الفصل الخامس: حق الأولاد في المعاملة العادلة

الفصل الخامس

حق الأولاد في المعاملة العادلة

وقد عبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الحق النفسي للأولاد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم)([1])، وعبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الحق بلهجة شديدة جازمة مؤكدة بكل أنواع التأكيد، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم)([2])

وروي أن رجلا جاءه ابنه فقبله وأجلسه في حجره ثم جاءته ابنته فأجلسها إلى جانبه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(فما عدلت)([3])

وقد ذكر ابن القيم عن السلف أنهم كانوا يستحبون أن يعدلوا بين الأولاد حتى في القبلة، ونقل عن بعض أهل العلم قوله:(إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده، فكما أن للأب حق علي ابنه، فان للإبن علي أبيه حق)

وقد عدل الشارع في خطاب كلا المكلفين، فكما قال تعالى:{ وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً)(العنكبوت:8)، قال:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً)(التحريم:6)

وكما قال تعالى:{ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً)(البقرة:83)، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(اعدلوا بين أولادكم)

بل إن وصية الله للآباء سابقة علي وصية الأولاد بآبائهم، قال تعالى:{ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} (الاسراء:31)

وسنكتفي هنا بذكر الأحكام الفقهية المرتبطة بمظهرين من مظاهر حرص الشرع على حفظ هذا الحق للأولاد:

أولا ـ العدل في المعاملة المادية

اتفق الفقهاء على أن من مقتضيات العدل بين الأولاد التسوية بينهم في العطية، بحيث لا يخص بعضهم بها دون غيره، وقد اختلف الفقهاء في هذا، هل هو محرم، أو مكروه؟ على قولين:

القول الأول: أنه محرم، وهو قول جماهير الفقهاء، للأدلة الكثيرة التي سنفيض فيها عند الحديث عن الحكم الوضعي للمسألة، ومنها:

1 ـ تسميته صلى الله عليه وآله وسلم إياه جورا، وأمره بالرجوع فيه.

2 ـ أن ظاهر الحديث يدل على أنه كان صدقة، والصدقة على الولد لا يجوز الرجوع فيها. فإن الرجوع ههنا يقتضي أنها وقعت على غير الموقع الشرعي، حتى نقضت بعد لزومها.

القول الثاني: أن هذا التفضيل مكروه لا غير، وهو مذهب الشافعي ومالك، وسنفيض في ذكر أدلتهم في محلها عند الكلام عن الحكم الوضعي، ومنها استدلالهم بالرواية التي قيل فيها:(أشهد على هذا غيري)، لأنها تقتضي إباحة إشهاد الغير، ولا يباح إشهاد الغير إلا على أمر جائز. ويكون امتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الشهادة على وجه التنزه.

الترجيح:

نرى ان الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على التشديد الوارد في ذلك، إلا إذا ترتبت بعض المصالح من ذلك التفضيل، كما سنرى، قال ابن دقيق العيد بعد ذكرالخلاف في المسألة ـ يرد على القول الثاني ـ:(وليس هذا بالقوي عندي ؛ لأن الصيغة وإن كان ظاهرها الإذن – إلا أنها مشعرة بالتنفير الشديد عن ذلك الفعل، حيث امتنع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من المباشرة لهذه الشهادة، معللا بأنها جور، فتخرج الصيغة عن ظاهر الإذن بهذه القرائن. وقد استعملوا مثل هذا اللفظ في مقصود التنفير. ومما يستدل به على المنع أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(اتقوا الله)فإنه يؤذن بأن خلاف التسوية ليس بتقوى، وأن التسوية تقوى)([4])

الحكم الوضعي:

اختلف الفقهاء القائلون بحرمة عدم التسوية بين الأولاد في العطية في أثر هذا الحكم، هل يبقى حكما أخرويا محضا، أم على الأب([5]) أن يرد ما أعطى لبعضهم، أو يسوي بينهم على قولين:

القول الأول: إذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، فإن خص بعضهم بعطيته، أو فاضل بينهم فيها أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين ؛ إما رد ما فضل به البعض، وإما إتمام نصيب الآخر، قال ابن حزم يذكر القائلين بهذا القول:(فهؤلاء أبو بكر، وعمر، وعثمان، وقيس بن سعد، وعائشة بحضرة الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف، ثم مجاهد، وطاوس([6])، وعطاء، وعروة، وابن جريج – وهو قول النخعي، والشعبي، وشريح، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وابن شبرمة، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي سليمان، وجميع أصحابنا)([7])، وعزاه ابن قدامة إلى أحمد، وابن المبارك وروي معناه عن مجاهد، وعروة، قال طاوس: لا يجوز ذلك، ولا رغيف محترق، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ ما روى النعمان بن بشير قال:(تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فجاء أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليشهده على صدقته، فقال: أكل ولدك أعطيت مثله؟ قال: لا. قال: فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم. قال: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة)، وفي لفظ قال:(فاردده)، وفي لفظ قال:(فأرجعه)، وفي لفظ:(لا تشهدني على جور)، وفي لفظ:(فأشهد على هذا غيري)، وهو حديث صحيح، وهو دليل على التحريم ؛ لأنه سماه جورا، وأمر برده، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب.

2 ـ أن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه، كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها.

3 ـ أن قول أبي بكر لا يعارض قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يحتج به معه، مع أنه يحتمل أن أبا بكر خصها بعطيته لحاجتها وعجزها عن الكسب والتسبب فيه، مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغير ذلك من فضائلها، ويحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك. ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه ؛ لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات.

4 ـ أن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(فأشهد على هذا غيري)ليس بأمر ؛ لأن أدنى أحوال الأمر الاستحباب والندب، ولا خلاف في كراهة هذا. وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده، مع أمره برده، وتسميته إياه جورا، وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على التناقض والتضاد. ولو أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإشهاد غيره، لامتثل بشير أمره، ولم يرد، وإنما هذا تهديد له على هذا، فيفيد ما أفاده النهي عن إتمامه.

5 ـ أن سعد بن عبادة قسم ماله بين بنيه في حياته فولد له بعد ما مات فلقي عمر أبا بكر فقال له: ما نمت الليلة من أجل ابن سعد هذا المولود لم يترك له شيء؟ فقال أبو بكر: وأنا والله، فانطلق بنا إلى قيس بن سعد نكلمه في أخيه، فأتيناه فكلمناه فقال قيس: أما شيء أمضاه سعد فلا أرده أبدا، ولكن أشهدكما أن نصيبي له. قال ابن حزم:(قد زاد قيس على حقه، وإقرار أبي بكر لتلك القسمة دليل على صحة اعتدالها)

6 ـ أن أبا بكر قال لعائشة:(يا بنية، إني نحلتك نخلا من خيبر، وإني أخاف أن أكون آثرتك على ولدي، وإنك لم تكوني احتزتيه، فرديه على ولدي؟ فقالت: يا أبتاه، لو كانت لي خيبر بجدادها ذهبا لرددتها)

7 ـ عن معاوية بن حيدة أن أباه حيدة كان له بنون لعلات أصاغر ولده، وكان له مال كثير فجعله لبني علة واحدة، فخرج ابنه معاوية حتى قدم على عثمان بن عفان فأخبره بذلك، فخير عثمان الشيخ بين أن يرد إليه ماله وبين أن يوزعه بينهم؟ فارتد ماله، فلما مات تركه الأكابر لإخوتهم.

8 ـ أن تأويل المخالفين لحديث النعمان بأنه (وهبه جميع ماله)لا يصح، لما ورد في بعض روايات الحديث:(بعض ماله)، وفي بعض الروايات الثابتة:(بعض الموهبة من ماله)

9 ـ أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أشهد على هذا غيري)جاء من باب الوعيد كقول الله تعالى:{ فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} (الأنعام:150)، فهو ليس على إباحة الشهادة على الجور والباطل، بل هو من باب قوله تعالى:{ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}(الكهف:29)، وقوله تعالى:{ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ }(فصلت:40)، قال ابن حزم:(وحاش له صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيح لأحد الشهادة على ما أخبر به هو أنه جور، وأن يمضيه ولا يرده، هذا ما لا يجيزه مسلم)

10 ـ أن يقال للمخالفين: تلك العطية والصدقة أحق جائز هي أم باطل غير جائز، ولا سبيل إلى قسم ثالث؟ فإن قالوا: حق جائز؟ أعظموا الفرية، إذ أخبروا أنه صلى الله عليه وآله وسلم أبى أن يشهد على الحق، وهو الذي نزل عليه قوله تعالى:{ وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} (البقرة:282)، وإن قالوا: إنها باطل غير جائز؟ أعظموا الفرية، إذ أخبروا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم بالباطل، وأنفذ الجور، وأمر بالإشهاد على عقده، وكلا القولين مخرج إلى الكفر بلا مرية، ولا بد من أحدهما.

11 ـ أن تعليل بعضهم عدم شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه إمام والإمام لا يشهد غير صحيح من جهتين:

الأولى: أنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تقويله ما لم يقل.

الثانية: إن قولهم: إن الإمام لا يشهد غير صحيح، بل الإمام يشهد ؛ لأنه أحد المسلمين المخاطبين بأن لا يأبوا إذا دعوا، وبقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)(النساء:135)، فهذا أمر للأئمة بلا شك ولا مرية.

12 ـ أن تعليل بعضهم بأن النعمان كان كبيرا ولم يكن قبض النحل، وهذا غير صحيح، لأن صغر النعمان أشهر من الشمس، وأنه ولد بعد الهجرة بلا خلاف من أحد من أهل العلم، وقد بين ذلك في حديث أبي حيان عن الشعبي عن النعمان:(وأنا يومئذ غلام)، ولا تطلق هذه اللفظة على رجل بالغ أصلا.

13 ـ أن تعليل بعضهم بأن النحل لم يكن قد تم، وإنما كان استشارة، غير صحيح، لأن روايات الحديث تدل على أنه نحله،كما في أول الحديث:(نحلني أبي غلاما)وفي وسطه:(يا رسول الله نحلت ابني هذا غلاما)، أما قول بشير ـ كما في بعض الروايات ـ:(فإن أذنت لي أن أجيزه أجزته)، فإنه قول صحيح، وهو قول مؤمن لا يعمل إلا ما أباحه له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ظاهره بلا تأويل، نعم، إن أجازه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجازه بشير، وإن لم يجزه صلى الله عليه وآله وسلم رده بشير ولم يجزه كما فعل.

14 ـ أن استدلال المخالفين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل ذي مال أحق بماله)لا يصح هنا، لأن الله تعالى قال: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(الأحزاب:36)، وقال تعالى:{ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)(الأحزاب:6)، فالذي حكم بإيجاب الزكاة، وفسخ أجر البغي، وحلوان الكاهن، وبيع الخمر، وبيع أم الولد، وبيع الربا، هو الذي فسخ الصدقة والعطية المفضل فيها بعض الولد على بعض، ولو أنهم اعترضوا أنفسهم بهذا الاعتراض في إبطالهم النحل والصدقة التي لم تقبض لكان أصح وأثبت.

15 ـ أن استدلال بعض المخالفين بالعرف لا يصح، وقد قال أنس:(ما أعرف مما أدركت الناس عليه إلا الصلاة)

16 ـ أن ما نسبوه إلى الصحابة لا حجة لهم فيه ؛ لأنه لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، زيادة على أن حديث أبي بكر قد ورد بخلاف ما أوردوه، وأما قول عمر، وعثمان:(من نحل ولده نحلا)، فنحن لم نمنع نحل الولد وإنما منعنا المفاضلة، وليس في كلامهما إباحة المفاضلة، كما ليس فيه إباحة بيع الخمر والخنازير، زيادة على أنه قد صح عنهما المنع منها، أما الرواية عن ابن عمر فليس فيها أنه لم ينحل الآخرين قبل ولا بعد بمثل ذلك، بل فيها أنه قال: واقد ابني مسكين، فصح أنه لم يكن نحله بعد كما نحل إخوته، فألحقه بهم، وأخرجه عن المسكنة، زيادة على أنها من طريق ابن لهيعة وهو ساقط.

القول الثاني: إذا فاضل بين ولده في العطية، لم يؤمر برده، وهو قول مالك، والليث، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وروي معنى ذلك عن شريح، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن أبا بكر نحل عائشة ابنته جذاذ عشرين وسقا، دون سائر ولده.

2 ـ قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث النعمان بن بشير:(أشهد على هذا غيري)، فأمره بتأكيدها دون الرجوع فيها.

3 ـ أنها عطية تلزم بموت الأب، فكانت جائزة، كما لو سوى بينهم.

4 ـ قول عمر من نحل ولدا له.

5 ـ من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكير بن الأشج عن نافع أن ابن عمر قطع ثلاثة أرؤس أو أربعة لبعض ولده دون بعض.

6 ـ عن القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري أنه كان مع ابن عمر إذ اشترى أرضا من رجل من الأنصار، ثم قال له ابن عمر: هذه الأرض لابني واقد، فإنه مسكين، نحله إياها دون ولده.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على ما سبق من أدلة، زيادة على أن المصالح الشرعية من العدل بين الأولاد لا تتحقق إلا بهذا القول، قال ابن حزم بعد نقله الطرق الكثيرة لحديث النعمان بن بشير:(فكانت هذه الآثار متواترة متظاهرة: الشعبي، وعروة بن الزبير، ومحمد بن النعمان، وحميد بن عبد الرحمن، كلهم سمعه من النعمان. ورواه عن هؤلاء الحفلاء من الأئمة كلهم متفق على أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفسخ تلك الصدقة والعطية وردها، وبين بعضهم أنها ردت، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنها جور، والجور لا يحل إمضاؤه في دين الله تعالى، ولو جاز ذلك لجاز إمضاء كل جور وكل ظلم، وهذا هدم الإسلام جهارا)([8])

ولكن ما معنى العدل بين الأولاد في العطية؟

نرى أن العدل ليس مقصودا به التسوية بينهم في العطية، بل المراد منه إعطاء كل واحد منهم قدر ما يحتاجه، فقد تكون حاجة بعضهم لظروف خاصة كمرض ونحوه أكبر من حاجة الآخر.

وهذا ما فهمه ابن حزم ـ وهو أكبر المدافعين عن العدل في هذه الناحية ـ من معنى العدل، فقد قال:(ولا يحل لأحد أن يهب، ولا أن يتصدق على أحد من ولده إلا حتى يعطي أو يتصدق على كل واحد منهم بمثل ذلك، ولا يحل أن يفضل ذكرا على أنثى، ولا أنثى على ذكر، فإن فعل فهو مفسوخ مردود أبدا ولا بد، وإنما هذا في التطوع – وأما في النفقات الواجبات فلا، وكذلك الكسوة الواجبة. لكن ينفق على كل امرئ منهم بحسب حاجته، وينفق على الفقير منهم دون الغني)([9])

وهذا ما ذهب إليه المتأخرون من الحنفية، قال الكاساني:(إلا أنه لا يكون عدلا سواء كان المحروم فقيها تقيا أو جاهلا فاسقا على قول المتقدمين من مشايخنا وأما على قول المتأخرين منهم لا بأس أن يعطي المتأدبين والمتفقهين دون الفسقة الفجرة)([10])

وقد عبر عن هذا ابن قدامة بقوله:(فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة، أو عمى، أو كثرة عائلة، أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه فيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك ؛ لقوله في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس به إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة. والعطية في معناه. ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل أو التخصيص على كل حال ؛ لكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستفصل بشيرا في عطيته والأول أولى إن شاء الله ؛ لحديث أبي بكر، ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها، كما لو اختص بالقرابة. وحديث بشير قضية في عين لا عموم لها، وترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم الاستفصال يجوز أن يكون لعلمه بالحال)([11])

كيفية التسوية بين الذكر والأنثى:

اختلف الفقهاء في كيفية القسمة إن كان في الأولاد ذكور وإناث على قولين:

القول الأول: أن التسوية المستحبة هي أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث([12])، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول عطاء، وشريح، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، وأحمد، قال شريح لرجل قسم ماله بين ولده: ارددهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه. وقال عطاء: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن الله تعالى قسم بينهم، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وأولى ما اقتدى بقسمة الله.

2 ـ أن العطية في الحياة أحد حالي العطية، فيجعل للذكر منها مثل حظ الأنثيين، كحالة الموت.

3 ـ أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت، فينبغي أن تكون على حسبه، كما أن معجل الزكاة قبل وجوبها يؤديها على صفة أدائها بعد وجوبها، وكذلك الكفارات المعجلة.

4 ـ أن الذكر أحوج من الأنثى، من قبل أنهما إذا تزوجا جميعا فالصداق والنفقة ونفقة الأولاد على الذكر، والأنثى لها ذلك، فكان أولى بالتفضيل ؛ لزيادة حاجته.

5 ـ أن الله تعالى قسم الميراث، ففضل الذكر مقرونا بهذا المعنى فتعلل به، ويتعدى ذلك إلى العطية في الحياة.

6 ـ أن حديث بشير قضية في عين، وحكاية حال لا عموم لها، وإنما ثبت حكمها فيما ماثلها، زيادة على عدم علمنا بحال أولاد بشير، هل كان فيهم أنثى أو لا؟ ولعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علم أنه ليس له إلا ولد ذكر، ثم إنه يصح حمل التسوية على القسمة على كتاب الله تعالى، ويحتمل أنه أراد التسوية في أصل العطاء، لا في صفته، فإن القسمة لا تقتضي التسوية من كل وجه.

7 ـ قول عطاء: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى. وهو خبر عن جميعهم.

أن الصحيح من خبر ابن عباس الذي استدلوا به أنه مرسل.

القول الثاني: تعطى الأنثى مثل ما يعطى الذكر، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن المبارك، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لبشير بن سعد:(سو بينهم)وعلل ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أيسرك أن يستووا في برك؟. قال: نعم. قال: فسو بينهم)، والبنت كالابن في استحقاق برها، وكذلك في عطيتها.

2 ـ عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثرا لأحد لآثرت النساء على الرجال)([13])

3 ـ أنها عطية في الحياة، فاستوى فيها الذكر والأنثى، كالنفقة والكسوة.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذكرناه سابقا من مراعاة حاجة كل واحد منهم بغض النظر عن كونه ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، بل إنه احيانا تكون حاجة الأنثى في بعض البلاد أكبر من حاجة الذكر، فيعطيها الأب بقدر حاجتها.

أما الميراث، فقد خصه الله تعالى بما بعد الموت، ولا يصح قياس ما بعد الموت على الحياة، بل لا يصح القياس في الميراث مطلقا.

وقد ذكر ابن القيم خلاف هذا الترجيح، مبينا المقاصد الشرعية المتحققة بذلك، ومن الوجوه التي ذكرها([14]):

1 ـ أن الله تعالى منع مما يؤدي إلى قطيعة الرحم والتسوية بين الذكر والأنثى مخالفة لما وضعه الشرع من التفصيل فيفضي ذلك إلى العداوة.

2 ـ أن الشرع أعلم بمصالحنا فلو لم يكن الأصلح التفضيل بين الذكر والأنثى لما شرعه.

3 ـ أن حاجة الذكر إلى المال أعظم من حاجة الأنثى.

4 ـ أن الله تعالى جعل الأنثى على النصف من الذكر في الشهادات والميراث والديات وفي العقيقة بالسنة.

5 ـ أن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء فإذا علم الذكر أن الأب زاد الانثى علىالعطية التي أعطاها الله وسواها بمن فضله الله عليها أفضى ذلك إلىالعداوة والقطيعة كما إذا فضل عليه من سوى الله بينه وبينه فأي فرق بين أن يفضل من أمر الله بالتسوية بينه وبين أخيه ويسوى بين من أمر الله بالتفضيل بينهما.

ولا يبعد ما ذكره ابن القيم بشرط أن تكون حاجة الأنثى أقل من حاجة الذكر، وبذلك يؤول الأمر إلى مراعاة الحاجة.

موت الجائر في العطية:

اختلف الفقهاء فيما لو فاضل بين ولده في العطايا، أو خص بعضهم بعطية، إذا كان ذلك في صحته([15])، ثم مات قبل أن يسترده، هل يثبت ذلك للموهوب له، ويلزم، أم أن لبقية الورثة استرداد ما أعطاه على قولين:

القول الأول: ثبتت العطية ولزمت، ولا يمكن للورثة استردادها، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأكثر أهل العلم، وهو المنصوص عن أحمد، في رواية محمد بن الحكم، والميموني، وهو اختيار الخلال، وصاحبه أبي بكر، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قول أبي بكر لعائشة لما نحلها نحلا:(وددت لو أنك كنت حزتيه)، فدل على أنها لو كانت حازته لم يكن له الرجوع.

2 ـ قول عمر:(لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد)

3 ـ أنها عطية لولده فلزمت بالموت كما لو انفرد.

القول الثاني: أن لسائر الورثة أن يرتجعوا ما وهبه، وهو قول عروة بن الزبير، وإسحاق([16])، وهو رواية أخرى عن أحمد، وقد اختاره ابن بطة وأبو حفص العكبريان، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمى ذلك جورا بقوله:(لا تشهدني على جور)، والجور حرام لا يحل للفاعل فعله، ولا للمعطى تناوله.

2 ـ أن أبا بكر وعمر أمرا قيس بن سعد، أن يرد قسمة أبيه حين ولد له ولد، ولم يكن علم به، ولا أعطاه شيئا، وكان ذلك بعد موت سعد، فروى سعيد، بإسناده من طريقين. أن سعد بن عبادة قسم ماله بين أولاده، وخرج إلى الشام، فمات بها، ثم ولد بعد ذلك ولد فمشى أبو بكر وعمر، إلى قيس بن سعد، فقالا: إن سعدا قسم ماله، ولم يدر ما يكون، وإنا نرى أن ترد هذه القسمة. فقال قيس: لم أكن لأغير شيئا صنعه سعد، ولكن نصيبي له.

3 ـ أن الموت لا يغيره عن كونه جورا حراما، فيجب رده.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة النظر إلى علة التفضيل، فإن كانت حاجة المفضل إلى المال بخلاف المفضل عليه، فإنه لا يرد، بخلاف ما لو كان التفضيل جائرا، فإنه يرد، وهذا ما يمكن أن يجمع به بين القولين.

ثانيا ـ العدل في المعاملة النفسية

من العدل الذي أمرت به الشريعة الإسلامية في حق الأولاد عدم التفريق بينهم على أساس جنس كل منهما، فلا يفضل أي جنس على الآخر، سواء في المعاملة النفسية أو في الحقوق المادية، وقد سلكت النصوص الشرعية لتعميق هذه المعاني في النفوس المؤمنة المسالك التالية:

1 ـ اعتبار البنات هبة من الله تعالى:

فالله تعالى هو الذي خلق كلا الجنسين، وهو الواهب ما يشاء منهم لمن يشاء، رحمة منه وفضلا، قال تعالى:{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)(الشورى:49 ـ 50)

ففي هاتين الآيتين الكريمتين جميع الأسس التي تملأ نفس الإنسان قناعة ورضا وإيمانا بخيرية قضاء الله وهباته لخلقه:

فالله تعالى قدم للآيات ببيان أنه المالك للسموات والأرض، وأنه هو الخالق لما يشاء، فلذلك كان الاعتراض على شيء من خلق الله اعتراضا على الله من جهة، ومعارضة لملك الله ومالكيته للأشياء من جهة أخرى.

ثم إن التأمل في السموات والأرض، والذي قدم به لهذه القضية، كاف في الإذعان لله والثقة في تقسيمه تعالى، فالكون مؤسس على أحسن نظام وأعظمه دقة فلا تفاوت فيه ولا فطور { الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ)(الملك:3)

وكما أن البناء الكوني مؤسس على أساس الزوجية، كما قال تعالى:{ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)(الرعد:3)، وقال تعالى:{ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(الذريات:49)، فإن حياة الإنسان واستمرار نوعه يستلزم وجود هذه الزوجية في نوع الإنسان، يقول سيد قطب:(وحكمة الله، وقاعدة الحياة، اقتضت أن تنشأ الحياة من زوجين ذكر وأنثى. فالأنثى أصيلة في نظام الحياة أصالة الذكر ؛ بل ربما كانت أشد أصالة لأنها المستقر. فكيف يغتم من يبشر بالأنثى، وكيف يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ونظام الحياة لا يقوم إلا على وجود الزوجين دائما؟)([17])

وبعد هذه المقدمة التي تخرج الإنسان من قفص أنانيته إلى رحابة الكون الواسع، وتربطه بالخالق المالك تخبر تتمة الآية بأن الله تعالى بحكمته وعلمه وقدرته وجوده هو الواهب لهذه الزوجية في نوع الإنسان،كما أنه هو الواهب لها في جميع الكون، فهو واهب الإناث كما أنه واهب الذكور، كما أنه الواهب بمنع كل ذلك على من يشاء.

وقد عبر تعالى عن إعطائه الإناث بصيغة الهبة، مسويا لهم في ذلك مع الذكور([18])، ومن سوء الأدب الاعتراض على هبة الكريم، وازدرائها، قال ابن القيم:(قسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود، وأخبر أن ما قدره بينهما من الولد فقد وهبهما إياه، وكفى بالعبد تعرضا لمقته أن يتسخط ما وهبه)([19])

بل إن الله تعالى قدم الإناث في الذكر على الذكور، ليبين أن رحمته بإعطاء الأنثىقد تكون أعظم من رحمته بإعطائه الذكور([20])، لمن عرف كيف يتعامل مع هبة الله.

وفي التعبير بالهبة دلالة أخرى لها أهميتها الواقعية، وهي أن الكثير من العامة يتصورون أن جنس المولود سببه الأم، فلذلك قد يطلق الرجل امرأته إن ولدت له إناثا([21])، فرد الله تعالى بأن جنس المولود هبة منه لا علاقة له بأحدهما.

وفي التعبير دلالة أخرى أعمق من ذلك كله لتعلقها بالجنس البشري جميعا، وهو أن الأمر لو ترك للأهواء لانقرض الجنس البشري من زمن بعيد، لأن الأهواء قد تميل بحسب (الموضة)إلى جنس معين مما ينشأ عنه اختلال التوازن الذي يحفظ النوع، يقول سيد قطب:(هذا القدر الذي يجريه الله في كل مرة، فيهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، يحافظ على توازن دائم في الأرض كلها بين عدد من يجري بهم ليكونوا إناثا، وعدد من يجري بهم ليكونوا ذكورا. فلا يقع اختلال – على مستوى البشرية كلها – في هذا التوازن. الذي عن طريقة يتم الإخصاب والإكثار، وتتم به حياة زوجية مستقرة في الوقت ذاته.. ذلك أن الأخصاب والإكثار وحده قد يتم بأقل عدد من الذكور.. ولكن الله قدر في الحياة الإنسانية أن هذا ليس هو غاية الالتقاء بين الذكر والأنثى ؛ إنما الغاية – التي تميز الإنسان من الحيوان – هي استقرار الحياة الزوجية بين ذكر وأنثى.. لما وراء هذا الاستقرار من أهداف لا تتم إلا به. وأهمها استقرار الذرية في كنف أبوين في محيط أسرة، ليتم إعداد هذه الذرية لدورها الإنساني الخاص – فوق إعدادها لتحصيل القوت وحماية النفس كالحيوان – والدور الإنساني الخاص يحتاج إلى الاستقرار بين أبوين في أسرة فترة أطول جدا مما تحتاج إليه طفولة الحيوان)([22])

والقرآن الكريم يذكر نموذج البنت التي تلقت تربية صالحة جعلتها من سيدات نساء العالمين، وهي مريم ـ عليها السلام ـ التي اصطفاها الله وطهرها واصطفاها على نساء العالمين، وقد كانت أمها عندما حملت بها تتمنى أن تكون ذكراً يخدم الهيكل، ويكون من الصالحين، كما قال تعالى:{إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(آل عمران:35)

ولكن الله تعالى وهب لتلك الأم بتلك الفتاة الطاهرة أعظم مما تمنت، لأن أمنيتها كانت مجرد خادم يخدم الهيكل، فإذا بها ترزق بالصديقة أم المسيح، قال تعالى:{ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} (المائدة:75)

2 ـ اعتبار تسخط البنات من الجاهلية:

الجاهلية في المفهوم الشرعي لا تتوقف عند فترة معينة أو بقعة محدودة من العالم، بل هي تعبير عن الانحراف العقدي الذي يسم الحياة بوسم معينة، تنبعث منه جميع الانحرافات، ومن الانحراف العقدي الناتج عن عدم فهم حقيقة الفضل الإلهي بهبة المولود سواء كان ذكرا أو أنثى انحدرت سلالات كثيرة من الانحرافات، منها:

تسخط البنات:

فقد كان العرب في الجاهلية يتشاتمون بميلاد البنات، ويضيقون به، حتى قال أحد الآباء – وقد بشر بأن زوجه ولدت أنثى -: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة([23])

وقد وردت النصوص القرآنية الكثيرة تخبر عن كيفية استقبال أهل الجاهلية للبنات، قال تعالى:{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)(النحل:58 ـ 59)

فالآيات الكريمة تصف رجلا قد ترسخت فيه قيم الجاهلية وتصوراتها حتى ملأت صدره ظلمة، انبعث منها سواد كالح غمر وجهه.

وبما أن عقله قد حجب في تلك اللحظة عن النظر للحقيقة التي يرشد إليها القرآن الكريم، ويمتلئ بجمالها قلب المؤمن، بل تركه لتصورات المجتمع تنقش فيه ما تشاء، فإن تلك التصورات جعلته إنسانا سلبيا منكمشا على نفسه كظيما يكره أن يراه الناس، وكأنه قد أجرم جرما عظيما يخاف عقابه.

وهو في تلك اللحظة التي غرق فيها في بحر السواد والظلام يعيش بصحبة الشيطان الذي يملي عليه ما سيفعله { أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ } (النحل:59)

وفي كلا الحالين يرضى الشيطان الذي زين له هذه التصورات ثم عذبه بها، فهو إن قتل تحمل جرم قتلها، وإن أمسكها أبقاها مهانة لا يورثها ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها، ويذيقها فوق ذلك من العذاب النفسي ما يفوق قتله لها.

بهذه الصورة ترسم الآيات الكريمة كيفية استقبال الجاهلي للأنثى، وهي لا تصفه واقعا جغرافيا أو تاريخيا، وإنما تصف حالة نفسية قد تعرض في أي زمان ولأي شخص لا زال فيه حظا من الجاهلية، يقول سيد قطب:(وكلما انحرفت المجتمعات عن العقيدة الصحيحة عادت تصورات الجاهلية تطل بقرونها.. وفي كثير من المجتمعات اليوم تعود تلك التصورات إلى الظهور. فالأنثى لا يرحب بمولدها كثير من الأوساط وكثير من الناس، ولا تعامل معاملة الذكر من العناية والاحترام. وهذه وثنية جاهلية في إحدى صورها، نشأت من الانحراف الذي أصاب العقيدة الإسلامية)([24])

قتل البنات:

وهو سلوك جاهلي ناتج عن النظرة الخاطئة للمرأة، وهو قمة ما يبعثه الانحراف من سلوك، وهو قمة تزيين الشيطان للإنسان، أو هيمنته عليه، قال تعالى:{ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)(الأنعام:137)

وقد كان الوأد يتم في صورة قاسية إذ كانت البنت تدفن حية([25])، وكانوا يفتنون في قتلها بشتى الطرق، فمنهم من كان إذا ولدت له بنت تركها حتى تكون في السادسة من عمرها، ثم يقول لأمها:طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها:انظري فيها. ثم يدفعها دفعا ويهيل التراب عليها، وعند بعضهم كانت الوالدة إذا جاءها المخاض جلست فوق حفرة محفورة، فإذا كان المولود بنتا رمت بها فيها وردمتها، وإن كان ابنا قامت به معها، وكانوا يرددون مفتخرين:

سميتها إذ ولدت تموت والقبر صهر ضامن زميت

قال قتادة: كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاتبهم الله على ذلك، وتوعدهم بقوله تعالى:{ وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)(التكوير:8 ـ 9)

إهانة البنات:

وهو ما أخبر عنه قوله تعالى:{ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ}(النحل:59)، فقد كان بعضهم إذا نوى ألا يئد الوليدة أمسكها مهينة إلى أن تقدر على الرعي، فيلبسها جبة من صوف أو شعر ويرسلها في البادية ترعى له إبله، فأما الذين لا يئدون البنات ولا يرسلونهن للرعي، فكانت لهم وسائل أخرى لإذاقتها الخسف والبخس.. كانت إذا تزوجت ومات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبه. ومعنى هذا أن يمنعها من الناس فلا يتزوجها أحد، فإن أعجبته تزوجها، لاعبرة برغبتها هي ولا إرادتها ! وإن لم تعجبه حبسها حتى تموت فيرثها. أو أن تفتدي نفسها منه بمال في هذه الحالة أو تلك.

وكان بعضهم يطلق المرأة ويشترط عليها ألا تنكح غيره إلا من أراد. إلا أن تفتدي نفسها منه بما كان أعطاها.. وكان بعضهم إذا مات الرجل حبسوا زوجته على الصبي فيهم حتى يكبر فيأخذها.. وكان الرجل تكون اليتيمة في حجره يلي أمرها، فيحبسها عن الزواج، رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها ! أو يزوجها من ابنه الصغير طمعا في مالها أو جمالها..

وكانت بعض الشرائع القديمة تعطي الأب الحق في بيع ابنته إذا شاء، وبعضها الآخر – كشريعة حمورابي – تجيز له أن يسلمها إلى رجل آخر ليقتلها أو يملكها إذا قتل الأب ابنه الرجل الآخر.

يقول سيد قطب تعليقا على هذه السلوكات الجاهلية:(فهذه كانت نظرة الجاهلية إلى المرأة على كل حال حتى جاء الإسلام يشنع بهذه العادات ويقبحها وينهى عن الوأد ويغلظ فعلته، ويجعلها موضوعا من موضوعات الحساب يوم القيامة، يذكره في سياق هذا الهول الهائج المائج، كأنه حدث كوني من هذه الأحداث العظام، ويقول:إن الموءودة ستسأل عن وأدها.. فكيف بوائدها؟!

 وما كان يمكن أن تنبت كرامة المرأة من البيئة الجاهلية أبدا ؛ لولا أن تتنزل بها شريعة الله ونهجه في كرامة البشرية كلها، وفي تكريم الإنسان:الذكر والأنثى ؛ وفي رفعه إلى المكان اللائق بكائن يحمل نفخة من روح الله العلي الأعلى. فمن هذا المصدر انبثقت كرامة المرأة التي جاء بها الإسلام، لا من أي عامل من عوامل البيئة)([26])

تناقض وأوهام:

والقرآن الكريم يذكر حالة أخرى مناقضة لهذه الحالة، أو قد تكون هروبا من هذه الحالة، حيث أن الجاهلي الذي يستقبل ابنته هذا الاستقبال، ويعاملها هذه المعاملة لا يأنف من نسبة الإناث إلى الله، قال تعالى:{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ)(الزخرف:17)، وقال تعالى:{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ)(النحل:57)

بل جعلوا الملائكة ـ وهم في نظرهم في منتهى العلو والرفعة ـ إناثاً، واعتبروهم بنات اللّه، فعبدوها معه، فنسبوا إليه تعالى الولد ولا ولد له، ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد في تصورهم، وهو البنات وهم لا يرضونها لأنفسهم، قال تعالى:{ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى)(النجم:21،22)

ومثل هذا التناقض تقع فيه جميع الجاهليات، ففي عصرنا الحديث نرى التفاوت العظيم بين الخطاب النظري والسلوك العملي في التعامل مع المرأة، فبينما يدافعون عن المرأة وينتصرون لها، وينصبون أنفسهم محامين عن مصالحها إذا بهم يزجون بها في المواخير والحانات ويجعلونها لوحة إشهارية على سلعهم ومنتجاتهم، يبتذلون كرامتها ويهينونها بكل صنوف الإهانات، ويعتبرون بعد ذلك هذا السلوك حضارة ورقيا وتحررا.

3 ـ الجزاء على الإحسان لها:

فقد ورد في النصوص الإخبار بالجزاء العظيم الذي أعده الله لمن رزق ببنات، فأحسن تأديبهن وتعليمهن، ومن أنواع الثواب المذكورة:

الحجاب من النار:

فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من كانت له بنت فأدبها فأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له سترا أو حجابا من النار)([27])

و جاء في الحديث عن عائشة قالت: جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها إياها فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئا، ثم قامت فخرجت وابنتاها، فدخل علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحدثته حديثها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار)([28])

ففي هذا الحديث إخبار بأول جزاء يناله من رزق إناثا، فأحسن إليهن، وبرهن، وهو أن هؤلاء البنات يقفن حجابا بينه وبين النار.

وقد عبر في الحديث عن هبة الإناث بأن ذلك من البلاء، وهذا مما قد يساء فهمه، خاصة مع أن النص القرآني عبر عن هذا بالهبة، وقد تكلم العلماء في توجيه هذا اللفظ([29])، ومن الأقوال في ذلك:

1 ـ أن الناس يكرهون البنات فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك ورغب في إبقائهن وترك قتلهن بما ذكر من الثواب الموعود به من أحسن إليهن وجاهد نفسه في الصبر عليهن.

2 ـ أن معنى الابتلاء هنا الاختبار أي من اختبر بشيء من البنات لينظر ما يفعل أيحسن إليهن أو يسيء ولهذا قيده في حديث أبي سعيد بالتقوى، فإن من لا يتقي الله لا يأمن أن يتضجر بمن وكله الله إليه أو يقصر عما أمر بفعله أولا يقصد بفعله امتثال أمر الله وتحصيل ثوابه.

ونرى أن المقام الذي وقفت فيه هذه المرأة الفقيرة ـ التي كانت سببا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ـ مقام بلاء وفتنة، فلذلك عبر صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك بلفظ البلاء.

زيادة على أن الله تعالى في القرآن الكريم عبر عن نعمه بكونها بلاء من الله وفتنة، كما قال تعالى:{ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)(الانبياء:35)، فالبلاء قد يكون خيرا وقد يكون شرا.

بل عبر الله تعالى عن نعمة الأموال والأولاد بأنها من الفتنة والبلاء، قال تعالى:{ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (لأنفال:28)، وقال تعالى معبرا بصيغة الحصر:{ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (التغابن:15)

دخول الجنة:

وقد ورد في ذلك حديث حسن، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يكون لأحد ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان فيتقي الله فيهن ويحسن إليهن إلا دخل الجنة)([30])

وفي حديث آخر أن سول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(من كان له ثلاث بنات، فصبر على لأوائهن وضرائهن وسرائهن، أدخله الله الجنة برحمته إياهن). فقال رجل: واثنتان يا رسول الله؟ قال: (واثنتان). قال رجل: يا رسول الله، وواحدة؟ قال: (وواحدة)([31])

وروى ابن عباس مرفوعاً (من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها، ولم يؤثر ولده – يعني الذكور – عليها، أدخله الله الجنة).

مرافقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة:

 وهذا أعظم جزاء تهفوا إليه قلوب المؤمنين، وقد عبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الجزاء الجزيل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو)([32]) وضم أصابعه.

وهذا الجزاء الأخير الذي هو قمة الجزاء، لا يناله إلا من بالغ في الإحسان إليهن، وفي اتقاء الله فيهن، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل، وقد روي من ذلك الكثير، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول في فاطمة:(فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني)([33])

وكان يقول فيها:(فاطمة بضعة مني، يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري)

وقال لعلي:(فاطمة أحب إلي منك، وأنت أعز إلي منها)([34])

ولأجل هذا قال صالح بن أحمد: كان أبي إذا ولد له ابنة يقول:(الأنبياء كانوا آباء بنات)ويقول:(قد جاء في البنات ما قد علمت)

وقال يعقوب بن بختان:(ولد لي سبع بنات فكنت كلما ولد لي ابنة دخلت على أحمد بن حنبل، فيقول لي:(يا أبا يوسف الأنبياء آباء بنات)فكان يذهب قوله همي)

ويذهب الإسلام بعد ذلك إلى كراهة الإساءة إليها وضربها وإساءة معاملتها… كان لعبد الله بن رواحة جارية تتعاهد غنمه فعدا ذئب عليها فأكل واحدة منها، فضربها عبد الله على وجهها ثم ندم، فأخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بما فعل، فغضب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم غضباً شديداً حتى احمر وجهه وهاب أصحابه أن يكلموه وقال لعبد الله: ضربت وجه مؤمنة؟ وما عسى الصبية أن تفعل بالذئب؟ وما عسى الصبية أن تفعل بالذئب؟ وما زال يكرر ذلك.

وعن أبي ظبية قال: مرض عبد اللّه مرضه الذي توفي فيه، فعاده عثمان بن عفّان، فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه، قال: يكون لبناتك من بعدك، قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، وإني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول:(من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً)([35])

وعن أبي قتادة قال: بينما نحن على باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلوس إذا خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجمل أمامة بنت أبي العاص بين الربيع، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي صبية فصلى وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع ويعيدها على عاتقه إذا قام، حتى قضى صلاته)([36])

 هكذا ينبغي أن يكون الأب مع البنت حتى في العبادة بين يدي الله تعالى، وكانت فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخلت على أبيها رحب بها وقام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه.

تحديد سلطات الأب على بناته:

وذلك في مقابل السلوك الجاهلي الذي يفرض على المرأة سلطة من كل الجهات، فهي تحت استبداد أبيها، وتسلط أخيها، وهيمنة قبيلتها، فجاء الإسلام ليخلصها من كل ذلك.

وإلى هذا التحرر الإشارة بقوله تعالى:{ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)(القصص:25 ـ 26)

فهاتين الآيتين ترسم صورة لبنات الصالحين، فهي تخرج من بيتها، ولكن على استحياء، وهي تشير على أبيها لا يمنعها استبداده، ولا تقف عقدة الخجل بينها وبين إبداء رأيها، بل الاستدلال له والبرهنة عليه والدفاع عنه.

وكان رأيها فيه في قمة الصحة، حتى اعتبره عبدالله بن مسعود من الفراسة، فقال:(أحسن الناس فراسة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال:{ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً } (يوسف:21)، وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى:{ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص:26))

وهكذا يمهد القرآن الكريم الأرضية الإيمانية التي تقبل المرأة كائنا اجتماعيا له رأيه وشخصيته التي لا تختلف عن الرجل في قليل أو كثير.

وانطلاقا من هذا لم تجعل الشريعة للأب أي سلطة على بناته سوى سلطة التأديب والرعاية والتهذيب الديني والخلقي، مثل إخوانها الذكور، فيأمرها بالصلاة إذا بلغت سبع سنين، ويضربها عليها إذا بلغت عشراً، ويفرق حينئذ بينها وبين إخوتها في المضجع، ويلزمها أدب الإسلام في اللباس والزينة والخروج والكلام، وينفق عليها واجبة ديناً وقضاءً حتى تتزوج.

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يبطل زواج من أجبرها أبوها بمن لا ترضاه، وقد سبق في الأجزاء الماضية معرفة قصة خنساء بنت خدام الأنصارية من (أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرد نكاحها)

وقد ذكرنا التفاصيل الكثيرة لذلك في أجزاء هذه السلسلة.


([1])  أحمد في المسند 4/269، ونص الحديث هو أن رجلا اسمه بشير جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:« إن زوجته سألته أن يعطي ابنها غلاماً عبدا، ويشهد رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم »، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:« أله إخوة؟ قال: نعم. قال:« أفكلهم أعطيته مثل ما أعطيته؟»، قال: لا. قال:« فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا علي حق »، وفي رواية قال صلى الله عليه وآله وسلم:« لا تشهدني علي جور، إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم ».

([2])  رواه أبو داود.

([3])  البيهقي وإسناده حسن.

([4])  إحكام الأحكام: 2/155.

([5])  والأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد كالأب ؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:« اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم » ولأنها أحد الوالدين، فمنعت التفضيل كالأب، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحسد والعداوة، يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها، فثبت لها مثل حكمه في ذلك.

([6])  نقل ابن حزم عن طاووس أنه قال في الولد:« لا يفضل أحد على أحد بشعرة، النحل باطل، هو من عمل الشيطان، اعدل بينهم كبارا وأبنهم به، قال ابن جريج: قلت له: هلك بعض نحلهم ثم مات أبوهم ؟ قال: للذي نحله مثله من مال أبيه »المحلى: 8/95.

([7])  المحلى:2/95.

([8])  المحلى:2/95.

([9])  المحلى:2/95.

([10])  بدائع الصنائع: 6/127.

([11])  المغني: 5/388.

([12])  ومثل هذا الاختلاف اختلافهم في سائر الأقارب، فقد اختلفوا على قولين:

القول الأول: ليس عليه التسوية بين سائر أقاربه، ولا إعطاؤهم على قدر مواريثهم سواء كانوا من جهة واحدة، كإخوة وأخوات، وأعمام وبني عم، أو من جهات، كبنات وأخوات وغيرهم، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1.أنها عطية لغير الأولاد في صحته، فلم تجب عليه التسوية، كما لو كانوا غير وارثين.

2.أن الأصل إباحة تصرف الإنسان في ماله كيف شاء، وإنما وجبت التسوية بين الأولاد بالخبر، وليس غيرهم في معناهم.

3.أن الأولاد استووا في وجوب بر والدهم، فاستووا في عطيته، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم « أيسرك أن يستووا في برك ؟ قال: نعم. قال: فسو بينهم »، ولم يوجد هذا في غيرهم.

4.أن للوالد الرجوع فيما أعطى ولده، فيمكنه أن يسوي بينهم باسترجاع ما أعطاه لبعضهم، ولا يمكن ذلك في غيرهم.

5.أن الأولاد لشدة محبة الوالد لهم، وصرف ماله إليهم عادة. يتنافسون في ذلك، ويشتد عليهم تفضيل بعضهم، ولا يباريهم في ذلك غيرهم، فلا يصح قياسه عليهم، ولا نص في غيرهم.

6.أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علم لبشير زوجة، ولم يأمره بإعطائها شيئا حين أمره بالتسوية بين أولاده، ولم يسأله هل لك وارث غير ولدك ؟

القول الثاني: المشروع في عطية الأولاد وسائر الأقارب، أن يعطيهم على قدر ميراثهم، فإن خالف وفعل، فعليه أن يرجع ويعمهم بالنحلة، وهو قول أبي الخطاب، قياسا على الأولاد، لأنهم في معناهم، فثبت فيهم مثل حكمهم.

([13])  سعيد في سننه.

([14])  بدائع الفوائد: 3/672.

([15])  أما إن خص في مرض موته بعض ورثته فإنه لا ينفذ ؛ لأن العطايا في مرض الموت بمنزلة الوصية، في أنها تعتبر من الثلث إذا كانت لأجنبي إجماعا، فكذلك لا تنفذ في حق الوارث، قال ابن المنذر:« أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، أن حكم الهبات في المرض الذي يموت فيه الواهب، حكم الوصايا ».

([16])  إلا أنه قال: إذا مات الرجل فهو ميراث بينهم، لا يسع أن ينتفع أحد مما أعطي دون إخوته وأخواته.

([17])  الظلال: 2178.

([18])  وقد يتعلل البعض هنا بقوله تعالى:) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى)(آل عمران:36)، فاعتبر الذكورة خيرا من الأنوثة، وهذا خطأ كبير، وهو تحميل للآية ما لا تحتمله، لأن هذه المرأة الصالحة إنما قصدت بكلامها « أنها نذرت خدمة المسجد في ولدها، فلما رأته أنثى لا تصلح وأنها عورة اعتذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدته فيها».

([19])  تحفة المودود: 20.

([20])  من الأسرار التي ذكرها العلماء لتقديم الأنثى على الذكر في الآية:

1.جبرا لهن لأجل استثقال الوالدين لمكانهن.

2. إنما قدمهن لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء لا ما يشاء الأبوان فان الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبا وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء فبدأ بذكر الصنف الذي يشاء ولا يريده الأبوان، وهذا أحسن من الذي قبله.

3.أنه سبحانه قدم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدوهن « أي هذا النوع المؤخر عندكم مقدم عندي في الذكر » وقد ذكر هذا الوجه ابن القيم واختاره.

([21])  ذكر القرطبي عن بعض العرب أن امرأته ولدت بنتا، فهجر البيت وصار في بيت زوجته الأخرى، فقالت:

ما لأبي حمــزة لا يأتيـــنا غضـبان ألا نـلد البنينا

يظل في البيت الذي يليــــنا تالله ما كان ذلك في أيدينا

بل نحن كالأرض لزارعـينــا يلبث ما قد زرعوه فيـنا

وإنما نأخذ ما أعطينا.

([22])  الظلال: 1160.

([23])  يريد أنها لا تستطيع أن تنصر أباها وأهلها إلا بالصراخ والبكاء لا بالقتال، ولا أن تبرهم إلا بأن تأخذ من مال زوجها لأهلها.

([24])  الظلال: 2178.

([25])  وقد كان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا، ويمنعون منه، حتى افتخر به الفرزدق، فقال:

ومنا الذي منع الوائدات   فأحيا الوئيد فلم يوأَد

يعني جده صعصعة كان يشتريهن من آبائهن. فجاء الإسلام وقد أحيا سبعين موؤودة.

([26])  الظلال: 3840.

([27])  أبو نعيم.

([28])  مسلم.

([29])  واختلف في المراد بالابتلاء هل هو نفس وجودهن أو ابتلى بما يصدر منهن وكذلك هل هو على العموم في البنات أو المراد من اتصف منهن بالحاجة إلى ما يفعل به.

([30])  أبو داود.

([31])  الخرائطي في مكارم الأخلاق.

([32])  مسلم.

([33])  الترمذي كتاب المناقب باب فضل فاطمة… رقم 3869 وقال: حسن صحيح.

([34])  الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة.

([35])  ابن عساكر وأبو يعلى، وقال بعده: فكان أبو ظبية لا يدعها.

([36])  البخاري.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *