن مقاصد هذا التشريع تضييق مسالك الطلاق، فقد تكون للرجل المرأة مع عدم رغبته فيها، وعدم قدرته لذلك على العدل بينها وبين غيرها، فهو بين أمرين إما أن يطلق، وفي ذلك من المفاسد ما فيه، وإما أن يمسكها، ولكنه يتضرر بعدم العدل، فجاء الشرع بهذا الحل الوسط الذي هو جعل الخيار للمرأة إما أن تصبر على الأثرة، بأن تهب بعض حقها لزوجها أو أن تختار الفراق.

وهذا الحل الواقعي أفضل الحلول، فقد تكون المرأة كبيرة أو لا حاجة لها في زوجها، ولها أولاد تحرص على مصلحتهم، فترضى بأن تبقى في كنف زوجها مع التقصير في حقها في البيتوتة، أما أي حل خلاف ذلك، فهو إما خيال يطير في الأبراج العاجية، أو تشريع تهدم به الأسر وتقوض به البيوت.

وقد جاءت لتشريع هذا الحكم لأهميته آية خاصة، قال تعالى: { وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتْ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}(النساء:128)، فهذه الآية نص في حل مثل هذا المشكل حلا يخدم الجميع، ويحفظ جميع المصالح، يقول سيد قطب:(فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة ؛ وأن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق – وهو أبغض الحلال إلى الله – أو إلى الإعراض، الذي يتركها كالمعلقة، لا هي زوجة ولا هي مطلقة، فليس هنالك حرج عليها ولا على زوجها، أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية أو فرائضها الحيوية،كأن تترك له جزءا أو كلا من نفقتها الواجبة عليه، أو أن تترك له قسمتها وليلتها، إن كانت له زوجة أخرى يؤثرها، وكانت هي قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها..هذا كله إذا رأت هي – بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها – أن ذلك خير لها وأكرم من طلاقها([22])

ومن صور تنازل المرأة عن حقها في القسمة أن تهب ليلتها لجميع ضرائرها، فيصير القسم بينهن على اعتبار عدم وجود الواهبة، أما إن وهبت ليلتها للزوج، فله الحق في جعلها لمن شاء من نسائه، وله جعلها للجميع، أو أن يجعل لبعضهن فيها أكثر من بعض، ولكن الشافعية نصوا على أنه ليس للزوج أن يجعل الليلة الموهوبة له حيث شاء من بقية الزوجات، بل يسوي بينهن ولا يخصص، لأن التخصيص يورث الوحشة والحقد، فتجعل الواهبة كالمعدومة، ونصوا كذلك على أن إحدى الزوجات لو وهبت ليلتها للزوج ولبعض الزوجات، أو له وللجميع، فإن حقها يقسم على الرءوس، كما لو وهب شخص عينا لجماعة، وما قالوه أوفق بالمقاصد الشرعية، وأحوط من حيث العدل من قول الجمهور.

ويصح رجوع الواهبة في ليلتها، لأنها هبة لم تقبض، وليس لها طلب قضاء ما مضى، لأنه بمنزلة المقبوض، ولو رجعت في بعض الليلة التي وهبتها وجب على الزوج أن ينتقل إليها، إلا إذا لم يعلم حتى أتم الليلة، فلا يقضي لها شيئا، لأن التفريط بسببها.

أما ما يتصالح عليه، فقد قال الجصاص مستندا إلى الآية السابقة: (وعموم الآية يقتضي جواز اصطلاحهما على ترك المهر والنفقة والقسم وسائر ما يجب لها بحق الزوجية، إلا أنه إنما يجوز لها إسقاط ما وجب من النفقة للماضي، فأما المستقبل فلا تصح البراءة منه، وكذلك لو أبرأت من الوطء لم يصح إبراؤها وكان لها المطالبة بحقها منه، وإنما يجوز بطيب نفسها بترك المطالبة بالنفقة وبالكون عندها، فأما أن تسقط ذلك في المستقبل بالبراءة منه فلا) ([23])

طلب التنازل عن القسمة بعوض:

اختلف الفقهاء في أخذ الزوجة المتنازلة عن قسمها عوضا على ذلك من أجل تنازلها على قولين:

القول الأول: أنه لا يجوز لها ذلك، لا من الزوج ولا من الضرائر، فإن أخذت لزمها رده واستحقت القضاء، وهو قول الجمهور، ومن الأدلة على ذلك:

  1. أن العوض لم يسلم لها.
  2. أن حقها في كون الزوج عندها، وهو ليس بمال، فلا يجوز مقابلته بمال، فإذا أخذت عليه مالا، لزمها رده، ووجب عليه قضاء ما غاب عنها
  3. أن مقام الزوج عندها ليس بمنفعة ملكتها.

القول الثاني: أنه يجوز ذلك إذا تراضى عليه الطرفان، وهو قول المالكية، وقول للحنابلة، فقد ذهب المالكية إلى أن أخذ العوض على ذلك جائز، فقالوا: جاز للزوج إيثار إحدى الضرتين على الأخرى برضاها، سواء كان ذلك بشيء تأخذه منه أو من ضرتها أو من غيرهما، أو لا، بل رضيت مجانا، وجاز للزوج أو الضرة شراء يومها منها بعوض، وتختص الضرة بما اشترت، ويخص الزوج من شاء بما اشترى، وعقب الدسوقي بقوله: وتسمية هذا شراء مسامحة، بل هذا إسقاط حق لأن المبيع لا بد أن يكون متمولا([24])، وقال ابن تيمية:(قياس المذهب جواز أخذ العوض عن سائر حقوقها من القسم وغيره ووقع في كلام القاضي ما يقتضي جوازه ([25])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو الجواز مطلقا بعض وغير عوض، وأن قياس مثل هذا على البيع ونحوه لا يصح، فللحياة الزوجية أحكامها الخاصة التي تختلف جذريا عن أنواع المعاوضات، فمبنى الحياة الزوجية عل المعاشرة بالمعروف بخلاف مبنى الحياة الاقتصادية التي تراعي الضبط والتدقيق والتحديد.

بل نرى مثل هذا التصرف مما قد يضفي نوعا من العشرة بالمعروف بين الزوجات، وهي مقصودة شرعا، ولهذا يمكن لإحدى الزوجات مثلا في حال مرضها أو حيضها أن تتنازل عن ليلتها بما تشاء من حظوظ نفسها سواء كان ذلك من زوجها أومن ضرائرها.

قال القرطبي:(قال علماؤنا: وفي هذا أن أنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة بأن يعطى الزوج على أن تصبر هي،أو تعطى هي على أن يؤثر الزوج، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة، أو يقع الصلح على الصبر والأثرة عطاء فهذا كله مباح، وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن يومها بشيء تعطيها كما فعل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ([26])

أما إذا كان المعوض عليه هو الرجل، وكان الطلب فاسدا، بأن جعلت له إحدى زوجاته مثلا جعلا على أن يزيدها في القسم يوما، ففعل، فإن ذلك لا يجوز بلا شك، بل هي رشوة، ومقتضاها حرام، لأنها تستلزم الميل المحرم، قال السرخسي:(وهذا بمنزلة الرشوة في الحكم وهو من السحت، فلهذا تسترد ما أعطت وعليه التسوية في القسم، وكذلك لو حطت له شيئا من المهر على هذا الشرط ([27])

ثالثا ـ أحوال الزوجين في القسمة

ويتعلق بهذا مسائل كثيرة، منها:

حق المريضة في القسمة:

اتفق الفقهاء على أنه لا يعتبر في القسمة للزوجات المرض والصحة، فلذلك يقسم للمريضة ولو كان مرضها تناسليا، ويقسم للحائض، والنفساء، والمحرمة، والصغيرة الممكن وطؤها، كما يقسم للصحيحة البالغة الطاهرة سواء بسواء، لأن القصد من القسمة الإيواء والسكن والأنس، وهو حاصل لهن، بل يجب عليه القسمة بالعدل ولو للمجنونة التي لا يخاف منها فإن خاف منها، لا يقسم لها، لأنه لا يأمنها على نفسه، ولا يحصل لها أنس به ولا يحصل له أنس بها، قال السرخسي:(المسلمة والكافرة والمراهقة والمجنونة والبالغة في استحقاق القسم سواء للمساواة بينهن في سبب هذا الحق وهو الحل الثابت بالنكاح فلا ينبغي أن يقيم عند إحداهن أكثر مما يقيم عند الأخرى، إلا أن تأذن له فيه) ([28])

حق الناشز في القسمة:

اتفق الفقهاء على أن الناشز لا حق لها في القسمة فلو قسم لإحدى زوجتيه، ثم جاء ليقسم للثانية، فمنعته من معاشرتها، فإنه يسقط حقها من القسمة. فإن عادت بعد ذلك إلى المطاوعة، استأنف القسم بينهما، ولم يقض للناشز، لأنها أسقطت حق نفسها.

وكذلك إن كان له أربع نسوة، فأقام عند ثلاث منهن ثلاثين ليلة، لزمه أن يقيم عند الرابعة عشرا، لتساويهن، فإن نشزت إحداهن عليه، وظلم واحدة فلم يقسم لها، وأقام عند الاثنتين ثلاثين ليلة، ثم أطاعته الناشز، وأراد القضاء للمظلومة، فإنه يقسم لها ثلاثا، وللناشز ليلة خمسة أدوار، فيكمل للمظلومة خمس عشرة ليلة، ويحصل للناشز خمس، ثم يستأنف القسم بين الجميع.

وإن كان له ثلاث نسوة، فقسم بين اثنتين ثلاثين ليلة، وظلم الثالثة، ثم تزوج جديدة، ثم أراد أن يقضي للمظلومة، فإنه يخص الجديدة بسبع إن كانت بكرا، وثلاث إن كانت ثيبا لحق العقد، ثم يقسم، بينها وبين المظلومة خمسة أدوار، على ما تقدم للمظلومة من كل دور ثلاثا، وواحدة للجديدة.

حق البعيدة في القسمة:

اتفق الفقهاء على أنه لا يسقط حق البعيدة في القسمة، فلو كان له زوجتان في بلدين، فعليه العدل بينهما، لأنه اختار المباعدة بينهما، فلا يسقط حقهما عنه بذلك، وهو مخير في ذلك بين أن يمضي إلى الغائبة في أيامها، وإما أن يقدمها إليه، ويجمع بينهما في بلد واحد، فإذا امتنعت من القدوم مع قدرتها على ذلك سقط حقها لنشوزها، ويجوز له أن يقسم بينهما في بلديهما، فيجعل المدة بحسب إمكانه، كشهر وشهر، أو أكثر، أو أقل، على حسب ما يمكنه، وعلى حسب تقارب البلدين وتباعدهما.

حق المسافرة في القسمة:

نص الفقهاء القائلون بوجوب قضاء حق المبيت، وهم الشافعية والحنابلة، على أن حكم القضاء للزوجة إن سافرت بعد رجوعها يتوقف على حسب إذنه وحاجتها كما يلي:

  1. إن سافرت بغير إذنه لحاجتها أو حاجته أو لغير ذلك فلا قسم لها، لأن القسم للأنس وقد امتنع بسبب من جهتها فسقط حقها في القسمة.
  2. إن سافرت بإذنه لغرضه أو حاجته فإنه يقضي لها ما فاتها بحسب ما أقام عند ضرتها، لأنها سافرت بإذنه ولغرضه، فهي كمن عنده وفي قبضته وهو المانع نفسه بإرسالها.
  3. أما إن سافرت بإذنه لغرضها أو حاجتها لا يقضي لها عند الحنابلة وفي الجديد عند الشافعية، لأنها فوتت حقه في الاستمتاع بها ولم تكن في قبضته، وإذنه لها بالسفر رافع للإثم خاصة.
  4. إن سافرت لحاجة ثالث – غيرها وغير الزوج – فهو كحاجة نفسها، وهذا إذا لم يكن خروجها بسؤال الزوج لها فيه، وإلا فيلحق بخروجها لحاجته بإذنه.
  5. إن سافرت وحدها بإذنه لحاجتهما معا لم يسقط حقها كما قال بعض الشافعية.

وللمسألة تفصيلها الخاص بلزوم القضاء وعدمه في المبحث الأخير من هذا الفصل.

حق المرأة الجديدة في القسمة:

اختلف الفقهاء في حكم المدة التي يقيم فيها الرجل مع زوجته الجديدة قبل أن يستأنف الدور([29]) على قولين:

القول الأول: لا يجوز أن يخص الجديدة بأكثر من حقها، فلا فضل للجديدة في القسمة، فإن أقام عندها شيئا قضاه للباقيات، وهو قول الحكم وحمادوالحنفية، لأنه فضلها بمدة، فوجب قضاؤها، كما لو أقام عند الثيب سبعا، واستدلوا على ذلك بما ورد من الأمر بالعدل بين الزوجات من نصوص عامة، أما النصوص الخاصة، فقد أولها الطحاوي كما يلي، قال:(فإن قيل:ما معنى قول أدور؟ قيل لهم يحتمل: أدور بالثلاث عليهن جميعا لأنه لو كانت الثلاث حقا لها دون سائر النساء لكان إذا أقام عندها سبعا كانت ثلاث محسوبة عليها، ولوجب أن يكون لسائر النساء أربع أربع فلما كان الذي للنساء إذا أقام عندها سبعا سبعا لكل واحدة منهن، كان كذلك إذا أقام عندها ثلاثا لكل واحدة منهن ثلاث ثلاث هذا هو النظر الصحيح مع استقامة تأويل هذه الآثار عليه، وهو قول أبي حنيفة أبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين([30]) (

وقد فسر ابن نجيم بعد إيراده لأحاديث الباب:(فالمراد التفضيل في البداءة بالجديدة دون الزيادة، ولا شك أن الأحاديث محتملة، فلم تكن قطعية الدلالة، فوجب تقديم الدليل القطعي، والأحاديث المطلقة وحينئذ فلا معنى لتردده)([31])

القول الثاني: أن له أن يقيم مدة مع زوجته الجديدة قبل أن يستأنف القسمة، وهو قول الجمهور، وقد اختلفوا في تعيين المدة على الرأيين التاليين:

الرأي الأول: أن للبكر ثلاثا وللثيب ليلتين، وقد روي عن سعيد بن المسيب والحسن وخلاس بن عمرو، ونافع مولى ابن عمر، وبنحوه قال الأوزاعي، واستدلوا على ذلك بما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(للبكر ثلاث) ([32])، وبما روي عن أنس بن مالك أنه قال: للبكر ثلاث، وللثيب ليلتان، وري مثله عن الحسن البصري وسعيد بن المسيب([33]).

الرأي الثاني: أن عليه أن يقيم عندها سبع ليال إن كانت بكرا، وثلاثا إن كانت ثيبا، دون أن يقضي ذلك للباقيات، إلا أن تشاء الثيب أن يقيم عندها سبعا، فإنه يقيمها عندها، ويقضي الجميع للباقيات، وقد روي هذا القول عن أنس، وبه قال الشعبي والنخعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد، وابن المنذر، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. عن أنس قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعا وقسم، وإذا تزوج الثيب، أقام عندها ثلاثا، ثم قسم. قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: أن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ([34]).
  2. عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما تزوج أم سلمة، أقام عندها ثلاثا، وقال: ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي، وفي لفظ: (وإن شئت ثلثت ثم درت). وفي لفظ: (وإن شئت زدتك، ثم حاسبتك به، للبكر سبع، وللثيب ثلاث)، وفي لفظ للدارقطني: (إن شئت أقمت عندك ثلاثا خالصة لك، وإن شئت سبعت لك، ثم سبعت لنسائي) ([35])، قال ابن عبد البر:(الأحاديث المرفوعة في هذا الباب على ما قلناه، وليس مع من خالفنا حديث مرفوع، والحجة مع من أدلى بالسنة) ([36])

وعماد القسمة الليل، ولذلك له الخروج نهارا لمعاشه، وقضاء حقوق الناس، وإن تعذر عليه المقام عندها ليلا، أو ترك ذلك لغير عذر، قضاه لها، وله الخروج لصلاة الجماعة، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يترك الجماعة لذلك، ويخرج لما لا بد له منه، فإن أطال قضاه، وإن كان يسيرا فلا قضاء عليه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما صرحت به النصوص من الترخيص في القسمة للجديدة رعاية لمشاعرها، وحتى تتأقلم مع الحياة الجديدة، وليس في ذلك أي جور على الأخريات لأن العدل والجور بتقدير الشرع لا بتقديرنا، وقد اشتد ابن حزم على الحنفية القائلين بعدم التحديد للجديدة، فقال:(الذي قال هذا القول هو الذي حكم للبكر بسبع زائدة، وللثيب بثلاث زائدة، ولا يحل لأحد أن يترك قولا له صلى الله عليه وآله وسلم لقول له آخر ما دام يمكن استعمالها جميعا، بأن يضم بعضها إلى بعض، أو بأن يستثني بعضها من بعض، ومن تعدى هذا فهو عاص لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ([37])

وقد ذكر ابن العربي الحكمة من هذا التقسيم للجديدة، والتفريق بين البكر والثيب في ذلك، فقال:(هذا لا يقتضيه قياس إذ لا نظير له يشبه به ولا أصل يرجع إليه، والعلماء يقولون: حكمة ذلك النظر إلى تحصيل الألفة والمؤانسة، وأن يستوفي الزوج لذته فإن لكل جديد لذة، ولما كانت البكر حديثة عهد بالرجل وحديثة بالاستصعاب والنفار لا تلين إلا بجهد، شرعت لها الزيادة على الثيب، لأنه ينفي نفارها ويسكن روعها، بخلاف الثيب فإنها مارست الرجال، فإنما يحتاج مع هذا الحدث دون ما تحتاج إليه البكر ([38])

بل نرى أن هذا الحق لا يتوقف على المرأة التي لها ضرات، بل هو حق مطلق، وقد اختلف الفقهاء في هذا على قولين:

القول الأول: أنه حق للمرأة مطلقا، قال ابن عبر البر: جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف سواء كان عنده زوجه أم لا لعموم الحديث إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا لم يخص من لم يكن له زوجه، قال النووي:(والأول أقوى، وهو المختار لعموم الحديث)([39])

القول الثاني: أنه مختص بمن له نساء أخريات، وهو قول بعض المحدثين، وقد رجح القاضي هذا القول وبه جزم البغوى، لأن من لا زوجة له فهو مقيم مع هذه كل دهره مؤنس لها متمتع بها مستمتعة به بلا قاطع بخلاف من له زوجات فله جعلت هذه الأيام للجديدة تأنيسا لها متصلا لتستقر عشرتها له وتذهب حشمتها ووحشتها منه ويقضى كل واحد منهما لذته من صاحبه ولا ينقطع بالدوران على غيرها.

رابعا ـ أحوال الزوج في القسمة

نص الفقهاء على أن القسم للزوجات مستحق على كل زوج بدون تفريق بين حر وعبد، وصحيح ومريض، وفحل وخصي ومجبوب، وبالغ ومراهق ومميز يمكنه في الوطء، وعاقل ومجنون يؤمن من ضرره، وفي بعض هؤلاء تفاصيل خاصة نوردها فيما يلي:

قسمة الصبي:

نص الفقهاء على أن الزوج الصبي المراهق أو المميز الذي يمكنه الوطء يستحق عليه القسم، لأنه لحق الزوجات، وحقوق العباد تتوجه على الصبي عند تقرر السبب، وعلى وليه إطافته على زوجاته، والإثم على الولي إن لم يطف به عليهن أو جار الصبي أو قصر وعلم بذلك.

قسمة المريض:

اتفق الفقهاء على وجوب القسمة بين الزوجات من غير مراعاة في ذلك لصحة الزوج أو الزوجة فيقسم المريض والمجبوب والعنين والخنثى، واستدلوا على ذلك بأن وجوب القسم والعدل للصحبة والمؤانسة دون المجامعة، وحال هؤلاء في هذا كحال الرجل العادي.

واختلفوا فيما لو شق على المريض الطواف بنفسه على زوجاته على الأقوال التالية:

القول الأول: إذا كان لا يقدر على التحول إلى بيت الأخرى، فإنه يمكث عندها حتى إذا صح ذهب عند الأخرى بقدر ما أقام عند الأولى مريضا، وهو قول الحنفية.

القول الثاني: إذا لم يستطع الزوج الطواف بنفسه على زوجاته لشدة مرضه أقام عند من شاء الإقامة عندها، أي لرفقها به في تمريضه، لا لميله إليها فتمتنع الإقامة عندها، ثم إذا صح ابتدأ القسم، وهو قول المالكية.

القول الثالث: من بات عند بعض نسوته بقرعة أو غيرها لزمه – ولو عنينا ومجبوبا ومريضا – المبيت عند من بقي منهن، وهو قول الشافعية، ومن الأدلة على ذلك:

  1. عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط)([40])
  2. أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم بين نسائه ويطاف به عليهن في مرضه.
  3. أن العذر والمرض لا يسقط القسم.

القول الرابع: إن شق على الزوج المريض القسم استأذن أزواجه أن يكون عند إحداهن، فإن لم يأذن له أن يقيم عند إحداهن أقام عند من تعينها القرعة أو اعتزلهن جميعا إن أحب ذلك تعديلا بينهن.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة إمكانية الأخذ بالحلول التالية على الترتيب:

  1. أن يخصص بيتا خاصا إن أمكنه، بحيث تبيت عنده كل ليلة إحدى زوجاته.
  2. أن يستأذن زوجاته في المقام عند إحداهن لتمريضه، ولمشقة الانتقال من بيت إلى بيت.
  3. إن لم يأذن له في ذلك، وكان مرضه يحتاج إلى رعاية خاصة، أو أن حالته الصحية تستدعي وجوده مع امرأة بعينها، فإن له أن يقيم عندها لهذه الضرورة، ولا نرى أن يقضي بعد ذلك لنسائه، لأن البيتوتة حال المرض لا تشبه البيتوتة في الصحة، فلذلك تتضرر من مرضته بذهاب حقها من القسمة.

قسمة المجنون:

ذهب الفقهاء إلى أن المجنون الذي أطبق جنونه لا قسم عليه، لأنه غير مكلف، لكن القسم المستحق عليه لزوجاته يطالب به – في الجملة – وليه، على التفصيل التالي:

القول الأول: يجب على ولي المجنون إطافته على زوجتيه أو زوجاته، كما يجب عليه نفقتهن وكسوتهن، لأنه من الأمور البدنية التي يتولى استيفاءها له أو التمكين حتى تستوفى منه كالقصاص، فهو من باب خطاب الوضع، وهو قول المالكية.

القول الثاني: لا يلزم الولي الطواف بالمجنون على زوجاته، أمن منه الضرر أم لا، إلا إن طولب بقضاء قسم وقع منه فيلزمه الطواف به عليهن قضاء لحقهن كقضاء الدين، وذلك إذا أمن ضرره، فإن لم يطالب فلا يلزمه ذلك، لأن لهن التأخير إلى إفاقته لتتم المؤانسة، ويلزم الولي الطواف به إن كان الجماع ينفعه بقول أهل الخبرة، أو مال إليه، فإن ضره الجماع وجب على وليه منعه منه، فإن تقطع الجنون وانضبط كيوم ويوم، فأيام الجنون كالغيبة فتطرح ويقسم أيام إفاقته، وإن لم ينضبط جنونه وأباته الولي في الجنون مع واحدة وأفاق في نوبة الأخرى قضى ما جرى في الجنون لنقصه، هو قول الشافعية.

القول الثالث: المجنون المأمون الذي له زوجتان فأكثر يطوف به وليه وجوبا عليهن، لحصول الأنس به، فإن خيف منه لكونه غير مأمون فلا قسم عليه لأنه لا يحصل منه أنس لهن، فإن لم يعدل الولي في القسم ثم أفاق الزوج من جنونه قضى للمظلومة ما فاتها استدراكا لظلامته، لأنه حق ثبت في ذمته فلزمه إيفاؤه حال الإفاقة كالمال، وهو قول الحنابلة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح هو أن حكم ذلك يختلف باختلاف نوع الجنون وحال المجنون، فمن الجنون ما هو أقرب إلى العقل، فيكون له بذلك حظ من التكليف بقدر عقله،، ومنه ما لا يمكن تكليفه بشيء، ومن الصعوبة الحكم في هذه المسائل حكما عاما.

ونرى كذلك إن كان الجنون دائما أن يكتفى للمجنون بزوجة واحدة، لارتباط التعدد بالعدل، وافتقار المجنون للتكليف، والعدل لا يقيمه غير المكلف.

قسمة المسافر:

إذا أراد الزوج سفرا، فأحب حمل نسائه معه كلهن، أو تركهن كلهن، صح ذلك دون قرعة، أما إن أراد تعيين واحدة منهن أو اثنتين، فقد اختلف الفقهاء في كيفية الاختيار على قولين([41]):

القول الأول: أن له الاختيار بينهن من غير قرعة، وهو قول الحنفية، وقول للمالكية([42])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أنه لا حق للمرأة في القسم عند سفر الزوج، لأن له أن يسافر ولا يستصحب واحدة منهن، فليس عليه التسوية بينهن في حالة السفر.
  2. أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان يفعل ذلك تطبيبا لقلوبهن ونفيا لتهمة الميل عن نفسه، قال الطحاوي:(أجمع المسلمون أن للرجل أن يسافر إلى حيث أحب، وإن طال سفره ذلك، وليس معه أحد من نسائه، وأن حكم القسم، يرتفع عنه بسفره، فلما كان ذلك كذلك، كانت قرعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين نسائه، في وقت احتياجه إلى الخروج بإحداهن لتطيب نفس من لا يخرج بها منهن، وليعلم أنه لم يحاب التي خرج بها عليهن، لأنه لما كان له أن يخرج ويخلفهن جميعا، كان له أن يخرج ويخلف من شاء منهن. فثبت بما ذكرنا أن القرعة إنما تستعمل فيما يسع تركها، وفيما له أن يمضيه بغيرها([43])
  3. أن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من غيرها فلو خرجت القرعة للتي لا نفع بها في السفر لأضر بحال الرجل، وكذا بالعكس قد يكون بعض النساء أقوم ببيت الرجل من الأخرى، وقال القرطبي:(ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف أحوال النساء، وتختص بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا تخرج واحدة معه فيكون ترجيحا بغير مرجح)([44])

القول الثاني: لا يجوز له السفر ببعضهن إلا بعد إجراء قرعة بينهن([45])، فإذا سافر بإحداهن بغير قرعة أثم، وقضى لغيرها بعد سفره، وهو قول جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أراد سفرا، أقرع بين نسائه، وأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه([46]).
  2. أن في المسافرة ببعضهن من غير قرعة تفضيلا لها، وميلا إليها، فلم يجز بغير قرعة كالبداية بها في القسم.
  3. أنهم اتفقوا على أن مدة السفر لا يحاسب بها المقيمة، بل يبتدئ إذا رجع بالقسم فيما يستقبل، فلو سافر بمن شاء بغير قرعة، فقدم بعضهن في القسم للزم منه إذا رجع أن يوفي من تخلفت حقها، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن ذلك لا يجب، فظهر أن للقرعة فائدة، وهي أن لا يؤثر بعضهن بالتشهي لما يترتب على ذلك من ترك العدل بينهن([47]).

فإن أحب المسافرة بأكثر من واحدة، أقرع أيضا لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه، ويجب عليه أن يسوي بينهن كما يسوي بينهن في الحضر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح هو النظر إلى المسألة من جهتين ترتبطان بمصالح الزوجين، ولا يحصل بهما الضرر لكليهما، ويمكن بهما الجمع بين محاسن القولين:

أولا ـ إذا كانت حاجته لإحداهن في سفره، أو لتواجدها في بيته أكثر من حاجته لغيرها، فإن الأولى هو خضوع الأمر لهذه الحاجة بشرط عدم تدخل الميل المحرم في ذلك، وقد قال ابن القاسم بعد عرضه لرأي مالك في المسألة:(أما رأيي فذلك كله عندي سواء الغزو وغيره يخرج بأيهن شاء إلا أن يكون خروجه بإحداهن على وجه الميل لها على من معها من نسائه، ألا ترى أن الرجل قد تكون له المرأة ذات الولد وذات الشرف وهي صاحبة ماله ومدبرة ضيعته، فإن خرج بها فأصابها السهم ضاع ذلك من ماله وولده ودخل عليه في ذلك ضرر، ولعل معها من ليس لها ذلك القدر ولا تلك الثقة، وإنما يسافر بها لخفة مؤنتها ولقلة منفعتها فيما يخلفها له من ضيعته وأمره وحاجته إليها وفي قيامها عليه فما كان من ذلك على غير ضرر ولا ميل فلا أرى بذلك بأسا([48]) (، وهي نظرة مقاصدية معتبرة، ولكنها تختلف من حيث نوع النظر إلى المصلحة باختلاف الأحوال والعصور.

ثانيا ـ إن لم توجد أي مصلحة تستدعي سفر إحداهن، فإن الأرجح هو الالتجاء إلى القرعة، بل نراه أصلا في حل كثير من المشاكل التي تستوي فيها الأطراف، ولا يمكن الجمع بين مصالح الجميع، لأن الزوج المسافر بين ثلاثة أمور: أن يسافر بهن جميعا، ولا طاقة له بذلك، أو في ذلك ـ حال توفر الطاقة ـ مشقة شديدة عليه، والشرع إنما جاء برفع الحرج، أو أن يتركهن جميعا، وفي ذلك مفاسد كثيرة، فقد يتضرر بفراقهن ضررا شديدا، فلم يبق إلا أن يسافر بإحداهن، فإن اجتمعن على الإذن له بواحدة منهن، فإن لهن ذلك إن رضي وإلا كانت القرعة هي الحل الأوحد لمثل هذه الحالة، لأن سفره ببعضهن من غير رضاهن نوع من الميل والاستئثار الذي يترك أثره في نفس المؤثر عليها، بخلاف القرعة، فإنها تسلم لها، وترضى بها، لأن الأذى الذي يصيبها ليس عدم سفرها مع زوجها بقدر ما هو إيثار غيرها عليها.

وقد استنبط الشافعي مما ذكر الله تعالى من القرعة في القرآن الكريم من مواضع القرعة الأصل الجامع لذلك، وطبقه عل هذه الحالة، فقد ذكر الله تعالى القرعة في القرآن الكريم في موضعين:

  1. قال الله تعالى:{ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ(139)إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ(140)فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ}(الصافات:141) فقد وقف الفلك بالذين ركب معهم يونس، فقالوا: إنما وقف لراكب فيه لا نعرفه فيقرع فأيكم خرج سهمه ألقي فخرج سهم يونس، فألقي فالتقمه الحوت، ثم تداركه بعفوه تعالى.
  2. قوله تعالى:{ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}(آل عمران:44)، فلا يعدو الملقون لأقلامهم يقترعون عليها أن يكونوا سواء في كفالتها، لأنه إنما يقارع من يدلي بحق فيما يقارع ولا يعدون إذا كان أرفق بها وأجمل في أمرها أن تكون عند واحد لا يتداولها كلهم مدة مدة.

قال الشافعي:(فلما كان المعروف لنساء الرافق بالنساء أن يخرج بواحدة منهن، فهن في مثل هذا المعنى ذوات الحق كلهن، فإذا خرج سهم واحدة كان السفر لها دونهن، وكان هذا في معنى القرعة في مريم وقرعة يونس حين استوت الحقوق، أقرع لتنفرد واحدة دون الجميع)([49])

أما اعتبار القرعة أصلا في هذا ومثله، فقد وردت القرعة في الشرع في ثلاثة مواطن، منها هذا الموطن فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، والثاني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع إليه أن رجلا أعتق في مرض موته ستة أعبد لا مال له غيرهم، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، والثالث أن رجلين اختصما إليه في مواريث درست، فقال: اذهبا وتوخيا الحق واستهما، وليحلل كل واحد منكما صاحبه.

ففي هذه المواطن الثلاث جرت القرعة فيها لرفع الإشكال وحسم داء التشهي، لأن السفر بجميعهن لا يمكن، واختيار واحدة منهن إيثار، وكذلك الأعبد الستة فإن كل اثنين منهم ثلث، وهو القدر الذي يجوز له فيه العتق في مرض الموت، وتعيينهما بالتشهي لا يجوز شرعا، فلم يبق إلا القرعة، ومثلهما التشاجر إذا وقع في أعيان المواريث لم يميز الحق إلا القرعة، فصارت أصلا في تعيين المستحق إذا أشكل. قال ابن العربي:(والحق عندي أن تجري في كل مشكل، فذلك أبين لها، وأقوى لفصل الحكم فيها، وأجلى لرفع الإشكال عنها) ([50])

ومن هذا الباب ما لو أهدي له شيء خاص بالنسوة، ولم تعين صاحبته من النساء، فإن الحل الوحيد لذلك هو إجراء قرعة على من تسلم لها تلك الهدية، لما في إيثار إحداهن دون غيرها من المفاسد.

حكم القضاء بعد الرجوع من السفر:

اختلف الفقهاء في إلزام من سافر ببعض زوجاته بالقضاء للحاضرات بعد قدومه على قولين:

القول الأول: لا يلزمه القضاء لهن، وهو قول جمهور العلماء([51])، واستدلوا على ذلك بأن المسافر بها يلحقها من مشقة السفر بقدر ما لها من السكن، فلذلك لا يحصل لها من السكن مثل ما يحصل في الحضر، فلو قضي للحاضرات، لكان قد مال على المسافرة كل الميل.

القول الثاني: وجوب القضاء عليه للحاضرات من النساء، وهو قول داود الظاهري، واستدل على ذلك بقول الله تعالى: { فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}(النساء:129)

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن استحقاق الحاضرات للقضاء يختلف باختلاف نوع السفر، فإن كان السفر سياحيا مثلا، فإن الواجب هو القضاء، لأن تواجد الزوج مع زوجته مستغرق جميع الأوقات، وهي أهنأ وأسكن في هذه الحالة من تواجدها في بيتها، ثم إن السفر في عصرنا يختلف عن السفر في ما مضى، فقد أصبح من وسائل المتعة، وليس فيه من المشقة ما كان فيما مضى، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فلذلك استحق غيرها حقهن من القسمة في بيوتهن مثل استحقاقها.

أما لو كان السفر سفر عمل، بحيث انشغل فيه الزوج عن أهله، فإنه لا يجب عليه القضاء، وعلى هذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن أسفاره كلها كانت من النوع الثاني، فلا يصح الاستدلال بها على النوع الأول.

وقد أشار إلى هذا التفريق ابن حجر في قوله:(ولا يخفى أن محل الإطلاق في ترك القضاء في السفر ما دام اسم السفر موجودا، فلو سافر إلى بلدة فأقام بها زمانا طويلا، ثم سافر راجعا، فعليه قضاء مدة الإقامة، وفي مدة الرجوع خلاف عند الشافعية، والمعنى في سقوط القضاء أن التي سافرت وفازت بالصحبة لحقها من تعب السفر ومشقته ما يقابل ذلك والمقيمة عكسها في الأمرين معا)([52])

خامسا ـ القسمة العادلة بين الزوجات وضوابطها

ذكر الفقهاء بناء على الاحتياط من الوقوع في الميل المحرم، كثيرا من التفاصيل المتعلقة بكيفية القسمة العادلة، وما يراعى فيها، وقد لخصنا الكثير من مجامع تلك المسائل في أن القسمة محددة زمانا ومكانا، فالزوج في حال القسمة مرتبط بهذين القيدين، وتفاصيل أحكامهما في ما يلي:

1 ـ زمان القسمة

يتعلق بهذا القيد من قيود القسمة العادلة المسائل التالية:

مدة القسمة:

نص الفقهاء على أن أقل مدة القسمة لمن عمله نهارا ليلة، فلا يجوز ببعضها لما في التبعيض من تشويش العيش وتنغيصه، إلا أن ترضى الزوجات بذلك، واختلفوا في أكثر مدة القسم، أي أطول مدة زمنية للنوبة الواحدة من القسم على الأقوال التالية:

القول الأول: للرجل أن يقدر المدة التي يقيمها عند إحداهن، بشرط أن لا تزيد على أربعة أشهر، وهي مدة الإيلاء، والأفضل أن يقسم الزوج بينهن بما يزيل الوحشة بحيث لا يتركها مدة تتألم فيها، وهو قول الحنفية، وهو وجه شاذ عند الشافعية([53]).

القول الثاني: الأصل في القسمة بين الزوجات أن يقسم بينهن ليلة ليلة، ولا يجوز له الزيادة على ذلك إلا برضاهن، أو يكن في بلاد متباعدة فيقسم الجمعة أو الشهر على حسب ما يمكنه بحيث لا يناله ضرر لقلة المدة، وهو قول المالكية والحنابلة في المعتمد عندهم، قال الشافعية:(ويجوز أن يقسم ليلة ليلة وليلتين ليلتين وثلاثا ثلاثا، ولا يجوز أقل من ليلة، ولا يجوز الزياة على الثلاثة الا برضاهن(،قال النووي:هذا هو الصحيح في مذهبنا وفيه أوجه ضعيفة)([54])

القول الثالث:: الأصل في القسمة بين الزوجات أن يقسم بينهن ليلة وليلة، فما زاد إلى سبع لكل واحدة، ولا يجوز له أن يزيد على سبع، وهو قول ابن حزم([55]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن ذلك يخضع لرضى الجميع سواء الزوج أو زوجاته، لعدم ورود دليل يحدد مدة القسمة لكل واحدة من الزوجات، وأن ذلك أيضا يختلف باختلاف عدد الزوجات، فمن له زوجتان ليس كمن له أربع، لأنه كلما كثرت النسوة طالت المدة الفاصلة بين النوبتين وحصل الضرر، فلذلك كان الأفضل هو ما ورد في فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقسم بينهن ليلة ليلة.

وقت القسمة:

اتفق الفقهاء على أن الأصل في القسم في الحالة العادية الليل، ومن الأدلة على ذلك:

  1. أن التسوية الواجبة في القسم تكون في البيتوتة.
  2. أن الليل للسكن والإيواء، يأوي فيه الرجل إلى منزله، ويسكن إلى أهله، وينام في فراشه مع زوجته عادة، والنهار وقت العمل لكسب الرزق والانتشار في الأرض طلبا للمعاش، كما قال الله تعالى: { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا(10)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} (النبأ:10ـ11)، وقال تعالى: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُون} (يونس:67)

واتفقوا على أنه يدخل في القسمة النهار تبعا لليل، وإن أحب الزوج أن يجعل النهار في القسم لزوجاته مضافا إلى الليل الذي بعده جاز له ذلك، لأنه لا يتفاوت، والغرض العدل بين الزوجات وهو حاصل بذلك.

وقد نص الفقهاء على أن هذا التقسيم جار على الحالة العادية، أما في الحالة غير العادية، فهو كما قال الشافعي:(إنما القسم على المبيت كيف كان المبيت)، ولهذا، فمن عمله الليل، وكان النهار سكنه كالحارس ونحوه يكون النهار، لأنه وقت سكونه، وأما الليل فإنه وقت عمله، ومثله القسم للمسافر، فإنه وقت نزوله، لأنه وقت خلوته ليلا كان أو نهارا، قل أو كثر، وإن تفاوت حصل لواحدة نصف يوم ولأخرى ربع يوم، فلو كانت خلوته وقت السير دون وقت النزول – كأن كان بمحفة وحالة النزول يكون مع الجماعة في نحو خيمة – كان هو وقت القسم.

وقت بدء القسمة:

اختلف الفقهاء في الوقت الذي يبدأ فيه الزوج القسم بين زوجاته، وفيما يكون به الابتداء على قولين:

القول الأول: أن البدء في القسم ملك الزوج، وهو قول الحنفية والمالكية، وهو مقابل الصحيح عند الشافعية، ونص المالكية على أنه يندب الابتداء في القسم بالليل، لأنه وقت الإيواء للزوجات، ويقيم القادم من سفر نهارا عند أيتهن أحب ولا يحسب، ويستأنف القسم بالليل لأنه المقصود، ويستحب أن ينزل عند التي خرج من عندها ليكمل لها يومها.

القول الثاني: وجوب القرعة على الزوج بين الزوجات للابتداء إن تنازعن فيه، وليس له إذا أراد الشروع في القسم البدء بإحداهن إلا بقرعة([56]) أو برضاهن، وهو قول الشافعية – في الصحيح عندهم – والحنابلة، ومن الأدلة على ذلك:

  1. أن البدء بإحداهن تفضيل لها على غيرها، والتسوية بينهن واجبة.
  2. أنهن متساويات في الحق، ولا يمكن الجمع بينهن، فوجب المصير إلى القرعة إن لم يرضين.

وقالوا: للزوج أن يرتب القسم على ليلة ويوم قبلها أو بعدها، لأن المقصود حاصل بكل ولا يتفاوت، لكن تقديم الليل أولى، لأن النهار تابع لليل وللخروج من خلاف من عينه.

حكم قضاء ما فات من حق الزوجة:

اختلف الفقهاء فيما لو جار الزوج وفوت على إحداهن قسمها([57])، هل يجب عليه قضاء ما فات من القسم أم لا على قولين:

القول الأول: لا يقضي الزوج المبيت الذي كان مستحقا لإحدى زوجاته ولم يوفه لها، وهو قول الحنفية والمالكية، ومن الأدلة على ذلك:

القول الثاني: على الزوج أن يقضي ما فات من القسم للزوجة إذا لم يكن ذلك بسبب من جانبها كنشوزها أو إغلاقها بابها دونه ومنعها إياه من الدخول عليها في نوبتها، وهو قول الشافعية والحنابلة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على الأخذ بالأحوط في مثل هذه المسائل، والحق في الشريعة لا يسقط بمضي زمانه.

وقد نص الفقهاء القائلون بوجوب القضاء على أن للقضاء طرقا مختلفة يخير الزوج في اختيار طريقة منها للتعويض عن قسمتها، وهذه الطرق هي:

  1. أن يجعل قضاءه لذلك غيبته عن الأخرى، مثل ما غاب عن هذه، لأن التسوية تحصل بذلك، ولأنه إذا جاز له ترك الليلة بكمالها في حق كل واحدة منهما، فبعضها أولى.
  2. أن يقضي لها الوقت الذي غاب عنها فيه ويستحب أن يقضي لها في مثل ذلك الوقت، لأنه أبلغ في المماثلة، والقضاء تعتبر المماثلة فيه، كقضاء العبادات والحقوق، وقد اختلف فيما لو فاتها أول الليل، فقضاه في آخره، أو من آخره، فقضاه في أوله، فقيل بالجواز، لأنه قد قضى قدر ما فاته من الليل، وقيل بعدم الجواز لعدم المماثلة.
  3. لا يصح قضاؤه ليلة الأخرى، لئلا يفوت حق الأخرى، فتحتاج إلى قضاء، فلذلك له أن ينفرد بنفسه في ليلة، فيقضي منها، وإما أن يقسم ليلة بينهن بحسب ما فاتها مثل أن يترك من ليلة إحداهما ساعتين، فيقضي لها من ليلة الأخرى ساعة واحدة، فيصير الفائت على كل واحدة منهما ساعة.

2 ـ محل القسمة

لا يخلو محل القسمة بين أن الزوجات من ثلاثة أحوال:

وتفصيل هذه الحالات الثلاثة في المسائل التالية:

حكم اختصاص الزوجة بسكن خاص:

اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز الجمع بين امرأتين في مسكن واحد، لأن ذلك ليس من المعاشرة بالمعروف، ولأنه يؤدي إلى الخصومة التي نهى الشارع عنها، قال الكاساني: (لو أراد الزوج أن يسكنها مع ضرتها أو مع أحمائها، كأم الزوج وأخته وبنته من غيرها وأقاربه فأبت ذلك، عليه أن يسكنها في منزل مفرد، لأنهن ربما يؤذينها ويضررن بها في المساكنة وإباؤها دليل الأذى والضرر، ولأنه يحتاج إلى أن يجامعها ويعاشرها في أي وقت يتفق ولا يمكنه ذلك إذا كان معهما ثالث) ([58])

وأما الجمع بينهما في دار لكل واحدة من الزوجتين بيت فيها فذهب إلى جواز ذلك جمهور الفقهاء، بشرط أن يكون لكل بيت مرافقه الخاصة به، وغلق يغلق به، ولا يشترط رضاهما في الجمع بينهما([59]).

فقد نص المالكية على جوز جمع الرجل بين المرأتين في دار واحدة بشرطين:

  1. أن يكون لكل واحدة منهما منزل مستقل بمرافقه ومنافعه من كنيف ومطبخ ونحو ذلك مما يحتاج إليه.
  2. أن يرضيا بذلك، ولا فرق بين الزوجتين والثلاثة فأكثر، فإن لم يرضيا بذلك فإنه لا يجوز له أن يجمع بينهما في منزلين من دار واحدة، بل يلزمه أن يفرد كل واحدة بدار ولا يلزمه أن يبعد ما بينهما([60]).

وقد اختلف الفقهاء في هذا الحكم هل هو حق خالص للمرأة يسقط برضاها، أم أنه واجب شرعي على قولين:

القول الأول: إن منع الجمع بين امرأتين في مسكن واحد حق خالص لهما فيسقط برضاهما، وهو قول الجمهور.

القول الثاني: أن هذا الحق لا يسقط ولو رضيت الزوجة به، وهو قول ابن عبد السلام من المالكية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو الجمع بين القولين، مع وضع كل قول لحالة خاصة، ففي الحالة العادية، يكون هذا حقا للمرأة يجوز أن تتنازل عنه، فتسكن مع ضراتها مسكنا واحدا، أما إذا خشي الزوج الفتنة بين ضراته فإن هذا لا يصير حقا قد يتنازلن عنه، بل يصبح واجبا لعدم استقامة الحياة الزوجية بدونه.

حكم المعاشرة الجنسية للزوجتين في مسكن واحد:

اتفق الفقهاء على حرمة معاشرة الرجل لإحدى زوجتيه جنسيا بحيث ترى الأخرى ذلك، قال ابن نجيم: (لو اجتمعت الضرائر في مسكن واحد بالرضا يكره أن يطأ إحداهما بحضرة الأخرى، حتى لو طلب وطأها لم تلزمها الإجابة، ولا تصير بالامتناع ناشزة)، ثم قال:(ولا خلاف في هذه المسائل)([61])

والتعبير بالكراهة هنا لا يعني الكراهة المعروفة، وإنما هي صيغة من صيغ التحريم، قال ابن قدامة: (إن رضيتا بأن يجامع واحدة بحيث تراه الأخرى، لم يجز، لأن فيه دناءة وسخفا وسقوط مروءة، فلم يبح برضاهما)([62])

أما النوم معا من دون معاشرة، فلا حرج فيه للضرورة، وقد نص في المغني على جواز ما لو رضيتا بنومه بينهما في لحاف واحد([63])، بل نص الفقهاء على أنه يجوز نوم الرجل مع امرأته بلا جماع بحضرة محرم لها([64]).

ذهاب الزوج إلى زوجاته أو دعوتهن إليه:

اتفق الفقهاء ـ كما سبق بيانه ـ على أن الأولى في حالة تعدد الزوجات أن يكون لكل منهن مسكن يأتيها الزوج فيه اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان يقسم لنسائه في بيوتهن، ولأنه أصون وأستر حتى لا تخرج النساء من بيوتهن، ويجوز للزوج – إن انفرد بمسكن – أن يدعو إليه كل واحدة من زوجاته في ليلتها ليوفيها حقها من القسم، وقد اختلف الفقهاء في بعض تفاصيل هذا نورده في ما يلي على حسب المذاهب الفقهية:

الحنفية: نص الحنفية على أنه لو مرض الزوج في بيته دعا كل واحدة في نوبتها، لأنه لو كان صحيحا وأراد ذلك ينبغي أن يقبل منه.

المالكية: نص المالكية على أنه يجوز للزوج برضاء زوجاته طلبه منهن الإتيان للبيات معه بمحله المختص به، ولا ينبغي له هذا إذ السنة دورانه هو عليهن في بيوتهن لفعله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن رضي بعضهن لم يلزم باقيهن، بل نص بعض المالكية على أنه يقضى على الزوج أن يدور عليهن في بيوتهن ولا يأتينه إلا أن يرضين.

الشافعية: إن لم ينفرد الزوج بمسكن وأراد القسم دار عليهن في بيوتهن توفية لحقهن، وإن انفرد بمسكن فالأفضل المضي إليهن صونا لهن، وله دعاؤهن بمسكنه، وعليهن الإجابة، لأن ذلك حقه، فمن امتنعت وقد لاق مسكنه بها فيما يظهر فهي ناشزة إلا ذات شرف لم تعتد البروز، فيذهب لها، وإلا نحو معذورة بمرض فيذهب أو يرسل لها مركبا إن أطاقت مع ما يقيها من نحو مطر.

قال النووي:(يستحب للزوج أن يأتى كل امرأة في بيتها ولا يدعوهن الى بيته لكن لو دعا كل واحدة في نوبتها الى بيته كان له ذلك وهو خلاف الأفضل ولو دعاها الى بيت ضرائرها لم تلزمها الاجابة ولا تكون بالامتناع ناشزة بخلاف ما اذا امتنعت من الاتيان الى بيته لأن عليها ضررا في الاتيان الى ضرتها وهذا الاجتماع كان برضاهن([65])

والأصح عندهم تحريم ذهابه إلى بعضهن ودعاء غيرهن إلى مسكنه لما فيه من الإيحاش، ولما في تفضيل بعضهن على بعض، من ترك العدل، إلا لغرض كقرب مسكن من مضى إليها، أو خوف عليها لنحو شباب دون غيرها فلا يحرم، والضابط أن لا يظهر منه التفضيل والتخصيص.

ويحرم أن يقيم بمسكن واحدة ويدعو الباقيات إليه بغير رضاهن، ولو لم تكن هي فيه حال دعائهن، فإن أجبن فلها المنع، وإن كان البيت ملك الزوج لأن حق السكنى فيه لها.

الحنابلة: إن اتخذ الزوج لنفسه مسكنا غير مساكن زوجاته يدعو إليه كل واحدة في ليلتها ويومها ويخليه من ضرتها جاز له ذلك، لأن له نقل زوجته حيث شاء بمسكن يليق بها، وله دعاء بعض الزوجات إلى مسكنه والذهاب إلى مسكن غيرهن من الزوجات، لأن له أن يسكن كل واحدة منهن حيث شاء، وإن امتنعت من دعاها عن إجابته وكان ما دعاها إليه مسكن مثلها سقط حقها من القسم لنشوزها، وإن أقام عند واحدة ودعا الباقيات إلى بيتها لم يجب عليهن الإجابة لما بينهن من غيرة والاجتماع يزيدها.

الإمامية:: لا يجب عليه أن يضع كل واحدة في غرفة، ويزور كل واحدة في غرفتها عند نوبتها، وإنما له أن يختص نفسه في غرفه ويدعو إليه كل واحدة في نوبتها، وله أيضاً إن يجعل بعضهن في غرفة مخصوصة لهن لكثرة أولادها أو لمرضها أو لانشغالها والبعض الآخر يدعوها إليه في نوبتها، فلا بأس إذا لم يوجب النزاع بينهن، والمهم تطييب خاطرهن إلا إذا كان بعضهن سيء الخلق فلا ترضى بكل محاولات الإرضاء فلا يهتم لسوء خلقها.


([1])   في كتابه « محاضـرات في عقد الزواج وآثاره » ص 127.

([2])   لم يختلف الفقهاء في هذا إلا في حالة واحدة غير موجودة الآن، وهي حكم العدل في القسمة بين الزوجة الحرة والزوجة الأمة، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: من كانت له زوجة حرة وزوجة مملوكة فللحرة ليلتان وللمملوكة ليلة، وقد روي عن علي ، ومسروق ، ومحمد بن علي بن الحسين ، والشعبي ، والحسن ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وعثمان البتي ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ومن الأدلة على ذلك:

1. عموم أمر الله تعالى بالعدل بين النساء عموما.

2. أن قياس القسمة على العدة فباطل.

3. أنه لما كانتا في النفقة سواء وجب أن يكونا في القسمة سواء.

القول الثاني: القسمة لهما سواء، وهو قول مالك ، والليث ، وأبي سليمان، ومن الأدلة على ذلك، أنه لما كانت عدة الأمة وحدها نصف عدة الحرة وحدها وجب أن تكون قسمتها نصف قسمة الحرة، انظر: المحلى:9/175.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني لأن لفظ الزوجية يطلق على كليهما، فلذلك يدخلان جميعا في عموم النص القرآني ولا تخصيص بدون مخصص، وإنما ذكرنا هذه المسألة هنا لما نبهنا إليه سابقا من أن إلغاء الرق في العصر الحاضر لا يعني إعدامه إذا ما دعت دواعيه.

([3])   الإجماع لابن المنذر:78.

([4])   حاشية البجيرمي على الخطيب:3/463.

([5])   قال المنذري: رواه الترمذي وتكلم فيه والحاكم، وقال صحيح على شرطهما، ورواه أبو داود، ولفظه »من كانت له امرأتان فمال إلى إحدهما جاء يوم القيامة وشقه مائل«، والنسائي ولفظه» من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه مائل«، ورواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه بنحو رواية النسائي هذه إلا أنهما قالا:» جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط«الترغيب والترهيب:3/40، وانظر: الدارمي:2/193، البيهقي:7/197، أبو داود:2/242، النسائي:5/280، المجتبى: 7/63.

([6])   فيض القدير:1/430.

([7])   شرح النووي عل مسلم:10/46.

([8])   بدائع الصنائع: 2/333.

([9])   البخاري: 2/697، ابن حبان: 14/118، البيهقي: 3/16، النسائي: 2/128، أحمد: 2/200.

([10])   القرطبي:14/218.

([11])   المغني:7/234.

([12])   المغني:7/234.

([13])   نقل ابن عابدين عن بعض أهل العلم أن الزوج إن ترك الوطء لعدم الداعية والانتشار عذر ، وإن تركه مع الداعية إليه لكن داعيته إلى الضرة أقوى فهو مما يدخل تحت قدرته.

([14])   ذكره في المغني:7/235، ولم أجد تخريجه.

([15])   المنتقى:3/353.

([16])   المنتقى:3/353.

([17])   القرطبي:14/217.

([18])   المغني:7/232.

([19])   نص عليه الكاساني في البدائع، على أنه يجب عليه التسوية بين الحرتين أو الأمتين في المأكول ، والمشروب ، والملبوس ، والسكنى ، والبيتوتة، ومثله في الغاية: اتفقوا على التسوية في النفقة ،وقد رد على هذا ابن نجيم، بقوله:» والحق أنه على قول من اعتبر حال الرجل وحده في النفقة فالتسوية فيها واجبة أيضا، وأما على قول المفتى به من اعتبار حالهما فل،ا لأن إحداهما قد تكون غنية ، والأخرى فقيرة فلا يلزمه التسوية بينهما مطلقا في النفقة « البحر الرائق:3/236.

([20])   الفتاوى الكبرى:5/482.

([21])   البحر الرائق:3/236.

([22])   في ظلال القرآن:2/769.

([23])   أحكام القرآن للجصاص: 2/399.

([24])   حاشية الدسوقي: 2/341.

([25])   الفتاوى الكبرى:5/483.

([26])   القرطبي:5/405.

([27])   المبسوط:5/221.

([28])   المبسوط:5/218.

([29])   نص الفقهاء على أنه يكره أن يزف إليه امرأتان في ليلة واحدة، أو في مدة حق عقد إحداهما، لأنه لا يمكنه أن يوفيهما حقهما، فإن فعل، فأدخلت إحداهما قبل الأخرى، بدأ بها، فوفاها حقها، ثم عاد فوفى الثانية، ثم ابتدأ القسم، فإن زفت الثانية في أثناء مدة حق العقد، أتمه للأولى، ثم قضى حق الثانية. وإن أدخلتا عليه جميعا في مكان واحد، أقرع بينهما، وقدم من خرجت لها القرعة منهما، ثم وفى الأخرى بعدها، المغني:7/241.

([30])   شرح معاني الآثار:3/29.

([31])   البحر الرائق: 3/236.

([32])   قال ابن حزم: هذا مرسل ولا حجة فيه، المحلى: 9/213، انظر: مصنف عبد الرزاق:6/237.

([33])   المحلى: 9/213، مصنف عبد الرزاق: 3/236.

([34])   انظر: التمهيد:17/246.

([35])   مسلم:2/1083، الحاكم:4/19، الدارمي: 2/194، البيهقي: 7/300، الموطأ: 2/530، مسند الشافعي: 261.

([36])   التمهيد:17/246.

([37])   المحلى: 9/215.

([38])   عون المعبود:3/176.

([39])   شرح النووي على مسلم:10/45.

([40])   سبق تخريجه.

([41])   ومثل هذالخلاف خلافهم في الخروج للغزو، قال ابن العربي:» واختلف علماؤنا في القرعة بين الزوجات عند الغزو على قولين ; الصحيح منهما الاقتراع ، وبه قال أكثر فقهاء الأمصار ; وذلك لأن السفر بجميعهن لا يمكن ، واختيار واحدة منهن إيثار ، فلم يبق إلا القرعة«أحكام القرآن :4/31.

([42])   إلا أن الحنفية استحبوا القرعة تطييبا لقلوبهن، وأوجب المالكية القرعة بين الزوجات في سفر القربة كالغزو والحج في المشهور عندهم ; لأن المشاحة تعظم في سفر القربة. وفي قول آخر عند المالكية أن القرعة تجب مطلقا، فللمالكية بهذا أربعة أقوال:هي الاختيار مطلقا ، القرعة مطلقا ، القرعة في الحج والغزو فقط ، القرعة في الغزو فقط. انظر:منح الجليل:3/544، حاشية الصاوي:2/511..

([43])   شرح معاني الآثار:4/283، وانظرك المبسوط:5/219.

([44])   نقلا عن: فتح الباري:9/311.

([45])   وقد نصوا على أنه لا يلزم الزوج إذا خرجت القرعة لإحداهن، على السفر بها، بل له تركها والسفر وحده، لأن القرعة غير ملزمة وإنما تعين من تستحق التقديم، فلذلك لا يجوز له السفر بغيرها، لأنها تعينت بالقرعة، فلم يجز العدول عنها إلى غيرها إلا إذا وهبت حقها من ذلك لغيرها، فإنه يجوز بشرط رضي الزوج.

فإذا امتنعت من السفر معه، فله إكراهها عليه، أما إن رضي فإنه يسقط حقها ويستأنف القرعة بين الباقيات، فإن رضي الزوجات كلهن بسفر واحدة معه من غير قرعة، جاز ذلك، لأن الحق لهن، إلا إذا لم يرض الزوج، ويريد غير من اتفقن عليها، فيصار إلى القرعة.

([46])   مسلم: 4/2130، البخاري: 2/955، البيهقي: 7/296، أبو داود: 2/243، النسائي: 5/295، أحمد: 6/195.

([47])   فتح الباري:9/312.

([48])   المدونة:2/189.

([49])   الأم:5/119.

([50])   أحكام القرآن لابن العربي:4/31.

([51])   وقد اختلفوا في هذا بين السفر الطويل والقصير، فقيل بعدم التفريق بينهما لعموم الخبر والمعنى، وهو قول الجمهور، وقيل بوجوب القضاء للبواقي في السفر القصير، لأنه في حكم الإقامة، وهو وجه لأصحاب الشافعي.

([52])   فتح الباري:9/312.

([53])   مصنف عبد الرزاق:7/152.

([54])   شرح النووي على مسلم:10/46.

([55])   المحلى:9/218.

([56])   طريقة القرعة عندهم هو أن يبدأ بمن خرجت قرعتها ، فإذا مضت نوبتها أقرع بين الباقيات ، ثم بين الأخريين ، فإذا تمت النوبة راعى الترتيب ولا حاجة إلى إعادة القرعة ، بخلاف ما إذا بدأ بلا قرعة فإنه يقرع بين الباقيات ، فإذا تمت النوبة أقرع للابتداء.

([57])   أسباب فوات القسم متعددة سبق ذكر بعضها منها أن سافر الزوج بإحدى الزوجات فيفوت القسم لسائرهن، وقد يتزوج الرجل أثناء دورة القسم لزوجاته وقبل أن يوفي نوبات القسم المستحقة لهن ، فيقطع الدورة ليختص الزوجة الجديدة بقسم النكاح ، مما يترتب عليه فوات نوبة من لم يأت دورها فيجب القضاء لها.

([58])   بدائع الصنائع:4/23.

([59])   وذهب بعض المالكية، إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما في هذه الدار إلا برضاهما، فإن أبين منه أو كرهته إحداهما فلا يصح الجمع بينهما.

([60])   الخرشي :4/5.

([61])   البحر الرائق:3/237.

([62])   المغني:7/229.

([63])   المغني:7/229.

([64])   كشاف القناع:5/197.

([65])   شرح النووي على مسلم:10/47.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *