الفصل الثاني: حق الزوج في حل عصمة الزوجية

الفصل الثاني

حق الزوج في حل عصمة الزوجية

نتناول في هذا الفصل الركن الأول من أركان الطلاق، وهو من يوقع الطلاق، ومن يصح منه، وهو من أهم أركان هذا النوع من التفريق، باعتبار الطلاق هو الحق الذي جعله الله للرجل لحل العصمة الزوجية، فلذلك كان من اللازم وضع ضوابط لهذا الذي أنيط بلسانه وتصرفاته استمرار الحياة الزوجية أو انقطاعها.

وهذه الضوابط تستدعي معرفة الشروط التي يتأهل بها المطلق لأن يقوم بالتطليق، والنظر في الأحوال التي يمر بها المطلق وتأثيرها في إيقاع الطلاق أو عدم تأثيرها، وأخيرا فيما لو جعل المطلق الأمر لغيره.

وقد خصصنا لكل واحد من هذه الثلاثة مبحثا خاصا، والذي دعانا إلى هذا هو ضرورة الضبط الذي تستدعيه القسمة العقلية، لأن المطلق إما أن يطلق بنفسه أو يوكل غيره للتطليق، ثم هو في حال تطليقه بنفسه إما أن يكون أهلا للتطليق أو غير أهل، فإن كان أهلا، فإما أن يكون بحالة معتدلة أو بحالة قد تشوش عليه أهليته، وبذلك تنضبط هذه القسمة مع ما ذكرنا.

أولا ـ أهلية المطلق لإيقاع الطلاق وضوابطها الشرعية

أما عن أهلية المطلق فتتحقق بتوفر الشروط التالية مع اختلاف بين الفقهاء في اعتبارها أو في اعتبار تفاصيل بعضها:

1 ـ الذكورة

اتفق الفقهاء على أن من شروط المطلق أن يكون ذكرا، ومن الأدلة على ذلك أن كل النصوص الشرعية أسندته إلى الرجل، ومن ذلك قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (الطلاق: 1)، وقوله تعالى:{ لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} (البقرة: 236)، وقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} (الأحزاب: 49)، وقوله تعالى:{ وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا} (النساء: 20)

ومن السنة الأحاديث الكثيرة، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن عمر: طلق زوجتك، وقوله مرة أخرى: مره فليراجعها، ثم يطلقها([1]).

وقد دلت هذه النصوص بهذا على قصر الطلاق بيد الرجل، وقد ذكرنا أن للمرأة حقها في التفريق إذا أرادت ذلك، أو توفرت الأسباب الداعية لذلك.

2 ـ العقل

لأن الطلاق من الأفعال التي تحتاج إلى التمييز والنظر، ويخالفها كل ما يتناقض مع ذلك، ولذلك وقع الإجماع على عدم صحة طلاق غير العاقل، ولكن مع ذلك قد يختلف الناس في تفسير العقل والجنون، فلذلك فصل الفقهاء في أحكام زوال العقل وأنواعه حتى ينضبط بالضوابط الشرعية، وفيما يلي تفصيل لأحكام طلاق المجنون وأنواعه.

أ ـ تعريف الجنون وأنواعه:

تعريف الجنون:

عرفه الفقهاء والأصوليون بعبارات مختلفة منها([2]):

1 ـ هو اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلا نادرا.

2 ـ هو اختلال القوة المميزة بين الأشياء الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب بأن لا تظهر آثارها، وأن تتعطل أفعالها.

3 ـ هو اختلال القوة التي بها إدراك الكليات.

أنواع الجنون:

قسم الفقهاء الجنون باعتبارين مختلفين:

باعتبار الأصالة والعروض: فالجنون إما أن يكون أصليا، إما لنقصان جبل عليه دماغه في أصل الخلقة، وإما لخروج مزاج الدماغ عن الاعتدال بسبب خلط أو آفة، وإما لاستيلاء الشيطان عليه، وإلقاء الخيالات الفاسدة إليه بحيث يفرح، ويفزع من غير ما يصلح سببا([3])، وهذا النوع مما لا يرجى زواله.

وإما أن يكون عارضا، وهو ما إذا زال الاعتدال الحاصل للدماغ خلقة إلى رطوبة مفرطة، أو يبوسة متناهية، وهذا النوع مما يرجى زواله بالعلاج بما خلق الله تعالى من الأدوية.

باعتبار الاستمرار والطروء: والجنون بهذا التقسيم إما أن يكون مطبقا أو غير مطبق، فالمطبق هو الملازم الممتد، والامتداد ليس له ضابط عام بل يختلف باختلاف الأحوال([4])، وغير المطبق، وهو الطارئ الذي لا يستقر، وهذا النوع من الجنون لا يمنع أصل التكليف.

ب ـ حكم طلاق المجنون:

اتفق الفقهاء على عدم صحة طلاق المجنون والمعتوه لفقدان أهلية الأداء في الأول، ونقصانها في الثاني، فألحقوهما بالصغير غير البالغ، فلم يقع طلاقهما، وقد نقل الإجماع على ذلك، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق) ([5])

2 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل الطلاق جائز، إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله) ([6])، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز إلا أن يكون معتوها يفيق الأحيان فيطلق في حال إفاقته.

3 ـ أنه قول يزيل الملك، فاعتبر له العقل، كالبيع.

وهذا في الجنون الدائم المطبق، أما الجنون المتقطع، فإن حكم طلاق المبتلى به منوط بحاله عند الطلاق، فإن طلق وهو مجنون لم يقع، وإن طلق في إفاقته وقع لكمال أهليته، قال الشافعي:(ولا يجوز طلاق الصبي حتى يستكمل خمس عشرة أو يحتلم قبلها، ولا طلاق المعتوه، ولا طلاق المجنون الذي يجن ويفيق إذا طلق في حال جنونه وإن طلق في حال صحته جاز)([7])

ج ـ ما يلحق بالمجنون:

ألحق الفقهاء بالمجنون النائم، والمغمى عليه، والمبرسم، والمدهوش، وذلك لانعدام أهلية الأداء لديهم، قال الزيلعي:(لو أن الصبي والمجنون طلق امرأته لم يقع طلاقه، وكذا المغمى عليه والمبرسم والمدهوش والنائم والمعتقل والذي شرب الدواء مثل البنج ونحوه فتغير عقله إذا طلق واحد من هؤلاء زوجته لم يقع طلاقه([8]).

3 ـ البلوغ

حكم طلاق الصغير:

تنقسم مراحل الصغر في عرف الفقهاء إلى مرحلتين:

مرحلة عدم التمييز: وتبدأ هذه المرحلة منذ الولادة إلى التمييز، وقد اتفق الفقهاء على أن الصبي في هذه المرحلة لا يقع طلاقه([9]) لأنه لا يعقل.

مرحلة التمييز: وتبدأ هذه المرحلة منذ قدرة الصغير على التمييز بين الأشياء، أي أن يكون له إدراك يفرق به بين النفع والضرر، وليس للتمييز سنا معينة يعرف بها، ولكن تدل على التمييز أمارات التفتح والنضوج، فقد يصل الطفل إلى مرحلة التمييز في سن مبكرة، وقد يتأخر إلى ما قبل البلوغ، وتنتهي هذه المرحلة بالبلوغ.

وقد اختلف الفقهاء في حكم الصغير في هذه المرحلة إذا عقل الصبي المميز الطلاق، وعلم أن زوجته تبين به، وتحرم عليه، هل يقع طلاقه أم لا على قولين:

القول الأول: أن طلاق المميز([10]) يقع، وقد روي ذلك عن سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، والشعبي، وإسحاق، وهو رواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(الطلاق لمن أخذ بالساق) ([11])، والحديث في الأصل ورد في طلاق العبد كما روى ابن عباس قال: أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال: يا رسول الله سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها، قال فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فقال: يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)، وهو يدل بإطلاقه على أن الطلاق بيد الزوج أي كان، فيدخل فيه الصبي المميز.

2 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله) ([12])

3 ـ أنه طلاق من عاقل صادف محل الطلاق، فوقع كطلاق البالغ.

القول الثاني: أن طلاقه لا يقع حتى يحتلم، وهو قول النخعي، والزهري، ومالك، وحماد، والثوري، وأبي عبيد، والشافعي، ورواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى:{ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(النور:59)،ويقول الله تعالى:{ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ }(النساء:6) وقد استدل الشافعي بهاتين الآيتين على اشتراط البلوغ([13])، وهما واضحتان في الدلالة على ذلك.

2 ـ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجاز ابن عمر في القتال وهو ابن خمس عشرة ورده ابن أربع عشرة.

3 ـ قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) ([14])

4 ـ أنه غير مكلف، فلم يقع طلاقه كالمجنون.

الترجيح:

ذكرنا في الفصول الماضية استحباب تأخير الزواج إلى ما بعد البلوغ، بل إلى الفترة التي ينضج فيها العقل ويستقر، لكن إن تم الزواج، فإن إيقاع الطلاق يبقى متوقفا على تمام العقل بالبلوغ.

إجازة البالغ طلاقه في فترة الصبى:

اتفق الفقهاء على أنه لو كان للصبي امرأة فطلقها في حال صباه أو طلقها وكيل عنه([15])، فإنه لا عبرة بهذا التطليق، ولو أجازه الصبي بعد ما كبر؛ لأنه لا مجيز لهذا التصرف عند وقوعه، ولأن ثبوت الولاية عليه لتوفير المنفعة له لا للإضرار به.

أما إذا قال حين كبر قد أوقعت عليها الطلاق الذي أوقع عليها فلان، فإنه يقع الطلاق بذلك؛ لأن هذا اللفظ إيقاع مستقبل، ولأنه يملك الإيقاع ابتداء بهذا اللفظ فيكون إضافته إلى غيره أوقع، وهذا بخلاف الإجازة منه،لأن الإجازة تقيد للتصرف الذي باشره فلان([16]).

ثانيا ـ أحوال المطلق وأحكامها

1 ـ الإكراه

وهو حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه، ولا يختار مباشرته لو خلي ونفسه، فيكون معدما للرضى لا للاختيار([17])، فالفعل يصدر عن المكره باختياره لكنه يصدر مستندا إلى اختيار آخر([18]).

وقد قسم الإكراه تقسيمات مختلفة وباعتبارات مختلفة، ومما نحتاج إلى معرفته هنا تقسيمه بحسب موجبه، فقد قسم إلى قسمين:

الإكراه بحق: وهو الإكراه المشروع الذي لا ظلم فيه ولا إثم، وهو ما توافر فيه أمران:

أن يحق للمكره التهديد بما هدد به، باعتباره وليا لأمر كلف به شرعا، مثل القاضي أو من ينوب عنه.

أن يكون المكره عليه مما يحق للمكره الإلزام به.

الإكراه بغير حق: وهو الإكراه ظلما، أو الإكراه المحرم، لتحريم وسيلته، أو لتحريم المطلوب به.

حكم طلاق المكره:

اتفق الفقهاء([19]) على أن النوع الأول من الإكراه، وهو الإكراه بحق لا يقع به الطلاق، لأنه إكراه بحق، ولمصلحة الزوجة، ومن ولي الأمر، وسنرى أحكامه وأنواعه في الفصل الخاص بحل العصمة الزوجية بيد القضاء.

أما الإكراه بغير حق كمن أكره على الطلاق ظلما، فقد اختلف الفقهاء هل يقع طلاقه أم لا؟ على قولين([20]):

القول الأول: أن طلاق المكره لا يقع، وقد روي ذلك عن مالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق وأبو ثور، وأبو عبيد وأحمد، وهو قول الظاهرية، واستدلوا على ذلك بما يلي([21]):

1 ـ دلالة القرآن الكريم على عدم اعتبار الإكراه في كثير من الأمور هي أعظم من الطلاق، فلم يعتبر الإكراه في الكفر، كما قال تعالى:{ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم}(النحل:106)، ولذلك احتج عطاء بالآية، وقال: الشرك أعظم من الطلاق([22])

2 ـ ولم يعتبر تعالى الإكراه على الإيمان، كما قال تعالى:{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ }(البقرة:256)، ولم يعتبر الإكراه على الزنا،فقال تعالى:{ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(النور:33) فكيف يعتبر الإكراه على الطلاق، وهو أدنى منها جميعا.

3 ـ دلالة السنة العامة على عدم اعتبار تصرفات المكره، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) ([23])، قال ابن حجر: (إنه سوى بين الثلاثة في التجاوز فمن حمل التجاوز على رفع الإثم خاصة دون الوقوع في الإكراه لزم أن يقول مثل ذلك في النسيان)([24])

4 ـ الدلالة الخاصة من السنة على عدم وقوع طلاقه، فعن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول (لا طلاق في إغلاق) ([25])، وهذا الحديث هو حديث هذا الباب، فلذلك سنرى الوجوه الكثيرة للاستدلال به، فقد فسره علماء الغريب بالإكراه وهو قول ابن قتيبة والخطابي وابن السيد وغيرهم، وفسروه بالجنون واستبعده المطرزي وفسروه بالغضب، وقال أبو عبيد الإغلاق التضيق، وقال أبو بكر: سألت ابن دريد وأبا طاهر النحويين، فقالا: يريد الإكراه؛ لأنه إذا أكره انغلق عليه رأيه([26]).

5 ـ الآثار الكثيرة الواردة عن السلف والدالة على عدم وقوع طلاق المكره([27])، ومنها ما روي عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: قالت امرأة لزوجها: سمني؟ فسماها الظبية، قالت: ما قلت شيئا؟ قال: فهات ما أسميك به؟ قالت: سمني خلية طالق، قال: فأنت خلية طالق، فأتت عمر، فقالت: إن زوجي طلقني؟ فجاء زوجها فقص عليه القصة؟ فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها.. وروي أن علي بن أبي طالب كان لا يجيز طلاق المكره، وعن ثابت الأعرج، قال: سألت ابن عمر، وابن الزبير عن طلاق المكره فقالا جميعا: ليس بشيء، وعن ابن عباس قال: ليس لمكره ولا لمضطر طلاق، قال ابن حزم بعد إيراده الآثار الواردة عن الصحابة في ذلك:(فهو قول من ذكر من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعا)([28])

القول الثاني: أن طلاق المكره يقع، وهو قول أبي قلابة، والشعبي، والنخعي، والزهري والثوري، وأبي حنيفة وصاحبيه([29])، واستدلوا على ذلك بما يلي([30]):

1 ـ من السنة، ذكر ابن الجوزي أن أصحاب هذا القول استدلوا بثلاثة أحاديث هي([31]): قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة) ([32])، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب عليه)([33])، وما رووه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا كان نائما مع امرأته فقامت فأخذت سكينا، وجلست على صدره ووضعت السكين على حلقه وقالت له طلقني أو لأذبحنك، فناشدها الله فأبت، فطلقها ثلاثا فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال (لا قيلولة في الطلاق)([34])

2 ـ واستدل له الطحاوي بحديث عام، وهو ما روي عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي فأخذنا كفار قريش، فقالوا إنكم تريدون محمدا فقلنا: ما نريد إلا المدينة فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه فأتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرناه فقال: انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله تعالى عليهم)([35])، قال: فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن اليمين على الإكراه تلزم كما تلزم على الطواعية.

3 ـ أن الحديث الذي استدل به المخالفون وهو (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) لا يدل على الإكراه، وقد أوله الطحاوي بقوله:(ثم تأملنا هذا الحديث لنقف على المراد به ما هو؟ فكان أحسن ما حضرنا فيه – والله أعلم – أن الإغلاق هو الإطباق على الشيء فاحتمل بذلك عندنا أن يكون في هذا الحديث أريد به الإجبار الذي يغلق على المعتق، وعلى المطلق حتى يكون منه العتاق والطلاق على غير اختيار منه لهما ولا يكون في العتاق مثابا كما يثاب سائر المعتقين الذين يريدون بعتاقهم الله على عتاقهم، وكالمطلقين الذين تلحقهم الذنوب في طلاقهم الذين يضعونه في غير موضعه، والذين يوقعون من عدده أكثر مما أبيح لهم أن يوقعوه منه وموضعه الذي أمروا أن يضعوه فيه هو الطهر قبل المسيس والعدد الذي أمروا به هو الواحدة لا ما فوقها) ([36])

4 ـ أن حديث رفع الحرج عن المكره لا يدخل فيه الطلاق، وإنما المراد منه الإكراه على الكفر (لأن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، وكان الإكراه على الكفر ظاهرا يومئذ وكان يجري على ألسنتهم كلمات الكفر خطأ وسهوا، فعفا الله تعالى عن ذلك عن هذه الأمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([37])

5 ـ الآثار الواردة عن السلف في ذلك، ومنها ما رووا أن امرأة سلت سيفا فوضعته على بطن زوجها وقالت:والله لأنفذنك، أو لتطلقني، فطلقها ثلاثا، فرفع ذلك إلى عمر فأمضى طلاقها، وعن ابن عمر أنه سأله رجل فقال له: أنه وطىء فلان على رجلي حتى أطلق امرأتي، فطلقتها فكره له الرجوع إليها([38])، وعن علي بن أبي طالب أنه قال:(كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه)، وروي عن ابن عمر أنه أجاز طلاق المكره، وعن الشعبي والنخعي والزهري وقتادة وأبي قلابة أنهم أجازوه، وعن سعيد بن جبير أنه بلغه قول الحسن ليس طلاق المكره بشيء فقال: يرحمه الله إنما كان أهل الشرك يكرهون الرجل على الكفر والطلاق، فذلك الذي ليس بشيء، وأما ما صنع أهل الإسلام بينهم فهو جائز([39]).

6 ـ أنه طلاق من مكلف، في محل يملكه، فينفذ، كطلاق غير المكره، بالإضافة إلى أن الفائت بالإكراه ليس إلا الرضا، وهو ليس بشرط لوقوع الطلاق، فإن طلاق الهازل واقع وليس براض به طبعا، وكذلك الرجل قد يطلق امرأته الفائقة حسنا وجمالا الرائقة تغنجا ودلالا لخلل في دينها، وإن كان لا يرضى به طبعا ويقع الطلاق عليها.

7 ـ أن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما يعمل على الاعتقادات؛ لأن أحدا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جبرا فكان كل متكلم مختارا فيما يتكلم به فلا يكون مستكرها عليه حقيقة.

8 ـ أنه قاصد دفع الهلاك عن نفسه، ولا يندفع عنه إلا بالقصد إلى ما وضع له، فكان قاصدا إليه ضرورة([40]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول بعدم وقوع طلاق المكره، وهو ما دلت عليه الأدلة، وما تقتضيه المصلحة الشرعية، بل إن في ذلك سدا لذريعة الإكراه نفسها، وحماية للمسلمين أن تسلب زوجاتهم بأي طريق، لأن من اعتقد جدوى إكراه رجل ما على التلفظ بألفاظ الطلاق يغريه ذلك بإكراهه بخلاف ما لو سد عليه الباب، فإنه لا يفكر فيه مطلقا.

فلذلك كان في إيقاع طلاق المكره من المضار والمفاسد ما لا يحصى، وأخطرها هو الإغراء بالإكراه نفسه، لأن الرجل من المسلمين قد يكون ظالما مفسدا، ولكنه في هذا الميدان يخاف أن يتزوج زوجة رجل لم تخرج من ذمته، فإذا قيل لهذا إن تهديدك لفلان وجبرك على تطليق زوجته يجعلها طالقا ويبيحها لك لن يحجزه عن الإكراه حاجز.

ثم كيف ترد النصوص الكثيرة التي ذكرناها والأدلة العامة التي تتناول جميع الأحكام الشرعية وتنضبط معها لأحاديث ضعيفة لا تصح وأقيسة لا تنهض للاحتجاج بها على ما هو دون هذا فمن الغريب أن يستدل الحنفية بقولهم:(طلاق المكره يلزم لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا، وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل)، فكيف يعتبر عدم الرضا لا غيا، ولماذا يقاس عل الهازل([41]) ولا يقاس على غيره مما هو أشبه به؟

شروط الإكراه المؤثر

ذكر الفقهاء الكثير من الشروط المعتبرة في الإكراه المؤثر، وسنقتصر منها هنا على ما يتعلق منها بالإكراه في الطلاق فقط، وهذه الشروط هي:

1 ـ قدرة المكره وخوف المكره:

وهو قدرة المكره (بالكسر) على إيقاع ما هدد به، لكونه متغلبا ذا سطوة وبطش وإن لم يكن سلطانا ولا أميرا، لأن تهديد غير القادر لا اعتبار له، وخوف المكره (بفتح الراء) من إيقاع ما هدد به([42])، وقد اتفق الفقهاء على اعتبار هذا الشرط في تحقق الإكراه إذا كان المخوف عاجلا، أما إن كان آجلا، فقد اختلفوا فيه على قولين:

القول الأول: تحقق الإكراه مع التأجيل، وهو قول المالكية والحنابلة والأذرعي من الشافعية.

القول الثاني: أن الإكراه لا يتحقق مع التأجيل، ولو إلى الغد، وهو قول الشافعية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اعتبار الإكراه ولو مع تأجيل المكره عقوبته، لأن الدافع للطلاق ليس قصد الطلاق والرغبة فيه، وإنما التأثير الخارجي، فللتأثير الخارجي أثره بغض النظر عن كونه عاجلا أم آجلا، فالعبرة ليست بهما، وإنما بنوع الإكراه، فقد يكون إكراها بسيطا عاجلا، فلا يعتبر، وقد يكون إكراها خطيرا آجلا، فيؤثر ويقع.

2 ـ شدة الضرر المتوقع من المكره:

مثل كون ما هدد به قتلا أو إتلاف عضو، ولو بإذهاب قوته مع بقائه كإذهاب البصر، أو القدرة على البطش أو المشي مع بقاء أعضائها، أو غيرهما مما يوجب غما يعدم الرضا، أما التهديد بما يمكن تحمله كالجوع، فيتراوح بين هذا وذاك، فلا يصير ملجئا إلا إذا بلغ الجوع بالمكره (بالفتح) حد خوف الهلاك.

ثم الذي يوجب غما يعدم الرضا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فليس العامة من الناس كالخاصة، ولا الضعاف كالأقوياء، ولا تفويت المال اليسير كتفويت المال الكثير، والنظر في ذلك مفوض إلى الحاكم، يقدر لكل واقعة قدرها.

3 ـ عدم الرضا بما أكره عليه:

وهو أن يكون المكره ممتنعا عن الفعل المكره عليه لولا الإكراه، فلا يعتبر إكراه من تكون له رغبة مسبقة في التطليق، فيطلق لرغبته لا لكونه مكرها.

4 ـ تعين الفعل المكره عليه:

وهو أن يكون محل الفعل المكره عليه متعينا، ومثال عدم التعيين من أكره على طلاق إحدى زوجتيه، فطلقهما جميعا، وقد اختلف الفقهاء في هذا بناء على اعتبار هذا الشرط أو عدم اعتباره على قولين:

القول الأول: اعتبار هذا الشرط على الإطلاق، وهو قول الشافعية وبعض الحنابلة.

القول الثاني: عدم اعتبار هذا الشرط، فيتحقق الإكراه برغم هذا التخيير، وهو قول الحنفية والمالكية، وبعض الشافعية والحنابلة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى قصده من طلاق من لم يكره على طلاقها، فإن كان قاصدا لطلاقها طلقت منه، وإن لم يكن قاصدا بل أغلق الخوف عليه عقله، فلم يدر ما يقول لم تطلق منه.

5 ـ سلب الخيار من المكره:

وذلك بألا يكون للمكره مندوحة عن الفعل المكره عليه، فإن كانت له مندوحة عنه، ثم فعله لا يكون مكرها عليه، وعلى هذا لو خير المكره بين أمرين فإن الحكم يختلف تبعا لتساوي هذين الأمرين أو تفاوتهما من حيث الحرمة والحل.

فإن تفاوت الأمران المخير بينهما، وكان أحدهما محرما لا يرخص فيه ولا يباح بحال كالزنى والقتل، فإنه لا يكون مندوحة، ويكون الإكراه واقعا على المقابل له.

وقد اختلف الفقهاء فيما لو وقع التخيير بين طلاق امرأته وبيع شيء من ماله، هل يعتبر ذلك إكراها أم لا على قولين:

القول الأول: يترتب حكم الإكراه على فعل أي واحد من الأمرين المخير بينهما، لأن الإكراه ليس إلا على الأحد الدائر دون تفاوت، وهذا لا تعدد فيه، ولا يتحقق إلا في معين.

القول الثاني: لا يترتب حكم الإكراه في هذه الصور، وهو قول الشافعية وبعض الحنابلة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، لأن المال محترم شرعا، ولو سلم ماله للمكره ربما لا يستطيع استرجاعه، بخلافه طلاقه لزوجته، فإن طلاقها أمر معنوي بالنسبة له، ولا عبرة له لوقوعه تحت تأثير الإكراه.

2 ـ الجهل

اختلف العلماء في تعريف الجهل لتعدد أنواعه واقتصار بعض التعاريف على نوع منه، ولأهمية التعرف على حقيقة الجهل لعلاقتها بهذا المطلب نذكر بعض التعاريف وما نوقشت به([43]):

1 ـ أنه عدم العلم عما من شأنه أن يعلم، ويسمى بسيطا، وقد قيل بأن هذا لا يسمى جهلا، واختاره ابن السمعاني، ومما تعقب به هذا التعريف أنه غير مانع لدخول الظن عند من لا يراه علما، والشك والغفلة.

2 ـ عدم كل علم أو ظن أو شك أو وقف عما من شأنه أن يكون معلوما أو مظنونا أو مشكوكا أو موقوفا فيه ممن شأنه أن يوصف بذلك،وقد ورد هذا التعريف لتصحيح التعريف السابق.

3 ـ أنه الاعتقاد الباطل، وهذا التعريف خاص بالجهل المركب، وقال الآمدي:(اعتقاد المعتقد على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر، ونقض بالنظر المطابق عكسا، فإن الناظر ما لم يكن عالما أو ظانا فهو جاهل؛ لكونه ضدا لهما عنده فيكون الناظر إذن جاهلا مع أن اعتقاده مطابق)

4 ـ أنه اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به، واعترض عليه بأنه يستلزم كون المعدوم شيئا، إذ الجهل يتحقق بالمعدوم كما يتحقق بالموجود، أو كون المعدوم المجهول غير داخل في الحد وكلاهما فاسد.

5 ـ هو صفة تضاد العلم عند احتماله وتصوره، واحترز به عن الأشياء التي لا علم لها فإنها لا توصف بالجهل لعدم تصور العلم فيها.

وأساس الاختلاف في هذه التعاريف هو أن الجهل نوعان:

1 ـ الجهل البسيط، وهو عدم العلم ممن شأنه أن يكون عالما.

2 ـ الجهل المركب، وهو اعتقاد جازم غير مطابق للواقع.

فيجتمع كلاهما في اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، وهو في النوع الأول عدمي يقابل العلم تقابل العدم والملكة. وبالثاني وجودي يقابل العلم تقابل الضدين، والثاني يقال فيه: أخطأ وغلط، ومخاطبته مخاطبة عناد ومخاطبة الأول مخاطبة تعليم.

ويمكن تقسيم طلاق الجاهل بحسب الحكم المترتب عن جهله إلى قسمين:

الجهل الباطل:

وهو الجهل الذي لا يصلح عذرا، وهذا القسم لا يصلح أن يكون عذرا في الآخرة، وإن كان قد يصلح عذرا في أحكام الدنيا، ومن أمثلة هذا الجهل في الطلاق:

المثال الأول: أن يأخذ المطلق بقول من خالف في اجتهاده الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع، أو عمل بالغريب على خلاف الكتاب أو السنة المشهورة، كالقول مثلا بأن الطلاق لا يقع إلا بحكم القاضي، فلا عبرة بهذا الاجتهاد، وصاحبه ليس معذورا فيه.

المثال الثاني: الجهل الناشئ عن عدم سؤال العلماء خشية من الأحكام الشرعية، كمن تلفظ بالطلاق، وخاف إن استفتى العلماء أن يفتوه بوقوعه، فيسكت عن السؤال ويتعلل بالجهل، فهذا الجهل غير معتبر، وقد قال الشافعي في مثل هذا: لو عذر الجاهل لأجل جهله لكان الجهل خيرا من العلم، إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف، ويريح قلبه من ضروب التعنيف، فلا حجة للعبد في جهله بالحكم بعد التبليغ والتمكين؛ { لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } (النساء:165)([44])

المثال الثالث: أن جهل الحكم بالتحريم، وهو مسقط للإثم والحكم في الظاهر لمن يخفى عليه لقرب عهده بالإسلام ونحوه، فإن علمه وجهل المرتب عليه لم يعذر،ومثال هذا في الطلاق من جهل أحكام الطلاق، فطلق زوجته، وجهل الأثر الذي يترتب عليه من ذلك، فإنه معذور في حال الجهل بالطلاق نفسه، غير معذور في حال جهله بالأثر فقط، كما لو جهل تحريم الكلام في الصلاة عذر، ولو علم التحريم وجهل الإبطال بطلت.

الجهل المعتبر:

وهو الجهل الذي يصلح عذرا، وهو الجهل الذي يكون في موضع الاجتهاد الصحيح، بأن لا يكون مخالفا للكتاب أو السنة أو الإجماع، ومن أمثلته المتعلقة بالطلاق:

المثال الأول: الجهل بأحكام الطلاق وصيغه للمسلمين في البلاد البعيدة عن بلاد المسلمين، ولم يتمكن أصحابها من الاتصال بالعلماء أو لم ينتبهوا إلى ذلك، لأن الفقهاء نصوا على أن من مكث في دار الحرب، ولم يعلم أن عليه الصلاة والزكاة وغيرهما ولم يؤدها لا يلزمه قضاؤها لخفاء الدليل في حقه، وهو الخطاب لعدم بلوغه إليه حقيقة بالسماع وتقديرا بالشهرة، فيصير جهله بالخطاب عذرا.

بخلاف من أسلم في دار الإسلام لشيوع الأحكام والتمكن من السؤال، قال السيوطي: (كل من جهل تحريم شيء مما يشترك فيه غالب الناس لم يقبل منه دعوى الجهل إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة يخفى فيها مثل ذلك، كتحريم الزنى، والقتل، والسرقة، والخمر، والكلام في الصلاة، والأكل في الصوم) ([45]).

المثال الثاني: طلاق من جهل معنى الطلاق، فقد نص الفقهاء على أنه لا يقع طلاق من يجهل معنى اللفظ الدال على الطلاق، قال في المغني: إن قال الأعجمي لامرأته أنت طالق ولا يفهم معناه لم تطلق؛ لأنه ليس بمختار للطلاق فلم يقع طلاقه كالمكره، وذلك، لأنه لم يلتزم بمقتضاه، ولم يقصد إليه.

وقد اختلف الفقهاء فيما لو قال الأعجمي: أردت به ما يراد عند أهله، على قولين أصحهما أنه لم يرده، لأن الإرادة لا تتوجه إلا إلى معلوم أو مظنون؛ لأنه إذا لم يعرف معنى اللفظ لم يصح قصده.

وقال الزركشي:(إذا نطق الأعجمي بكلمة كفر، أو إيمان، أو طلاق، أو إعتاق، أو بيع، أو شراء، أو نحوه، ولا يعرف معناه، لا يؤاخذ بشيء منه، لأنه لم يلتزم مقتضاه، وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه العبارة بلفظ أعجمي لا يعرف معناه([46])

ومثل هذا الجهل بالحساب كما لو قال طلقة في طلقتين، وجهل الحساب، ولكن قصد معناه فقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقيل: تقع طلقة وقيل طلقتان.

المثال الثالث: إذا نطق العربي بكلمات عربية لكنه لا يعرف معانيها في الشرع، مثل قوله لزوجته: أنت طالق للسنة أو للبدعة، وهو جاهل بمعنى اللفظ، أو نطق بلفظ الخلع أو النكاح، قال عز الدين بن عبد السلام:(أنه لا يؤاخذ بشيء، إذ لا شعور له بمدلوله حتى يقصده باللفظ. قال: وكثيرا ما يخالع الجهال من الذين لا يعرفون مدلول لفظ الخلع ويحكمون بصحته للجهل بهذه القاعدة) ([47])

وقول العز لو التزم في الفتوى لضيق كثيرا أبواب الطلاق خاصة بين ما يجري من العامة من ألفاظ الطلاق كناية دون إدراك لمدلولوتها.

3 ـ ملحقات الجهل

نقصد بملحقات الجهل في هذا العنوان ما يكون سببا من أسباب الجهلة أو مظهرا من مظاهره أو درجة من درجاته، وقد اقتصرنا على أربع ملحقات هي أهم ما في هذا الباب وسائر ما ذكر في عوارض الأهلية مما يتعلق بالطلاق يندرج تحتها، وهذه الأربعة هي: النسيان والشك والخطأ، والتقليد.

فدرجات العلم مثلا من الظن والشك والوهم يقتصر الفقهاء منها على الشك، ويعبرون به عن الكل، وهكذا في النسيان يعبرون به عن السهو والغفلة والذهول، كما قال الآمدي: إن الذهول والغفلة والنسيان عبارات مختلفة، لكن يقرب أن تكون معانيها متحدة، وكلها مضادة للعلم، بمعنى أنه يستحيل اجتماعها معه.

النسيان

من التعاريف التي عرف بها النسيان وما في معناه([48]):

1 ـ هو عدم الاستحضار للشيء في وقت الحاجة لاستحضاره، وقد شمل هذا التعريف النسيان والسهو، فقد فرقوا بينهما فاعتبروا السهو هو زوال الصورة عن المدركة مع بقائها في الحافظة، بخلاف النسيان، فهو زوالها عنهما معا فيحتاج حينئذ في حصولها إلى سبب جديد([49]).

2 ـ هو عدم ما في الصورة الحاصلة عند العقل عما من شأنه الملاحظة في الجملة، وهو أعم من أن يكون بحيث يتمكن من ملاحظتها أي وقت شاء، ويسمى هذا ذهولا، وسهوا أو يكون بحيث لا يتمكن من ملاحظتها إلا بعد تجشم كسب جديد([50]).

3 ـ النسيان ترك الإنسان ضبط ما استودع على حفظه، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة وإما عن قصد، حتى ينحذف عن قلبه ذكره([51]).

4 ـ السهو غفلة القلب عن الشيء المعلوم فيتنبه له بأدنى تنبيه، بخلاف النسيان فإنه زوال المعلوم، فيستأنف تحصيله، قال في مجمع الأنهر:(لكن الفقهاء لا يفرقون بينهما وكذا لا يفرقون بينه وبين الشك)([52])

وقد اختلفت نظرات الفقهاء في مسائل طلاق الناسي بحسب نوع النسيان، وموضوعه وتعلقه، فلذلك لا نستطيع أن نحصر فيها أقوالا بعينها، فلكل مسألة قولها الخاص، وقد سئل ابن حجر الهيثمي في فتاواه مسألة تتعلق بطلاق الناسي، فأجاب عليها، ثم علق على ذلك بقوله:(ولكثرة اختلاف الناس في هذه المسألة بأطرافها سكت كثيرون عن الترجيح فيها، وامتنع الماوردي وغيره من الإفتاء في ذلك، قال: واستعمال التوقي أولى من زلات الأقدام، ومن يحتاط في دينه لا يفتي في ذلك في زماننا لكثرة الكذب في دعوى النسيان والجهل من العامة ولا سيما النساء) ([53])

ولعل أشد المذاهب في اعتبار وتأثير طلاق الناسي قول الحنفية، فقد جاء في المبسوط:(وإذا قال الرجل: فلانة بنت فلان طالق، وسمى امرأته ونسيها، ثم قال: عنيت بذلك امرأة أجنبية على ذلك الاسم، والنسب لم يصدق، والطلاق واقع على امرأته في القضاء؛ لأن كلام العقل محمول على الصحة ما أمكن، وله ولاية الإيقاع على امرأته دون الأجنبية فلا يصدق فيما يدعي من إلغاء كلامه في القضاء، ولكن يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن ما قاله محتمل، ويجوز أن يكون مراده أن فلانة طالق من زوجها على سبيل الحكاية، أو على سبيل الإيقاع فيكون موقوفا على إجازة الزوج، ولا يسع امرأته أن تقيم معه؛ لأنها مأمورة باتباع الظاهر كالقاضي) ([54])

وفي درر الحكام للحنفية: (أو ناسيا بأن أراد أن يقول سبحان الله مثلا، فجرى على لسانه أنت طالق تطلق؛ لأنه صريح لا يحتاج إلى النية)([55])

ومثله ما روي عن الحسن البصري، قال الصنعاني:(اختلفوا في طلاق الناسي فعن الحسن أنه كان يراه كالعمد إلا إذا اشترط. أخرجه ابن أبي شيبة عنه وعن عطاء، وهو قول الجمهور أنه لا يكون طلاقا للحديث)([56])

وأيسر المذاهب في طلاق الناسي قول الإمامية، فقد اعتبروا القصد شرطا من شروط صحة الطلاق، مع اشتراط النطق بالصريح، فلو لم ينو الطلاق لم يقع كالساهي والنائم والغالط ولو نسي أن له زوجة، فقال: نسائي طوالق، أو زوجتي طالق ثم ذكر لم يقع به فرقة، ولو أوقع وقال: لم أقصد الطلاق قبل منه ظاهرا، ودين بنيته باطنا، وإن تأخر تفسيره، ما لم تخرج عن العدة؛ لأنه إخبار عن نيته([57]).

أما الجمهور، فقد وقفوا موقفا بين الفريقين، فاختلفوا في حكم طلاق الناسي بحسب المسائل المختلفة، وسنذكر في الفصل القادم ما يتعلق بنسان المطلقة في حالة ما لو طلق امرأة من نسائه ثم نسي عنها، وهي أهم مسائل طلاق الناسي.

ومعظم أقوال الجمهور في أقوال الناسي تجنح إلى عدم اعتباره، وقد سئل الرملي عمن حلف بالطلاق أن لا يأكل لفلان طعاما فأكل طعامه ناسيا حلفه، ثم سأل شخصا يعتقده عن ذلك فأفتاه بوقوع الطلاق، ثم أكل طعام المحلوف عليه عامدا ظانا صحة فتواه، فهل يقع عليه الطلاق بالأكل بعد الفتيا سواء أكان من أفتاه أهلا للفتوى أم لا؟

فأجاب بأنه لم يقع عليه طلاق بأكله الواقع بعد الفتوى، وإن لم يكن من أفتاه أهلا لها لظنه أنه غير معلق عليه الطلاق([58]).

وقال ابن حجر الهيثمي:(متى حلف بطلاق أو غيره على فعل نفسه ففعله ناسيا للتعليق أو ذاكرا له مكرها على الفعل أو مختارا جاهلا بالمعلق عليه لا بالحكم خلافا لمن وهم فيه لم يحنث للخبر السابق (إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، أي لا يؤاخذهم بشيء من هذه الثلاثة ما لم يدل دليل على خلافه([59]).

ولكنه علق على ذلك بما يسد الذريعة على اتخاذ النسيان وسيلة للتهرب من الأحكام، فقال:(أما إذا لم يقصد منعه ولا حثه أو كان ممن لا يبالى بتعليقه كالسلطان والحجيج، أو لم يعلم به ففعله فإنه يحنث به ولو مع النسيان وقسيمه؛ لأن الغرض حينئذ مجرد التعليق بالفعل من غير قصد منع، أو حث نعم يستثنى من ذلك ما إذا قصد مع الحث، أو المنع فيمن يبالي به أعلامه به، ولم يعلم به فلا تطلق على المعتمد الذي اقتضاه كلام الشيخين وغيرهما ونقله الزركشي عن الجمهور ولو علق بفعله ناسيا أو جاهلا أو مكرها ففعله كذلك حنث؛ لأنه ضيق على نفسه، أو بدخول نحو بهيمة، أو طفل فدخل غير مكره حنث، أو مكرها فلا. وفارق ما مر من الوقوع في بعض الصور مع الإكراه)([60])

انطلاقا من هذا، فإنا نرى من حيث النظر إلى النصوص العامة، والمقاصد الشرعية عدم اعتبار طلاق الناسي مهما كان نوع نسيانه ديانة وقضاء حتى لو كان متناسيا لا ناسيا، لأن دور المفتي أو القاضي ليس التنقيب عن صدقه أو كذبه، وإنما الحكم له بظاهر الحال، وظاهر الحال يستدعي حسن الظن بالمسلم.

ولن يعجزنا أن نجد الدليل على ذلك، فحسبنا قول الله تعالى: { لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا } (البقرة:286)، فهذا الدعاء محقق الإجابة، فكيف يؤاخذ المسلم على نسيانه بعد هذا في أمر لا يتعلق به حق الغير، بل يتعلق به الضرر بالغير، وقد قال ابن العربي في الآية: (ذكر أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة؛ وهذا يدل على ما قدمناه من أنه لا يدخل تحت التكليف، ولا يتعلق به حكم في طلاق ولا غيره)([61])

وقد استدل البخاري بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)([62])على أنه لا يؤاخذ الناسي، والمخطئ في الطلاق، والعتاق ونحوهما؛ لأنه لا نية لناس ولا مخطئ، وهو كذلك.

وكل الأدلة الشرعية بعد ذلك تدل على هذا، قال ابن القيم:(ومن تدبر مصادر الشرع وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم)([63])

ونفس الحكم يقال فيمن ذهل، فطلق أو ذهل ففعل ما علق عليه الطلاق، فالذهول حالة عادية لا يمكن للإنسان أن يتصرف فيها، وهو وإن كان صاحبه أكثر تكليفا من الناسي إلا أن حاله من حيث التكليف كحال الناسي.

الشك

التعريف المشهور للشك، والذي يتداول في كل العلوم الشرعية من التوحيد والأصول وغيرها هو استواء الطرفين المتقابلين لوجود أمارتين متكافئتين في الطرفين أو لعدم الأمارة فيهما([64]).

لكن استعمال الفقهاء الغالب لهذا المصطلح يختلف عن هذا، فهم يطلقون الشك في حالتي الاستواء والرجحان على النحو الذي استعملت فيه هذه الكلمة لغة فقالوا: من شك في الطلاق، أي من لم يستيقن، بقطع النظر عن استواء الجانبين أو رجحان أحدهما.

قال النووي: (اعلم أن مراد الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والصوم والطلاق والعتق وغيرها هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان في التردد سواء أو أحدهما راجحا، فهذا معناه في استعمال الفقهاء في كتب الفقه. وأما أصحاب الأصول ففرقوا بينهما فقالوا: التردد بين الطرفين إن كان على السواء فهو الشك، وإلا فالراجح ظن والمرجوح وهم)

وقد تعقبه الزركشي فقال:(زعم النووي أنه كاللغة في سائر الأبواب، لا فرق بين المساوي والراجح وهذا إنما قالوه في الأحداث وقد فرقوا في مواضع كثيرة بينهما)

ومن الفروق التي ذكرها مما يتعلق بالطلاق، قال: (ومنها قالوا في كتاب الطلاق إنه لا يقع بالشك، فأرادوا به الطرف المرجوح، ولهذا قال الرافعي: قولهم، لا يقع الطلاق بالشك مسلم لكنه يقع بالظن الغالب، ويشهد له: لو قال إن كنت حاملا فأنت طالق، فإذا مضت ثلاثة قروء من وقت التعليق وقع الطلاق مع أن الأقرؤ لا تفيد إلا الظن)([65])

وللشك في الطلاق مسائل كثيرة لا يمكن حصرها، فمنها مثلا أن يظن أن امرأته طلقت بيمين معينة فيفعل المحلوف عليه بناء على أنه لا يؤثر في الحنث، كما لو قال: إن كلمت فلانا فأنت طالق ثلاثا، ثم عقد بعدها يمينا أخرى فقال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق ثلاثا، فقيل له: إن امرأتك قد كلمت فلانا، فاعتقد صدق القائل، وأنها قد طلقت منه، ففعل ما حلف عليه ثانيا بناء على أن العصمة قد انقطعت، ثم تبين له بعد ذلك أن المخبر كاذب.

ومثله ما لو قيل له: قد كلمت فلانا، فقال: طلقت مني ثلاثا، ثم بان له أنها لم تكلمه.

ومثله ـ وهو أكثر الأمثلة وقوعا ـ ما لو أخبر عن زوجته بما يسوؤه، كما لو قيل له: إن امرأتك قد مسكت تشرب الخمر مع فلان، فقال: هي طالق ثلاثا، ثم تبين بعد ذلك كذب المخبر، وأن ذلك مجرد إشاعة.

ويقاس على هذه الأمثلة غيرها من أنواع التطليق بسبب الظن الذي ينفيه الواقع، وقد اختلف الفقهاء في ذلك اختلافا يعسر ضبطه، فلذلك سنقتصر على ذكر هذه الأحوال الأربعة التي تضم أكثر مسائل الشك ليستدل بها على غيرها:

الشك في وقوع أصل التطليق:

اتفق الفقهاء على أنه إذا شك الزوج في أصل التطليق بأن شك هل طلق زوجته أم لا فإنه لا يقع الطلاق في هذه الحالة، وقد نقل الإجماع على ذلك، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن النكاح ثابت بيقين فلا يزول بالشك لقوله تعالى: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ }(الإسراء:36)

2 ـ عن عبد الله بن زيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) ([66])، فأمره بالبناء على اليقين واطراح الشك.

3 ـ أنه شك طرأ على يقين فوجب اطراحه كما لو شك المتطهر في الحدث أو المحدث في الطهارة.

الشك في عدد الطلاق:

اختلف الفقهاء فيمن شك هل طلق زوجته واحدة أو اثنتين أو ثلاثا مع تيقنه من إيقاع الطلاق على قولين:

القول الأول: اعتبار العدد الأكبر، فلا تحل له إلا بعد زوج آخر لاحتمال كونه ثلاثا، وهو قول المالكية، وبعض الحنابلة والشافعية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ([67])

2 ـ أنه تيقن التحريم؛ لأنه تيقن وجوده بالطلاق، وشك في رفعه بالرجعة فلا يرتفع بالشك كما لو أصاب ثوبه نجاسة وشك في موضعها فإنه لا يزول حكم النجاسة بغسل موضع من الثوب ولا يزول إلا بغسل جميعه.

القول الثاني: اعتبار العدد الأقل، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، فإذا راجعها حلت له على رأي هؤلاء، واستدلوا على ذلك بأن ما زاد على القدر الذي تيقنه طلاق مشكوك فيه فلم يلزمه كما لو شك في أصل الطلاق.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هنا ما سنذكره في صيغة الطلاق من عدم اعتبار الطلاق الثلاث في مجلس واحد، ولكنا سنناقش هنا سبب هذا التشديد الذي جعل أصحاب القول الأول يميلون إلى جعله ثلاثا، والتفريق التام بين الرجل وزوجه، وهو ما ذكروه من استحباب الورع في التزام الطلاق، بل وجوبه.

بل قد روي عن شريك أنه إذا شك في طلاقه طلقها واحدة ثم راجعها؛ لتكون الرجعة عن طلقة فتكون صحيحة في الحكم، وقد رد عليه ابن قدامة بأن التلفظ بالرجعة ممكن مع الشك في الطلاق ولا يفتقر إلى ما تفتقر إليه العبادات من النية، ولأنه لو شك في طلقتين فطلق واحدة لصار شاكا في تحريمها عليه فلا تفيده الرجعة.

وقال العز بن عبد السلام:(وإن شك أطلق قبل الدخول أو بعده، فإن كان قبل انقضاء العدة، فليجدد رجعة ونكاحا، وإن كان بعد انقضائها، فليجدد النكاح، وإن شك أطلق واحدة أو اثنتين، فإن أراد بقاء النكاح مع الورع، فليطلق طلقة معلقة على نفي الطلقة الثانية، بأن يقول إن لم أكن طلقتها فهي طالق كي لا يقع عليه طلقتان، وإن شك في الطلقة أرجعية هي أم خلع فليرتجع، وليجدد النكاح؛ لأنها إن تكن رجعية، فقد تلافاها بالرجعة، وإن كانت خلعا، فقد تلافاها) ([68])

ونرى أن الأورع في هذا هو عدم اعتبار الشك مطلقا، لأن الورع في الأصل هو ما يكون بين العبد ربه وما يتعلق بحقوق الناس، أما ما تترتب عنه مفاسد للخلق، فإن الشرع جاء لدرء المفاسد.

الشك في صفة الطلاق:

ومثاله أن يتردد في كونها طلقة بائنة أو رجعية، وقد اختلف الفقهاء في اعتبار أحد هذين النوعين في صيغ الطلاق على قولين:

القول الأول: يحكم بالرجعية لأنها أضعف الطلاقين فكان متيقنا بها، فلو قال الرجل لزوجته: أنت طالق أقبح طلاق فهو رجعي عند أبي يوسف لأن قوله: أقبح طلاق يحتمل القبح الشرعي وهو الكراهية الشرعية، ويحتمل القبح الطبيعي وهو الكراهية الطبيعية، والمراد بها أن يطلقها في وقت يكره الطلاق فيه طبعا، فلا تثبت البينونة فيه بالشك.

القول الثاني: يحكم بالبينونة، وهو قول محمد بن الحسن الشيباني،لأن المطلق قد وصف الطلاق بالقبح، والطلاق القبيح هو الطلاق المنهي عنه، وهو البائن، ولذلك يقع بائنا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة إن كان الشك دائرا بين كون الطلقة بائنة أو رجعية اعتبارها رجعية، فهو أقل ضررا، ولا يمكن القول بعدم اعتبارها مطلقا لأن الطلاق متيقن، ولكن الشك في البينونة وعدمها.

الشك في الطلاق المعلق:

ويضرب الفقهاء مثالا هنا لعدم اعتبار الشك، ولو كان متحققا في موضع لا بعينه وهو ما إذا رأى رجلان طائرا فحلف أحدهما بالطلاق أنه غراب وحلف الآخر بالطلاق أنه حمام فطار، ولم يعلما لم يحكم بحنث واحد منهما؛ لأن يقين النكاح ثابت ووقوع الطلاق مشكوك فيه، فإن ادعت امرأة أحدهما حنثه فيها فالقول قوله؛ لأن الأصل معه واليقين في جانبه.

ومثله ما لو كان الحالف واحدا فقال: إن كان غرابا فزينب طالق، وإن كان حماما فهند طالق ولم يعلم ما هو لم يحكم بحنثه في شيء؛ لأنه متيقن للنكاح شاك في الحنث فلا يزول عن يقين النكاح والملك بالشك.

أما لو قال أحد الرجلين: إن كان غرابا فامرأته طالق ثلاثا، وقال الآخر: إن لم يكن غرابا فامرأته طالق ثلاثا فطار،ولم يعلما فقد حنث أحدهما لا بعينه ولا يحكم به في حق واحد منهما بعينه بل تبقى في حقه أحكام النكاح من النفقة والكسوة والسكنى؛ لأن كل واحد منهما يقين نكاحه باق ووقوع طلاقه مشكوك فيه، وقد اختلفوا هنا في إباحة معاشرة كليهما لزوجته على قولين:

القول الأول: أنه يحرم عليهما؛ وهو قول الحنابلة، لأن أحدهما حانث بيقين، وامرأته محرمة عليه وقد أشكل فحرم عليهما جميعا كما لو حنث في إحدى امرأتيه لا بعينها، ومن الأدلة على ذلك أنه إنما تحقق حنثه في واحدة غير معينة وبالنظر إلى كل واحدة مفردة فيقين نكاحها باق وطلاقها مشكوك فيه، لكن لما تحققنا أن إحداهما حرام ولم يمكن تمييزها حرمتا عليه جميعا، وكذلك هاهنا قد علمنا أن أحد هذين الرجلين قد طلقت امرأته وحرمت عليه وتعذر التمييز فيحرم الوطء عليهما، ويصير كما لو تنجس أحد الإناءين لا بعينه، فإنه يحرم استعمال كل واحد منهما سواء كانا لرجلين أو لرجل واحد.

القول الثاني: لا يحرم على واحد منهما معاشرة امرأته، وهو قول الحنفية والشافعية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنه محكوم ببقاء نكاحه ولم يحكم بوقوع الطلاق عليه.

2 ـ أنه لا يصح قياسه على الحانث في إحدى امرأتيه؛ لأنه معلوم زوال نكاحه عن إحدى زوجتيه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو عدم وقوع الطلاق في هذا، وسنبين أدلته التفصيلية في محلها.

الخطأ:

وهو أن يفعل فعلا من غير أن يقصده قصدا تاما، كمن أراد أن يتكلم بغير الطلاق فسبق لسانه بالطلاق، لكن لم يقصد به الطلاق فوجد قصد غير تام.

وذلك لأن تمام قصد الفعل بقصد محله، وفي الخطأ يوجد قصد الفعل دون قصد المحل، وهو مراد من قال: إنه فعل يصدر بلا قصد إليه عند مباشرة أمر مقصود سواء ([69]).

والخطأ نوعان:

1 ـ أن ينعدم منه القصد إلى المحل الذي أصاب، كأن يقصد الرمي إلى صيد أو هدف أو كافر فيصيب مسلما، ومثله في الطلاق ما ذكرناه من سبق اللسان بلفظ الطلاق دون قصد منه.

2 ـ أن يكون باعتبار ما في قصده، وإن كان هو قاصدا إلى المحل الذي أراد، كأن يرمي شخصا يظنه حربيا، فإذا هو مسلم، أو يظنه صيدا فإذا هو مسلم، مثاله في الطلاق أن يطلق زوجة من زوجاته، وهو يظنها أخرى.

وقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق المخطئ على قولين:

القول الأول: يقع طلاق الخاطئ، وهو قول الحنفية، وقد روي عن أبي حنيفة أن من أراد أن يقول لامرأته اسقيني ماء فقال لها: أنت طالق، وقع، واستدلوا على ذلك بأن الفائت بالخطأ ليس إلا القصد، وهو ليس شرطا لوقوع الطلاق كالهازل واللاعب بالطلاق([70]).

القول الثاني([71]): لا يقع طلاق المخطئ، وهو قول الجمهور، ومن الأمثلة على ذلك أنه إذا تلفظ بكلمة الطلاق أو صيغها الصريحة ثم قال: أردت بقولي: فارقتك، أي بجسمي، أو بقلبي أو بمذهبي، أو سرحتك من يدي، أو شغلي، أو من حبسي، أو أي سرحت شعرك، قبل قوله.

ومثله ما لو قال: أردت بقولي: أنت طالق أي: من وثاقي، أو قال: أردت أن أقول: طلبتك. فسبق لساني، فقلت: طلقتك. ونحو ذلك، دين فيما بينه وبين الله تعالى، فمتى علم من نفسه ذلك، لم يقع عليه فيما بينه وبين ربه.

ونقل عن أحمد أنه سئل عن رجل حلف، فجرى على لسانه غير ما في قلبه، فقال: أرجو أن يكون الأمر فيه واسعا.

ونقل عن مالك أنه إذا قال: أنت طالق ألبتة – وهو يريد أن يحلف على شيء – ثم بدا له فترك اليمين؟ فليست طالقا، لأنه لم يرد أن يطلقها([72]).

وقال الشافعي: ما غلب المرء على لسانه بغير اختيار منه لذلك فهو كلا قول، لا يلزمه به طلاق ولا غيره.

وقد اختلف أصحاب هذا القول([73]) في قبول دعواه في الحكم على رأيين:

الرأي الأول: لا يقبل إن كان في حال الغضب، أو سؤالها الطلاق، لأن لفظه ظاهر في الطلاق، وقرينة حاله تدل عليه، فكانت دعواه مخالفة للظاهر من وجهين، فلا تقبل، أما إن لم تكن هذه الحال فإنه يقبل قوله، وهو قول جابر بن زيد، والشعبي، والحكم، وأحمد، لأنه فسر كلامه بما يحتمله احتمالا غير بعيد، فقيل: كما لو قال؛ أنت طالق، أنت طالق. وقال: أردت بالثانية إفهامها.

الرأي الثاني: لا يقبل قوله، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه خلاف ما يقتضيه الظاهر في العرف، فلم يقبل في الحكم، كما لو أقر بعشرة، ثم قال: زيوفا، أو صغارا، أو إلى شهر.

ومما استدل به أصحاب هذا القول:

1 ـ قول الله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}(الأحزاب:5)

2 ـ قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) ([74]) فصح أن لا عمل إلا بنية ولا نية إلا بعمل.

3 ـ من أقوال الصحابة، حديث خيثمة بن عبد الرحمن السابق ذكره، وهو أنه قالت امرأة لزوجها: سمني؟ فسماها الظبية، قالت: ما قلت شيئا؟ قال: فهات ما أسميك به؟ قالت: سمني خلية طالق، قال: فأنت خلية طالق، فأتت عمر فقالت: إن زوجي طلقني؟ فجاء زوجها فقص عليه القصة؟ فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو عدم وقوع الطلاق مطلقا ديانة وقضاء، فذلك ما تدل عليه الأدلة الشرعية الكثيرة، وهو أوفق بمقاصد الشريعة من حيث تضييق باب الطلاق، وقد اعتبر ابن القيم هذا وما سبق ذكره من المخارج التي يضيق بها باب الطلاق، يقول في إعلام الموقعين:(المخرج الخامس: أن يفعل المحلوف عليه ذاهلا، أو ناسيا، أو مخطئا، أو جاهلا، أو مكرها، أو متأولا، أو معتقدا أنه لا يحنث به تقليدا لمن أفتاه بذلك، أو مغلوبا على عقله، أو ظنا منه أن امرأته طلقت فيفعل المحلوف عليه بناء على أن المرأة أجنبية فلا يؤثر فعل المحلوف عليه في طلاقها شيئا) ([75]).

وما قاله ابن القيم ليس استحسانا، وإنما هو ما ترشد إليه الأدلة الكلية، لأن الأدلة الخاصة بهذا المسائل ليست من القطعية بحيث ترفع الخلاف، فلذلك كان الرجوع للأدلة الكلية أولى، وقد قال ابن القيم عن هذه الأدلة الكلية:(عدم الحنث في ذلك هو الصواب بلا ريب، وعليه تدل الأدلة الشرعية؛ ألفاظها وأقيستها واعتبارها، وهو مقتضى قواعد الشريعة؛ فإن البر والحنث في اليمين نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، وإن فعل المكلف ذلك في أمر الشارع ونهيه لم يكن عاصيا، فأولى في باب اليمين أن لا يكون حانثا)([76])

ولا بأس أن نسرد هنا بعض ما ذكره ابن القيم كأمثلة على هذه الأدلة:

1 ـ أنه إنما عقد يمينه على فعل ما يملكه، والنسيان والجهل والخطأ والإكراه غير داخل تحت قدرته، فما فعله في تلك الأحوال لم يتناوله يمينه، ولم يقصد منع نفسه منه.

2 ـ أن الله تعالى قد رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي والمكره، فإلزامه بالحنث أعظم مؤاخذة لما تجاوز الله عن المؤاخذة به.

3 ـ أنه تعالى لما تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها لم تتعلق به المؤاخذة في الأحكام.

4 ـ أن فعل الناسي والمخطئ بمنزلة فعل النائم في عدم التكليف به، ولهذا هو عفو لا يكون به مطيعا ولا عاصيا.

5 ـ أن الله تعالى إنما رتب الأحكام على الألفاظ؛ لدلاتها على قصد المتكلم بها، وإرادته، فإذا تيقنا أنه قصد كلامها، ولم يقصد معانيها، ولم يقصد مخالفة ما التزمه ولا الحنث فإن الشارع لا يلزمه بما لم يقصده، بل قد رفع المؤاخذة عنه بما لم يقصده من ذلك.

6 ـ أن اللفظ دليل على القصد، فاعتبر؛ لدلالته عليه، فإذا علمنا يقينا خلاف المدلول لم يجز أن نجعله دليلا على ما تيقنا خلافه. وقد رفع الله المؤاخذة عن قتل المسلم المعصوم بيده مباشرة إذا لم يقصد قتله بل قتله خطأ، ولم يلزمه شيئا من ديته، بل حملها غيره، فكيف يؤاخذه بالخطأ والنسيان في باب الأيمان.

7 ـ رفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤاخذة عمن أكل وشرب في نهار رمضان ناسيا لصومه، مع أن أكله وشربه فعل لا يمكن تداركه، فكيف يؤاخذه بفعل المحلوف عليه ناسيا ويطلق عليه امرأته ويخرب بيته ويشتت شمله وشمل أولاده، وأهله وقد عفا له عن الأكل والشرب في نهار الصوم ناسيا.

8 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عفا عمن أكل أو شرب في نهار الصوم عمدا غير ناس لما تأول الخيط الأبيض والخيط الأسود بالحبلين المعروفين، فجعل يأكل حتى تبينا له وقد طلع النهار، وعفا له عن ذلك، ولم يأمره بالقضاء، لتأويله، فما بال الحالف المتأول لا يعفى له عن الحنث بل يخرب بيته، ويفرق بينه وبين حبيبته ويشتت شمله كل مشتت؟

9 ـ أن الشارع قد عفا عن المتكلم في صلاته عمدا، ولم يأمره بالإعادة لما كان جاهلا بالتحريم لم يتعمد مخالفة حكمه، فألغى كلامه، ولم يجعله مبطلا للصلاة، فكيف لا يقتدى به ويلغى قول الجاهل وفعله في باب الأيمان ولا يحنثه كما لم يؤثمه الشارع؟

10 ـ أن الشارع إذا كان قد عفا عمن قدم شيئا أو أخره من أعمال المناسك من الحلق والرمي والنحر نسيانا أو جهلا فلم يؤاخذه بترك ترتيبها نسيانا، فكيف يحنث أن قدم ما حلف على تأخيره أو أخر ما حلف على تقديمه ناسيا أو جاهلا؟

11 ـ أن الشارع إذا كان قد عفا عمن حمل القذر في الصلاة ناسيا أو جاهلا به، فكيف يؤاخذ الحالف ويحنث به؟

قال ابن القيم بعد ذكره لتلك الأمثلة وغيرها:(وبالجملة فقواعد الشريعة وأصولها تقتضي ألا يحنث الحالف في جميع ما ذكرنا ولا يطرد على القياس ويسلم من التناقض إلا هذا القول، وأما تحنيثه في جميع ذلك فإن صاحبه وإن سلم من التناقض لكن قوله مخالف لأصول الشريعة وقواعدها، وأدلتها، ومن حنث في بعض ذلك دون بعض تناقض، ولم يطرد له قول، ولم يسلم له دليل عن المعارضة) ([77])

4 ـ السكر

عرفه ابن العربي بأنه عبارة عن حبس العقل عن التصرف على القانون الذي خلق عليه في الأصل من النظام والاستقامة، فكل ما حبس العقل عن التصرف فهو سكر، وقد يكون من الخمر، وقد يكون من النوم، وقد يكون من الفرح والجزع.

ولكن هذا التعريف غير مانع لما ذكره ابن العربي من أن الإطلاق الشرعي للسكر يراد منه سكر الخمر، قال:(وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن المراد بهذا السكر سكر الخمر([78])

وعرفه في كشف الأسرار بأنه (سرور يغلب على العقل بمباشرة بعض الأسباب الموجبة له، فيمنع الإنسان عن العمل بموجب عقله من غير أن يزيله)([79])،وعلى هذا القول لا يكون ما حصل من شرب الدواء مثل الأفيون من أقسام السكر؛ لأنه ليس بسرور.

وعرف بأنه غفلة تلحق الإنسان مع فتور في الأعضاء بمباشرة بعض الأسباب الموجبة لها من غير مرض وعلة.

وعرف بأنه معنى يزول به العقل عند مباشرة بعض الأسباب المزيلة، وعلى هذا القول بقاؤه مخاطبا بعد زوال العقل يكون أمرا حكميا ثابتا بطريق الزجر عليه لمباشرته المحرم، لا أن يكون العقل باقيا حقيقة؛ لأنه يعرف بأثره ولم يبق للسكران من آثار العقل شيء فلا يحكم ببقائه.

وعرف بأنه حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة إليه، فيتعطل معه عقله المميز بين الأمور الحسنة، والقبيحة([80]).

وقد نص أكثر الفقهاء على أن ضابط السكر هو من اختلط كلامه وكان غالبه هذيانا، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة، وهو قول الظاهرية، قال ابن حزم: (حد السكر: هو أن يخلط في كلامه فيأتي بما لا يعقل، وبما لا يأتي به إذا لم يكن سكران، وإن أتى بما يعقل في خلال ذلك، لأن المجنون قد يأتي بما يعقل، ويتحفظ من السلطان ومن سائر المخاوف. وأما من ثقل لسانه وتخبل مخرج كلامه وتخبلت مشيته وعربد فقط إلا أنه لم يتكلم بما لا يعقل – فليس هو سكران) ([81])

واستدل لذلك بقوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ }(النساء:43)، ووجهها بقوله:(فبين الله تعالى أن السكران لا يعلم ما يقول، فمن لم يعلم ما يقول فهو سكران، ومن علم ما يقول فليس بسكران. ومن خلط فأتى بما يعقل وما لا يعقل فهو سكران، لأنه لا يعلم ما يقول)

وقيل بأن السكران هو الذي لا يعرف الأرض من السماء، والرجل من المرأة، وهو قول أبي حنيفة والمزني من الشافعية([82])، وهو قريب من الأول.

بناء على هذا، فقد اختلف الفقهاء في وقوع طلاق السكران على قولين:

القول الأول: أنه يقع طلاقه، وهو مروي عن النخعي، وابن سيرين، والحسن، وميمون بن مهران، وحميد بن عبد الرحمن، وعطاء، وقتادة، والزهري، وهو قول سفيان الثوري، والحسن بن حي، والشافعي – في أحد قوليه([83])، ومالك([84])، وأبي حنيفة، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ دليل الوصف في قوله تعالى::{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ }(النساء:43)، لأنه إن كان خطابا له في حال سكره فهو نص على أنه مكلف، وإن كان خطابا له قبل سكره فهو دليل على أنه مخاطب في حال سكره؛ لأنه لا يقال: إذا جننت فلا تفعل كذا.

2 ـ حديث (لا قيلولة في الطلاق)([85])

3 ـ حديث:(كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه) ([86])

4 ـ أن الصحابة أوقعوا عليه الطلاق، فقد روي أن رجلا من أهل عمان تملأ من الشراب فطلق امرأته ثلاثا فشهد عليه نسوة فكتب إلى عمر بذلك، فأجاز شهادة النسوة، وأثبت عليه الطلاق.

5 ـ أن الصحابة أقاموه مقام الصاحي في كلامه فإنهم قالوا: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون([87]).

6 ـ أن الخطاب إنما يتوجه باعتدال الحال، ولكنه أمر باطن لا يوقف على حقيقته فيقام السبب الظاهر الدال عليه، وهو البلوغ عن عقل مقامه؛ تيسيرا، وبالسكر لا ينعدم هذا المعنى.

7 ـ إذا ثبت أنه قيلولة مخاطب فإن غفلته عن نفسه لما كانت بسبب معصية، ولا يستحق به التخفيف، لم يكن ذلك عذرا في المنع من نفوذ شيء من تصرفاته بعد ما تقرر سببه.

8 ـ أنه بالسكر لا يزول عقله إنما يعجز عن استعماله؛ لغلبة السرور عليه، بخلاف البنج، فإن غفلته ليست بسبب هو معصية، وما يعتريه نوع مرض لا أن يكون سكرا حقيقة، فيكون بمنزلة الإغماء.

9 ـ أن السكران يخالف النائم؛ لأن النوم يمنعه من العمل، والسكر لا يمنعه من العمل مع أن الغفلة بسبب النوم لم تكن عن معصية.

10 ـ أن إيقاع الطلاق عقوبة له.

11 ـ أن ترتب الطلاق على التطليق من باب ربط الأحكام بأسبابها فلا يؤثر فيه.

12 ـ عدم صحة قياس السكران المغلوب على عقله بالمجنون المغلوب على عقله، وذلك من وجهين([88]):

الوجه الأول: أن المريض مأجور ومكفر عنه بالمرض مرفوع عنه القلم إذا ذهب عقله، والسكران آثم مضروب على السكر غير مرفوع عنه القلم فكيف يقاس من عليه العقاب بمن له الثواب.

الوجه الثاني: أن الصلاة والفرائض من حج أو صيام أو غيرها مرفوعة عمن غلب على عقله ولا ترفع عن السكران.

أن كل من لزمه القطع بالسرقة والقصاص في القتل لزمه الطلاق، ولا خلاف في إلزامه القطع بالسرقة، ومثله القصاص في القتل فلا خلاف فيه.

القول الثاني: عدم وقوع طلاقه، وهو مذهب يحيى بن سعيد الأنصاري وحميد بن عبدالرحمن وربيعة والليث بن سعد بن الحسن وإسحاق بن راهويه وأبي ثور والشافعي في أحد قوليه واختاره وغيره من الشافعية ومذهب أحمد في إحدى الروايات عنه وهي التي استقر عليها وصرح برجوعه إليها([89])، وهذا مذهب أهل الظاهر كلهم واختاره من الحنفية أبو الطحاوي وأبو الحسن الكرخي، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى::{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ }(النساء:43)، فجعل سبحانه قول السكران غير معتبر لأنه لا يعلم ما يقول، قال الشوكاني:(وقد تمسك بهذا من قال إن طلاق السكران لا يقع لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد) ([90])، وقال ابن حرم:(ومن أخبر الله تعالى أنه لا يدري ما يقول، فلا يحل أن يلزم شيئا من الأحكام لا طلاقا ولا غيره مخاطب إذ ليس من ذوي الألباب) ([91])

2 ـ حديث ماعز بن مالك، فإنه لما جاء الى النبى صلى الله عليه وآله وسلم وأقر أنه زنى أمر النبى صلى الله عليه وآله وسلم أن يستنكهوه ليعلموا هل هو سكران أم لا([92])، فإن كان سكران لم يصح إقراره، وإذا لم يصح إقراره علم أن أقواله باطلة كأقوال المجنون.

3 ـ ما رووا في قصة حمزة([93]) لما عقر بعيري علي فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوقف عليه يلومه فيه النظر وصوبه وهو سكران، وقال: هل أنتم إلا عبيد لأبي فنكص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عقبيه وهذا القول لو قاله غير لكان ردة وكفرا ولم يؤاخذ بذلك حمزة.

4 ـ ما صح عن عثمان بن عفان أنه قال: ليس لمجنون ولا سكران طلاق، وقال: عطاء طلاق السكران لا يجوز، وصح عن عمر بن عبد العزيز أنه أتي بسكران طلق فاستحلفه بالله الذي لا إله إلا هو طلقها وهو لا يعقل فحلف فرد إليه امرأته وضربه الحد.

5 ـ أنه لا يقع الطلاق إلا ممن يعلم ما يقول كما أنه لا تصح صلاته في هذه الحالة ومن لا تصح صلاته لا يقع طلاقه.

6 ـ أنه ليس للسكران قصد صحيح، والإيقاع يعتمد القصد الصحيح؛ ولهذا لا يصح من الصبي، والمجنون، ولأن غفلته عن نفسه فوق غفلة النائم، فإن النائم ينتبه إذا نبه والسكران لا ينتبه، ثم طلاق النائم لا يقع، فطلاق السكران، أولى.

7 ـ أنه لا يصح أن يقال بأن غفلته هنا بسبب المعصية، وذلك سبب للتشديد عليه لا للتخفيف، لأن السكران لو ارتد تصح ردته بالاتفاق، ولا تقع الفرقة بينه وبين امرأته، ولو اعتبر هذا المعنى؛ لحكم بصحة ردته.

8 ـ أن خطابه يحمل على الذي يعقل الخطاب أو على الصاحي، وأنه نهي عن السكر من أجل الصلاة وأما من لا يعقل فلا يؤمر ولا ينهى.

9 ـ أن إلزامه بجناياته محل نزاع لا محل وفاق، فعن أحمد أنه كالمجنون في كل فعل له العقل.

10 ـ ما أجمع العلماء عليه بأن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالموسوس.

11 ـ أن الإجماع منعقد على أن شرط التكليف العقل، وأن من لا يعقل ما يقول فليس بمكلف، ولو كان مكلفا لوجب أن يقع طلاقه إذا كان مكرها على شربها أو غير عالم خمر وهم لا يقولون به.

12 ـ إن الحد عقوبة، وقد حصل رضي الله سبحانه من هذه العقوبة بالحد ولا عهد لنا في الشريعة بالطلاق والتفريق بين الزوجين.

13 ـ أن حديث (لا قيلولة في الطلاق) خبر لا يصح، ولو صح لوجب حمله على طلاق مكلف يعقل دون من لا يعقل، ولهذا لم يدخل فيه طلاق المجنون.

14 ـ أن خبر (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه) ([94]) لا يصح، ولو صح لكان في المكلف.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو التفريق بين أحوال السكران، فإن كان له بعض العقل الذي يعي به ما يقول، وقصد الطلاق من غير غضب ونحوه، فإن طلاقه يقع، لأن له القدرة العقلية الكافية للتصرف، ولو صح حمل القول الأول على هذا لانتفى الخلاف، لاتفاق أصحاب القول الثاني على أن من بقي معه من عقله ما يدرك به ويصح معه القصد صح طلاقه.

وقد فهم الباجي في محاولته للجمع بين روايات المالكية في المسألة هذا من اختلاف الروايات فقال: (والذي عندي في هذا أن السكران المذكور لا يذهب عقله جملة، وإنما يتعين مع صحة قصده إلى ما يقصده ولذلك يقتص منه في القتل لا خلاف فيه، وأما لو بلغ إلى حد أن يغمى عليه ولا يبقى له عقل جملة فهذا لا يصح منه تطليق إذا بلغ هذه الحالة ولا يتهيأ منه ضرب ولا قصد إلى قتل ولا غيره، وإنما تكلم الفقهاء على المعتاد من سكر الخمر؛ لأن سكر الخمر ليس بمنزلة الجنون الذي يذهب العقل جملة، وإنما يتغير العقل تغييرا يجترئ به على معان لا يجترئ عليها صاحيا كالسفيه، ولو علم أنه بلغ حد الإغماء لما اقتص منه ولا لزمه طلاق ولا غيره كسائر من أغمي عليه)

والقول بعدم وقوع طلاق السكران يتوافق مع ما ذكرنا من لزوم تضييق دائرة الطلاق ما أمكن، أما ما يستشعره البعض من بغض للسكر، ولزوم عقوبته،فإن هذا البغض لا ينبغي أن يتعدى حده ليفرق بين الزوجين بسببه، فقد يتوب السكران ويصلح حاله، ثم لماذا نلزمه الطلاق عقوبة وقد جعل الشرع للسكر عقوبته الخاصة به؟ ثم من نحن حتى نعاقبه؟

وقد ذكر ابن حزم أن اعتبار العقوبة هو أعظم ما دعا للقول بوقوع طلاق السكران، فقال: (فنظرنا فيما يحتج به من خالف قولنا، فوجدناهم يقولون هو أدخل على نفسه ذهاب عقله بمعصيته لله تعالى فقلنا: فكان ماذا ومن أين وجب إذا أدخل ذلك على نفسه أن يؤاخذ بما يجنى في ذهاب عقله؟ وهذا ما لا يوجد في قرآن ولا سنة) ([95])

ثم ذكر من مثالا متفقا عليه يدل على أن المعصية لا تعني التضييق على العاصي فيما أحل له، فقال:(ولا خلاف بينكم فيمن تردى ليقتل نفسه عاصيا لله تعالى فسلمت نفسه إلا أنه سقط على رأسه، ففسد عقله، وفيمن حارب وأفسد الطريق فضرب في رأسه ففسد عقله أنه لا يلزمه شيء مما يلزم الأصحاء، وهو الذي أدخل على نفسه الجنون بأعظم المعاصي، ثم لا يختلفون فيمن أمسكه قوم عيارون فضبطت يداه ورجلاه وفتح فمه بكلوب وصب فيه الخمر حتى سكر أنه مؤاخذ بطلاقه وهو لم يدخل على نفسه شيئا ولا عصى فظهر فساد اعتراضهم)([96])

5 ـ الغضب

وقد عرف بأنه (تغير يحصل عند ثوران دم القلب ذروته الانتقام)([97])، وقد ذكر العلماء للغضب بحسب شدته وضعفه ثلاث درجات لها علاقة بما سنذكره من حكم طلاق الغضبان، هذه الدرجات هي:

الغضب البسيط: وهو الذي لا يتغير عليه عقله ولا ذهنه، ويعلم ما يقول وما يقصده.

الغضب الشديد: وهو ما يغلق عليه باب العلم والإرادة بحيث لا يعلم ما يقول ولا يريده.

الغضب المتوسط: وهو ما كان وسطا بين الغضب البسيط والغضب الشديد.

أما الغضب البسيط فلا خلاف بين العلماء في وقوع طلاقه وصحة عقوده، ولا سيما إذا وقع منه ذلك بعد تردده فكره.

ولا خلاف كذلك في عدم وقوع طلاق صاحب الغضب الشديد،لأن أقوال المكلف لا تعتبر إلا بعلمه بصدورها منه وبفهمه لمعناها، وإرادته للتكلم بها،فلذلك لا يؤاخذ النائم والمجنون والسكران، ومن يتكلم باللفظ وهو لا يعلم معناه.

أما الغضب المتوسط، فيختلف حكمه باختلاف أسبابه، وأسبابه ثلاثة واحد متفق على وقوع الطلاق فيه واثنان مختلف فيهما:

السبب المتفق على وقوع الطلاق فيه:

وهو الطلاق مع العلم والقصد، لا مجرد إطفاء الغضب، كأن يكون قد غضب عليها لما علم وقوع شيء منها، فتكلم بكلمة الطلاق قاصدا للطلاق عالما بما يقول، قاصدا من ذلك عقوبتها على ذلك، فهذا يقع طلاقه بالضرورة، إذ لو لم يقع هذا الطلاق لم يقع أكثر الطلاق فانه غالبا لا يقع مع الرضا.

ومثاله ما لو زنت امرأته فغضب، فطلقها، لأنه لا يرى المقام مع زانية، فلم يقصد بالطلاق إطفاء نار الغضب، بل التخلص من المقام مع زانية، بخلاف من خاصمته زوجته وهو يعلم من نفسه إرادة المقام معها على الخصومة وسوء الخلق، ولكن حملة الغضب على أن يشفي نفسه بالتكلم بالطلاق كسرا لها وإطفاء لنار غضبه.

الأسباب المختلف فيها:

الطلاق لمجرد الظن الذي ينفيه التحقيق:

وهو أن يبلغه عن زوجته مثلا ما يشتد غضبه لأجله، ويظن أنه حق فيطلقها لأجله، ثم يتبين أنها بريئة منه، وأكثر الفقهاء على وقوع طلاقه، للأدلة التي سنذكرها، ورجح ابن القيم عدم وقوع طلاقه، لأنه إنما أوقع الطلاق لعلة فإذا انتفت العلة تبين أنه لم يكن مريدا لوقوعه بدونها، سواء صرح بالعلة أو لم يصرح بها، لأن العلة بمنزلة الشرط، كما لو قال: أنت طالق، وقال: أردت إن فعلت كذا وكذا.

طلاق الغاضب من غير قصد:

وهو أن لا يقصد أمرا بعينه، ولكن الغضب حمله على ذلك وغير عقله ومنعه كمال التصور والقصد، فكان بمنزلة الذي فيه نوع من السكر والجنون،فليس هو غائب العقل بحيث لا يفهم ما يقول بالكلية، ولا هو حاضر العقل بحيث يكون قصده معتبرا، وقد اختلف الفقهاء في وقوع طلاق من غضب هذا الغضب على قولين:

القول الأول: وقوع طلاقه، وهو قول جمهور العلماء([98])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن الغضبان أتى بالسبب اختيارا وأراد في حال الغضب ترتب أثره عليه، ولا يضر عدم إرادته له في حال رضاه إذ الاعتبار بالإرادة إنما هو التلفظ، بخلاف المكره فإنه محمول على التكلم بالسبب غير مريد لترتب أثره عليه وبخلاف السكران المغلوب عقله، فإنه غير مكلف والغضبان مكلف مختار فلا وجه لإلغاء كلامه.

2 ـ أنه لا يصح قياس الغضبان على المكره، لأن المكره إذا تكلم بما اكره عليه دفع عنه الضرر والغضبان لا يدفع عنه بهذا القول ضررا.

3 ـ أنه يلزم من عدم وقوع طلاقه أنه لو حلف في هذه الحال لا تنعقد يمينه.

القول الثاني: عدم وقوع طلاقه، وهو اختيار الطحاوي وأبي الحسن الكرخي وإمام الحرمين وابن تيمية وأحد قولي الشافعي، وقول الإمامية([99])، وقد استدل ابن القيم لذلك بالأدلة الكثيرة، وسنذكر الكثير منها هنا لأهمية المسألة:

1 ـ النصوص الدالة على عدم المؤاخذة إلا بالكسب، ومنها قوله تعالى:{ لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيم}(البقرة:225) ووجه الاستدلال بالآية هو ما روي في تفسيرها من اعتبار الغضب من لغو اليمين، فعن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان، وعن طاووس قال: كل يمين حلف عليها رجل وهو غضبان فلا كفارة عليه فيها لقوله تعالى: { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ }(البقرة:225) ([100])

2 ـ أن الله تعالى قد جعل لغو اليمين مقابلا لكسب القلب، كما قال تعالى { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ }(البقرة:225) مع العلم أن الغضبان والحالف على الشيء يظنه كما حلف عليه لم يكسب قلبه عقد اليمين ولا قصدها، والله تعالى قد رفع المؤاخذة بلفظ جرى على اللسان لم يكسبه القلب ولا يقصده فلا تجوز المؤاخذة بما رفع الله المؤاخذة به، ومن هذا الباب لم يؤاخذ الله تعالى الذي اشتد فرحه بوجود راحلته بعد الإياس منها فلما وجدها أخطأ من شدة الفرح وقال:(اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، فجرى هذا اللفظ على لسانه من غير قصد فلم يؤاخذه كما يجري الغلط في القرآن على لسان القارئ.

3 ـ أن دعاء الغضبان على أهله في حال غضبه لا يصح ولا يؤثر، وهو المقصود بقوله تعالى:{ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون}(يونس:11)، وقوله تعالى: { وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا}(الإسراء:11)، ووجه الاستدلال بالآيتين هو قول مجاهد في تفسيرها بأن ذلك هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليهم: اللهم لا تبارك فيه والعنه، فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب في الخير لأهلكهم، فصار الغضب بهذا مانعا من انعقاد سبب الدعاء مع دلالة النصوص على أن تأثيره في الإجابة أسرع من تأثير الأسباب في أحكامها، فالله تعالى يجيب دعاء الصبي والسفيه والمجنون ومن لا يصح طلاقه ولا عقوده رحمة من الله تعالى به، فعدم إيقاع طلاقه ينبغي أن تكون من هذا الباب.

4 ـ قوله تعالى:{ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}(الأعراف:150)، ووجه الاستدلال بالآية: أن موسى uلم يكن ليلقي ألواحا فيها كلام الله تعالى فيكسرها اختيارا منه لذلك، ولا كان فيه مصلحة لبني إسرائيل، وإنما حمله على ذلك الغضب فعذره الله تعالى به، ولم يعتب عليه بما فعل،لأن مصدره الغضب الخارج عن قدرة العبد واختياره فالمتولد عنه غير منسوب إلى اختياره ورضاه به.

وقد ذكر ابن القيم إشارة في قوله تعالى:{ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ } (الأعراف:154)، وهي أن الله تعالى عدل عن قوله سكن إلى قوله (سكت) تنزيلا للغضب منزلة السلطان الآمر الناهي الذي يقول لصاحبه: افعل لا تفعل فهو مستجيب لداعي الغضب الناطق فيه المتكلم على لسانه فهو أولى بان يعذر من المكره الذي لم يتسلط عليه غضب يأمره وينهاه، ولهذا يقاس الغضبان على المكره([101]).

5 ـ النصوص الدالة على أن الغضب من الشيطان كقوله تعالى: { وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(الأعراف:200) لأن ما يتكلم به الغضبان في حال شدة غضبه من طلاق وأو شتم ونحوه هو من نزغات الشيطان فإنه يلجئه إلى أن يقول ما لم يكن مختارا، والدليل على ذلك ما ورد في الحديث أن رجلين استبا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى احمر وجه أحدهما وانتفخت أوداجه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ([102])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، وانما تطفأ النار بالماء،فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) ([103])، وإذا كان هذا السبب وأثره من إلجاء الشيطان لم يكن من اختيار العبد فلا يترتب عليه حكمه.

6 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا طلاق ولا عتاق في اغلاق)([104])، وقد كان الخلاف في هذا الحديث هو سبب الخلاف في كثير من مسائل أحوال المطلق، وقد ذكر ابن القيم أنه اختلف في تفسير الإغلاق على ثلاثة تفسيرات([105])، هي:

التفسير الأول: أنه الإكراه، وهو قول أهل الحجاز، لأن الذي اكره على أمر قد أغلق عليه باب القصد والإرادة لما أكره عليه، فالإغلاق في حقه بمعنى إغلاق أبواب القصد والإرادة له، ومن هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له) ([106])

التفسير الثاني: هو الغضب الشديد، وهو قول أهل العراق، لأن الغضبان هو الذي يمنعه الغضب من معرفة ما يقول وقصده فهو من أعظم الإغلاق، وهو في هذا الحال بمنزلة المجنون،وهذا لا يتوجه فيه نزاع انه لا يقع طلاقه والحديث يتناول هذا القسم قطعا.

التفسير الثالث: أن الإغلاق يشمل هذا النوع من الغضب زيادة على شموله معنى الإكراه.

7 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين) ([107])، ووجه الاستدلال بالحديث أنه إذا كان النذر وهو طاعة محضة قد أثر الغضب في انعقاده لكون الغضبان لم يقصده، وإنما حمله على بيانه الغضب فالطلاق بطريق الأولى، أما ترتب الكفارة على النذر، فلأن الكفارة لا تستلزم التكليف، ولهذا تجب في مال الصبي والمجنون إذا قتلا صيدا أو غيره وتجب على قاتل الصيد ناسيا أو مخطئا، وتجب على من وطئ في نهار رمضان ناسيا عند كثير من العلماء.

8 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) ([108])، ووجه الاستدلال بالحديث، أنه لولا أن الغضب يؤثر في قصده وعلمه لم ينهه عن الحكم حال الغضب.

9 ـ عن ابن عباس قال:(الطلاق عن وطر، والعتق ما ينبغي به وجه الله) ([109])، فحصر الطلاق فيما كان عن وطر وهو الغرض المقصود، والغضبان بهذه الصورة لا وطر له.

10 ـ أن الطلاق حكم شرعي يستدعي دليلا شرعيا، وهو إما نص أو معقول نص، وكلاهما منتف، وبما أن اللازم منتف فالملزوم مثله.. وكذلك فإن النكاح ثابت بإجماع فلا يزول إلا بإجماع مثله، أو أن نكاحه قبل صدور هذا اللفظ منه ثابت بالإجماع والأصل بقاؤه حتى يثبت ما يرفعه.

11 ـ قياس الغضبان عل المكره: وذلك من وجوه، منها أن كلاهما يشترك في إرادة التنفيس عن الألم، لأن الأمر الذي حمل المكره على التكلم بالطلاق هو قصد الاستراحة من توقع ما أكره به أو من ألم ما أكره به، وهو يستوي في هذا مع الغضبان لأنه إذا اشتد به الغضب يألم بحمله، فيقول ما يقول ويفعل ما يفعل ليدفع عن نفسه حرارة الغضب، فيستريح بذلك، ومثله من يلطم وجهه ويصيح صياحا قويا ويلقي ما في يده دفعا لألم الغضب.

ومنها أن العاقل لا يستدعي الغضب ولا يريده، بل هو اكره شئ إليه، فلذلك لم يكن ذلك مضافا إلى اختياره وإرادته، فكما أن إرادة السبب إرادة للمسبب، فكذلك كراهة السبب وبغضه كراهة للمسبب.

ومنها أن الخوف في قلب المكره كالغضب في قلب الغضبان، لكن المكره مقهور بغيره من خارج، والغضبان مقهور بغضبه الداخل فيه، وقهر الإكراه يبطل حكم الأقوال التي أكره عليها ويجعلها بمنزلة كلام النائم والمجنون دون حكم الأفعال لأنه يقتل إذا قتل ويضمن إذا تلف، فكذلك قهر الغضب يبطل حكم أقوال الغضبان دون أفعاله حتى لو قتل في هذه الحالة قتل أو أتلف شيئا ضمنه.

ومنها أن المكره أحسن حالا من الغضبان من عدة وجوه، فلذلك لا يقع طلاقه من باب فحوى الخطاب.

ومن الأمور التي يفضل فيها المكره على الغضبان أن للمكره قصدا وإرادة حقيقة لكنه محمول عليه، أما الغضبان فليس له قصد في الحقيقة فإذا لم يقع طلاق المكره، فطلاق هذا أولى بعدم الوقوع.

ومنها أن الغضبان قد يفعل امورا من شق الثياب وإتلاف المال ما لو أكره بها لم يفعلها، وهذا يدل على أن المقتضي لفعلها فيه اولى من اقتضاء الاكراه لفعلها والمكره لو فعل به ذلك كان مكرها فالغضبان كذلك.

12 ـ قياس الغضبان على الناسي: لأن الناس لا يؤاخذ بنسيانه، ولهذا لم يؤاخذ فتى موسى u لما قال:{ وَمَا أَنْسَانِي إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ }(الكهف:63)، والعلة في عدم المؤاخذة به هي أنه من أثر فعل الشيطان في القلب، وهو يشترك في ذلك مع الغضب فقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الغضب من الشيطان، فيكون أثره مضافا إليه، فلا يؤاخذ به العبد كأثر النسيان.

فلو حلف ـ مثلا ـ أن لايتكلم بكذا، فتكلم به ناسيا لم يحنث لعدم قصده وارادته لمخالفة ما عقد يمينه عليه، وهذه نفس حال الغضبان، لأنه لم يقصد حقيقة ما تكلم به وموجبه بل جرى على لسانه كما جرى كلام الناسي على لسانه.

13 ـ قياس الغضبان على المريض: فالغضب مرض من الأمراض وداء من الأدواء، يقول ابن القيم:(هو في أمراض القلوب نظير الحمى والوسواس والصرع في أمراض الأبدان،فالغضبان المغلوب في غضبه كالمريض والمحموم والمصروع المغلوب في مرضه والمبرسم المغلوب في برسامه) ([110])

ثم بين وجه القياس على الغضب المتوسط بقوله:(وهذا قياس صحيح في الغضبان الذي قد اشتد به الغضب حتى لا يعلم ما يقول، وأما إذا كان يعلم ما يقول ولكن يتكلم به حرجا وضيقا وغلقا لا قصدا للوقوع فهو يشبه المبرسم والهاجر من الحمى من وجه، ويشبه المكره القاصد للتكلم من وجه، ويشبه المختار القاصد للطلاق من وجه فهو متردد بين هذا وهذا وهذا، ولكن جهة الاختيار والقصد فيه ضعيف فإنه يعلم من نفسه أنه لم يكن مختارا لما صدر منه من خراب بيته وفراق حبيبه وكونه يراه في يد غيره فإن كان عاقلا لايختار هذا الا ليدفع به ما هو أكره إليه منه أو ليحصل به ما هو أحب إليه فإذا انتفى هذا أو هذا لم يكن مختارا لذلك وهذا أمر يعلمه كل إنسان من نفسه فصار تردده بين المريض المغلوب والمكره المحمول على الطلاق وأيهما كان فانه لا ينفذ طلاقه)

ويذكر أن من الناس من إذا لم ينفذ غضبه قتله أو مرض مرضا شديدا أو أغشى عليه، فإذا نفذ مثل هذا غضبه بقتل أو ظلم لغيره لم يعذر بذلك، أما إذا نفذ بقول فانه يمكن إهدار قوله وان لا يترتب أثره عليه، وخاصة إذا كان التلفظ بالطلاق دواء لهذا المرض وشفاء له بإخراج هذه الكلمة من صدره وتنفسه بها([111])، يقول ابن القيم:(فمن كمال هذه الشريعة ومحاسنها وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة أن لا يؤاخذ بها ويلزم بموجبها وهو لم يلتزمه) ([112])

14 ـ أن العبرة في العقود بالمقاصد: فالغضبان ليس له قصد معتبر في حل عقدة النكاح، بخلاف الهازل لأنه قصد التكلم باللفظ وإراده رضا واختيار منه لم يحمل على التلفظ به، فالسبب الذي إليه قد أتي به اختيارا وقصدا مع علمه به لم يحمل عليه، والسبب إلى المشرع ليس إليه فلا يصح قياس أحدهما بالآخر وكيف يقاس الغضبان على المتخذ آيات الله هزؤا؟

ثم إن الشريعة اعتبرت العوارض النفسية، وجعلت لها تأثير في القول إهدارا واعتبارا وإعمالا وإلغاء، كما ذكرنا سابقا، وعارض الغضب لا يقل عنها، بل قد يكون أقوى من كثير من سائر العوارض، فإذا كان الواحد من هؤلاء لا يترتب على كلامه مقتضاه لعدم القصد فالغضبان الذي لم يقصد ذلك أن لم يكن أولى بالعذر منهم لم يكن دونهم.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة والأوفق بمقاصد الشريعة من تضييق باب الطلاق هو القول الثاني، بأدلته الكثيرة، والتي بذل ابن القيم جهده فيها، قال ابن القيم:(هذا ما ظهر في هذه المسألة بعد طول التأمل والفكر، ونحن من وراء القبول والشكر لمن رد ذلك بحجة يجب المصير إليها، ومن وراء الرد على من رد ذلك بالهوى والعناد) ([113])

وقد يرى البعض أن معظم هذه الأدلة عامة، وأكثرها فهوم لا علاقة لها بهذا الباب، وهذا خطأ في التعامل مع الأدلة الشرعية، لأنه لو قلنا ذلك لعطلنا الأدلة العامة، وانغمسنا فيما نتصوره نحن من خصوصيات قد لا تصح، فالفقه الإسلامي هو شرع الله تعالى، وهذا الشرع يتناسق تناسقا تاما في جميع ميادينه، فلذلك لا غرابة أن يستدل ابن القيم لهذه المسألة بعدم إجابة دعاء الغضبان على ولده، وهي مسألة أقرب للغيب منها للعمل، ومع ذلك فإن وجه الاستدلال صحيح، لأن الذي يستجيب الدعاء هو الله تعالى، فإذا لم يستجب لعبده في حال الغضب، وكان دعاء العبد في ذلك الحال لغو، فالأولى أن يلغى كلامه مع عبد مثله لثبوت الضرر في كليهما.

فالقياس على هذا أصح من القياس على المعاوضات ونحوها لتعلقها بحقوق العباد، ولأن الرحمة بأحد المتعاقدين قد تضر الآخر، أما في الطلاق فالضرر يصيب العاقد والمعقود عليه، فلذلك كانت الرحمة بأحدهما رحمة بالآخر.

ثم إن هذه المسألة مما تعم به البلوى، والفتوى بوقوع طلاق الغضبان إما أن ينتج خراب بيوت الورعين، أو أن يظل الشخص مع زوجته، وهو يعتقد في قرارة نفسه على ما أفتي له أنه في حالة عشرة حرام دائمة معها، وفي ذلك ما فيه من المفاسد والأضرار.

وقد استقبلت رسالة ابن القيم في عدم وقوع طلاق الغضبان بالرفض من كثير من الفقهاء حتى الحنابلة أنفسهم، قال ابن عابدين نقلا عن بعض الحنابلة:(وللحافظ ابن القيم الحنبلي رسالة في طلاق الغضبان قال فيها إنه على ثلاثة أقسام أحدها أن يحصل له مبادي الغضب بحيث لا يتغير عقله ويعلم ما يقول ويقصده وهذا لا إشكال فيه، الثاني أن يبلغ النهاية فلا يعلم ما يقول ولا يريده فهذا لا ريب أنه لا ينفذ شيء من أقواله، الثالث من توسط بين المرتبتين بحيث لم يصر كالمجنون، فهذا محل النظر والأدلة تدل على عدم نفوذ أقواله(، فبعد أن حكى قول ابن القيم في المسألة قال:(لكن أشار في الغاية [وهو من كتب الحنابلة] إلى مخالفته في الثالث حيث قال: ويقع طلاق من غضب خلافا لابن القيم)، ويعقب عليه في الحاشية بقوله:(وهذا الموافق عندنا)([114])

ونقل ابن حجر عن بعضهم قوله في الرد على ابن القيم، فقال:(وقال ابن المرابط: الإغلاق حرج النفس، وليس كل من وقع له فارق عقله، ولو جاز عدم وقوع طلاق الغضبان لكان لكل أحد أن يقول فيما جناه كنت غضبانا)،قال ابن حجر تعقيبا عليه:(وأراد بذلك الرد على من ذهب إلى أن الطلاق في الغضب لا يقع، وهو مروي عن بعض متأخري الحنابلة، ولم يوجد عن أحد من متقدميهم الا ما أشار إليه أبو داود)([115])

وفي مقابل ذلك كتب الرصافي قصيدته التي أشرنا إليها سابقا يثني فيها على ابن القيم، ويذكر في ذلك قصة امرأة طلقها زوجها في حال غضب، ثم يذكر لهما ما حصل بعد ذلك من ندم وحسرة، ولهذا التصوير قيمته في الترجيح، فالفقيه هو الذي يتصور ما ينجر عن المسألة من المخاطر قبل الرمي بفتواه، فإن رأى ما لديه من قناعة من حيث الأدلة أو من حيث المذهب الذي يقلده، يتنافى مع المصلحة الشرعية، فالأولى أن يسكت ويتوقف حتى لا يضر غيره لقناعة اقتنعها اليوم قد يقتنع بغيرها غدا، أو لإمام اتبعه اليوم قد يتبع غيره غدا، يقول الرصافي:

بدت كالشمس يحضنها الغروب

   فتاة راع نضرتها الشحوب

منزهة عن الفحشاء خود

  من الخفرات آنسة عروب

نور تستجد بها المعالي

  وتبلى دون عفتها العيوب

وبعد أن وصفها بما شاء أن يصفها به من حسن وجمال ذكر تغير حالها فجأة، فقال:

ولكن الشوائب أدركته

   فعاد وصفوه كدر مشوب

ذوي منها الجمال الغض وجدا

   وكاد يجف ناعمه الرطيب

أصابت من شيبتها الليالي

   ولم يدرك ذؤابتها المشيب

ثم يذكر سبب هذا التغير المفاجئ الذي حصل لها، وهو تطليق زوجها لها في حالة غضب ليس معها، فقد كان حبل المودة بينهما متصلا، وإنما مع رفقائه وخلطائه:

رعى ورعت فلم تر قط منه

   ولم ير قط منها ما يريب

توثق حبل ودهما حضورا

  ولم ينكث توثقه المغيب

فغاضب زوجها الخلطاء يوما

  بامر للخلاف به نشوب

فاقسم بالطلاق لهم يمينا

   وتلك النية خطا وحوب

وطلقها على جهل ثلاثا

  كذلك يجهل الرجل الغضوب

وبعدما حصل هذا الطلاق الثلاث في تلك الحالة ذهب لأصحاب الفتوى الذين سارعوا للتفريق بينه وبين زوجته:

وأفتى بالطلاق طلاق بت

   ذوو فتيا تعصبهم عصيب

فبانت عنه لم تأت الدنايا

   ولم يعلق بها الذام المعيب

ثم يصور تصويرا جميلا ما حصل لهما بعد الطلاق من حزن وأسف تجعل المفتي الذي يتصور هذه الحالة يتوقف دهرا قبل أن ينبس بكلمة:

فظلت وهي باكية تنادي

   بصوت منه ترتجف القلوب

لماذا يا نجيب صرمت حبلي

   وهل أذنبت عندك يا نجيب

ابن ذنبي إلي فدتك نفسي

  فإني عنه بعدئذ أتوب

أما عاهدتني بالله أن لا

   يفرق بيننا إلا شعوب

لئن فارقتني وصددت عني

  فقلبي لا يفارقه الوجيب

فما لفتت إليه الجيد

  حتى تخطفه بأزمتيه ذيب

فراحت من تحرقها عليه

   بداء مالها فيه طبيب

تشم الأرض تطلب منه ريحا

  وتنجب والبغام هو النحيب

وتمزع في الفلاة لغير وجه

  وآونة لمصرعه تؤوب

ويذكر إجابته لها وحسرته عليها، والتي لا تقل عن حسرتها عليه، فيقول:

فأطرق رأسه خجلا وأغضى

   وقال ودمع عينيه سكوب

نجيبة اقصري عني فاني كفاني

  من لظي الندم اللهيب

وما والله هجرك باختياري

   ولكن هكذا جرت الخطوب

فليس يزول حبك من فؤادي

  وليس العيش دونك لي يطيب

6 ـ الهزل

عرفه السرخسي بأنه اسم لكلام يكون على نهج كلام الصبيان، لا يراد به ما وضع له([116])، وعرفه ابن القيم بأنه الذي يتكلم بالكلام من غير قصد لموجبه وحقيقته، بل على وجه اللعب([117])، وعرف بأن يراد بالشيء ما لم يوضع له، وهو ضد الجد، وهو أن يراد بالشيء ما وضع له([118]).

وليس المراد من الوضع هاهنا وضع أهل اللغة لا غير، كالأسد للهيكل المعلوم والإنسان للحيوان الناطق، بل المراد وضع العقل أو الشرع،لأن الكلام موضوع عقلا لإفادة معناه حقيقة كان أو مجازا، والتصرف الشرعي موضوع لإفادة حكمه، فإذا أريد بالكلام غير موضوعه العقلي، وهو عدم إفادة معناه أصلا، وأريد بالتصرف غير موضوعه الشرعي، وهو عدم إفادته الحكم أصلا فهو الهزل.

وبهذا يتبن الفرق بين المجاز والهزل، لأن الموضوع العقلي للكلام وهو إفادة المعنى في المجاز مرادا، وإن لم يكن الموضوع له اللغوي مرادا، وفي الهزل كلاهما ليس بمراد، ولهذا فسر الهزل باللعب، لأن اللعب ما لا يفيد فائدة أصلا، وعبر عنه بعضهم بأنه ما لا يراد به معنى، ولتفادي هذا الاشتباه كان أنسب التعاريف أن يقال بأن الهزل هو كلام لا يقصد به ما صلح له الكلام بطريق الحقيقة، ولا ما صلح له بطريق المجاز([119]).

انطلاقا من هذا، فقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق الهازل على قولين:

القول الأول: عدم وقوع طلاقه، وهو قول الإمامية بناء على الأصول التي اعتمدوها في هذا الباب، والتي سبق ذكرها، فهم ينصون على أنه لابد في المطلق من خمسة شروط: أن يكون زوجاً، بالغاً، عاقلاً، مختاراً، قاصداً، فلا يقع طلاق السكران، ولا من زال عقله بإغماه أو تناول النوم. ولا أثر لطلاق المكره. ولو بالإنذار والتهديد مع غلبة الظن بان المتوعد على فعل ما توعد به. ولا لطلاق الهازل والمخطئ أخذاً بقول الصادق: (لا يجوز الطلاق في استكراه. ولا طلاق إلا لمن أراد الطلاق)، ولأن الايقاعات والعقود بكاملها عندهم تابعة للقصود.

القول الثاني: وقوع طلاقه، وهو قول جمهور الفقهاء، بل حكي الإجماع على ذلك، قال المناوي:(يقع طلاق الهازل وحكي عليه الإجماع)([120])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة) ([121])

2 ـ ورود الآثار عن السلف في ذلك، ومنها([122]): قال عمر: أربع جائزات إذا تكلم بهن الطلاق، والعتاق، والنكاح، والنذر، وقال أبو الدرداء: ثلاث اللعب فيهن كالجد: الطلاق، والعتاق، والنكاح، وقال ابن مسعود: النكاح جده ولعبه سواء.

3 ـ أن الهازل أتى بالقول غير ملزم لحكمه، وترتيب الأحكام على الأسباب للشارع لا للعاقد، فإذا أتى بالسبب لزمه حكمه شاء أم أبى؛ لأن ذلك لا يقف على اختياره.

4 ـ أن الهازل قاصد للقول مريد له مع علمه بمعناه وموجبه، وقصد اللفظ المتضمن للمعنى قصد لذلك للمعنى لتلازمهما، إلا أن يعارضه قصد آخر كالمكره والمخادع المحتال؛ فإنهما قصدا شيئا آخر غير معنى القول وموجبه.

5 ـ أن الهازل يختلف عن المكره، لأن قصد المكره دفع العذاب عن نفسه ولم يقصد السبب ابتداء، أما الهازل فقصد السبب ولم يقصد حكمه، ولا ما ينافي حكمه فترتب عليه أثره.

6 ـ أن هذا لا ينتقض بلغو اليمين، لأن اللاغي لم يقصد السب، وإنما جرى على لسانه من غير قصده؛ فهو بمنزلة كلام النائم والمغلوب على عقله.

7 ـ أن الهزل أمر باطن لا يعرف إلا من جهة الهازل، فلا يقبل قوله في إبطال حق العاقد الآخر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة من حيث تحقيق المقاصد الشرعية من حفظ الأسرة هو القول الأول، وهو الذي تدل عليه الأدلة الكثيرة.. لكن مع ذلك فإن للقول الثاني الكثير من المصالح المعتبرة في هذا الباب، ومنها:

الناحية الأولى: تعظيم ما أمر الله بتعظيمه، فالزواج والطلاق أمور معظمة شرعا، بل هي تشبه العبادات في نفسها، ولهذا يستحب عقد الزواج في المساجد، مع النهي عن البيع فيها، فلذلك يجب التعامل معها بالجد الذي تستحقه، فإذا ما أصبحت ميدانا للنكتة والهزل كان في ذلك المفاسد الكبرى سواء على العقيدة أو في السلوك، وقد روي عن أبي الدرداء قال كان الرجل في الجاهلية يطلق، ثم يراجع ويقول: كنت لاعبا، ويعتق ثم يراجع ويقول: كنت لاعبا، فأنزل الله تعالى:{ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا }(البقرة:231) فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(من طلق أو حرم أو نكح أو أنكح فقال إني كنت لاعبا فهو جاد)([123])

قال ابن العربي في تفسيرها:(قال علماؤنا: معناه لا تأخذوا أحكام الله في طريق الهزء، فإنها جد كلها، فمن هزأ بها لزمته..ومن اتخاذ آيات الله هزوا ما روي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل قال لامرأته: أنت طالق مائة، فقال: يكفيك منها ثلاث، والسبعة والتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا (فمن اتخاذها هزوا على هذا مخالفة حدودها فيعاقب بإلزامها، وعلى هذا يتركب طلاق الهازل) ([124])

وليس في هذا تحريم للعب والمزاح، ولكن المزاح واللعب له حدوده، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يمزح مع الصحابة ويباسطهم، أما مع ربه تعالى فيجد كل الجد، ولهذا قال للأعرابي يمازحه: من يشتري مني العبد؟ فقال: تجدني رخيصا يا رسول الله؟ فقال: بل أنت عند الله غال، وقد قصد صلى الله عليه وآله وسلم أنه عبد الله، والصيغة صيغة استفهام، وهو صلى الله عليه وآله وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقا.

أما إذا تعلق الأمر بحدود الله وأحكامه فيجد كل الجد، بل إن النكتة في مثل هذا ثقيلة يرفضها الذوق السليم، قال ابن القيم:(ولو أن رجلا قال: من يتزوج أمي أو أختي، لكان من أقبح الكلام، وقد كان عمر يضرب من يدعو امرأته أخته، وقد جاء في ذلك حديث مرفوع رواه أبو داود أن رجلا قال لامرأته: يا أخته، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أختك هي؟ إنما جعل إبراهيم ذلك حاجة لا مزاحا([125])، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته)([126])

الناحية الثانية: أن في ذلك مصلحة للزوجة حتى لا يؤذيها زوجها في كل الحين بمثل هذا المزاح الثقيل البارد، الذي كان يمارسه أهل الجاهلية الأولى، بل تمارسه الجاهلية المعاصرة عندما تتخذ من قضايا الأسرة الحساسة ميدانا للمسرحيات الهازلة والأفلام الهابطة، والروايات البذيئة، فتجعل من الزواج لعبة تسلية لا كلمة الله الثقيلة وميثاقه الغليظ.

ولنتصور رجلا يدخل على زوجته كل حين ليرمي لها بصيغ الطلاق ما تنهد له الجبال، ثم بعد أن يرى تغير حالها، واحتيارها من هذا التحول المفاجئ، يضحك ضحكة القلوب الفارغة، ويقول لها: إنما كنت أمزح.

كيف نتصور كرامة هذه المرأة التي أصبحت ميدانا للنكتة والمزاح، وكيف نتصور بعد ذلك قيمة هذا الرجل أمامها، وهو يتلاعب معها بأسس العشرة بينهما؟ ثم كيف يقبل قوله بعد ذلك إن طلقها جادا؟

ثالثا ـ التطليق بالوكالة

ينقسم التوكيل في الطلاق بحسب من يوكل إليه إلى قسمين، هما:

توكيل الزوجة

وقد نص أكثر الفقهاء على أن توكيل الزوجة نوعان: تمليك وتخيير، وفيما يلي تفصيل ما يتعلق بهما من مسائل:

التمليك:

تعريفه:

اختلف الفقهاء في تعريفه بحسب مواقفهم منهن فقد عرفه المالكية بأنه جعل إنشائه حقا لغيره راجحا في الثلاث، ومن صيغه: جعلت أمرك أو طلاقك بيدك.

وقد فرق فقهاء المالكية بين التمليك والتوكيل والتخيير، فقالوا: التوكيل هو جعل إنشاء الطلاق لغيره، باقيا منع الزوج منه، أي لأن للموكل له عزل وكيله متى شاء لأن الوكيل يفعل ما وكل فيه نيابة عن موكله.

أما الفرق بين التخيير والتمليك فأمر عرفي لا دخل للغة فيه، فقولهم في المشهور الآتي: أن للزوج البقاء على العصمة والذهاب لمناكرة المملكة دون المخيرة، إنما نشأ من العرف وعلى هذا ينعكس الحكم بانعكاس العرف، وقال القرافي:(إن مالكا رحمه الله بنى ذلك على عادة كانت في زمانه أوجبت نقل اللفظ عن مسماه اللغوي إلى هذا المفهوم، فصار صريحا فيه أي في الطلاق، أي وليس من الكنايات كما قاله الأئمة، قال: وهذا هو الذي يتجه وهو سر الفرق بين التخيير والتمليك، غير أنه يلزم عليه بطلان هذا الحكم اليوم ووجوب الرجوع إلى اللغة([127]).

وقد ذكر القرطبي أن من المالكية من ذهب إلى عدم التفريق بينهما، فقال:(ذهب جماعة من المدنيين وغيرهم إلى أن التمليك والتخيير سواء، والقضاء ما قضت فيهما، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة، وقال ابن شعبان:وقد اختاره كثير من أصحابنا وهو قول جماعة من أهل المدينة،قال أبو عمر وعلى هذا القول أكثر الفقهاء، والمشهور من مذهب مالك الفرق بينهما، وذلك أن التمليك عند مالك هو قول الرجل لامرأته: قد ملكتك أي قد ملكتك ماجعل الله لي من الطلاق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، فلما جاز أن يملكها بعض ذلك دون بعض، وادعى ذلك كان القول قوله مع يمينه إذا ناكرها، وقالت طائفة من أهل المدينة له المناكرة في التمليك وفي التخيير سواء في المدخول بها([128])

وعرفه ابن قدامة بقوله:(هو أن يقول الزوج لزوجته: ملكتك أمرك أو أمرك بيدك)([129])

حكمه:

اختلف الفقهاء في حكم تمليك الزوج زوجته حق طلاق نفسها على قولين:

القول الأول: عدم صحة التمليك سواء كان للزوجة أو لغيرها، وعدم نفوذ ذلك، ويروى عن ابن مسعود،وهو قول الظاهرية، يقول ابن حزم: (ومن خير امرأته فاختارت نفسها، أو اختارت الطلاق، أو اختارت زوجها، أو لم تختر شيئا، فكل ذلك لا شيء، وكل ذلك سواء، ولا تطلق بذلك، ولا تحرم عليه، ولا لشيء من ذلك حكم، ولو كرر التخيير وكررت هي اختيار نفسها، أو اختيار الطلاق ألف مرة. وكذلك إن ملكها أمر نفسها، أو جعل أمرها بيدها ولا فرق) ([130])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن القوامة بيد الرجل، وبها استحق كون العصمة الزوجية بيده، فلا يصح جعلها بيد المرأة.

2 ـ روي أن رجلا قال لامرأة له: إن أدخلت هذا العدل البيت فأمر صاحبتك بيدك، فأدخلته، ثم قالت: هي طالق، فرفع ذلك إلى عمر فأبانها منه، فمروا بعبد الله بن مسعود فأخبروه؟ فذهب بهم إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء، ولم يجعل النساء قوامات على الرجال؟ فقال عمر: فما ترى؟ قال: أراها امرأته، قال عمر: وأنا أرى ذلك، فجعلها واحدة) ([131])

القول الثاني:صحة التمليك ونفوذه، وأن القضاء ما قضت، وهو قول جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ تخيير النبي صلى الله عليه وآله وسلم نساءه، فاخترنه، وقصة ذلك كما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءها حين أمر الله أن يخير أزواجه قالت: فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك،وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله قال:{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:28) إلى تمام الآيتين، فقلت له:(ففي أي هذا أستأمر أبواي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة)([132])

2 ـ أن الطلاق تصرف شرعي قولي، وهو حق الرجل كما تقدم، فيملكه ويملك الإنابة فيه كسائر التصرفات القولية الأخرى التي يملكها، كالبيع والإجارة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن للزوج الحق في تمليك زوجته حق طلاقها مع استحسان أن لا يتم ذلك الطلاق إلا بتلفظه به، متى احتاجت إلى إيقاعه([133])، والقصد من هذا الحكم مراعاة أمرين:

1 ـ حق الزوج في توكيل وتفويض الزوجة أمر نفسها، وهو حق شرعي لا يمكن إلغاؤه، لأن من ملك الشيء كان له الحق في تمليكه.

2 ـ أن لا يكون ذلك إلا بتلفظ الزوج مراعاة لاشتراط كون التطليق بيد الرجل كما سبق من قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(الطلاق لمن أخذ بالساق)، ولأن توكيل الأمر وتفويضها تفويضا مطلقا سيؤول لا محالة إلى الفراق بأي سبب من الأسباب، لذلك كان الأوفق بسد باب توسيع أسباب الطلاق هو إبقاء الطلاق بيد الرجل.

زيادة على ذلك، فإن الرجل قد يكون سبب تمليكه لزوجته هذا سبيلا للتخلص منها ثم الادعاء بأن الفراق كان منها، فلذلك كان في هذا تشريكا له في المسؤولية، فهو يملك أن يعطي هذا الحق، ولكن إجازته تبقى رهينة رأيه النهائي.

أما الاستدلال على هذا بما وقع من تخيير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه، فلا يصح الاستدلال به، بل إن آية التخيير حملت أشياء كثيرة في هذا الباب لا تحتملها([134])، فلذلك لا بأس أن نذكر هنا أساس الاستدلال بها، وما نراه من الترجيح في فهمها، لأن معظم استدلالات الباب ترتبط بها.

وقد ذكر العلماء أن في موضوع التخيير في الآية خلافا على قولين، هما:

1 ـ أن التخيير كان بين البقاء على الزوجية أو الطلاق، وقد قال بذلك عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي وابن شهاب وربيعة.

2 ـ أن التخيير كان بين الدنيا، فيفارقهن وبين الآخرة، فيمسكهن لتكون لهن المنزلة العليا كما كانت لزوجهن، ولم يخيرهن في الطلاق، ذكره الحسن وقتادة ومن الصحابة علي فيما رواه عنه أحمد بن حنبل أنه قال: لم يخير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءه إلا بين الدنيا والآخرة.

وقد رجح أكثر العلماء القول الأول، كما قال القرطبي:(قلت القول الأول أصح لقول عائشة لما سئلت عن الرجل يخير امرأته فقالت: قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفكان طلاقا، وفي رواية فاخترناه فلم يعده طلاقا، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا التخيير المأمور بين البقاء والطلاق لذلك قال:(يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تعجلي فيه تستأمري أبويك)، الحديث ومعلوم أنه لم يرد الإستئمار في اختيار الدنيا وزينتها على الآخرة،فثبت أن الإستئمار إنما وقع في الفرقة أو النكاح([135]).

وبنوا على هذا الترجيح الأحكام الكثيرة التي سنراها سواء فيما يتعلق بالتمليك أو بالتخيير، ونرى أن الخلاف في المسألة غير صحيح، وأن كلا القولين يذكر ناحية من نواحي التخيير، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم خير نساءه بين أمرين: بين الحياة الدنيا وزينتها مما أباح الله تعالى، وبين ما تقتضيه مسؤولية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرسالية من زهد وتضحية، وعقب عن كل اختيار من ذينك الخيارين نتيجة تخصه، فنتيجة الخيار الأول الذي هو ابتغاء الحياة الدنيا هي أن يسرحهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سراحا جميلا، والسراح الجميل هو الطلاق الذي لا يحمل أي ضرر، ونتيجة الخيار الثاني هي إمساكهن مع الأجر العظيم المعد لهن.

فهذا ما يفهم من ظاهر الآية، فالتخيير بهذا ومثله التمليك، ليس طلاقا ولا صيغة من صيغ الطلاق كما اختار أكثر الفقهاء، وإنما هو من باب حسن العشرة الزوجية، فالزوج إن كان كريم الأصل، ورأى نفور زوجته منه جعل لها الحق في اختيار نفسها سواء بصيغة التمليك أو صيغة التخيير من غير أن يلزمه ذلك شيئا، لأن الشرع جعل له الحق في حال نفور زوجه منه من غير سبب يرجع إليه في أن تفتدي بمالها وتعوض عليه بعض الضرر الذي أصابه من فراقها له.

فإذا تنازل بحسن وخلقه وخيرها يبقى أمر الطلاق بيده في حال اختيارها مفارقته، وهو ما صرحت به الآية في قوله تعالى:{ فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:28)، فلم يرتب الله تعالى الفراق بمجرد اختيارهن بل ربطه بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ما جعل للرجال من حق الطلاق.

وقد رجح هذا ابن حزم هذا المعنى للآية عند رده على الفهوم التي استندت لها وجعلتها بابا من أبواب الطلاق، فقال:(وأما غيرهم فنقول: لهم الآية نفسها تبطل دعواكم، لأن نصها { إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:28)، فإنما نص الله تعالى أنه إن أردن الدنيا ولم يردن الآخرة طلقهن حينئذ من قبل نفسه مختارا للطلاق، لا أنهن طوالق بنفس اختيارهن الدنيا، ومن قال هذا فقد حرف كلام الله تعالى وأقحم في حكم الآية كذبا محضا ليس فيها منه نص ولا دليل) ([136])

مدته:

اختلف الفقهاء في المدة التي يستمر فيها توكيل الزوج لزوجته على قولين:

القول الأول: أنه متى جعل أمر امرأته بيدها، فهو بيدها أبدا، لا يتقيد ذلك بالمجلس، وقد روي ذلك عن علي، وبه قال الحكم، وأبو ثور، وابن المنذر، وهو قول الإمامية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قول علي في رجل جعل أمر امرأته بيدها، قال: هو لها حتى تنكل، وليس له مخالف من الصحابة مخالفا، فيكون إجماعا.

2 ـ أنه نوع توكيل في الطلاق، فكان على التراخي، كما لو جعله لأجنبي.

القول الثاني: أن ذلك مقصور على المجلس، ولا طلاق لها بعد مفارقته، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، واستدلوا على ذلك بأنه تخيير لها، فكان مقصورا على المجلس، كقوله: اختاري.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن ذلك بحسب صيغة التوكيل وملابساته، فإن أفادت الصيغة الديمومة كانت دائمة، وإن اقتصرت على فترة معينة قصرت عليها، وفي حال عدم دلالة الصيغة أو المناسبة أو العرف، فإن الزوج مصدق في مراده من تمليكه، فهو أحق بهذا الأمر الذي وكله الشرع إليه من غيره.

نكول الزوج عن تمليك الزوجة أمرها:

اختلف الفقهاء فيما لو رجع الزوج فيما جعل لزوجته من تلميكها أمر نفسها، أو قال: فسخت ما جعلت إليك، هل يقبل منه أم لا على قولين:

القول الأول: يقبل منه، ويبطل ما جعل لها، وإن وطئها الزوج كان رجوعا، وإن ردت المرأة ما جعل إليها بطل، كما تبطل الوكالة بفسخ الوكيل، وهو قول عطاء، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، وإسحاق وأحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنه توكيل، فكان له الرجوع فيه كالتوكيل في البيع، وكما لو خاطب بذلك أجنبيا.

2 ـ أن الطلاق لا يصح تمليكه، ولا ينتقل عن الزوج، وإنما ينوب فيه غيره عنه، فإذا استناب غيره فيه كان توكيلا لا غير.

3 ـ إن سلم أنه تمليك، فالتمليك يصح الرجوع فيه قبل اتصال القبول به، كالبيع.

القول الثاني: ليس له الرجوع في قوله، وهو قول الزهري، والثوري، ومالك، والحنفية، واستدلوا على ذلك بأنه ملكها ذلك، فلم يملك الرجوع، كما لو طلقت.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن للزوج حق الرجوع فيما ملكه لزوجته، لأنه حقه كما ذكرنا سابقا، فقد يرى الزوج مفسدة في ترك الأمر بيد زوجته، فلذلك كان له حق التراجع، أما الزوجة إن أرادت فراق زوجها، فإن الشرع قد وضع لها ذلك في إطاره المحدد.

وقوع الطلاق بالتمليك حال رد الزوجة:

اختلف الفقهاء في وقوع الطلاق بمجرد تمليك المرأة في حال ردها، لما جعل لها على قولين:

القول الأول: لا يقع الطلاق بمجرد هذا القول، ما لم ينو به إيقاع طلاقها في الحال، أو تطلق نفسها، فإذا ردت الأمر الذي جعل إليها بطل، ولم يقع شيء، أما إن نوى بهذا تطليقها في الحال، طلقت في الحال، ولم يحتج إلى قبولها، كما لو قال: حبلك على غاربك، وهو قول أكثر العلماء، لأنه توكيل، أو تمليك لم يقبله المملك، فلم يقع به شيء، كسائر التوكيل والتمليك.

القول الثاني: يقع الطلاق بمجرد هذا القول، فلذلك إن ردت ما جعل لها، تقع واحدة رجعية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اعتبار نيته في التلفظ بهذا اللفظ، فإن أراد به الطلاق فهو طلقة واحدة حتى ولو نوى ثلاثا ـ كما سنرى في صيغة الطلاق ـ ولا ينبغي أن يحمل كلامه على غير ما أراده، فهو مصدق على كل حال.

افتقار التمليك لنية الزوج:

اختلف الفقهاء في افتقار تمليك الزوج أو توكيله زوجته إلى نية أم لا على قولين:

القول الأول: أن تمليك الزوج زوجته أمرها كناية في حق الزوج، يفتقر إلى نية أو دلالة حال، كما في سائر الكنايات، فإن عدم لم يقع به طلاق، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، واستدلوا على ذلك بأنه ليس بصريح، وإنما هو كناية، فيفتقر إلى ما يفتقر إليه سائر الكنايات.

القول الثاني:أنه لا يفتقر إلى نية، وهو قول مالك، لأنه من الكنايات الظاهرة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو عدم اعتباره صيغة من صيغ الطلاق، فلذلك لا يحتاج إلى البحث عن نيته والتشويش عليه بذلك، فقد يحمله الورع أو التورع على تطليقها من غير إرادته، فالوسوسة في الطلاق وصيغه أخطر من الوسوسة في أبواب الطهارة، وكم من البيوت خربت بسبب هذا النوع من الورع، والسبب فيه في أكثر الأحيان من يتجرأ على الفتوى، فيظل يوسوس له بأنه زان إن بقي مع زوجته بعد تلفظه بتلك الصيغة أو غيرها.

فلذلك نرى في مثل هذا أن يترك لحاله، ولو شاء أن يطلق لطلق باللفظ الفصيح الصريح الذي لا يحمل أي شبهة، فمن الخطأ أن ندرأ الحدود بالشبهات، ولا نحفظ البيوت بالشبهات.

افتقار التمليك لنية الزوجة:

اختلف الفقهاء القائلون بالتمليك فيما لو قبلت المرأة التمليك بلفظ الكناية، هل يفتقر إلى نيتها أم لا على قولين:

القول الأول: يفتقر وقوع الطلاق إلى نيتها، وأنه يقع الثلاث إذا نوت، وهو قول الشافعية والحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنها موقعة للطلاق بلفظ الكناية، فافتقر إلى نيتها، كالزوج.

2 ـ أن اللفظ يحتمل الثلاث؛ لأنها تختار نفسها بالواحدة، وبالثلاث، فإذا نوياه وقع، كقوله: أنت بائن.

القول الثاني: لا يفتقر وقوع الطلاق إلى نيتها، لا يقع إلا واحدة بائنة، وإن نوت ثلاثا،وهو قول الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن الزوج علق الطلاق بفعل من جهتها، فلم يفتقر إلى نيتها، كما لو قال: إن تكلمت فأنت طالق فتكلمت.

2 ـ أن ذلك تخيير، والتخيير لا يدخله عدد، كخيار المعتقة، إذا نوى الزوج.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو عدم القول بكلا القولين كما ذكرنا سابقا، ولكن أيسرهما هو القول الثاني، من باب تقليل عدد الطلقات.

اختلاف الزوجين في عدد الطلقات المملكة:

اختلف الفقهاء فيما لو طلقت نفسها ثلاثا، وادعى الزوج أنه لم يجعل إليها إلا واحدة على قولين:

القول الأول: لا يلتفت إلى قوله، والقضاء ما قضت، وقد روي هذا القول عن عثمان، وابن عمر، وابن عباس، وروي ذلك عن علي، وفضالة بن عبيد. وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وهو قول أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنه لفظ يقتضي العموم في جميع أمرها؛ لأنه اسم جنس مضاف، فيتناول الطلقات الثلاث، كما لو قال: طلقي نفسك ما شئت.

2 ـ أنه من الكنايات الظاهرة، والكنايات الظاهرة تقتضي ثلاثا.

القول الثاني: أنها تطليقة واحدة،وقد روي عن عمر، وابن مسعود، وبه قال عطاء ومجاهد، والقاسم، وربيعة، ومالك والأوزاعي، والشافعي([137])، واستدلوا على ذلك بأنه نوع تخيير، فيرجع إلى نيته فيه، كقوله: اختاري.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة مثلما ذكرنا سابقا أن له الحق في طلقة واحدة يملكها هو ويتلفظ بها هو تلفظا صريحا، ولا ينبغي أن نتصور هنا أننا نخالف بذلك ما روي عمن ذكر من الصحابة لأن أكثر ما يذكره الفقهاء من هذه النسب تحتاج إلى تمحيص سندي لا يقل عن التمحيص الذي لقيته أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخطورة هذه النقول في حال ضعفها أو وضعها لا تقل عن الأحاديث الشريفة، خاصة وأن دعوى الانتساب للسلف ترتبط بها.

وسنعرض لأمثال هذه النقول عند الحديث عن حكم الطلاق الثلاث في صيغة الطلاق.

تخيير الزوجة

التخيير هو أن يخير الزوج زوجته بين البقاء معه أو الطلاق، وأكثر الفقهاء على جواز ذلك، كما ذكرنا في حكم التوكيل، ويرتبط التخيير بالتمليك في نواح سبق ذكرها، وينفصل عنه في بعضها، وسنذكر هنا بعض المسائل التي قد يبدو تشابهها مع ما سبقها من مسائل، ولكنها تختلف عنها في بعض التفاصيل:

مدة التخيير:

تختلف أحكام مدة التخيير وآثارها بحسب تقييد الزوج لمدة التخيير وعدمها كما سنرى في الحالتين التاليتين:

تقييد المدة:

وهو أن يحدد لها مدة للتخيير كأن يقول لها ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، أو أن يقول لها: اختاري نفسك اليوم، وغدا.

وقد اتفق الفقهاء على أنه يصح هذا التخيير وتعتبر مدته، واختلفوا فيما لو ردته في اليوم الأول، هل يبطل بذلك في الثاني أم لا؟ ومثله ما لو خيرها شهرا، فاختارت نفسها، ثم تزوجها، فهل عليه الخيار في ذلك، وقد اختلف العلماء في هاتين المسألتين على قولين:

القول الأول: لا يبطل في الأولى وأن لها الخيار في الثاني، وهو قول أبي حنيفة، لأنهما خياران في زمنين، فلم يبطل أحدهما برد الآخر.

القول الثاني: يبطل في الأولى، وليس لها الخيار في الثانية، وهو قول الجمهور، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أنه خيار واحد، في مدة واحدة، فإذا بطل أوله بطل ما بعده، كما لو كان الخيار في يوم واحد، وكخيار الشرط وخيار المعتقة.

2 ـ أنهما ليسا خيارين، وإنما هو خيار واحد في يومين بخلاف قوله: اختاري نفسك اليوم، واختاري نفسك غدا. فإنهما خياران؛ لأن كل واحد ثبت بسبب مفرد.

3 ـ أنها استوفت ما جعل لها في هذا العقد، فلم يكن لها في عقد ثان.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو قول الجمهور درءا لمفسدة الطلاق من جهة، ولأن موقفها الأول كاف في بيان رأيها، فإذا ما تراجعت عنه لم يكن ذلك لها.

الحالة الثانية: إطلاق المدة:

وهو أن يطلق التخيير دون تحديد المدة، وقد اختلف الفقهاء في هذه الحالة هل هو على الفور أم على التراخي على قولين:

القول الأول: أن التخيير على التراخي، ولها الاختيار في المجلس وبعده، ما لم يفسخ أو يطأ، وهو قول الزهري، وقتادة، وأبو عبيد، وابن المنذر، ومالك في إحدى الروايتين عنه، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة لما خيرها: إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، وهذا يمنع قصره على المجلس.

2 ـ أنه جعل أمرها إليها، فأشبه أمرك بيدك.

القول الثاني: أن التخيير على الفور، إن اختارت في وقتها، وإلا فلا خيار لها بعده، وهو قول أكثر العلماء، وقد روي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وجابر، وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعية وأبي حنيفة، وأحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ عن سعيد بن المسيب، أنه قال: قضى عمر وعثمان، في الرجل يخير امرأته، أن لها الخيار ما لم يتفرقا.

2 ـ عن عبد الله بن عمر، قال: ما دامت في مجلسها، ونحوه عن ابن مسعود، وجابر، وليس لهم مخالف في الصحابة، فكان إجماعا.

3 ـ أنه خيار تمليك، فكان على الفور، كخيار القبول.

4 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل لها الخيار على التراخي ليس دليلا على هذا، لأنه لم يقع به التطليق.

وقد اتفق أصحاب هذا القول على أنهما لو تفرقا عن ذلك الكلام إلى كلام غيره، فإنه يبطل خيارها، وهو قول أبي حنيفة، وقول للشافعي، وظاهر مذهب أحمد([138])، لأنه تمليك مطلق، تأخر قبوله عن أول حال الإمكان، فلم يصح، كما لو قامت من مجلسها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني لأن عدم التحديد ينصرف إلى وقت الحديث، فإذا لم تجب في ذلك الحين لم يكن لها الحق في التخيير، إلا إذا دلت القرائن على إرادته التراخي، وحكم ذلك ما ذكرنا في الحالة الأولى.

نوع الطلاق الذي تملكه الزوجة بتخيير الزوج:

اختلف الفقهاء في نوع الطلاق الذي تملكه الزوجة بتوكيل الزوج هل هو طلاق رجعي أم بائن على الأقوال التالية:

القول الأول: أن لفظة التخيير لا تقتضي بمطلقها أكثر من تطليقة رجعية([139])، وهو قول ابن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعمر، وعائشة،وهو قول الحنابلة، واستدلوا على ذلك بأنه كناية خفية لا يلزم به شيء إلا بالنية، لأن لفظ التخيير يحتمل التخيير في الطلاق وغيره، فإن أراد الطلاق فيحتمل الوحدة والكثرة، والأصل بقاء العصمة حتى ينوي.

القول الثاني: هي واحدة بائن، وقد روي ذلك عن جابر، وعبد الله بن عمر، وهو قول أبي حنيفة، ورواه ابن خويز منداد عن مالك،واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:28) قالوا هذه الآية تدل على البينونة بالثلاث([140]).

2 ـ أن إحدى نسائه صلى الله عليه وآله وسلماختارت نفسها فكانت ألبتة فكان ذلك أصلا في الخيار([141]).

3 ـ أن المفهوم من هذا اللفظ عادة إنما هو التخيير في الكون في العصمة أو مفارقتها هذا هو السابق للفهم من قول القائل لزوجته خيرتك.

4 ـ أن قوله: اختاري تفويض مطلق، فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم، وذلك طلقة واحدة، ولا يجوز أن تكون بائنا؛ لأنها طلقة بغير عوض، لم يكمل بها العدد بعد الدخول، فأشبه ما لو طلقها واحدة.

5 ـ أن التخيير يخالف التوكيل، بقوله: أمرك بيدك، فإنه للعموم، فإنه اسم جنس، فيتناول جميع أمرها.

القول الثالث: أنها إذا اختارت نفسها أنها ثلاث، وقد روي عن زيد بن ثابت، وهو قول الحسن البصري، وبه قال مالك والليث، لأن الملك إنما يكون بذلك.

القول الرابع: أنها إذا اختارت نفسها فليس بشيء، وقد روي عن علي([142])، وسبق ذكر من قال بذلك من العلماء.

الترجيح:

ذكرنا سابقا أن التخيير والتمليك لا ينوبان عن الطلاق، بل إن الطلاق يبقى دائما بيد الزوج، وأن تخيير الزوج من حسن العشرة لا من صيغ الطلاق، وقد سبق ذكر بعض أدلة ذلك، ومما يدل على ذلك أيضا أن عائشة لم يثبت ذلك عنها قط، إنما المروي عنها أن مسروقا سألها عن الرجل يخير زوجته فتختاره، أيكون طلاقا؟ فإن الصحابة اختلفوا فيه. فقالت عائشة: خير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساءه فاخترنه، أكان ذلك طلاقا؟ وروي، فلم يكن شيئا.

أما قولها: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتخيير نسائه بدأ بي، فقال: إني ذاكر لك أمرا، إن الله تعالى قال: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:28)، وليس في هذا تخيير بطلاق،وإنما يرجع إلى أحد وجهين: التخيير بين الدنيا، فيوقع الطلاق؛ وبين الآخرة فيكون الإمساك.

وليس في الحديث ما يدل على التطليق، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: ابعثي إلى أبويك فقالت: يا رسول الله، لم؟ فقال: إن الله أمرني أن أخيركن. فقالت: إني أختار الله ورسوله، فسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك. فقالت له عائشة: يا رسول الله؛ إن لي إليك حاجة؛ لا تخير من نسائك من تحب أن تفارقني، فخيرهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعا، فكلهن اخترنه، قالت عائشة: خيرنا فاخترناه، فلم يكن طلاقا.

قال القرافي بعد ذكر اتفاق أبي حنيفة والشافعي وأحمد على أن التخيير كناية لا يلزم به شيء إلا بنيته لاحتماله التخيير في الطلاق:(والصحيح الذي ظهر أن قول الأئمة الثلاثة هو مقتضى اللفظ لغة لا مرية في ذلك، وأن مالكا أفتى بالثلاث على عادة كانت في زمانه أوجبت نقل اللفظ عن مسماه اللغوي إلى هذا المفهوم، فصار صريحا فيه، وهذا هو الذي يتجه وهو سر الفرق بين التخيير والتمليك)

ثم عقب على ذلك بقوله:(غير أنه يلزم عليه بطلان هذا الحكم اليوم ووجوب الرجوع إلى اللغة، ويكون كناية محضة كما قاله الأئمة الثلاثة لتغير العرف)، وأعطى قاعدة ذلك، وهي:(أن اللفظ متى كان الحكم فيه مبنيا على نقل عادي بطل ذلك الحكم عند بطلان تلك العادة، وتغير إلى حكم آخر إن شهدت له عادة أخرى، هذا هو الفقه) ([143])

وقوع الطلاق بالتخيير حال رد الزوجة:

اختلف الفقهاء في وقوع الطلاق بمجرد تخيير الزوجة وعدم افتقار ذلك إلى قبولها على قولين:

القول الأول: إن خيرها، فاختارت زوجها، أو ردت الخيار، أو الأمر، لم يقع شيء، وقد روي ذلك عن عمر، وعلي، وزيد، وابن مسعود، وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، وابن المنذر وأحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قول عائشة: قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أفكان طلاقا، وقالت: (لما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتخيير أزواجه، بدأ بي، فقال: إني لمخبرك خبرا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، ثم قال: إن الله تعالى قال: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:28)، حتى بلغ: { فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}(الأحزاب:29)، فقلت: في أي هذا استأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما فعلت.

2 ـ أنها مخيرة اختارت النكاح، فلم يقع بها الطلاق، كالمعتقة تحت عبد.

القول الثاني: تقع واحدة رجعية، وقد روي ذلك عن علي والحسن، وهو رواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بان قوله اختاري كناية عن إيقاع الطلاق فإذا أضافه إليها وقعت طلقة كقوله أنت بائن.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة عدم وقوع الطلاق بالضرورة، ولو اعتبر ذلك طلاقا لكان نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهن مطلقات، وهو ما لا يقبل عقلا ولا شرعا.

ثم كيف يستجاز اعتبار التخيير كناية عن الطلاق، والتخيير في أصل دلالته كناية عن تمسك الزوج بزوجته لا بإرادته فراقها، فلو أراد فراقها لطلقها دون الحاجة لرأيها.

صيغة قبول التخيير:

شدد الفقهاء في الألفاظ التي تدل على قبولها بالتوكيل أو التخيير، حتى أنهم قالوا: لو قالت: اخترت، ولم تقل: نفسي لم تطلق، وإن نوت، ولو قال الزوج: اختاري ولم يقل: نفسك. ولم ينوه، لم تطلق، ما لم تذكر نفسها، ما لم يكن في كلام الزوج أو جوابها ما يصرف الكلام إليه؛ لأن ذلك في حكم التفسير، فإذا عري عن ذلك لم يصح، بخلاف قولها: اخترت أهلي. أو أبوي، فإنه يقع الطلاق بشرط أن تنويه؛ لأن هذا يصلح كناية من الزوج، فيما إذا قال: الحقي بأهلك. فكذلك منها.

ومن الألفاظ التي رفض الفقهاء قبولها احتياطا:

1 ـ لو قالت: اخترت نفسي، فإن هذه الصيغة تفتقر إلى نيتها، لأنه لفظ كناية منها، فإن نوى أحدهما دون الآخر، لم يقع؛ لأن الزوج إذا لم ينو فما فوض إليها الطلاق، فلا يصح أن يوقعه، وإن نوى ولم تنو هي، فقد فوض إليها الطلاق، فما أوقعته، فلم يقع شيء، كما لو وكل وكيلا في الطلاق، فلم يطلق، وإن نويا جميعا، وقع ما نوياه من العدد إن اتفقا فيه، وإن نوى أحدهما أقل من الآخر، وقع الأقل؛ لأن ما زاد انفرد به أحدهما، فلم يقع.

2 ـ لو قالت:قبلت. لم يقع شيء؛ لاحتمال انصرافه إلى قبول الوكالة، فلم يقع شيء، كما لو قال لأجنبي: أمر امرأتي بيدك. فقال: قبلت.

3 ـ لو قالت: أخذت أمري، ليس بشيء حتى تبين.

تكرار التخيير:

اختلف الفقهاء فيما لو كرر الزوج لفظة الخيار، فقال: اختاري، اختاري، اختاري، وقبلت، هل تقع ثلاثا أم واحدة على الأقوال التالية:

القول الأول: إذا قبلت، وقع ثلاثا؛ وهو قول الشعبي، والنخعي وأبي حنيفة، ومالك، واستدلوا على ذلك بأن اللفظة الواحدة تقتضي طلقة، فإذا تكررت اقتضت ثلاثا، كلفظة الطلاق، لأنه كرر ما يقع به الطلاق، فتكرر، كما لو كرر الطلاق.

القول الثاني: أنه واحدةرجعية، وهو قول عطاء، وأبي ثور ورواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن تكرير التخيير لا يزيد به الخيار، كشرط الخيار في البيع.

2 ـ أنه يحتمل التأكيد، فإذا قصده قبل منه، كما لو قال: أنت طالق الطلاق.

توكيل غير الزوجة

اختلف الفقهاء في جواز توكيل الزوج من ينوب عنه في التطليق([144]) على قولين:

القول الأول: عدم اعتبار التوكيل مطلقا صحة ونفوذا، وهو قول الظاهرية([145])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن كل ذلك إلزام حكم لم يلزم قط، وحل عقد ثابت، ونقل ملك بلفظ.

2 ـ أنه لا يجوز أن يتكلم أحد عن أحد إلا حيث أوجب ذلك نص، ولا نص على جواز الوكالة في شيء من هذه الوجوه.

3 ـ أن الأصل أن لا يجوز قول أحد على غيره، ولا حكمه على غيره لقول الله تعالى: { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى }(الأنعام:164)

القول الثاني: جواز ذلك ونفوذه، وهو قول جمهور العلماء، وقد اختلفوا في ذلك مثلما اختلفوا في توكيل الزوجة، هل هو على الدوام أم يبقى خاصا بمجلس التوكيل على ما ذكر سابقا، إلا أن الشافعي وافق على هذا في حق غيرها؛ لأنه توكيل، وقال الحنفية: ذلك مقصور على المجلس؛ لأنه نوع تخيير، فأشبه ما لو قال: اختاري، وقد سبق ذكر أدلة الفريقين.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول إغلاقا لأبواب الطلاق وسدا لمنافذه وحرصا على الحياة الزوجية، وكل ذلك تدل عليه المقاصد الشرعية، وتصرح به النصوص القطعية، فليس في النصوص ما يدل على جعل أمر الحياة الزوجية بيد الغير.

فالطلاق كالصلاة لا تصح الوكالة فيها مطلقا، لأن التوكيل في الصلاة يؤدي إلى قطع الصلة بين العبد وربه، فكذلك الطلاق، قد يؤدي التوكيل فيه إلى قطع الصلة بين المرأة وزوجها، وقد يستغرب هذا القياس، ولكن الأغرب منه هو قياس الحياة الزوجية على البيع والشراء والمعاوضات المالية، فأي صلة بين الحياة الزوجية والحياة الاقتصادية؟ وهل الزوجان سلعة وثمن؟ فلذلك كما يبعد ما ذكرنا من قياس يبعد ما ذكروا منه.

ثم لماذا يلجأ الزوج للتوكيل، إن كان أخرس فتكفيه الإشارة، وإن كان بعيدا تكفيه الرسالة، فليس له عذر يمنعه من إيقاع الطلاق بنفسه، بل إن التكلفة التي يتكلفها للتكليف قد يغنيه ما هو أقل منها على أن يلي الأمر بنفسه، فإنه سيبحث عن الوكيل بشروطه الشرعية، ثم يوكله بصيغة شرعية، وفي كل ذلك تكليف ومشقة.

زيادة على ذلك أن التوكيل قد يصبح بابا من أبواب المساومة، فقد يقع الرجل في ضائقة من الضوائق، فيلتف به من يعجب بزوجته أو يحسده على نعمته، فيجعل إعانته موقوفة على توكيله أمر أسرته.

ثم بعد ذلك كيف تستقر الأسرة، وفي كل لحظة قد يأتي الوكيل ليخبر بأنه قد قرر قطع العلاقة الزوجية.

إن تصور مثل هذا وغيره يكفي للقول بعدم اعتبار الوكالة في هذا الباب، فإن رحمة الشريعة وعدلها وحفاظها على الحقوق تأبى كل ذلك، بل ما هو أدنى من ذلك.

وفيما سنعرضه من أقوال الفقهاء دليل على أن الوكالة في الطلاق ذريعة من ذرائع الفساد تقتضي المصالح المعتبرة سدها.

صفات الوكيل:

نص الفقهاء على أنه يصح توكيل كل من يصح طلاقه لنفسه، فيصح توكيل الكافر، لأنه ممن يصح طلاقه لنفسه، فصح توكيله فيه، ويصح توكيله لامرأة، لأنه يصح توكيلها في العتق، فصح في الطلاق، وإن جعله في يد صبي يعقل الطلاق، انبنى ذلك على صحة طلاقه لزوجته، على ما مضى سابقا من الخلاف بين العلماء في شأنه.

واختلف الفقهاء ـ هنا ـ في جواز توكيل من ليست له أهلية التصرف كالمجنون والصبي غير المميز على قولين:

القول الأول: لا يصح أن يجعل الأمر بأيديهم، فإن فعل، فطلق واحد منهم، لم يقع طلاقه، وهو قول الجمهور،لأنهما ليسا من أهل التصرف، فلم يصح تصرفهم، كما لو وكلهم في العتق.

القول الثاني: يصح أن يجعل الأمر بأيديهم، وهو قول الحنفية.

الترجيح:

إن ما ذكره الفقهاء في هذا دليل على ما ذكرنا سابقا من عدم اعتبار الوكالة، فكيف تستقر الحياة الزوجية بعد توكيل الصبي والمجنون والكافر، وكيف يهنأ عيش الزوجة، وهي تنتظر كل لحظة نوبة من نوبات المجنون تعيدها إلى أهلها أو ترمي بها في الشارع، أو نزوة من نزوات الصبي تدمر البيت على أهله.

إن وجود الاختلاف في مثل هذه المسائل نفسها ينافي المقاصد الشرعية، لأن الحياة الزوجية مبينة على كلمة الله وميثاقه الغليظ، فكيف توضع في أيد لا تعقل ولا تميز ولا تقدر حق الميثاق الغليظ.

ولكن الأساس في كل هذا هو القياس المبني على الوهم أكثر من بنائه عل الواقع، والمبني على الفروع أكثر من بنائه على الأصول، والمغلب للحرفية أكثر من تغليبه للمقاصدية.

توكيل اثنين:

نص الفقهاء على جواز توكيل اثنين في الطلاق، وليس لأحدهما أن يطلق على انفراد، إلا أن يجعل إليه ذلك؛ لأنه إنما رضي بتصرفهما جميعا، واختلفوا فيما لو طلق أحدهما واحدة، والآخر ثلاثا، فقيل بوقوعها واحدة لأنهما طلقا جميعا واحدة، مأذونا فيها، فصح لو جعل إليهما واحدة، وقيل: لا يقع شيء، وهو ما نراه راجحا لما ذكرنا سابقا.

ما يخرج به الوكيل عن الوكالة

إكمالا لما ذكرنا من حكم الوكالة وصفات الوكيل نذكر هنا ما يخرج به الوكيل عن الوكالة، وهو من الأحكام المهمة، وهي وإن كانت عامة إلا أن لها أهميتها الخاصة هنا، على الأقل في تضييق الطلاق عند من يقول باعتبار الوكالة في الطلاق.

وقد نص الحنفية على أن الوكيل يخرج عن الوكالة بأشياء، منها([146]):

عزل الموكل إياه ونهيه:

باعتبار الوكالة عقدا غير لازم([147])، فهو عقد محتمل للفسخ بالعزل والنهي، ويشترط في العزل علم الوكيل به، لأن العزل فسخ للعقد، فلا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، كالفسخ.

ويتحقق العزل بكل ما يدل عليه، فإذا عزله وهو حاضر انعزل، ولو كان غائبا فكتب إليه كتاب العزل، فبلغه الكتاب، وعلم بما فيه، انعزل؛ لأن الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر، ومثله لو أرسل إليه رسولا، فبلغ الرسالة، فإنه ينعزل كائنا ما كان الرسول عدلا كان أو غير عدل، حرا كان أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا، لأن الرسول قائم مقام المرسل معبر وسفير عنه فتصح سفارته بعد أن صحت عبارته على أي صفة كان.

وإن أخبره بالعزل رجلان عدلان كانا أو غير عدلين أو رجل واحد عدل، ينعزل سواء صدقه الوكيل أو لم يصدقه إذا ظهر صدق الخبر؛ لأن خبر الواحد مقبول في المعاملات، فإن لم يكن عدلا فخبر العدلين أو العدل أولى، وقد اختلفوا فيما لو أخبره واحد غير عدل على قولين:

القول الأول: إن صدقه ينعزل، وإن كذبه لا ينعزل،ولو ظهر صدق الخبر، وهو قول أبي حنيفة، لأن الإخبار عن العزل له شبه الشهادة؛ لأن فيه التزام حكم المخبر به وهو العزل، وهو لزوم الامتناع من التصرف، ولزوم العهدة فيما يتصرف فيه بعد العزل، فأشبه الشهادة؛ فيجب اعتبار أحد شروطها وهو العدالة أو العدد.

القول الثاني: ينعزل إذا ظهر صدق الخبر وإن كذبه، وهو قول صاحبي أبي حنيفة، لأن الإخبار عن العزل من باب المعاملات، فلا يشترط فيه العدد، ولا العدالة كما في الإخبار في سائر المعاملات.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، لعدم الضرر من تبين كذب المخبر، بخلاف المفسدة التي تترتب على صدقه إن كان صادقا.

لحاقه بدار الحرب مرتدا:

وقد اختلف الفقهاء([148]) في هذا على قولين:

القول الأول: يخرج به الوكيل عن الوكالة، وهو قول أبي حنيفة، بناء على أن تصرفات المرتد موقوفة عنده، فكانت وكالة الوكيل موقوفة أيضا، فإن أسلم الموكل نفذت. وإن قتل على الردة أو لحق بدار الحرب، بطلت.

القول الثاني: لا يخرج به الوكيل عن الوكالة، وهو قول الجمهور، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن العدالة غير مشترطة فيه، ومثلها الدين.

2 ـ أنه يصح تصرفه لنفسه، فلم تبطل وكالته، كما لو لم يلحق بدار الحرب.

3 ـ أن الردة لا تمنع ابتداء وكالته فلم تمنع استدامتها، كسائر الكفر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول، لأن ارتداده عن دينه وفراره لدار الحرب يجعله عدوا للمسلمين وتحرم موالاته، فكيف يوثق في مثله، ليوكل في مثل هذا، بل لا يصح توكيله مطلقا، لأن التوكيل دليل الثقة والمودة، وقد فرض بغضه في الله، وحرم توليه، أو إلقاء المودة إليه.


([1])   أخرجه الترمذى (3/479، رقم 1176) وقال: – حسن صحيح -. وأخرجه أيضا: أحمد (2/26، رقم 4789)، ومسلم (2/1095، رقم 1471)، وأبو نعيم فى الحلية (7/95)، والبيهقى (7/325، رقم 14690)

([2])   شرح التلويح: 3/334.

([3])   شرح التلويح: 3/334.

([4])   اختلف الحنفية في حد الجنون المطبق على قولين:

القول الأول: هو ما يستوعب الشهر، وهو قول أبو يوسف، لأن هذا القدر أدنى ما يسقط به عبادة الصوم، فكان التقدير به أولى.

القول الثاني: هو ما يستوعب الحول، وهو قول محمد، لأن المستوعب للحول هو المسقط للعبادات كلها فكان التقدير به أولى، شرح التلويح: 3/334..

([5])   أخرجه أحمد (6/144، رقم 25157)، وأبو داود (4/139، رقم 4398)، والنسائى (6/156، رقم 3432)، وابن ماجه (1/658، رقم 2041)، والحاكم (2/67، رقم 2350) وقال: صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أيضا: إسحاق ابن راهويه (3/988، رقم 1713)، والدارمى (2/225، رقم 2296)

([6])   قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان وعطاء بن عجلان ضعيف ذاهب الحديث، الترمذي:3/496،مصنف ابن أبي شيبة: 4/73.

([7])   الأم:5/235.

([8])   تبيين الحقائق:2/195.

([9])   نص الفقهاء على أن هذا بالنسبة لزوجته، أما إذا طلق الصبي أو الكافر زوجة غيره فتصح إجازة الزوج ; لأن المطلق حقيقة الزوج، ولذلك تعتد المطلقة من يوم إجازته لا من يوم الطلاق، انظر:حاشية العدوي:2/98.

([10])   اختلف الفقهاء القائلون بإيقاع طلاق الصبي المميز في السن الذي يكون به مميزا على الأقوال التالية، والتي حكاها ابن قدامة:

القول الأول:  تحديد من يقع طلاقه من الصبيان بكونه يعقل، وهو أكثر الروايات عن أحمد، وهو اختيار القاضي.

القول الثاني:  تحديده بما بين عشر إلى اثنتي عشرة إذا عقل الطلاق، وهو رواية عن أحمد، وهو يدل على أنه لا يقع لدون العشر. وهو اختيار أبي بكر، ووجه ذلك بأن العشر حد للضرب على الصلاة والصيام، وصحة الوصية، فكذلك هذا.

القول الثالث:  إذا أحصى الصلاة، وصام رمضان، جاز طلاقه، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن.

القول الرابع:   إذا بلغ أن  يصيب النساء، وهو قول عطاء.

القول الخامس:  إذا جاوز اثنتي عشرة، وهو قول إسحاق، انظر: المغني:7/290.

([11])   مجمع الزوائد: 4/334، البيهقي: 7/370، الدارقطني: 4/37، ابن ماجة: 1/672، قال ابن حجر: وفي إسناده بن لهيعة وهو ضعيف، وله طريق أخرى عند الطبراني في الكبير، وفيه يحيى الحماني ورواه بن عدي والدارقطني من حديث عصمة بن مالك وإسناده ضعيف، تلخيص الحبير:3/219، وانظر: الدراية: 2/199، كشف الخفاء:2/52.

([12])   أخرجه الترمذى (3/496، رقم 1191)، وقال: لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيف.

([13])   الأم:5/270.

([14])   أخرجه أحمد (1/154، رقم 1327)، وأبو داود (4/140، رقم 4402)، والحاكم (4/430، رقم 8169)

([15])   نص المالكية على أن للولي أن يطلق زوجة الصغير إن رأى المصلحة في ذلك، انظر: حاشية العدوي:2/98.

([16])   المبسوط:25/24.

([17])   عرف التفتازاني الاختيار بأنه القصد إلى مقدور متردد بين الوجود والعدم بترجيح أحد جانبيه على الآخر، شرح التلويح على التوضيح:2/390.

([18])   شرح التلويح على التوضيح:2/390، البحر المحيط:2/75.

([19])   انظر: الفروع: 5/285، منار السبيل: 2/211، كشاف القناع: 5/235، كتب ورسائل ابن تيمية في الفقه: 33/38، المغني: 7/291، المهذب: 2/78، إعانة الطالبين: 4/6، الوسيط: 5/387، حاشية البجيرمي: 4/4، الهداية شرح البداية: 1/229، البحر الرائق: 3/266، حاشية ابن عابدين: 3/235، التاج والإكليل: 4/45، الشرح الكبير: 4/48.

([20])   وقد ذكر ابن حزم قولا ثالثا هو أن طلاق المكره إن أكرهه اللصوص لم يلزمه، وإن أكرهه السلطان لزمه، نسبه إلى الشعبي، ووروى قولا رابعا نسبه إلى إبراهيم وأحد قولي سفيان، وهو أن من أكره ظلما على الطلاق فورك إلى شيء آخر لم يلزمه، فإن لم يورك لزمه، ولا ينتفع الظالم بالتوريك.المحلى:9/464، وما ذكره من هذه الأقوال يؤول إلى ما ذكرنا.

([21])   القرطبي:10/184، نيل الأوطار:7/22، فتح الباري: 9/390، المغني:7/291.

([22])   أخرجه سعيد بن منصور عنه بإسناد صحيح، نيل الأوطار: 7/22.

([23])   قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، الحاكم: 2/216، وانظر: مجمع الزوائد: 6/250، البيهقي: 6/84، ابن ماجة: 1/959، وقد اختلف في الحكم على الحديث على ما يلي:

1. قال ابن رجب:  حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما من طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخرجه ابن حبان في صحيحه والدارقطني وعندهما عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا إسناد صحيح في رواته كلهم محتج بهم في الصحيحين.

2. وقد أنكره الإمام أحمد جدا وقال ليس يروى فيه إلا عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا،وقال أبو حاتم هذه أحاديث منكرةكأنها موضوعة، وقال لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث عن عطاء وإنما سمعه من رجل لم يسمه توهم أنه عبدالله بن عامر أو إسماعيل بن مسلم قال: ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده، انظر: كشف الخفاء: 1/522، جامع العلوم والحكم: 1/373.

([24])   فتح الباري: 9/390.

([25])   قال ابن حجر: رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وأبو يعلى والحاكم والبيهقي من طريق صفية بنت شيبة عنها، وصححه الحاكم،وفي إسناده محمد بن عبد بن أبي صالح وقد ضعفه أبو حاتم الرازي ورواه البيهقي من طريق ليس هو فيها لكن لم يذكر عائشة، وزاد أبو داود وغيره ولا إعتاق، تلخيص الحبير: 3/210، وانظر: الحاكم: 2/216، البيهقي: 7/357، الدارقطني: 4/36، ابن ماجة: 1/660، ابن أبي شيبة: 4/83، أحمد: 6/276.

([26])   انظر: تلخيص الحبير: 3/210، نيل الأوطار:7/22.

([27])   انظر الآثار الواردة عن الصحابة في ذلك في: المحلى:9/463، المصنف لابن أبي شيبة:4/39.

([28])   المحلى:9/463.

([29])   نص الحنفية على أن طلاق المكره واقع سواء كان المكره سلطانا، أو غيره أكرهه بوعيد متلف، أو غير متلف، المبسوط:24/40.

([30])   شرح معاني الآثار:3/95.

([31])   التحقيق في أحاديث الخلاف:2/294، وانظر: نصب الراية: 3/222.

([32])   الحاكم: 2/216، الترمذي: 3/490، البيهقي: 7/340، أبو داود: 2/259، ابن ماجة: 1/658، المنتقى لابن الجارود: 1/178، وهو من رواية عبد الرحمن بن حبيب بن أردك وهو مختلف فيه قال النسائي منكر الحديث ووثقه غيره فهو على هذا حسن، تلخيص الحبير:3/210.

([33])   أخرجه الترمذى (3/496، رقم 1191)، وقال: لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيف.

([34])   قال ابن حجر: ذكره بن أبي حاتم في العلل عن أبي زرعة وأنه واه جدا، تلخيص الحبير:3/217، وقال البخاري: حديث منكر، نصب الراية: 3/222.

([35])   مسلم: 3/1414، البيهقي: 9/145.

([36])   مشكل الآثار:1/127.

([37])   شرح معاني الآثار: 3/95.

([38])   يحتمل أن ذلك لأنه لم ير ذلك إكراها.

([39])   انظر الآثار الواردة عن الصحابة في ذلك في: المحلى:9/463، المصنف:4/39، نصب الراية: 3/223.

([40])   بدائع الصنائع:7/182.

([41])   انظر ما يتعلق بطلاق الهازل في هذا المبحث.

([42])   والمقصود بخوف الإيقاع اليقين أو غلبة الظن، لأن غلبة الظن معتبرة عند عدم الأدلة، وتعذر التوصل إلى الحقيقة.

([43])   البحر المحيط:1/101، كشف الأسرار:4/330، شرح التلويح:2/359.

([44])   المنثور في القواعد الفقهية:2/16.

([45])   الأشباه والنظائر:200.

([46])   المنثور في القواعد الفقهية:2/13.

([47])   قواعد الأحكام:2/121.

([48])   ذكر بعضهم عدم الحاجة لتعريف النسيان معللا ذلك بأنه من الوجدانيات التي لا تفتقر إلى تعريف بحسب المعنى فإن كل عاقل يعلم النسيان كما يعلم الجوع والعطش، انظر: التقرير والتحبير:2/177، ولكن مع ذلك يحتاج لهذا التعريف ولغيره مهما كان معروفا لضرورة الضبط.

([49])   التقرير والتحبير:2/177.

([50])   شرح التلويح:2/335.

([51])   غمز عيون البصائر:1/83.

([52])   مجمع الأنهر:1/148.

([53])   الفتاوى الفقهية الكبرى:4/178.

([54])   المبسوط:6/145.

([55])   درر الحكام:1/360.

([56])   سبل السلام:2/259.

([57])   شرائع الإسلام:3/4.

([58])   فتاوى الرملي:3/294.

([59])   الفتاوى الفقهية الكبرى:4/178.

([60])   الفتاوى الفقهية الكبرى:4/178.

([61])   أحكام القرآن لابن العربي:3/241.

([62])   البخاري: 1/3، ابن حبان: 2/113، البيهقي: 1/215، أبو داود: 2/262، ابن ماجة: 2/1413.

([63])   إعلام الموقعين:3/79.

([64])   انظر التعاريف الكثيرة للشك في:البحر المحيط:1/107.

([65])   المنثور في القواعد:2/255.

([66])   البخاري: 1/64، مسلم: 1/276، ابن خزيمة: 1/16، ابن حبان: 6/389، مسند أبي عوانة: 1/201، الترمذي: 1/109، الدارمي: 1/198.

([67])   البخاري: 2/724، ابن خزيمة: 4/59، ابن حبان: 2/498، الحاكم: 1/116.

([68])   قواعد الأحكام:2/18.

([69])   شرح التلويح:2/390، المبسوط:26/67، البحر المحيط:1/111.

([70])   بدائع الصنائع:3/101.

([71])   المغني: 7/294، المحلى:9/459.

([72])   نقلا عن المحلى:9/459، وهذا بخلاف من حلف بطلاق على شيء فوجده خلافا أو أن لا يكلم فلانا فكلمه ناسيا، ففي المدونة: سئل ابن شهاب عن رجل قال: هذا فلان، فقال رجل: ليس به، قال: امرأته طالق ثلاثا إن لم يكن فلانا، أو قال: إن كلم فلانا فامرأته طالق ثلاثا، فكلمه ناسيا قال: نرى أن يقع عليه الطلاق، وفيها عن يونس أنه سأل ربيعة عن رجل ابتاع سلعة فقال له رجل: بكم أخذتها فأخبره، فقال: لم تصدقني فطلق امرأته إن لم يخبره، فقال: بكم ؟ فقال: بدينار ودرهمين ثم إنه ذكر فقال: أخذتها بدينار وثلاثة دراهم قال ربيعة أرى إن خطأه بما نقص أو زاد سواء قد طلق امرأته ألبتة. انظر: المدونة: 2/80.

([73])   واتفقوا  على أن من صرح بذلك في اللفظ، فقال: طلقتك من وثاقي، أو فارقتك بجسمي، أو سرحتك من يدي. فلا شك في أن الطلاق لا يقع ; لأن ما يتصل بالكلام يصرفه عن مقتضاه، كالاستثناء والشرط.

([74])   والبخارى (6/2551، رقم 6553)، ومسلم (3/1515، رقم 1907)

([75])   إعلام الموقعين: 4/63.

([76])   إعلام الموقعين:4/65.

([77])   إعلام الموقعين:4/66.

([78])   أحكام القرآن لابن العربي: 1/552.

([79])   كشف الأسرار:4/352.

([80])   شرح التلويح على التوضيح:2/369.

([81])   المحلى: 9/472.

([82])   معالم القربة في معالم الحسية:35.

([83])   للشافعي في ذلك قولان: أحدهما: يلزمه الطلاق وعليه أكثر أصحابه. والثاني لا يلزمه وبه قال المزني.

([84])   اختلف قول المالكية في تصرفات السكران فقال مالك: طلاق السكران ونكاحه وجميع أفعاله جائزة إلا الردة فقط، فلا يحكم له في شيء من أموره بحكم المرتد، وروى عنه ابن وهب يجوز طلاقه ولا يجوز نكاحه، وقال مطرف بن عبد الله: لا يلزم السكران شيء ولا يؤاخذ بشيء، إلا بأربعة أشياء لا خامس لها – هكذا قال، ثم سماها – فقال: الطلاق، والعتق، والقتل، والقذف.

      وقال أبو عبدالله المازري: وقد رويت عندنا رواية شاذة أنه لا يلزم طلاق السكران، وقال محمد بن عبدالحكم لا يلزمه طلاق ولا عتاق، وقد نزل ابن رشد الخلاف على المخلط الذي معه بقية من عقله إلا أنه لا يملك الإختلاط من نفسه فيخطئ ويصيب قال فأما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فلا إختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعاله وأحواله فيما بينه وبين الناس وفيما بينه وبين الله تعالى، انظر: القرطبي: 5/204، المدونة:6/24، مواهب الجليل:3/452، التاج والإكليل:4/43.

([85])   أخرجه العقيلي كـما في نصب الراية ( 3 / 222 )، وابن حزم في المحلى ( 10 / 203 ) متصلا وفي سنده بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعن، وروي مرسلا وليس فيه بقية، وفي المتصل والمرسل الغازي بن جبلة قال البخاري: حديثه منكر في طلاق المكره، وكـذا قال أبو حاتم: انظر لسان الميزان ( 4 / 479 )، الكامل لابن عدي ( 6 / 9 )، نصب الراية ( 3 / 222 )

([86])   أخرجه الترمذى (3/496، رقم 1191)، وقال: لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيف.

([87])   قال ابن حزم: هذا خبر مكذوب قد نزه الله تعالى عليا وعبد الرحمن عنه، لأنه لا يصح إسناده، وقد رد عليه من باب المعنى بقوله:» ثم عظيم ما فيه من المناقضة، لأن فيه إيجاب الحد على من لا حد عليه، وهلا قلتم إذا هذى كفر وإذا كفر قتل« المحلى: 10/211، وانظر: زاد المعاد:5/213.

([88])   الأم:5/270.

([89])   منار السبيل: 2/210.

([90])   فتح القدير:1/468.

([91])   المحلى:10/209.

([92])   ونرى انها من المكذوبات الموضوعات التي وضعها بنو امية وأتباعهم لتشويه أقارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

([93])   المحلى:10/209.

([94])   أخرجه الترمذى (3/496، رقم 1191)، وقال: لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان، وعطاء بن عجلان ضعيف.

([95])   المحلى:10/210.

([96])   المحلى:10/210.

([97])   التعاريف:539، التعريفات:209.

([98])   انظر: الروض المريع: 3/145، زاد المستقنع: 181، كشاف القناع: 5/235، حواشي الشرواني: 8/32، حاشية ابن عابدين: 3/244، حاشية الدسوقي: 2/366.

([99])   نقل ابن القيم عن جعفر الصادق  قوله: « لا طلاق الا على بينة، ولا طلاق الا على طهر من غير جماع، وكل طلاق في غضب او يمين او عتق فليس بطلاق الا لمن اراد الطلاق »، فهم يشترطون في وقوع الطلاق اذن الشارع فيه ومالم يأذن فيه الشارع فهو عندهم لاغ غير نافذ، قال ابن تيمية:« وقولهم اصح في الدليل من قول من يوقع الطلاق الذي لم يأذن فيه الله وسوله ويراه صحيحا لازما»، انظر: طلاق الغضبان لابن القيم:64.

([100])   انظر: تفسير الطبري:2/409.

([101])   طلاق الغضبان:34.

([102])   البخاري: 5/2267، ابن حبان: 12/505، النسائي: 6/104.

([103])   أحمد: 4/226، مسند الطيالسي:.25، المعجم الكبير: 17/167.

([104])   أخرجه أحمد (6/276، رقم 26403)، وأبو داود (2/258، رقم 2193)، وابن ماجه (1/660، رقم 2046)، والحاكم (2/216، رقم 2802) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقى (7/357، رقم 14874)

([105])   طلاق الغضبان: 37.

([106])   البخاري: 6/2718، مسلم: 4/2063، ابن حبان: 3/257، النسائي: 6/150، الموطأ: 213، أحمد: 2/243.

([107])   البيهقي: 10/70، المجتبى: 7/28، المعجم الأوسط: 2/297، أحمد: 4/440، المعجم الكبير:18/164.

([108])   البخاري: 6/2616، ابن حبان: 11/449، الترمذي:3/620، البيهقي: 10/105، أبو داود: 3/302، ابن ماجة:2/776.

([109])   البخاري: 5/2019.

([110])   طلاق الغضبان:38.

([111])   ولهذا ذهب بعض الفقهاء الى انه لا يجلد القذف في حال الخصومة والغضب وانما يجلد به اذا اتى به اختيارا وقصدا لقذفه وهو قول قوي جدا ويدل عليه ان الخصم لا يعذر بجرحه لخصمه وطعنه فيه حال الخصومة بقوله: هو فاجر ظالم غاشم يحلف على الكذب ونحو ذلك.

([112])   طلاق الغضبان:55.

([113])   طلاق الغضبان:71.

([114])   حاشية ابن عابدين:3/244.

([115])   فتح الباري: 9/389.

([116])   المبسوط: 7/61.

([117])   إعلام الموقعين:3/100.

([118])   كشف الأسرار:4/357.

([119])   انظر: كشف الأسرار:4/357، شرح التلويح على التوضيح:2/373، التقرير والتحبير:2/195، تحفة المحتاج:8/29.

([120])   فيض القدير:3/300.

([121])   قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد وعبد الرحمن بن حبيب هذا هو بن أردك من ثقات المدنيين ولم يخرجاه، الحاكم:2/216، قال الترمذي:حديث حسن غريب والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي  صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم، الترمذي: 3/490، البيهقي: 7/340، أبو داود: 2/259، ابن ماجة: 1/658.

([122])   انظر هذه الآثار في: ابن أبي شيبة:4/115، مصنف عبد الرزاق: 6/133.

([123])   مجمع الزوائد:4/387.

([124])   أحكام القرآن لابن العربي:1/271.

([125])   إعلام الموقعين:3/100.

([126])  . ابن ماجة: 1/650، البيهقي: 7/322

([127])   انظر: حاشية الصاوي:2/593، الخرشي:4/69.

([128])   القرطبي:14/172.

([129])   المغني:7/308.

([130])   المحلى:9/291.

([131])   ذكره ابن حزم:المحلى:10/119.

([132])   البخاري: 4/1796، مسلم: 2/1103، ابن حبان: 10/89، الترمذي: 5/350 مجمع الزوائد: 5/10، البيهقي: 7/36، النسائي: 3/260، ابن ماجة: 1/662، المعجم الأوسط: 8/326، أحمد: 6/163.

([133])   نص بعض مراجع الإمامية على أنه اذا أرادت الزوجة أن تطلق نفسها بنفسها في حال توكيل الزوج لها تقول: زوجة موکّلي أنا طالق أو تقول: زوجة موکّلي فلانة طالق، تذکر اسمها و اذا وکّلت غيرها في إيقاع الطلاق يقول الوکيل: زوجة موکّل موکّلتي طالق..

([134])   ومن ذلك قول القرطبي:» إن شرط وجوابه ) فتعالين﴾ فعلق التخيير على شرط،وهذا يدل على أن التخيير والطلاق المعلقين على شرط صحيحان، فينفذان ويمضيان خلافا للجهال المبتدعة الذين يزعمون أن الرجل إذا قال لزوجته أنت طالق إن دخلت الدار أنه لايقع الطلاق إن دخلت الدار، لأن الطلاق الشرعي هو المنجز في الحال«  القرطبي:14/170.، وما ذكره من فهمه وفهم الفقهاء لذلك لا دليل عليه في الآية ولا غيرها كما سنرى في الطلاق المعلق.

([135])   القرطبي:14/171.

([136])   المحلى:10/123.

([137])   وقال الشافعي: إن نوى ثلاثا، فلها أن تطلق ثلاثا، وإن نوى غير ذلك، لم تطلق ثلاثة، والقول قوله في نيته.

([138])   قال أحمد: الخيار على مخاطبة الكلام أن تجاوبه ويجاوبها، إنما هو جواب كلام، إن أجابته من ساعته، وإلا فلا شيء.

([139])   بخلاف تقييدها، كما لو جعل إليها أكثر من ذلك، فلها ما جعل إليها، سواء جعله بلفظه، مثل أن يقول: اختاري ما شئت. أو اختاري الطلقات الثلاث إن شئت. فلها أن تختار ذلك.

أما إن قال: اختاري من الثلاث ما شئت. فلها أن تختار واحدة أو اثنتين، وليس لها اختيار الثلاث بكمالها ; لأن من للتبعيض، فقد جعل لها اختيار بعض الثلاث، فلا يكون لها اختيار الجميع.

أو حدد بنيته، وهو أن ينوي بقوله: اختاري عددا، فإنه يرجع إلى ما نواه ; لأن قوله: اختاري كناية خفية، فيرجع في قدر ما يقع بها إلى نيته، كسائر الكنايات الخفية، فإن نوى ثلاثا، أو اثنتين، أو واحدة، فهو على ما نوى، وإن  أطلق النية، فهي واحدة، وإن نوى ثلاثا، فطلقت أقل منها، وقع ما طلقته ; لأنه يعتبر قولهما جميعا، فيقع ما اجتمعا عليه، كالوكيلين إذا طلق واحد منهما واحدة والآخر ثلاثا.

([140])   وقد تعقب هذا الدليل بأربعة أوجه،هي:

الوجه الأول: أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان المطلق لا النساء لقوله I:)وأسرحكن سراحا جميلا ﴾

الوجه الثاني:لو سلمنا أن الأزواج كن اللاتي طلقن لكن السراح لا يوجب إلا واحدة كما لو قال سرحتك.

الوجه الثالث: لو سلمنا أنه الثلاث لكنه مختص به صلى الله عليه وآله وسلم; لأن تحريم الطلاق الثلاث معلل بالندم وهو صلى الله عليه وآله وسلمأملك لنفسه منا.

الوجه الرابع:أن التخيير إنما كان بين الحياة الدنيا والدار الآخرة.انظر: أنوار البروق:3/211.

([141])   وهذا غير صحيح، ففي الصحيحين: أن عائشة  قالت إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ثم فعل أزواجه مثل ذلك، انظر ما ذكرنا سابقا من تخريج الحديث.

([142])   القرطبي:14/171.

([143])   أنوار البروق:3/211.

([144])   مثل قوله للموكل: أمر امرأتي بيدك، أو جعلت لك الخيار في طلاق امرأتي،  طلق امرأتي.

([145])   المحلى:7/91.

([146])   بدائع الصنائع:6/37، المبسوط:19/131، المغني:5/53، 5/72.

([147])   ومثله أن يتصرف الموكل بنفسه فيما وكل به قبل تصرف الوكيل، لأن تصرف الموكل نفسه يتضمن عزل الوكيل ; لأنه أعجزه عن التصرف فيما وكله به والوكيل بعد ما انعزل لا يعود وكيلا، إلا بتجديد التوكيل.

 ([148])   وقد اتفقوا على أنه إن كان الموكل امرأة فارتدت، فالوكيل على وكالته حتى تموت أو تلحق بدار الحرب، لأن ردة المرأة لا تمنع نفاذ تصرفها ; لأنها لا تؤثر فيما رتب عليه النفاذ وهو الملك.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *