الفصل الثاني: مفهوم الإصلاح الاجتماعي وضوابطه عند الغزالي

الفصل الثاني

مفهوم الإصلاح الاجتماعي وضوابطه عند الغزالي

نتناول في هذا الفصل مقدمتين أساسيتين للتعرف على تصور أبي حامد الغزالي لماهية الإصلاح الاجتماعي والضوابط التي تحكمه من الناحية الشرعية، وذلك من خلال مبحثين:

  1. مفهوم الإصلاح الاجتماعي.
  2. ضوابط الإصلاح الاجتماعي.

أولا ـ مفهوم الإصلاح الاجتماعي

يعني الإصلاح الاجتماعي ـ في مفهومه البسيط، وبحسب ما تدل عليه اللغة([1]) ـ مناقضة الفساد الاجتماعي، وإقامة مجتمع بديل عنه يبنى على أسس فكرية وعقدية سليمة، تنشأ عنها سلوكيات صحيحة، تشمل جميع المظاهر الاجتماعية([2]).

ويختلف هذا المفهوم بين المصلحين نتيجة للاختلاف في تحديد العناصر الأساسية المكونة للإصلاح الاجتماعي، والاختلاف في علاقة الإصلاح الاجتماعي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة، لأنه على أساس ذلك تكون المواقف التفصيلية من القضايا المرتبطة بهذا الجانب.

وسنتاول كل هذه الأمور من وجهة نظر الغزالي في المطالب التالية:

1 ـ أركان العملية الإصلاحية:

من خلال استقراء ما ذكره الغزالي عند حديثه عن الإصلاح الاجتماعي يمكن أن نجد المكونات الأساسية التالية:

أ ـ الجهد الإصلاحي:

هو الركن الأساسي في كل عمل إصلاحي، ويرى الغزالي شموليته للنواحي التالية:

التعريف بالأحكام الشرعية:

وهو تبيين تفاصيل الأحكام الشرعية، وكيفية التعامل معها، والاستدلال لها، والحكم والمقاصد المناطة بها،و لذلك، فإن العلماء باختلاف مراتبهم من مفتين ووعاظ ومعلمين هم أول من يتعلق بهم هذا النوع من الجهد الإصلاحي.

لكن الغزالي مع ذلك يرى تعلقه بالعامة من الناس بحسب معارفهم الممكنة، يقول في ذلك: (كل عامي عرف شروط الصلاة فعليه أن يعرف غيره، وإلا فهو شريك في الإثم، ومعلوم أن الإنسان لا يولد عالما بالشرع، وإنما يجب التبليغ على أهل العلم)([3])، ثم يعطي قاعدة لذلك هي: (أن كل من تعلم مسألة واحدة، فهو من أهل العلم بها)([4])

ويبرر الغزالي ما ذكر من اختصاص هذا التكليف بالعلماء بأن الإثم عليهم أشد، والتبعة عليهم أعظم،وذلك لسببين:

1 ـ أن قدرة العلماء في ذلك أظهر، وهو بصناعتهم أليق، فإن من شروط التعريف العلم بتفاصيل المعرف، وفي ذلك دقائق لا يقدر عليها إلا العلماء،ولهذا فـ (العامي ينبغي له أن لا يحتسب إلا في الجليات المعلومة كشرب الخمر والزنا وترك الصلاة، وأما ما يعلم كونه معصية بالإضافة إلى ما يطيف به من الأفعال، ويفتقر إلى اجتهاد، فالعامي إذا خاض فيه كان ما يفسده أكثر مما يصلحه)([5])

ولأجل هذا يدعو الغزالي إلى نشر العلوم المعلومة من الدين بالضرورة بين العامة، وتكوينهم فيها حتى تشتهر وتنتشر، باعتبارها لاعذر لأحد بجهلها.

2 ـ أن شأن الفقيه والعالم وحرفتهما تبليغ ما بلغهما عن رسول الله a،باعتبارهم ورثة الأنبياء، ويعبر الغزالي عن هذه الوظيفة بكونها حرفة، وشأن المحترف أن يبحث عن مظان اشتغاله بحرفته، يقول ـ معبرا عن دور الفقيه نحو هذه الحرفة ـ: (وليس للإنسان أن يقعد في بيته، ولا يخرج إلى المسجد لأنه يرى الناس لا يحسنون الصلاة، بل إذا علم ذلك وجب عليه الخروج للتعليم والنهي، وكذا كل ما تيقن أن في السوق منكرا يجري على الدوام أو في وقت بعينه، وهو قادر على تغييره، فلا يجوز له أن يسقط ذلك عن نفسه بالقعود في البيت، بل يلزمه الخروج، فإن كان لا يقدر على تغيير الجميع ويقدر على البعض لزمه الخروج، وأما العامة والمحترفون فلو تركوا حرفهم واشتغلوا بالحسبة لبطلت المعايش)([6])

ولهذا، فإن الغزالي يعتبر المدارس أهم المؤسسات الإصلاحية لكونها مراكز التعريف بالدين وأحكامه وتربية المصلحين عليه، فمن الإصلاح التعليمي ينطلق الإصلاح الاجتماعي في رأي الغزالي.

استعمال وسائل التأثير:

كالوعظ والترغيب والترهيب والقصص ونحوها، والغزالي يعتبر كل ذلك من الجهد الإصلاحي، ولكنه يشتد على القصاصين الذين اتخذوا القص في النوادي والمساجد حرفة، ويعتبره بدعة.

ويستدل لذلك بما ورد من نهي السلف عن الجلوس إلى القصاصين، وينقل في ذلك عن (الأعمش)([7]) أنه دخل جامع البصرة، فرأى قاصا يقول: حدثنا الأعمش، فتوسط الحلقة وجعل ينتف شعر إبطه، فقال القاص:يا شيخ، ألا تستح؟فقال: لم؟ أنا في سنة، وأنت في كذب، أنا الأعمش وما حدثتك([8]).

ويعلل النهي عن ذلك بأن من القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر وإن كان صدقا، ومن فتح هذا الباب على نفسه اختلط عليه الصدق بالكذب والنافع بالضار، ولذلك لا يرى بأسا إن كان القاص صادقا صحيح الرواية مبتعدا عن الحكايات التي تومئ إلى هفوات أو مساهلات يقصر فهم العوام عن إدراكها، فإن العامي يتمسك بذلك في مساهلاته وهفواته، ويمهد لنفسه عذرا فيه، ويحتج بأنه حكي فيه كذا وكذا.

ويذكر الغزالي بأن من الناس من يستجيز وضع الحكايات المرغبة في الطاعات، ويزعم أن قصده منها دعوة الخلق إلى الحق، وذلك من نزغات الشيطان، فإن في الصدق مندوحة عن الكذب، وفيما ذكر الله تعالى ورسوله a غنية عن الاختراع في الوعظ([9]).

وكذلك الأمر بالنسبة للوعاظ، فالغزالي ينفي عن معظم وعاظ زمانه وصف الإصلاح، باعتبارهم عدلوا عن الأسلوب الأمثل في الوعظ، فاشتغلوا بالطامات([10])والشطح([11])وتلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع والعقل طلبا للإغراب، أو شغفوا بتسجيع الألفاظ وتلفيقها، مع أن همة الواعظ ينبغي أن تكون مصروفة إلى (أن يدعو الناس من الدنيا إلى الآخرة، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الحرص إلى الزهد، ومن البخل إلى السخاء، ومن الغرور إلى التقوى)([12])

فالتأثير عند الغزالي يرتبط بمدى علمية وسيلة ذلك، فالحق وحده مهما كان ظاهره قاسيا أو جافا أو غير محبب إلى النفس هو الوسيلة الوحيدة للتأثير، وهو يرينا مدى الخطأ الذي وقعت فيه كتب المواعظ والرقائق من اعتماد الأحاديث الموضوعة والقصص الطويلة الغريبة، والكلمات المنمقة المسجوعة، ولم تسلم من ذلك بعض كتب الغزالي المنسوبة إليه أو المشكوك في نسبتها كالدرة الفاخرة، ومنهاج العابدين وغيرها، وهي من دلائل دسها عليه.

ولكن الغزالي مع ذلك يذكر أحيانا بعض القصص المستغربة التي أنكرها عليه بعض العلماء كابن الجوزي وابن القيم والفيض الكاشاني وغيرهم، وهي قليلة جدا مقارنة بما كانت تعج به كتب الرقائق، ولعل ما دعا الغزالي إلى ذكرها هو محاولته اجتذاب العامة والبسطاء إلى كتبه، وهو معنى مقصود في كل كتبه، فلذلك نراه يكثر من الأمثلة والتكرار والإطناب، بل ويؤلف رسائل وكتبا يمكن اعتبارها بحسب مستواها مؤلفات شعبية.

وهو لأجل ذلك قد يروي أحيانا، وخاصة في غمرة تحقيقاته قصصا تدعو إلى الإنكار عليه، ولكنه لا يلبث أن يعقب عليها بما يبين موضع الاستشهاد منها، ويحذر من عواقب الفهم السيئ لها، فقد حكى ـ مثلاـ أن من الصالحين من وضع الأسد يده على كتفه ولم يتحرك، ثم عقب على ذلك بقوله: (فقد حكي عن جماعة أنهم ركبوا الأسد وسخروه، فلاينبغي أن يغرك ذلك المقام؛ فإنه وإن كان صحيحا في نفسه فلا يصلح للاقتداء بطريق التعلم من الغير، بل ذلك مقام رفيع في الكرامات، وليس ذلك شرطا في التوكل)([13])

ومما يلفت النظر هنا أن الغزالي تجنب كثيرا ذكر قصص الكرامات وغيرها مما اهتم به المتأخرون، وأفردوا له التصانيف، وذلك باعتبار الكرامات قضايا فردية ليس لها حكم العموم، وموضع الشاهد منها لا يعدو كونها دلائل على عناية الله بعباده، وتدبيره لأمر خلقه، ولذلك اقتصر الغزالي على ذكرها في كتاب التوكل من الإحياء لاقتضاء المقام لذلك.

ومع ذلك كله فإن القصص لا تعبر بالضرورة عن رأي أوفكرة، فيتوجه النقد إلى الفكر من خلالها، كما فعل د.زكي مبارك في نقده للغزالي من خلال قصصه، لأن في كل قصة موضع استشهاد أواستئناس، وقد يكون فيها ما يرفض، ومن هذا الباب روى ابن عباس وغيره من الصحابة الكثير من الإسرائيليات مع احتوائها أحيانا على مواضع استهجان ودلائل تحريف.

استعمال الشدة:

ويراه الغزالي جهدا إصلاحيا معتبرا إذا ما روعيت المراتب السابقة، يقول عن طريقة معالجته لأهل الشغب والمجادلين بعد تعريفهم الحق ودلالتهم عليه:(فإن لم يقنعه لبلادته وإصراره على تعصبه ولجاجه وعناده عالجته بالحديد، فإن الله تعالى جعل الحديد والميزان قريني الكتاب)([14])

و يستدل لذلك بفعل السلف،فقد سأل رجل عمر عن آيتين متشابهتين في القرآن الكريم، فعلاه بالدرة، قال الغزالي: (وكذلك فعل السلف كلهم) ([15])

ومع قول الغزالي بجواز استعمال الشدة لكل المكلفين إلا أنه يرى أن السلاطين أولى بذلك، يقول عند بيانه لعلاقة العلماء بالسلاطين: (العلماء أطباء، والسلاطين قوام دار المرضى، فكل مريض لم يقبل العلاج بمداواة العالم يسلم إلى السلطان ليتصرف فيه كما يسلم الطبيب المريض الذي لا يحتمي أو الذي غلب عليه الجنون إلى القيم ليقيده بالسلاسل والأغلال، ويكف شره عن نفسه وعن سائر الناس)([16]).

وهذا النص يبين المقصد الذي يراه الغزالي من استعمال الشدة، فهي علاج للداء،لا عقاب لمريض؛ وهو يرجح بذلك كون الحدود الشرعية زواجر عن الإثم وتطبيب للآثم، لا انتقام منه أو تشديد عليه.

هذه هي النواحي الثلاثة المكونة للجهد المثمر في نظر الغزالي، وهي بذلك تجمع كل الوسائل الإصلاحية الممكنة، من كل أصناف الناس بدءا بالعامة وانتهاء بالعلماء والحكام.

ب ـ الأسس الفكرية والعقدية المكونة للمجتمع البديل:

إن كل مجتمع لابد أن يقوم على أسس فكرية وعقدية تنبثق منها سلوكياته ومواقفه الاجتماعية، وبحسب تلك الأسس يكون تصنيفه، فالمجتمع الإسلامي هو المجتمع القائم على أساس العقيدة الإسلامية المنطلقة من المصادر الشرعية، والمتغلغلة في جميع الكيان الإنساني والاجتماعي.

و قد أصاب هذه العقيدة في نظر الغزالي الكثير من الانحرافات تحت تأثير الانحرافات التي تسربت للأمة نتيجة اختلاطها بالأمم الأخرى، وما نشأ في الرد عليها من جدل أبعد المجتمع عن الفهم الحقيقي لها ولمقاصدها، فأصبحت علما يدرس أو جدلا تعقد له المناظرات وتؤلف فيه المصنفات بدل أن تكون روحا تقلب الفرد والمجتمع وتبعث فيهما الحياة، ولذلك يرى الغزالي ضرورة جعل الإيمان أو العقيدة أو المعرفة منطلقا وغاية لكل عمل إصلاحي، وإلا كان مجرد هدر للجهد لا طائل من ورائه.

وقد اختار الغزالي التصوف بديلا للطروحات العقدية القائمة في عصره، وذلك بعد جولا نه في الطوائف وبحثه في أسرار الفرق ومقاصدها ([17])، لأن التصوف اهتم بالجانب التحققي والذوقي من العقيدة، وهو تصوف ـ كما سنرى ـ سني النزعة، يعتمد في طريق التصوف أو ثماره على المصادر الشرعية من الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف الصالح معتبرا ذلك هو الركن الغائب الذي بسببه حل الفساد الاجتماعي.

فتصور الغزالي للأسس الفكرية سلفي من حيث رجوعه الدائم إلى المصادر الشرعية، وصوفي من حيث اهتمامه بالحياة الروحية، وعقلي من حيث تحكيمه الدائم للعقل واعتماده عليه في الاستنباط والبرهنة ونصرة الشريعة، وسنرى ذلك ببعض التفصيل في الفصل الثالث من هذا البحث.

ج ـ الظواهر السلوكية:

وهي منبثقة من الأسس العقدية التي يبنى عليها المجتمع، وتختلف نظرات المصلحين في توجيه تلك الظواهر أو الاهتمام بها، وإن اتفقت في الأساس الفكري، والغزالي بنزعته الصوفية يرى وجوب الاهتمام بالأخلاق الباطنة باعتبارها ممدة للسلوكيات الظاهرة، فالخلق عنده (هيئة في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية)([18])

فلا يكفي تطهير ظاهر المجتمع دون الولوج إلى بواطن أفراده ونزع الصفات المهلكة التي قد تسبب خراب المجتمعات، كما وصف رسول الله a الشح، وهو مرض واحد من أمراض القلوب بأنه قد تسبب في هلاك أمم من الناس، يقول الرسولa:(اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة،واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دمائهم واستحلوا محارمهم)([19])

ومع اهتمام الغزالي بالباطن تطهيرا أو تحقيقا دعا إلى إصلاح الظاهر كثمرة طيبة للقلب السليم أو طريقا للتحقق، أما إن كان مجردا عن الأخلاق الباطنية فهو رياء أو غرور، ولذلك ينتقد الغزالي الكثير من الظواهر الاجتماعية التي قد تبدو إيجابية، باعتبار أصحابها لا ينطلقون من نيات سليمة، فمن أصناف المغترين الذين يذكرهم الغزالي (المغترين من أرباب الأموال)، فمنهم (من يحرص على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وما يظهر للناس كافة، ويكتبون أساميهم بالآجر عليها ليخلد ذكرهم،ويبقى بعد الموت أثرهم) ([20])، ومن المغترين من (ينكر على الناس ويأمرهم بالخير وينسى نفسه، وإذا أمرهم بالخير عنف وطلب الرياسة والعزة، وإذا باشر منكرا رد عليه غاضبا)([21])

وهكذا يدخل الغزالي في صميم الظواهر الاجتماعية محللا نفسيات الناس مبينا منابع سلوكياتهم، فالإصلاح عنده هو البحث في الأعماق وتطهيرها وزرع الخصال الطيبة فيها.

انطلاقا من هذا فإن الإصلاح الاجتماعي يعني عند الغزالي: [بذل جميع الجهود الممكنة من كل أصناف الناس، كل حسب طاقته وعلمه للقضاء على الفساد الاجتماعي ظاهره وباطنه، وإقامة مجتمع صالح قائم على عقيدة صحيحة وإيمان متين تنبثق عنه سلوكيات إيمانية طيبة كتلك السلوكيات التي كان عليها الصالحون الذين هم النموذج المثالي للمجتمع الإسلامي]

وقد استعمل الغزالي مصطلح (الإصلاح) كثيرا في كتبه ([22])، وإلى جانبه استعمل مصطلحي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و(الحسبة)،وسنرى ـ فيما يلي ـ علاقتهما بالإصلاح الاجتماعي.

2 ـ علاقة الإصلاح بـالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة:

أ ـ تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

لغة:

المعروف: ضد النكر، وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه، وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس.

ويعني كذلك النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس، ويأتي بمعنى الجود. وعرفه:طيبه وزينه.والتعريف التطيب من العرف، وقوله تعالى: { وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} (محمد:6) أي زينها([23]).

المنكر: النكر والنكراء: الدهاء والفطنة. ورجل نكر من قوم مناكير: داه فطن. والإنكار: الجحود. والمناكرة: المحاربة. وناكره: قاتله، لأن كل واحد من المتحاربين يناكر الآخر: أي يداهيه ويخادعه، ويقال فلان يناكر فلانا وبينهما مناكرة: أي معاداة. وأنكر الأصوات أقبح الأصوات. والنكرة:إنكارك الشيء وهو نقيض المعرفة. وأنكره:جهله. والمنكر من الأمر خلاف المعروف، وهوكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه. والتنكر:التغير عن حال تسرك إلى حال تكرهها منه. والنكير والإنكار: تغيير المنكر.([24])

اصطلاحا:

المعروف والمنكر عامان كما هو متبادر، يتناول أولهما كل ما هو صلاح وخير ونفع من أخلاق وعادات وأعمال تعود فائدتها على الأفراد والمجموع معا، ليس فيها جنف ولا بغي ولا إفراط ولا تفريط،ويتناول الثاني كل ما هو متعارف على أنه شر وضار من أخلاق وعادات وأعمال يعود ضررها على الأفراد والمجموع معا، وهما بهذا يتناولان جميع مظاهر الحياة ما يتعلق منها بالدين، وما يتعلق منها بالدنيا، فهما من الكثرة كما يقول الغزالي: (بحيث لا مطمع في حصرها واستقصائها) ([25])

ونشير إلى أن الجزء الذي خصه الغزالي في (الإحياء) و(الأربعين في أصول الدين) لدراسة النواحي الفقهية للإصلاح الاجتماعي أطلق عليه هذا الاصطلاح ([26])، فالنواحي الفقهية عند الغزالي تمتزج بغيرها من النواحي النفسية أو الفلسفية أو الاجتماعية، ولذلك يمكن استنتاج الكثير من النظرات الإصلاحية في ثنايا تلك الدراسات.

ب ـ تعريف الحسبة:

لغة:

الحٍسبة:مصدر احتسابك الأجر على الله، تقول: فعلته حسبة، واحتسبت فيه احتسابا؛ والاحتساب:طلب الأجر، والاسم الحسبة، وهو الأجر، وتأتي مادة [حسب] بمعنى الكرم والشرف الثابت في الآباء أو في الفعل، والحسَب:الفعل الصالح، والحسْب العد والإحصاء، وقدر كل شيء كقولك: الأجر بحسْب ماعملت، وحسْبك ذلك أي كفاك ذلك([27]).

اصطلاحا:

هي نظام من أنظمة الدولة الإسلامية غرضه تخصيص دعاة مهمتهم الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله([28])، وقد كان المحتسب عاملا من عمال الدولة له ولاية تسمى ولاية المحتسب، لها من السلطات ما ليس للقاضي نفسه.

فللمحتسب من السلطة فيما يتعلق بالمنكرات الظاهرة ما ليس للقاضي، لأن الحسبة تقوم على الرهبة، فلا تجافيها الغلظة واتخاذ الأعوان، أما القضاء فموضوع لإنصاف الناس، واستماع البينات حتى يتبين المحق من المبطل، فكان الملائم له الأناة والوقار والبعد عن الغلظة والخشونة والرهبة ([29])، وقد امتدت واجبات المحتسب لتشمل مساعدة الفقراء وإنشاء الملاجئ للضعفاء والمحتاجين، بالإضافة إلى منع المنكر الظاهر كتعاطي المسكرات والتجسس والغيبة وترك الصلاة والفطر في رمضان.

وللمحتسب الإشراف على أهل الحرف والتجار ليراقب التقصير والخيانة، وكذلك أصحاب الحرف كالأطباء والمعلمين ومنع أئمة المساجد من إطالة الصلاة، ويمنع والي الحسبة وضع المقاعد في الأسواق على نحو يضر بالمارة([30]).

بل إن للمحتسب أحيانا التدخل في التصرفات الشخصية البحتة والاستعانة بالقضاء لتنفيذ الأحكام الصالحة لذلك، ويضرب الغزالي مثالا على ذلك بمن لا يملك إلا مائة دينار وله عيال ولا منفق عليهم سواه، ومع ذلك يبالغ بالإنفاق في الولائم وغيرها، فإن للمحتسب منعه، وللقاضي الحجر عليه([31]).

وهنا نرى مدى التكامل القائم بين السلطتين الشرعيتين: سلطة الحسبة، وسلطة القضاء، وهو ما يمنح المصلح سندا ماديا، زيادة على السند المعنوي المتمثل في الأجر الأخروي الذي يحتسبه عند الله، والاحترام الذي يلقاه في المجتمع الإسلامي لشخصه ولوظيفته.

والغزالي يمنح هذه السلطة لكل من توفرت فيه الأهلية حتى ولو لم يكن معينا من طرف الولاة ([32])، كما سنرى عند الحديث عن شروط القائم بالإصلاح.

ج ـ العلاقة بين المصطلحات الثلاثة:

من خلال هذا العرض المختصر لكل من هذه المصطلحات الثلاثة التي استعملها الغزالي نرى تطابقها جميعا من حيث الهدف العام لكل منها([33])، خاصة إذا علمنا أن الغزالي لا يقصر ولاية المحتسب على إذن السلطة، بل يجعلها حقا لكل مكلف([34])، ولو أن الغزالي يستعمل عادة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و(الحسبة) في الأمر بالمعروفات الظاهرة والنهي عن المنكرات الظاهرة، أما مصطلح (الإصلاح)، فلا يستعمله إلا في الإصلاح الجذري التدريجي العميق، ولذلك اخترنا هذا الاصطلاح.

ثانيا: ضوابط الإصلاح الاجتماعي

إن أي إصلاح اجتماعي يستدعي بالضرورة توفر أربعة أركان هي: القائم به، وموضوعه، والمخاطبون به، ومراتبه المكونة لحقيقته.

وقد تحدث الغزالي عن هذه الأركان الأربعة محددا ضوابطها الشرعية، فأصالة الإصلاح عنده تقتضي ربط فروعه ومسائله بالأحكام الفقهية المستندة للأدلة الشرعية التفصيلية، ونلاحظ مسبقا كثرة تفريعات الغزالي في هذا الميدان، فهو كما يقول أبو زهرة: (لو لم يشتهر بالحكمة والتصوف وعلم الكلام لاشتهر بالفقه، فإن الفقه كان الأمر الذي اتجه إليه في صدر حياته العلمية،ولم يتركه حتى في حياة التصوف التي عاشها من بعد) ([35])، كما نلاحظ أيضا ربطها بالنواحي النفسية والاجتماعية، وهذا ما يخرجها عن كونها مجرد فروع فقهية اتفق أو اختلف فيها الفقهاء.

 1ـ القائم بالإصلاح:

يفرق الغزالي بين الإصلاح العميق الجذري الذي يحتاج إلى علوم كثيرة وخبرة واسعة وإيمان عظيم ويعبر عن القائم به بـ (الشيخ المربي)([36])، ويشتد في شروطه، ويرى أنه أندر وأعز من الكبريت الأحمر([37])، وبين الإصلاح العام الذي يتناول الأمر بالمعروف الظاهر والنهي عن المنكر الظاهر.

وهنا نلاحظ الغزالي يقول بعموم الإصلاح([38])، وشموله لكل المكلفين به، وهو ينطلق في رأيه ذلك من النصوص الشرعية الدالة على التكليف به، كقوله a: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)([39])، فإن لفظ (من) كما يقرر الأصوليون من ألفاظ العموم ([40])، وذلك يقتضي الوجوب بكل حال، ولا يخصص العام إلا بدليل شرعي، يقول الغزالي: (وعموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقتضي الوجوب بكل حال، ونحن إنما نستثني بطريق التخصيص ما إذا علم أنه لا فائدة فيه)([41])

ولكن تلك المخصصات قد تجد مجالا رحبا للآراء المعطلة لذلك الوجوب، فلذلك لا يدخل في المخصصات عند الغزالي إلا ما ظهر ظهورا جليا، وكان دليله قويا، وذلك لا يكون إلا في أمرين:

الإجماع:

وهو لقوته من المخصصات لكل العموميات باتفاق([42])، والغزالي ينقل الإجماع بالتخصيص لثلاثة شروط هي الإسلام والعقل والبلوغ.

ولكنه مع ذلك يجيز للصبي المميز ـ وإن لم يكن مكلفا ـ إنكار المنكر ولو باليد، وإذا فعل ذلك نال به ثوابا، ولم يكن لأحد منعه من حيث أنه ليس بمكلف، وقد كان الغزالي في هذا الحكم مخيرا بين جعل الحسبة قربة محضة كالصلاة والإمامة، فلا يشترط فيها البلوغ لصحة الفعل، أو يجعلها ولاية كالقضاء والحكم لما للمحتسب من ولاية شرعية تخول له تغيير المنكر، فيشترط لها البلوغ، وقد اختار جعلها قربة لتغليبه المقصد الشرعي بعمومية الإصلاح، بل إنه يستحبها حتى ولو كانت ولاية ([43]).

القياس:

وذلك لأن الإصلاح حكم تعليلي مفهوم العلة؛ والحكم ـ كما يعبر الفقهاء ـ يدور مع علته وجودا وعدما، ويعبر الغزالي عن علة الإصلاح بقوله: (إن الأمر ليس يراد لعينه بل للمأمور، فإذا علم اليأس عنه، فلا فائدة فيه)([44])

انطلاقا من هذا، يناقش الغزالي بعض الشروط التي انتشرت بين الناس وكان لها سهم في الحد من تعميم الإصلاح، وتلك الشروط هي:

أ ـ العدالة:

وفي تعريفها خلاف بين الفقهاء ذكره الغزالي، خلاصته أن الحنفية ذهبوا إلى أن العدالة عبارة عن إظهار الإسلام فقط مع سلامته عن كل فسق ظاهر، فكل مسلم مجهول عندهم عدل، أما الشافعية، ومنهم الغزالي، فقد ربطوا العدالة بخبرة باطنه، ومعرفة سيرته وسريرته، والتأكد من سلامته من كل ما يحكم عليه بالفسق([45]).

ولترجيح الغزالي قيمة كبرى من حيث التأكد من سلامة المعرفين بالدين من محدثين وفقهاء وغيرهم، وعدم الانخداع بظاهر سلوكهم، يقول الغزالي: (إن المفتي المجهول الذي لايدرى أنه بلغ الاجتهاد أم لا، لايجوز للعامي قبول قوله، وكذلك إذا لم يدر أنه عالم أم لا) ([46])

وهذا يدل على اشتراط الغزالي للعدالة في الجانب التعريفي من الإصلاح، أما في غيره من الجوانب فإنه يرى جواز الإصلاح بل وجوبه، وينتقد توقف الكثير من الورعين أو ممن يتذرع بالورع عن الدعوة إلى الإصلاح بحجة عدم صلاح نفوسهم واستقامتها،مستدلين على ذلك ـ كما يذكر الغزالي ـ بما يلي:

  1. بعض النصوص الشرعية الدالة على قبح ذلك، كقوله تعالى: { أَتأمُرُونَ اْلنَّاسَ باِلبِر وَتَنسوْنَ أَنفُسَكُمْ } (البقرة:43)، وقوله تعالى: { كبرمقتاًعِندَ الله أن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف:3)،وبما روي عن رسول الله a أنه قال:(مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت:ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم) ([47])
  2. بقياس مفاده كما يذكر الغزالي: (أن هداية الغير فرع للاهتداء وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة، والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح)([48])
  3. استبشاع الطبع السليم لذلك وكراهيته له.

والغزالي يرد على هذه الاستدلالات معتبرا أنها مجرد توهمات، ويرى أن للفاسق أن يحتسب، ويستدل لذلك بما يلي:

  1. أن اشتراط العدالة حسم لباب الاحتساب، فلا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم، ولا يخلو إنسان من ذنب إلا من عصمه الله، وقد تنبه السلف إلى خطورة اشتراط ذلك فقال سعيد بن جبير([49]): (إن لم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء) ([50]).
  2. أن تلك النصوص التي استدلوا بها تنكر عليهم من حيث تركهم للعمل بالمعروف لا من حيث أمرهم به، لأن (أمرهم به يدل على قوة علمهم، وعقاب العالم أشد، لأنه لا عذر له مع قوة علمه ([51]).
  3. أن القول بترتب إصلاح الغير على صلاح النفس تحكم، وذلك لأن الشرع، وهو المرجع في ذلك، لم يرتب أحدهما على الآخر كما رتب كثيرا من التكاليف على بعضها.
  4. أن استنكار الطبع لذلك واستشناعه له غير معتبر، وذلك (لأن الحق قد يكون شنيعا، والباطل قد يكون مستحسنا بالطبع، والمتبع هو الدليل دون نفرة الأوهام والخيالات، يقول الغزالي مستغربا: (من الغريب أن يصير الواجب حراما بسبب ارتكاب حرام آخر) ([52]).
  5. أنه لا يبعد عقلا ولا عادة، كما لم يبعد شرعا أن يفعل الإنسان منكرا، ثم ينهى غيره عنه حرصا عليه، واحتسابا لله في ذلك؛ وينقل الغزالي هنا صورة عن حال هذا النوع من الناس بقوله: (بل من أين يبعد أن يشرب ويمنع غلمانه وخدمه من الشرب؛ ويقول يجب علي الانتهاء والنهي، فمن أين يلزمني من العصيان بأحدهما أن أعصي الله تعالى بالثاني؟ وإذا كان النهي واجبا علي فمن أين يسقط وجوبه بإقدامي؟)([53])

ومع ترجيح الغزالي لعدم اشتراط العدالة في الإصلاح إلا أنه يقر أن لها تأثيرا في بعض أنواعه، ومن ثم يكون لاشتراطها وجه مقبول، وذلك لأن النهي قد يكون بالموعظة أو بالقهر، وبما أن الفسق يؤثر في إسقاط فائدة كلامه وبالتالي عدم تأثير وعظه، فليس عليه الحسبة في ذلك لعدم جدواها.

أما النهي بالقهر والتغيير باليد للقادر عليه فإن ذلك لا يسقط عليه وجوب الحسبة، ويستدل الغزالي على ذلك بقياس الحسبة على الجهاد (إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر والفاجر وشارب الخمر وظالم الأيتام، ولم يمنعوا من الغزو لا في عصر رسول الله a ولا بعده)([54])، ووجه قياسه هذا اعتباره الجهاد نفسه حسبة بالنهي عن الكفر.

وهذا من الغزالي غاية الإنصاف، فإن تصدر الفاسق للوعظ والدعوة مهدر لقيمتها، ومضعف لأثرها، ولكن ذلك لا يعني الاستغناء عنه فهو مسلم، وفي استطاعته أن ينصر الدين بماله من إمكانيات، وقد قالa: (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) ([55])

ب ـ إذن السلطة:

وقد كان هذا الشرط من أهم الأسباب التي جعلت فريضة الإصلاح قصرا على فئة معينة، مع أن المحتسب المعين من طرف الوالي أثناء قيام الخلافة الإسلامية لم يكن إلا جزءا من أدوات الإصلاح، وقد كان بجانب هذا المحتسب من أطلق عليه اسم (المتطوع)، وهو كل من يقوم بالإصلاح من غير إذن الوالي ([56]).

والغزالي يرد اعتبار هذا الشرط ويرى فساده لأنه ينافي قوله بعمومية الإصلاح، ويستدل على فساده بما يلي:

  1. أن تخصيص العموم الوارد في النصوص الشرعية بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له، فليس في النصوص ما يدل على ذلك، ولا تخصيص بدون مخصص.أما اعتقاد أن المخصص هنا هو كون الحسبة ولاية، وهي لا تثبت لأحد داخل الدولة إلا بتعيين من حاكمها، فيرى الغزالي فساده لأن (آحاد المسلمين يستحقون هذا العز بالدين والمعرفة، وما فيه من عز السلطنة والاحتكام لا يحوج إلى تفويض كعز التعليم والتعريف) ([57])، وذلك لأنه لا خلاف في أن تعريف الأحكام الشرعية لمن يجهلها لا يحتاج إلى إذن الوالي، مع أن في ذلك عز الإرشاد، وعلى المعرف ذل التجهيل.
  2. أن الوالي نفسه يحتاج إلى الحسبة فكيف ينتظر تفويضه؟ وذلك لأن موقف الحاكم من تلك الحسبة إما أن يكون رضا أو سخطا، فإن كان راضيا فذاك، (وإن كان ساخطا له، فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه فيه، فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه؟)([58])
  3. ورود الروايات الكثير عن السلف في الحسبة على الولاة مما يقطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض، وقد جمع الغزالي الكثير من تلك الروايات، وضمنها (كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من (إحياء علوم الدين)، وله فيها مصنف آخر سماه (مقامات العلماء بين أيدي الخلفاء والأمراء)

هذه بعض الأدلة التي يستند إليها الغزالي في قوله بعد ما ذكر اشتراط إذن السلطة للإصلاح، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد هذا هو:ما دامت الحسبة ذات مراتب كثيرة، وفي بعضها ما قد يؤدي إلى الفتنة إن لم يكن هناك إذن من السلطة، فهل يحتسب في ذلك أيضا من غير إذن؟

وجواب الغزالي عن هذا السؤال دليل على سعة أفقه، وتقديمه للمصلحة المنجرة عن الإصلاح على كل مصلحة، فهو يرى بأن المحتسب لا يحتاج إلى الإذن في جميع مراتب الإصلاح، سواء كانت بالوعظ أو القهر أو التخويف والتهديد، أو حتى بمباشرة الضرب له حتى يمتنع العاصي عما هو عليه ([59])، ولكن كل ذلك مرتبط بمدى علمه بنجاعة حسبته وتأثيرها مع عدم حصول مفسدة أكبر من المفسدة التي يريد إزالتها.

بل إن الغزالي يقرر اجتهادا رائدا بقوله بجواز الاستعانة على إزالة المنكر، يقول في (الإحياء):(لا يحتاج إلى الإذن ـ وهو الأقيس ـ لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف، وأوائل درجاته تجر إلى ثوان، والثواني إلى ثوالث، وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب، والتضارب يدعو إلى التعاون، فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف، ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه) ([60])

ثم يعطي قاعدة تبين مذهبه في كل ذلك، وهي: (كل من قدر على دفع منكر، فله أن يدفع ذلك بيده وبسلاحه وبنفسه وبأعوانه)([61])

ج ـ القدرة:

لقد اعتبرت الشريعة القدرة أو الاستطاعة شرطا في أداء الكثير من الأحكام الشرعية إما بنصوص خاصة، أو بحجج عامة كقوله تعالى: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة:286)، وقوله تعالى: { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } (البقرة:195)

والغزالي يرى أن الناس قد حملوا هذه النصوص ما لا تحتمل وخاصة في مجال الحسبة، حتى أن البعض قد يكره كلمة تسيء إليه، فيظن أن ذلك كاف لسكوته عن المنكر([62])، ولذلك يقسم العجز إلى ثلاثة أنواع:

العجز الحسي:

وهو أن تعتري المكلف آفة تمنعه عن الإصلاح باليد أو باللسان أو بالانتقال إلى محل الفساد لإصلاحه، وذلك يسقط عنه وجوب الحسبة، وعليه تفسر الآيات، ولكنه يبقى مطالبا بحسبة القلب، وهي تغيره عند رؤية المنكر، وينقل الغزالي في ذلك عن ابن مسعود قوله: (جاهدوا الكفار بأيديكم، فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوههم فافعلوا) ([63]).

خوف المكروه:

وله عند الغزالي ضابطان:

طريق العلم به: وذلك إما أن يكون عن تحقق أو عن شك وتوهم، والغزالي يشترط أن يكون ناتجا عن علم أو ظن غالب، ولا يكفي فيه مجرد الشك أو التوهم.

 تحديد المكروه: ويرى أن التعويل فيه على اعتدال الطبع وسلامة العقل والمزاج، أما من فسد مزاجه، وخرج عن حد الاعتدال، فلا عبرة بتحديده؛ فإن الجبان ضعيف القلب يرى البعيد قريبا حتى كأنه يشاهده، ويرتاع منه، والمتهور يبعد وقوع المكروه بحكم ما جبل عليه من حسن الأمل وكلاهما نقصان، (وإنما الكمال في الاعتدال الذي يعبر عنه بالشجاعة) ([64])

أما ما يعتبره الكثير من الناس أذية مثل الغيبة والسب ونحوها، فإن الغزالي يقول في ذلك: (لو تركت الحسبة بلوم لائم، أو باغتياب فاسق أو شتمه أو تعنيفه أو سقوط المنزلة عن قلبه وقلب أمثاله لم يكن للحسبة وجوب أصلا) ([65])

ثم يعقب على ذلك بقاعدته في عموم الحسبة، وهي: (وقد دلت العمومات على تأكد وجوب الحسبة، وعظم الخطر في السكوت عنها ؛ فلا يقابله إلا ما عظم في الدين خطره ؛ والمال والنفس والمروءة قد ظهر في الشرع خطرها، فأما مزايا الجـاه ودرجـات التجمل وطلب ثناء الخلق فكل ذلك لا خطر له)([66]).

وهذا كله إن كان المكروه متعلقا به، أما إن كان عارضا لغيره فهو دفع لمنكر يفضي إلى منكر آخر، وهو لا يجوز، فيسقط عنه الوجوب لذلك.

العجز عن التأثير:

والغزالي يعتبره، مستدلا بأن مقصد الشارع من الأمر بالصلاح هو حصول الصلاح؛ فإن تيقن المصلح عدم جدوى إصلاحه رخص له في السكوت ([67]).

ويظهر أن مراد الغزالي بحصول المقاصد لا يعني حصولها في الحين، فإن ذلك لا يمكن كل حين، وقد قص الله تعالى علينا في القرآن الكريم دعوات الأنبياء ـ عليهم السلام ـ وإلحاحهم مع صدود أقوامهم وتكبرهم.

بعد هذا البيان لأقسام العجز، وحكم كل قسم؛ فإنه يحصل من اعتبار القسمين الأخيرين أربعة صور:

الصورة الأولى: أن يجتمع كلا القسمين، بأن يعلم أنه لا ينفع تغييره، ومع ذلك يناله مكروه، وهذا لا تجب عليه الحسبة عند الغزالي، بل تحرم في بعض المواضع، لأنه زج بنفسه إلى التهلكة في غير مصلحة شرعية.

ومع ذلك، فإن الغزالي يرى أنه يلزمه أن لا يحضر مواضع المنكر، لأن في ذلك تكثيرا لسواد العاصين، وربما جره الحضور إلى الانغماس في المعصية، ويرى كذلك أنه لا تجب عليه الهجرة إلى موضع آخر إلا إذا كان يرهق إلى الفساد، أو يحمل على مساعدة الظلمة من الحكام وغيرهم، وحينذاك تلزمه الهجرة إن قدر عليها، فإن الإكراه لا يكون عذرا بحق من يقدر على الهروب منه ([68]).

الصورة الثانية: أن ينتفي كلا المعنيين، بأن يعلم بأنه يمكن أن يؤثر في إزالة المنكر بقوله أو بفعله، ومع ذلك لا يناله مكروه،وهذه هي (القدرة المطلقة)([69]) كما يعبر الغزالي، ولا عذر لصاحبها في ترك الحسبة.

الصورة الثالثة: أن يعلم أنه لا يفيد بحسبته ولا يستطيع التأثير في المنكر بالإزالة، ومع ذلك لا يخاف مكروها، وهذا لا تجب عليه الحسبة لعدم جدواها، ولكنها تستحب لـ((إظهار شعائر الإسلام، وتذكير الناس بأمر الدين) ([70]).

الصورة الرابعة: أن يعلم أنه يصاب بمكروه نتيجة احتسابه، ولكن المنكر يبطل بفعله، وهو بذلك متردد بين عدم الوجوب لأن المكلف هنا في حكم العاجز، وعدم الحرمة لأن حسبته قربة، والغزالي يرى نتيجة لذلك أنه مستحب بدليل ما ورد في فضل قول كلمة الحق عند السلطان الجائر ([71])، فهي قد لا تؤثر في إصلاح السلطان، ومع ذلك قد ينتج عنها إذية كبيرة للداعية، فكيف إذا أيقن تأثير إصلاحه، فإن الاستحباب حينئذ يشتد.

2 ـ المخاطبون بالإصلاح

يرى الغزالي هنا ـ أيضا ـ اتساع مجال الأفراد الذين يشملهم خطاب الإصلاح، فلا يشترط فيهم التكليف([72])، بل يرى مجرد كونهم بشرا يكفي لأن يحتسب عليهم لأن المنكر أعم من المعصية، يقول الغزالي: (وقد عدلنا عن لفظ المعصية إلى هذا [لفظ المنكر]لأن المنكر أعم من المعصية،إذ من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر فعليه أن يريق خمره ويمنعه)([73])

وليس الغرض من ذلك هو صفاء صورة المجتمع الإسلامي الظاهرة فقط، وإنما تربية المجتمع الإسلامي بجميع أفراده على الغيرة من أن تنتهك محارم الله تعالى فيه حتى ولو كان ذلك من صبي لم يكلف أو مجنون لا يعقل، يقول الغزالي: (وليس ذلك لتفاحش صورة الفعل وظهوره بين الناس، بل لو صادف هذا المنكر في خلوة لوجب المنع منه)([74])، وفي هذا الإنكار احترام لإنسانية الصبي والمجنون، وصيانة له من التدنس بالمعصية، ولو لم يكن مكلفا ([75]).

وما دام الشرط الوحيد للمحتسب عليه هو(الإنسانية) فإن الإصلاح يشمل كل أفراد المجتمع بدءا بالأقارب وانتهاء بأعلى جهاز في الدولة، يقول الغزالي مبينا شمولية الإصلاح في هذا الجانب: (فتثبت ولاية الحسبة للولد على الوالد، والعبد على المولى،والزوجة على الزوج، والتلميذ على الأستاذ، والرعية على الوالي.. كما تثبت للوالد على الولد، والسيد على العبد، والزوج على الزوجة، والأستاذ على التلميذ، والسلطان على الرعية) ([76])

والفرق الوحيد بين حسبة الأدنى على الأعلى، وحسبة الأعلى على الأدنى هو في مراعاة مراتب النهي حفظا للحرمات، وإعطاء للولايات الشرعية حقها من الاحترام.

فللولد أن ينكر على والده، ولكن في المرتبتين الأوليين فقط:التعريف، ثم النصح باللطف، وليس له الحسبة بالسب والتعنيف والتهديد أو بمباشرة الضرب.

ونفس الأمر ينطبق على الزوجة مع زوجها أو العبد مع سيده، فهما قريبان من الولد في الولاية ([77])، وذلك لأن مقصد الشارع هو حفظ قيام بناء المجتمع على ما هو عليه، فإذا ما أدى إنكار المنكر أو الأمر بالمعروف إلى تهد يم هذا البناء وجب السكوت؛ لأن المضرة المنجرة عن الإنكار أكبر من المصلحة المتوقعة منه.

والأمر بالنسبة للولاة أشد، فليس للرعية معهم ـ في رأي الغزالي ـ إلا التعريف والنصح، ويبرر ذلك بقوله: (من حيث أن الهجوم على أخذ الأموال من خزانته وردها إلى الملاك، وكسر آنية الخمور في بيته، يكاد يفضي إلى خرق هيبته، وإسقاط حشمته، وذلك محظور ورد النهي عنه، كما ورد النهي عن السكوت عن المنكر)([78])

زيادة على أن ذلك قد يفضي إلى إذية كبيرة للمنكر، والشرع قد جعله في حل حين يتعرض لذلك، أما الإنكار باللسان فواجب على العلماء لا مندوحة عنه، وقد روي من إنكار الغزالي على أمراء عصره وحكامه الشيء الكثير، ومن ذلك كتابه (التبر المسبوك في نصيحةالملوك) الذي ألفه بالفارسية للسلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي، ويعتبر من الكتب الرائدة في الفقه الدستوري مما يكسب الغزالي مع كتبه السياسية الأخرى لقب (الفيلسوف السياسي)([79])، وقد بين في هذا الكتاب عشرة من أصول العدل والإنصاف تتضمن كثيرا من النظريات في السياسة الشرعية([80]).

ولا بد من التنبيه هنا إلى قضيتين يركز عليهما الغزالي كثيرا في كتبه هما:

 أ ـ وجوب التنقل للمخاطبين:

فالمصلح ليس مدرسا ينتظر مجيء تلاميذه، وإنما هو داعية يبحث عن مجال لدعوته وإصلاحه، يقول الغزالي: (وليس للإنسان أن يقعد في بيته، ولا يخرج للمسجد لأنه لا يرى الناس لا يحسنون الصلاة، بل إذا علم ذلك وجب عليه الخروج للتعليم والنهي، وكذا كل من تيقن أن في السوق منكرا يجري على الدوام، أو في وقت بعينه، وهو قادر على تغييره، فلا يجوز أن يسقط ذلك عن نفسه بالقعود في البيت، بل يلزمه الخروج، فإن كان لا يقدر على تغيير الجميع ويقدر على البعض لزمه الخروج)([81])، وذلك اقتداء بالأنبياء ـ عليهم السلام ـ فإنهم ما تركوا الناس على جهلهم، بل كانوا ينادونهم في مجامعهم، ويدورون على أبواب دورهم في الابتداء، ويطلبون واحدا واحدا ويرشدونهم ([82])، فقد كان a يأتي مجالس قريش، ويدعوهم ويخرج إلى القبائل في منازلها، ويدعوها، ولو استدعى ذلك الرحلة أو السير لمسافات الطويلة([83]).

ب ـ انتهاج الأساليب المناسبة لكل صنف من الناس:

وذلك لأن البشر مختلفو المشارب والتصورات،و مختلفو الطبائع والعادات، ولذلك، فإن (على كل ناصح أن تكون عنايته مصروفة إلى تفرس الصفات الخفية، وتوسم الأحوال اللائقة ليكون انشغاله بالمهم، فإن حكاية جميع مواعظ الشرع مع كل واحد غير ممكنة، والاشتغال بوعظه فيما هو مستغن عن التوعظ فيه تضييع زمان) ([84])

ولأجل هذا الاختلاف نجد الغزالي في جميع كتبه يهتم بالبحث عن طوائف الناس ومواقفهم حول كل قضية من القضايا ليعطي بعد ذلك العلاج الذي يراه مناسبا لكل طائفة.

ففي (معراج السالكين) مثلا يجعل عدد الناطقين بكلمة الشهادة سبع فرق، ولكل فرقة ما تساس به([85]).

وفي (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) يذكر مقامين للحديث عن المتشابهات، ولكل مقام حكمه اللائق به([86]).

وفي (الاقتصاد في الاعتقاد) قسم الناس باعتبار اعتقادهم للحق إلى أربعة فرق، ولكل فرقة سياستها النافعة لها ([87]).. وهكذا في جميع كتبه ورسائله.

والذي يهمنا هنا هو تبيين أصناف الناس بحسب أسلوب الإصلاح الممارس نحوهم، وقد ذكر الغزالي ذلك ببعض التفصيل في كتابه (القسطاس المستقيم) حين سأله رفيق التعليم عن أصناف الخلق وكيفية علاجهم، فذكر أنهم ثلاثة: (عوام، وهم أهل السلامة، وخواص هم أهل البصيرة وخواص الذكاء، ويتولد بينهم طائفة هم (أهل الجدل والشغب) ([88])، وتكاد معظم التقسيمات الأخرى التي ذكرها الغزالي ترجع إلى هذه الأصناف.

وهو يستند في هذا التقسيم إلى قوله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل:125)قال الغزالي: (فأدعو هؤلاء [العوام] بالموعظة، وأهل البصيرة بالحكمة، وأدعو أهل الشغب بالمجادلة) ([89])

وسنرى هنا طريقة تعامل الغزالي مع هذه الأصناف:

العوام:

و يعرفهم الغزالي بأنهم أصحاب السلامة الذين ليست لهم فطنة لفهم الحقائق، ولو كانت لهم هذه الفطنة ليس لهم معها داعية الطلب لأن الحرف والصناعات شغلتهم عن ذلك، وليس فيهم أيضا داعية الجدل.

والأفضل لهم في رأيه هو الاشتغال بالحرف والصناعات عن البحث في المتشابه من أصول الدين أو المختلف فيه من فروعه، وذلك لأنهم بالسؤال متعرضون لما لا يطيقونه، وخائضون فيما ليسوا أهلا له([90]).

ويبين علة هذا الوجوب بـ (أن العامي لا يخلو من سؤال عالم أو جاهل)، فإن سأل جاهلا زاده جوابه جهلا، بل ربما ورطه في الكفر من حيث لا يشعر، وإن سأل عالما عجز عن تفهيمه، وذلك لأنه صرف عمره لغير العلم، فكيف يكون أهلا للخوض فيه؟) ([91])

وانطلاقا من هذا يعطي الغزالي قاعدة لا تزال تتردد وهي (كل كبيرة تجري على العامي أهون من أن يخوض في العلم، فيكفر من حيث لا يدري)([92])

ومن خلالها يحدد إطارا لدعوة العوام وتعليمهم يقيهم غوائل الخوض فيما لا يطيقون، وذلك في أصول الدين وفروعه.

أما في أصول الدين، فليس على العامي أن يعتقد إلا ما في القرآن الكريم من (أن الله واحد حي عالم خبير سميع بصير غفار ليس كمثله شيء، إلى جميع ما ورد في القرآن الكريم، والسنة الشريفة، واتفقت عليه الأمة، فذلك كاف في صحة الدين.. وأما إن خطر له متشابه، فليس عليه إلا أن يقول: آمنا بالله،كل من عند ربنا)([93])

فإن أخذ هذا العامي يجادل في هذه الصفات، أي يثير الشبه نحوها كأن يقول:علمت أن الله عالم، ولكن لا أدري هل هو عالم بالذات،أم بعلم زائد عليه؟ أو أخذ يتكلم في صفات الله تعالى، فقد خرج عن كونه عاميا والتحق بأهل الجدل، ولهم علاجهم الخاص بهم.

أما في فروع الدين، فينهى الغزالي أن يخاض مع العامة في الخلاف الوارد فيها، لأن في المتفق عليه غنية (وقد اتفقت الأمة على أن زاد الآخرة هو التقوى والورع، وأن الكسب الحرام والمال الحرام والغيبة والنميمة والزنا والسرقة والخيانة وغير ذلك من المحظورات حرام، وأن الفرائض كلها واجبة، فلذلك يقتصر معهم على تعليم العبادات والأمانة في الصناعات التي هم بصددها، وتملأ قلوبهم بالرغبة والرهبة دون أن تحرك في نفوسهم شبهة([94])، فإن طالب بالمختلف فيه قبل أداء المتفق عليه فهو جدلي وليس بعامي.

وأما إن فرغ من حدود التقوى، وأشكلت عليه بعض الخلافات الفقهية فإن الغزالي ينصحه بالأخذ بالأحوط، لأن جميع المذاهب تشترك في القول به ([95])، فإن ثقل عليه، أو لم يمكن الجمع، فإن الغزالي ينصحه أن يجتهد مع نفسه، فينظر أي الأئمة أفضل عنده، أو صوابه أغلب على قلبه،فيلتزم مذهبه، كما يلتزم كل شخص الطبيب الذي يثق فيه أو يراه مناسبا له([96]).

وما ذكره الغزالي وغيره، بل كاد يجمع عليه المتأخر ون من ضرورة التزام العوام ومن هو في حكمهم المذاهب الفقهية المعتبرة حل لكل الإشكالات الفقهية التي تعترضهم وتنظيم للمجتمع الإسلامي وتوحيد له، فإنه لو فتح باب الاجتهاد للعوام، أو لكل من يشم في نفسه رائحة العلم من غير تمكن منه لجر ذلك إلى خطر عظيم على الفقه الإسلامي، بل الشريعة الإسلامية نفسها.

الخواص:

وهم عند الغزالي من اجتمعت فيهم القريحة النافذة والفطنة القوية مع خلو باطنهم عن التقليد والتعصب، مع الثقة في المصلح (فلا هداية إلا بعد إيمان.. ومن لم يؤمن بأنك تعرف الحساب لا يمكن أن يتعلم منك) ([97])

والغزالي يدعو إلى التعامل مع هؤلاء بالحكمة، وهي عنده وصف للعلم اللدني([98]) الذي هو هبة من الله تعالى، قال تعالى: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (البقرة:269)، يقول الغزالي: (وحقيقة الحكمة تنال من العلم اللدني، وما لم يبلغ الإنسان هذه المرتبة لا يكون حكيما، لأن الحكمة من مواهب الله تعالى)([99])

ويحرم الغزالي أن توضع هذه الحكمة في غير أهلها، وذلك لعدم قدرتهم على فهمها، وقد سمى كتبه ورسائله الحاوية على ذلك بـ: (المضنون به على غير أهله) ([100])

وقد أشار إلى هذه الرسائل في كثير من كتبه، ونهى أن توضع بين أيدي العامة، فإنه (تكل عنه أكثر الأفهام، ويستضر به الضعفاء، بل لا يصلح إظهاره إلا لمن أتقن علم الظاهر، وسلك في قمع الصفات المذمومة من النفس وطرق المجاهدة، فاستقامت نفسه على سواء السبيل، فلم يبق له حظ في الدنيا، ولم يبق له طلب إلا الحق، ورزق مع ذلك فطنة وقادة وقريحة منقادة وذكاء بليغا وفهما صافيا) ([101])،ويضيف قائلا: (وحرام على من يقع ذلك الكتاب بيده أن يظهره إلا على من استجمع هذه الصفات) ([102])

ويستند الغزالي لذلك بالأخبار والآثار الكثيرة، كقول عيسى ـ عليه السلام ـ: (لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير، فإن الحكمة خير من الجوهر، ومن كرهها فهو شر من الخنازير)([103])، وسئل بعض العلماء عن شيء فلم يجب فقال السائل:أما سمعت رسول الله a قال: (من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار)([104])، فقال:(اترك اللجام واذهب، فإن جاء من يفقه وكتمته فليلجمني، فقد قال الله تعالى:: { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ } (النساء:5) تنبيها على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى) ([105])

وينبه الغزالي إلى أن هذه الحكمة أو الحقائق والأسرار التي يحرم منها غير أهلها لا تناقض الظاهر (فمن قال:إن الحقيقة تخالف الشريعة، أو الباطن يناقض الظاهر، فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان) ([106])،ولكن سر إخفائها أو منعها غير مستحقيها يرجع عنده إلى سببين:

سبب ذاتي: يرجع إلى دقة بعض العلوم الحكمية بحيث تكل أكثر الأفهام عن إدراكها، ويستحيل مع ذلك تبسيطها، أو أن تبسيطها يزيل نضارتها وقوتها، فيختص بإدراكها الخواص حديدو الذكاء، شفافو الأرواح،ولهذا لم يذكر رسول الله a من صفات الله تعالى إلا ما ظهر ظهورا جليا للأفهام، ولو ذكر ما ليس للخلق مما يناسبه بعض المناسبة لم يفهموه([107])، وكان في مخاطبته يفرق بين مستويات الناس في ذلك.

سبب مصلحي: وهو لا يعود إلى دقة المعلوم أو صعوبة فهمه فهو مفهوم في نفسه، لكن ذكره يضر بالعامة، ومن هو في حكمهم، كما يضر نور الشمس أبصار الخفافيش، ويضرب الغزالي مثلا لذلك بالحديث عن القدر(فإنه لو أفشي لأوهم عند أكثر الخلق عجزا، إذ تقصر أفهامهم عن إدراك ما يزيل ذلك الوهم عنهم)([108])

المجادلون:

وهم عند الغزالي أحد اثنين: (إما من فيهم فطانة ظاهرة ترقوا بها عن العوام ولكنها ناقصة، أو كانت في الفطرة كاملة، ولكن باطنهم مشحون بالخبث والعناد والتعصب والتقليد)([109])

ووجود مثل هذا الصنف خطر على المجتمع باعتبارهم مصدر الشبهات والأباطيل المنتشرة فيه، وهم أيضا مطلب لدعاة السوء، يتخذونهم مطية لمحاربة الحق، أو إشاعة الفساد، ولذلك ينصح الغزالي معاملتهم بما يلي:

المجادلة الحسنة:

 ويعني بها الغزالي أخذ الأصول التي يسلم بها المجادل، واستنتاج الحق منها، مع الإبتعاد عن اللجاجة والمراء والجدال المنهي عنه([110]).

وفي هذا التعريف تفريق دقيق بين الجدل الذي نص عليه القرآن الكريم، وبين المراء المنهي عنه في النصوص الكثيرة، وقد ذكر الغزالي مستنده في هذا التعريف وهو إبراهيم ـ عليه السلام ـ مع خصمه الكافر، يقول الغزالي: (وليته كانت له أسوة حسنة بإبراهيم الخليل ـ صلوات الله عليه ـ حيث حاج خصمه،فقال: { رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} (البقرة:257)، فلما رأى أن ذلك لا يناسبه، وليس حسنا عنده عدل إلى الأوفق بطبعه والأقرب لفهمه، فقال: { فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ } (البقرة:257)) ([111])

والمجادلة الحسنة تحتاج إلى مران طويل وصبر عظيم، وقد جعل الغزالي كتابه (القسطاس المستقيم) نموذجا لها، فقد جاء على شكل حوار بينه وبين رجل من الباطنية، وقد استهله بقوله: (إخواني،هل فيكم من يعيرني سمعه لأحدثه بشيء من أسماري، فقد استقبلني رفيق من رفقاء (أهل التعليم)، وغافصني ([112]) بالسؤال والجدال مغافصة من يتحدى باليد البيضاء والحجة الغراء) ([113])، ثم ذكر الحوار الذي دار بينهما، والذي شمل الكتاب جميعا.

والذي يدل على أن قصد الغزالي ليس الرد على((التعليمية) فحسب، وإنما ذكر نموذج للمجادلة الحسنة قوله في آخر الكتاب: (وهاكم ـ إخواني ـ قصتي مع رفيقي، تلوتها بعجرها وبجرها([114]) لتقضوا منها العجب،وتنتفعوا في تضاعيف هذه المحادثات بالتفطن لأمور هي أجل من تقويم مذهب أهل التعليم، فلم يكن ذلك من غرضي) ([115]).

وكتابه (تهافت الفلاسفة)نموذج جيد لها أيضا، فقد كان يلزمهم بأقوالهم وأقوال غيرهم التي لا يعتقدها حتى يبين تهافت ما ذهبوا إليه، لأن مقصد المجادلة لا ينحصر في دعوة المجادل إلى الحق، فتلك غاية عليا، وتعصب المجادل يحول ـ أحيانا كثيرة ـ دون تحقيقها، ولكنها مع ذلك تقصد إلى رد الشبهات وتفنيدها وحماية المجتمع منها.

ولرد الشبهات التي تحاول الانحراف بالمجتمع الإسلامي عن مساره الصحيح يجعل الغزالي وجود المتكلمين الذين يتكفلون بمحاجة الكفار ورد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات فرضا كفائيا يجب أن لا يخلو منه المجتمع الإسلامي، يقول في (الاقتصاد في الاعتقاد): (فوجب أن يكون في كل قطر من الأقطار أو صقع من الأصقاع مشتغل بهذا العلم يقاوم دعاة المبتدعة، ويستميل المائلين عن الحق ويصفي قلوب أهل السنة عن عوارض الشبهة، فلو خلا عنه القطر حرج به أهل القطر كافة، كما لو خلا عن الطبيب والفقيه) ([116]).

تعليمه الحق:

وتعريفه به والبرهنة له عليه وتعليمه موازين ذلك، وذلك كله إن كانت فيه فطنة، وكان فيه نوع من القبول للحق([117])، وهو بذلك يكاد يلتحق بقسم الخواص.

استعمال الشدة:

فإن أصر هذا المجادل على عناده، وتعدى خطره إلى المجتمع فينبغي في رأي الغزالي أن يشتد معه، يقول الغزالي: (فإن لم يقنعه لبلادته وإصراره على تعصبه ولجاجه وعناده عالجته بالحديد، فإن الله تعالى جعل الحديد والميزان قريني الكتاب) ([118]).

هذا هو تقسيم الغزالي لأصناف المخاطبين بالإصلاح بحسب الأسلوب الممارس نحوهم، ولهذا التقسيم قيمة كبيرة في تفهم آراء الغزالي ومواقفه، والتي قد تبدو متعارضة ظاهر الأمر، وذلك أنه يتكلم في كل مسألة بحسب الصنف الذي يتوجه إليه، وقد أشار إلى هذا العامل ابن طفيل في قوله:((وأما كتب الشيخ أبي حامد الغزالي، فهو بحسب مخاطبته للجمهور يربط في موضع ويحل في آخر، ويكفر بأشياء ثم ينتحلها)([119])

3 ـ موضوع الإصلاح

يختلف موضوع الإصلاح في رأي الغزالي بحسب مستوى المخاطبين، فلكل صنف من الناس الموضوع الذي يناسبه، ولكن الغزالي مع ذلك يضع ضوابط للمنكر العام الذي تتعلق به الحسبة الشرعية، وسنذكر هنا تلك الضوابط، ثم نعقب عليها بنماذج لمواضيع طرقها الغزالي في نقده لواقعه الاجتماعي كتصوير لشمولية الإصلاح عنده.

أ ـ ضوابط المنكر:

يشترط الغزالي للمنكر الذي تجب إزالته أربعة شروط هي:

إنكار الشرع له:

لا العقل ولا العادة ولا الهوى، والمتكلمون والأصوليون تبع لهم يبحثون هنا مسألة (التحسين والتقبيح) ([120])، وهل هي بالعقل أم بالشرع، والغزالي ينتصر فيها للمذهب الأشعري القائل بأن التحسين والتقبيح من الله تعالى، وأنه لا تكليف قبل ورود الشرع ([121])، ويهتدي أثناء تلك النصرة إلى نظرية (سبق الوهم إلى العكس الاقترانية الشرطية) ([122])، يقول فائز الحاج ـ الباحث المتخصص في هذه النظرية ـ: (فالغزالي صاحب نظرية سبق الوهم إلى العكس الاقترانية الشرطية، قد سبق بافلوف ([123]) وغيره من علماء الاشتراط بقرون طويلة)([124]).

 وليس هذا مجال البحث في التحسين والتقبيح وأدلة ذلك، وإنما غرضنا بيان أن الشرع هو المحتكم إليه في التحسين والتقبيح، والمفتي بذلك هم العلماء، وهذا يجعل من العلماء قادة للأمة وأهل التوجيه فيها، وهو ينبهنا إلى خطورة تسارع الكثير من الدعاة إلى الفتوى بعلم أو بغير علم.

وجود المنكر في الحال:

فلا ينبغي الحسبة على منكر لم يحدث بعد إلا إذا علم عزم المنكر عليه على ارتكابه، وحينذاك يكتفى بوعظه بلين، وبدون تشدد، بل إن الغزالي لا يرى جواز ذلك إن أنكر عزمه على فعل تلك المعصية (فإن فيه إساءة ظن بالمسلم، وربما صدق في قوله، وربما لا يقدم على ما عزم عليه)([125])، وللمعصية عند الغزالي بهذا الاعتبار ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن تكون قد مضت، فليس للمحتسب إلا أن يعظ مرتكبها بعدم العودة، وليس له أن يقيم الحد أو التعزير لأن ذلك للولاة لا للآحاد ([126])، وهذه مسؤولية القضاء لا المحتسب.

الصورة الثانية: أن تكون تلك المعصية راهنة، وصاحبها مباشر لها (فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن، ما لم يؤد إلى معصية أفحش منها أو مثلها) ([127]).

الصورة الثالثة: أن يكون المنكر متوقعا، فلا يجوز الإنكار ـ كما بينا ـ إلا إذا علمت منه تلك المعصية بالعادة، ويضرب الغزالي لذلك مثالا بوقوف الأحداث على أبواب حمامات النساء (فإنهم،وإن لم يضيقوا الطريق لسعته، فتجوز الحسبة عليهم لإقامتهم من الموضع، ومنعهم من الموقف)([128])

والغزالي يطلق الحكم في هذه المسألة قياسا على الخلوة بالأجنبية، فإنها في نفسها معصية، لأنها مظنة الوقوع في المعصية (وتحصيل مظنة المعصية معصية)([129])، وهذا ما يطلق عليه الأصوليون (سد الذرائع)([130])

ظهور المنكر للمحتسب:

وذلك من غير تجسس، لأن المضار التي قد تترتب على ذلك التجسس أكبر من المنكر نفسه، ففيه إساءة ظن بالمسلم، واقتحام لحرزه الذي جعله الله له، ولو فتح باب ذلك لانتشرت الفوضى، وتسور كل واحد بيت من شاء متى شاء بحجة إزالة المنكر.

ويروي الغزالي في هذا قصة عمر حين تسلق دار رجل فرآه على حالة مكروهة، فأنكر عليه، فقال: (يا أمير المؤمنين، إن كنت أنا قد عصيت الله من وجه واحد، فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه)، فقال: (وما هي؟)، فقال: (قد قال الله تعالى: { وَلَا تَجَسَّسُوا } (الحجرات:12)، وقد تجسست، وقال تعالى: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } (البقرة:189)، وقد تسورت من السطح، وقال: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} (النور:27)، وما سلمت)، فتركه عمر، وشرط عليه التوبة([131]).

وهذا يدل على ما للآداب والأخلاق من قيمة في الإصلاح، فإصلاح الغاية يستلزم إصلاح الوسيلة، فالغاية في الإصلاح لاتبرر الوسيلة.

ولكن ما حد الظهور والاستتار الذي يناط به وجوب الإزالة؟

يجيب الغزالي على ذلك بإعطاء قاعدة عملية هي أن (التجسس طلب الأمارات المعرفة، فالأمارة المعرفة إن حصلت وأورثت المعرفة جاز العمل بمقتضاها، فأما طلب الأمارة المعرفة فلا رخصة فيه أصلا)([132])

ولتوضيح ذلك ذكر بعض الأمثلة، ومنها أن من أغلق باب داره، أو تستر بحيطانه، فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه لتعرف المعصية إلا إذا ظهرت ظهورا يعرفه من هو خارج الدار،كارتفاع أصوات السكارى بالكلمات المألوفة بينهم، أو فاحت رائحة الخمر، أو إذا رئي فاسق، وتحت ثوبه شيء، ولا يجوز أن يكشف عنه ما لم يظهر بعلامة خاصة؛ فإن فسقه لا يدل على أن الذي معه خمر([133]).

وهذا كله حذرا من اختلاط الإصلاح بأي إساءة للأدب، أو تعرض لحريات المسلمين التي كفلها الله لهم في الحدود المشروعة.

الإجماع على إنكاره:

فأما إن كان محل اجتهاد، أو وقع فيه الخلاف بين العلماء، فلا يجوز الإنكار فيه، يقول الغزالي ضاربا بعض الأمثلة على ذلك: (ليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع ومتروك التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر، وتناوله ميراث ذوي الأرحام)([134])

وقد اشتهر عن الغزالي في هذه المسألة القول بأن (كل مجتهد في الظنيات مصيب وأنها ليس فيها حكم معين من الله)([135])

وهنا يحتد الخلاف بين من يرى رأي الغزالي من أن جهود الإصلاح ينبغي أن توجه إلى الأصول قبل الفروع، وإلى القطعي قبل الظني، وإلى المجمع عليه قبل المختلف فيه، بل إنه لا يحتسب في المختلف فيه أصلا، وتدعوا إلى احترام الرأي الآخر مادام مؤسسا على أدلة، أو قال به أحد علماء الأمة المعتد بهم، وبين المدرسة السلفية الحديثة التي تنطلق من أن الحق واحد، والمصيب بالتالي واحد، ولذلك تدعو إلى الأرجح الذي تراه من المختلف فيه، وتدعو إلى الاجتهاد العام، وتعتقد أن الانتماء المذهبي بدعة حادثة في الدين يجب إزالتها.

وهذه المسائل وجدت حقها من العناية عند الغزالي، بل إن رأيه فيها، مع اشتداد التعصب المذهبي في عصره،وقيام المناظرات بين العلماء لنصرة مذاهبهم، وانتقال ذلك إلى العامة، وتخاصمهم أحيانا في سبيل ذلك من الغرابة بمكان، بل لعله الرأي الأمثل الذي يرفع حدة الخلاف ويوجه عناية الأمة إلى الأجدى والأصلح، ويقضي على التعصب بجميع أشكاله.

وقد ذكر الغزالي الشبهات التي ينطلق منها الذين يرون الحسبة في المختلف فيه من الفروع، ومن تلك الشبهات:

  1. أن القول بتصويب جميع المجتهدين محال،لأنه يؤدي إلى الجمع بين نقيضين، فيكون قليل النبيذ حلالا وحراما، والنكاح بلا ولي صحيحا وباطلا([136]).
  2. دلالة بعض النصوص الشرعية الذامة للاختلاف كقوله تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } (آل عمران:103)، وقوله: { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } (آل عمران:105)، وبإجماع الأمة على الحث على الألفة والموافقة، والنهي عن الفرقة والاختلاف ([137]).
  3. ما ورد عن السلف الصالح من الحذر من الخطأ وإجماعهم على ذلك([138]).

ومن أجوبة الغزالي عن تلك الشبهات:

أولا ـ أن الحكم الشرعي يتعلق بأفعال المكلفين، لا بأعيان الأشياء، وبذلك قد يحل لشخص ما يحرم على غيره، فالميتةـ مثلا ـ تحل للمضطر دون المختار، والصلاة تجب على الطاهر وتحرم على الحائض.

وما دام الأمر كذلك، فليس هناك تناقض، لأن التناقض يحصل عندما (يجتمع التحليل والتحريم في حالة واحدة لشخص واحد في فعل واحد من وجه واحد، فإذا تطرق التعدد والانفصال إلى شيء من هذه الجملة انتفى التناقض)([139])، وما أوهم التناقض هو اعتقاد تعلق التحليل والتحريم بأعيان الأشياء، وذلك غير ممكن، لأنه لو كان الأمر كذلك لما حرم الشيء بعد تحليله، فأعيان الأشياء ثابتة، وما يعرض لها هو المتغير.

ويضرب الغزالي مثالا على ذلك بقوله: (لو صرح [الشرع]، وقال:من غلب على ظنه أن النبيذ بالخمر أشبه فقد حرمته عليه،ومن غلب على ظنه أنه بالمباحات أشبه فقد حللته له لم يكن هذا التصريح متناقضا) ([140])

ثانيا ـ أن التفرق المنهي عنه هو التفرق في الأصول لا الفروع، بدليل تفرق الصحابة واختلافهم، وزيادة على ذلك (إجماع الأمة على أنه يجب على المختلفين في المسائل الاجتهادية أن يحكم كل واحد بما هداه إليه دليله،ولو كان مخالفا لغيره، (والأمر باتباع المختلف أمر بالاختلاف)([141])

ثالثا ـ أن ما ورد عن السلف من الحذر من الخطأ يرد إلى جملة اعتبارات كخوفهم من مخالفة دليل قطعي،أو عدم استفراغ تمام وسعهم في البحث، أو خوفهم أن لا يكونوا أهلا للنظر..وغير ذلك من الاعتبارات([142]).

ولعل رأي الغزالي بأن (كل مجتهد مصيب) مهما توجه إليه النقد، أو تطرق إليه احتمال الخطأ أقرب قول لرفع الخلاف بين الأمة في المختلف فيه، لأنه إذا قلنا بأن الحق واحد، وأن الراجح أحد المذاهب دون غيره أدى ذلك إلى الشحناء والتعصب، أو إلى تفريغ الجهود في غير مواضعها.

وقد قرر كل العلماء المنصفين أن الإنكار لا يكون إلا في المجمع عليه، لا في المسائل المختلف فيها، يقول (عبد الوهاب الشعراني)([143]): (ووسع على الأمة كما وسع عليهم نبيهم a واعتقد أن الإنسان لو ترك العمل بكل ما لم تصرح به الشريعة المطهرة، فلا حرج عليه ولا لوم في الدنيا والآخرة إلا أن تجمع عليه الأمة فحينئذ يحرم خرقه)([144])

هذا فيما يتعلق بالخلاف في الظنيات والفروع، أما الخلاف البدعي المتعلق بأصول الدين، فإن الغزالي يرى وجوب الإنكار فيه، يقول في ذلك: (والبدع كلها ينبغي أن تحسم أبوابها، وتنكر على المبتدعين بدعهم، وإن اعتقدوا أنها الحق، كما يرد على اليهود والنصارى كفرهم، وإن كانوا يعتقدون أن ذلك حق، لأن خطأهم معلوم على القطع بخلاف الخطأ في مظان الاجتهاد)([145])

ولكن إنكار البدع مع أهميته ووجوبه وكون الحسبة فيه أهم من الحسبة في كل المنكرات، فيه تفصيل من حيث عمومية الحسبة أو الاحتياج إلى إذن السلطان، فالغزالي يرى أن البدعة إن كانت غريبة، والناس كلهم على السنة، فلهم الحسبة عليها بغير إذن السلطان، وأما إذا انقسم أهل البلد إلى مبتدعة وسنيين، وكان الاعتراض مثيرا للفتن، فالغزالي يرى حرمة الاعتراض إلا لمن توفرت فيهم الشروط اللازمة لإنكار البدع([146]).

ب ـ نماذج عن نقد الغزالي لواقعه الاجتماعي:

نظرا لحاجة المحتسب إلى معرفة المعروف الذي يتعين عليه الدعوة إليه والمنكرالذي يتعين عليه النهي عنه، فقد اهتم الغزالي ببيان ذلك، فهو في معظم كتبه ينقد الظواهر السلبية في مجتمعه، وهو في نقده ذلك لا يكتفي بالظاهر، وإنما يعبر منه إلى الباطن، فيحلل نفسيات أصناف الناس، ويبين مكامن الخطأ في بواطنهم، وما يظهر منها بعد ذلك على سلوكهم، وهو لا يكتفي كذلك بالجلائل، بل يعبر منها إلى الدقائق، فالكل عنده يجب إصلاحه، مع مراعاة المراتب في ذلك، وسننقل هنا نماذج عن نقده لواقعه الاجتماعي كأمثلة على شمولية موضوع الإصلاح عنده.

المنكرات الظاهرة:

اهتم الغزالي بنظافة محيط المجتمع الإسلامي وسريان النظام فيه، فلذلك اعتبر من المنكرات التي يجب تغييرها (وضع الأسطوانات وبناء الدكات متصلة بالأبنية المملوكة.. ووضع الخشب وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق، فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار المارة([147])،ويعلل ذلك بأن الشوارع مشتركة المنفعة، وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة)

 ومن المنكرات (طرح القمامة على الطرق، وتبديد قشور البطيخ، أو رش الماء بحيث يخشى منه التزلق والتعثر، وإرسال الماء من الميازيب المخرجة من الحائط في الطريق الضيقة، فإن ذلك ينجس الثياب، أو يضيق الطرق ([148])..

وغيرها من الأمثلة التي عبر عنها الغزالي بأنها من (منكرات الشوارع)، وهي لا تختص بواقعه فقط، بل إن الكثير منها موجود في مجتمعاتنا ومدننا، ويضيف الغزالي إلى ذلك (منكرات الضيافة) و(منكرات الأسواق) و(منكرات الحمامات) وغيرها.

وغرض الغزالي من التدقيق في هذه القضايا هو عدم اهتمام الناس بها أو عدم تنبههم لها من جهة، ومن جهة ثانية اشتهار المنكرات الدينية الصرفة كترك الصلاة وترك الصيام وغير ذلك مما علم من الدين بالضرورة.

المنكرات الباطنة:

خصص الغزالي الربع الثالث من (الإحياء) لعد وتحليل المنكرات الباطنة باعتبارها أعظم خطرا من المنكرات الظاهرة، ولذا وجب أن يكون في الأمة من يحتسب لهذا النوع من المنكرات، فقد قال تعالى: { وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } (الأنعام:120)

ومن أمثلة المنكرات الباطنة التي اهتم بها الغزالي (الغرور)، فمن الغرور مثلا غرور العصاة من المؤمنين بقولهم: إن الله كريم، وإنا نرجو عفوه، واتكالهم على ذلك، وتسميتهم غرورهم وأمانيهم رجاء([149])، مع أن الرجاء مقام محمود في الدين، ولكنه لا يصدق إلا على (محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره، وهو فضل الله تعالى بصرف القواطع والمفسدات)([150])

ومن المغترين من العباد فرقة أهملوا الفرائض، واشتغلوا بالنوافل، وربما تعمقوا في الفضائل حتى خرجوا إلى العدوان والسرف، وفرقة غلبت عليهم الوسوسة في نية الصلاة، فلا يدعهم الشيطان يعقدون نية صحيحة، بل يشوش عليهم حتى تفوتهم الجماعة وتخرج الصلاة عن وقتها، وفرقة تغلب عليهم الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار من مخارجها، وفرقة ارتضوا بقراءة القرآن يهذونه هذا، وربما يختمونه في اليوم والليل مرة، ولسان أحدهم يجري به، وقلبه يتردد في أودية الأماني، وفرقة اغتروا بالصوم، وربما صاموا الدهر أو صاموا الأيام الشريفة، وهم فيها لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة وخواطرهم عن الرياء، وبطونهم عن الحرام، وفرقة اغتروا بالحج فيخرجون إلى الحج من غير خروج عن المظالم وقضاء الديون واسترضاء الوالدين وطلب الزاد الحلال وغيرهم من فرق المغترين([151]).

4 ـ مراتب الإصلاح:

يضع الغزالي للإصلاح ثماني مراتب، لابد من مراعاة التسلسل بينها، وهي:

أ ـ التعرف:

وهو البحث عن أدلة وجود المنكر، لأن الإنكار ـ كما علمنا ـ لا يكون إلا على منكر معلوم واقع، ولذلك البحث عند الغزالي طريقان:

شرعي: وهو العلم اليقيني بوجود المنكر، وذلك إن اشتهر وجهر به أو دلت عليه الأدلة الظاهرة، وفي هذه الحالة يجب التغيير بحسب مراتبه، يقول الغزالي: (وكل من تيقن أن في السوق منكرا يجري على الدوام أو في وقت بعينه، وهو قادر على تغييره، فلا يجوز أن يسقط ذلك عن نفسه بالقعود في البيت) ([152])

غير شرعي: وهو الظن أو الشك في جريان المنكر الذي لم يدل عليه دليل ظاهر، فليس للمصلح أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الأوتار، ولا أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر، ولا أن يستفسر من جيرانه ليخبروه بما يجري في داره، فإن ذلك كله من التجسس المنهي عنه، وهو هتك لحرمة المسلم بدليل ظني ([153]).

ب ـ التعريف:

وهو دلالة المنكر عليه على حرمة ما يفعله، لأنه يقدم عليه بجهله، وإذا عرف أنه منكر تركه ([154])، ولما في التعريف من إيذاء للمعرف بنسبته إلى الجهل، فإن الغزالي يدعو إلى نصحه باللطف من غير عنف، ويضرب مثالا على ذلك بتعريف جاهل بوجوب الطمأنينة في الصلاة، فيقول له:إن الإنسان لا يولد عالما، ولقد كنا ـ أيضا ـ جاهلين بأمر الصلاة، ولعل قريتك خالية من أهل العلم.. وهكذا يترفق به ليحصل التعريف من غير إيذاء.

ويشبه الغزالي من يعرف غيره بغير أدب بمن يغسل الدم بالبول، يقول في ذلك: (ومن اجتنب محظور السكوت على المنكر، واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه، فقد غسل الدم بالبول على التحقيق)([155])

وينصح الغزالي بأن يعتمد المصلح كل الوسائل التوضيحية لتعريف الناس الحق وأمرهم به، فإن كان الخطاب مع نجار لا يحسن إلا النجر، وكيفية استعمال الآلة (وجب على مرشده أن لا يضرب له المثل إلا بصناعة النجارة ليكون ذلك أسبق إلى فهمه، وأقرب إلى مناسبة عقله)([156])

ج ـ الموعظة:

وذلك فيمن يقدم على المنكر مع علمه بكونه منكرا، أو من أصر عليه بعد أن عرف كونه منكرا، وقد ذكر الغزالي الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الواعظ مع الخلق منتقدا ما صار إليه الوعظ في عصره، ومن تلك الطرق:

الاعتماد على ما ورد في القرآن الكريم والأخبار والآثار من مواعظ:

فالقرآن الكريم مليء بالمواعظ كقوله تعالى عن لقمان ـ عليه السلام ـ: { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان:12)، وكذا الأخبار والآثار، (فعلى الواعظ أن يستكثر منها إن كان وارث الرسول a، فإنه ما خلف دينارا ولا درهما، وإنما خلف العلم والحكمة، ووراثة كل عالم بقدر ما أصابه)([157])

الموعظة بالقصة:

فإن لها تأثيرا كبيرا على النفوس، ولذلك أولاها القرآن الكريم قيمة كبيرة، بل أمر بها، يقول تعالى: { فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (الأعراف:176)، وكذلك في السنة، فقد وردت قصص كثيرة في أحاديث الرسول a، وعلى ضوء هذا الهدي القرآني والنبوي أولى الغزالي اهتماما كبيرا بالقص، مع انتقاده للقصاصين الذين اتخذوا القص حرفة، ويعلل ذلك بأن من القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر ولو كان صدقا، ومن فتح ذلك الباب على نفسه اختلط عليه الصدق بالكذب والنافع بالضار،ولذلك لا يرى بأسا إن كان القاص صادقا صحيح الرواية ([158]).

ذكر تأثير المعاصي الدنيوي:

وذلك لأن تعجيل العقوبات في الدنيا متوقع على الذنوب، فما يصيب العبد من المصائب هو بسبب جناياته، وهذا من الغزالي فقه للواقع وإدراك لنفسيات الناس، فإن منهم (من يتساهل في أمر الآخرة،ويخاف من عقوبة الله في الدنيا أكثر لجهله)([159])، ولذلك ورد عن السلف الصالح الآثار الكثيرة في بيان تعجيل الله العقوبة في الدنيا على المعاصي.

ذكر ما ورد من العقوبات على آحاد الذنوب:

 كالخمر والزنا وغيرها مع من يراه متصفا بها مستدلا على ذلك بقرائن الأحوال، فـ (العالم كالطبيب الحاذق يستدل بالنبض والسحنة ووجود الحركات على العلل الباطنة)([160])، وذلك اقتداء بالرسول a الذي كان يعامل وينصح كل فرد بحسب ما يصلح له، ولهذا اختلفت الآثارـ حتى أنها قد تبدو متعارضة ـ في بيان فضائل الأعمال ومراتبها.

أما إن كان الواعظ يتكلم في جمع، أو من لا يعلم حاله، فإن عليه (أن يعظهم بما يشترك كافة الخلق في الحاجة إليه، إما على العموم، أو على الأكثر، لأن في الشرع أغذية وأدوية، (فالأغذية للكافة، والأدوية لأرباب العلل)([161])

وفي الأخير يحذر الغزالي أن يكون هم الواعظ أن يتأثر الناس تأثرا عاطفيا محدودا، بل ينبغي أن تكون همته (أن يدعو الناس من الدنيا إلى الآخرة، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الحرص إلى الزهد، ومن البخل إلى السخاء، ومن الغرور إلى التقوى) ([162]).

د ـ القول الغليظ:

ولا يعدل إليه إلا عند العجز عن المنع باللطف، أو حين تظهر مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح، ويستدل الغزالي لذلك بقوله تعالى عن إبراهيم u: { أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } (الأنبياء:67)،ولهذه الرتبة أدبان:

الأدب الأول: أن لا يقدم عليها إلا عند الضرورة، مع يقينه بتأثيرها في ردع المنكر عليه، فإن علم أن خطابه بهذه الكلمات الزاجرة لا يؤثر فيه، فلا ينبغي أن يطلقها، بل يقتصر على إظهار الغضب، والاستحقار له، والازدراء لمحله لأجل معصيته.

الأدب الثاني: أن لا ينطق إلا بالصدق مقتصرا على قدر الحاجة، فإن تطويل اللسان بالكذب أو فوق الحاجة ربما يزيد من ترسيخ المنكر، ومن الأمثلة التي ذكرها الغزالي على ذلك: (يا فاسق، يا أحمق، يا جاهل، ألا تخاف الله)، فـ (كل فاسق أحمق وجاهل، ولو لا حمقه ما عصى الله تعالى)([163])

هـ ـ التغيير باليد:

وهو أن يستعمل القوة في دفعه ككسر الملاهي وإراقة الخمر ومنعه من الجلوس على الحرير وإخراجه من الدار المغصوبة، وذلك لا يمكن إلا في المعاصي الظاهرة، أما معاصي اللسان والقلب فلا يقدر على مباشرة تغييرها، وكذلك كل معصية تقتصر على نفس العاصي وجوارحه الباطنة ([164])، ولهذه المرتبة ـ أيضا ـ أدبان:

الأدب الأول: أن لا يباشر التغيير بيده ما لم يعجز عن تكليف المحتسب عليه بذلك، فإن قدر على أن يكلفه بإراقة الخمر أو كسر الملاهي، وغير ذلك فلا ينبغي له أن يفعل ذلك بنفسه.

الأدب الثاني: أن يقتصر في تغييره على القدر المحتاج إليه، فإن زيادة الأذى مستغنى عنها، (فيتوقى عند إراقة الخمر كسر الأواني، ولا يأخذ بلحيته في الإخراج، ولا برجله إذا قدر على جره)([165])

و ـ التهديد بالضرب والتخويف به:

إذا لم تجد كل المراتب السابقة، فحينذاك يلجأ معه إلى أسلوب التهديد والتخويف بقوله ـ مثلا ـ: (دع عنك هذا أو لأكسرن رأسك، أو لأضربن رقبتك)([166])، فإن من الناس من لا يعتبر إلا بهذا، ولا حرج عليه في الكذب في ذلك الوعيد إذا لم ينفذه إذا علم أن ذلك يقمعه ويردعه.

وليس ذلك ـ كما يرى الغزالي ـ من الكذب المحظور، بل المبالغة في ذلك معتادة، ومثله مبالغة المؤمن في الإصلاح بين شخصين والتأليف بين الضرتين، وذلك مما قد رخص فيه للحاجة، وهذا في معناه، وأدب هذه الرتبة أن لا يهدده بوعيد لا يجوز له تحقيقه، كقوله: (لأنهبن دارك، أو لأضربن ولدك، أو لأسبين زوجتك، وما يجري مجراه)([167])

ز ـ مباشرة الضرب من غير إشهار سلاح:

يرى الغزالي جواز ذلك من غير إذن السلطة بشرط الضرورة مع الاقتصار على قدر الحاجة، وهذا مع مراعاة التدرج في كل المراتب السابقة، مع أمن الفتنة.

ويضرب مثالا على ذلك بفاسق يريد اغتصاب امرأة، (وكان بينه وبين المحتسب حائل، (فيأخذه قوسه ويقول له: خل عنها، أو لأرمينك؛ فإن لم يتخل عنها له أن يرمي، وينبغي أن لا يقصد المقتل، بل الساق والفخذ وما شابهه) ([168])

ح ـ اتخاذ الأعوان:

يرى الغزالي أنه عند عجز المنكر للمنكر عن مباشرة الإنكار بنفسه يجوز له الاستعانة، بل وجوبها خاصة عند استعانة الفاسق بأعوانه (لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف، وأوائل درجاته تجر إلى ثوان، والثواني إلى ثوالث، وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب والتضارب يدعو إلى التعاون، فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف)([169])،وهذا بشرط عدم أدائه إلى فتنة أكبر من المنكر الذي يريد تغييره ـ كما سبق بيانه ـ

هذه هي المراتب التي يراها الغزالي للإصلاح الاجتماعي وهي ترينا مدى اتساع مفهوم الإصلاح عنده، فليس هو بالتعريف الفقهي وحده، ولا بالوعظ المؤثر فقط، وإنما بكل ما يمكن اتخاذه من وسائل وهو ما يعبر عنه بقوله: (كل من قدر على دفع منكر،فله أن يدفع ذلك بيده وبسلاحه وبنفسه وبأعوانه)([170])

هذه هي الضوابط التي يضعها الغزالي للإصلاح الاجتماعي، وهي ترينا مدى اتساع تصوره لمفهوم الإصلاح، بحيث يتعلق التغيير عنده بكل المنكرات، ويعم القيام به كل المكلفين، ويشمل خطابه جميع البشر، وينتهج في سبيل تحقيقه كل الوسائل.


([1])  لغة: الصلاح، ضد الفساد، وأصلح الشيء بعد فساده أقامه،وأصلح الدابة أحسن إليها فصلحت،والصلح :السلم وتصالح القوم بينهم (ابن منظور، لسان العرب،بيروت : دار صادر، 1995، 2/516، رقم : 1758)

([2])    انظر على سبيل المثال: د. عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة. البليدة: قصر الكتاب. 1990، ص138.

([3])    إحياء علوم الدين: 2/342.

([4])    المرجع السابق .

([5])    المرجع السابق: 2/320.

([6])    المرجع السابق: 2/342

([7])    هو أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي ، من علماء التابعين، حافظ ثقة، توفي سنة 148ه انظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ، بيروت: دار الكتب العلمية 1/154.

([8])   إحياء علوم الدين: 1/34

([9])    المرجع السابق 1/35

([10])    عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى، وهي من زلات المحققين انظر: الجرجاني، التعريفات، تحقيق محمد بن عبد الحكيم القاضي، ط1، القاهرة: دار الكتاب المصري، بيروت:دار الكتاب اللبناني، 1411ه ـ 1991م ، ص139، رقم 952.

([11])    يريد بها الغزالي معنى الشطح زيادة على صرف الألفاظ الشرعية عن معانيها المفهومة بغير دليل ولغير حاجة، انظر: إحياء علوم الدين: 1/37.

([12])    رسالة أيها الولد (ضمن القصور العوالي)، القاهرة: مكتبة الجندي، ص140.

([13])    إحياء علوم الدين: 4/279 ـ 280.

([14])    القسطاس المستقيم، تحقيق فيكتور شلحت، ط2، بيروت: دار المشرق، ص90، 91.

([15])    المرجع السابق .

([16])    إحياء علوم الدين: 4/51.

([17])    المنقذ من الضلال، ص81.

([18])    إحياء علوم الدين: 3/53.

([19])    مسلم ، الجامع الصحيح، القاهرة: دار الكتاب المصري، بيروت: دار الكتاب اللبناني(كتاب البر والصلة والآداب)، 4/1996، رقم 4675.

([20])    إحياء علوم الدين: 3/407.

([21])    المرجع السابق : 3/42.

([22])    انظر: على سبيل المثال: إحياء علوم الدين: 3/396.

([23])    ابن منظور، لسان العرب 9/236، رقم 5774.

([24])    المرجع السابق : 5/232، رقم 3288.

([25])    إحياء علوم الدين: 2/335.

([26])    انظر: إحياء علوم الدين: 2/307 ـ 357، والأربعين في أصول الدين، الجزائر: شركة الشهاب 65 ـ 68.

([27])    ابن منظور، لسان العرب 1/310، رقم: 341.

([28])    عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة، ص174.

([29])    المرجع السابق : ص120.

([30])    إحياء علوم الدين: 2/339.

([31])    المرجع السابق : 2/341.

([32])    المرجع السابق 2/315.

([33])    إن جاز أن يكون هناك خلاف بين المصطلحات الثلاثة فهو لا يتعدى المعاني اللفظية لها دون أن يكون له أثر في المصطلح عليه، وذلك لأن لفظ (الإصلاح الاجتماعي) يدل على الغاية من العمل الإصلاحي، وهو حصول الصلاح في المجتمع، أما (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فيتعرض إلى تفاصيل الإصلاح المراد تنفيذه في المجتمع، وأما مصطلح (الحسبة) فيتعرض إلى الغاية الشخصية للمحتسب من وراء عمله الإصلاحي.

([34])    إحياء علوم الدين: 2/315.

([35])    محمد أبو زهرة، الغزالي الفقيه (ضمن : مهرجان الغزالي)، ص 527.

([36])    إحياء علوم الدين: 3/64.

([37])    رسالة أيها الولد (ضمن القصور العوالي) ص192.

([38])    العموم في أصول الفقه هو شمول الحكم لكل فرد من أفراد الحقيقة، والعام هو اللفظ الموضوع لمعنى كلي بشرط شمول الحكم لكل فرد من أفراده، انظر المستصفى من علم الأصول، ط2، بيروت: دار الكتب العلمية، 2/32 ـ 34.

([39])    الجامع الصحيح (كتاب الإيمان) 1/50 رقم 70.

([40])    المستصفى من علم الأصول، ط2، بيروت: دار الكتب العلمية 2/61، وانظر: ابن جزي، تقريب الوصول إلى علم الأصول، ط1، الجزائر: دار التراث الإسلامي 1410ه ، ص75.

([41])    إحياء علوم الدين: 2/320.

([42])    يعتبر الغزالي الإجماع من أقوى الأدلة الشرعية، فيه يعرف ثبوت النص وبه تحدد دلالته، ولذلك لا يجوز خلافه، انظر: المستصفى، ط2، 1/198.

([43])    إحياء علوم الدين: 2/315.

([44])    المرجع السابق : 2/320.

([45])    المستصفى 1/157.

([46])    المرجع السابق : 1/158.

([47])    أحمد، المسند، بيروت: دار الفكر 3/313.

([48])    الإحياء 2/320.

([49])    هو أبو عبد الله من كبار علماء التابعين وصالحيهم له حكم ومواقف كثيرة، منها موقفه البطولي مع الحجاج، استشهد سنة 94ه، انظر: ابن الجوزي، صفة الصفوة، بيروت: دار الجيل 2/50.

([50])    إحياء علوم الدين: 2/314.

([51])    المرجع السابق : 2/320.

([52])    المرجع السابق .

([53])    المرجع السابق .

([54])    المرجع السابق 2/313.

([55])    البخاري، الجامع الصحيح، المطبعة السلطانية،(كتاب التفسير)، 6/179، رقم 3062، ومسلم، (كتاب الإيمان)، 1/105، رقم 178.

([56])    عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة ص180.

([57])    إحياء علوم الدين: 2/315.

([58])    المرجع السابق .

([59])    المرجع السابق .

([60])    المرجع السابق : 2/333.

([61])    المرجع السابق .

([62])    المرجع السابق : 2/321.

([63])    المرجع السابق 2/319.

([64])    المرجع السابق :2/323.

([65])    المرجع السابق 2/323.

([66])    المرجع السابق : 2/319.

([67])    المرجع السابق .

([68])    المرجع السابق .

([69])    المرجع السابق 2/319.

([70])    المرجع السابق .

([71])   الترمذي، السنن، ط1، بيروت دار الكتب العلمية، (كتاب الفتن)، رقم 2100.

([72])    شروط التكليف التي نص عليها الفقهاء هي: العقل والبلوغ وحضور الذهن وعدم الإكراه والإسلام أو بلوغ الدعوة، انظر : المستصفى 1/83 وما بعدها.

([73])    إحياء علوم الدين: 2/327.

([74])    المرجع السابق : 2/324.

([75])    المرجع السابق 2/328.

([76])    المرجع السابق 2/318،317 (بتصرف).

([77])    المرجع السابق 2/318.

([78])    إحياء علوم الدين: 2/318.

([79])    د. محمد عبد المعز نصر، فلسفة السياسة عن الغزالي، (ضمن مهرجان الغزالي)، ص428.

([80])    إحياء علوم الدين: 2/342.

([81])    المرجع السابق 3/45.

([82])    المرجع السابق .

([83])    انظر: ابن هشام، السيرة النبوية، القاهرة: مطبعة بولاق 2/31 ـ 32.

([84])    إحياء علوم الدين: 4/55.

([85])    معراج السالكين (ضمن الرسائل الفرائد) ص222.

([86])    فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة (ضمن القصور العوالي) ص160.

([87])    الاقتصاد في الإعتقاد، تحقيق عادل الغوا، ط1، بيروت: دار الأمانة، 1388ه، ص76،75.

([88])    القسطاس المستقيم ص85.

([89])    المرجع السابق .

([90])    إلجام العوام عن علم الكلام ص63.

([91])    القسطاس المستقيم ص86.

([92])    المرجع السابق .

([93])    المرجع السابق .

([94])    إلجام العوام عن علم الكلام ص53.

([95])  .القسطاس المستقيم ص87

([96])    المرجع السابق .

([97])    المرجع السابق ص85.

([98])    استمد الصوفية، ومن بينهم الغزالي هذا المصطلح من قوله عن الخضر عليه السلام : ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴾ (الكهف: 65)، فهم يعتبرون الخضر عليه السلام غير موحى إليه، وإنما حصلت له تلك العلوم بالتعليم الرباني، انظر: الرسالة اللدنية ص117.

([99])    الرسالة اللدنية (ضمن القصور العوالي) ص118.

([100])    بقيت مجموعة من هذه الرسائل ولكن الكثير من الباحثين يشكك في صحة نسبتها إلى الغزالي لاحتوائها على بعض المسائل التي أنكرها أو رد عليها كالقول بقدم العالم، ونفي العالم القديم بالجزئيات ، وقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح وأيده السبكي (انظر: السبكي، الطبقات الكبرى،4/132)، ولذلك فإن الرسائل التي بين أيدينا والمسماة (المضنون به على غير أهله) لا تحتوي على أي إشارة لذلك، بل تتحدث عن الربوبية والملائكة والروح والمعجزات وغيرها، (انظر: المضنون به على غير أهله،(ضمن القصور العوالي)، ص302 ـ 362).

([101])    جواهر القرآن ص43.

([102])    المرجع السابق .

([103])    إحياء علوم الدين: 1/58.

([104])    ابن ماجة، السنن، القاهرة: دار الكتاب المصري، بيروت: دار الكتاب اللبناني، (المقدمة)،ص1/93. رقم 261.

([105])    إحياء علوم الدين: 1/58.

([106])    المرجع السابق 1/100.

([107])    المرجع السابق .

([108])    المرجع السابق 1/101.

([109])    القسطاس المستقيم ص90.

([110])    المرجع السابق ص90،89.

([111])    المرجع السابق ص42.

([112])    المغافصة: هي الأخذ على غرة، انظر: ابن منظور، لسان العرب 7/61، رقم 4424.

([113])    القسطاس المستقيم ص41.

([114])    تعبير شائع في اللغة العربية يقصد به: أفضيت بأمري كله، انظر: ابن منظور، لسان العرب، 4/39 رقم:2637.

([115])   القسطاس المستقيم ص101 .

([116])    الاقتصاد في الاعتقاد ص77.

([117])    القسطاس المستقيم ص90.

([118])    المرجع السابق .

([119])    ابن طفيل، حي بن يقظان، تحقيق جميل صليبا وكامل عباد، دمشق: مطبعة جامعة دمشق،1962، ص14، وهو ما اختاره الكثير من الباحثين المتأخرين متأثرين في ذلك برأي د.سليمان دنيا في كتابه الحقيقة في نظر الغزالي، حيث يقول: (لقد فهمت الغزالي باحثا يشرف على الناس من عل، فيراهم مختلفين في الإستعداد والمدارك، ويرى أن ما يليق بواحد منهم أو بجماعة قد لا يليق بالآخرين، فيقدم لكل منهم ما يليق به)، انظر: د. سليمان دنيا، الحقيقة في نظر الغزالي،ط4، القاهرة: دار المعارف ص89.

([120])    ذكر الغزالي لهذا المصطلح ثلاث مدلولات هي:  ـ الحسن ما وافق غرض الفاعل، والقبيح ما خالفه – الحسن ماحسنه الشرع والقبيح ما نهى عنه – الحسن ما أباحه الشرع والقبيح ما نهى عنه، انظر: المستصفى 1/56.

([121])    إحياء علوم الدين: 2/325.

([122])    يريد الغزالي بهذا المصطلح ما تجده النفس من اقتران بين الأشياء، كنفرة من نهشته حية عن الحبل المبرقش اللون لتذكره عند رؤيته الأذى الذي عرض له، انظر: المستصفى 1/59.

([123])    إيقاف بافلوف (1849 ـ 1936)، عالم بيولوجي روسي نال جائزة نوبل سنة 1904م لأبحاثه في الغدد الهضمية، انظر: منير البعلبكي، معجم أعلام المورد، بيروت: دار العلم للملايين، ص91

([124])    د. فائز الحاج، نظرية سبق الوهم إلى العكس، د.ت،د،ط، ص355.

([125])     إحياء علوم الدين: 2/324.

([126])    المرجع السابق .

([127])    المرجع السابق .

([128])    المرجع السابق .

([129])    المرجع السابق .

([130])    عرفه الأصوليون بأنه: جسم مادة الفساد بقطع وسائله، والذرائع هي الوسائل، وهي إما معتبرة إجماعا كسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله، أو غير معتبرة إجماعا كالمنع من الشركة في سكنى الدار مخافة الزنا، أو مختلف فيه كبيوع الإجال، انظر: محمد بن علي الشوكاني. إرشاد الفحول في تحقيق الحق من علم الأصول، بيروت: دار المعرفة، 1399ه،1979م، ص246 ـ 247. و ابن جزي، تقريب الوصول إلى علم الأصول ص149.

([131])    إحياء علوم الدين: 2/325.

([132])    المرجع السابق .

([133])    المرجع السابق .

([134])    المرجع السابق .

([135])    المستصفى من علم الأصول 2/364.

([136])    المرجع السابق 2/367.

([137])    المرجع السابق 2/374.

([138])    المرجع السابق 2/375،374.

([139])    المرجع السابق 2/367.

([140])    المرجع السابق .

([141])    المرجع السابق 2/374.

([142])    المستصفى 2/375.

([143])    هو أبو المواهب عبد الوهاب الشعراني (ت973هـ)، فقيه شافعي، وقف جهده على التصوف، له (الجواهر والدرر الكبرى) و(لوقح الأنوار) وغيرها من الكتب في الحديث والتصوف والفقه وقد تبع الشعراني الغزالي في قوله بأن كل مجتهد في الفروع مصيب. بل حاول أن يطبقه على جميع الفروع الفقهية في كتابه العظيم (ميزان مذاهب الأئمة الأربعة)، يقول عن هذا الميزان:(وصاحب الذوق لهذا الميزان يرى جميع مذاهب الأئمة المجتهدين وأقوال مقلديهم كأنها شريعة واحدة لشخص واحد، لكنها ذات مرتبتين كل من عمل بمرتبة منها بشرطها أصاب)(عبد الوهاب الشعراني ،ميزان مذاهب الأئمة الأربعة، مخطوط بمكتبة الأستاذ عمر محمد عبد الكريم بأولاد جلال، ص12)

([144])    عبد الوهاب الشعراني، كشف الغمة عن جميع الأمة،ط1/ مصر: مكتبة المشهد الحسيني 1/8.

([145])    إحياء علوم الدين:  2/327.

([146])    المرجع السابق .

([147])    المرجع السابق 2/339.

([148])    المرجع السابق .

([149])    المرجع السابق 3/384.

([150])    المرجع السابق 4/143.

([151])    المرجع السابق 3/400 ـ 402.

([152])    المرجع السابق 2/342.

([153])    المرجع السابق : 2/329.

([154])    المرجع السابق .

([155])    المرجع السابق 2/330.

([156])    معيار العلم،ط2 بيروت : دار الأندلس 1978، ص25.

([157])    إحياء علوم الدين:1/35 .

([158])    المرجع السابق .

([159])    المرجع السابق 4/53.

([160])   إحياء علوم الدين: 4/55 .

([161])    المرجع السابق .

([162])    رسالة (أيها الولد)،(ضمن القصور العوالي)، ص139.

([163])    المرجع السابق  2/331،330.

([164])    إحياء علوم الدين: 2/331.

([165])    المرجع السابق .

([166])    المرجع السابق 2/332.

([167])    المرجع السابق .

([168])    المرجع السابق .

([169])    إحياء علوم الدين:  2/333.

([170])    المرجع السابق .

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *