الفصل الثاني: موانع الزواج

الفصل الثاني

موانع الزواج

لقد اقتضت حكمة الله تعالى في الموازنة بين حاجات الإنسان النفسية والاجتماعية، وحفظ تنظيم حياة الرجل مع المرأة، أن لا يترك للرجل الزواج بكل من شاء من النساء، بل هناك من النساء من تقتضي المصلحة عدم الزواج بهن، لارتباطه معهن بعلاقات أخرى، أو لارتباطهن بعلاقات أخرى.

وهذا التنظيم نص عليه ـ لأهميته ـ القرآن الكريم مجموعا في موضع واحد في قوله تعالى:{ وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء:22 ـ 24)

ونص على جنس آخر منه، أو قريب منه في قوله تعالى:{ وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } (البقرة:221)

وانطلاقا من هذين الموضعين سنتحدث في هذا الفصل عن موانع الزواج سواء كانت على التأبيد، أو كانت مقيدة بقيود معينة تؤقت بها.

فلذلك اكتفينا في هذا الفصل بمبحثين: أحدهما للموانع المؤبدة، والثاني: للموانع المؤقتة.

وقد فصلنا بينهما لاختلاف المقاصد الشرعية في كلا القسمين، ولاختلاف نوع المحرمية في كليهما أيضا، ولكثرة المسائل المتعلقة بكل واحد منهما، والتي تستدعي إفراد الكلام عنها.

ونشير هنا إلى أن معظم ما نراه من ترجيحات في هذا القسم يقتبس من مشكاة قوله تعالى:{ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} (النساء:24)، وهو اعتبار أن الأصل إباحة كل النساء للزواج بمن شاء بهن من الرجال إلا من ورد الدليل الصريح الصحيح باستثنائه.

وذلك لأن المصلحة تقتضي ذلك، فقد يتعلق قلب الرجل بامرأة، ثم يفتى له بتحريمها، مع ورود الخلاف في ذلك، وقد يكون في ذلك فتنة له، أو فتنة لها، والشرع جاء لسد أبواب الفتن لا لفتحها.

أولا ـ موانع الزواج المؤبدة

نتناول في هذا المبحث النوع الأول من أنواع الموانع، وهي الموانع التي وضعها الشرع لتحرم المرأة على التأبيد، باعتبارها أهم الموانع، وهي الأصل عند الإطلاق، وقد قسمنا الحديث عنها إلى أربعة مطالب هي:

  1. مدخل إلى موانع الزواج المؤبدة، وقد تحدثنا فيه عن الأحكام الأصلية والعارضة لهذه الموانع.
  2. المحرمات بالنسب.
  3. المحرمات بالمصاهرة.
  4. المحرمات بالرضاعة.

1 ـ مدخل إلى موانع الزواج المؤبدة

أ ـ تعريفات:

المانع: عرفه الأصوليون والفقهاء بأنه ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم([1]).

وهو إما أن يكون مانعا للحكم، وتعريفه: بأنه وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع بقاء حكم المسبب، أو يكون المانع لسبب الحكم، والمانع هنا: وصف يخل وجوده بحكمة السبب، وسمي الأول: مانع الحكم، لأن سببه مع بقاء حكمته لا يؤثر. والثاني: مانع السبب، لأن حكمته فقدت مع وجود صورته فقط.

التأبيد: هو تقييد التصرف بالأبد، وهو الزمان الدائم بالشرع أو العقد، ويقابله التوقيت والتأجيل، فإن كلا منهما يكون إلى زمن ينتهي.

ب ـ أسباب التحريم على التأبيد وتأصيلها:

للتحريم على التأبيد سببان هما:

نسب: ويراد به هنا القرابة القريبة، ويعبر عن صاحبها بذي الرحم المحرم أي صاحب قرابة يحرم الزواج به.

سبب: ويحرم بالسبب لعلتين: المصاهرة، وهي العلاقة التي تترتب على عقد الزواج وما ألحق به، والرضاع.

وقد نص على أكثر هذه المحرمات في القرآن الكريم، وذلك في الآيتين التاليتين، واللتين لخصتا بإيجاز بليغ معجز كل التفاصيل الفقهية التي ذكرها العلماء:

  1. قوله تعالى: { وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا}(النساء:22)
  2. قوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}(النساء:23)

ج ـ الحكمة من تحريم هذه الأصناف:

عرفت المحارم في جميع الأمم، البدائية والمترقية على السواء، وقد تعددت أسباب التحريم، وطبقات المحارم عند شتى الأمم، واتسعت دائرتها في الشعوب البدائية، ثم ضاقت في الشعوب المترقية، وقد ألغى الإسلام كل أنواع القيود الأخرى، التي عرفتها المجتمعات البشرية الأخرى. كالقيود التي ترجع إلى اختلاف الأجناس البشرية وألوانها وقومياتها، والقيود التي ترجع إلى اختلاف الطبقات ومقاماتها الاجتماعية في الجنس الواحد والوطن الواحد، ومن العلل التي ذكرها العلماء لتخصيص هذه الأصناف بالتحريم([2]):

  1. إن الزواج بين الأقارب يضوي الذرية، ويضعفها مع امتداد الزمن، لأن استعدادات الضعف الوراثية قد تتركز وتتأصل في الذرية. على عكس ما إذا تركت الفرصة للتلقيح الدائم بدماء أجنبية جديدة، تضاف استعداداتها الممتازة، فتجدد حيوية الأجيال واستعداداتها.
  2. إن بعض الطبقات المحرمة كالأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وكذلك نظائرهن من الرضاعة. وأمهات النساء، وبنات الزوجات – الربائب والحجور – يراد أن تكون العلاقة بهن علاقة رعاية وعطف، واحترام وتوقير، فلا تتعرض لما قد يجد في الحياة الزوجية من خلافات تؤدي إلى الطلاق والانفصال مع رواسب هذه الانفصال – فتخدش المشاعر التي يراد لها الدوام.
  3. إن بعض هذه الطبقات كالربائب في الحجور، والأخت مع الأخت، وأم الزوجة وزوجة الأب، لا يصح خدش المشاعر البنوية أو الأخوية فيها. فالأم التي تحس أن ابنتها قد تزاحمها في زوجها، والبنت والأخت كذلك، لا تستبقي عاطفتها البريئة تجاه بنتها التي تشاركها حياتها، أو أختها التي تتصل بها، أو أمها، وهي أمها، وكذلك الأب الذي يشعر أن إبنه قد يخلفه على زوجته. والابن الذي يشعر أن أباه الراحل أو المطلق غريم له، لأنه سبقه على زوجته، ومثله يقال في حلائل الأبناء الذين من الأصلاب، بالنسبة لما بين الابن والأب من علاقة لا يجوز أن تشاب.
  4. إن علاقة الزواج جعلت لتوسيع نطاق الأسرة، ومدها إلى ما وراء رابطة القرابة. ومن ثم فلا ضرورة لها بين الأقارب الأقربين، الذين تضمهم آصرة القرابة القريبة. ومن ثم حرم الزواج من هؤلاء لانتفاء الحكمة فيه، ولم يبح من القريبات إلا من بعدت صلته، حتى ليكاد أن يفلت من رباط القرابة.

د ـ حكم الاشتباه في التحريم:

نص الفقهاء على أن الأصل في الأبضاع التحريم([3])، فإذا تقابل في المرأة حل وحرمة غلبت الحرمة، وقد بنوا على منع الاجتهاد فيما إذا اختلطت محرم بنسوة قرية كبيرة، فإنه ليس أصلهن الإباحة حتى يتأيد الاجتهاد باستصحابه.

ولهذا كانت موانع الزواج تمنع في الابتداء والدوام لتأيدها واعتضادها بهذا الأصل، أما لو اختلطت محرمة بنسوة غير محصورات فإن له الزواج بمن شاء منهن كي لا تتعطل مصلحة الزواج، وقد قال الخطابي:(لا يكره لأنها رخصة من الله تعالى)

هـ ـ حكم الزواج بالمحارم المؤبدة:

أجمع العلماء على حرمة الزواج بالمحارم، واعتبروا ذلك من أكبر الكبائر، واختلفوا في عقوبة من فعل ذلك على قولين([4]):

القول الأول: أنه زان يجب عليه الحد الشرعي، وهو قول الحسن، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن – صاحبي أبي حنيفة، قال السرخسي: (من زنا بابنته فانه يلزمه من الحد ما يلزمه إذا زنا بالأجنبية لتغليظ جنايته هاهنا بكونها محرمة عليه على التأبيد)([5])

القول الثاني: أن يقتل فاعل ذلك محصنا كان أو غير محصن، وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهو مذهب الإمامية، وهم أكبر من تشدد في ذلك، قال الشيخ المفيد: (ومن زنى بذات محرم له، كعمته، أو خالته، أو بنت أخيه، أو بنت اخته، ضربت عنقه، محصنا كان، أو غير محصن. وكذلك الحكم فيمن زنى بأمه، أو ابنته، أو اخته. والاثم له في ذلك أعظم، والعقوبة له أشد. ومن عقد على واحدة ممن سميناه، وهو يعرف رحمه منها، ثم وطأها، ضربت عنقه، وكان حكمه حكم الواطي لهن بغير عقد، بل وطؤهن بالعقد الباطل أعظم في المأثم، لأنه بالعقد مخالف للشرع، محتقب لعظيم الوزر، مستخف بالدين، متلاعب بأحكام رب العالمين، وبالوطئ على أعظم ما يكون من الفجور، وارتكاب المحظور، فهو جامع بين عظائم موبقات، وأوزار مثقلات، وقبائح مهلكات، وإذا وطئ من غير عقد لذات محرم منه فقد أتى بالاثم بعض ما أتاه الجامع بين العقد والفعل، كما ذكرناه)([6])

وقال العلامة الحلي: (القتل يجب على من زنا بذات محرم كالام والبنت والاخت وبنت الاخت والعمة والخالة والزانى بامراة ابيه)([7])

وهو أيضا مذهب الظاهرية مع التفريق بين نوع المحارم، وقد عبر عن ذلك بقوله: (وأما نحن، فلا يجوز أن نتعدى حدود الله فيما وردت به، فنقول: إن من وقع على امرأة أبيه – بعقد أو بغير عقد أو عقد عليها باسم نكاح وإن لم يدخل بها – فإنه يقتل ولا بد – محصنا كان أو غير محصن – ويخمس ماله، وسواء أمه كانت أو غير أمه، دخل بها أبوه أو لم يدخل بها، وأما من وقع على غير امرأة أبيه من سائر ذوات محارمه – كأمه التي ولدته من زنى أو بعقد باسم نكاح فاسد مع أبيه – فهي أمه وليست امرأة أبيه، أو أخته، أو ابنته، أو عمته أو خالته أو واحدة من ذوات محارمه بصهر، أو رضاع – فسواء كان ذلك بعقد أو بغير عقد هو زان، وعليه الحد فقط، وإن أحصن عليه الجلد والرجم كسائر الأجنبيات لأنه زنى، وأما الجاهل في كل ذلك فلا شيء عليه) ([8])

ومن الأدلة التي استدلوا بها على ذلك:

  1. عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أباه – هو جد معاوية – إلى رجل أعرس بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمس ماله([9]).
  2. عن البراء، قال: مر بنا ناس ينطلقون قلنا: أين تريدون؟ قالوا: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجل أتى امرأة أبيه أن نضرب عنقه) قال ابن حزم:(هذه آثار صحاح تجب بها الحجة([10])
  3. أن رجلا أسلم وتحته أختان، فقال له علي بن أبي طالب: لتفارقن إحداهما، أو لأضربن عنقك؟

القول الثالث: لا حد عليه في ذلك كله، ولا حد على من تزوج بهن ولو كان عالما بقرابتهن منه، عالما بتحريمهن عليه، والولد لاحق به، والمهر واجب لهن عليه، وليس عليه إلا التعزير دون الأربعين فقط، فإن وطئهن بغير عقد زواج فهو زنى، عليه ما على الزاني من الحد، وهو قول سفيان الثوري، وأبي حنيفة، ودليلهم على ذلك([11]):

  1. أن اسم الزنى غير اسم الزواج فواجب أن يكون له غير حكمه، فإذا قلتم: زنى بأمه فعليه ما على الزاني، وإذا قلتم: تزوج أمه، فالزواج غير الزنى فلا حديث يحتاج إلى تخريج في ذلك، وإنما هو زواج فاسد، فحكمه حكم الزواج الفاسد، من سقوط الحد، ولحاق الولد، ووجوب المهر.
  2. عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن طليحة نكحت في عدتها، فأتي بها عمر، فضربها ضربات بالمخفقة، وضرب زوجها وفرق بينهما، وقال:(أيما امرأة نكحت في عدتها فرق بينها وبين زوجها الذي نكحت ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر وإن كان دخل بها الآخر ثم لم ينكحها أبدا، وإن لم يكن دخل بها اعتدت من الأول وكان الآخر خاطبا من الخطاب)
  3. أن العقوبات إنما تؤخذ من جهة التوقيف لا من جهة القياس فالله تعالى حرم الميتة والدم ولحم الخنزير كما حرم الخمر، وقد جعل على شارب الخمر حدا لم يجعل مثله على أكل لحم الخنزير ولا على أكل لحم الميتة وإن كان تحريم ما أتى به كتحريم ما أتى ذلك، وكذلك قذف المحصنة جعل الله فيه جلد ثمانين وسقوط شهادة القاذف وإلزام اسم الفسق، ولم يجعل ذلك فيمن رمى رجلا بالكفر، والكفر في نفسه أعظم وأغلظ من القذف، فكانت العقوبات قد جعلت في أشياء خاصة، ولم يجعل في أمثالها ولا في أشياء هي أعظم منها وأغلظ، فكذلك ما جعل الله تعالى من الحد في الزنا لا يجب به أن يكون واجبا فيما هو أغلظ من الزنا.

وقد أجابوا على الأحاديث التي استدل بها مخالفوهم بالوجوه التالية:

الوجه الأول: لما لم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرسول بالرجم، وإنما أمره بالقتل ثبت بذلك أن ذلك القتل ليس بحد للزنا، ولكنه لمعنى خلاف ذلك، وهو أن ذلك المتزوج، فعل ما فعل من ذلك على الاستحلال كما كانوا يفعلون في الجاهلية فصار بذلك مرتدا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل به ما يفعل بالمرتد، ولهذا يقول أبو حنيفة وسفيان في هذا المتزوج إذا كان أتى في ذلك على الاستحلال أنه يقتل.

الوجه الثاني: أن في الحديث الذي احتج به مخالفوهم (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عقد لأبي بردة الراية) ولم تكن الرايات تعقد إلا لمن أمر بالمحاربة، والمبعوث على إقامة حد الزنا، غير مأمور بالمحاربة.

الوجه الثالث: في الحديث أيضا أنه بعثه إلى رجل تزوج امرأة أبيه وليس فيه أنه دخل بها. فإذا كانت هذه العقوبة وهي القتل مقصودا بها إلى المتزوج لتزوجه دل ذلك أنها عقوبة وجبت بنفس العقد لا بالدخول ولا يكون ذلك إلا والعاقد مستحل لذلك.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على ما ورد في النصوص الدالة على حكم ذلك، وبناء على كون مثل هذا الزواج أعظم حرمة من الزنا، وإغلاقا لباب مثل هذه الرذائل وردعا لأصحاب مثل هذه النفوس.

2 ـ المحرمات من النسب

يحرم بهذا السبب أصنافاً أربعة، وهي المجموعة في قوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ} (النساء: 23)، وقد جمعت هذه الأصناف في قولهم:(يحرم على الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل بعده) ([12])، وهذه الأصناف هي:

أ ـ أصول الرجل من النساء:

ويشمل هذا الصنف الأمهات، وهن كل من انتسب إليها بولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة، وهي الوالدة، أو مجازا، وهي التي ولدت الوالدين وإن علت، من ذلك الجدتان: أم الأم وأم الأب، وجدتا الأم وجدتا الأب، وجدات الجدات، وجدات الأجداد، وإن علون وارثات كن أو غير وارثات، كلهن أمهات محرمات، ومن الأدلة على تحريمهن:

  1. كلمة (أُمَّهَاتُكُمْ) في الآية السابقة، لأن الأم في لغة العرب تطلق على من ولدت الشخص مباشرة، وعلى الجدة أيضاً باعتبارها أصلاً له، لأن الأم عندهم هي الأصل، فمعنى هذه الجملة حرمت عليكم أصولكم من النساء.
  2. الإجماع، فقد انعقد الإجماع بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن الأمهات تشمل من ذكرنا، وقد نقل الإجماع على ذلك كل العلماء([13])، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة.
  3. أن الله تعالى حرم العمات والخالات، وهن أولاد الأجداد والجدات، فكانت الجدات أقرب منهن، فكان تحريمهن تحريما للجدات من طريق الأولى كتحريم التأفيف نصا، يكون تحريما للشتم والضرب دلالة([14]).

ب ـ فروع الرجل من النساء:

وهن كل أنثى انتسب إليها بولادة كابنة الصلب، وبنات البنين والبنات، وإن نزلت درجتهن، وارثات أو غير وارثات مهما نزلت درجتهن، ومن الأدلة على تحريم هذا الصنف:

  1. قوله تعالى: { وَبَنَاتُكُمْ }، والبنات في اللغة العربية هن فروع الرجل من النساء، فكأن المعنى: وفروعكم، فإن كل امرأة بنت آدم، كما أن كل رجل ابن آدم.
  2. قوله تعالى في الآيات الكثيرة:{ يا بني آدم }، وهو دليل على أن كل فرع مهما بعد يعتبر ولدا، ومثله قوله تعالى:{ يا بني إسرائيل}
  3. الإجماع، فقد انعقد الإجماع على أن المراد بالبنات الفروع، فيتناول بنات الأبناء وبنات البنات مهما نزلن.
  4. أن القرآن الكريم صرح بتحريم بنات الأخ وبنات الأخت، وهن أبعد من بنات الابن وبنات البنت، فتدل الآية على تحريمهن بطريق دلالة النص.

وقد اختلف الفقهاء ـ هنا ـ في اعتبار بنت الزنا من المحرمات المؤبدة بسبب كونها من الفروع على قولين([15]):

القول الأول: أنها لا تحرم عليه، وهو قول الشافعية، وقول للمالكية، قال ابن قدامة: (ويحرم على الرجل نكاح بنته من الزنى، وأخته، وبنت ابنه، وبنت بنته، وبنت أخيه، وأخته من الزنى. وهو قول عامة الفقهاء. وقال مالك، والشافعي في المشهور من مذهبه: يجوز ذلك كله)([16])

وعللوا ذلك بكونها أجنبية عنه ولا تنسب إليه شرعاً، ولا يجري التوارث بينهما، ولا تلزمه نفقتها، ولا يلي زواجها، ونحو ذلك من أحكام النسب، وإذا لم تكن بنتا في الشرع لم تدخل في آية التحريم، فتبقى داخلة في قوله تعالى:{ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } (النساء: 24)، فلا تحرم عليه كسائر الأجانب، سواء أطاوعته أمها على الزنا أم لا.

وهم مع قولهم بعدم تحريمها يقولون بكراهة الزواج منها خروجا من الخلاف، وإذا لم تحرم عليه عندهم فأن لا تحرم على غيره من جهته أولى، أما المرأة فيحرم عليها وعلى سائر محارمها زواج ابنها من الزنا، لعموم الآية ولثبوت النسب والإرث بينهما، وهم يستدلون لذلك بعدم حرمة ما نتج عن الزنا فهي أجنبية عنه شرعا بدليل انتفاء سائر أحكام النسب عنها.

وقد اختلف في علة ذلك هل هي الزنا، أو لكونه لا يعرف نسبتها الحقيقية، فعلى العلة الأولى تحرم عليه مطلقا وعلى العلة الثانية (تحرم عليه إن تحقق أنها من مائه بأن أخبره بذلك نبي، كأن يكون في زمن عيسى صلى الله عليه وآله وسلم)([17])

وقد اختلف كذلك في المعنى المقتضي للكراهة، فقيل للخروج من الخلاف، كما قال السبكي، وقيل لاحتمال كونها منه، فإن تيقن أنها منه حرمت عليه، وهو اختيار جماعة من الشافعية منهم الروياني.

القول الثاني([18]): أنها تحرم عليه، فلا يجوز له التزوج بابنته من الزنا، وبنت ابنه وبنت بنته وإن نزلت، وبنت أخيه وبنت أخته من الزنا، وعمته وخالته، وكذا الأب والابن من الزنا، وكل من يحرم عليه بالنسب، وذهب إلى ذلك جماهير العلماء من الإمامية والحنفية والحنابلة والمالكية في الأصح عندهم.

وقد نص في المغني أنه لا فرق في ذلك بين علمه بكونها منه، مثل أن يطأ امرأة في طهر لم يصبها فيه غيره، ثم يحفظها حتى تضع، أو أن يشترك جماعة في وطء امرأة، فتأتي بولد لا يعلم هل هو منه أو من غيره فإنها تحرم على جميعهم لوجهين:

الوجه الأول: أنها بنت موطوءتهم.

الوجه الثاني: أننا نعلم أنها بنت بعضهم، فتحرم على الجميع، كما لو زوج الوليان، ولم يعلم السابق منهما، وتحرم على أولادهم لأنها أخت بعضهم غير معلوم، فإن ألحقتها القافة بأحدهم حلت لأولاد الباقين، ولم تحل لأحد ممن وطئ أمها لأنها في معنى ربيبته ([19]).

وقد استدل أصحاب هذا القول على ذلك بـما يلي:

  1. قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ }(النساء:23) والآية تتناول كل من شمله هذا اللفظ سواء كان حقيقة أو مجازا، وسواء ثبت في حقه التوارث وغيره من الأحكام أم لم يثبت، إلا التحريم خاصة.
  2. قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في امرأة هلال بن أمية بعد الملاعنة:(إن جاءت به أصيهب أريسح حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الآليتين فهو الذي رميت به، فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الآليتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) ([20])
  3. أنها أنثى مخلوقة من مائه، وهي حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة.
  4. أنها بضعة منه، فلم تحل له، كبنته من الزواج، وتخلف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتا، كما لو تخلف لرق أو اختلاف دين.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو قول الجمهور، وثبوت الحرمة بالزنا لأنها ابنته حقيقة وشرعا، أما عدم انتسابها إليه أو عدم إرثها منه، فهو للشك في كونها منه أو من غيره، ولهذا لما زال الشك في حق أمها لأنها هي التي ولدتها نسبت إليها وورثت منها.

والسبب الذي جر إلى القول الأول هو تعميم أحكام الميراث على أحكام النسب، وهما مختلفان اختلافا شديدا، لأن أحكام النسب تتبعض فتثبت من وجه دون وجه، وهو الذي يسميه بعض الفقهاء (حكما بين حكمين) ([21])، فقد وافق أكثر المنازعين في ولد الملاعنة على أنه يحرم على الملاعن، ولا يرثه، واختلفوا في استلحاق ولد الزنا إذا لم يكن فراشا على قولين، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ألحق ابن وليدة زمعة بن الأسود بن زمعة ابن الأسود وكان قد أحبلها عتبة بت أبي وقاص، فاختصم فيه سعد وعبد ابن زمعة،فقال سعد: ابن أخي عهد إلي أن ابن وليدة زمعة، هذا ابني فقال عبد: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراش أبي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(هو لك يا عبد بن زمعة،الولد للفراش وللعاهرالحجر،احتجبي منه يا سودة) ([22]) لما رأى من شبهه البين بعتبة، فجعله أخاها في الميراث دون الحرمة([23]).

ويلزم الشافعية بناء على هذا أن لا ينسبوا الفرع من الزنا إلى أمه، وأن لا يورثوه، لأن الإرث الحلال لا يأتي به الحرام.

وسنأتي لمزيد من التفاصيل المرتبطة بهذه المسألة وأدلتها والمقاصد الشرعية المرتبطة بثبوت الأنساب في محلها من هذه السلسلة.

ج ـ فروع أبويه من النساء:

ويشمل هذا الصنف أخواته وبناتهن وبنات إخوته مهما نزلت درجتهن يستوي في ذلك الأخوة والأخوات من جهتين أو من جهة واحدة.

ولا تحرم أخت الأخت إذا لم تكن أختا، وتفسير ذلك ـ كما يذكر ابن العربي ـ أن يكون لرجل اسمه زيد زوجتان عمرة وخالدة، وله من عمرة ولد اسمه عمرو، ومن خالدة بنت اسمها سعادة، ولخالدة زوج اسمه عمرو، وله منها بنت اسمها حسناء، فزوج زيد ولده عمرا من حسناء، وهي أخت أخت عمرو([24]).

ومن أدلة تحريم هذا هذا الصنف:

  1. مجموع قوله تعالى: {وَأَخَوَاتُكُمْ } وقوله: { وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ}
  2. انعقاد الإجماع على ذلك بناء على صراحة النص القرآني.

د ـ فروع الأجداد والجدات المنفصلات بدرجة واحدة:

ويشمل العمة والخالة، أما العمة: فهي كل امرأة شاركت الأب ما علا في أصليه، والخالة: هي كل امرأة شاركت الأم ما علت في أصليها، أو في أحدهما على تقدير تعلق الأمومة كما تقدم.

ومن تفاصيل ذلك تحريم عمة الأب وخالته، لأن عمة الأب أخت الجد، والجد أب، وأخته عمة، وخالة الأب أخت جدته لأمه، والجدة أم، فأختها خالة، وكذلك عمة الأم أخت جدها لأبيها، وجدها أب وأخته عمة، وخالة أمها جدته، والجدة أم وأختها خالة، وتتركب عليه عمة العمة، لأنها عمة الأب كذلك، وخالة العمة خالة الأم كذلك، وخالة الخالة خالة الأم، وكذلك عمة الخالة عمة الأم.

قال ابن العربي بعد ذكر هذه التفاصيل التي استنبطها من آية المحرمات: (فتضمن هذا كله قوله تعالى: { وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ }(النساء: 23) بالاعتلاء في التحريم، ولم يتضمنه آية الفرائض بالاشتراك في المواريث، لسعة الحجر في التحريم وضيق الاشتراك في الأموال، فعرق التحريم يسري حيث اطرد، وسبب الميراث يقف أين ورد) ([25])

ومثلما ذكرنا سابقا في الأخت لا تحرم أم العمة ولا أخت الخالة على الصورة السابقة في الأخت.

أما الدرجة الثانية من هذا الصنف وما بعدها فهن حلال له، كبنات الأعمام والعمات وبنات الأخوال والخالات.

وقد دل على تحريم هذا الصنف الكتاب والإجماع:

أما الكتاب فقوله تعالى: { وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ} وكل من ينفصل عن الجد بدرجة يطلق عليه عمة أو خالة مهما علا الجد.

أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على ذلك.

وقد دل على إباحة فروع العمات والخالات، أن الآية اقتصرت عليهن، ولم تتعرض لبناتهن فبقين على الحل لدخولهن تحت قوله تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } (النساء: 24)

بل إنه قد ورد التصريح بحلهن في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} (الأحزاب: 50)

والأصل أن ما أحل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكون حلالاً لأمته إلا ما قام الدليل على اختصاصه به ولم يوجد هنا دليل يدل على هذا الاختصاص.

3 ـ المحرمات بالمصاهرة

عرف ابن عرفة المصاهرة بأنها (زوجة أصله وفرعه، ومن لها على زوجه ولادة، وفرع زوجة مسها، وإن لم تكن في حجره) ([26])

وسنتناول الحديث عن هذا الصنف في المطلبين التاليين:

أ ـ العلاقة المعتبرة في حرمة المصاهرة:

يختلف ثبوت المصاهرة بحسب نوع العلاقة التي نشأت عنها المباشرة الجنسية، ويمكن تصنيف أنواع العلاقات وارتباطها بحرمة المصاهرة كما يلي:

الزواج الصحيح:

اتفق العلماء على أن العلاقة الناتجة عن زواج صحيح أو ملك يمين تثبت به حرمة المصاهرة، ويعتبر محرما لمن حرمت عليه، لأنها حرمت عليه على التأبيد، بسبب مباح، أشبه النسب.

الزواج الفاسد:

وهو مثل الزواج الصحيح، إلا أنه لا يجب بالعقد الفاسد في الزواج حكمه، وإنما يجب بالوطء فيه، وفي حكمه الوطء بشبهة، كوطء امرأة ظنها امرأته، وأشباه هذا يتعلق به التحريم كتعلقه بالوطء المباح إجماعا، قال ابن المنذر: (أجمع كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد، أو بشراء فاسد، أنها تحرم على أبيه وابنه وأجداده وولد ولده، وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور وأصحاب الرأي) ([27]).

ولكن هذه الحرمة مع ذلك لا تجعل الرجل محرما لمن حرمت عليه، ولا يباح له به النظر إليها، لأن الوطء ليس بمباح، ولأن المحرمية تتعلق بكمال حرمة الوطء، ولأن الموطوءة لم يستبح النظر إليها، فلأن لا يستبيح النظر إلى غيرها أولى، والدليل على ثبوت الحرمة بذلك أنه وطء يلحق به النسب، فأثبت التحريم، كالوطء المباح.

العلاقة المحرمة:

اختلف الفقهاء في ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا، أي أنه لو زنا الرجل بامرأة، هل يحرم عليه أصولها وفروعها أم لا على قولين:

القول الأول: أنه لا يثبت بالزنا حرمة المصاهرة، فيجوز له أن يتزوج بأي امرأة من أصول المزني بها وفروعها، كما أن لها التزوج بأي فرد من أصوله وفروعه، وهو مذهب المالكية والشافعية، ومن الأدلة على ذلك([28]):

  1. قوله تعالى: { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ }(النساء: 23)، ومن زنى بها الابن لا تسمى حليلة لغة ولا شرعا ولا عرفا.
  2. أن قوله تعالى: { وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } (النساء: 22) إنما المراد به النكاح الذي هو ضد الزنا، ولم يأت في القرآن النكاح المراد به الزنا قط، ولا الوطء المجرد عن عقد.
  3. ما روي في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الرجل يتبع المرأة حراما أينكح أمها؟ أو يتبع الأم حراما أينكح ابنتها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحرم الحرام الحلال، إنما يحرم ما كان بنكاح) وفي رواية: (الحلال لا يفسد بالحرام) ([29])
  4. أن التحريم بالعلاقة المحرمة موقوف على الدليل، ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، وقياس السفاح على الزواج في ذلك لا يصح لما بينهما من الفروق.
  5. أن الله تعالى جعل الصهر قسيم النسب، وجعل ذلك من نعمه التي امتن بها على عباده، فكلاهما من نعمه وإحسانه فلا يكون الصهر من آثار الحرام وموجباته كما لا يكون النسب من آثاره.
  6. أن في هذا الحكم سدا للذريعة حتى لا يصبح هذا القول ذريعة لفسخ الزواج بالطرق غير الشرعية، قال ابن القيم: (من الحيل المحرمة التي يكفر من أفتى بها تمكين المرأة ابن زوجها من نفسها لينفسخ نكاحها حيث صارت موطوءة ابنه، وكذا بالعكس، أو وطأه حماته لينفسخ نكاح امرأته) ([30])
  7. إذا كان النسب الذي هو الأصل لا يحصل بالوطء الحرام، فالصهر الذي هو فرع عليه ومشبه به أولى ألا يحصل بالوطء الحرام.
  8. أنه لو ثبت تحريم المصاهرة بالزنا ـ فإنه عند القائلين بذلك ـ لا تثبت المحرمية التي هي من أحكام ثبوت التحريم، فإذا لم تثبت المحرمية لم تثبت الحرمة.

القول الثاني: أنَّ من زنى بامرأة حرم عليه أصولها وفروعها، وحرم عليها أصوله وفروعه، وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وسالم بن عبد الله ومجاهد وعطاء وإبراهيم وعامر وحماد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والثوري والأوزاعي، ولم يفرقوا بين وطء الأم قبل التزوج أو بعده في إيجاب تحريم البنت، وهو مذهب ابن حزم إلا أنه فصل في ذلك، فقصر التحريم على الفروع مهما نزلوا فقط، أما لو زنى الابن بها ثم تابت لم يحرم بذلك نكاحها على أبيه وجده، ومن زنى بامرأة لم يحرم عليه إذا تاب أن يتزوج أمها، أو ابنتها، وهو نفس حكمه في النكاح الفاسد ([31]).

وقد اختلف قول مالك في ذلك فقال في الموطإ: إن الزنى لا يحرم شيئا من ذلك، وروى ابن القاسم عن مالك فيمن زنى بأم امرأته أو بابنتها أنه يفارق امرأته ولا يقيم معها، قال ابن القاسم: (وكذلك عندي إذ زنى الرجل بامرأة لم ينبغ لأبيه ولا لابنه أن يتزوجها أبدا) ([32])

وقد روى ابن العربي عن مالك رواية رجحها، يقول ابن العربي: (وتركب على هذا ما إذا زنى بامرأة، هل يثبت زناه حرمة في فروعها وأصولها؟ عن مالك في ذلك روايتان ودع من روى، وما روي، أقام مالك عمره كله يقرأ عليه الموطأ ويقرأه لم يختلف قوله فيه: إن الحرام لا يحرم الحلال)([33])

وقد استدل أصحاب هذا القول على ذلك بما يلي ([34]):

  1. أن قوله تعالى: { وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} (النساء: 22)، أوجب تحريم نكاح امرأة قد وطئها أبوه بزنا أو غيره، لأنه إذ كان الاسم يتناوله حقيقة فوجب حمله عليها([35])، وإذا ثبت ذلك في وطء الأب ثبت مثله في وطء أم المرأة أو ابنتها في إيجاب تحريم المرأة.
  2. أن قوله تعالى: { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } (النساء: 23) علق التحريم بالدخول، والدخول بها اسم للوطء، وهو عام في جميع ضروب الوطء من مباح أو محظور ونكاح أو سفاح، فوجب تحريم البنت بوطء كان منه قبل تزوج الأم لقوله تعالى: { اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ }، والدليل على ذلك أنه لو وطئ الأم بملك اليمين حرمت عليه البنت تحريما مؤبدا بحكم الآية، وكذلك لو وطئها بنكاح فاسد، فثبت أن الدخول لما كان اسما للوطء لم يختص فيما علق به من الحكم بوطء بنكاح دون ما سواه من سائر ضروب الوطء.
  3. أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحرم إلا ما كان بنكاح) كان جوابا لمن سأله عن اتباع المرأة، وذلك إنما يكون بأن يتبعها نفسه فيكون منه نظر إليها أو مراودتها على الوطء، وليس فيه إثبات الوطء، فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن مثل ذلك لا يوجب تحريما، وأنه لا يقع بمثله التحريم إلا أن يكون بينهما عقد نكاح وليس فيه للوطء ذكر.
  4. أن المقصود من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحرام لا يحرم الحلال) أن فعل الحرام لا يحرم الحلال، وهذا لا يصح اعتبار العموم فيه لاتفاق المسلمين على إيجاب تحريم الحرام الحلال وهو الوطء بنكاح فاسد، والطلاق الثلاث في الحيض والظهار، والخمر إذا خالطت الماء، والردة تبطل النكاح، وتحرمها على الزوج، وغير ذلك من الأفعال المحرمة للحلال.
  5. أن الوطء الذي تحقق بالزنا آكد في إيجاب التحريم من العقد، لأنا لم نجد وطئا مباحا إلا وهو موجب للتحريم، وقد وجدنا عقدا صحيحا لا يوجب التحريم وهو العقد على الأم، فإنه لا يوجب تحريم البنت ولو وطئها حرمت، فعلم من ذلك أن وجود الوطء علة لإيجاب التحريم، فكيفما وجد ينبغي أن يحرم مباحا كان الوطء أو محظورا لوجود الوطء، لأن التحريم لم يخرجه من أن يكون وطئا صحيحا.

القول الثالث: التفريق بين حالات مختلفة، وهو قول الإمامية، وتفصيل ذلك ـ باختصار وبأدلته، كما نصوا عليه ـ كما يلي:

  1. إذا كان متزوجاً وقد دخل بزوجته، ثم حصل الزنا بينه وبين أم زوجته أو بنتها أو اختها، فإنّ الفقهاء متفقون على أن هذا الزنا الطارئ بعد الزواج والدخول لا يوجب التحريم، ولا أثر له على العلاقة الزوجية المشروعة القائمة، وذلك للإجماع، ولما ورد في جملة من النصوص من أنّ الحرام لا يفسد الحلال، كالحديث المروي عن زرارة عن أبي جعفر الباقر أنه قال في رجل زنى بأم امرأته أو بنتها، أو بأختها: (لا يحرّم ذلك عليه امرأته، ثم قال: ما حرم حرام حلالاً قط)([36])
  2. إذا حصل الزنا بعد العقد وقبل الدخول بالزوجة، فالمشهور والمعروف بين فقهاء الشيعة أيضاً عدم التحريم. فلو تزوج امرأة ثم زنا بأمها أو أختها أو بنتها لم تحرم عليه امرأته، وكذا لو زنا الأب بامرأة الابن لم تحرم على الابن، وكذا لو زنا الابن بامرأة الأب، لا تحرم على أبيه([37]).
  3. إذا كان الزنا بالعمة أو الخالة، لم يجز له بعد ذلك أن يتزوج من بناتهما وذلك بإجماع فقهاء الشيعة، معتمدين على روايات صحيحة، كحديث محمد بن مسلم قال:سأل رجل أبا عبد الله وأنا جالس عن رجل نال من خالته في شبابه ثم ارتدع، يتزوج ابنتها؟ قال: لا([38]).
  4. أن الزنا بغير العمة والخالة قبل الزواج، فإن المشهور بين قدامى الفقهاء أنه لا يوجب تحريماً، لورود أحاديث صحيحة بذلك، كما عن الإمام جعفر الصادق أنه سئل عن الرجل يأتي المرأة حراماً، أيتزوجها؟ قال: نعم، وأمها وابنتها ([39])، لكن المتأخرين من العلماء اشتهر بينهم القول بالتحريم، اعتماداً على روايات صحيحة أيضاً كما روي عن محمد بن مسلم عن أحدهما (الباقر أو الصادق) أنه سئل عن الرجل يفجر بامرأة أيتزوج بابنتها؟ قال: (لا)([40])، ويرجح الفقهاء المعاصرون رأي القدماء بالقول بالجواز لأن الروايات متعارضة، مع تكافئها، فالترجيح للموافق لكتاب الله تعالى وهو الجواز بنص الآية الكريمة {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } (سورة النساء الآية24)[11]، لكنهم يرون أن الأحوط والأولى استحباباً الاجتناب.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو الأخذ بأحوط الأقوال فيها، لأن الأساس الذي يقوم عليه هذا الباب هو الاحتياط والتورع، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم لمن أراد أن يتزوج امرأة فجاءت أمة سوداء فذكرت أنها أرضعتها: (كيف وقد قيل دعها عنك) ([41])

ونرى أن سبب هذا الاحتياط ليس النصوص الواردة فيها فقد ذكر ضعفها، وقد قال المناوي عند ذكره لأدلة الفريقين: (وهي مسألة عظيمة في الخلاف ليس فيها خبر صحيح من جانبنا ولا من جانبهم) ([42])، ولكن سببه أمرين:

الأول: أنها مسألة خلافية من قديم، وذلك يدل على أنه قد يكون لها أصل صحيح من الدين، فليست هي بآراء المتأخرين التي قد تحمل عل محامل مختلفة، ومن الآثار الكثيرة الواردة في ذلك([43]): أن ابن عباس فرق بين رجل وامرأته بعد أن ولدت له سبعة رجال كلهم صار رجلا يحمل السلاح، لأنه كان أصاب من أمها ما لا يحل.

الثاني: سد الذريعة، ذلك أن الشرع والعقل والعرف يتطلب من الإنسان إذا ارتكب فاحشة في محل ما أن يبتعد عن ذلك المحل ما أطاق حتى لا يزين له الشيطان فعلها من جديد، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}(الإسراء: 32)، لأن من زين له الفاحشة الأولى ويسر عليه ولوجها أقدر على تيسير الفاحشة الثانية، وكيف لا يقدر وقد صارت في مرمى يديه؟

وقد يرد على هذا بأن الكلام هنا عن شخص تائب قد تعفف عن الحرام، والجواب على ذلك أن التوبة أمر باطني، وأن صاحبها قد لا يستمر على ثباته، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن سبل الغواية لا حد لها، فلذلك كان الأحوط التورع عن هذا النوع من الزواج.

وقد وافق أصحاب كلا القولين على أن علة تحريم الربيبة التحرز من النظر إليها والخلوة بها بكونها في حجرة وفي بيته([44])، وهذا التحرز ينتفي ويزول أثره إذا ما أقدم على ارتكاب الفاحشة معها، فلذلك كان الأحوط الابتعاد الكلي عن هذا الباب الذي قد يصير ذريعة للحرام.

بل نرى الحرمة المطلقة، وتقنين هذه الحرمة في حال ذيوع وإشاعة القول بفاحشته، أو قيام الدليل عليها، لأن ذلك يضعه في محل تهمة كبيرة، وقد يتزوج الفساق من عجائز لا يقصدون إلا بناتهن، فيجعلون من الزواج الحلال ذريعة للحرام.

ولكنا مع ذلك نرى أن هذه الحرمة ليست مؤبدة، لأن للحرمة المؤبدة ضوابط محددة لا تصح الزيادة عليها، وقد قال تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } (النساء: 24)، بل هي حرمة مؤقتة بوقت ثبوت العلة، فإذا انتفت العلة بموت من ارتكب معها الفاحشة أو غيابها، ولم يكن هناك من ينوب عنها انتفى المعلول، وعاد حكم الزواج إلى أصله من الإباحة، إلا إذا تورع الشخص عن ذلك بناء على الآثار الدالة على الحرمة.

وليس في القول بهذا ـ كما قد يظن ـ مخالفة للإجماع، باعتبار أن الخلاف القائم في المسألة هو بين الحل والحرمة المؤبدة، وليس هناك من يقول بالحرمة المؤقتة، والجواب على ذلك أن هذا القول يجمع كلا القولين، وينفي محاذير كلا الفريقين، فهو مع القائلين بالحل لأن الله تعالى قال: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } (النساء: 24)، وهو في نفس الوقت مع القائلين بالحرمة، لأن المصلحة الشرعية تقتضي ذلك، وللمصلحة محلها الخاص.

ب ـ أصناف المحرمات بالمصاهرة

يحرم بهذا السبب أصناف أربعة:

أصول الزوجة:

كأمها وجداتها من جهة الأم أو الأب في أي درجة، لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} (النساء: 23) فإنه معطوف على قوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } فيكون معناه: وحرمت عليكم أمهات نسائكم، وكلمة الأمهات هنا تتناول الأم المباشرة والجدات كما ذكرنا سابقا، وقد اختلف العلماء هنا في مسألتين:

وقد اختلف الفقهاء في اشتراط الدخول بالزوجة لتحريم أمها على قولين:

القول الأول: أنها تحرم عليه بمجرد العقد سواء دخل بزوجته أو لم يدخل بها، وهو مذهب أحمد ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، ومذهب الإمامية([45])، وهو قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وجابر وعمران بن حصين وكثير من التابعين، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن قوله تعالى: { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ }(النساء: 23) كلام تام بنفسه منفصل عن المذكور بعده، لأنه مبتدأ وخبر، إذ هو معطوف على ما تقدم ذكره من قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ }(النساء: 23) إلى قوله تعالى: { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ }(النساء: 23)، والمعطوف يشارك المعطوف عليه في خبره، ويكون خبر الأول خبرا للثاني كقولهم: جاءني زيد وعمرو، فإن معناه: جاءني عمرو، فكان معنى قوله تعالى: { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } أي: وحرمت عليكم أمهات نسائكم، وأنه مطلق عن شرط الدخول، فمن ادعى أن الدخول المذكور في آخر الكلمات منصرف إلى الكل فعليه الدليل.
  2. أن إضمار شرط الدخول لا يصح في أمهات النساء مظهرا، لأنه لا يستقيم أن يقال: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، لأن أمهات نسائنا لسن من نسائنا والربائب من نسائنا، لأن البنت من الأم وليست الأم من البنت، فلما لم يستقم الكلام بإظهار أمهات النساء في الشرط لم يصح إضماره فيه، فثبت بذلك أن قوله: { من نسائكم } إنما هو من وصف الربائب دون أمهات النساء.
  3. أنه لو جعلنا قوله تعالى: { مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ }(النساء: 23) نعتا لأمهات النساء وجعلنا تقديره: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن لخرج الربائب من الحكم وصار حكم الشرط في أمهات النساء دونهن، وذلك خلاف نص التنزيل، فثبت أن شرط الدخول مقصور على الربائب دون أمهات النساء.
  4. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا نكح الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فله أن يتزوج ابنتها وليس له أن يتزوج الأم) ([46]) وفي رواية: (أيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت عنده فلا بأس أن يتزوج بنتها، وأيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت عنده فلا يحل له أن يتزوج أمها) وهو نص في المسألتين.
  5. عن عبد الله بن عباس أنه قال في هذه الآية الكريمة: (أبهموا ما أبهم الله تعالى) أي: أطلقوا ما أطلق الله تعالى، وقد روي عن عمران بن حصين أنه قال: الآية مبهمة أي مطلقة لا يفصل بين الدخول وعدمه.
  6. أن ما روي عن ابن مسعود من ذلك روي الرجوع عنه، فإنه روي أنه أفتى بذلك في الكوفة، فلما أتى المدينة ولقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذاكرهم رجع إلى القول بالحرمة، حتى روي أنه لما أتى الكوفة نهى من كان أفتاه بذلك فقيل: (إنها ولدت أولادا) فقال: (إنها وإن ولدت)
  7. أن هذا النكاح يفضي إلى قطع الرحم لأنه إذا طلق ابنتها وتزوج بأمها حملها ذلك على الضغينة التي هي سبب القطيعة فيما بينهما، وقطع الرحم حرام فما أفضى إليه يكون حراما، ولهذا المعنى حرم الجمع بين المرأة وبنتها وبين المرأة وأمها وبين عمتها وخالتها بخلاف جانب الأم حيث لا تحرم ابنتها بنفس العقد على الأم، لأن إباحة النكاح هناك لا تؤدي إلى القطع، لأن الأم في ظاهر العادات تؤثر ابنتها على نفسها في الحظوظ والحقوق والبنت لا تؤثر أمها على نفسها، ومعلوم ذلك بالعادة، وإذا جاء الدخول تثبت الحرمة لأنه تأكدت مودتها لاستيفائها حظها فتلحقها الغضاضة فيؤدي إلى القطع.
  8. أن الحرمة تثبت بالدخول بالإجماع، والعقد على البنت سبب الدخول بها، والسبب يقوم مقام المسبب في موضع الاحتياط، ولهذا تثبت الحرمة بنفس العقد في منكوحة الأب وحليلة الابن، كان ينبغي أن تحرم الربيبة بنفس العقد على الأم إلا أن شرط الدخول هناك عرفناه بالنص فبقي الحكم في الآية على أصل القياس.
  9. أن نص الآية يحتمل أن يكون بمعنى الشرط فيلحق الكل، ويحتمل أن لا يكون فيقتصر على ما يليه فلا يلحق بالشك والاحتمال، وإذا وقع الشك والشبهة فيه، فالقول لما فيه الحرمة أولى احتياطا.

القول الثاني: أن أم الزوجة لا تحرم على الزوج بنفس العقد ما لم يدخل ببنتها، وهو قول مالك وداود الأصفهاني، وروي هذا القول عن عبد الله بن مسعود وجابر، وهو إحدى الروايتين عن علي وزيد بن ثابت، وعن زيد بن ثابت أنه فصل بين الطلاق والموت قال: في الطلاق مثل قولهما وفي الموت مثل قول العامة، وجعل الموت كالدخول، لأنه بمنزلة الدخول في حق المهر وكذا في حق التحريم، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قوله تعالى: { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ }(النساء: 23)، فقد ذكر تعالى أمهات النساء، وعطف ربائب النساء عليهن في التحريم بحرف العطف، ثم عقب الجملتين بشرط الدخول، والأصل أن الشرط المذكور والاستثناء بمشيئة الله تعالى عقيب جمل معطوف بعضها على بعض بحرف العطف كل جملة مبتدأ وخبره ينصرف إلى الكل لا إلى ما يليه خاصة، فمن قال مثلا: عبده حر وامرأته طالق وعليه حج بيت الله تعالى إن فعل كذا أو قال: إن شاء الله تعالى فهذا كذلك فينصرف شرط الدخول إلى الجملتين جميعا فلا تثبت الحرمة بدونه.
  2. ضعف ما استند إليه المخالفون من نصوص.

الترجيح:

نرى أن الأولى في هذا الأخذ بأحوط القولين، أما من جهة الأدلة فإن المسألة محتملة من جهتين:

أولا: الإمكانية اللغوية لكلا المعنيين فقد اختلف النحاة في الوصف في قوله تعالى: { اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } فقيل: يرجع إلى الربائب والأمهات، وهو اختيار أهل الكوفة، وقيل: يرجع إلى الربائب خاصة، وهو اختيار أهل البصرة، وجعلوا رجوع الوصف إلى الموصوفين المختلفي العامل ممنوعا كالعطف على عاملين. وجوز ذلك كله أهل الكوفة، ورأوا أن عامل الإضافة غير عامل الخفض بحرف الجر([47]).

ثانيا: أن الخلاف فيها كان من الصدر الأول، مع علمهم بالعربية، ولذلك يقول ابن العربي: (واعلموا أن هذه المسألة من غوامض العلم وأخذها من طريق النحو يضعف، فإن الصحابة العرب القرشيين الذين نزل القرآن بلغتهم أعرف من غيرهم بمقطع المقصود منهم، وقد اختلفوا فيه وخصوصا عليا مع مقداره في العلمين، ولو لم يسمع ذلك في اللغة العربية لكان فصاحتها بالأعجمية، فإنما ينبغي أن يحاول ذلك بغير هذا القصد)

فروع الزوجة التي دخل بها:

وهن كل بنت للزوجة من نسب أو رضاع، قريبة أو بعيدة، وارثة أو غير وارثة، على حسب ما ذكر في البنات، ويطلق عليها لغة وشرعا الربيبة، وسميت بذلك لأنه يربيها في حجره، فهي مربوبة، وفعيلة هنا بمعنى مفعولة.

وقد اختلف الفقهاء في اشتراط كون الربيبة في الحجر لسريان الحرمة على قولين([48]):

القول الأول: إن ذلك شرط، فلا تحرم عليه إلا إذا كانت في حجره، وهو قول داود والظاهرية يقول ابن حزم:: (أما من تزوج امرأة ولها ابنة أو ملكها ولها ابنة، فإن كانت الابنة في حجره ودخل بالأم مع ذلك وطئ أو لم يطأ، لكن خلا بها بالتلذذ لم تحل له ابنتها أبدا، فإن دخل بالأم ولم تكن الابنة في حجره، أو كانت الابنة في حجره، ولم يدخل بالأم، فزواج الابنة له حلال، وأما من تزوج امرأة لها أم أو ملك أمة تحل له ولها أم، فالأم حرام عليه بذلك أبد الأبد – وطئ في كل ذلك الابنة أو لم يطأها)([49])

وكونها في حجره عنده ينقسم قسمين:

أحدهما: سكناها معه في منزله، وكونه كافلا لها.

والثاني: نظره إلى أمورها كولي عليها، لا بمعنى الوكالة، فكل واحد من هذين الوجهين يقع به عليها كونها في حجره.

ومن الأدلة على ذلك:

  1. أن الله تعالى حرم الله تعالى الربيبة بشرطين أحدهما أن تكون في حجر المتزوج بأمها والثاني الدخول بالأم كما قال الله تعالى: { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}(النساء: 23)، فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم.
  2. عن أم حبيبة قالت: يا رسول الله انكح أختي، قال: أو تحبين ذلك، قلت: نعم لست لك بمخلية وأحب من شركني في خير أختي قال: فإنها لا تحل لي قلت: فإني أخبرت أنك تخطب درة بنت أبي سلمة، قال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن) ([50])، والشاهد في هذا الحديث الذي استدل به كلا الفريقين هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها إبنة أخي من الرضاعة) فشرط صلى الله عليه وآله وسلم في التحريم الحجر.

القول الثاني: أن ذلك لا يشترط، فتحرم عليه سواء كانت في حجره أو لم تكن، قال ابن المنذر: وقد أجمع علماء الأمصار على خلاف هذا القول [أي القول السابق]، وقال ابن كثير: (وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف) ([51])، ومن الأدلة على ذلك:

  1. أن الآية لم تخرج مخرج الشرط، وإنما وصفها بذلك تعريفا لها بغالب حالها، وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه، قال الشيرازي: (ثمّ إنّ قيد (في حجوركم) وإِن كان ظاهره يفهم منه أنّ بنت الزوجة من زوج آخر إِذا لم ترب في حجر الزوج الثاني لا تحرم عليه، ولكن هذا القيد بدلالة الروايات، وقطعية هذا الحكم ـ ليس قيداً احترازياً ـ بل هو في الحقيقة إِشارة إِلى نكتة التحريم ـ لأن أمثال هذه الفتيات اللاتي تقدم أُمّهاتها على زواج آخر، هنّ في الأغلب في سنين متدنية من العمر، ولذلك غالباً ما يتلقين نشأتهنّ وتربيتهنّ في حجر الزوج الجديد مثل بناته، فالآية تقول إِن بنات نسائكم من غيركم)([52])
  2. قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأم حبيبة في الحديث السابق: (لا تعرضن علي بناتكن، ولا أخواتكن) ([53])
  3. أن التربية أو كونها في الحجر لا تأثير لها في التحريم كسائر المحرمات.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، وهو قول جماهير العلماء من المذاهب المختلفة، من باب الاحتياط والتورع، ولاحتمال دلالة الآية الكريمة عليه، ومع ذلك فإن للقول الأول بعض المسوغات من حيث الأدلة، ومن حيث المقاصد:

أما من حيث الأدلة: فيكفي فيها وصف الربائب بكونهن في حجوركم، والقول بأن هذا الوصف خرج مخرج الغالب بعيد لا يتناسب مع البلاغة القرآنية التي تعتمد عند بيان الأحكام الدقة والإيجاز، ولا تطنب إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، فأي فائدة في أن يذكر سرد المحرمات في آية واحدة، ثم يذكر في أثنائها هذا الوصف، ثم لا تكون له أي ثمرة عملية إلا مجرد وصف واقع قد يتخلف، ثم ما الحكمة في هذا الوصف إن جرد عن غاية عملية، أو غاية نظرية؟

وقد ذكر ابن القيم من علل الوصف بذلك (جواز جعلها في حجره، وأنه لا يجب عليه إبعادها عنه ومؤاكلتها والسفر والخلوة بها، فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك)([54]) وعقب على ذلك بقوله: (ولما خفي هذا على بعض أهل الظاهر شرط في تحريم الربيبة أن تكون في حجر الزوج)، وهذا التعليل لا ينسجم مع سائر المحرمات، لأن قوله { وربائبكم } من غير تقييد بوصف كاف في الدلالة عل ذلك، لأن المحرمية تكفي وحدها للمؤاكلة والسفر والخلوة، فهل يرى ابن القيم أن سائر المحرمات الا يسري عليهن ما ذكره من آثار كونها في الحجر؟

وقد قال قال ابن حجر مشيرا إلى قوة الدليل في هذا: (ولولا الإجماع الحادث في المسألة وندرة المخالف، لكان الأخذ به أولى، لأن التحريم جاء مشروطا بأمرين، أن تكون في الحجر، وأن يكون الذي يريد التزويج قد دخل بالأم، فلا تحرم بوجود أحد الشرطين)([55])

وأما من حيث المقاصد: فالحكمة الشرعية التي نراها، والتي على أساسها ذكرنا ترجيحاتنا السابقة المتعلقة بالعلاقة المحرمة في المصاهرة هي أن الربيبة إذا لم تكن في الحجر بأن كانت متزوجة مثلا لا يحصل لزوج أمها أي طمع فيها، بل يعتبرها كابنته، فلذلك راعت الشريعة هذا الاعتبار، فحفظت البنت التي في حجر زوج أمها بتحريمها عليه، فلا تحتاج إلى تكلف الاحتجاب، لكونه محرما لها.

وفي ذلك أيضا سد للذريعة التي قد تحصل بوجود امرأة في البيت هي الربيبة مع أجنبي وهو زوج أمها من غير أن تكون هناك محرمية بينهما، وكلتا الذريعتين تنتفيان بوجودها في غير بيته.

زوجات أصوله:

ويشملن زوجة أبيه وزوجات أجداده من جهة الأب أو الأم مهما علت مرتبتهن وُجِد دخول بهن أولا، لقوله تعالى: { وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا}(النساء: 22)، فهذه الآية تحرم زوجات الآباء بعبارتها الصريحة، وزوجات الأجداد باعتبار أن اسم الأب يطلق لغة على الأصل المذكر سواء كان مباشراً أو غير مباشر، فيكون معناها: (ولا تنكحوا ما نكح أصولكم من النساء)، وقد انعقد الإجماع على تحريم زوجات الأجداد.

يقول ناصر مكارم الشيرازي في بيان الحكمة من هذا التحريم: (من الواضح أنّ هذا الحكم إِنّما هو لمصالح مختلفة وحكم متنوعة في المقام، فإِن الزواج بإمرأة الأب هو من ناحية يشبه الزواج بالأُمّ، لأن امرأة الأب في حكم الأُمّ الثانية، ومن ناحية أُخرى اِعتداء على حريم الأب وهتك له، وتجاهل لاحترامه، مضافاً إِلى أنّ هذا العمل يزرع عند أبناء الأب الميت بذور النفاق بسبب النزاع على نكاح زوجته، وبسبب الإِختلاف الواقع بينهم في هذا الأمر (أي في من يتزوج بها)، بل إِنّ هذا النوع من النكاح يوجب الاختلاف والتنافس البغيض بين الأب والولد، لأنّ هناك تنافساً وحسداً بين الزوجة الأُولى والزوجة الثّانية غالباً، فإِذا تحقق هذا النكاح (أي نكاح زوجة الأب من جانب الولد) في حياة الوالد (أي بعد طلاقها من الأب طبعاً) كان السبب في الحسد واضحاً، لأنّ امرأة الأب ستحظى بهذا الزواج منزلة أرفع، ممّا يؤدي إِلى تأجج نيران الحسد لدى الزوجة الاُخرى أكثر، وأمّا إِذا تحقق بعد وفاته فإِنّه من الممكن أن يوجد لدى الابن نوعاً من الحسد بالنسبة لأبيه، هذا وليس من المستبعد أن تكون التعابير الثلاثة الواردة في ذم هذا النوع من النكاح إِشارات إِلى هذه الحِكَم الثلاث لتحريم نكاح إمرأة الأب على وجه الترتيب)([56])

 زوجات فروعه:

ويشملن([57]) زوجة ابنه وزوجات أبناء ابنه وأبناء بنته وجد دخول بهذه الزوجات أولا إذا كانت الفروع تفرعت عن صلبه، لقوله تعالى في سياق عداد المحرمات: { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ }(النساء: 23)، والحلائل جمع حليلة، وهي الزوجة.

وقد أجمع العلماء على أن حرمتها بمجرد العقد، قال الطبري: (ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن حليلة ابن الرجل حرام عليه نكاحها بعقد ابنه عليها النكاح، دخل بها، أو لم يدخل بها)([58])، ولفظ الأبناء شامل لكل من تفرع عنه من الذكور فتحرم زوجات الفروع مطلقاً، وحليلة ابن الابن وابن البنت وإن سفل تحرم بالإجماع، وبدلالة اللفظ لأن ابن الابن يسمى ابنا مجازا لا حقيقة.

وذكر الصلب في الآية يحتمل معنيين:

المعنى الأول: أن يكون لبيان الخاصية وإن لم يكن الابن إلا من الصلب لقوله تعالى: { وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } (الأنعام: 38) وإن كان الطائر لا يطير إلا بجناحيه.

المعنى الثاني: أن يكون لبيان القسمة والتنويع، لأن الابن قد يكون من الصلب، وقد يكون من الرضاع، وقد يكون بالتبني أيضا على ما ذكر في سبب نزول الآية، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما تزوج امرأة زيد بن حارثة بعد ما طلقها زيد وكان ابنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتبني فعابه المنافقون على ذلك، وقالوا: إنه تزوج بحليلة ابنه فنزل قوله تعالى: { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ }(النساء: 23)، وقوله تعالى: { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}(الأحزاب: 37)، قال مكارم الشيرازي: (وأمّا التعبير بـ «من أصلابكم» فهو في الحقيقة لأجل أن هذه الآية تبطل عادة من العادات الخاطئة في الجاهلية، حيث كان المتعارف في ذلك العهد أن يتبنى الرجل شخصاً ثمّ يعطي للشخص المتبني كل أحكام الولد الحقيقي، ولهذا كانوا لا يتزوجون بزوجات هذا النوع من الأبناء كما لا يتزوجون بزوجة الولد الحقيقي تماماً، والتبني والأحكام المرتبة عليها لا أساس لها في نظر الإِسلام)([59])

ومن الحكم التي ذكرها العلماء لتحريم حليلة الابن أن حليلة الابن لو لم تحرم على الأب، فإنه إذا طلقها الابن ربما ندم على ذلك ويريد العود إليها، فإذا تزوجها أبوه أورث ذلك الضغينة بينهما، والضغينة تورث القطيعة، وقطع الرحم حرام فيجب أن يحرم حتى لا يؤدي إلى الحرام.

4 ـ المحرمات بالرضاعة

يحرم بالرضاع ثمانية أصناف([60]) أشار إليها قوله تعالى في آية المحرمات: { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ }(النساء: 23)، وقد قال العلماء: إن اقتصار القرآن على الأم إشارة إلى تحريم كل من اتصل بعمود النسب من الأصول والفروع، واقتصاره على الأخوات إشارة إلى تحريم جوانب النسب وحواشيه.

لأن إطلاق الأم على المرضعة والأخوات على بناتها يجعل من الرضيع جزءا ممن أرضعته كأولادها، وأكد ذلك بأخوة أولادها له فيكون ذلك الرضيع ابناً لهما بمنزلة الابن من النسب، فيأخذ حكمه في كل ما يتعلق بالتحريم بالنسبة للأصناف المحرمة بالنسب من البنات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.

وقد فصل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أجمله القرآن ووضح ما أشار إليه في جملة أحاديث منها ما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أريد على ابنة حمزة فقال: (إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم) ([61])، وفي رواية من النسب.

وفي رواية قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة)

ومنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في درة بنت أبي سلمة: (إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثويبة) ([62])

وبما أنه ليس كل رضاع مؤثر في التحريم، فسنتناول هنا الفروع المرتبطة بشروط التحريم بالرضاعة، بالإضافة إلى ذكر أصناف المحرمات.

أ ـ شروط التحريم بالرضاعة:

اختلف العلماء في الشروط التي يعتبر بها الرضاع محرما، وسنسرد ما تعم به البلوى منها، مع ذكر الخلاف الوارد فيها.

الشرط الأول: اتحاد لبن الفحل:

أي كون الحليب الذي يرتضعه الطفل منتسباً بتمامه إلى رجل واحد، فالمرأة التي طلّقها زوجها وهي حامل أو بعد ولادتها منه، فأرضعت طفلاً، ثمّ تزوّجت بآخر وصار لها حليب من الثاني فأرضعت منه الطفل كذلك لم تنشر الحرمة.

وقد عرفه الجصاص بقوله: هو الرجل يتزوج المرأة فتلد منه ولدا، وينزل لها لبن بعد ولادتها منه فترضع به صبيا([63])، أو هو أن ترضع امرأة رجل ذكرا، وترضع امرأته الأخرى أنثى.

وقد اختلف العلماء في اعتبار هذا الشرط على الأقوال التالية([64]):

القول الأول: أن لبن الفحل لا يحرم شيئا، وإنما يحرم من الرضاعة ما كان من قبل النساء، ولا يحرم ما كان من قبل الرجال، قال الشيخ الطوسي في الخلاف: (وذهبت طائفة إلى أنّ لبن الفحل لاينشر الحرمة، ولايكون من الرضاع أب ولا عمّ، ولا عمَّة، ولاجدّ أبو أب، ولا أخ لأب ولهذا الفحل أن يتزوّجها، أعني: التي أرضعتها زوجته. ذهب إليه الزبير، وابن عمر، وفي التابعين سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وفي الفقهاء ربيعة بن أبي عبد الرحمان أُستاذ مالك، وحمّاد بن أبي سليمان أُستاذ أبي حنيفة، والأصم، وابن علّية وهو أُستاذ الأصم، وبه قال أهل الظاهر)([65])، ومن الأدلة على هذا القول:

  1. أن الله تعالى ذكر حرمة الرضاع في جانب النساء فقال: { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ }(النساء: 23)، فلو كانت الحرمة تثبت من جانب الرجال لبينها الله تعالى كما بين الحرمة بالنسب.
  2. أن الحرمة في حق الرجل لا تثبت بحقيقة فعل الإرضاع، فإنه لو نزل اللبن في ثندوة الرجل فأرضع به صبيا لا تثبت الحرمة، فلأن لا تثبت في جانبه بإرضاع زوجته أولى.

القول الثاني: التحريم بلبن الفحل، وهو قول سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهو مذهب الإمامية، قال ابن عبد البر: وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام وجماعة أهل الحديث.

وعلى هذا القول لو كان لرجل امرأتان فحملتا منه وأرضعت كل واحدة منهما صغيرا أجنبيا، فقد صارا أخوين لأب من الرضاعة، فإن كان أحدهما أنثى فلا يجوز النكاح بينهما، لأن الزوج أخوها لأبيها من الرضاعة، وإن كانا أنثيين لا يجوز لرجل أن يجمع بينهما، لأنهما أختان لأب من الرضاعة وتحرم على آباء زوج المرضعة، لأنهم أجدادها من قبل الأب من الرضاعة وكذا على إخوته، لأنهم أعمامها من الرضاعة وأخواته عمات المرضع فيحرمن عليه، وأما أولاد إخوته وأخواته فلا تحرم المناكحة بينهم، لأنهم أولاد الأعمام والعمات ويجوز النكاح بينهم في النسب فيجوز في الرضاع.

ومن أدلة أصحاب هذا القول:

  1. عن عائشة، أنه جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن عليها بعد الحجاب، وكان أبو القعيس أبا عائشة من الرضاعة، قالت عائشة: فقلت: والله لا آذن لأفلح حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن أبا القعيس ليس هو الذي أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فلما دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلت: يا رسول الله إن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن علي، فكرهت أن آذن حتى أستأذنك؟ قالت: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ائذني له)([66])
  2. عن ابن عباس أنه سئل عن رجل كانت له امرأتان أرضعت إحداهما جارية، والأخرى غلاما، أيحل أن يتناكحا؟ فقال ابن عباس: لا، اللقاح واحد([67]).
  3. أن الحرمة بالرضاع كما تثبت من جانب الأمهات تثبت من جانب الآباء وهو الزوج الذي نزل لبنها بوطئه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شبهه بالنسب في التحريم، والحرمة بالنسب تثبت من الجانبين فكذلك بالرضاع.
  4. أن لبن المرأة مشترك بينها وبين من كان سبباً فيه وهو الرجل ولولاه لما كان لبن فينسب الطفل إليهما معاً.
  5. أن استدلال المخالفين بالقرآن غير مسلم لأن من الأحكام ما يثبت بالقرآن، ومنها ما يثبت بالسنة، فحرمة الرضاع في جانب الرجل مما يثبت بالسنة.
  6. أن الله تعالى بين الحرمة في القرآن الكريم في جانب المرضعة لا في جانب زوجها لأن البيان من الله تعالى بطريقين: بيان إحاطة وبيان كفاية، فبين في النسب بيان إحاطة وبين في الرضاع بيان كفاية من باب الاستدلال بالمنصوص عليه على غيره وهو أن الحرمة في جانب المرضعة لمكان اللبن وسبب حصول اللبن ونزوله هو ماؤهما جميعا، فكان الرضاع منهما جميعا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، لورود النصوص الصحيحة الصريحة بذلك.

الشرط الثاني: ألا يتجاوز الرضيع السنتين:

ويتعلق بهذا الشرط المسائل التالية([68]):

رضاعة الكبير:

اتفق الفقهاء على أن ارتضاع الطفل، وهو دون الحولين يؤثر في التحريم، واختلفوا فيما زاد على الحولين على الأقوال التالية:

القول الأول: أن مدة الرضاع المؤثر في التحريم حولان، فلا يحرم بعد الحولين، وهو قول ابن شبرمة، وسفيان الثوري، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبي سليمان، ورواه ابن وهب عن مالك، وهو قول الإمامية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قوله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}(البقرة: 233) ووجه الاستدلال بالآية أن الله تعالى جعل الحولين الكاملين تمام الرضاعة، وليس وراء تمام الرضاعة شيء، ومثله قوله تعالى: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ }(لقمان: 14) وقوله تعالى: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا }(الأحقاف: 15) وأقل الحمل ستة أشهر، فتبقى مدة الفصال حولين.
  2. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا رضاع إلا ما كان في الحولين) ([69])
  3. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام) ([70])، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئا([71]).
  4. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يتم بعد حلم، ولا رضاع بعد فصال) ([72]).

القول الثاني: الزيادة اليسيرة على الحولين، وقد اختلف في مقدارها على مذهبين:

رأي المالكية([73]): أجاز المالكية زيادة شهر أو شهرين بشرط ألا يفطم قبل انتهاء الحولين فطاما يستغني فيه بالطعام عن اللبن، فإن فطم واستغنى بالطعام عن اللبن ثم رضع في الحولين فلا يحرم.

رأي الحنفية([74]): أن مدة الرضاع المحرم حولان ونصف ولا يحرم بعد هذه المدة، سواء أفطم في أثناء المدة أم لم يفطم، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } أي: ومدة كل منهما ثلاثون شهرا.

وقال زفر بن الهذيل: ما دام يجتزئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع، وإن أتى عليه ثلاث سنين.

القول الثالث([75]): إن إرضاع الكبير تنتشر به الحرمة في حق الدخول والخلوة إذا كان قد تربى في البيت بحيث لا يحتشمون منه للحاجة، وهو مذهب عائشة وعطاء والليث، وابن حزم، يقول ابن حزم: (ورضاع الكبير محرم، ولو أنه شيخ يحرم، كما يحرم رضاع الصغير ولا فرق) ([76])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن الله تعالى أمر الوالدات بإرضاع المولود عامين، وليس في هذا تحريم الرضاعة بعد ذلك، ولا أن التحريم ينقطع بتمام الحولين.
  2. أنه ورد في السنة ما يدل على تأثير هذه الرضاعة، فعن زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقول لعائشة: والله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغني عن الرضاعة، فقالت: لم؟ قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا رسول الله، والله إني لأري في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أرضعيه فقالت: إنه ذو لحية، فقال: أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة، فقالت والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة بعد([77]).
  3. أن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما الرضاعة من المجاعة) ([78]) حجة لنا فيه، لأن للكبير من الرضاعة في طرد المجاعة نحو ما للصغير، فهو عموم لكل رضاع إذا بلغ خمس رضعات كما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
  4. أن عائشة، مع روايتها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الرضاعة من المجاعة) لكنها رأت الفرق بين أن يقصد رضاعة أو تغذية، فمتى كان المقصود الثاني لم يحرم إلا ما كان قبل الفطام، وهذا هو إرضاع عامة الناس، وأما الأول فيجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم، وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها.
  5. أنه ليس في امتناع سائر أمهات المؤمنين من أن يدخل عليهن بهذه الرضاعة شيء ينكر، لأنه يباح لهن أن لا يدخل عليهن من يحل له الدخول عليهن.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة بناء على ما ورد التصريح به في القرآن الكريم في قوله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}(البقرة: 233) هو أن الرضاعة محددة بالحولين كأقصى تقدير.

رضاعة المفطوم:

اختلف الفقهاء في اعتبار رضاعة من فطم قبل الحولين على قولين:

القول الأول: أن مدة الحولين مدة الرضاع إذا توالى فيها الرضاع واتصل، ولو فطمته أمه فاستغنى بالطعام، ثم أرضعته بعد ذلك امرأة في الحولين لم يحرم ذلك الرضاع، وإنما يكون ذلك إذا فصل بين الرضاع الأول والثاني فطام كامل باستغنائه عن الرضاع بما انتقل إليه من الطعام فأما فطام يوم أو يومين فإنه ينشر الحرمة، وبه قال الأوزاعي وابن القاسم وأصبغ.

وقال الأوزاعي: إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع، ولو أرضع ثلاث سنين لم يفطم لم يكن رضاعا بعد الحولين.

وروى الحسن عن أبي حنيفة قال: (هذا إذا لم يتعود الصبي الطعام حتى لا يكتفي به بعد هذا الفطام، فأما إذا صار بحيث يكتفي بالطعام لا تثبت الحرمة برضاعه بعد ذلك لأنه بعد ما صار بحيث يكتفي بالطعام فاللبن بعده لا يغذيه، فلا يحصل به معنى البعضية) ([79])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن الحولين مدة لنهاية الرضاع وإكماله كما قال الله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} (البقرة: 233)، فعلق ذلك بإرادة الإتمام، ولو لم يصح فطام قبل ذلك لما علق ذلك بإرادة من يريد إتمام الرضاعة.
  2. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام) ([80])
  3. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا رضاع بعد فصال) ([81])، وذلك يوجب أنه إذا فصل بعد الحولين أن ينقطع حكمه بعد ذلك.

القول الثاني: أنه لا يعتبر الفطام إذا تم الرضاع في المدة المحددة، وهو قول جمهور العلماء، وقال به من المالكية مطرف وابن الماجشون، وهو قول الإمامية([82])، واستدلوا على ذلك بأن للحولين اختصاصا بالرضاع فإذا وجد فيها حرم كما لو اتصل.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، بناء على ما ورد في الآية الكريمة من تحديد مدة الرضاعة.

الشرط الثالث: أن تكون الرضاعة من الثدي:

اختلف الفقهاء في صفة الرضاع المحرم، هل هو ما امتصه الراضع من ثدي المرضعة بفيه فقط، أو هو يشمل أيضا ما سقي به من إناء، أو حلب في فمه فبلعه، أو وضعه مع طعامه، أو صب في فمه، أو في أنفه، أو في أذنه، أو حقن به على قولين([83]):

القول الأول: أن المحرم هو ما امتصه الراضع من ثدي المرضعة بفيه فقط، وهو مذهب الظاهرية، والإمامية، وقول الليث بن سعد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أنه لا يسمى إرضاعا إلا ما وضعته المرأة المرضعة من ثديها في فم الرضيع، يقال: أرضعته ترضعه إرضاعا، ولا يسمى رضاعة ولا إرضاعا إلا أخذ المرضع أو الرضيع بفيه الثدي وامتصاصه إياه، وأما كل ما عدا ذلك مما ذكرنا فلا يسمى إرضاعا، ولا رضاعة ولا رضاعا، إنما هو حلب وطعام وسقاء، وشرب وأكل وبلع، وحقنة وسعوط وتقطير، ولم ترد بذلك النصوص الشرعية.
  2. أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما حرم بالرضاعة التي تقابل بها المجاعة ولم يحرم بغيرها شيئا، فلا يقع تحريم بما قوبلت به المجاعة من أكل أو شرب أو وجور أو غير ذلك، إلا أن يكون رضاعة.
  3. أنه لا يصح القياس في هذه المسألة، وإلا كان الرضاع من الشاة إرضاعا محرما لشبهه بالرضاع من امرأة لأنهما جميعا رضاع، والمخالفون لا يحرمون بغير النساء.

القول الثاني: أن السعوط واللدود والوجور([84])تحرم كتحريم الرضاع، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، والشافعي، وقول الشعبي، ونص الحنفية على أن أن اللبن وإن تنجس بنجس وقع فيه يؤثر في التحريم لأنه غذاء يحصل به إنبات اللحم وانتشار العظم([85]).

وقد اختلف أصحاب هذا القول في الحقنة على الرأيين التاليين([86]):

الرأي الأول: أنها لا تنشر الحرمة، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والمنصوص عن أحمد، واستدلوا على ذلك بأنه ليس برضاع ولا في معناه، فلم يجز إثبات حكمه فيه، ويفارق ذلك فطر الصائم، فإنه لا يعتبر فيه إنبات اللحم، ولا إنشاز العظم، وهذا لا يحرم فيه إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم، ولأنه وصل اللبن إلى الباطن من غير الحلق، أشبه ما لو وصل من جرح.

الرأي الثاني: أنها تحرم، وهو مذهب الشافعي، لأنه سبيل يحصل بالواصل منه الفطر، فتعلق به التحريم كالرضاع.

وقد استدل أصحاب هذا القول على ذلك بما يلي:

  1. أن هذه السبل توصل إلى المعدة فلذلك أثرت في التحريم.
  2. جعله صلى الله عليه وآله وسلم الرضاعة المحرمة ما استعمل لطرد الجوع، وذلك موجودا في السقي والأكل.
  3. القياس على فساد الصوم بوصول أي شيء إلى الجوف من أي منفذ، ولهذا نص الحنفية على التحريم إن وصل اللبن إلى جوفه من الجانب الأعلى لا من الجانب الأسفل، واستدل ابن القاسم من المالكية على تأثير ما لو حقن بلبن فوصل إلى جوفه حتى يكون له غذاء بقول مالك في الصائم يحتقن: إن عليه القضاء إذا وصل ذلك إلى جوفه. ([87])
  4. أن سالم بن أبي الجعد مولى الأشجعي حدثه أن أباه أخبره أنه سأل علي بن أبي طالب فقال: إني أردت أن أتزوج امرأة وقد سقتني من لبنها وأنا كبير تداويت به؟ فقال له علي: لا تنكحها ونهاه عنها، وكان علي بن أبي طالب يقول: إن سقته امرأته من لبن سريته، أو سقته سريته من لبن امرأته لتحرمها عليه فلا يحرمها ذلك([88]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول، لأن اسم الرضاعة الشرعية لا يتحقق إلا بمص الثدي، أما شرب اللبن من غير ثدي، فإنه لا يتحقق به أهم عنصر في الرضاعة، وهو عملية المص، وقد نص العلماء على تأثيرها النفسي الكبير على الطفل، ولا يبعد أن يعتبر الشرع ذلك في تأثيره في المحرمية.

ولو كان الأمر متعلقا بحصول التغذية وحدها أو تمثيل الغذاء في الجسم لكان نقل الدم إلى الصغير مؤثرا في حصول المحرمية، ولم يقل بذلك أحد.

أما الاستدلال بإفطار الصائم بنفوذ الغذاء إلى الجوف من غير الفم، فهي مسألة خلافية، ومع ذلك لا يصح الاستدلال بها أوالقياس عليها لوجود الفارق، فليس هناك ما يجمع بين الصيام الذي هو قربة وله شروطه الخاصة، وبين هذا النوع من الإرضاع الذي قد يكون مكروها لتأديته إلى إيقاع محرمية بين الناس قد تسبب بعد ذلك حرجا لهم.

الشرط الرابع: أن يكون اللبن خالصاً

أي غير مخلوط بشيء آخر، وقد اختلف الفقهاء في حكم اللبن المختلط بغيره بحسب كمية المختلط والمادة المختلط بها على الاعتبارين التاليين([89]):

الاعتبار الأول: كمية الاختلاط:

اللبن المختلط بمائع لم يغلب عليه: اتفق أكثر الفقهاء ـ عدا الذين يشترطون الرضاعة من الثدي من الظاهرية والإمامية ـ على أن اللبن المشوب بمائع لم يغلب عليه، بأن كان اللبن غالبا بحيث بقيت صفاته، مؤثر في الحرمة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المخالط نجسا كالخمر وأن يكون طاهرا كالماء ولبن الشاة.

اللبن المختلط بما يغلب عليه: اختلف الفقهاء إذا كان اللبن مشوبا بما غلب عليه على قولين:

القول الأول: أن اللبن المغلوب لا يؤثر في التحريم، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقد اعتبر الحنفية الغلبة بأمرين:

  1. بالأجزاء إذا خلط لبن المرأة بلبن الحيوان أو بالماء.
  2. بتغير اللون والطعم إذا خلط بالدواء ونحوه.
  3. واستدلوا على ذلك بما يلي:
  4. أن اسم اللبن يزول بغلبة غيره عليه.
  5. أن اللبن المغلوب متى كان لونه ظاهرا فقد حصل شربه ويحصل منه إنبات اللحم وإنشاز العظم فحرم، كما لو كان غالبا، وهذا فيما إذا كانت صفات اللبن باقية، فأما إن صب في ماء كثير لم يتغير به لم يثبت به التحريم، لأن هذا ليس بلبن مشوب ولا يحصل به التغذي ولا إنبات اللحم ولا إنشاز العظم فليس برضاع ولا في معناه، فوجب أن لا يثبت حكمه فيه.
  6. أن الشرع علق الحرمة في باب الرضاع بمعنى التغذي على ما نطقت به الأحاديث، واللبن المغلوب بالماء لا يغذي الصبي لزوال قوته، فإنه لا يقع الاكتفاء به في تغذية الصبي فلم يكن محرما.

القول الثاني: أنه يثبت التحريم، وهو مذهب الشافعية والحنابلة:

قال الشافعية: يحرم وإن كان اللبن مغلوبا، بأن لم يبق من صفاته شيء، بشرط أن يشرب الطفل الجميع أو يشرب بعضه، إذا تحقق أن اللبن قد وصل إلى الجوف بأن بقي منه أقل من قدر اللبن، وأن يكون اللبن مقدارا لو انفرد لأثر.

وقال الحنابلة: اللبن المشوب كالمحض في إثبات التحريم به على المذهب، والمشوب هو المختلط بغيره، والمحض هو الخالص الذي لا يخالطه سواه، سواء شيب بطعام أو شراب أو غيره، وسواء أكان غالبا أو مغلوبا، لأن أجزاء اللبن حصلت في بطنه فأشبه ما لو كان لونه ظاهرا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول بعدم التحريم، لأن التغذية مع كونها تتحقق باختلاط اللبن بالمائع أو عدم اختلاطه، فالمواد المختلطة به لا تزيل عنه التغذية، ومع ذلك لا يتحقق عنصران هامان سنتحدث عنها في هذا المبحث، وهما: أن هذه الرضعة لا تعتبر من الرضعات المشبعات التي يتم بها التحريم، بل الإشباع الذي تم هنا هو بالمواد التي اختلطت باللبن بالإضافة إلى اللبن نفسه، والثاني أن هذا الرضيع شرب اللبن، ولم يرضعه.

اختلاط اللبن بغيره من المواد

اختلاط اللبن بطعام:

اختلف الفقهاء في اللبن المخلوط بطعام على قولين:

القول الأول: أن التحريم يثبت به لوصول عين اللبن إلى جوف الطفل، وحصول التغذية به، وهو مذهب الجمهور.

القول الثاني: لا تأثير للبن المخلوط بطعام ولا المتغير هيئته، ولا ما مسته النار لأن اسم الرضاع لا يقع عليه، وهو مذهب الحنفية وقول عند المالكية، وفيما يلي تفصيل آرائهم في ذلك:

مذهب الحنفية: اختلف الحنفية فيما لو كان اللبن هو الغالب على رأيين([90]):

الرأي الأول: لا تثبت به الحرمة، وهو رأي أبي حنيفة لأن إلقاء الطعام في اللبن يغيره فهو يرق به، وربما يتغير به لونه فيصير بمنزلة ما لو غيرته النار.

الرأي الثاني: تثبت به الحرمة، وهو رأي أبي يوسف ومحمد لأن الحكم للغالب، والغالب هو اللبن ولم يغيره شيء عن حاله.

مذهب المالكية: سئل ابن القاسم عن لبن صنع فيه طعام حتى غاب اللبن في الطعام فكان الطعام الغالب واللبن لبن امرأة ثم طبخ على النار حتى عصد وغاب اللبن أو صب في اللبن ماء حتى غاب اللبن وصار الماء الغالب أو جعل في دواء فغاب اللبن في ذلك الدواء فأطعم الصبي ذلك كله أو أسقيه، فأجاب: لا أحفظ عن مالك فيه شيئا، وأرى أن لا يحرم هذا لأن اللبن قد ذهب وليس في الذي أكل أو شرب لبن يكون به عيش الصبي ولا أراه يحرم شيئا([91]).

وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أنه يحرم إذا كان الطعام أو الشراب الغالب، وروى عنه القاضي أبو محمد هذه الرواية فقال يحرم وإن كان اللبن مستهلكا([92]).

واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. إن كانت النار قد مست اللبن وأنضجت الطعام حتى تغير، فليس ذلك برضاع لأن النار غيرته فانعدم بها معنى التغذي باللبن، وإنبات اللحم، وإنشاز العظم.
  2. إن كانت النار لم تمسه والطعام هو الغالب لا تثبت به الحرمة لأن المغلوب في حكم المستهلك.
  3. أن الطعام أكل والموجب للحرمة شرب اللبن دون الأكل.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، للعلل التالية:

العلة الأولى هي أن اسم اللبن لا ينطبق على الطعام الذي صنع منه ذلك اللبن، وبالتالي لا يعتبر من أكله رضيعا، والأصل في الأسماء الشرعية تحقق مسمياتها، خاصة في الأمور غير معقوله المعنى، فإن غابت الأسماء غابت معها الأحكام.

والعلة الثانية، أن طبخ اللبن بالنار يغير بعض محتوياته، وهذا مما لا خلاف فيه علميا، فبعض الفيتامينات تحرق، وبعض المواد تحلل، فلا يبقى من حيث مكوناته نفس اللبن الذي خرج من الأم.

والعلة الثالثة، وهي أهم العلل أن هذه الرضعة لا يتحقق بها الإشباع باللبن، بل الإشباع يكون بالطعام الذي يحتوي على ذلك اللبن، فلذلك لا تحرم، لأن الحديث الذي نص على قيود الرضاعة المحرمة اشترط كونها مشبعة، وسنرى بعض تفاصيل ذلك فيما يأتي.

اختلاط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى:

اتفق أكثر الفقهاء على أنه يثبت التحريم من المرأتين إذا تساوى لبنهما([93])، أما إذا غلب لبن إحداهما على الأخرى، فاختلفوا في ذلك على قولين:

القول الأول: تثبت الحرمة منهما جميعا، وهو قول الجمهور ورواية عن أبي حنيفة، وهو قول محمد بن الحسن وزفر، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن الشيء يكثر بجنسه، ولا يصير مستهلكا به.
  2. أن ذلك يعتبر كأنه ارتضع من كل واحدة منهن لأنه لو شيب بماء أو عسل، لم يخرج عن كونه رضاعا محرما، فمثله ما لو شيب بلبن آخر([94]).

القول الثاني: تثبت به الحرمة بينه وبين من يكون لبنها غالبا، وهو قول أبي يوسف، لأن المغلوب لا يظهر حكمه في مقابلة الغالب.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن اختلاط لبن امرأتين يجعل من الرضيع راضعا لكل واحدة منهما رضعة غير مشبعة، وبالتالي لا تدخل تلك الرضعة في الرضعات المحرمة، كما سنرى.

حكم بنوك الحليب وتأثيرها في الحرمة:

وهي من القضايا المعاصرة، حيث يقوم البنك بجمع لبن الاَمّهات عن طريق التبرع أو البيع ثمّ تبريده وحفظه في ثلاجات بضعة أشهر، أو تجفيفه وإعطاءه للأطفال المحتاجين للرضاعة الطبيعية، وقد اختلف فيها الفقهاء بناء على أقوالهم في اشتراط الرضاعة بمص الثدي على قولين:

القول الأول: أن هذه الرضاعة لا تحرم ولو فرض أنهما شربا من لبن امرأة واحدة، لأن المحرم هو ما امتصه الراضع من ثدي المرضعة بفيه فقط، أما من سقي لبن امرأة فشربه من إناء، أو حلب في فمه فبلعه أو أطعمه بخبز أو في طعام، أو صب في فمه، أو في أنفه، أو في أذنه، أو حقن به لا يحرم كل ذلك شيئا، ولو كان ذلك غذاءه دهره كله، وهو مذهب الظاهرية، وقول الليث بن سعد وهو المشهور عند الاِمامية، وسنذكر هنا بعض ما استدل به الإمامية المعاصرون، ونذكر أدلة ابن حزم في محلها من هذا المبحث، فقد استدل الإمامية على ذلك بما يلي:

  1. عدم صدق مفهوم الرضاع والارضاع والارتضاع بالوجور ومن الكأس، ولذا لا يصدق على من شرب لبن البقر من الكوب مثلاً أنه ارتضع من البقر، يقول صاحب الجواهر: (بل لا يبعد أنْ يكون في حكم وجور الحليب الوجور من الثدي، فإنّ المعتبر هو ما كان بالتقامه الثدي وامتصاصه، بل قد يشكّ في جريان حكمه بالامتصاص من غير رأس الثدي فضلاً عن الامتصاص من غير الثدي كثقب ونحوه، بل وفي جذب الصبي اللبن من الثدي بغير الفم) ([95])
  2. ما روي عن الحسين قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين، فقال: إنّ إمرأتي حلبت من لبنها في مكوك ـ أي طاس يشرب به ـ فاسقته جاريتي، فقال: أوجع امرأتك وعليك بجاريتك، وهو هكذا في قضاء علي ع([96]).
  3. أنّه لو كانت العلّة هي انشاز العظم وانبات اللحم بأي شيءٍ كان لوجب أنّ نقول اليوم بأن نقل دم امرأة إلى طفل يحرمها عليه ويجعلها أُمّه، لأن التغذي بالدم في العروق أسرع وأقوى تأثيراً من اللبن.

القول الثاني: التحريم، وهو القول الذي اتفق عليه أعضاء مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10 – 16 ربيع الثاني 1406هـ/22 – 28 ديسمبر 1985م، بعد أن عرض على المجمع دراسة فقهية، ودراسة طبية حول بنوك الحليب، وقد قرر المجلس منع إنشاء بنوك حليب الأمهات في العالم الإسلامي، وسريان حرمة الرضاع منها، وقد استند في هذين القرارين على المعطيات الثلاثة التالية:

  1. أن بنوك الحليب تجربة قامت بها الأمم الغربية، ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية والعلمية فيها فانكمشت وقل الاهتمام بها.
  2. أن الإسلام يعتبر الرضاع لُحمة كلحمة النسب، يحرم به ما يحرم من النسب بإجماع المسلمين، ومن مقاصد الشريعة الكلية المحافظة على النسب، وبنوك الحليب مؤدية إلى الاختلاط أو الريبة.
  3. أن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولود الخداج – إلقاء المرأة ولدها قبل أوانه لغير تمام الأيام، وإن كان تام الخلق – أو ناقصي الوزن أو المحتاج إلى اللبن البشري في الحالات الخاصة ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطبيعي، الأمر الذي يغني عن بنوك الحليب.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما رآه أصحاب القول الأول بناء على شروط الرضاعة التي سبق ذكرها، وأهمها أن الرضاعة لا تتحقق إلا بالمص من الثدي.

ونحن لا نوافق رأي المجمع الفقهي بما يحدث في المجتمعات الإسلامية من تعاون، فإن ذلك ليس عاما من جهة، ثم إن الحاجة قد تختلف من منطقة إلى أخرى، فيكون التعاون بين المناطق جميعا عن طريق هذه البنوك، مثلما يحصل مع بنوك الدم.

الشرط الخامس: أن يرضع المقدار الكافي:

اختلف الفقهاء في مقدار الرضاعة المحرمة على الأقوال التالية([97]):

القول الأول: إن قليل الرضاع وكثيره يثبت الحرمة، وروي هذا القول عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، ومكحول، والزهري، وقتادة، والحكم، وحماد،، والأوزاعي، والثوري، والليث، وإليه ذهب الحنفية والمالكية وأحمد في رواية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن قوله تعالى: { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ } (النساء: 23) وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يحرم بالرضاعة ما يحرم بالنسب)، قد ورد الرضاع فيهما مطلقاً، والأصل في المطلق أن يحمل على إطلاقه حتى يثبت ما يقيده، ولم يثبت عندهم هذا التقييد.
  2. عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالت: أرضعتكما فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء فقالت لي: إني قد أرضعتكما، وهي كاذبة فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه، قلت إنها كاذبة قال: كيف بها وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، دعها عنك) ([98]) فقد أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالمفارقة ولم يستفسر منه عن عدد الرضعات، وتركه الاستفسار دليل على أنه ليس فيه عدد مقدر، بل يكفي فيه أصل الإرضاع.
  3. أن ما تعلق به المخالفون من النصوص الدالة على الخمس منسوخ، فعن ابن مسعود قال: آل أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم، وروي عن ابن عمر أن القليل يحرم، وعنه أنه قيل له: إن ابن الزبير يقول: لا بأس بالرضعة والرضعتين، فقال: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير، قال تعالى: { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ}(النساء: 23)
  4. أن الذي يحرم به في حديث سهلة أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يرد أن يشبع سالما خمس شبعات في خمسة أوقات متفاصلات جائعا، لأن الرجل لا يشبعه من اللبن رطل ولا رطلان، فأين تجد الآدمية في ثديها قدر ما يشبعه، هذا محال عادة، فالظاهر أن معدود (خمسا) فيه المصات.
  5. أن حديث الإملاجة محمول على المص والجذب مما لم يدر معه لبن يصل إلى الجوف.
  6. أن الرضاع وإن قل يحصل به نشوء بقدره فكان الرضاع مطلقا مظنة بالنسبة إلى الصغير.

القول الثاني: أن التحريم لا يثبت إلا بخمس رضعات، فإن كان أقل من ذلك لا تحصل المحرمية، وإلى هذا ذهب الشافعية والحنابلة في الرأي الراجح من مذهبهم، وروي هذا القول عن عائشة، وابن مسعود، وابن الزبير، وعطاء، وطاوس، وقد اختلف الحنابلة والشافعية في حد الرضعة المشبعة كما يلي:

مذهب الحنابلة ([99]): إن المرجع في معرفة الرضعة إلى العرف لأن الشرع ورد بها مطلقا، ولم يحدها بزمن ولا مقدار، فدل ذلك على أنه ردهم إلى العرف، فإذا ارتضع الصبي، وقطع قطعا بينا باختياره، كان ذلك رضعة، فإذا عاد كانت رضعة، أخرى، فأما إن قطع لضيق نفس، أو للانتقال من ثدي إلى ثدي، أو لشيء يلهيه، أو قطعت عليه المرضعة، نظر فإن لم يعد قريبا فهي رضعة، وإن عاد في الحال، فإذا عاد فهي رضعة أخرى. وهذا اختيار أبي بكر، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل.

مذهب الشافعية ([100]): إن التقم الرضيع الثدي ثم لها بشيء قليلا، ثم عاد كانت رضعة واحدة ولا يكون القطع إلا ما انفصل انفصالا بينا واستدل على ذلك بأن الحالف لا يأكل بالنهار إلا مرة فإذا أكل وتنفس بعد الازدراد إلى أن يأكل يكون ذلك كله مرة واحدة وإن طال.

وقالوا: لو أخذ ثديها الواحد فأنفد ما فيه ثم تحول إلى الآخر مكانه فأنفد ما فيه كانت هذه رضعة واحدة.

ومن أدلة القول الثاني:

  1. أن علة التحريم بالرضاع هي أنه ينبت لحم الصغير وينشز عظمه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم) ([101]) ولا يكون ذلك إلا برضاع يوم كامل على الأقل، وهو لا يقل عن خمس رضعات.
  2. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تحرم المصة ولا المصتان) ([102])
  3. عن أم الفضل قالت: دخل أعرابي على نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو في بيتي فقال: يا نبي الله إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثي رضعة أو رضعتين، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحرم الإملاجة والإملاجتان) ([103])
  4. أن رجلا من بني عامر بن صعصعة قال: يا رسول الله هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: لا([104]).
  5. عن عائشةأنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، نسخت بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهن فيما يقرأ من القرآن) ([105])، فهذا الحديث يتضمن شيئين: حكما، وكونه قرآنا، فما ثبت من الحكم يثبت بالأخبار الصحيحة، وأما ما فيه من كونه قرآنا فهذا لم نثبته، ولم نتصور أن ذلك قرآن إنما نسخ رسمه، وبقي حكمه.

القول الثالث: يحرم الثلاث فصاعدا، وهو قول أبي ثور ورواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحرم المصة ولا المصتان) ([106])، ومفهومه: أن الثلاث تحرم.
  2. أن حديث عائشة، ا، لم يثبت أنه قرآن إلا بالتواتر، وليس هذا بمتواتر، وهو قراءة شاذة، والقراءة الشاذة لا يجوز الاستدلال بها.
  3. أن الرضعة والرضعتين ليس لهما تأثير، كما أنه قد يسقط اعتبارها، كما يسقط اعتبار ما دون نصاب السرقة حتى لا تقطع الأيدي بشيء من التافه، واعتباره في نصاب الزكاة، فلا يجب فيها شيء إذا كان أقل، ولا بد من حد فاصل، وهو الثلاث.

القول الرابع: وهو أكثر الأقوال تضييقا في هذا الباب، وهو للإمامية، ولهم في المسألة أقوال أشهرها ثلاثة:

1 ـ عشر رضعات.

2 ـ خمس عشرة رضعة.

3 ـ ما أنبت اللحم وشدّ العظم.

قال الشيخ الطوسي في الخلاف: (من أصحابنا من قال: إنّ الذي يحرم من الرضاع عشر رضعات متواليات لم يفصل بينهنّ برضاع امرأة أُخرى. ومنهم من قال: خمس عشرة رضعة وهو الأقوى أو يوم وليلة أو ما أنبت اللحم وشدّ العظم إذا لم يتخلل بينهن رضاع امرأة أُخرى)([107])، وقد استدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها:

أما التخصيص بالعدد، فمن الأدلة على اعتبار خمس عشرة رضعة:

  1. ([108])
  2. ([109])

ومن الأدلة على كفاية عشر رضعات في التحريم: ما روي عن أبي جعفر ع قال: (لايحرّم من الرضاع إلاّ المخبورة أو خادم أو ظئر، ثمّ يرضع عشر رضعات، يروي الصبيّ، وينام)

ومنها ما رواه عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد اللّه ع عن الغلام يرضع الرضعة والثنتين؟ فقال: «لايحرّم». فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات، فقال: «إذا كانت متفرقة فلا»

ومن الأدلة على الثالث ما رواه علي بن رئاب في الصحيح عن أبي عبد اللّه ع قال: قلت ما يحرم من الرضاع؟ قال: «ما أنبت اللحم وشدّالعظم». قلت: فيحرم عشر رضعات؟ قال: «لا، لأنّه لاتنبت اللحم ولاتشدّالعظم عشر رضعات»

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة، والأوفق بمصالح الناس، والأقرب لمناهج الشريعة هو القول الأخير، لأنه يتوافق مع ما ورد في النصوص الكثيرة من الرضاعة لا تعتبر إلا فيما أنبت اللحم وشدّ العظم، وذلك لا يكون إلا بالعدد الكثير، بالإضافة إلى أن الروايات الواردة في ذلك روايات كثيرة وصحيحة وقوية الدلالة.

هذا من حيث الأدلة، أما من حيث المصالح التي اعتبرها الشرع، فإن المرأة قد تحمل في مجتمعاتنا الصبي في حجرها فيبكي، فتلقمه ثديها، فيرضع، ثم تذهب، وقد لا تراه بعد ذلك، فلو قلنا بالتحريم لأجل ذلك لحصلت مشقة كبيرة للناس بسبب تقييد مثل هذه الأمور.

والأخطر من ذلك أن يصبح هذا الأمر وسيلة للتفريق بين الأزواج، فتأتي مثل هذه المرأة لتزعم صادقة أو كاذبة حصول الرضاعة فتفرق بين الأزواج، وتتخذ من الشريعة سلما لذلك، فلذلك اعتبرت الشريعة العدد الكثير حتى لا يصدق إلا على من تريد حقيقة أن تحصل به المحرمية بينها وبين من تريد إرضاعه، ثم إن إرضاعها عشررضعات أو خمس عشرة رضعة مشبعات مظنة ليعلم ذلك ويحفظ بخلاف المصة والمصتين.

أما من حيث ملاءمة هذا الحكم لمناهج الشريعة ومقاصدها، فإن من مقاصد الشريعة تضييق دائرة المحرمية، فتحا لباب الاختيار، ودرءا للمفاسد التي قد تحصل بسبب توسيع دائرة المحرمية، فلذلك حصرت إما في كبار السن كالأم والجدة والعمات والخالات، أو في من يسكن مسكنا واحدا كالأخوات، والقول بالتحريم بقليل الرضاعة توسيع لهذا الضيق.

ب ـ أصناف المحرمات من الرضاعة:

سنسرد هنا المحرمات بالرضاع بناء على القائلين باعتبار لبن الفحل، فالمحرمات بالرضاع تتمثل في الأصناف التالية:

الأصول والفروع:

الأصول من الرضاع: وهن أمه وأم أمه وأم أبيه من الرضاع مهما علت درجتهن، فإذا رضع طفل من امرأة حرم عليه الزواج بمن أرضعت لأنها صارت أماً له، وكذلك بأم أمه وإن علت وأم أبيه رضاعاً وهو زوج المرضعة مهما علت درجتها لأنهن صرن جدات له كما حرم عليه ذلك من النسب.

الفروع من الرضاع: وهن ابنته وبنت بنته وبنت ابنه من الرضاع وإن نزلن، فإذا رضعت طفلة من امرأة صارت ابنة لزوج المرضعة الذي كان سبباً في إدرار لبنها فيحرم على ذلك الرجل التزوج بهذه البنت وفروعها، ولو كان الرضيع طفلاً ابناً له فيحرم عليه التزوج ببناته وبنات أولاده مهما نزلن كما يحرم ذلك من النسب.

فروع الأصول:

فروع أبويه من الرضاع: أي أخواته وبناتهن وبنات أخوته من الرضاع مهما نزلت درجتهن يستوي في ذلك من رضع معه أو قبله أو بعده لأنه برضاعه صار أخاً للجميع.

فروع جديه من الرضاع في الدرجة الأولى فقط: وهن عماته وخالاته من الرضاع، لأنه برضاعه صارت أخوات المرضعة خالات له وأخوات زوجها عمات له، فيحرم عليه التزوج واحدة منهن كما يحرم ذلك من النسب، وأما بناتهن فهن حلال له كما في بنات الخالات والعمات من النسب.

زوجات الفروع:

 أي زوجة ابنه وابن بنته من الرضاع وإن نزل سواء دخل الفرع بزوجته أو لا، وقد اختلف الفقهاء في حكمها، والجمهور على تحريمها بناء على القول بلبن الفحل وعلى التحريم بالمصاهرة، ويدخلونها بذلك في قوله تعالى: { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ }(النساء: 23)، ولا يخرجونها بقوله: { الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ }

لكن الأرجح من ذلك هو ما ذهب إليه الإمامية([110])، واختاره كثيرمن العلماء، ومنهم ابن القيم والشوكاني([111])، وهو عدم التحريم بذلك، ومن الأدلة التي ساقها ابن القيم لذلك:

  1. أن التحريم بالرضاع فرع على تحريم النسب، لا على تحريم المصاهرة فتحريم الرضاع أصل قائم بذاته، والله تعالى لم ينص في كتابه على تحريم الرضاع إلا من النسب، ولم ينبه على التحريم به من جهة الصهر، لا بنص ولا إيماء ولا إشارة، بل أمر أن يحرم به ما يحرم من النسب، وفي ذلك إرشاد وإشارة إلى أنه لا يحرم ما يحرم بالصهر، ولولا أنه أراد الإقتصار على ذلك لقال: (حرموا من الرضاع ما يحرم النسب والصهر)
  2. أن الرضاع مشبه بالنسب، ولهذا أخذ منه بعض أحكامه، وهو الحرمة والمحرمية دون التوارث والإنفاق وسائر أحكام النسب، فهو نسب ضعيف، فأخذ بحسب ضعفه بعض النسب، ولم يقو على سائر أحكام النسب، وهو ألصق به من المصاهرة، فكيف يقوى على أحكام المصاهرة مع قصوره عن أحكام مشبهه وشقيقه.
  3. أن المصاهرة والرضاع لا نسب بينهما ولا شبهة نسب ولا بعضية ولا اتصال، ولو كان تحريم الصهرية ثابتا لبينه الله ورسوله بيانا شافيا يقيم الحجة، ويقطع العذر فمن الله البيان وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم والإنقياد.

وقد ساق السبحاني الكثير من الأدلة على ذلك، نقتصر منها على

هذه خلاصة ما ذكره ابن القيم من الأدلة، ونحن نرجحها لا من باب قوة ما فيها من أدلة فقط، بل لتناسبها مع المصالح الشرعية التي تضع دائرة المحرمية في أضيق الحدود، فتقتصر على المنصوص عليه دون غير المنصوص، وقد قال تعالى: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } (النساء: 24)

أصول وفروع زوجته من الرضاع:

أصول زوجته من الرضاع: وهن أمها وجداتها من جهة الأب والأم، فيحرم عليه التزوج بواحدة منهن بمجرد العقد عليها سواء دخل بها أو لم يدخل، كما يحرم ذلك من النسب.

فروع زوجته من الرضاع: وهن بناتها وبنات أولادها من الرضاع وإن نزلت درجتهن، فإذا تزوج رجل امرأة كانت متزوجة قبله بآخر وأرضعت طفلة فإن هذه الطفلة بنتها من الرضاع وتصير بالنسبة له بنت زوجته فتحرم عليه إذا دخل بأمها كما يحرم عليه التزوج بإحدى فروعها من الإناث مثل ما يحرم عليه بناتها من النسب.

زوجات أصله من الرضاع:

أي زوجات أبيه وجده وإن علا سواء دخل بها الأب أو الجد أو لا، فلو رضع طفل من امرأة متزوجة صار زوجها أباً له من الرضاع وأبو الزوج جداً له كذلك فإن كان للزوج زوجة أخرى غير من أرضعته حرم على الرضيع التزوج بها لأنها زوجة أبيه من الرضاع، كما يحرم عليه التزوج بامرأة أبيه من النسب.

مستثنيات من المحرمات من الرضاع

ذكر الفقهاء أن قاعدة (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ليست على إطلاقها، بل هناك صور مستثناة يثبت فيها التحريم بالنسب ولا يثبت التحريم بالرضاعة لوجود العلاقة المحرمة في النسب وعدم وجودها في الرضاع، ومن تلك الصور المذكورة([112]):

أم الأخ أو الأخت من الرضاع: إذا رضع طفلان من امرأة فصارا أخوين بالرضاع، ثم رضع أحدهما من مرضعة أخرى فهذه المرضعة تكون بالنسبة للذي لم يرضع منها أم أخيه من الرضاع فتحل له، وكذا لو كان لأخيه من الرضاع أم من النسب فإنها تحل له أيضاً لعدم وجود المحرم لأنها أجنبية في الحالتين.

ولو كان الطفلان أخوين من النسب ورضع أحدهما من أجنبية وصارت أماً له من الرضاع جاز لأخيه أن يتزوجها لأنها أم أخيه رضاعة، بينما لا يجوز له أن يتزوج أم أخيه نسباً لأنها إمَّا أمه إن كانا شقيقين أو امرأة أبيه إن لم يكن شقيقاً، وكلتاهما محرمة.

أخت ابنه أو بنته من الرضاع: إذا رضع طفل من امرأة صار ابناً لزوجها من الرضاع، فإذا كان لهذا الطفل أخت من النسب لم ترضع من تلك المرأة فإنه يحل لذلك الزوج أن يتزوج هذه البنت وهي أخت ابنه من الرضاع لعدم المحرم بينهما، ومثله إذا كان للرجل ابن من النسب رضع من امرأة أجنبية ولها بنت نسبية أو رضاعية فلذلك الرجل أن يتزوج بهذه البنت وهي أخت ابنه من الرضاع لانعدام العلاقة المحرمة بينهما. بينما لا يجوز له أن يتزوج أخت ابنه من النسب لأنها إمَّا بنته أو بنت امرأته التي دخل بها وكلتاهما محرمة عليه.

ومثل ذلك أن يرضع الطفل من جدته لأمه فتصير أمه أختاً له من الرضاع، فلا تحرم على زوجها لأنها صارت برضاع طفلها من أمها أختاً له من الرضاع فقط وأخت الابن من الرضاع لا يحرم التزوج بها ابتداءً فلا يؤثر الرضاع الطارئ على تلك الزوجية بقاء من باب أولى.

أم ولد ولده رضاعاً: إذا أرضعت أجنبية ابن الابن أو ابن البنت فإنها تصير أم هذا الابن رضاعاً فيحل لجد الولد أن يتزوجها مع أنه لا يجوز له أن يتزوج أم ابن ابنه أو أم بنته نسباً، لأن الأولى زوجة ابنه والثانية بنته، والأولى محرمة بالمصاهرة والثانية بالنسب. وكذلك لو أرضعت زوجة الابن طفلاً أجنبياً فإنه يكون ابن ابن رضاعاً فإذا كانت له أم نسيبة أو رضاعية أخرى لا تحرم على الجد الذي هو أبو زوج تلك المرضعة.

أم العمة أو العم أو الخال أو الخالة من الرضاع: لعدم العلاقة المحرمة بينما تحرم إذا كانت من النسب لأنها إمَّا جدة لأب أو لأم أو امرأة الجد.

ثانيا ـ موانع الزواج المؤقتة

نتناول في هذا المبحث الحديث عن تتمة الموانع التي تتنافى مع صحة الزوجية، وقد رأينا حصرها في الموانع التالية:

1.       المحرمات بسبب الجمع.

2.       المحرمات بسبب تعلق حق الغير بها.

3.       المحرمات بسبب اختلاف الدين.

وقد أفردنا لكل نوع من هذه الأنواع مبحثا خاصا.

1 ـ المحرمات بسبب الجمع

ونقصد من المحرمات بسبب الجمع اثنين من المحرمات، الجمع بين المحرمات والجمع بين أكثر من أربع نسوة، أي أن الحرمة مؤقتة بزواجه من هذين الصنفين، ومنتهية بافتراقه عمن تحول بينه وبين من حرمت عليه بهذا السبب، وفي هذا المطلب تفصيل للمحرمات بهذا السبب.

أ ـ الجمع بين الأختين:

أجمع العلماء على تحريم الجمع بين الأختين، لقوله تعالى في سياق المحرمات: { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}(النساء: 23)،وقد نقل الإجماع على ذلك ابن حجر، وذكر ما استثني من الخلاف فيه فقال: (والجمع بين الاختين في التزويج حرام بالإجماع سواء ينفذ شقيقتين أم من أب أم من أم، وسواء النسب والرضاع، واختلف فيما إذا ينفذ بملك اليمين، فأجازه بعض السلف، وهو رواية عن أحمد والجمهور وفقهاء الأمصار على المنع) ([113])

واختلف الفقهاء في اقتصار التحريم على الجمع بين الأختين، أو تعديهما إلى غيرهما من المحارم على قولين:

القول الأول: أن التحريم ليس خاصا بالجمع بين الأختين، بل يشمل غيرهما أيضا، وقاعدة ذلك هي أن (كل امرأتين تربطهما علاقة المحرمية بحيث لو فرضنا إحداهما ذكراً لا يحل له أن يتزوج الأخرى، وذلك مثل: الأختين والبنت وأمها أو جدتها، والمرأة وعمتها أو خالتها أو بنت أخيها أو أختها)([114])

بل ورد عن بعض السلف ما يمنع الجمع بين المرأة وقريبتها، سواء كانت بنت عم أو بنت عمة أو بنت خال أو بنت خالة لهذه العلة، وقد روى ذلك عن إسحاق بن طلحة وعكرمة وقتادة وعطاء، ولكن انعقد الإجماع على خلاف ذلك، وقد نقله ابن عبد البر وابن حزم وغيرهما، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا أبطل هذا النكاح، وهما داخلتان في جملة ما أبيح، خارجتين منه بالكتاب والسنة والإجماع([115]).

وأصل القاعدة السابقة ـ كما ذكر القرطبي ـ ما روي عن الشعبي أنه قال: (كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج الأخرى، فالجمع بينهما باطل)، قال الراوي: فقلت له: عمن هذا؟ قال: عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال ابن عبد البر: (وهذا على مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرهم فيما علمت، لا يختلفون في هذا الأصل) ([116])

ومن تطبيقات هذه القاعدة:

تحريم الجمع بين العمتين والخالتين: وأصل تحريم هذا الجمع ـ كما يرى أصحاب هذا القول ـ ليس القاعدة التي قررها الفقهاء فقط، بل لها مستند من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ورد في بعض روايات الحديث السابق، عن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كره أن يجمع بين العمة والخالة، وبين العمتين والخالتين، وقد حمل بعض العلماء هذه الرواية على المجاز أي بين العمة وبنت أخيها، فقيل لهما عمتان، وذلك يقتضي أن يكون كلاما مكررا لغير فائدة، لأنه إذا كان المعنى نهى أن يجمع بين العمة وبنت أخيها، وبين العمتين يعني به العمة وبنت أخيها، صار الكلام مكررا لغير فائدة، ولو كان كما قال لوجب أن يكون وبين الخالة([117]).

ولذلك فإن التفسير الأقرب للرواية والذي يخضع معناه للقاعدة السابقة هو أن الحديث نهى أن يجمع بين العمة والخالة، ويتحقق ذلك بألا يجمع بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى، وذلك بأن يكون رجل وابنه تزوجا امرأة وإبنتها، فتزوج الرجل البنت، وتزوج الإبن الأم، فولد لكل واحد منهما ابنة من هاتين الزوجتين، فابنة الأب عمة ابنة الإبن وابنة الابن خالة ابنة الأب.

أما الجمع بين الخالتين، فيتحقق بأن يكونا امرأتين، كل واحدة منهما خالة الأخرى، وذلك أن يكون رجل تزوج ابنة رجل، وتزوج الآخر ابنته فولد لكل واحد منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما خالة الأخرى.

ومثله الجمع بين العمتين، فإنه يتحقق بألا يجمع بين امرأتين كل واحدة منهما عمة الأخرى، وذلك أن يتزوج رجل أم رجل، ويتزوج الآخر أم الآخر، فيولد لكل واحد منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى.

الجمع بين المحارم بالرضاع: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب)([118])، فهذا الحديث يشمل الجمع بين المرأتين اللتين ربطتهما رابطة النسب أو الرضاع، فكما يحرم الجمع بين الأختين نسباً يحرم الجمع بين الأختين رضاعاً، وكما يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من النسب يحرم الجمع بينها وبين عمتها أو خالتها من الرضاع.

وقد استثنى أصحاب هذا القول من القاعدة السابقة ما لو كانت العلاقة من جانب واحد فقط، كأن يجمع الرجل بين امرأة أخرى كانت زوجة لأبي الأول من قبل، ومثلهما المرأة وزوجة ابنها، لأننا لو فرضنا المرأة رجلاً لا يحل له التزوج بالأخرى لأنها حليلة ابنه، ولو فرضنا زوجة الابن رجلاً حل له التزوج بالأخرى لعدم المحرمية بينهما لأن فرضها رجلاً يخرجها عن كونها زوجة للابن، وقد خالف في ذلك زفر وابن أبي ليلى فقالا بعدم جواز ذلك، لأن البنت لو كانت رجلا لكان لا يجوز له أن يتزوج الأخرى، لأنها منكوحة أبيه فلا يجوز الجمع بينهما كما لا يجوز الجمع بين الأختين.

ومن ذلك الجمع بين المرأة وبنت زوجها، فقد روي أن عبد الله بن صفوان تزوج امرأة رجل من ثقيف وابنته أي من غيرها، فسئل عن ذلك ابن سيرين فلم ير به بأسا، وقال: نبئت أن رجلا كان بمصر اسمه جبلة جمع بين امرأة رجل وبنته من غيرها.

وقد كره قوم من السلف أن يجمع الرجل بين ابنة رجل وامرأته من أجل أن إحداهما لو كانت رجلا لم يحل له زواج الأخرى والذي عليه الفقهاء أنه لا بأس بذلك، وأن المراعى في هذا المعنى النسب دون غيره من المصاهرة فإنه لا بأس أن يجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها، فعن سلمة بن علقمة قال: إني لجالس عند الحسن إذا سأله رجل عن الجمع بين البنت وامرأة زوجها، فكرهه، فقال له بعضهم: يا أبا سعيد، هل ترى به بأسا؟ فنظر ساعة، ثم قال: ما أرى به بأسا. ولعله كرهه لما سبق ذكره من القطيعة.

وقد فرق بعض العلماء من جهة النظر بين امرأة الرجل وابنته، وبين المرأة وعمتها، بأن هاتين وما كان مثلهما، أيتهما جعلت ذكرا لم يحل له الأخرى، وأما امرأة الرجل وابنته من غيرها فإنه لو كان موضع البنت ابن لم يحل له امرأة أبيه، أو أن يجعلوا موضع المرأة ذكرا فتحل له الأنثى، لأنه رجل أجنبي تزوج ابنة رجل أجنبي، وليس الأختان ولا العمة مع ابنة أخيها، والخالة مع ابنة أختها كذلك، لأن هؤلاء أيتهما جعلت ذكرا لم تحل له الأخرى([119]).

ومن الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول:

  1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا المرأة على ابنة أخيها ولا ابنة أختها، إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) ([120])
  2. أن من الحكم التي راعاها الشرع في تحريم الجمع بين المحارم([121])سبب لقطيعة الرحم لأن الضرتين يتنازعان ويختلفان ولا يأتلفان هذا أمر معلوم بالعرف والعادة، وهو يفضي إلى قطع الرحم وهو حرام، والنكاح سبب فيحرم حتى لا يؤدي إليه، وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلمفي آخر الحديث فيما روي أنه قال: (إنكم لو فعلتم ذلك لقطعتم أرحامهن)([122]) وروي في بعض الروايات: (فإنهن يتقاطعن)، وفي بعضها(أنه يوجب القطيعة)

القول الثاني: أن التحريم قاصر على ما ورد في القرآن الكريم من الجمع بين الأختين، أما الجمع بين غيرهما، فيجوز، وهو قول للإمامية([123])، استنادا إلى ما ورد في القرآن الكريم من حصر المحرمات في المذكورات، وذلك في قوله تعالى: { وأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ }، قال ابن أبي عقيل: (وإن ادّعى أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حرّم غير هذه الأصناف، وهو يسمع قوله سبحانه: { وأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ } فقد أعظم القول على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم.. وقد روى عن علي بن جعفر: سألت أخي موسى عن الرجل يتزوّج المرأة على عمّتها أو خالتها قال: لا بأس لأنّ اللّه عزّوجلّ قال: { وأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ }، وقال ابن الجنيد: وقول اللّه عزّ وجلّ: { وأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ } غير حاظر الجمع بين العمّة وابنة الأخ، أو الخالة وابنة الأُخت، والحديث الذي روى فيه إنّما هو نهي احتياط لاتحريم، وقد روى جوازه إذا تراضيا عن أبي جعفر وموسى ابن جعفر، وقال يحيى بن الحسن وعثمان المثنى: والاحتياط عندي ترك ذلك، ومن عقده لم ينفسخ كما ينفسخ نكاح الأُخت على الأُخت والأُمّ على البنت([124]).

هذا قول للإمامية، وهناك قولان آخران لهم:

الأول: البطلان إذا لم يكن عن رضا، وهو المشهور، ويعنون به تحريم نكاح بنت الأخ أو الأُخت على نكاح العمّة والخالة إلاّ برضاهما، فإن كان النكاح عن رضى منهما صحّ الجمع..وقد ذهب إلى هذا القول الشيخان والسيد المرتضى وابن البرّاج وأبو الصلاح وسلاّر وأكثر علماء الإمامية المعاصرين، وقد استدلوا على ذلك بما ورد في صحيحة أبي عبيدة الحذّاء، قال سمعت أبا جعفر ع يقول: (لاتنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها إلاّ بإذن العمّة والخالة)، وما ورد في موثقة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ع قال: (لاتزوّج ابنة الأخ ولا ابنة الأُخت على العمّة ولا على الخالة إلاّ بإذنهما)

الثاني: البطلان مطلقاً موافقة لقول الجمهور، وقد ذهب إليه الصدوق كان هناك إذن أو لا، بل قال: ولاتنكح المرأة على عمّتها ولاعلى خالتها ولا على ابنة أُختها ولا على بنت أُختها، فعمّم النهي ولم يفرق بين دخول العمّة والخالة على بنت الأخ وبنت الأُخت وبالعكس.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة الجمع بين الحصر الوارد في الآية الكريمة، وما ورد في الحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا المرأة على ابنة أخيها ولا ابنة أختها، إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)([125])، وذلك بأحد أمرين:

  1. إما اعتبار ما ورد في الحديث من باب الكراهة، وليس التحريم، وبناء عليه عمم من عمم من السلف الحرمة على سائر الأقارب.
  2. أو اعتبار الإذن من العمة أو الخالة، لأن الحديث ورد معللا بالقطيعة، وفي حال الإذن لن يكون هناك أي قطيعة، وعلى هذا فسر الإمام الصادق الحديث، فقد قال: (إنّما نهى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عن تزويج المرأة على عمّتها وخالتها إجلالاً للعمّة والخالة، فإذا أذنت في ذلك فلابأس)([126])

ب ـ الجمع بين أكثر من أربع نسوة:

من المحرمات مؤقتا بسبب الجمع من كان له أربع زوجات، فإنه يحرم عليه أن يتزوج بخامسة تحريماً مؤقتاً حتى ينتهي زواجه من إحداهن إما بالموت أو الطلاق، يستوي في ذلك كون الأربع زوجات حقيقة كلهن أو بعضهن زوجات والبعض معتدات أو كلهن معتدات باتفاق الفقهاء([127])، بل قد نقل الإجماع على ذلك، ومن الأدلة على ذلك زيادة على الإجماع قوله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (النساء: 3) فقد نصت هذه الآية على العدد المباح من الزوجات، فجعلت غايته أربعاً، ولو كانت الزيادة مباحة لما اقتصرت على هذا العدد.

وقد ذكر الفقهاء هنا قولا غريبا توهمه بعضهم، أو اشتبه عليه من قوله تعالى: { مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } فقال: (إن هذه الآية تبيح للرجل تسع نسوة) ([128])، وقد حكي هذا القول عن الظاهرية([129])، وحكي عن ابن الصباغ والعمراني وبعض الشيعة وعن القاسم بن إبراهيم وأنكر الإمام يحيى الحكاية عنه.

ومن المعاصرين حكى وهبة الزحيلي هذا القول عن الشيعة، فقال: (لا يجوز للرجل في مذهب أهل السنة أن يتزوج اكثر من أربع زوجات في عصمته في وقت واحد، ولو في عدة مطلقة… وذهب الظاهرية والإمامية إلى انه يجوز للرجل أن يتزوج تسعاً، آخذاً بظاهر الآية: {) مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع)(النساء: 3) فالواو للجمع لا للتخيير، أي يكون المجموع تسعة) ([130])

وما نسبه الزحيلي إلى الشيعة في هذه المسألة، هو نموذج للاعتماد على النقولات والإشاعات، دون الرجوع إلى مصادر الجهة ذاتها.

فمصادر الشيعة في التفسير والحديث والفقه، مجمعة على عدم جواز الزواج من أكثر من أربع زوجات بالزواج الدائم في وقت واحد كما هو رأي أهل السنة.

فمن اقدم التفاسير الشيعية جاء في (التبيان في تفسير القرآن) للشيخ محمد بن الحسن الطوسي (385-460)، ما يلي: (ومن استدل بهذه الآية مثنى وثلاث ورباع على أن نكاح التسع جائز فقد أخطأ لأن ذلك خلاف الإجماع… فتقدير الآية: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ}(النساء: 3)، فثلاث بدل من مثنى، ورباع بدل من ثلاث)([131])

وجاء في (مجمع البيان في تفسير القرآن) للشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي، من أعلام القرن السادس الهجري، ما يلي: (وقوله تعالى: { مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } معناها اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثا، وأربعاً أربعا، فلا يقال إن هذا يؤدي إلى جواز نكاح التسع، فان اثنتين وثلاثة وأربعة تسعة، لما ذكرناه، فان من قال دخل القوم البلد مثنى، وثلاث، ورباع، لا يقتضي اجتماع الأعداد في الدخول، ولأن لهذا العدد لفظاً موضوعاً، وهو تسع، فالعدول عنه إلى مثنى وثلاث ورباع نوع من العي، جلّ كلامه عن ذلك وتقدس) ([132])

والى أواخر التفاسير الشيعية حيث جاء في (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل) للشيخ ناصر مكارم الشيـرازي ما يلي: (ولا بـد مـن التنـبيه إلى أن (الواو) هنا أتت بمعنى (أو) فليس معنى هذه الجملة هو انه يجوز لكم أن تتزوجوا باثنتين وثلاث وأربع ليكون المجموع تسع زوجات، لأن المراد لو كان هذا لوجب أن يذكر بصراحة فيقول: وانكحوا تسعاً، لا أن يذكره بهذه الصورة المتقطعة المبهمة، هذا مضافاً إلى أن حرمة الزواج بأكثر من أربع نسوة من ضروريات الفقه الإسلامي، وأحكامه القطعية المسلمة)([133])

أما أقوال فقهائهم، فقد قال الشيهد الأول في اللمعة: (لا يجوز للحر أن يجمع زيادة على أربع حرائر أو حرتين وأمتين، أو ثلاث حرائر وأمة، ولا للعبد أن يجمع أكثر من أربع إماء أو حرتين أو حرة وأمتين، ولا يباح له ثلاث إماء وحرة)([134])

وقال المقداد السيوري في كنز العرفان: (الحصر في الأربع وعدم جواز الزائد في النكاح الدائم إجماعي، وحتى المنقطع عند كثير من فقهائنا لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لغيلان لما أسلم وعنده عشر نسوة أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ أي باقيهنّ، ولقول الإِمام الصادق ع: (لا يحل لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام من الحرائر)([135])

2 ـ المحرمات بسبب تعلق حق الغير بها

وهن من تعلق بهن حق الغير بالزوجية أو بالاعتداد بعدها، ويلحق بالمعتدة من زواج صحيح المعتدة من دخول بعقد فاسد، أو مخالطة بشبهة، وتتعلق بهذا الصنف من المحرمات المسائل التالية:

أ ـ المحصنات من النساء:

اتفق الفقهاء على حرمة الزواج بمن تعلق بها حق الغير، ومن الأدلة على ذلك:

  1. قوله تعالى عند ذكر المحرمات من النساء: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ْ} (النساء: 24)، ولفظ المحصنات([136])، وإن أطلق في القرآن الكريم على العفيفات غير المتزوجات إلا أن المراد منه هنا المتزوجات، وإلا لتناقضت مع آية المائدة حيث عدها ممن أحل لنا، ولفظ المحصنات عام يشمل كل متزوجة مسلمة كانت أو غير مسلمة، لم يستثن من ذلك إلا الزوجة التي سبيت وحدها دون زوجها، لأن القرآن استثني من المحصنات ما ملكت الأيمان في قوله تعالى: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (النساء: 24)، والإحصان أن يحمي الشيء ويمنع منه، فالمحصنات من النساء ذوات الأزواج لأن الأزواج أحصنوهن ومنعوا منهن([137]).
  2. الآيات التي أوجبت على المرأة الاعتداد، كقوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: 228)، وقوله: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (البقرة: 234)، وقوله تعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (الطلاق: 4)، وقد ورد التصريح بذلك في قوله تعالى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ }(البقرة: 235)، وهذه الآية وإن كانت في شأن المعتدة عن وفاة إلا أنه لا فرق بين معتدة ومعتدة فتكون كل معتدة محرمة على غير من اعتدت منه.
  3. إجماع العلماء على ذلك لصراحة النصوص الدالة عليه.
  4. أن اجتماع رجلين على امرأة واحدة يفسد الفراش، لأنه يوجب اشتباه النسب وتضييع الولد وفوات السكن والألفة والمودة فيفوت ما وضع الزواج له.

وقد تحدث الفقهاء عن تأثير تخبيب المرأة على زوجها في تحريمها عليه، أي إفسادها عليه ([138])، وقد اتفق الفقهاء على حرمة التخبيب مطلقا، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لن يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان) ([139])، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الفاجر خب لئيم) ([140])، ولكنه في أمر الزواج أعظم إثما، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا) ([141]) أي خدعه وأفسده، ولما يترتب عليه من الإفساد والإضرار.

والمقصود بالإفساد هنا هو الإفساد المتعمد، أما غير المقصود فلم يكلف به الشرع، لكنه مع ذلك يستحب التنزه عنه، كما روى المناوي عن شيخه عبد الوهاب الشعراني، قال: (قال شيخنا الشعراوي: ومن ذلك ما لو جاءته امرأة غضبانة من زوجها ليصلح بينهما مثلا، فيبسط لها في الطعام، ويزيد في النفقة والإكرام، ولو إكراما لزوجها، فربما مالت لغيره، وازدرت ما عنده، فيدخل في هذا الحديث، ومقام العارف أن يؤاخذ نفسه باللازم وإن لم يقصده)، ثم حدث عن تجربته في ذلك فقال: (وقد فعلت هذا الخلق مرارا، فأضيق على المرأة الغضبانة، وأوصي عيالي أن يجوعوها لترجع، وتعرف حق نعمة زوجها) ([142])

وقد انفرد المالكية والحنابلة([143]) باعتبار التخبيب من موانع الزواج المؤبدة، وصورته: أن يفسد رجل زوجة رجل آخر، بحيث يؤدي ذلك الإفساد إلى طلاقها منه، ثم يتزوجها ذلك المفسد، فهذا الزواج يفسخ قبل الدخول وبعده بلا خلاف عندهم.

وقد أفتى الشيخ عليش من متأخري المالكية بهذا القول في مسألة عرضت له نصها: أن رجلا أمر امرأة بأن تضارر زوجها حتى يطلقها، ثم يتزوجها هو، هل يتأبد تحريمها عليه؟ فأجاب بتأبيد تحريمها عليه معاملة له بنقيض مقصوده، ولئلا يتسارع الناس إلى إفساد الزوجات، ثم اختار أن تأبيد تحريمها مقيد بدوام أثر الإفساد لا إن طال الزمن جدا وطلقها الأول باختياره، أو مات عنها([144]).

ولكن الرأي المشهور عند المالكية هو عدم التأبيد، فإذا عادت لزوجها الأول وطلقها أو مات عنها جاز لذلك المفسد زواجها.

ورجح ابن تيمية أنه لو قتل رجل رجلا ليتزوج امرأته حرمت على القاتل مع حلها لغيره، ولو جبر امرأته على زوجها حتى طلقها، ثم تزوجها وجب أن يعاقب هذا عقوبة بليغة، وهذا الزواج باطل في أحد القولين في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، ويجب التفريق بين هذا الظالم المعتدي وبين هذه المرأة الظالمة([145]).

وهذا القول مع قوته يكاد يكون مستحيل التطبيق، لأن التعرف على كون المرء مخببا يحتاج إلى تحر كبير، وقد لا يكون الشخص قاصدا التخبيب، وقد لا يكون سبب فساد المرأة على زوجها التخبيب، والتحري عن ذلك، فوق ذلك، يستدعي الكشف عن عورات البيوت، وهو منهي عنه شرعا، فلذلك نرى أن الأولى في هذا الحكم بقاؤه مقصورا على التورع الديني، لا على الحكم القضائي، فيحذر كل من يفعل هذا من أن يعامل شرعا بخلاف مقصوده دينا وورعا، لا قضاء وحكما.

ب ـ زوجة المفقود:

اختلف الفقهاء في حكم زوجة المفقود بحسب الحالة التي تكون فيها غيبته([146]):

الحالة الأولى: أن تكون غيبة غير منقطعة، يعرف خبره، ويأتي كتابه، فهذا ليس لامرأته أن تتزوج باتفاق العلماء إلا أن يتعذر الإنفاق عليها من ماله، فحينئذ لها أن تطلب فسخ الزواج، فيفسخ زواجه، وأجمع الفقهاء كذلك على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته، قال ابن المنذر: (وأجمعوا أن زوجة الأسير لا تنكح حتى يعلم بيقين وفاته ما دام على الإسلام) ([147])

ولكن هذا الإجماع ـ فيما نرى ـ مقيد بعدم حصول الضرر بالمرأة التي يؤسر زوجها لمدة طويلة حتى لو كانت تتيقن حياته، والضرر ليس متعلقا بالنفقة وحدا، بل قد يكون بحاجة المرأة إلى زوج، وقد أشار إلى هذه الناحية في حاشية العدوي بقوله: (مثلها زوجة الأسير، فإنهما يبقيان كما هما لانقضاء مدة التعمير([148])، لتعذر الكشف عن زوجيهما إن دامت نفقتهما، وإلا فلهما التطليق كما إذا خشيا على نفسيهما الزنا) ([149])، وهذا التعبير مع ما يحمله من صراحة يشير إلى الحاجة التي تستدعي تزوج المرأة، ولو لم تخش الزنا.

ولا نرى أن في مصلحة المرأة التي تزوجت حديثا، ثم أسر زوجها أن تنتظره إلى انقضاء مدة التعمير، فقد تموت، وهي تنتظره، ثم كيف لا يباح لها الزواج، وهي في ريعان شبابها ثم يفتح لها المجال، وهي تستعد لدخول قبرها.

الحالة الثانية: أن يفقد وينقطع خبره، ولا يعلم له موضع، ولانقطاع خبره في هذه الحالة احتمالان بحسب احتمال رجوعه وعدم احتماله:

الاحتمال الأول: احتمال رجوعه، وهو حال كون ظاهر غيبته السلامة، كسفر التجارة في غير مهلكة، وطلب العلم والسياحة، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: لا تزول الزوجية ما لم يثبت موته، وقد روي ذلك عن أبي قلابة، والنخعي، وأبي عبيد، وهو قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي في الجديد.

وقريب من هذا قول الإمامية، فقد نصوا على أن (المرأة المفقود عنها زوجها إن سكتت وصبرت يخلّى عنها إلى أن يعود زوجها، وإن هي رفعت أمرها إلى الوالي أجّلها أربع سنين، ثمّ يكتب الى الصقع الذي فقد فيه فيسأل عنه، فإن لم يخبر عنه بحياة حتّى تمضي الأربع سنين دعا الحاكم ولىَّ المفقود فيسأله: هل للمفقود مال؟، فإن كان للمفقود مال أنفق عليها حتّى يعلم حياته من موته، وإن لم يكن له مال قيل للولىّ: انفق عليها، فإن فعل فلا سبيل لها ـ أن تتزوّج ـ ما أنفق عليها، وإن أبى أجبره الوالي على أن يطلّق تطليقة في استقبال العدّة وهي طاهر، فإن جاء زوجها قبل انقضاء عدّتها فله الرجوع إليها، وإن انقضت العدّة فقد حلّت للأزواج ولا سبيل للأوّل عليها،

في رواية أُخرى في المفقود: لا تتزوّج امرأته حتّى يبلغها موته، أو طلاق، أو لحقوق بأهل الشرك، وحمل على مَن ترك لهم مالا ينفق عليهم، والأحوط أن تعتدّ عدّة الوفاة بعد الطلاق، لمفاد بعض هذه الروايات ([150]).

القول الثاني: زوال الزواج بالفسخ بعد مدة من فقده، وقد اختلف في تحديد المدة على الآراء التالية:

الرأي الأول: تتربص أربع سنين، وتعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا، وتحل للأزواج، وقد ثبت ذلك عن عثمان وابن مسعود في رواية، وعن جمع من التابعين كالنخعي وعطاء والزهري ومكحول والشعبي وهو قول مالك والشافعي في القديم، وقد اتفق أكثرهم على أن التأجيل من يوم ترفع أمرها للحاكم، وعلى أنها تعتد عدة الوفاة بعد مضي الأربع سنين([151]).

الرأي الثاني: إذا مضى عليه تسعون سنة، قسم ماله. وهذا يقتضي أن زوجته تعتد عدة الوفاة ثم تتزوج، وتعتبر تسعين سنة من يوم ولادته، لأن الظاهر أنه لا يعيش أكثر من هذا العمر، فإذا اقترن به انقطاع خبره، وجب الحكم بموته، كما لو كان فقده بغيبة ظاهرها الهلاك، وهو رواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن هذه غيبة ظاهرها السلامة، فلم يحكم بموته.
  2. أن خبر عمر ورد في من ظاهر غيبته الهلاك، فلا يقاس عليه غيره.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو بقاء المرأة في عصمة الزوجية إلا إذا تضررت، وحينها يمكنها أن ترفع أمرها للحاكم ليقوم بما يراه من مصلحتها.

ونرى أن تحديد المدة ترجع لولي الأمر، لأن التربص أربع سنين يرجع للظروف التي كان يخضع لها الناس في ذلك الوقت من صعوبة التحري، وعدم تيسر التنقل، والحاجة إلى الزمن في كل ذلك، أما في عصرنا، فنرى إمكانية تقليص المدة بحسب ما يراه الخبراء في ذلك.

الاحتمال الثاني: أن يكون ظاهر غيبته الهلاك، كالذي يفقد من بين أهله ليلا أو نهارا، أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يمضي إلى مكان قريب ليقضي حاجته ويرجع، فلا يظهر له خبر، أو يفقد بين الصفين، أو ينكسر بهم مركب فيغرق بعض رفقته، أو يفقد في مهلكة، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: لا تتزوج امرأة المفقود حتى يتبين موته أو فراقه، وهو قول أبي قلابة، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحنفية، والشافعي في الجديد، وهو قول ابن حزم، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (امرأة المفقود امرأته، حتى يأتيها الخبر) ([152])
  2. أنه شك في زوال الزوجية، فلم تثبت به الفرقة، كما لو كان ظاهر غيبته السلامة.

القول الثاني: أن زوجته تتربص أربع سنين، ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا، وتحل للأزواج، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن الزبير، وبه قال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهري، وقتادة، والليث، وعلي بن المديني، وعبد العزيز بن أبي سلمة. وبه يقول مالك، والشافعي في القديم وهو ظاهر مذهب أحمد.

إلا أن مالكا قال في المفقود في القتال: (ليس في انتظار من يفقد في القتال وقت)، وقال سعيد بن المسيب فيه: تتربص سنة، لأن غلبة هلاكه هاهنا أكثر من غلبة غيره، لوجود سببه، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن هناك قضايا كثيرة انتشرت في الصحابة فلم تنكر.
  2. أن الحديث الذي استند إليه المخالفون لم يثبت، ولم يذكره أصحاب السنن.
  3. أن قول المخالفين: إنه شك في زوال الزوجية منتف لأن الشك ما تساوى فيه الأمران، والظاهر في هذه الحالة هلاكه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ـ مثلما ذكرنا سابقا ـ رجوع تحديد مدة التربص لولي الأمر، الذي يبت في كل قضية بحسب ملابساتها، ولا نرى التربص أربع سنوات كاملة، فقد تكون محرجة للمرأة غاية الحرج، وقد يصرف عنها الأزواج بعد ذلك، فلذلك الأولى رعاية هذا الجانب، وعدم تضييع هذا الحق بسبب أمر مشكوك فيه.

أما القول الأول فلا حاجة للرد عليه، فهو يتنافى مع المقاصد الشرعية من الترغيب في الزواج، ويعتمد في ذلك على حديث رأينا مدى ضعفه.

ج ـ المطلقة ثلاثاً:

الحكم الأصلي للطلقات الثلاث هو زوال ملك الاستمتاع وزوال حل المحلية أيضا، فلا يجوز للزوج الأول زواجها قبل التزوج بزوج آخر، لقوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }(البقرة: 230) بعد قوله تعالى: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} (البقرة: 229)، وتنتهي الحرمة وتحل للزوج الأول بشروط ذكرها الفقهاء نؤجل الكلام عنها إلى محلها من هذه السلسلة.

د ـ الزواج بالمرأة الحامل:

يختلف حكم الزواج بالمرأة الحامل بحسب سبب حملها على الحالتين التاليتين([153]):

الحالة الأولى: الحامل من زواج شرعي:

وهي من كان حملها ثابت النسب، وقد اتفق الفقهاء على أنه يجوز زواج الحامل المطلقة البائن بينونة صغرى لمن له الحمل أي الزوج السابق، أما المطلقة ثلاثا بينونة كبرى فلا يجوز زواجها إلا بعد وضع الحمل اتفاقا، واستدلوا على ذلك بأن العدة حق الزوج فلا يمنع من التصرف في حقه.

أما إذا كان الزوج الثاني غير الزوج الأول، فقد اتفق الفقهاء على أنه لا يصح زواجها منه، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن الحمل إذا كان ثابت النسب من الغير سواء أكان من زواج صحيح أم فاسد أم وطء شبهة لزم حفظ حرمة مائه بالمنع من الزواج.
  2. أن عدة الحامل لا تنتهي إلا بوضع الحمل، ولا يجوز زواج معتدة الغير أثناء العدة لقوله تعالى { وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ } (البقرة: 235) أي ما كتب عليها من التربص.

الحالة الثانية: الحامل من زنى:

اختلف الفقهاء في صحة زواج الحامل من زنى على قولين:

القول الأول: لا يجوز زواجها قبل وضع الحمل، لا من الزاني نفسه ولا من غيره، وهو قول المالكية والحنابلة وأبي يوسف، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا توطأ حامل حتى تضع) ([154])
  2. ما روي عن سعيد بن المسيب أن رجلا تزوج امرأة فلما أصابها وجدها حبلى فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ففرق بينهما، وجعل لها الصداق وجلدها مائة([155]).
  3. أن ذلك يوقع تلبيسا في النسب، والشرع موضوع على تخليص الأنساب، ولهذا شرعت العدة والاستبراء.
  4. أن ماء الزنا وإن كان لا حرمة له، فماء الزواج له حرمة، ومن حرمته ألا يصب على ماء السفاح، فيخلط الحرام بالحلال، ويمزج ماء المهانة بماء العزة.
  5. أن ابن مسعود كان يرى أن الرجل إذا زنى بالمرأة ثم نكحها أنهما زانيان، ما عاشا.
  6. أن هذا الحمل يمنع الوطء ـ كما يرى أصحاب القول الثاني ـ فيمنع العقد أيضا كالحمل الثابت النسب، لأن المقصود من الزواج هو حل الوطء فإذا لم يحل له وطؤها لم يكن الزواج مفيدا فلا يجوز، ولهذا لم يجز إذا كان الحمل ثابت النسب.

القول الثاني: أنه يجوز زواج الحامل من الزنى، إلا أن الحامل إذا تزوجت بغير من زنى بها لا يجوز وطؤها حتى تضع، وهو مذهب الشافعية وأبي حنيفة ومحمد ومذهب ابن حزم، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن قول الله تعالى: { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }(الطلاق: 4)إنما جاء في المطلقة قال الله تعالى: { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } (الطلاق: 4) وهذا مردود على أول السورة في المطلقات ومحمول عليه ما بعده من قوله تعالى: { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ }(الطلاق: 6) الآيات كلها.
  2. أن الحامل المطلقة، أو المتوفى عنها هي معتدة بنص القرآن، وقد حرم الله عز وجل زواج المعتدة جملة حتى تتم عدتها، وأما غيرها فلم يأت في القرآن ولا في السنة إيجاب عدة عليهن، ولا على أحد منهن، وقد استدل بهذا ابن حزم بناء عل عدم صحة القياس ([156]).
  3. قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ([157])
  4. أن المنع من زواج الحامل حملا ثابت النسب لحرمة ماء الوطء، ولا حرمة لماء الزنى بدليل أنه لا يثبت به النسب.
  5. أن حرمة الوطء بعارض طارئ على المحل لا ينافي الزواج لا بقاء ولا ابتداء كالحيض والنفاس.
  6. عدم جواز وطئها بعد زواجها لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره) ([158])

القول الثالث: أنه يجوز زواج الحامل من الزنى إذا كان الزاني هو الذي يريد أن يتزوج بها، وهو قول الإمامية، واشترطوا لذلك ألا يكون زنا بها وهي في ذمة زوج آخر لأنها في تلك الحالة تصبح محرمة عليه حرمة أبدية على الأحوط، فلا يجوز له نكاحها بعد موت زوجها، أو زوال عقدها بطلاق أو فسخ أو انقضاء مدة أو غيرها، ولا فرق في ذات البعل بين الدائمة والمتمتع بها، والمسلمة والكافرة، والصغيرة والكبيرة، والمدخول بها وغيرها، والعالمة والجاهلة، ولا في البعل بين الصغير والكبير،ولا في الزاني بين العالم بكونها ذات بعل والجاهل بذلك، والمكره على الزنا وغيره. وكذلك لو زنى بمن كانت في عدة رجعية ([159]).

واستدلوا لذلك بما جاء في معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق قال: سألته عن رجل فجر بامرأة، ثم بدا له أن يتزوجها؟ فقال: (حلال، أوّلـه سفاح وآخره نكاح، أوّلـه حرام وآخره حلال)

وفي حديث آخر عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر أو أبي عبد الله ع قال: (لو أن رجلاً فجر بامرأة ثم تابا فتزوجها لم يكن عليه شيء من ذلك) ([160])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو جواز الحامل من زنا إذا كان الزاني هو الذي يريد الزواج بالمزني بها، فذلك أقرب إلى مقاصد الشريعة، لأن من مقاصدها الجليلة المعلومة بالضرورة تضييق نطاق الفاحشة، وإصلاح ما انجر عنها، والحرص عل ثبوت الأنساب.

أما ما استدل به المخالفون من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا توطأ حامل حتى تضع)([161])، فإن الحديث لا يخالف ما ذكرنا، بل يدل عليه، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن وطء الحامل، وهذا النهي لا يصح إلا إذا كان حملها من غيره، لأن وطء الحامل إذا كان حملها منه جائز بلا خلاف، فلم يبق إلا أن يكون حملها من غيره، ونهية صلى الله عليه وآله وسلم عن وطئها يدل على جواز زواجها إلا إذا كانت معتدة فقد صرحت النصوص الأخرى بتحريمها.

أما الحديث الثاني، فهو إن صح يحمل على أن الرجل دلس عليه بالمرأة، فلذلك جاء يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففرق صلى الله عليه وآله وسلم بينهما.

ويدل على هذا من النصوص الصريحة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يقعن رجل على امرأة وحملها لغيره)، فلم يحدد صلى الله عليه وآله وسلم نوع هذا الحمل، هل هو من زواج أم من سفاح، ومثله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره)، فهو صلى الله عليه وآله وسلم لم يحدد فيه كذلك سبب هذا الماء وكلا النصين يستدل بهما من باب مفهوم المخالفة على أنه يجوز أن يسقي زرع نفسه، بدون تحديد لسبب ذلك الزرع.

هذا من جهة الدلالة النصية أما من جهة الرؤية المقاصدية، فيمكننا تصور الأخطار التي تنجر عن ترك الزانية تتربص إلى أن تضع حملها، ثم نطلق عليه (ابن زنا)، ونطلق عليها معه (زانية)، أما السبب في كل هذا، وهو المجرم الذي تسبب في هذه الألقاب البشعة، فنستقبله بالأحضان إن هو تاب، ونزعم أنه بتوبته خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فإذا ما فكر بالزواج، وأراد أن يكفر عن خطيئته، ويتزوج من تسبب في فضيحتها كرهنا له ذلك، ونهيناه أن ينسب ولده منها إليه.

إن أقل المخاطر في كل هذا أن نزيد من الأبناء غير الشرعيين في المجتمع، ونحملهم ذنوب آبائهم، فيعيشوا إما مشردين وإما مجرمين، وإما منتقمين من المجتمع، وفي أحسن أحوالهم يكتمون في صدورهم ما تضيق عن حمله الجبال.

أما المرأة، فإنها إن لم يقتلها أبوها في المجتمع المحافظ، ولم تنتحر إن شعرت بهدر كرامتها تصير معول فساد تنشر الرذيلة وتنتقم من كل رجل بسبب من رماها إلى الشارع، وتنتقم من كل امرأة لتحولها إلى سبيلها.

فلذلك يكون القول بجواز زواج الزاني من الزانية، بل فرض ولي الأمر ذلك عليه حلا من الحلول الذي إن لم يقف في وجه الرذيلة بالكلية، يحد من آثارها.

هـ ـ المحرمات بسبب اختلاف الدين

يختلف حكم المحرمات بسبب اختلاف الدين بحسب اعتقاد أهل الدين بكتاب أو عدم اعتقادهم، ويمكن تصنيف ذلك كما يلي:

أولا: أهل الكتاب:

ويتعلق بحكم الزواج من أهل الكتاب المسائل التالية:

تعريف أهل الكتاب:

اختلف الفقهاء في تعريف أهل الكتاب على قولين:

القول الأول: إن أهل الكتاب هم كل من يؤمن بنبي ويقر بكتاب، ويشمل اليهود والنصارى، ومن آمن بزبور داود، وصحف إبراهيم وشيث، وذلك لأنهم يعتقدون دينا سماويا منزلا بكتاب.

القول الثاني: إن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى بفرقهم المختلفة، وهو قول جمهور الفقهاء، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قوله تعالى: { أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ}(الأنعام: 156)
  2. أن تلك الصحف كانت مواعظ وأمثالا لا أحكام فيها، فلم يثبت لها حكم الكتب المشتملة على أحكام.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن أهل الكتاب المقصودون في القرآن الكريم هم اليهود والنصارى خاصة بفرقهم المختلفة، كما صرحت بذلك الآيات الكثيرة، ومنها قوله تعالى: { يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُون} (آل عمران: 65)، وقوله تعالى: { قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ }(المائدة: 68)، فدل ذلك على أن أهل الكتاب هم أهل التوراة والانجيل، وهم اليهود والنصارى، ولكن ذلك لا يمنع من دخول غيرهم فيهم، بأدلة سنذكرها في محلها من هذا المبحث.

أما قوله تعالى: { أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا }(الأنعام: 156)، فليس مقصودا به حصر إنزال الكتب في اليهود والنصارى، وقد أجاب على ذلك ابن حجر بقوله: (وأجيب بأن المراد مما يتحقق عليه القائلون، وهم قريش لأنهم لم يشتهر عندهم من جميع الطوائف من له كتاب الا اليهود والنصارى، وليس في ذلك نفى بقية الكتب المنزلة كالزبور وصحف إبراهيم وغير ذلك) ([162])، وأجاب على ذلك ابن حزم بقوله: (إنما قال الله تعالى هذا بنص الآية نهيا عن هذا القول لا تصحيحا له وقد قال تعالى: { وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ }(النساء: 164) ([163])

حكم الزواج بالكتابيات:

اختلف الفقهاء في حكم الزواج بالكتابيات على قولين:

القول الأول: حل نساء أهل الكتاب، وهو قول أكثر العلماء، قال ابن قدامة: (ليس بين أهل العلم، بحمد الله، اختلاف في حل حرائر أهل الكتاب. وممن روي عنه ذلك عمر، وعثمان، وطلحة، وحذيفة وسلمان، وجابر، وغيرهم. قال ابن المنذر: ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، وروى الخلال، بإسناده، أن حذيفة، وطلحة، والجارود بن المعلى، وأذينة العبدي، تزوجوا نساء من أهل الكتاب، وبه قال سائر أهل العلم) ([164])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قول الله تعالى: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِين}(المائدة: 5)
  2. إجماع الصحابة على ذلك، بل زواجهم من الكتابيات، فعثمان ـ مثلا ـ تزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية وهي نصرانية على نسائه، وطلحة بن عبيد الله تزوج يهودية من أهل الشام.
  3. أن قوله تعالى: { وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ }(البقرة: 221) غير محمول عل أهل الكتاب، لأن لفظة المشركين بإطلاقها لا تتناول أهل الكتاب، بدليل قوله تعالى: {لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ}(البينة: 1)، وقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة}(البينة: 6)، وقوله تعالى: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}(المائدة: 82)، وقوله تعالى: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ }(البقرة: 105)، وسائر آي القرآن نجد الفصل في جميعها بين المشركين وأهل الكتاب، فدل على أن لفظة المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب.

القول الثاني: حرمة الزواج بالكتابيات، وهو أشهر أقوال الإمامية([165]) مع جوازه في زواج المتعة وملك اليمين([166])، وقد استدل الإمامية على ذلك بما يلي:

  1. عموم قوله تعالى: { وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ }(البقرة: 221)، وقوله: { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ }(الممتحنة: 10)
  2. بعض القرائن التي حفت بالحكم والتي تخص هذه الإباحة بزواج المتعة، وأول هذه القرائن، قوله تعالى: { إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ }(المائدة: 5)، ولو أن لفظة الأجر تطلق على المهر في نوعي الزواج الدائم والمؤقت، إلا أنها غالبا ما ترد لبيان المهر في الزواج المؤقت، أي أنها تناسب هذا الأخير أكثر، والقرينة الثانية: قوله تعالى: { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } (المائدة: 5) فهي تتلاءم أكثر مع الزواج المؤقت، لأن الزواج الدائم ليس فيه شبه بالزنا أو الصداقة السرية لكي ينهى عنه.
  3. الروايات الكثيرة عن أهل البيت والتي تنهى عن هذا الزواج، ومنها ماروي عن جعفر الصادق في الرجل المؤمن يتزوج النصرانية واليهودية، فقال: إذا أصاب المسلمة، فما يصنع باليهودية والنصرانية؟ فقال: يكون يكون له فيها الهوى، فقال: إن فعل، فليمنعها من شرب الخمر، وأكل الخنزير، واعلم أن عليه في دينه غضاضة.

وهو كذلك قول بعض العلماء المعاصرين، ومنهم سيد قطب الذي قال: (وهناك خلاف فقهي في حالة الكتابية التي تعتقد أن الله ثالث ثلاثة، أو أن الله هو المسيح بن مريم، أو أن العزيز ابن الله.. أهي مشركة محرمة. أم تعتبر من أهل الكتاب وتدخل في النص الذي في المائدة، والجمهور على أنها تدخل في هذا النص، ولكني أميل إلى اعتبار الرأي القائل بالتحريم في هذه الحالة. وقد رواه البخاري عن ابن عمر قال: (لا أعلم شركا أعظم من أن تقول ربها عيسى) ([167])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن الحكم الأصلي للزواج من الكتابيات هو الإباحة التي لا جدال فيها لقطعية النصوص الواردة في ذلك، وهي لا تحتمل تأويلا ولا تعطيلا.

ولكن الأحكام العارضة لهذا الزواج تختلف بحسب الأحوال والأماكن والأزمان والمصالح التي تجنى من ذلك الزواج، والمضار التي قد تسد، فلذلك تعتري هذا النوع من الزواج الأحكام الشرعية الأخرى.

فقد يكون مستحبا إذا طمع بالزواج منها إسلامها، أو تأليف قلوب قومها، وأمن في نفس الوقت من ضرر هذا الزواج على دينه ودين أولاده، ولعل هذه الحكمة هي المقصودة بالدرجة الأولى من إباحة الزواج بالكتابيات.

وقد يكون مكروها فيما لو كان غرضه من الزواج بها الهوى المجرد عن الغاية الدينية، وكان في ذلك رغبة عن المسلمات، مع أمن الفتنة على نفسه وأولاده، ولعل في تقديم جواز الزواج بالمحصنات من المؤمنات على المحصنات من أهل الكتاب دليل على هذا، فكأن التعبير الحكيم يشير بهذا التقديم إلى أولوية الزواج بالمسلمة.

وقد يكون حراما وهو إذا ما خشي على دينه أو دين أولاده، بأن ينسبوا إليها.

أما الوجوب، فيكون ـ مثلا ـ فيما لو كان في محل وجب عليه فيه الزواج، ولم يكن هناك غير أهل الكتاب.

انطلاقا من هذا الحكم الإجمالي، فإن مثل هذه الزيجات في عصرنا يميل الكثير منها إلى الحرمة، قال سيد قطب في تعليل قوله بالحرمة: (ونحن نرى اليوم أن هذه الزيجات شر على البيت المسلم، فالذي لا يمكن إنكاره واقعيا أن الزوجة اليهودية أو المسيحية أو اللادينية تصبغ بيتها وأطفالها بصبغتها، وتخرج جيلا أبعد ما يكون عن الإسلام، وبخاصة في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه، والذي لا يطلق عليه الإسلام إلا تجوزا في حقيقة الأمر، والذي لا يمسك من الإسلام إلا بخيوط واهية شكلية تقضي عليها القضاء الأخير زوجة تجيء من هناك!) ([168])

والناحية الأخرى، والتي قد تقوي القول بالتحريم، وتجعله أصلا في عصرنا، هو انتشار الرذيلة في المجتمعات التي تزعم لنفسها ونزعم لها أنها مجتمعات كتابية، وهي بذلك تخالف ناحية مهمة ربما تكون من علل الترخيص في الزواج بالكتابيات، وهي تصريح كتبهم بتحريم الزنا، لكن المجتمع الغربي الآن يبيحه، ويجمع على إباحته، بل يعتبر القول بتحريمه شذوذا في الرأي، وكبتا للغريزة.

فالتوراة مثلا تعاقب على الزنا، وتعتبره أمرًا محرمًا، بل تفرض عليه عقوبة الرجم، بيد أن هذه العقوبة غير مطبقة الآن في الشريعة اليهودية، حتى عند اليهود في دولتهم المزعومة، حيث يزعمون قيام دولتهم على أساس العقيدة الدينية لليهود، وقد جاء في التلمود منسوبًا إلى موسى u قوله: (لا تشته امرأة قريبك، فمن يزني بامرأة قريبه يستحق الموت).

وقد شرط الشارع لإباحة الكتابية توفر الحصانة([169])، وهي العفة، قال ابن جرير: (يقال للمرأة إذا هي عفت وحفظت فرجها من الفجور قد أحصنت فرجها فهي محصنة، كما قال جل ثناؤه: { ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها} بمعنى حفظته من الريبة ومنعته من الفجور، وإنما قيل لحصون المدائن والقرى حصون لمنعها من أرادها وأهلها وحفظها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها، ولذلك قيل للدرع درع حصينة) ([170])

والإحصان هنا، كما نراه، ليس فقط عن ممارسة الفواحش الظاهرة، بل يعم كذلك ما يؤدي إليها من التبرج الفاحش، أو أن تكون كما ورد في الحديث (لا ترد يد لامس)، أو عدم التفريق في مجالسها بين المحارم والأجانب، وغير ذلك مما يجب عل المسلمة في ذات نفسها، وهو مما يؤكد كون الأصل في عصرنا حرمة زواج المسلم بالكتابية، فأي كتابية على هذه الصورة، اللهم إلا أن تكون كتابية لا يحول بينها وبين الإسلام إلا زواجها من المسلم.

أما تخصيص الإباحة بالزواج المؤقت ـ كما يقول بذلك بعض علماء الإمامية ـ فهو من حيث علاقته بالمقاصد الشرعية من القوة بمكان زيادة على أن القرائن المحفوفة بالآية تحتمله، ونرى هنا أن أليق من يطبق عليه هذا النوع من الزواج هو هذا المحل، فالمسلم المهاجر إلى بلاد الغرب قد يضطر لهذا النوع من الزواج بضوابطه الشرعية، ويكون قصده الأول من ذلك هو تحصين نفسه عن سعار الشهوات التي تحيط به، ما دام مقيما بتلك البلاد، ثم هو بعد زواجه ينظر في مدى صلاحية ذلك الزواج للاستمرار أو الاكتفاء بمدة الحاجة إليه، فإن كان في الزوجة استعدادا للإسلام أو ألف قلبها عليه أو أسلمت استمر الزواج، أما إن استمرت مصروفة عنه، وفي ظل الظروف التي تحيط بالعالم الإسلامي، فإن المستحب هنا بل الواجب هو الفراق، وقد روى الإمامية عن الحسين قوله: ما أحب للرجل أن يتزوج اليهودية والنصرانية مخافة أن يتهود ولده أو يتنصر.

والخلاصة التي نخرج بها من هذا الترجيح، والتي تتعلق بحكم الزواج من الكتابيات في عصرنا أنه مباح بالشروط التالية:

أن تكون كتابية حقيقة، لأن معظم المجتمع الغربي الآن مجتمع لا ديني، ونسبة المسيحيين فيه قليلة جدا، ولا يصح ما نراه في الإحصائيات من كثرة العالم المسيحي.

  1. أن لا تكون كتابية محاربة، وسنرى تفصيل هذا الشرط وأدلته لاحقا.
  2. أن تكون عفيفة، ماضيا وحضرا، فكرا وسلوكا، أي أنها تعف عن الفواحش سلوكا بعدم ممارستها، وفكرا بعدم اعتبارها حرية شخصية، حتى لا تربي أولادها على ذلك.
  3. أن لايكون في الزواج بها إضرارا بالمسلمات.
  4. أن يكون زواجة بها للحاجة الملحة، والأفضل أن يكون مؤقتا إلا إذا رأى استعدادها للإسلام.
  5. أن ينسب أولاده منها إليه، وأن يقوم هو بتربيتهم، وتنشئتهم على الإسلام، ويستحب إن لم يطمع في إسلامها أن يتجنب إنجاب الولد منها.

فإذا انضم إلى هذه الشروط ما ذكرناه سابقا من عوارض الحكم الشرعي يمكن استنتاج الأحكام العارضة وشروطها.

زواج الكتابيات من أهل الحرب:

اختلف الفقهاء المجيزون للزواج بالكتابيات المحاربات([171])على قولين([172]):

القول الأول: الكراهة الشديدة للزواج بالكتابيات المحاربات، وهو مذهب جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بعموم النصوص الواردة في ذلك.

القول الثاني: حرمة الزواج من الكتابيات المحاربات، وقد حكى هذا القول ابن تيمية عن الإمام أحمد، قال ابن تيمية: (كلام الإمام أحمد عامة يقتضي تحريم التزويج بالحربيات وله فيما إذا خاف على نفسه روايتان) ([173])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، لأن الأدلة الكثيرة التي استدل بها العلماء على الكراهة، لا تقتصر عليها بل تدل على الحرمة، ومنها:

  1. أن ابن عباس قال: لا تحل نساء أهل الكتاب إذا كانوا حربا، وتلا قوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}(التوبة: 29).
  2. قوله تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أو أَبْنَاءَهُمْ أو إِخْوَانَهُمْ أو عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا مْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}(المجادلة: 22)، والزواج يوجب المودة لقوله تعالى: { وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً }(الروم: 21)
  3. أن ولده ينشأ في دار الحرب على أخلاق أهلها، وذلك منهي عنه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين) ([174])، وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رجل دخل في الإسلام فقال: تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان، وإنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب) ([175])
  4. أن قوله تعالى: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } مخصص لقوله تعالى: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ }(المائدة: 5) قاصرلحكمه على الذميات منهن دون الحربيات.

وهذا يتناسب مع مقاصد الشريعة التي توحد بين قلوب المسلمين ومشاعرهم، فأي شعور بالانتماء للإسلام من مسلم يتزوج يهودية، قد تكون عينا لقومها، أو على الأقل تحمل قلبا يحمل الحقد على الإسلام والمسلمين، أو على أقل من ذلك أن لا يستطيع الكلام معها عن النار التي تلتهب في قلبه، وهو يرى ويسمع ما يحدث لإخوانه ومقدساته بأيدي قومها.

اعتبار النسب في زواج الكتابيات:

اختلف الفقهاء القائلون بجواز الزواج من أهل الكتاب في اعتبار نسب الكتابية، أي بأن تكون من قوم أهل كتاب، على قولين([176]):

القول الأول: اعتبار الآباء في إباحة الزواج من الكتابيات، وهو قول للشافعي، بل إنه قال: (أصل ما أبني عليه أن الجزية([177]) لا تقبل من أحد دان دين كتاب إلا أن يكون آباؤه دانوا به قبل نزول الفرقان، فلا تقبل ممن بدل يهودية بنصرانية أو نصرانية بمجوسية أو مجوسية بنصرانية أو بغير الإسلام، وإنما أذن الله عز وجل بأخذ الجزية منهم على ما دانوا به قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك خلاف ما أحدثوا من الدين بعده، فإن أقام على ما كان عليه وإلا نبذ إليه عهده، وأخرج من بلاد الإسلام بماله وصار حربا) لكن المزني روى عنه في كتاب النكاح: (إذا بدلت بدين يحل نكاح أهله فهو حلال) ([178])

القول الثاني: أن العبرة بدين الشخص لا بدين آبائه، وهو قول جمهور الفقهاء، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أنه لا يتعلق به شيء من آبائه إذا كان هو على دين باطل لا يقبله الله فسواء كان آباؤه كذلك أو لم يكونوا.
  2. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الجزية من يهود اليمن وإنما دخلوا في اليهودية بعد المسيح u في زمن تبع وأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاؤه من بعده من نصارى العرب ولم يسألوا أحدا منهم عن مبدأدخوله في النصرانية، هل كان قبل المبعث أو بعده، وهل كان بعد النسخ والتبديل أم لا.
  3. أن سكوت القرآن والسنة عن اعتبار ذلك في جميع المواضع وعن الإيماء إليه والدلالة عليه دليل على عدم اعتباره.
  4. أن إطلاق النصوص وعمومها المطرد في جميع المواضع متناول لكل من اتصف بتلك الصفة ولم يرد فيهما موضع واحد مخصص ولا مقيد، فيجب التمسك بالعام حتى يقوم دليل على تخصيصه.
  5. أن عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته في أهل الكتاب بعد نزول الآية مبين أنه المراد منهما، وقد علم أنه لم يبن في أخذ الجزية وحل الذبائح والزواج إلا على مجرد دينهم لا على آبائهم وأنسابهم.
  6. أن من دان بدينهم من الكفار بعد نزول الفرقان يون بذلك قد انتقل من دينه إلى دين خير منه وإن كانا جميعا باطلين.
  7. أن دين أهل الكتاب قد صار باطلا بمبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا فرق بين من اختاره بنفسه ممن لم يتقدم دخول آبائه فيه قبل ذلك وبين من دخل فيه ممن تقدم دخول آبائه فيه، فإن كل واحد منهما اختار دينا باطل،وما على الرجل من أبيه وأي شيء يتعلق به منه.
  8. أن تبعية الشخص لأبيه منقطعة ببلوغه، بحيث صار مستقلا بنفسه في جميع الأحكام، فما بال تبعية الأب بعد البلوغ أثرت في إقراره على دين باطل قد قطع الإسلام تبعيته فيه.
  9. أن نسبة من دخل في اليهودية بعد بعث المسيح وترك دين المسيح كنسبة من دخل في النصرانية بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ كلاهما دخل في دين باطل منسوخ.
  10. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يؤمر بالجهاد كان يقر الناس على ما هم عليه، ويدعوهم إلى الإسلام، بل كانت المرأة تسلم وزوجها كافر فلا يفرق الإسلام بينهما، ولم ينزل تحريم المسلمة على الكافر إلا بعد صلح الحديبية.
  11. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنع قبل فرض الجهاد ولا بعده وثنيا دخل في دين أهل الكتاب، بل ولا يهوديا تنصر أو نصرانيا تهود أو مجوسيا دخل في التهود والتنصر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني لعدم ورود أي دليل نصي يقيد أهل الكتاب بما ذكر الشافعي من قيود، ولو فرض صحة ما قال، فإن أمر الزواج بأهل الكتاب يغدو مستحيلا لصعوبة التعرف على التاريخ الديني لمن يزعم أنه من أهل الكتاب، اللهم إلا أن يكونوا من اليهود المحافظين، وقد شكك الكثير من العلماء المحدثين في انتساب الكثير منهم إلى بني إسرائيل خاصة وأن اليهود ينسبون اليهودي إلى أمه لا إلى أبيه عل خلاف النسب عندنا.

زيادة على ذلك، فمما ورد في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هرقل يدل على هذا، فقد جاء فيه: (أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)(آل عمران: 64)) ([179])

قال ابن حجر في الكلام على هذا الحديث: (كل من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذبائح، لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل وهم ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قال له ولقومه: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ}، فدل على أن لهم حكم أهل الكتاب، خلافاً لمن خص ذلك بالإسرائيليين أو بمن علم أن سلفه ممن دخل في اليهودية أو النصرانية قبل التبديل)

ثانيا: من لهم شبهة كتاب:

ويشملون الأصناف التالية:

المجوس:

اختلف الفقهاء في حكم زواج المسلم من المجوس على قولين([180]):

القول الأول: أنهم من أهل الكتاب، ولذلك يجوز الزواج منهم، وهو قول بعض السلف وأبي ثور، وهو مذهب ابن حزم، ومذهب القائلين بجواز الزواج من أهل الكتاب من الإمامية، وقد استدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها ([181]):

  1. أن المجوس أهل كتاب، ولذلك يجوز الزواج بنسائهم، والدليل على أنهم أهل كتاب قول الله تعالى: { فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(التوبة: 5) فلم يبح لنا ترك قتلهم إلا بأن يسلموا فقط، وقال تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}(التوبة: 29)، فاستثنى الله تعالى أهل الكتاب خاصة بإعفائهم من القتل بغرم الجزية مع الصغار من جملة سائر المشركين الذين لا يحل إعفاؤهم إلا أن يسلموا، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر([182])، فدل ذلك على أنهم أهل كتاب.
  2. أن الحديث الذي استدل به المخالفون، وهو ما كتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل ومن أبى ضربت عليه الجزية على أن لا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة، مرسل ولا حجة في مرسل، وأن ما ورد فيه من أنه (لا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة) ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

القول الثاني: أنهم ليسوا أهل الكتاب، ولذلك لا يجوز الزواج منهم، وهو قول أكثر الفقهاء، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قوله تعالى: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ}(الأنعام: 156)، فأخبر تعالى أن أهل الكتاب طائفتان، فلو كان المجوس أهل الكتاب لكانوا ثلاث طوائف كمن قال: إنما لي على فلان جبتان، لم يكن له أن يدعي أكثر منه.
  2. أن الله تعالى عندما ذكر الملل المختلفة قال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}(الحج: 17) فذكر الملل الست وذكر أنه يفصل بينهم يوم القيامة، ولكنه لما ذكر الملل التي فيها السعداء قال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(البقرة: 62)، وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(المائدة: 69) في موضعين ولم يذكر المجوس ولا المشركين، فلو كان في هاتين الملتين سعيد في الآخرة كما في الصابئين واليهود والنصارى لذكرهم، فلو كان لهم كتاب لكانوا قبل النسخ والتبديل على هدى، وكانوا يدخلون الجنة إذا عملوا بشريعتهم، كما كان اليهود والنصارى قبل النسخ والتبديل، فلما لم يذكر المجوس في هؤلاء، علم أنه ليس لهم كتاب.
  3. أن المجوس لا ينتحلون شيئا من كتب الله المنزلة على أنبيائه، وإنما يقرءون كتاب زرادشت وكان متنبيا كذابا، فليسوا إذا أهل كتاب.
  4. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى صاحب الروم: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)، وكتب إلى كسرى ولم ينسبه إلى كتاب.
  5. أنه لما اقتتلت فارس والروم، وانتصرت الفرس، ففرح بذلك المشركون، لأنهم من جنسهم ليس لهم كتاب، واستبشر بذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكون النصارى أقرب إليهم، لأن لهم كتابا، وأنزل الله تعالى: { الم(1)غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ}(الروم: 1 ـ 3)، وهو يبين أن المجوس لم يكونوا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلموأصحابه لهم كتاب.
  6. أنه لم يثبت أن حذيفة تزوج مجوسية، وقد ضعف أحمد رواية من روى عن حذيفة أنه تزوج مجوسية. وقال أبو وائل يقول: تزوج يهودية. وهو أوثق ممن روي عنه أنه تزوج مجوسية. وقال ابن سيرين: كانت امرأة حذيفة نصرانية. ومع تعارض الروايات لا يثبت حكم إحداهن إلا بترجيح، على أنه لو ثبت ذلك عن حذيفة، فلا يجوز الاحتجاج به مع مخالفته الكتاب وقول سائر العلماء ([183]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن المجوس ليسوا كالمشركين، بل هم أقرب إلى أهل الكتاب لورود الحديث في ذلك، ولكن الزواج من نسائهم يبقى مرتبطا بالتعرف على عقيدتهم وعلى اقتناع من يريد أن يتزوج منهم بوجود كتاب سماوي لديهم.

وكرأي شخصي قد لا أجد الفرصة في هذا المحل للاستدلال له، أرى أن المجوس من أهل الكتاب، وأن دينهم من الأديان السماوية، ولو لم ينص عليه في القرآن الكريم، لأن القرآن الكريم اقتصر على التأريخ الديني للمنطقة التي نزل فيها أما سائر المناطق، فقد أشار إليها إشارات مجملة كقوله تعالى: { وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ}(فاطر: 24)، ولكن إباحة الزواج منهم تبقى مرتبطة بالمصالح الشرعية التي تنتج عن ذلك الزواج، وفق الضوابط المذكورة سابقا.

وهذا الذي قلنا ليس بدعا في الرأي، بل نرى الكثير ممن أرخوا للأديان ينصون على نبوة زرادشت ويسمونه نبي المجوس، وممن انتصر لذلك ابن حزم، فقد قال في الفصل: (أما زرادشت فقد قال كثير من المسلمين بنبوته) ([184]) ثم عقب على ذلك بقوله: (ليست النبوة بمدفوعة قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن صحت عنه معجزة، قال تعالى: { وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ}(فاطر: 24)، وقال تعالى: { وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ }(النساء: 164)) ([185])

ثم بين أن الذي ينسب إليه المجوس من الأكذوبات باطل مفترى منهم، واستدل على ذلك بالتحريفات الواقعة في الديانات المختلفة،، ثم بين قاعدة جليلة في ذلك فقال: (وبالجملة فكل كتاب وشريعة كانا مقصورين على رجال من أهلها، وكانا محظورين على من سواهما فالتبديل والتحريف مضمون فيهما، وكتاب المجوس وشريعتهم إنما كان طول مدة دولتهم عند المؤبذ، وعند ثلاثة وعشرين هربذا، لكل هربذ سفر قد أفرد به وحده لا يشاركه فيه غيره من الهرابذة ولا من غيرهم، ولا يباح بشيء من ذلك لأحد سواهم، ثم دخل فيه الخرم بإحراق الإسكندر لكتابهم أيام غلبته لدارا بن دارا، وهم مقرون بلا خلاف منهم أنه ذهب منه مقدار الثلث ذكر ذلك بشير الناسك وغيره من علمائهم) ([186])

ونفس ما دفع به ابن حزم عن زرادشت ما نسبه إليه المجوس ذكره غيره من العلماء، قال الباقلاني: (وكذلك الجواب عن المطالبة بصحة أعلام زرادشت إما أن نقول إنها في الأصل مأخوذة عن آحاد، لأن العلم بصدقهم غير واقع لنا، أو نقول إنه نبي صادق ظهرت على يده الأعلام، ودعا إلى نبوة نوح وإبراهيم، وإنما كذبت المجوس عليه في إضافة ما أضافته إليه من القول بالتثنية وقدم النور والظلام وحدوث الشيطان من فكرة وشكة شكها بعض أشخاص النور، وهو بمنزلة كذب النصارى على المسيح u من دعائه إلى اعتقاد التثليث والاتحاد والاختلاط، وأن مريم ولدت مسيحا بلاهوته دون ناسوته وغير ذلك) ([187])

وقد ذكر ابن حزم أن هذا القول ليس بدعة للمتأخرين، بل أن من السلف من قال بذلك، قال: (وممن قال أن المجوس أهل كتاب علي بن أبي طالب وحذيفة وسعيد بن المسيب وقتادة وأبو ثور وجمهور أصحاب أهل الظاهر، وقد بينا البراهين الموجبة لصحة هذا القول في كتابنا المسمى الإيصال في كتاب الجهاد منه وفي كتاب الذبائح منه وفي كتاب النكاح منه) ([188])، ثم قال: (ويكفي من ذلك صحة أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجزية منهم، وقد حرم الله عز وجل في نص القرآن في آخر سورة نزلت منه وهي براءة أن تؤخذ الجزية من غير كتابي)

الصابئة:

ورد ذكر الصابئة في القرآن الكريم مع أهل الملل في ثلاثة مواضع، منها: قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(البقرة: 62)، وقد اختلف العلماء فيهم على أقوال كثيرة، منها:

  1. أنهم قوم كانوا على دين نوح u
  2. هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح u
  3. أنهم صنف من النصارى ألين منهم قولا. وهو مروي عن ابن عباس وبه قال أحمد في رواية.
  4. هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية.
  5. هم قوم بين النصارى والمجوس.

ونرى أن الأرجح في هذه الاختلافات صدقها جميعا، وأن الصايئة ليست ديانة قائمة بذاتها، وإنما هي فروع من الديانات المختلفة، وأنها نوع من نزوع بعض أهل تلك الديانات للروحانيات مقابل الطقوس التي يهتم بها أصحاب الديانة الأصلية، قال الشهرستاني: (الصبوة في مقابلة الحنفية، وفي اللغة صبأ الرجل إذا مال وزاغ فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم الصابئة، وقد يقال صبأ الرجل إذا عشق وهوى، وهم يقولون الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال، وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين، كما أن مدار مذهب الحنفاء هو التعصب للبشر الجسمانيين، والصابئة تدعي أن مذهبها هو الاكتساب، والحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة، فدعوة الصابئة إلى الاكتساب ودعوة الحنفاء إلى الفطرة) ([189])

بناء على هذا اختلف الفقهاء في الصابئة على قولين([190]):

القول الأول: أنهم من أهل الكتاب من اليهود أو النصارى، وهو قول أبي حنيفة، وفي قول لأحمد، وهو أحد وجهين عند الشافعية: أنهم جنس من النصارى.

القول الثاني: أنهم إن وافقوا اليهود والنصارى في أصول دينهم، من تصديق الرسل والإيمان بالكتب كانوا منهم، وإن خالفوهم في أصول دينهم لم يكونوا منهم، وكان حكمهم حكم عبدة الأوثان([191])، وهو المذهب عند الشافعي، وما صححه ابن قدامة من الحنابلة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة بناء على ما سبق من تعريفهم أن حكمهم حكم الدين الذي تفرعوا عنه، فإن كان الدين كتابيا كانوا أهل كتاب، وحكمهم حينذاك حكم سائر أهل الكتاب لأن القرآن الكريم لم يخص طائفة منهم دون طائفة، فلس الكاثوليكي المتعصب، ولا اليهودي المتصهين بخير من الصابئ.

ثالثا: من ليس لهم كتاب:

وهم المشركون، ويلحق بهم من لا دين له، أو أصحاب الكثير من المذاهب الحديثة التي تمس جوهر الاعتقاد وحكم العلماء عليها بالكفر، وقد اتفق الفقهاء على حرمة زواج المسلم منهم، لقوله تعالى: { وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ }(البقرة: 221)

وقد بين الفقهاء العلة التي من أجلها أحلت الكتابية ولم تحل المشركة، ومن خلالها تتضح كثير من المسائل المعاصرة المتعلقة بالزواج من غير المسلمات، ولا بأس أن ننقل هنا ما يقوله الكاساني في ذلك لأهميته، قال في بيان الفرق: (والفرق أن الأصل أن لا يجوز للمسلم أن ينكح الكافرة، لأن ازدواج الكافرة والمخالطة معها مع قيام العداوة الدينية لا يحصل السكن والمودة الذي هو قوام مقاصد الزواج إلا أنه جوز زواج الكتابية لرجاء إسلامها، لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة، وإنما نقضت الجملة بالتفصيل بناء على أنها أخبرت عن الأمر على خلاف حقيقته، فالظاهر أنها متى نبهت على حقيقة الأمر تنبهت، وتأتي بالإيمان على التفصيل على حسب ما كانت أتت به على الجملة، هذا هو الظاهر من حال التي بني أمرها على الدليل دون الهوى والطبع، والزوج يدعوها إلى الإسلام وينبهها على حقيقة الأمر، فكان في نكاح المسلم إياها رجاء إسلامها فجوز نكاحها لهذه العاقبة الحميدة بخلاف المشركة، فإنها في اختيارها الشرك ما ثبت أمرها على الحجة بل على التقليد بوجود الإباء عن ذلك من غير أن ينتهي ذلك الخبر ممن يجب قبول قوله واتباعه – وهو الرسول – فالظاهر أنها لا تنظر في الحجة ولا تلتفت إليها عند الدعوة فيبقى ازدواج الكافر مع قيام العداوة الدينية المانعة عن السكن والازدواج والمودة خاليا عن العاقبة الحميدة فلم يجز إنكاحها) ([192])

فهذا فهم مقاصدي جليل له فائدة عظيمة في حل كثير من الخلافات حول أحكام الزواج بسبب اختلاف الدين.


([1])   احترز بهذا التعريف من ثلاثة أمور: الأول: احتراز من السبب ; لأنه يلزم من وجوده الوجود. والثاني: احتراز من الشرط  لأنه يلزم من عدمه العدم. والثالث: احتراز من مقارنة المانع لوجود سبب آخر. فإنه يلزم الوجود لا لعدم المانع ، بل لوجود السبب الآخر ، كالمرتد القاتل لولده ، فإنه يقتل بالردة ، وإن لم يقتل قصاصا ، لأن المانع لأحد السببين فقط، انظر: شرح الكوكب المنير:143.

([2])   انظر: الظلال: 1/610، الأسرة والمجتمع للدكتور علي عبد الواحد وافي: 26.

([3])   المنثور في القواعد الفقهية: 177.

([4])   المحلى :12/199 فما بعدها، شرح معاني الآثار :3/148، إعلام الموقعين:3/223.

([5])   المبسوط ( ج 26 ص 90 ).

([6])   كتاب المقنعة ص 778.

([7])   تحرير الأحكام (ط.ق) – ج 2 ص 222.

([8])   المحلى :12/199.

([9])   البيهقي: 6/295، البزار: 8/251، مسند الروياني: 2/127.

([10])   المحلى :12/199.

([11])   المبسوط 9: 58 و 61 و 85، واللباب 3: 83، والهداية 4: 147، وتبيين الحقائق 3: 179، وشرح معاني الآثار 3: 149، وبدائع الصنائع 7: 35.

([12])   أسنى المطالب :3/148، أنوار البروق:3/118.

([13])   انظر: المغني:7/84..

([14])   بدائع الصنائع:2/257.

([15])   أسنى المطالب :3/148، مغني المحتاج:4/287، المبسوط:4/204.

([16])   المغني : 7 / 119.

([17])   أسنى المطالب :3/148.

([18])   مطالب أولي النهى:5/95، بدائع الصنائع :2/257.

([19])   المغني :7/91.

([20])   قال ابن كثير: رواه أبو داود عن الحسن بن علي عن يزيد بن هارون به نحوه مختصرا، ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة، انظر: تفسير ابن كثير:3/267.

([21])   زاد المعاد:5/410.

([22])   سبق تخريجه.

([23])   كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه: 32/137، وانظر: الفتاوى الكبرى:2/226.

([24])   أحكام القرآن:1/478.

([25])   أحكام القرآن :1/479.

([26])   شرح حدود ابن عرفة :164.

([27])   انظر: تفسير القرطبي:5/114.

([28])   إعلام الموقعين: 3/190، وانظر: الفتاوى الكبرى:6/318، مطالب أولي النهى :5/92.

([29])   مجمع الزوائد: 4/268، سنن البيهقي الكبرى: 9/169، الدارقطني: 3/268، والحديث ضعيف جدا، انظر: التحقيق في أحاديث الخلاف:2/275، فيض القدير:6/447، الكامل في ضعفاء الرجال:5/165، وسنشير إلى أسباب الضعف عند ذكر أدلة القول الثاني.

([30])   إعلام الموقعين: 3/190.

([31])   المحلى: 9/147.

([32])   المدونة :2/197، وانظر :المنتقى: 3/308.

([33])   أحكام القرآن:1/496.

([34])   أحكام القرآن للجصاص :2/163 ،فما بعدها، المنتقى:3/308.

([35])   راجع الفصل الأول في حقيقة النكاح.

([36])   وسائل الشيعة ج20 ص429 حديث26004..

([37])   وذهب بعض الفقهاء كالشيخ يوسف البحراني، إلى أنّ الزنا بأصل الزوجة أو فرعها قبل الدخول بالزوجة يوجب التحريم.

([38])   وسائل الشيعة ج20 ص432 حديث26014.

([39])   وسائل الشيعة ج20 ص425 حديث 25993..

([40])   المصدر السابق ص423 حديث 25987.

([41])   البخاري: 5/1962، الترمذي: 10/30، أبو داود: 3/306، النسائي: 3/494، أحمد: 3/451، ابن حبان: 10/30.

([42])   فيض القدير: 6/447.

([43])   المحلى:9/147، المصنف لابن أبي شيبة:3/468.

([44])   انظر: المغني: 7/90..

([45])   إلاّ ما روي عن ابن أبي عقيل من الذهاب إلى عدم الحرمة إلاّ بالدخول. نظام النكاح في الشريعة الاسلامية الغراء (ج1، ص: 311)

([46])   قال الترمذي: هذا حديث لا يصح من قبل إسناده، وإنما رواه بن لهيعة والمثنى عن عمرو بن شعيب والمثنى وابن لهيعة يضعفان في الحديث، الترمذي:3/425، وانظر: سنن البيهقي الكبرى: 7/160.

([47])   أحكام القرآن لابن العربي :1/484.

([48])   المغني:7/85.

([49])   المحلى:9/140.

([50])   البخاري: 5/1954، مسلم: 2/1072، ابن حبان: 9/422، البيهقي: 7/75، النسائي: 3/290، ابن ماجة: 1/624.

([51])   تفسير ابن كثير: 1/472.

([52])   تفسير الأمثل لمكارم الشيرزي:3/ 172.

([53])   سبق تخريجه.

([54])   زاد المعاد: 5/122.

([55])   فتح الباري: 9/158.

([56])   تفسير الأمثل: 3/ 167.

([57])   المغني: 7/86، بدائع الصنائع:2/260، وغيرها من المراجع.

([58])   تفسير الطبري: 4/323.

([59])   تفسير الأمثل: 3/ 173.

([60])   الأم :5/28، المحلى:9/131، المبسوط :5/132، بدائع الصنائع:2/261 ،الفتاوى الهندية:1/343، شرح البهجة:4/378،  المغني :7/87، الإنصاف :9/329 ،الخرشي:4/178 ،حاشية الدسوقي:2/504، فتح العلي المالك:2/79، نيل الأوطار :6/376، أحكام القرآن لابن العربي :1/479 ،أحكام القرآن للجصاص :2/177.

([61])   سبق تخريجه.

([62])   سبق تخريجه.

([63])   أحكام القرآن للجصاص :2/180.

([64])   العناية شرح الهداية :3/448، مجمع الأنهر :1/378 ،بدائع الصنائع: 4/4، الخرشي :4/176 ،المنتقى: 4/150، أحكام القرآن لابن العربي:1/483، أحكام القرآن للجصاص :2/180، المغني :7/87، الفتاوى الكبرى:3/171، المحلى: 10/178.

([65])   الخلاف 3/ 67 ـ 68.

([66])   البخاري: 5/1962، مسلم: 2/1069، الموطأ: 2/602، النسائي: 3/302.

([67])   مصنف ابن أبي شيبة: 4/18.

([68])   القرطبي: 5/110، أحكام القرآن للجصاص: 2/113، المهذب: 2/155، الأم: 5/28، المبسوط: 5/135، شرح فتح القدير: 3/445، لسان الحكيم: 323، بدائع الصنائع: 4/5، حاشية الدسوقي: 4/158، التمهيد: 8/263، مختصر اختلاف العلماء: 2/315.

([69])   قال في الدراية: رواه الدار قطنى من حديث ابن عباس، وأخرجه ابن إن الهيثم بن جميل نفرد برفعه عن ابن عيينة إن أصحاب ابن عيينة وقفوه، وهو الصواب، وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة وعبدالرزاق وسعيد بن منصور، وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفا عن على وابن مسعود، انظر: الدراية: 2/68، وقال ابن الجوزي: قال الدارقطني لم يسنده عن ابن عيينة من الهيثم وهو ثقة حافظ، التحقيق في أحاديث الخلاف: 2/305، وانظر: الدارقطني: 4/174، سنن سعيد بن منصور: 1/278، مصنف ابن أبي شيبة: 3/550، مصنف عبد الرزاق: 7/465، تلخيص الحبير: 4/4.

([70])   الترمذي: 3/458، النسائي: 3/301، مسند إسحق بن راهويه: 1/119..

([71])   سنن الترمذي: 3/458.

([72])   سبق تخريجه.

([73])   المدونة:2/297.

([74])   المبسوط:136، بدائع الصنائع:4/5.

([75])   المحلى: 10/205، المبسوط:136، بدائع الصنائع:4/5 ،المغني :8/142.

([76])   المحلى: 10/205.

([77])   سبق تخريجه.

([78])   البخاري:2/936، مسلم: 2/1078، أبو داود: 2/228، النسائي: 3/301، ابن ماجة:1/626، أحمد: 6/94.

([79])   المبسوط:5/138.

([80])   الترمذي: 3/458، النسائي: 3/301، مسند إسحق بن راهويه: 1/119.

([81])   قال في نصب الراية ـ ملخصا ـ:  روى من حديث علي ومن حديث جابر، فحديث علي رواه الطبراني في معجمه الصغير، أما حديث جابر فرواه أبو داود الطيالسي في مسنده، ورواه بن عدي في الكامل وأعله بحرام، ونقل عن الشافعي وابن معين أنهما قالا الرواية عن حرام حرام، نصب الراية:3/219، وانظر: البيهقي: 7/319.

([82])   اختلف الإمامية في المسألة على ثلاثة أقوال:

1 ـ كون الراضع في الحولين سواء فطم أو لا، وهذا هو المشهور.

2 ـ كون الراضع في الحولين مع عدم فطامه. وهذا هو المحكي عن ابن أبي عقيل.

3 ـ يكفي عدم الفطام وإن كان بعد الحولين، وهو قول الإسكافي..

([83])   المحلى :10/185، المدونة:2/295، الخرشي:4/177، سبل السلام:2/312 ،حاشية الجمل:4/477.

([84])   الوجور هو وضع اللبن تحت اللسان، واللدود ما صب من جالب الشق، والسعوط الدواء يصب في الأنف، انظر:التاج والإكليل :5/535.

([85])   المبسوط :30/296.

([86])   المغني :8/140، شرح البهجة:4/275.

([87])   التاج والإكليل :5/536.

([88])   مصنف عبد الرزاق: 7/461، المحلى: 10/8..

([89])   تبيين الحقائق :2/184، مغني المحتاج:5/126.

([90])   المبسوط /5/140، بدائع الصنائع :4/11، الأشباه والنظائر:108.

([91])   المدونة:2/303.

([92])   المنتقى:4/155.

([93])   نقل بعضهم الإجماع في ذلك وهو غير مسلم لما سنعرفه من شروط الرضاع ، انظر:درر الحكام :1/357.

([94])   المغني :8/140.

([95])   جواهر الكلام :29 / 294.

([96])   الكافي:5/445.

([97])   الأم :5/30، أحكام القرآن لابن العربي :1/481 ،الفتاوى الكبرى :3/168، مجمع الأنهر:1/375 ،الخرشي:4/177، الفواكه الدواني:2/55 ،مطالب أولي النهى :5/601، سبل السلام:2/310.

([98])   البخاري: 5/1962، الترمذي: 10/30، أبو داود: 3/306، النسائي: 3/494، أحمد: 3/451، ابن حبان: 10/30.

([99])   المغني :8/138، الإنصاف :9/375.

([100])   الأم :5/29 ،أسنى المطالب :3/418.

([101])   قال ابن حجر: رواه أبو داود من حديث أبي موسى الهلالي، وفيه قصة له مع أبي موسى في رضاع الكبير، وأبو موسى وأبوه قال أبو حاتم مجهولان، لكن أخرجه البيهقي من وجه آخر من حديث أبي حصين، تلخيص الحبير: 4/4، وانظر: مجمع الزوائد: 4/262، البيهقي: 7/461، أحمد: 1/432.

([102])   مسلم: 2/1074، الترمذي: 3/455، أبو داود: 2/224، ابن ماجة: 1/624، ابن حبان: 10/38، البهقي: 7/454، الدارقطني: 4/175.

([103])   مسلم: 2/1074.

([104])   المسند المستخرج على صحيح مسلم:4/124، البيهقي: 7/455، النسائي: 3/299.

([105])   مسلم: 2/1075، البيهقي: 7/453، أبو داود: 2/223، النسائي: 3/298، ابن ماجة: 1/625، الموطأ:2/608..

([106])   سبق تخريجه.

([107])   الخلاف:3/ 68.

([108])   الوسائل:14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 2، الحديث 1.

([109])   المصدر نفسه، الباب 2، الحديث 14.

([110])   نظام النكاح في الشريعة الاسلامية الغراء (ج1، ص: 258).

([111])   انظر: زاد المعاد: 5/124، نيل الأوطار: 7/123.

([112])   المبسوط: 5/138، تبيين الحقائق:2/183 ،الإنصاف:8/113 ،الخرشي:4/179 ،تنقيح الفتاوى الحامدية:1/33.

([113])   فتح الباري: 9/160.

([114])   كشاف القناع: 5/74، المغني: 7/88، المهذب: 2/43، الأم: 5/176، الإقناع للشربيني: 2/419، مغني المحتاج: 3/180، الهداية شرح البداية: 1/192، البح الرائق: 3/247، حاشية ابن عابدين: 3/39، المبسوط: 30/289، حاشية العدويك 2/77، بداية المجتهد: 2/32.

([115])   القرطبي: 5/127.

([116])   التمهيد: 18/282.

([117])   تفسير القرطبي: 5/126.

([118])   سبق تخريجه.

([119])   التمهيد: 18/281.

([120])   انظر الروايات المختلفة للحديث في: البخاري: 5/1965، مسلم: 2/1029، الترمذي: 3/433، النسائي: 3/293 ابن ماجة: 1/621، الموطأ: 2/532، أحمد: 1/77، ابن حبان: 9/376 البيهقي: 8/29.

([121])   انظر :بدائع الصنائع:2/262.

([122])   سبق تخريجه.

([123])   ولهم أقوال أخرى في المسألة سنذكرها .

([124])   نظام النكاح في الشريعة الاسلامية الغراء (ج1، ص: 320)

([125])   انظر الروايات المختلفة للحديث في: البخاري: 5/1965، مسلم: 2/1029، الترمذي: 3/433، النسائي: 3/293 ابن ماجة: 1/621، الموطأ: 2/532، أحمد: 1/77، ابن حبان: 9/376 البيهقي: 8/29.

([126])   الوسائل: الجزء 14، الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 10..

([127])   وقد سبق الخلاف في بيان نوع العدة في المطلب السابق.

([128])   أحكام القرآن لابن العربي: 1/408.

([129])   هذا ما نقه الشوكاني وحكاه عن صاحب البحر« نيل الأوطار:6/178»، وقد نسب هذا القول إلى الظاهرية مع أن ابن حزم إمام الظاهرية يحكم بالحد على من تزوج الخامسة فكيف يجيز التاسعة، بل نجده في المحلى يرد على من قال بتخفيف الحد عن من تزوج الخامسة بقوله :« أنه ليس زواجا، لأن الله تعالى حرمه، وإذ ليس زواجا فهو عهر، فإذا هو عهر فعليه حد الزنى وعليها كذلك إن كانا عالمين بأن ذلك لا يحل ولا يلحق فيه الولد أصلا، فإن كانا جاهلين فلا حد في ذلك، وإن كان أحدهما جاهلا والآخر عالما فالحد على العالم ولا شيء على الجاهل، وأما من قال: إنه يجلد أدنى الحدين فليس بشيء لما ذكرنا هنالك من أنه زان أو غير زان، فإن كان زانيا فعليه حد الزنى كاملا، وإن كان غير زان فلا شيء عليه، لأن بشرته حرام إلا بقرآن أو بسنة.»«انظر: المحلى:12/192» بل إنه في موضع آخر يحكم بالكفر على من يعتقد ذلك يقول:« لم يختلف في أنه لا يحل لأحد زواج أكثر من أربع نسوة أحد من أهل الإسلام، وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يصح لهم عقد الإسلام»«انظر: المحلى:9/7 »، وقد حكى في مراتب الإجماع الإجماع على حرمة ذلك، حيث قال فيه:« اتفقوا أن نكاح الحر البالغ العاقل العفيف المحجور المسلم أربع حرائر زوان لمآء فأقل حلال واتفقوا على أن نكاح أكثرمن أربع زوجات لا يحل لأحد بعد رسول الله a  »« مراتب الإجماع:1/62» ولعل مراد من نقل ذلك عن الظاهرية قصده الآخذين بمجرد ظواهر النصوص ولو كانوا من العامة من غير قصد لمذهب ابن حزم ،وهو ما نجده أمثاله كثيرا في كتب الفقه.

([130])   الزحيلي، الدكتور وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته،دار الفكر، دمشق، الطبعة الثالثة 1989م، ج7، ص166.

([131])   الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج3، ص107.

([132])   الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1995م، ج3،ص84.

([133])   الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل…، مؤسسة البعثة، بيروت، الطبعة الأولى 1992م، ج3،ص84.

([134])   شرح اللمعة 2/73.

([135])   كنز العرفان 2/141.

([136])   انظر الخلاف في هذا اللفظ في: تفسير القرطبي: 5/123.

([137])   زاد المسير: 2/49.

([138])   ومن المصطلحات المستعملة الآن بدل التخبيب التحريض، ومعناه: الحث على الشيء والدفع إليه، ومنه قوله تعالى ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ﴾(الأنفال: 65)، ولكنه في المصطلح الشرعي أعم من التخبيب ،  لأنه يكون في الخير والشر، بخلاف التخبيب فإنه لا يكون إلا في الشر..

([139])   أحمد:1/7.

([140])   قال في كشف الخفاء: قال الصغاني: موضوع واعترض بأن اسناده جيد كما قال المناوي، وبأن الامام أحمد رواه عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ المنافق بدل الفاجر، كشف الخفاء: 2/387، أحمد: 2/349.

([141])   أبو داود: 4/343، ابن حبان: 10/205، البيهقي: 10/30.

([142])   فيض القدير: 6/123.

([143])   بلغة السالك :2/344، فتح العلي المالك:1/398، مطالب أولي النهى:5/96.

([144])   فتح العلي المالك:1/396.

([145])   الفتاوى الكبرى:5/461، وانظر:كشف القناع:5/74.

([146])   المحلى:9/316، المغني :8/109، المبسوط:11/38، بدائع الصنائع:6/196، تبصرة الحكام:1/176.

([147])   مراتب الإجماع: 77.

([148])   والتعمير عند المالكية مدته سبعون سنة من يوم ولد، واختار الشيخان أبو محمد عبدالله بن أبي زيد وأبو الحسن علي القابسي ثمانين ،وحكم بخمس وسبعين سنة، والراجح الأول، انظر: الشرح الكبير:2/482.

([149])   حاشية العدوي: 2/221.

([150])   إجماعيات فقه الشيعة ج 3 – السيد إسماعيل الحسيني المرعشي (ص: 310)

([151])   فتح الباري:9/431.

([152])   رواه الدارقطني من حديث المغيرة بن شعبة، وقد سئل أبو حاتم عنه فقال: منكر وفي إسناده سوار ابن مصعب عن محمد بن شرحبيل وهما متروكان، انظر: الدراية: 2/143، قال ابن حجر: وإسناده ضعيف، وضعفه أبو حاتم والبيهقي وعبد الحق وابن القطان وغيرهم، تلخيص الحبير:3/232، وانظر:البيهقي: 7/444، الدارقطني: 3/312، مسند الشافعي: 303، مصنف ابن أبي شيبة: 3/521.

([153])   المحلى:9/156، أحكام القرآن لابن العربي: 3/338 ،بدائع الصنائع: 2/369 ،المغني: 7/107، تبيين الحقائق: 2/113، درر الحكام: 1/232، أسنى المطالب: 3/393، منح الجليل: 4/300.

([154])   قال ابن حجر: رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري، تلخيص الحبير:1/171، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، المستدرك:2/212، الترمذي:4/133، الدارمي: 2/224، البيهقي: 5/329.

([155])   البيهقي: 7/157، سنن سعيد بن منصور:219.

([156])   المحلى:9/157..

([157])   البخاري: 2/724، مسلم: 2/1081، الموطأ:2/739، الترمذي: 3/463، أبو داود: 2/282، النسائي: 3/378، ابن ماجة: 1/647، الدارميك 2/203.

([158])   ابن أبي شيبة:7/342.

([159])   لكن الشيخ جواد التبريزي يرى ذلك على نحو الاحتياط الاستحبابي فقط قال: (لو زنى بذات بعل، أو بذات العدة الرجعية فالأحوط الأولى أن لا يتزوجها)[ التبريزي: الشيخ جواد/ المسائل المنتخبة – المعاملات/ مسألة985.] 

([160])   الحر العاملي: محمد بن الحسن/ وسائل الشيعة ج20 ص438  .

([161])   قال ابن حجر: رواه أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري، تلخيص الحبير:1/171، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، المستدرك:2/212، الترمذي:4/133، الدارميك 2/224، البيهقي: 5/329..

([162])   فتح الباري: 6/260.

([163])   المحلى:7/456.

([164])   المغني:7/99.

([165])   اختلف الإمامية في المسألة على الأقوال التالية:

1 ـ المنع مطلقاً، وهو قول المفيد والمرتضى وابن إدريس والطبرسي والمقداد والحرّ العامليّ، واعتمد عليه أبو العباس، واختاره فخر المحققين من الشيعة الإماميّة. كما ذهب إليه الهادي والقاسم والنفس الزكيّة وجميع المتأخرين من الزيديّة.

2 ـ التفصيل بين المتعة والدائم، بتجويز الأوّل ومنع الثاني؛ وذهب إليه الطوسي وأبو الصّلاح وابن البرّاج وسلاّر والإمام الخميني.

3 ـ الجواز مطلقاً؛ وهو قول ابن أبي عقيل وابن بابويه والشهيد الثاني والفيض الكاشاني وصاحب الجواهر والمحقّق الخوئيّ مع الاحتياط ومثله المحقق الإصفهاني.

([166])   شرائع الإسلام:2/238.

([167])   في ظلال القرآن:1/240.

([168])   في ظلال القرآن:1/241.

([169])   اختلف المفسرون في المراد بالمحصنات في الآية التي أباحت الزواج بالكتابيات، فقيل: أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء، وقد حكاه ابن جرير عن مجاهد أو أن المراد بهن الحرة العفيفة ،وهو قول الجمهور، قال ابن كثير: هو الأشبه لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية، وهي مع ذلك غير عفيفة فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل:حشفا وسوء كيلة»، ثم قال: والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات العفيفات عن الزنا، كما قال تعالى في الآية الأخرى:) مسافحات ولا متخذات أخدان ﴾، انظر: تفسير ابن كثير: 2/21.

([170])   تفسير الطبري:5/7.

([171])   أهل الحرب أو الحربيون: هم غير المسلمين الذين لم يدخلوا في عقد الذمة، ولا يتمتعون بأمان المسلمين ولا عهدهم.

([172])   أحكام القرآن للجصاص: 1/458، المبسوط :5/50 ،شرح السير الكبير :5/1827، الفتاوى الكبرى:5/460، التاج والإكليل :5/133 ،حاشية البجيرمي على المنهج :3/373، الأم:4/272.

([173])   الفتاوى الكبرى:5/460.

([174])   قال ابن الملقن: رواه أبو داود والترمذي من رواية جرير بن عبد الله قالا ورواه جماعة بدون جرير وهو أصح وقال البخاري وأبو حاتم الرازي والدارقطني إنه صحيح، خلاصة البدر المنير: 2/354، وانظر: أبو داود:3/45، البيهقي: 8/131.

([175])   قال ابن كثير: وهذا مرسل من هذا الوجه وقد روي متصلا من وجه آخر عن رسول الله a  أنه قال: أنا بريء من كل  مسلم بين ظهراني المشركين، ثم قال لايتراءى ناراهما.تفسير ابن كثير:2/331.

([176])   أحكام أهل الذمة :1/192، المغني :7/101، أسنى المطالب :3/162.

([177])   كلام الفهاء عن جواز أخذ الجزية يدل على جواز الزواج إلا ما يتعلق بالمجوس فلهم حكمهم الخاص كما سيأتي.

([178])   نقلا عن :أحكام أهل الذمة:1/193.

([179])   البخاري.

([180])   المدونة :2/214، الأم:4/193 ،أحكام القرآن للجصاص: 2/463، الأحكام السلطانية :183، المبسوط: 4/211، شرح السير الكبير :1/149، شرح البهجة :4/142، مواهب الجليل :3/477.

([181])   المحلى.

([182])   البخاري: 3/1151، الترمذي: 4/146، أبو داود: 3/168، النسائي: 5/234، أحمد: 1/190.

([183])   المغني: 7/101.

([184])   الفصل في الملل والأهواء والنحل :1/90.

([185])   الفصل في الملل والأهواء والنحل :1/90.

([186])   الفصل في الملل والأهواء والنحل :1/90.

([187])   تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل:203.

([188])   الفصل في الملل والأهواء والنحل :1/90.

([189])   الملل والنحل: 2/5..

([190])   المغني :7/100، تبيين الحقائق :2/110، مغني المحتاج :4/315، طلبة الطلبة:42.

([191])   ظاهر قول المالكية اعتبارهم من أهل الأوثان لذلك لم يجيزوا الزواج منهم، انظر: الفواكه الدواني :2/19.

([192])   بدائع الصنائع: 2/270.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *