الفصل الثاني: حق الزوجة في النفقة

الفصل الثاني

حق الزوجة في النفقة

إن أحكام النفقة كما نص عليها الفقهاء تستلزم الحديث عن النواحي التالية:

  1. أحكام النفقة، والحديث فيها عن الحكم الشرعي للنفقة مع أدلته التفصيلية، ثم بعض ما يتعلق بهذا الحكم من أحكام وآثار.
  2. شروط وجوب النفقة على المنفق وموانعها، لأن حكم الوجوب متعلق بالمكلف، وليس كل مكلف صالح بأن تجب عليه النفقة، ولا كل امرأة بصالحة لأن ينفق عليها.
  3. أنواع النفقة ومقاديرها المختلفة، باعتبارها مادة النفقة، حتى لا يتلاعب بها، ويتحول الوجوب صوريا بعدم مراعاتها.

وهي نواح يتضمنها تساؤل يطرحه كل من يريد أن يبحث عن النفقة، فيتساءل عن حكم النفقة؟ وعلى من تجب؟ وفيم تجب؟

وهذه الأسئلة الثلاث، هي التي أفرزت هذا الفصل، وقد خصصنا للإجابة عن كل واحد منها مبحثا خاصا، ونعتذر لطول الفصل، لأن معظم المسائل فيه من المسائل المعاصرة المهمة التي يكثر السؤال عنها، وتعم بها البلوى، فلذلك كان لزاما أن لا تتركها مراعاة لقصر الفصل.

أولا ـ أحكام النفقة

ما تحتاج إليه الزوجة في معيشتها من طعام وكسوة ومسكن وخدمة وكل ما يلزم لها حسبما تعارفه الناس.

وعرفها بعض الحنفية بأنه الإدرار على شيء بما فيه بقاؤه([1]).

وعرفها ابن عرفة بأنها: ما به قوام معتاد حال آدمي دون سرف([2])

1 ـ حكم النفقة على الزوجة

اتفق الفقهاء على وجوب إنفاق الزوج على زوجته، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قوله تعالى في شأن المطلقات: { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ }(الطلاق:6)، قال الطبري في معنى الآية:(يقول تعالى ذكره أسكنوا مطلقات نسائكم من الموضع الذي سكنتم من وجدكم، يقول: من سعتكم التي تجدون، وإنما أمر الرجال أن يعطوهن مسكنا يسكنه مما يجدونه حتى يقضين عددهن) ([3])، ودلالة الآية على وجوب النفقة وتحديدا نوعا منها، وهو السكن واضحة، لأن المطلقة قبل البينونة في حكم الزوجة، بل إنه إذا استحقت المطلقة هذا النوع من النفقة فالزوجة أولى منها بها.
  2. قوله تعالى: { وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}(الطلاق:6)، ووجه الاستدلال بالآية، أن النفقة إن كانت واجبة على المطلقة الحامل، فأولى من ذلك الزوجة، وبما أن المطلقة تجب لها النفقة إجماعا، فأولى الزوجة، قال القرطبي:(أجمع أهل العلم على أن نفقة المطلقة ثلاثا أو مطلقة للزوج عليها رجعة وهي حامل واجبة) ([4])
  3. قوله تعالى:{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سيجعل الله بعد عسر يسرا }(الطلاق: 7) في هذه الآية نلاحظ الأمر الصريح بالإنفاق، وإلزام الزوج به، ولكنه يحيط هذا الأمر بما يوحي بيسر هذا الدين وحنيفيته، وأن الزوج لا يكلف إلا بحدود طاقته، فإذا ما رزقه الله، فلا ينبغي أن يبخل على نفسه وأهله.
  4. عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة) ([5])، فقد نص صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث على أنه إذا أنفق الرجل على أهله أي زوجته وأقاربه، أو زوجته ومن هم ملحقون بها، وهو يحتسبها، أي والحال أنه يقصد بها الاحتساب، وهو طلب الثواب من الله تعالى كانت له صدقة، أي يثاب عليها كما يثاب على الصدقة، والملاحظ في الحديث كما في أكثر أحاديث الترغيب ربط الجزاء بالاحتساب، وذلك يدل على أن الغافل عن نية التقرب لا تكون له صدقة، ومثله نفقته على نفسه ودابته، فإن نوى بها وجه الله تعالىأثيب، وإلا لم يثب.
  5. عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في خطبته في حجة الوداع:(فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتن فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ([6])،في هذا الحديث جمع صلى الله عليه وآله وسلم حقوق الزوجية الواجبة، ومن بينها حق الزوجة في النفقة، وفيه تصريح بالوجوب، وتعليل لسببه.
  6. عن معاوية القشيري قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، أو اكتسبت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت)([7])، وفي هذا الحديث عد لما يجب على الرجل نحو زوجته، وقد ذكر منها نفقة الطعام والكسوة، وفيه دليل على أنه لا يكلف في ذلك إلا بطاقته، فلا يطعمها إلا كما يطعم، ولا يكسوا إلا كما اكتسى، وللحديث تفاصيل أخرى نراها في محلها من هذا الجزء.
  7. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك) ([8])، في هذا الحديث تقديم لنفقة الأهل على كل النفقات الأخرى، وهو دليل على فضل النفقة ووجوبها، قال المناوي: (والنفقة على الأهل أعم من كون نفقتهم واجبة أو مندوبة، فهي أكثر الكل ثوابا، واستدل به على أن فرض العين أفضل من الكفاية، لأن النفقة على الأهل التي هي فرض عين أفضل من النفقة في سبيل الله، وهو الجهاد الذي هو فرض كفاية) ([9])
  8. عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا) ([10])، في هذا الحديث دليل على وجوب النفقة لأنه رتبها مباشرة بعد الإنفاق على النفس، مما يدل على توكيدها، قال النووي:(في هذا الحديث فوائد منها الابتداء في النفقة بالمذكور على هذا الترتيب، ومنها أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قدم الأوكد فالأوكد، ومنها أن الأفضل في صدقة التطوع أن ينوعها في جهات الخير ووجوه البر بحسب المصلحة ولا ينحصر في جهة بعينها) ([11])ويوضح الجانب من هذا الحديث الحديث التالي:
  9. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تصدقوا،قال: رجل عندي دينار،قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي دينار آخر،قال: تصدق به على زوجتك قال: عندي دينار آخر، قال: تصدق به على ولدك قال: عندي دينار آخر قال تصدق به على خادمك، قال عندي دينار آخر قال: أنت أبصر به([12])، وفي هذا الحديث تعليم منه صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه لكيفية تنظيم المصاريف حتى لا يطغى جانب عل جانب.
  10. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت([13]))([14])، ودلالة هذا الحديث واضحة على وجوب النفقة لربطه صلى الله عليه وآله وسلم الإثم العظيم الذي يكتفى به جراء التفريط، قال المناوي: وهذا صريح في وجوب نفقة من يقوت لتعليقه الإثم على تركه، لكن إنما يتصور ذلك في موسر لا معسر، فعلى القادر السعي على عياله لئلا يضيعهم، فمع الخوف على ضياعهم، هو مضطر إلى الطلب لهم، لكن لا يطلب لهم إلا قدر الكفاية([15]).

2 ـ وقت تسليم النفقة:

ويختلف ذلك باختلاف نوع النفقة، وقد اتفق الفقهاء على أن الكسوة تقدم للزوجة بحسب وقتها من صيف أو شتاء كما سيأتي، واختلفوا في غير ذلك من النفقات على أقوال منها:

القول الأول: أن تسلم النفقة للزوجة يوميا، وهو قول الظاهرية، وبمثله قال الشافعية والإمامية، وقد ذهب ابن حزم إلى أنه إن تعدى من أجل ذلك وأخر عنها الغداء، أو العشاء أدب على ذلك.

ونص الشافعية على أن نفقة الزوجة وخادمها تجب بطلوع الفجر كل يوم، لأنها تستحقها يوما فيوما لكونها في مقابلة التمكين الحاصل في اليوم، فلها المطالبة بها عند طلوع الفجر، وقد نصوا على أنها تجب به وجوبا موسعا كالصلاة،أو أنه إن قدر وجب عليه التسليم لكن لا يحبس ولا يخاصم، وإذا أراد سفرا طويلا فلها مطالبته بنفقتها لمدة ذهابه ورجوعه كما لا يخرج إلى الحج حتى يترك لها هذا القدر، ولو أنه هيأ ذلك إلى نائبه ليدفعه إليها يوما بيوم كفى، ولا يكلف إعطاءه لها دفعة واحدة.

ونص الإمامية ـ كما يذكر الشيخ الطوسي ـ على أن (عليه تسليمها في أول النهار من كل يوم، لئلا يضربها التأخير، وربما تجوع. فان اتفقا على أن يسلفها نفقة أكثر من ذلك بشهر أو شهرين جاز، لانه عجل الحق قبل محله كالدين، فاذا حصل ذلك نظرت فان أقامت معه حتى انقضت المدة فلا كلام، وإن بانت منه بموت أو طلاق أو غيره في التقدير في اليوم الاول لم يسترد ما قبضت ليومها لأنها قبضت ما وجب لها، بلى عليها رد ما قبضت لما بعد اليوم، لأنها قبضت ما لم تستحقه على أن يقع موقعها، فإذا لم يقع موقعها كان عليها الرد كما لو عجل الزكاة، فبان كافرا فانه يرد. وأما الكسوة فلا يمكنه أن يعطيها يوما بيوم، فاذا أعطاها لمدة ثم بانت بموت أو غيره قال قوم عليها رد الكسوة، وقال آخرون لا يسترد لانها أخذته باستحقاق بدليل أنه لو امتنع منها طولب بها، فعلم أنه باستحقاق، والاول أقوى)([16])

وقد استدل ابن حزم لهذا القول بما يلي:

  1. أن من قضى لها بأكثر من نفقة المياومة، فقد قضى بالظلم الذي لم يوجبه الله تعالى، وأي حد حد – من جمعة أو شهر أو سنة – كلف البرهان على ذلك من القرآن، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يجده.
  2. أن ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم، أو ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطي أزواجه كل سنة ثمانين وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير، فليس في هذا بيان أنه كان يدفعه إليهن مقدما.

القول الثاني: أن ذلك يقدر بحاله من يوم، أو جمعة، أو شهر، أو سنة، بحسب الزوج، وبحسب الوقت الذي ينال فيه أجرته، وهو قول المالكية، وقد أجاز ابن القاسم أن يفرض سنة، وقال سحنون: لا يفرض سنة، لأن الأسواق تتحول، والأسعار تتغير([17]).

القول الثالث: أن وقت تسليم النفقة مهما كان نوعها هو أول وقت الحاجة، فإن اتفقا على تأخيرها جاز، لأن الحق لها في ذلك، فإذا رضيت بتأخيره جاز، وإن اتفقا على تعجيل نفقة عام أو شهر، أو أقل من ذلك أو أكثر، أو تأخيره، جاز، لأن الحق لهما، لا يخرج عنهما، فجاز من تعجيله وتأخيره ما اتفقا عليه، قال ابن قدامة:(وليس بين أهل العلم في هذا خلاف علمناه) ([18])، لكن ما ذكرناه من الأقوال السابقة يشير إلى الخلاف في المسألة خاصة قول الظاهرية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن ذلك يخضع في الحالة العادية للعرف الذي تعارفوا عليه، أما في حال الخصومة في النفقة، فالعبرة بحاجتها، وبقدرة الزوج، وبنوع النفقة، وسنفصل كيفية ذلك في الأحكام القضائية المتعلقة بالنفقة.

فالقوت الأساسي تكون الحاجة إليه يومية، وهناك أقوات تحتمل التعجيل كمؤونة البيت، وهناك نفقات قد تكون سنوية كالكسوة.

وقول الإمامية والظاهرية بالمياومة مع ذلك له ناحية مصلحية معتبرة، فقد نص على أنه لو تطوع الزوج بتعجيل النفقة قبل موعدها دون قضاء قاض، فتلف بغير عدوان منها، فإن عليه نفقتها ثانية، وكسوتها ثانية، لأنها لم تتعد، فلا شيء عليها وحقها باق قبله، إذ لم يعطه إياها بعد.

وهي ناحية مهمة، فالعبرة بتوفير حاجة الزوجة اليومية، أما أن تكلف بضمان التالف وحراسته، ثم عقوبتها بالحرمان من النفقة في حال التلف، فإن فيه مضرة بالغة عليها.

3 ـ حكم رد النفقة المعجلة عند زوال الموجب:

اختلف الفقهاء فيما لو عجل لها نفقة شهر أو عام، ثم طلقها، أو ماتت قبل انقضائه، أو بانت بفسخ أو إسلام أحدهما أو ردته، فهل له أن يسترجع نفقة سائر الشهر أم لا؟ على قولين:

القول الأول: له أن يسترجع نفقة سائر الشهر، وهو قول الإمامية والشافعية والحنابلة بشرط أن يعلمها أنها نفقة الشهر، فإن لم يعلمها لا يسترجع نفقته، لأنه تبرع بدفع ما لا يلزمه من غير إعلام الآخذ بتعجيله، فلم يرجع به، كمعجل الزكاة، بل ذهب ابن حزم إلى أنه (إن أعطاها أكثر من حقها، فماتت، أو طلقها ثلاثا، أو طلقها قبل المسيس، أو أتمت عدتها وعندها فضل يوم أو غداء أو عشاء قضي عليها برده إليه، لأنه ليس من حقها قبله، وإنما جعله عندها عدة لوقت مجيء استحقاقها إياه، فإذا لم يأت ذلك الوقت ولها عليه نفقة فهو عندها أمانة، ولا ظلم أكثر من أن لا يقضى عليها برد ما لم تستحقه قبله) ([19])

واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أنه سلم إليها النفقة سلفا عما يجب في الثاني، فإذا وجد ما يمنع الوجوب، ثبت الرجوع، كما لو أسلفها إياها فنشزت، أو عجل الزكاة إلى الساعي فتلف ماله قبل الحول.
  2. أنها عوض عن التمكين، وقد فات التمكين.

القول الثاني: ليس له أن يسترجع نفقة سائر الشهر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، واستدلوا على ذلك بأنها صلة، فإذا قبضتها، لم يكن له الرجوع فيها، كصدقة التطوع.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن حكم المسألة يتغير بحسب حال المنفق، وحال المنفق عليها، والسبب المفرق بينهما والذي قيل بموجبه بلزوم الرد، ونوع النفقة التي يطالب الزوج بردها، ولكنه في الأحوال العادية العامة نرى أن المرأة إذا كان لها مسكن خاص، أي ليست مرتبطة في نفقها بغيرها من أهل الزوج، ثم قيل لها هذه نفقتك مثلا، فإنه من الحرج الشديد مطالبتها بها بعد حصول الفراق، لأن النفقة وإن كان ظاهرها معاوضة منفعة المرأة بها، فتزول بزوال المنفعة إلا أنها أقرب إلى الصلة منها إلى المعاوضة، بل نرى من الخطأ التعامل مع حقوق الزوجية بمثل التعامل مع المعاوضات المالية، فلا جامع بينهما أصلا حتى يصح القياس بينهما.

4 ـ صفة وجوب النفقة:

اتفق الفقهاء على أن المسكن إمتاع للزوجة وليس تمليكا لها، واختلفوا في سائر أنواع النفقات، هل هي تمليك للزوجة أم إمتاع لها على قولين:

القول الأول: أنها إمتاع للمرأة، وليست تمليكا، ولا يجب أن يفرض لها شيئا، بل يطعمها ويكسوها بالمعروف، وهو آراء وتوجيهات في المذاهب الفقهية المختلفة، وبحسب نوع النفقة:

فالشافعية ـ مثلا ـ نصوا في الشراب على أنه إمتاع لا تمليك، قال في أسنى المطالب:(يكون إمتاعا لا تمليكا، حتى لو مضت عليه مدة، ولم تشربه لم تملكه، وإذا شرب غالب أهل البلد ماء ملحا وخواصها عذبا وجب ما يليق بالزوج) ([20])، ثم قال (ومقتضى كلام الشيخين وغيرهما أنه تمليك)

وهو قول ابن حزم في مستلزمات الفراش، واستدل على ذلك بأن عليه إسكانها، وذلك يقتضي أن عليه من الفرش والغطاء ما يكون دافعا لضرر الأرض عن الساكن فهو له، لأن ذلك لا يسمى كسوتها، ثم استدل لذلك بنص صريح في المسألة وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهونه) ([21])، فنسب صلى الله عليه وآله وسلم الفرش إلى الزوج فواجب عليه أن يقوم لها به، وهو للزوج لا تملكه هي.

وقد ورد مثل هذا الخلاف في بعض المسائل عند الحنابلة([22])، وقد رجحه ابن تيمية([23])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن هذه عادة المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه، لا يعلم قط أن رجلا فرض لزوجته نفقة، بل يطعمها ويكسوها، وإذا كان كذلك كان له ولاية الإنفاق عليها، كما له ولاية الإنفاق على سائر من تجب نفقته.
  2. النصوص الدالة على سيادة الزوج، ومنها قول الله تعالى:{ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (النساء:34)، ولهذا أباح الله للرجل بنص القرآن أن يضربها، وإنما يؤدب غيره من له عليه ولاية، قال زيد بن ثابت:(الزوج سيد في كتاب الله وقرأ قوله تعالى: { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ}(يوسف:25)، وقال عمر بن الخطاب: (النكاح رق، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته)، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، وإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) ([24]) فقد أخبر أن المرأة عانية عند الرجل، والعاني الأسير وأن الرجل أخذها بأمانة الله، فهو مؤتمن عليها.
  3. النصوص التي قرنت نفقة الزوجة بالمماليك، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، ومثله قال المملوك:(وكسوته بالمعروف)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (حقها أن تطعمها إذ طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت) كما قال في المماليك: (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس) ([25])

القول الثاني: أنها تمليك لها بحسب الحاجة إليها، وهو ظاهر قول جمهور العلماء، قال في أسنى المطالب:(كيفية الإنفاق في هذه الواجبات وكل ما يستهلك كطعام وأدم وطيب يستحق تمليكه لها بأن يسلمه له بقصد أداء ما لزمه، كسائر الديون من غير افتقار إلى لفظ وكذا الكسوة والفرش والآلة أي آلة الطعام والشراب والتنظيف كمشط ودهن واعتبر في ذلك التمليك)([26])

وبمثله قال الإمامية، فقد قسموا النفقة إلى أقسام ثلاثة، وهي:

    الأول ـ ما يكون على وجه التمليك بلا خلاف، مثل: الطعام والصابون ونحوهما مما يتوقف الانتفاع به على استهلاكه وإتلافه.

    الثاني ـ ما يكون على وجه الإمتاع بلا خلاف أيضاً، مثل: المسكن والخادم ونحوهما مما علم من الأدلة عدم اعتبار كونها ملكاً في إنفاقهن، بل الواجب إنما هو إسكان الزوجة وإن لم يكن ملكاً لها، بل ولا ملكاً للزوج،كما إذا استأجر لها مسكناً.

    الثالث ـ ما وقع الخلاف فيه بين الفقهاء في كونه من التمليك أو الإمتاع، مثل الكسوة وآلات الطبخ والتنظيف، كالمشط ونحوه مما لا يستهلك بمجرد الا نتفاع به، بل يبقى إلى مدة ثم يستهلك، فهم بين قائل بالتمليك، وقائل بالامتاع، أو متوقف فيه([27]).

وهو ظاهر قول ابن حزم في الكسوة، فقد قال فيها:(أما الكسوة – فإنها إذا وجبت لها فهي حقها، وإذ هو حقها فهو لها، فسواء ماتت إثر ذلك أو طلقها ثلاثا، أو أتمت عدتها، أو طلقها قبل أن يطأها: ليس عليها ردها، لأنه لو وجب عليها ردها لكانت غير مالكة لها حين تجب لها – وهذا باطل. وكذلك لو أخلقت ثيابها أو أصابتها وليست من مالها فهي لها، فإذا جاء الوقت الذي يعهد في مثله إخلاق تلك الكسوة فهي لها، ويقضى لها عليه بأخرى – فلو امتهنتها ضرارا أو فسادا حتى أخلقت قبل الوقت الذي يعهد فيه إخلاق مثلها فلا شيء لها عليه، إنما عليه رزقها وكسوتها بالمعروف والمعروف هو الذي قلنا)

واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أنه من المعاشرة بالمعروف.
  2. القياس على الكسوة في الكفارة، لأن الله تعالى جعل كسوة الأهل أصلا للكسوة في الكفارة كالطعام، والكسوة تمليك منها فوجب هنا مثله بخلاف المسكن فإنه إمتاع، لأنه لمجرد الانتفاع كالخادم، ولأن الزوج يسكنه بخلاف تلك الأشياء فإنها تدفع إليها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة الجمع بين القولين، فكلاهما له ناحية حق يرجح على أساسها، ففي الحالة العادية التي لا تقع فيها الخصومة بين الزوجين بسبب النفقة، وهو معظم أحوال الناس لا حق للمرأة بالمطالبة بتمليك النفقة لأنها تتمكن منها كلما احتاجت إليها.

أما في حال الخصومة، أو حال شح الزوج على زوجته بالنفقة أو مضارته لها بذلك، فإن الأرجح في هذه الحال هو تمليكها النفقة بمقاديرها التي نص عليها العلماء، والتي سنتكلم عنها عند الحديث عن أنواع النفقة ومقاديرها.

ولعل كلا الفريقين نظر إلى المسألة من ناحية من النواحي فقال بقوله نتيجة له، ويكون الخلاف بذلك صوريا.

وقد نص على هذا الجمع بين التمكين والتمليك السرخسي في قوله: (طريق إيصال النفقة إليها شيئان التمكين أو التمليك، حتى إذا كان الرجل صاحب مائدة وطعام كثير، تتمكن هي من تناول مقدار كفايتها، فليس لها أن تطالب الزوج بفرض النفقة، فإن لم يكن بهذه الصفة فخاصمته في النفقة، فرض لها عليه من النفقة كل شهر ما يكفيها بالمعروف، لأن النفقة مشروعة للكفاية. فإنما يفرض بمقدار ما يعلم أنه تقع به الكفاية. ويعتبر المعروف في ذلك، وهو فوق التقتير ودون الإسراف، لأنه مأمور بالنظر من الجانبين وذلك في المعروف، وكذلك يفرض لها من الكسوة ما يصلح لها للشتاء والصيف فإن بقاء النفس بهما وكما لا تبقى النفس بدون المأكول عادة لا تبقى بدون الملبوس عادة والحاجة إلى ذلك تختلف باختلاف الأوقات والأمكنة فيعتبر المعروف في ذلك.) ([28])

ومع ذلك فإن الخلاف له بعض الثمار العملية كاختلافهم في الكسوة إذا انقضت السنة، وهي صحيحة فهل عليه كسوة السنة أم لا يلزمه، قال المرداوي نقلا عن الرعاية:(إن قلنا هي تمليك: لزمه. وإن قلنا إمتاع: فلا، كالمسكن وأوعية الطعام والماعون والمشط) ([29])، وقال السرخسي:(إن أخذت الكسوة ورمت بها حتى جاء الوقت وقد بقيت تلك الكسوة عندها يفرض لها كسوة أخرى، لأنها لو لبست لتخرق ذلك فبأن لم تلبس لا يسقط حقها، ويجعل تجدد الوقت كتجدد الحاجة) ([30])

ونفس الخلاف يجري في عكس هذه المسألة، وهو ما لو بليت قبل ذلك، لكثرة استعمالها، فإنه على القول بالتمليك لا يلزمه إبدالها، لأنه ليس بوقت الحاجة إلى الكسوة في العرف([31])، وقد علل ذلك السرخسي بقوله:(ذا أعطاها كسوة فعجلت تمزيقها، أو هلكت منها لم يكن عليه أن يكسوها حتى يأتي الوقت، لما بينا أن أحوال الناس تختلف في صيانة الثياب وتمزيقها فيتعذر تعليق الحكم بحقيقة تجدد الحاجة فيقام الوقت مقامه تيسيرا فما لم يأت الوقت لا تتجدد الحاجة فلا يتجدد سبب الوجوب لها، فلم يكن لها أن تطالبه بشيء.) ([32])

ومثل ذلك في سائر أنواع النفقات، والقائلون بالتمليك يوجبون على الزوجة نفقة جديدة ـ خلافا للقائلين بالتمكين ـ إذا أخذت المرأة نفقة شهر فلم تنفقها، ثم جاء الشهر الثاني وهي معها، فلها أن تطالبه بنفقة الشهر الثاني، وهذا خلافا لقولهم في نفقة الأقارب، وقد بين الكرابيسي الفرق بينهما بقوله:(والفرق أنها استغنت بما عندها عن مال الزوج، ونفقة الزوجة تجب مع الغنى، فجاز أن تجب، وليس كذلك نفقة ذوي الأرحام، لأنه استغنى بما عنده عن مال القريب، ونفقة ذوي الأرحام لا تجب مع الغنى، كما لو كان غنيا في الأصل) ([33])

والأرجح في هذه الحالة القول بالتمكين إلا أن يكون ميسور الحال فيستحب الإحسان إلى زوجته بالتوسيع في النفقة، بغض النظر عن الحاجة التي قد تدعو إلى ذلك، أما الأخذ بقول من يرى التمليك فإن فيه مشقة كبيرة، لأن الزوج ملزم بكسوة كاملة للشتاء، وكسوة مثلها للصيف كل سنة، ومثل ذلك قد لا يطيقه الكثير من الناس في كثير من المجتمعات.

5 ـ كيفية تفادي التقصير في النفقة:

اختلف الفقهاء فيمن ترك الإنفاق الواجب لزوجته مدة، هل يسقط بذلك، أو يبقى ذلك التقصير دينا في ذمته على قولين([34]):

القول الأول: أنه لا يسقط بذلك، بل يبقى دينا في ذمته سواء ترك النفقة لعذر أو غير عذر، ودين النفقة يتغير بتغير حال الزوج من اليسر والإعسار، فإن ترك الإنفاق عليها مع يساره، فعليه النفقة بكمالها، وإن تركها لإعساره، لم يلزمه إلا نفقة المعسر، لأن الزائد سقط بإعساره، وهو قول الحسن ومالك، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر ورواية عند الحنابلة، وهو قول الإمامية([35])، ومن الأدلة ذلك:

  1. أنها حق يجب مع اليسار والإعسار، فلم يسقط بمضي الزمان، كأجرة العقار والديون.
  2. أنه لا يوجد دليل يضاهي الأدلة التي ثبتت بها النفقة، قال ابن المنذر:(هذه نفقة وجبت بالكتاب والسنة والإجماع، ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلا بمثلها) ([36])
  3. أنه لا يصح قياسها على نفقة الأقارب، لأنها عوض واجب فأشبهت الأجرة، واختلفت عن نفقة الأقارب لأنها صلة يعتبر فيها اليسار من المنفق والإعسار ممن تجب له، وهي وقتية فإذا مضى زمنها استغنى عنها بخلاف النفقة على الزوجة.

القول الثاني: تسقط نفقتها إلا إذا كان الحاكم قد فرضها لها، وهو قول أبي حنيفة ورواية عند الحنابلة وروي عن مالك([37])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعذر عليه نفقة أهله أياما حتى سألنه إياها، ولم يقل لهن: هي باقية في ذمتي حتى يوسع الله وأقضيكن، ولما وسع الله عليه لم يقض لامرأة منهن ذلك، ولا قال لها: هذا عوض عما فاتك من الإنفاق.
  2. أن مثال هذه المرأة كرجل حاز دارا متصرفا فيها مدة طويلة، وهو ينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه، ثم جاء بعد تلك المدة إنسان كان حاضرا يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، دون أن يعارضه فيها، ولا مانع يمنعه من خوف أو شركة في ميراث، ونحو ذلك، فادعاها لنفسه، فدعواه غير مسموعة فضلا عن إقامة بينته، فكذلك إذا كانت المرأة مع الزوج مدة سنين يشاهده الناس والجيران داخلا بيته بأنواع النفقة، ثم ادعت بعد ذلك أنه لم ينفق عليها في هذه المدة، فدعواها غير مسموعة، فضلا عن أن يحلف لها، أو يسمع لها بينة.
  3. أن نفقة الماضي قد استغني عنها بمضي وقتها، فتسقط، كنفقة الأقارب.
  4. أن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة مرفوضة غير مسموعة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو التفصيل بين الحالة العادية، حين تدعي الزوجة نفقة ماضية على زوجها المعسر، وتطالبه بالوفاء بها مع إعساره، فإن الأرجح في هذه الحالة هو القول بعدم وجوب الوفاء بذلك.

أما إن كان الزوج ميسور الحال، ومنعها حقها من النفقة مع قدرته على ذلك، فإن حق الماضي لا يسقط بالتقادم إلا إذا سمحت فيه الزوجة.

وقد قال بهذا التفصيل، وجمع به بين القولين ابن القيم، فقال:(إن الأزواج إذا امتنعوا من الواجب عليهم مع قدرتهم عليه لم يسقط بالامتناع ولزمهم ذلك، وأما المعذور العاجز فلا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه جعل النفقة دينا في ذمته أبدا)، وعقب على ذلك بقوله:(وهذا التفصيل هو أحسن ما يقال في هذه المسألة) ([38])

6 ـ من يعتبر في النفقة:

اختلف الفقهاء في من يراعى في النفقة، هل الزوج أو الزوجة أو هما جميعا على الأقوال التالية([39]):

القول الأول: الاعتبار بحال الزوج وحده من يسره وعسره، ولا يعتبر بحالها وكفايتها، فيجب لابنة الخليفة ما يجب لابنة الحارس، فإن كان الزوج موسرا لزمه مدان وإن كان متوسطا فمد ونصف، وإن كان معسرا فمد، وهو قول الشافعية، وبمثله قال الإمامية، قال الشيخ الطوسي: (نفقة الزوجات معتبرة بحال الزوج لا بحالها فان كان موسرا فعليه مدان في كل يوم وان كان متوسطا متجملا فعليه مد ونصف وإن كان معسرا فقدر المد)([40])

واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قول الله تعالى:{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}(الطلاق:7)، فجعل الاعتبار بالزوج في اليسر والعسر دونها.
  2. قوله تعالى:{ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 236)
  3. أن الاعتبار بكفايتها، لا سبيل إلى علمه للحاكم ولا لغيره، فيؤدي إلى الخصومة لأن الزوج يدعي أنها تلتمس فوق كفايتها، وهي تزعم أن الذي تطلب تطلبه قدر كفايتها، فلذلك كان الأصلح تقديرها قطعا للخصومة.

القول الثاني: يعتبر حال المرأة على قدر كفايتها، وهو قول أبي حنيفة ومالك، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قول الله تعالى: { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة:233)، والمعروف الكفاية، ولأنه سوى بين النفقة والكسوة، والكسوة على قدر حالها، فكذلك النفقة.
  2. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). فاعتبر كفايتها دون حال زوجها.
  3. أن ما استدل به المخالفون من الآيات التي تجعل النفقة بحسب حال الزوج لا تعطي أكثر من فرق بين نفقة الغني والفقير، وأنها تختلف بعسر الزوج ويسره، وهو مسلم، أما أنه لا اعتبار بحال الزوجة على وجهه فليس فيها ذلك.
  4. أن الشرع علق ذلك بالمعروف في حقهما، وليس من المعروف أن يكون كفاية الغنية مثل نفقة الفقيرة.
  5. أن ما ذكروه من التحديد يحتاج إلى توقيف والآية لا تقتضيه.
  6. أن نفقتها واجبة لدفع حاجتها، فكان الاعتبار بما تندفع به حاجتها، دون حال من وجبت عليه، كنفقة المماليك، ولأنه واجب للمرأة على زوجها بحكم الزوجية لم يقدر، فكان معتبرا بها، كمهرها وكسوتها.

القول الثالث: أن نفقتها معتبرة بحال الزوجين جميعا؛ فإن كانا موسرين، فعليه لها نفقة الموسرين، وإن كانا معسرين، فعليه نفقة المعسرين، وإن كانا متوسطين، فلها عليه نفقة المتوسطين، وإن كان أحدهما موسرا، والآخر معسرا، فعليه نفقة المتوسطين، أيهما كان الموسر، وهو قول الحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. الجمع بين الأدلة السابقة من حيث رعاية الدليل النقلي.
  2. رعاية كلا الجانبين من حيث المصلحة الشرعية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن العبرة بحال الزوج يسرا وعسرا لصراحة النصوص الدالة على ذلك، وهو مقتضى جميع الأحكام الشرعية لأنها مناطة بالقدرة { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} (الطلاق:7)

أما اعتبار حال الزوجة، فإنه قد ينتح عنه تفرقة نهى عنها الشرع، وهو يعني أن المرأة الفقيرة في بيت والديها تبقى فقيرة دائما، ولو زوجت بميسور الحال، والغنية غنية أبدا، ولو زوجت بفقير، بل يفرض على الفقير أن يقدم فوق طاقته ليحافظ لها على مستوى معيشتها التي ربيت عليها، فإن أخل في ذلك حاكمته عند القاضي الذي يسأل عن حالها قبل الزواج ليفرض لها ما تمليه طبقتها الاجتماعية.

إن في هذا وأمثاله من الأحكام تكريس للطبقية التي نهى عنها الإسلام، لا في فروعه التشريعية، بل حتى في أصوله العقدية.

ولنقرأ هذا النص الذي يتردد مثله في كتب الفقه والتفسير وغيرها، وكأنه حقيقة مسلمة، والأدهى من ذلك أن يستدل لها بالقرآن الكريم مع أن القرآن كله رد عليها، جاء في القرطبي عن بعض الفقهاء قولهم:(لو اعتبرنا حال الرجل وحده لزم منه أنه لو تزوج امرأتين إحداهما شريفة والأخرى دنية، ثم طلقها قبل المسيس ولم يسم لهما يكونان متساويتين في المتعة، فيجب للدنية ما يجب للشريفة، وهذا خلاف ما قاله الله تعالى:{ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ }(البقرة:236) ويلزم منه أن الموسر العظيم اليسار إذا تزوج امرأة دنية أن يكون مثلها) ([41])

وقد رد ابن حزم على هذا التفريق بين المؤمنين، بحدة وغضب، وكأننا نبصرهما يفوحان من كل كلمة من كلماته، فقال:(ما علمنا الدناءة إلا معاصي الله تعالى، وأما السوداء، والمولاة فقد كانت أم أيمن سوداء ومولاة، ووالله ما بعد أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الأمة امرأة أعلى قدرا عند الله تعالى وعند أهل الإسلام كلهم منها، وأما الفقيرة، فما الفقر دناءة، فقد كان في الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – الفقير الذي أهلكه الفقر، وهم أهل الشرف والرفعة حقا، وقد كان قارون، وفرعون، وهامان من الغنى بحيث عرف – وهم أهل الدناءة والرذالة حقا – وأما النبطية، فرب نبطية لا يطمع فيها كثير من قريش ليسارها، وعلو حالها في الدنيا، ورب بنت خليفة هلكت فاقة وجهدا وضياعا) ([42])

ويكفي للرد على مثل هذا القول أن يقال: لو أن رجلا تزوج نسوة مختلفات في أحوالهن يسارا وعسرا، فكيف ينفق عليهن، أيطعم بعضهن القمح والشعير كما هو فرض الفقيرة، بينما تتمتع الموسرات بأصناف الطعام، ويلبس بعضهن الوبر والصوف، وتلبس الأخريات الديباج والحرير، وللأسف نرى أن مثل هذا قد قيل ـ كما سنرى في الفصول القادمة إن شاء الله ـ وهو يتنافى تماما مع العدل الذي فرضه الله تعالى بين الزوجات، ويحتج هؤلاء بأن هذا هو المعروف الذي نص عليه في القرآن الكريم، ولسنا ندري ما المعروف، هل هو المعروف عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أم المعروف عند من قصر في دين الله وفرط.

ثم إن المرأة التي تزوجت بالرجل، وهي تعلم حاله من العسر يفرض عليها وفقا لموافقتها ورضاها بالزواج به أن تصبر معه على إعساره، فإن طرأ عليه الإعسار فذلك أشد في طلب الصبر، وهو ما يدعو إليه الشرع بجانبيه التوجيهي والتشريعي.

أما القول الثالث، فهو كالقول الأول يحمل عنصرية بالنسبة للمرأة، وتكليفا بالنسبة للرجل، وكلاهما نهى عنه الشرع.

7ـ الآثار العملية لوجوب النفقة على الزوجة:

من الآثار التي تنتج عن القول بوجوب النفقة للزوجة ما نتحدث عنه في المسائل التالية:

أ ـ أخذ المرأة من مال زوجها عند تقصيره في النفقة:

اتفق الفقهاء على أنه إذا لم يدفع الزوج إلى امرأته ما يجب لها عليه من النفقة والكسوة، أو دفع لها أقل من كفايتها، فلها أن تأخذ من ماله الواجب أو تمامه، بإذنه وبغير إذنه واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. ما روي في الحديث أن هندا قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)([43]) والحديث دليل على أنه يجوز لمن وجبت له النفقة شرعا على شخص أن يأخذ من ماله ما يكفيه إذا لم يقع منه الامتثال وأصر على التمرد([44]).
  2. أنه موضع حاجة، فإن النفقة لا غنى عنها، ولا قوام إلا بها، فإذا لم يدفعها الزوج ولم تأخذها، أفضى إلى ضياعها وهلاكها.
  3. أن النفقة تتجدد بتجدد الزمان شيئا فشيئا، فتشق المرافعة إلى الحاكم، والمطالبة بها في كل الأوقات.
  4. أن نفقة الزوجة تسقط بفوات وقتها عند بعض العلماء، ما لم يكن الحاكم فرضها لها، فلو لم تأخذ حقها أفضى إلى سقوطها، والإضرار بها.

ب ـ إنفاق الزوجة الغنية على زوجها المعسر:

اختلف الفقهاء في وجوب إنفاق الزوجة الغنية على زوجها في حال إعساره على قولين:

القول الأول: لا يجب عليها ذلك، فإن فعلت وجب عليه أن يرد ما أنفقت عليه في حال يساره إلا إذا تطوعت به، وهو قول جماهير العلماء، خلافا لابن حزم، فقد نص المالكية ـ مثلا ـ على أن المرأة لا يلزمها أن تنسج ولا أن تغزل ولا أن تخيط للناس بأجرة وتدفعها لزوجها ينفقها، لأن هذه الأشياء ليست من أنواع الخدمة، وإنما هي من أنواع التكسب، وليس عليها أن تتكسب له إلا أن تتطوع بذلك، ولو كانت عادة نساء بلدها جارية بالنسج والغزل([45])

قال المتيطي: لم يختلف قول مالك إن الرجل إذا أكل مال زوجته وهي تنظر ولا تغير، أو أنفقت عليه ثم طلبته بذلك، أن ذلك لها، وإن كان عديما في حال الإنفاق، ويقضى لها عليه بعد يمينها أنها لم تنفق، ولا تتركه يأكل إلا لترجع عليه بحقها، ومن المدونة: إن أنفقت عليه في ذاته وهو حاضر مليء أو معدم، فلها اتباعه بذلك إلا أن يرى أن ذلك معنى الصلة([46]).

والدليل على ذلك ما ذكر سابقا من أن النفقة حق على الزوج لزوجته، وهو وجوب عام يشمل الزوج معسرا أو موسرا، للزوجة غنية أو فقيرة.

القول الثاني: أن على الزوجة الإنفاق على زوجها في حال إعساره إذا كانت غنية، ولا ترجع عليه بشيء من ذلك إن أيسر، وقد انفرد بهذا القول ابن حزم على ما نص عليه الصنعاني والشوكاني([47])، واستدل على ذلك بقول الله تعالى: { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}(البقرة:233)، ووجه استدلاله بالآية أن الزوجة وارثة فلذلك عليها نفقته بنص القرآن الكريم([48]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن النفقة واجبة على الزوج لزوجته، لأن له حق القوامة عليها، ومع ذلك يستحب للزوجة أن تنفق على زوجها في حال حاجته، من دون أن تطالبه بعد ذلك بإرجاع ما أنفقته عليه، لأن بيت الزوجية مشترك بينهما، فلا مال لأحدهما ينفرد به عن الآخر.

وفي نفس الوقت يستحب للزوج أن يعف عن مال زوجته، فإن احتاج إليه وأنفق منه لضرورة من الضرورات، فإن حسن العشرة تدعوه إلى أن يرجع لها حقها إما في صورته المالية التي أخذها، أو على الأقل في صورة هدايا يصلها بها، إن علم عدم مطالبتها بما أنفقته عليه.

ج ـ سجن من لم ينفق على زوجته:

اختلف الفقهاء في سجن القاضي للزوج في حال عدم الوفاء بنفقة زوجته على قولين([49]):

القول الأول: حبس الرجل في نفقة زوجته، وهو قول الحنفية، فقد نصوا على أن للقاضي أن يحبسه شهرين، أو ثلاثة ليسأل عن حاله فإن لم ينكشف له مال خلى سبيله، وقيل: ما بين أربعة أشهر إلى ستة أشهر، والأصح عندهم أن هذا ليس بتقدير وإنما هو على حال المحبوس، فمن الناس من يضجره الحبس القليل، ومنهم من لا يضجره الكثير فوقف ذلك على رأي الحاكم فيه، فإذا لم يتبين للحاكم أن له مالا بأن قامت البينة، أو سأل جيرانه العارفين به فلم يوجد له شيء أخرجه ولا يقبل قول البينة إنه لا مال له قبل حبسه، لأن البينة([50]) لا تطلع على إعساره ولا يساره لجواز أن يكون له مال مخبوء لا يطلع عليه فلا بد من سجنه ليضجر بذلك.

وقال بمثله الإمامية، قال الشيخ حسين آل عصفور: (المشهور بين الأصحاب حتى كاد أن يكون إجماعياً في أن نفقة الزوجة مقدمة على نفقة الأقارب وإن اشتركا في الوجوب لأنها لازمة مع الإعسار واليسار، ولصيرورتها ديناً في رقبته، ولوجوب قضائها وإن لم يتعمد الإخلال بها. فما فضل عن قوت نفسه صرفه إليها، وما فضل عن واجبها صرفه إليهم؛ لأنها نفقة معاوضة في مقابلة البضع كالمهر، وتثبت في الذمة ويحبس فيها الزوج لو أخل بها، ولأنها أقوى من نفقتهم، ولهذا لاتسقط لغناها ولا بمضي الزمان بخلاف نفقتهم)([51])

وقد نص أصحاب هذا القول على أن السجن الذي يكون سببه الخلافات المالية بين الزوجين كالنفقة وغيرها ليس كالسجون العادية، بل هو سجن صوري، الغاية منه تعويقه عن الخروج، ليؤدي ما عليه لا عقوبته المجدة، وقد ذكر الباجي في الفرق بين السجن العادي، وسجن المحبوس في حقوق زوجته، فقال:(أما تمكين مثل هذا يعني الممتنع عن الوفاء ظلما من فضل الأكل والنكاح فهذا محل اجتهاد، فإنه من نوع التعزير.. ولكن المحبوسون على حقوق النساء ليسوا من هذا الضرب، فإن لم يحصل المقصود بحبسهما جميعا إما لعجز أحدهما عن حفظ الآخر أو لشر يحدث بينهما ونحو ذلك، وأمكن أن تسكن في موضع لا تخرج منه، وهو ينفق عليها، مثل أن يسكنها في رباط نساء أو بين نسوة مأمونات فعل ذلك) ([52])

وقد نص الحنابلة في هذا على أنه لا يجب حبسه في مكان معين، فيجوز حبسه في دار ولو في دار نفسه، بحيث لا يمكن من الخروج، ويجوز أن يحبس وترسم هي عليه إذا حصل المقصود بذلك بحيث يمنعه من الخروج، فإذا لم يكن للزوج من يحفظ امرأته غير نفسه، وأمكن أن يحبسهما في بيت واحد، فتمنعه هي من الخروج، ويمنعها هو من الخروج، فعل ذلك، فإن له عليها حبسها في منزله، ولها عليه حبسه في دينها، وحقه عليها أوكد، فإن حق نفسه في المبيت ثابت ظاهرا وباطنا، بخلاف حبسها له فإنه بتقدير إعساره، لا يكون حبسه مستحقا في نفس الأمر إذ حبس العاجز لا يجوز([53]).

بل ذهبوا إلى جواز معاشرتها، وهو سجين، ووجوب تمكينه من نفسها([54])، وحفظ جميع حقوقه عليها، قال ابن تيمية: (لو ادعت امرأة على زوجها بحقها وحبسته لم يسقط من حقوقه عليها شيء قبل الحبس، بل يستحقها عليها بعد الحبس كحبسه في دين غيرها فله إلزامها ملازمة بيته، ولا يدخل عليها أحد بلا إذنه ولو خاف خروجها من منزله بلا إذنه أسكنها حيث شاء، ولا يجب حبسه بمكان معين فيجوز حبسه في دار نفسه، بحيث لا يمكن من الخروج، ولو كان قادرا على أداء الدين وامتنع ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك، إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره إذا لم يتعد حدود الله)، وقد استدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الغريم بملازمة غريمه وقال له:(ما فعل أسيرك)
  2. أن في هذا من المصالح التي لا يجوز إهمالها، ومنها أن في حبسه خارج منزله تمكين لامرأته من الخروج من منزله، وإسقاط حقه عليها، وذلك لا يجوز لا سيما، وأنه مظنة لمضارتها له أو فعلها للفواحش.
  3. أن تعويقه عن التصرف هو الحبس، وهو كاف في المقصود إذا لم يظهر امتناعه عن أداء الواجبات.
  4. أن حبسها له عقوبة حتى يؤدي الواجب عليه، وحبسه لها حق يثبت بموجب العقد، وليس بعقوبة، بل حقه عليها كحق المالك على المملوك، ولهذا كان النكاح بمنزلة الرق والأسر للمرأة.

القول الثاني: إنه لا يحل حبسه بمجرد قول المرأة: إنه مليء، وإنه غيب ماله، وهو قول جمهور العلماء، فيما إذا كان عليه دين عن غير عوض مالي، أما البديل لذلك، فهو أن يتثبت الحاكم ويتحرى، فإن تبين له مطله وظلمه ضربه إلى أن يوفي أو يحبسه، وإن تبين له بالقرائن والأمارات عجزه لم يحل له أن يحبسه ولو أنكرت الزوجة إعساره، وقد سبق ذكر أدلة هذا القول في الفصل السابق عند بيان حكم حبس المرأة لزوجها لماطلته في المهر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو تحري القاضي عن يسار الزوج أو إعساره، ثم تكليفه بالنفقة على أساس ذلك، أما السجن، فإنه لا مصلحة فيه لا للمرأة ولا لزوجها، فكيف يمكن أن تستقيم حياة الزوج مع زوجته إن سجن بسببها، ثم كيف يطالب بالإنفاق عليها وهو سجين، ثم ما الفائدة التي تجنيها المرأة بحصول العقوبة لزوجها.

إن هذا وغيره يدعو القاضي إلى البحث عن طرق مثلى لإلزام الرجل بالنفقة، قد تختلف هذه الطرق من شخص لآخر، ولكن السجن مع ذلك يظل أسوأ للجميع.

8 ـ الخلاف بين الزوجين في النفقة وكيفية حله

من المسائل التي تستدعيها الإجراءات القضائية في النفقة معرفة المدعي والمنكر، لأن أحكام الخلاف تنبني عليهما، فالقول قول المنكر، وعلى المدعي البينة أو اليمين، ومن أمثلة مسائل الخلاف بين الزوجين في النفقة، والتي يمكن الاستدلال من خلالها على غيرها من المسائل:

أ ـ الاختلاف في أصل الإنفاق:

اختلف الفقهاء([55]) فيما لو أنكرت المرأة أصل إنفاق زوجها عليها، هل يصدق قولها أم لا على قولين:

القول الأول: إذا كانت المرأة مقيمة في بيت زوجها، ثم تنازع الزوجان في ذلك، وادعت عدم النفقة وأنكر الزوج، فإن القول قول من يشهد له العرف والعادة، فإذا كانت العادة أن الرجل ينفق على المرأة في بيته ويكسوها، وادعت أنه لم يفعل ذلك فالقول قوله مع يمينه، وهو قول مالك([56])، وأبي حنيفة وقول للإمامية ([57])، وقول في مذهب أحمد، وقد انتصر له ابن تيمية، وابن القيم، ومن الأدلة التي سيقت لذلك:

  1. أن الأصل المستقر في الشريعة أن اليمين مشروعة في جانب أقوى المتداعيين، سواء ترجح ذلك البراءة الأصلية، أو اليد الحسية، أو العادة العملية، ولهذا إذا ترجح جانب المدعي كانت اليمين مشروعة في حقه، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل البينة على المدعى عليه إذا لم يكن مع المدعي حجة ترجح جانبه.
  2. أنه إذا كان الزوج مؤتمنا عليها، وله عليها ولاية: كان القول قوله فيما اؤتمن عليه وولي عليه، كما يقبل قول الولي في الإنفاق على اليتيم، وكما يقبل قول الوكيل والشريك والمضارب والمساقي والمزارع فيما أنفقه على مال الشركة، بل إن قبول قوله في ذلك أولى من قبول قول أحد الشريكين.
  3. أن العادة جارية بأن الرجل ينفق على امرأته ويكسوها فإن لم يعلم لها جهة تنفق منها على نفسها أجري الأمر على العادة.
  4. أنه لو كان القول قولها لم يقبل قول الرجل إلا ببينة، فكان يحتاج إلى الإشهاد عليها كلما أطعمها وكساها، وكان تركه ذلك تفريطا منه إذا ترك الإشهاد على الدين المؤجل ومعلوم أن هذا لم يفعله مسلم على عهد السلف.
  5. أن الإشهاد في هذا متعذر أو متعسر فلا يحتاج إليه، كالإشهاد على الوطء، فإنهما لو تنازعا في الوطء وهي ثيب لم يقبل مجرد قولها في عدم الوطء عند الجمهور، مع أن الأصل عدمه، والإنفاق في البيوت بهذه المثابة، ولا يكلف الناس الإشهاد على إعطاء النفقة لما فيه من الحرج والمشقة.
  6. أن هذه المرأة لا بد أن تكون أكلت واكتست في الزمان الماضي، وذلك إما أن يكون من الزوج، وإما أن يكون من غيره. والأصل عدم غيره، فيكون منه، لأن الحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفتى عدي بن حاتم فيما إذا رمى الصيد وغاب عنه ولم يجد فيه أثرا غير سهمه أنه يأكله.

القول الثاني: أن القول قول المرأة، وهو قول أكثر الفقهاء، لأن النفقة وجبت بطريق المعاوضة، فلا تسقط بمضي الزمان، قال الشافعي:(إن اختلفا فقال قد دفعت إليها نفقتها وقالت لم يدفع إلي شيئا فالقول قولها مع يمينها وعليه البينة بدفعه إليها أو إقرارها به والنفقة كالحقوق لا يبرئه منها إلا إقرارها أو بينة تقوم عليها بقبضها) ([58])، وقد استدل على ذلك الكاساني بأن الزوج يدعي قضاء دين عليه وهي منكرة فيكون القول قولها مع يمينها كما في سائر الديون([59]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة في الحالة العادية هو القول الأول، للمضار التي قد تحدث للزوج بسبب القول الثاني، وقد أشار إلى هذه المضار من رجح هذا القول من العلماء، قال ابن تيمية بعد استدلاله لهذا القول:(وهذه المعاني من تدبرها تبين له سر هذه المسألة، فإن قبول قول النساء في عدم النفقة في الماضي فيه من الضرر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، وهو يؤول إلى أن المرأة تقيم مع الزوج خمسين سنة، ثم تدعي نفقة خمسين سنة وكسوتها، وتدعي أن زوجها مع يساره وفقرها لم يطعمها في هذه المدة شيئا، وهذا مما يتبين الناس كذبها فيه قطعا، وشريعة الإسلام منزهة عن أن يحكم فيها بالكذب والبهتان، والظلم والعدوان) ([60])

وهو كذلك ما جعل ابن القيم يختار هذا القول وينصره، وقد بين مأخذه في ذلك بقوله:(وهذا المذهب هو الذي ندين الله به، ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة سواه، وكيف يليق بالشريعة أن تسمع مثل هذه الدعوى التي قد علم الله وملائكته والناس أنها كذب وزور؟ وكيف تدعي المرأة أنها أقامت مع الزوج ستين سنة أو أكثر لم ينفق عليها فيها يوما واحدا ولا كساها فيها ثوبا، ويقبل قولها عليه، ويلزم بذلك كله؟ ويقال: الأصل معها وكيف يعتمد على أصل يكذبه العرف والعادة والظاهر الذي بلغ في القوة إلى حد القطع) ([61])

ولهذا انتصر له كذلك العز بن عبد السلام مع مخالفته لقول الشافعي، فقد قال في قواعد الأحكام في بيان الفرق بين النفقة وسائر الديون:(إذا اختلف الزوجان في النفقة مع اجتماعهما وتلازمهما ومشاهدة ما ينقله الزوج إلى مسكنهما من الأطعمة والأشربة، فالشافعي يجعل القول قول المرأة، لأن الأصل عدم قبضها كسائر الديون، ومالك يجعل القول قول الزوج، لأنه الغالب في العادة، وقوله ظاهر، والفرق بين النفقة وسائر الديون أن العادة الغالبة مثيرة للظن بصدق الزوج بخلاف الاستصحاب في الديون فإنه لا معارض له، ولو حصل له معارض كالشاهد واليمين لأسقطناه، مع أن الظن المستفاد من الشاهد واليمين أضعف من الظن المستفاد من العادة المطردة في إنفاق الأزواج على نسائهم مع المخالطة الدائمة، نعم لو اختلفنا في نفقة يوم أو يومين لم يبعد ما قاله الشافعي رحمه الله) ([62])

وقد رجع كثير من علماء المذاهب المتأخرين إلى هذا القول، قال ابن رجب:(إذا ادعت الزوجة بعد طول مقامها مع الزوج أنه لم توصلها النفقة الواجبة ولا الكسوة. فقال الأصحاب: القول قولها مع يمينها، لأن الأصل معها مع أن العادة تبعد ذلك جدا، واختار الشيخ تقي الدين الرجوع إلى العادة)([63])

ب ـ الاختلاف في انتهاء العدة:

اتفق الفقهاء([64]) على أنه إن اختلفا في انقضاء العدة فالقول قولها مع يمينها، لأنها متمسكة بالأصل والأصل بقاء العدة، واستحقاق النفقة كان ثابتا لها فيبقى ما لم يظهر انقضاء العدة، فإن أقام الزوج البينة على إقرارها بانقضاء العدة برئ من النفقة، لأن ثبوت إقرارها بالبينة كثبوته بالمعاينة.

وفي حال ادعاء المرأة انتهاء العدة في مدة يستحيل انتهاؤها فيها، فإنه لا تصدق المرأة في ذلك إذا أنكر الزوج قولها، وقد اختلف الفقهاء في المدة التي يستحيل فيها انتهاء عدتها على قولين:

القول الأول: أن العبرة ليست بالمدة، وإنما بإقامة المرأة البينة على ذلك، وهي أربع عدول من النساء عالمات، أو بشهادة امرأتين كذلك مع يمينها، وهو قول ابن حزم، ومن الأدلة على ذلك:

  1. أن الله تعالى لم يحد في ذلك حدا، ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الباطل المتيقن أن يكون تعالى أراد أن يكون للأقراء مقدار لا يكون أقل منه ثم يسكت عن ذلك.
  2. أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حكم بالبينة على من ادعى، وهي مدعية بطلان حق ثابت لزوجها في رجعتها، أحبت أم كرهت – فلا تصدق إلا ببينة عدل.

القول الثاني: تحديد مدة العدة، وهو قول الجمهور، وقد اختلفوا في هذا التحديد بناء على أقوالهم في مدد الحيض والنفاس، ومن الأقوال في ذلك:

  1. لا تصدق في انقضاء العدة في أقل من ستين يوما، ولا تصدق النفساء في أقل من خمسة وثمانين يوما، وهو قول أبي حنيفة.
  2. لا تصدق في انقضاء العدة في أقل من تسعة وثلاثين يوما، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وسفيان في أحد قوليه، لأنه يجعلها مطلقة في آخر طهرها، ثم ثلاث حيض، كل حيضة من ثلاثة أيام – وهو أقل الحيض عندهم – وطهران، كل طهر خمسة عشر يوما – وهو أقل الطهر عندهم.
  3. لا تصدق المعتدة بالأقراء في أقل من خمسة وأربعين يوما، وهو قول الحسن ابن حي.
  4. لا تصدق في أقل من أربعين يوما، وهو قول الأوزاعي.
  5. إن لم تأت ببينة لم تصدق في أقل من ثلاثة أشهر، وهو قول أبي عبيد.
  6. لا تصدق في أقل من اثنين وثلاثين يوما وبعض يوم، وهو أحد أقوال الشافعي، لأن أقل الحيض عنده في هذا القول يوم،، وأقل الطهر خمسة عشر يوما.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أنها من المسائل التي يستفتى فيها أهل الاختصاص من الأطباء وغيرهم، والظاهر فيها، والله أعلم، أن المدة العادية تقارب ثلاثة أشهر، والدليل على ذلك هو أن الله تعالى جعل عدة اليائس ثلاثة أشهر في مقابل القروء الثلاثة لغيرها، وهو يدل على أن المدتين تتقاربان.

ج ـ الاختلاف في وقت التطليق:

نص الفقهاء على أنه إن طلق امرأته، وكانت حاملا فوضعت، فقال: طلقتك حاملا، فانقضت عدتك بوضع الحمل، وانقطعت نفقتك ورجعتك، فقالت: بل طلقتني بعد الوضع، فلي النفقة، ولك الرجعة، فالقول قولها، لأن الأصل بقاء النفقة، وعدم المسقط لها، وعليها العدة، ولا رجعة للزوج، لإقراره بعدمها إلا إذا رجع إلى قولها فصدقها، فله الرجعة، لأنها مقرة له بها.

أما لو قال: طلقتك بعد الوضع، فلي الرجعة، ولك النفقة، فقالت: بل طلقتني وأنا حامل. فالقول قوله، لأن الأصل بقاء الرجعة، ولا نفقة لها، ولا عدة عليها، لأنها حق لله تعالى، فالقول قولها فيها. وإن عاد فصدقها، سقطت رجعته، ووجب لها النفقة.

وهذه المسألة غير موجودة عند من يقول بالإشهاد على الطلاق كالإمامية، وسنرى شرعية ذلك وأهميته في محله من الجزء الرابع من هذه السلسلة.

ثانيا ـ شروط وجوب النفقة وموانعها

1ـ آراء المذاهب الإسلامية في الشروط الموجبة للنفقة:

اختلفت المذاهب الإسلامية في الشروط الموجبة للنفقة، وأكثر خلافهم في تصنيفها، وسنعرض هنا آراءهم العامة وبعض الفروع المرتبطة بها، ثم نذكر في تفاصيل الشروط أدلة هذه الأقوال وما نراه من ترجيح بينها، والغرض من هذا المطلب هو إعطاء صورة عامة لمواقف المذاهب الإسلامية من هذه الشروط، لإمكانية الرجوع إليها عند الحاجة لبعض التفريعات:

مذهب الحنفية:

اشترط الحنفية([65]) لوجوب النفقة على الزوج الشروط التالية:

  1. أن يكون العقد صحيحاً، فلو عقد عليها فاسداً أو باطلاً وأنفق عليها، ثم ظهر فساد العقد أو بطلانه فإن له الحق في الرجوع عليها بما أنفقه.
  2. أن تكون الزوجة مطيقة للوطء منه أو من غيره، ولا يشترط لذلك سن خاص، فإذا كانت صغيرة تطيق الوطء وسلمت نفسها، فإن النفقة تجب على الزوج، ولو كان صغيراً لا يعرف الوطء، مع وجوبها في مال الصغير لا في مال الأب، فإن لم يكن للصغير مال، فإن الأب لا يلزم بالانفاق على زوجته، ولكن يلزم بالاستدانة والإنفاق، ثم عند بلوغ الصغير ويساره يرجع عليه بما أنفق، ويجب لها النفقة أيضا ـ عندهم ـ إذا كانت تشتهي للمباشرة والتلذذ بها في غير الفرج، ولو لم تطق الجماع في الفرج، كما إذا كانت رتقاء أو قرناء، فإذا لم تطق الوطء ولم تصلح للاستمتاع بها، فإذا كانت تصلح للخدمة والاستئناس بها، وأمسكها في بيته، فإن النفقة تجب لها.
  3. أن تسلم نفسها، فإن كانت ناشزا، فلا تجب لها نفقة، والناشز هي التي تخرج من بيت زوجها بدون إذنه بغير حق، أو تمتنع من تسليم نفسها إليه، فلا تدخل داره، أما إذا لم تطاوعه في الجماع، فإن هذا، وإن كان حراماً عليها، ولكن لا تسقط به نقتها، لأن الحبس الذي تستحق به النفقة موجود، وإذا كانت في منزل مملوك لها ومنعته من الدخول عليها، فإنها تكون ناشزا بذلك، فخرجت بغير إذنه، أو سافرت بغير إذنه، ثم عادت ثانياً، فإن النفقة تعود لها.
  4. أن لا تكون مرتدة، فإذا ارتدت سقطت نفقتها، بخلاف ما إذا كانت ذمية تحت مسلم، فها تجب لها النفقة، سواء كانت نفقة زوجية أو عدة فإذا تابت المرتدة وأسلمت، وهي في العدة فإن نفقتها لا تعود بخلاف الناشز، وذلك لأن ردتها ترتب عليها فرقة جاءت من قبلها، فأبطلت نفقتها، ومتى بطلت النفقة بالفرقة فإنها تعود، بخلاف النشوز فإنه أمر عرضي يوقف النفقة ولا يبطلها.
  5. أن لا تفعل ما يوجب حرمة المصاهرة فلو طاوعت ابن زوجها، أو أب زوجها، ومكنته من نفسها، أو لمسته بشهوة، فإنها تبين منه ولا نفقة لها عليه، لأنها فعلت ما يوجب الفرقة، فكانت فرقة من قبلها مبطلة للنفقة فإن كانت مطلقة وفعلت ذلك في العدة، فإن كانت معتدة عن طلاق رجعي، فإن نفقتها تسقط، أما إذا كانت معتدة عن طلاق بائن، أو عن فسخ بدون طلاق، فإن لها النفقة والسكنى.
  6. أن لا تكون معتدة عدة وفاة.

ونرى من خلال هذه الشروط أن مدارها على حبس المرأة نفسها في منزل زوجها بالفعل أو بالقوة، فلا يشترطون لوجوب النفقة الدخول، كما لا يشترطون مطالبة الزوج بالدخول، إنما الشرط أن لا تخرج إلا بإذنه، ولا يشترطون أن لا يكون بها مانع يمنع الوطء كرتق ونحوه، كما إذا كانت عجوزاً غير صالحة للوطء، ومثلها المجنونة إذا سلمت له نفسها ومنعته من الوطء، كما لا يشترطون كون الزوج بالغاً.

مذهب المالكية:

قسم المالكية([66]) شروط وجوب النفقة للزوجة على زوجها إلى قسمين: شروط لوجوبها قبل الدخول وشروط لوجوبها بعد الدخول:

شروط الوجوب قبل الدخول: اشترط المالكية لوجوب النفقة قبل الدخول أربعة شروط، هي:

  1. أن تدعوه الزوجة أو وليها المجبر إلى الدخول فلم يدخل، فإذا لم تدعه إلى الدخول فلا حق لها في النفقة.
  2. أن تكون مطيقة للوطء، فإذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء فإنه لا تجب عليها نفقتها إلا إذا دخل بها، ولا يجب عليه الدخول إذا دعته ولا يجبر عليه.
  3. أن لا تكون مريضة مرضاً شديداً بحيث أصبحت في حالة النزع أو كان هو مريضاً كذلك، وإلا فلا نفقة لها.
  4. أن يكون الزوج بالغاً، فلو كان الزوج صغيراً فإن نفقتها لا تجب عليه ولو كان قاراً على وطئها.

شروط الوجوب بعد الدخول: نص المالكية في هذه الحالة على أنه تجب عليه نفقتها، سواء كانت الزوجة تطيق الوطء أو لا، وسواء كانت مريضة مرض الموت أو لا وسواء كان بالغاً أو لا، وهذا هو الظاهر عندهم، وفي المسألة خلاف، فذهب بعضهم إلى أنها لا تجب على الصغير ولو دخل بها ووطئها، وكما لا تجب على الكبير إذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء، ومثل ذلك المريضة التي بلغت حد النزع، فإنه لا نفقة لها في هذه الحالة، ويشترط لوجوبها بعد الدخول أن تمكنه من الوطء بحيث إذا طلبه منها لا تمتنع، وإلا فلا حق لها في النفقة، وأن تكون سليمة من عيوب النكاح، كالرتق ونحوه، فإذا كانت كذلك فلا حق لها في النفقة، إلا إذا تلذذ بها بغير الوطء وكان عالماً بالعيب. فإن النفقة تجب عليه في هذه الحالة.

مذهب الشافعية:

اشترط الشافعية لوجوب النفقة على الزوج الشروط التالية:

  1. أن تمكنه من نفسها، ويتحقق ذلك بأن تعرض نفسها عليه، كأن تقول: إني مسلمة نفسي إليك. فإن لم يكن حاضراً عندها بعثت إليه تقول: أنني مسلمة نفسي إليك، فاختر وقتاً أجيء فيه إليك أو تجيء إليّ أو نحو ذلك، فإن لم يكن حاضراً في البلد أنذرته النفقة، فإذا لم تخطره بذلك فإنها لا حق لها في النفقة حتى ولو كانت لا تمتنع إذا طلبها، ويجب أن تمكنه من نفسها في أي وقت يجب، فإذا كان لها عمل بالنهار لا يتمكن منها فيه فإن نفقتها لا تجب عليه، فإذا كانت صغيرة أو مجنونة عرضها وليها.
  2. أن تكون مطيقة للوطء، فإذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء فإنها لا تستحق النفقة سواء كان زوجها بالغاً يريد الوطء أو صغيراً لا يطأ، وإذا كان صغيراً فإن النفقة لا تجب عليه إلا إذا سلمت الزوجة لوليه، وكذا إذا كان مجنوناً، فإن النفقة لا تجب عليه إلا إذا سلمت زوجته للولي فلو استمتع المجنون بها بدون أن يستلمها وليه، فلا نفقة عليه بذلك وبعضهم يقول: إذا كان الزوج صغيراً لا يطأ مثله، وكانت الزوجة صغيرة لا تطيق الوطء فإن نفقتها تجب، وذلك لأن المانع منهما معاً لا من الزوجة وحدها، بخلاف ما إذا كان الزوج كبيراً وهي صغيرة لا تطيق الوطء فإن المانع من جهتها وحدها فلا تستحق.
  3. أن لا تكون ناشزا، أي خارجة عن طاعة زوجها، ومن الصور التي ذكروها لذلك أن تمنعه من الاستمتاع بها من لمس وتقبيل ووطء ونحو ذلك، فإذا منعته سقطت نفقتها في اليوم الذي منعته فيه، ومنها أن تخرج من المسكن بدون إذنه، فإذا خرجت بدون إذنه فلا تجب عليه نفقتها، إلا إذا خرجت لعذر كخوف من انهدام مسكن أو لعيادة أهلها ونحو ذلك، مما لا يغضب أمثاله عرفاً. ومنها أن تسافر لقضاء حاجة لغير زوجها ولو بإذنه، فإن نفقتها تسقط بذلك أما إذا سافرت لقضاء حاجة له بإذنه فإن نفقتها لا تسقط. ومثل ذلك ما إذا سافرت معه ولو بدون إذنه..

مذهب الحنابلة:

اشترط الحنابلة([67]) لوجوب نفقة الزوجية على الزوج الشروط التالية:

  1. أن تسلم له نفسها تسليماً تاماً في أي بلدة أو مكان يليق بها، فإذا امتنعت عن تسليم نفسها في بلد دون بلد فإن نفقتها تسقط.
  2. أن تكون ممن يوطأ مثلها، أي بأن تكون صالحة للوطء، وقيد ذلك بعضهم بشرط أن تكون بنت تسع سنين، فإذا كانت ضخمة تطيق الوطء، وهي دون تسع، فإنها لا نفقة لها على هذا القيد، فإن كانت صغيرة تطيق الوطء فإن على وليها أن يقول لزوجها: تعال استلم زوجتك، فمتى سلمت الزوجة نفسها أو أسلمها وليها، وكانت تطيق الوطء وجبت نفقتها على الزوج، وسواء كان صغيراً أو كبيراً، وسواء كان يمكنه الوطء أو لا، كما إذا كان مجبوباً، أو عنيناً، لأن النفقة تجب في مقابل الاستمتاع، فمتى سلمت نفسها وجبت عليه نفقتها، سواء استمتع بالفعل أو لا، وإذا تعذر وطؤها لمرض أو حيض أو نفاس أو رتق أو قرن، أو هزال، فإنه لا يمنع نفقتها، وإنما لمدار على تسليم نفسها ما دامت بلغت تسع سنين، سواء حدث لها ذلك قبل الدخول، أو حدث لها وهي عنده فإذا كانت صحيحة وبذلت نفسها ليستمتع بها بغير الوطء، فإنها لا حق لها في النفقة، فإذا امتنعت من تسليم نفسها للجماع سقطت نفقتها، فإذا عرض لها عارض يمنع من الوطء سلمت نفسها بعد ذلك فإن نفقتها لا تعود ما دامت مريضة عقوبة لها على منع نفسها وهي صحيحة، وإذا ادعت أن بها آلاماً لا تطيق معها الوطء، فإن قولها يقبل إذا عرضت نفسها على امرأة ثقة وأقرت دعواها، ولا تسقط نفقتها.
  3. أن لا تكون ناشزاً، ومن الصور التي ذكروها للنشوز: أن تخرج من منزله بدون إذنه، أو أن لا تمكنه من وطئها، أو أن تسافر بدون إذنه،، أو أن تتطوع بحج أو بصوم نفل أو تحرم بحج منذور في الذمة ولو بإذنه، فإنها إن فعلت ذلك ودعاها للفراش فأبت سقطت نفقتها، فإن له أن يبطل صوم التطوع ونحوه، أو أن لا تبيت معه في فراشه، أو أن تمنعه من الاستمتاع بها بغير الوطء، كالتقبيل ونحوه، أو أن لا تسافر بغير إذنه لحاجته، فإن سافرت لحاجته بإذنه.
  4. أن لا تلزمها عدة بوطء غيره، كما إذا وطئها شخص بشبهة فاعتدت منه، فلا نفقة لها عليه، ولا فرق في النشوز بين قدرة الزوج على ردها أو لا، فإن عادت عن النشوز وسلمت له نفسها عادت لها النفقة، وإذا أسلمت المرتدة عادت لها نفقتها، وإذا أطاعته نهاراً وعصته ليلاً كان لها نصف نفقة مثلها.
  5. أن لا يحول بينه وبينها حائل، كما إذا حبست ولا يستطيع الوصول إليها، فإن حقها يسقط في النفقة، وكذا إذا حبست الزوج من أجل نفقتها أو صداقها، فإنها لا نفقة لها إلا إذا كان الزوج موسراً مماطلاً وحبسته، فإن نفقتها لا تنقطع، لأنه يكون في هذه الحالة ظالماً.

مذهب الإمامية:

نص الإمامية([68]) على الشرطين التاليين:

  1. أن يكون العقد دائما.
  2. التمكين الكامل، وهو التخلية بينها وبينه، بحيث لا تخص موضعا ولا وقتا فلو بذلت نفسها في زمان دون زمان، أو مكان دون آخر، مما يسوغ فيه الاستمتاع لم يحصل التمكين.

ومن فروع التمكين: أن لا تكون صغيرة يحرم وطء مثلها، سواء كان زوجها كبيرا أو صغيرا، ولو أمكن الاستمتاع منها بما دون الوطء، لأنه استمتاع نادر لا يرغب إليه في الغالب، أما لو كانت كبيرة، وزوجها صغيرا، ففيه خلاف بينهم والأشبه عندهم وجوب الإنفاق لحصول التمكين، ولو كانت مريضة أو رتقاء أو قرناء، لم تسقط النفقة، لإمكان الاستمتاع.

ولو سافرت الزوجة بإذن الزوج لم تسقط نفقتها، سواء كان في واجب أو مندوب أو مباح، ومثله ما لو سافرت في واجب بغير إذنه، كالحج الواجب، أما لو سافرت بغير إذنه، في مندوب أو مباح، سقطت نفقتها، ولو صلت أو صامت أو اعتكفت بإذنه، أو في واجب وإن لم يأذن، لم تسقط نفقتها، وكذا لو بادرت إلى شيء من ذلك ندبا، لأن له فسخه، ولو استمرت مخالفة، تحقق النشوز، وسقطت النفقة.

وتثبت النفقة للمطلقة الرجعية، كما تثبت للزوجة، وتسقط نفقة البائن وسكناها، سواء كانت عن طلاق أو فسخ نعم لو كانت المطلقة حاملا، لزم الإنفاق عليها حتى تضع، وكذا السكنى، وفي الحامل المتوفى عنها زوجها، روايتان: أشهرهما أنه لا نفقة لها، والأخرى ينفق عليها من نصيب ولدها، وتثبت النفقة للزوجة مسلمة كانت أو ذمية أو أمة.

مذهب الزيدية:

نص الزيدية([69]) على أن النفقة تجب للزوجة مطلقا من مال الزوج أو من مال وليه، ولو كان الزوج حملا أو مجنونا، ولو زوج لغير مصلحة، ويبدأ هذا الوجوب من يوم العقد، ويستوي عندهم أن تكون الزوجة كبيرة ولو شيخة، أم صغيرة صالحة للجماع أم لا، دخل بها أم لا، حيث لم يطلب ولا امتنعت، سليمة من العيب أم معيبة، وسلمت تسليما مستداما يوما وليلة فما فوق، مسلمة أم ذمية مع ذمي أو مع مسلم عند من يجيز نكاح الكتابيات، وتجب لها نفقة سفر حيث أحرمت بحجة الإسلام ولو بغير إذنه أو نفلا بإذنه، فإن نفقتها واجبة في ذلك كله على الزوج.

وتجب النفقة للمعتدة وتوابعها كالباقية تحت زوجها، سواء كانت معتدة عن موت قبل الدخول أم بعده، أو عن طلاق بعد دخول لا بعد خلوة فقط، أو كانت العدة عن فسخ بعيب فيه أو فساد عقد، فإن النفقة تجب في العدة إلا أن يكون ذلك الفسخ بحكم حاكم، فإذا كان الفسخ بحكم فلا نفقة لها في العدة على الزوج غالبا احترازا من بعض الصور، فإن الفسخ يكون بالحكم وتلزم النفقة، وذلك كالصغيرة إذا بلغت وفسخت النكاح واحتاجت إلى الحكم لأجل التشاجر.

ولو كان الفسخ لأمر يقتضي النشوز من المرأة فإنها لا تستحق نفقة في العدة، وذلك الأمر إما ذنب كأن ترتد عن الإسلام والزوج باق، أو يسلم الزوج أو أحد أبويه وهو صغير وتبقى على الكفر وهي بالغة عاقلة فقد وقع الفسخ لأمر يقتضي النشوز من المرأة فلا نفقة لها في العدة، أما إذا أسلم زوجها وهي صغيرة أو مجنونة فلا تسقط النفقة لعدم النشوز منها، وكذا لو ارتد الزوج وبقيت هي على الإسلام أو أسلمت هي وبقي على الكفر فإنها لا تسقط نفقتها في الوجهين، أو عيب، وذلك مثل أن يفسخها الزوج بعد الدخول بأحد العيوب.

مذهب الإباضية:

تجب النفقة عندهم([70]) بالدخول أو بالدعاء إلى الدخول، بشرط أن لا يكون أحدهما مريضا مرض السياق والزوج بالغ والزوجة مطيقة، وجعل بعضهم السلامة من المرض والبلوغ في الزوجة وإطاقة الوطء في الزوجة شرطا في الدعاء إلى الدخول، فإذا دعاها وقد اختل أحد هذه الشروط فلا تجب، وإن دخل وجبت بلا شرط، وجعلها بعضهم شرطا في الدخول، وفي الدعاء إليه فلا تجب نفقة الزوجة ولو دخل بها إلا إذا بلغ الزوج وأطاقت الزوجة الوطء.

مذهب الظاهرية:

وهو أشد المذاهب في وجوب النفقة على الزوجة في جميع أحوالها بدون تقييد بأي شرط، قال ابن حزم:(على الزوج كسوة الزوجة – مذ يعقد النكاح – ونفقتها، وما تتوطاه وتتغطاه وتفترشه، وإسكانها كذلك أيضا، صغيرة أو كبيرة، ذات أب أو يتيمة، غنية أو فقيرة، دعي إلى البناء أو لم يدع نشزت أو لم تنشز، حرة كانت أو أمة، بوئت معه بيتا أو لم تبوأ)([71])

2ـ تفاصيل الشروط الوجبة للنفقة وأدلتها

من خلال العرض السابق للشروط التي ذكرها الفقهاء لاستحقاق المرأة النفقة على زوجها، نرى أنه يمكن تلخيصها وحصرها في الشرطين التاليين، ومع استبعاد بعض الشروط التي لا علاقة لها بالنفقة:

الشرط الأول: تسليم المرأة نفسها إلى الزوج وقت وجوب التسليم

وذلك بأن تقصر نفسها على زوجها([72])، بحيث يتمكن من الانتفاع بثمرات الزواج، وقد عرف الكاساني التسليم بقوله:(هو أن تخلي بين نفسها وبين زوجها، برفع المانع من وطئها أو الاستمتاع بها حقيقة إذا كان المانع من قبلها، أو من قبل غير الزوج) ([73])

وقد اختلف الفقهاء في اشتراط التسليم لوجوب النفقة على الزوج على قولين([74]):

القول الأول: لا يشترط التسليم، بل إن الزوجة تستحق النفقة من يوم العقد عليها حتى ولو تأخر الدخول، بل ولو كان العقد من المهد، وهو قول الظاهرية، قال ابن حزم:(وينفق الرجل على امرأته من حين يعقد نكاحها دعي إلى البناء أو لم يدع – ولو أنها في المهد) ([75])، واستدل على ذلك بما يلي:

  1. قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النساء: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ([76])، وهذا يوجب لهن النفقة من حين العقد.
  2. عدم ورود أي دليل يشترط التسليم، قال ابن حزم:(وقال قوم: لا نفقة للمرأة إلا حيث تدعى إلى البناء بها وهذا قول لم يأت به قرآن، ولا سنة، ولا قول صاحب، ولا قياس، ولا رأي له وجه)([77])

القول الثاني: اشتراط التسليم لوجوب النفقة، وذلك بأن تسلم نفسها له حقيقة أو حكماً بدخولها في طاعته بالفعل، أو باستعدادها لهذا الدخول ما لم يوجد مانع شرعي يمنعها من ذلك، وهو قول جماهير الفقهاء من المذاهب المختلفة، وقد نص بعض الحنفية على أن هذا الشرط ليس بلازم، وأن النفقة واجبة لها وإن لم تنتقل إلى بيت الزوج، لأن الزوج لو لم يطلب انتقالها إلى بيته كان لها أن تطالبه بالنفقة، وذلك لأن النفقة حق المرأة، والانتقال حق الزوج، فإذا لم يطالبها بالنقلة فقد ترك حقه، وهذا لا يوجب بطلان حقها([78]).

وهو خلاف صوري لأن ما ذكره اتفق الفقهاء على القول به، ولهذا نصوا على أنها لو منعت نفسها أو منعها أولياؤها، أو تساكتا بعد العقد، فلم تبذل ولم يطلب، فلا نفقة لها، وإن أقاما على ذلك زمنا.

ومن الأدلة على عدم وجوب النفقة عليه في هذه الحالة أن النفقة تجب في مقابلة التمكين المستحق بعقد النكاح، فإذا وجد استحقت، وإذا فقد لم تستحق شيئا.

ويتحقق التسليم بانتقالها إلى بيته، فإذا تزوج بالغة صحيحة سليمة ونقلها إلى بيته، فلها النفقة لوجود سبب الوجوب وشرطه، ويستوي في ذلك ما لو تزوجها ولم ينقلها وهي لا تمنع نفسها، وطلبت منه النفقة ولم يطالبها بالانتقال فلها النفقة في كل ذلك، لأنه وجد سبب الوجوب وهو كونها محبوسة له، وشرطه وهو التسليم.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ارتباط وجوب النفقة بالتسليم،كما هو متعارف عليه، إلا إذا كان التقصير من الزوج، بأن طالت المدة، ولم يطلب المرأة للدخول، فإن عليه النفقة لتأخره، ومثل ذلك ما لو رفضت الزوجة التسليم بسبب مشروع من جهتها، مع مطالبة الزوج بذلك، ولكنها امتنعت بسبب شرعي، فإن لها الحق في النفقة، بشرط أن تكون الأعذار معتبرة.

أما ما استدل به ابن حزم من الحديث، فلا يصح الاستدلال به لأن سياق الحديث يدل على أن الزوجة في بيت زوجها أو قد سلمت نفسها له، ثم إن الشرع اعتبر التفريق بين الزوجية قبل الدخول وبعده، فلهذا فرض للمرأة نصف المهر إن حصل الطلاق قبل الدخول بناء على عدم اكتمال الزوجية بسبب عدم حصول الدخول.

وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع عليهم وهو مسئول عنهم، ألا وان الرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، ألا وإن المرأة راعية على بيت زوجها، وهي مسئولة عنهم ألا والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ([79]) وجوها من الدلالة على ذلك، منها أنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أن الرجل راع على أهل بيته، والمرأة قبل التسليم لا تعتبر من أهل بيته، وإن عقد عليها، ومنها أن المرأة راعية على بيت زوجها، وهو يشير إلى أن حقها في النفقة مرتبط بهذه الرعاية، وهي لا تتحقق إلا بالدخول، أو بالتسليم.

الأعذار المعتبرة لعدم التسليم:

من الأعذار المعتبرة التي ذكرها الفقهاء القائلون باشتراط التسليم الأعذار التالية:

طلب استيفاء مهرها العاجل:

إذا طلبت الزوجة من زوجها استيفاء مهرها العاجل، فلم يبذله لها، فإن لها الحق في عدم التسليم، ومع ذلك تجب لها النفقة، للأدلة التالية:

  1. أنه لا يجب عليها التسليم قبل استيفاء العاجل من مهرها، فلم يوجد منها الامتناع من التسليم وقت وجوب التسليم.
  2. أن تسليم نفسها قبل تسليم صداقها يفضي إلى أن يستوفي منفعتها المعقود عليها بالوطء، ثم لا يسلم صداقها، فلا يمكنها الرجوع فيما استوفى منها، بخلاف المبيع إذا تسلمه المشتري ثم أعسر بالثمن، فإنه يمكنه الرجوع فيه.

أما إن كان الزوج قد أوفاها مهرها أو كان مؤجلا، فلا نفقة لها لانعدام التسليم حال وجوب التسليم، فلم يوجد شرط الوجوب فلا تجب.

عدم قبولها ببيت الدخول:

ومن الأمثلة التي ذكرها الفقهاء لذلك، والتي نصوا فيها على وجوب النفقة على اختلاف بينهم في بعضها:

  1. أن تقول: أسلم إليك نفسي في منزلي دون غيره، أو في الموضع الفلاني دون غيره فإنها تستحق النفقة إذا شرطت ذلك في العقد، بأن شرطت دارها أو بلدها، بناء على القول باعتبار هذا الشرط([80])، أما إذا لم ينص على ذلك في العقد، فإنها إن لم تبذل التسليم الواجب بالعقد، فلا تستحق النفقة.
  2. لو طالبها بالانتقال إلى بيته بعد ما أوفاها المهر إلى دار مغصوبة فامتنعت، فلها الحق في النفقة،لأن امتناعها بحق فلم يجب عليها التسليم فلم تمتنع من التسليم حال وجوب التسليم.
  3. لو كانت ساكنة منزلها فمنعته من الدخول عليها، لا على سبيل النشوز، بل قالت: حولني إلى منزلك، أو اكتر لي منزلا أنزله، فإني أحتاج إلى منزلي هذا لكرائه، فإن لها الحق في النفقة، لأن امتناعها عن التسليم في بيتها لغرض التحويل إلى منزله أو إلى منزل الكراء امتناع بحق.

عدم الانتقال لأجل المرض:

إذا امتنعت من الانتقال إلى بيته بعلة مرضها، فإن ذلك يفوت على الزوج احتباسها وهو المقابل للنفقة، ولذلك نص الفقهاء والحنفية خصوصا على عدم استحقاق النفقة لذلك، والعلة هنا ليس في مرض الزوجة لأن المرض طارئ يمكن زواله، وعقد الزواج عقد للدوام فلا يسقط الحق الدائم بعارض من العوارض لا دخل للزوجة فيه، وإنما هو عدم انتقالها إلى بيت الزوجية أو امتناعها عن الانتقال إليه، فهي بذلك تعتبر ناشزا، فإذا انتفت هذه العلة فالمفتى به في المذهب الحنفي أنه يجب لها النفقة بعد انتقالها بالفعل إلى بيت الزوجية أو عدم ممانعتها في الانتقال وإن لم تنتقل إليه إن كان ذلك في استطاعتها.

ونرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى نوع المرض، وإمكانية توفير ما تحتاجه من وسائل الصحة في بيت زوجها، فإن كان يشبه في ذلك بيت أهلها، فإنه لا حق لها في النفقة لعدم تسليم نفسها له، أما إن لم تتوفر في بيت زوجها هذه الوسائل، فإن على الزوج أحد أمرين:

  1. إما توفيرها، حتى يقطع العذر عن زوجته في عدم ذهابها لبيته.
  2. أو النفقة عليها في بيت أهلها.

ويختلف ذلك بحسب نوع المرض، فمن الأمراض ما تحتاج فيه المرأة إلى خدمة النساء، ولا حرج في اعتبار النواحي النفسية في ذلك.

الشرط الثاني: أن تكون مطيقة للمعاشرة الجنسية

ويتحقق ذلك ببلوغها، وعدم الموانع التي تحول بينها وبين المعاشرة، وقد ذكر الفقهاء هنا بعض الحالات التي تمنع من هذه المعاشرة، ومنها:

الصغر:

وهو من الموانع التي تحول بينه وبين معاشرتها جنسيا، ولهذا المانع حالتان:

صغر المرأة:

اختلف الفقهاء([81]) فيما لو كانت المرأة صغيرة غير مطيقة للوطء على الأقوال التالية:

القول الأول: لا نفقة لها إن كانت صغيرة لا تحتمل الوطء، وهو قول الحسن، وبكر ابن عبد الله المزني، والنخعي، وإسحاق، وأبي ثور، والحنفية، وهو المنصوص عن الشافعي، وهو قول للإمامية، ومن الأدلة على ذلك:

  1. أن النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع، ولا يتصور ذلك مع تعذر الاستمتاع، فلم تجب نفقتها، كما لو منعه أولياؤها من تسليم نفسها.
  2. أن الصغيرة تختلف عن المريضة في أن الاستمتاع بها ممكن، وإنما نقص بالمرض.
  3. أنها غير مسلمة نفسها إلى زوجها في منزله فلا تستوجب النفقة عليه كالناشز وهذا، لأن الصغيرة جدا لا تنتقل إلى بيت الزوج بل تنقل إليه، ولا تنقل إليه للقرار في بيته، فتكون كالمكرهة إذا حملت إلى بيت الزوج.
  4. أن نفقتها عليه باعتبار تفريغها نفسها لمصالحه، فإذا كانت لا تصلح لذلك لمعنى فيها كان ذلك بمنزلة منع جاء من قبلها، فلا نفقة لها على الزوج.

القول الثاني: لها النفقة مطلقا، وهو قول الثوري، ومذهب الظاهرية، ورواية عن الشافعي، وقول مالك كما في المدونة، فقد سئل ابن القاسم: أرأيت إن كانت صغيرة لا تجامع مثلها لصغرها فقالوا له ادخل على أهلك أو أنفق عليها؟ قال: قال مالك: ينفق عليها ولا يلزمه أن يدفع الصداق حتى تبلغ حد الجماع([82]).

وهو قول للإمامية، وقد اختاره ابن إدريس في السرائر، حيث قال بعد أن نقل رأي الشيخ الطوسي بعدم الاستحقاق: (والأولى عندي أن على الكبير النفقة لزوجته الصغيرة؛ لعموم وجوب النفقة على الزوجة، ودخوله مع العلم بحالها، وهذه ليست ناشزة، والإجماع منعقد على وجوب نفقة الزوجات، فليتأمل ذلك)([83])

وقد استدلوا على ذلك بأن تعذر الوطء لم يكن بفعلها، فلم يمنع وجوب النفقة لها، كالمرض.

القول الثالث: لها النفقة، ولكن بشروط تقيدها، وقد اختلف في هذه الشروط، على الآراء التالية:

الرأي الأول: بلوغها تسعا، وهو مذهب الحنابلة، فقد سئل أحمد: متى يؤخذ من الرجل نفقة الصغيرة، فقال: إذا كان مثلها يوطأ، كبنت تسع سنين، وقد استدلوا على ذلك بقول عائشة:(إذا بلغت الجارية تسعا فهي امرأة) وقد قيد أصحابه ذلك بأنه لا تجب النفقة عليه إلا بالتسليم، أو بذلت له بذلا يلزمه قبوله لأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع وذلك ممكن منه([84]).

الرأي الثاني: أنه إذا كانت الصغيرة تخدم الزوج، وينتفع الزوج بها بالخدمة، فسلمت نفسها إليه، فإن شاء ردها وإن شاء أمسكها، فإن أمسكها فلها النفقة، وإن ردها فلا نفقة لها، وهو قول أبي يوسف، ووجه الحنفية قوله بما يلي([85]):

  1. أنها لم تحتمل الوطء لم يوجد التسليم الذي أوجبه العقد، فكان له أن يمتنع من القبول فإن أمسكها فلها النفقة.
  2. أنه حصل له منها نوع منفعة، وضرب من الاستمتاع وقد رضي بالتسليم القاصر، وإن ردها فلا نفقة لها حتى يجيء حال يقدر فيها على جماعها لانعدام التسليم الذي أوجبه العقد وعدم رضاه بالتسليم القاصر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على حصول الدخول واعتبار المرأة زوجة، تنطبق عليها جميع النصوص الخاصة بوجوب النفقة على الزوجات.

ثم إن القول بعدم وجوب النفقة لعدم القدرة على المعاشرة الجنسية يحصر الزواج في هذه الدائرة الضيقة، مع أن المقاصد الشرعية من الزواج أعظم من أن تنحصر فيها، بل إن أكثر النصوص القرآنية والنبوية لم تعتبرها غاية الزواج القصوى، بل نص القرآن الكريم على أن الزواج سكن ومودة، والسكن والمودة قد تتحققان مع وجود المعاشرة وعدمها.

ثم كيف نستجيز أن نحبس المرأة في بيت الزوجية، ثم نقول لها: لسنا مكلفين بالنفقة عليك، إن هذا لو عومل به مجرم سجن، أو محارب أسر لم يكن عملا شرعيا، فكيف بالزوجة، وهي السكن والمودة، وقد أشار إلى ذلك حديث اختلف في رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبين فيه علة وجوب النفقة، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إما أن تنفق علي أو تطلقني، ويقول الابن: إلى من تكلني ويقول: العبد أنفق علي واستعملني) ([86])

صغر الزوج:

بحيث لا يصلح للمعاشرة الجنسية مع صلاحيتها لذلك، وقد اختلف الفقهاء في وجوب النفقة عليه على قولين([87]):

القول الأول: إن على زوجها الصبي نفقتها، وهو قول أحمد، وأحد قولي الإمامية([88])، وأحد قولي الشافعي، وبناء على هذا القول فإن الولي يجبر على نفقتها من مال الصبي، لأن النفقة على الصبي، وإنما الولي ينوب عنه في أداء الواجبات عليه، كما يؤدي أروش جناياته، وقيم متلفاته، وزكواته.

فإن لم يكن له مال، فاختارت فراقه، فرق الحاكم بينهما، فإن كان له مال، وامتنع الولي من الإنفاق، أجبره الحاكم بالحبس، فإن لم ينفق، أخذ الحاكم من مال الصبي، وأنفق عليها، فإن لم يمكنه، وصبر الولي على الحبس، وتعذر الإنفاق، فرق الحاكم بينهما، إذا طلبت ذلك، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أنها سلمت نفسها تسليما صحيحا، فوجبت لها النفقة، كما لو كان الزوج كبيرا.
  2. أن الاستمتاع بها ممكن، وإنما تعذر من جهة الزوج، كما لو تعذر التسليم لمرضه أو غيبته.

القول الثاني: لا نفقة لها، وهو قول مالك،وقول للشافعي، وأحد قولي الإمامية([89])، واستدلوا على ذلك بأن الزوج لا يتمكن من الاستمتاع بها، فلم تلزمه نفقتها، كما لو كانت غائبة أو صغيرة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة وجوب النفقة على ولي الزوج، لأنه هو الذي تولى هذا الزواج، ولا يجب من مال الصغير ـ إن كان له مال ـ لأنه غير مكلف بالنفقة على غيره، ونرى في مثل هذه المسائل المختلف فيها أن لا تزوج المرأة إلا بعد اشتراط النفقة أو الحقوق التي قد تخاف ضياعها.

وإن بلغ الصغير، فإنه غير مكلف بإعادة ما أنفق على زوجته إلا إذا رضي بذلك من باب التطوع، لأن زواجه وهو صغير، ولو فرض أنه حصل بعد استئذانه، إلا أن قدرته العقلية لا تسمح له بالبت في مثل هذا، فلهذا لا يتحمل تبعات قرار وليه.

الحبس:

اختلف الفقهاء([90]) في حق المحبوسة في النفقة على قولين:

القول الأول:: أنه لا تجب النفقة على الزوج لزوجته المحبوسة في دين ولو ظلما بأن كانت معسرة، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة لفوات الاحتباس وكون الامتناع ليس من جهته.

القول الثاني: أن لها النفقة إن لم تكن مماطلة، سواء كان الحبس في دين الزوج أو غيره، لأن الامتناع ليس من جهتها، وهو قول المالكية وبعض الشافعية. وفرق النووي بين حبس الزوجة المقرة بدين فلا نفقة لها على زوجها وبين حبس من قامت البينة على استدانتها فلها النفقة، وفرق بعضهم بين ما لو حبسها الزوج بغير حق، فلا تسقط نفقتها ولا قسمها، وإن حبسها بحق سقطا كما لو حبسها أجنبي مطلقا بحق أو لا، وحبسها للزوج إن كان بحق لم يسقطا وإلا سقطا، لأن المانع من جهتها([91]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى المتسبب في سجنها، فإن كان الزوج هو السبب، بأن اضطرها لذلك لأمر من الأمور، فإن النفقة واجبة عليه طيلة مدة سجنها، ولو كان السجن يقوم لها بنفقتها، أما إن كان السبب أجنبيا، فلا يجب على الزوج الإنفاق عليها إلا فيما تحتاجه مما لا يوفره لها السجن.

وليس هذا لأجل عدم التمكين، فإن النفقة ـ كما ذكرنا ـ تستحقها الزوجة باسم الزوجية، وإنما لأن السجين عادة تقدم له النفقة الأساسية التي يحتاجها، فإن فرض عدم تقديم السجن لها ذلك، فإنه يجب على الزوج توفيره لها أو التفريق بينه وبينها.

3 ـ موانع النفقة

من الموانع التي ذكرها الفقهاء للنفقة مع اختلاف بينهم في ذلك:

أ ـ المطلقة طلاقا بائنا:

اختلف الفقهاء في حق المطلقة ثلاثا في النفقة والسكنى على الأقوال التالية([92]):

القول الأول: أن لها السكنى وليس لها النفقة، وهو قول مالك، والشافعي، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قول الله تعالى: تعالى:{ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (الطلاق:6)، ووجه الاستدلال بالآية كما ذكر ابن العربي أن الله تعالى لما ذكر السكنى أطلقها لكل مطلقة، فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل، فدل على أن المطلقة البائن لا نفقة لها([93]).

وقد استدل الشافعي بسياق الآية، فالله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها أول الآية إلى قوله تعالى: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ }(الطلاق:2)ثم ذكر بعد ذلك حكما يعم المطلقات كلهن من تعديد الأشهر وغير ذلك وهو عام في كل مطلقة، فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة، قال الشافعي في بيان وجه الاستدلال بالآية:(فكان بينا (والله أعلم) في هذه الآية أنها في المطلقة لا يملك زوجها رجعتها، من قبل أن الله تعالى لما أمر بالسكنى عاما، ثم قال في النفقة: { وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}(الطلاق:6) فدل ذلك على أن الصنف الذي أمر بالنفقة على ذوات الأحمال منهن، صنف دل الكتاب على أن لا نفقة على غير ذوات الأحمال منهن، لأنه إذا وجب لمطلقة بصفة، نفقة ففي ذلك، دليل على أنه لا يجب نفقة لمن كانت في غير صفتها من المطلقات، ولما لم أعلم مخالفا من أهل العلم في أن المطلقة التي يملك زوجها رجعتها، في معاني الأزواج: كانت الآية على غيرها من المطلقات) ([94])

2 ـ واستدلوا لإسقاط النفقة بمفهوم قوله تعالى: { وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (الطلاق:6)، فإن مفهومه أن الحامل لا نفقة لها، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى والسياق يفهم أنها الرجعية، لأن نفقة الرجعية واجبة لو لم تكن حاملا.

القول الثاني: لا سكنى لها، ولا نفقة، وهو قول علي، وابن عباس، وجابر، وعطاء، وطاوس، والحسن وعكرمة، وميمون بن مهران، وإسحاق، وأبي ثور، وداود والظاهر عند الحنابلة، وهو قول الإمامية([95])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ ما روت فاطمة بنت قيس، (أن زوجها طلقها ألبتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فتسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة ولا سكنى فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك) ([96])،وفي لفظ: (فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انظري يا ابنة قيس إنما النفقة للمرأة على زوجها ما كانت له عليها الرجعة، فإذا لم يكن له عليها الرجعة، فلا نفقة ولا سكنى)، وهذا الحديث هو المعول عليه عند أصحاب هذا القول، بل هو حجة المسألة، قال ابن القيم:(وأسعد الناس بهذا الخبر من قال به، وأنه لا نفقة لها ولا سكنى، وليس مع رده حجة تقاومه ولا تقاربه) ([97])، وقال ابن عبدالبر:(أما من طريق الحجة وما يلزم منها، فقول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأرجح، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصا صريحا، فأي شيء يعارض هذا إلا مثله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو المبين عن الله مراده، ولا شيء يدفع ذلك)

 وقد تعرض الحديث للتأويل من طرف أصحاب القولين الأول والثالث، ومن أهم التأويلات ما قاله الشافعي في القديم أنه (إنما أمرت به، لأنها استطالت على أحمائها، فأمرت بالتحول عنهم للشر بينها وبينهم، فكأنهم أحبوا لها ذكر السبب الذي له أخرجت، لئلا يذهب ذاهب إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى أن تعتد المبتوتة حيث شاءت)، وهذا الذي ذكره الشافعي هو تأويل عائشة، وبه أجابت مروان لما احتج عليها بالحديث، وقد أجاب ابن القيم على ذلك التأويل بالوجوه التالية:

الوجه الأول: أنه ليس بمذكور في القصة، ولا علق عليه الحكم قط لا باللفظ ولا بالمفهوم، وإن كان واقعا فتعليق الحكم به تعليق على وصف لم يعتبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في لفظه قط ما يدل على إسقاط السكنى به، وترك لتعليق الحكم بالوصف الذي اعتبره وعلق به الحكم وهو عدم ثبوت الرجعة.

الوجه الثاني: أن المتأولين للحديث لا يقولون به، فإن المرأة ولو استطالت ولو عصت بما عسى أن تعصى به لا يسقط حقها من السكنى، كما لو كانت حاملا، بل كان يستكري لها من حقها في مال زوجها، وتسكن ناحية.

الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر لها السبب الذي من أجله سقط حقها من السكنى، وهو سقوط حق الزوج من الرجعة، وجعل هذا قضاء عاما لها ولغيرها، فكيف يعدل عن هذا الوصف إلى وصف لو كان واقعا لم يكن له تأثير في الحكم أصلا.

الوجه الرابع: أن فاطمة ردت على من أنكر عليها وانتصرت لروايتها ومذهبها.

2 ـ أنه لا يصح الاستدلال بالآية، لأن الله تعالى قال:{ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}(الطلاق:6) وقال:{ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ }(الطلاق:1)، وهذا لو كان كما ظنوه لكان في السكنى خاصة، وأما إيجاب النفقة لها، فليس في القرآن إلا ما يدل على أنه لا نفقة لهن، لأن الله تعالى شرط في وجوب الإنفاق أن يكن من أولات الحمل، وقد قالت فاطمة بنت قيس وهي صاحبة القصة في ردها على مروان حين بلغها إنكاره بقولها: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}(الطلاق:1)، قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث، وإذا لم يكن لها نفقة، وليست حاملا فعلام يحبسونها؟

وقد وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى يحدث بعد ذلك أمر المراجعة قتادة والحسن والسدي والضحاك ولم يحك عن أحد غيرهم خلافة.

3 ـ أنه لم يصح عن عمر أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لأن أحمد أنكره وقال أما هذا فلا، ولكن قال لا نقبل في ديننا قول امرأة، وهذا أمر يرده الإجماع على قبول المرأة في الرواية، فأي حجة في شيء يخالفه الإجماع وترده السنة ويخالفه فيه علماء الصحابة([98]).

4 ـ أن قول عمر، ومن وافقه من الصحابة خالفه فيه علي وابن عباس، ومن وافقهما، ولو لم يخالفه أحد منهم، لما قبل قوله المخالف لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة على عمر وعلى غيره.

5 ـ أن رد خبرها لأنها امرأة مما لا يقول به أحد، وقد أخذ الناس برواية من هو دون فاطمة، وبخبر الفريعة وهي امرأة، وبحديث النساء كأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهن من الصحابيات، بل قد احتج العلماء بحديث فاطمة هذا بعينه في أحكام كثيرة([99]).

6 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في المتلاعنين أن لا يبت لها عليه ولا قوت، قال ابن القيم:(ولو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي سقوط النفقة والسكنى، لأنها إنما تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، والبائن قد فقد في حقها ذلك ولهذا وجبت للرجعية لتمكنه من الاستمتاع بها، وأما البائن فلا سبيل له إلى الاستماع بها إلا بما يصل به إلى الأجنبية، وحبسها لعدته لا يوجب نفقة كما لو وطئها اليسرى وكالملاعنة والمتوفى عنها زوجها) ([100])

7 ـ أنه لا سكنى إلا للرجعية لقوله تعالى:{ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } (الطلاق:1)، أما قوله تعالى: { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ }(الطلاق:6)، فهو راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية.

8 ـ أن السكنى تابعة للنفقة وجارية مجراها، فلما لم تجب للمبتوتة نفقة لم يجب لها سكنى.

القول الثالث: لها السكنى والنفقة، وهو قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة وأصحابه، والبتي، والعنبري، وروي عن عمر، وابن مسعود، واستدلوا على ذلك بما يلي([101]):

  1. عن عمر أنه قال في المطلقة ثلاثا: لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة، وعنه قال: لا يجوز في دين المسلمين قول امرأة، وكان يجعل للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة، وعنه أنه قال:(لا ندع كتاب ربنا وسنة رآه لقول امرأة لها السكنى والنفقة)، وروي عن شريح في المطلقة ثلاثا، قال: لها النفقة والسكنى([102]).
  2. أن ما احتج به عمر في دفع حديث فاطمة بنت قيس حجة صحيحة، لأن الله تعالى قال:{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(الطلاق:1)،ثم قال: { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}(الطلاق:1)، وقد أجمعوا أن ذلك الأمر هو المراجعة، ثم قال تعالى:{ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ }(الطلاق:6) ثم قال: { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ } (الطلاق:1) يريد في العدة، فكانت المرأة إذا طلقها زوجها اثنتين للسنة، على ما أمره الله تعالى به، ثم راجعها، ثم طلقها أخرى للسنة، حرمت عليه، ووجبت عليها العدة التي جعل الله لها فيها السكنى، أو أمرها فيها أن لا تخرج، وأمر الزوج أن لا يخرجها، ولم يفرق الله عز وجل بين هذه المطلقة للسنة التي لا رجعة عليها، وبين المطلقة للسنة التي عليها الرجعة، فلما جاءت فاطمة بنت قيس، فروت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لها: (إنما السكنى والنفقة لمن كانت عليها الرجعة) خالفت بذلك كتاب الله نصا، لأن كتاب الله تعالى قد جعل السكنى لمن لا رجعة عليها، وخالفت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن عمر قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلاف ما روت، فخرج المعنى الذي منه أنكر عليها عمر ما أنكر خروجا صحيحا، وبطل حديث فاطمة، فلم يجب العمل به أصلا([103]).
  3. قوله تعالى: وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ }(الطلاق:6)، وترك النفقة من أكبر الأضرار.
  4. أنها معتدة تستحق السكنى عن طلاق فكانت لها النفقة كالرجعية.
  5. أنها محبوسة عليه لحقه فاستحقت النفقة كالزوجة.
  6. أنها مطلقة، فوجبت لها النفقة والسكنى، كالرجعية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أن النفقة والسكنى، بالنسبة للمطلقة ثلاثا حق وليست واجبا، ومعنى كونها حقا، أن لها الخيار في أن تأخذ النفقة وتسكن السكنى، أو أن تترك ذلك جميعا، وهذا ما يفرقها عن المطلقة الرجعية، ولهذا اعتبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا التفريق، فأخبرها أن ذلك للمطلقة الرجعية، أي على سبل الوجوب، أما المطلقة البائن فهو حق قد تأخذ به للضرورة، وقد تتركه إذا لم تدع الضرورة إلى ذلك، والنساء يختلفن في ذلك، والظروف تختلف كذلك، فلذلك لم يرد نص صريح عام يقطع الخلاف.

فكان الأوفق لمصلحة المرأة هو ما تراه مناسبا لها، ولهذا من الحرج، ومن التضييق على الناس إلزامهم بقول واحد، وقد كانت فاطمة بنت قيس عندما جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترغب في أن لا تعتد في بيت زوجها، فلذلك بلغها رغبتها.

والنصوص المختلفة التي روي بها حديث فاطمة تؤكد هذا المعنى، وقد أخذ البخاري الترجمة من مجموع ما ورد في قصة فاطمة من روايات، فرتب الجواز على أحد الأمرين: إما خشية الاقتحام عليها، وإما أن يقع منها على أهل مطلقها فحش من القول([104]).

قال ابن حجر:(فإذا جمعت ألفاظ الحديث من جميع الإشارة، خرج منها أن سبب استئذانها في الانتقال ما ذكر من الخوف عليها، واستقام الاستدلال حينئذ على أن السكنى لم تسقط لذاتها، وإنما سقطت للسبب المذكور)

وقد روي في بعض روايات الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما أمرها أن تنتقل حين خافت زوجها عليها، فقد روي أنها قالت: يا رسول الله إن زوجي طلقني، وإنه يريد أن يقتحم، قال انتقلي عنه، وقد وجه الطحاوي بعض ما يبدو من تناقض بين هذه الرواية وما روي في هذا الباب أنه طلقها وهو غائب، أو طلقها ثم غاب فخاصمت ابن عمه في نفقتها،فقال:(ما تضادا، لأنه قد يجوز أن تكون فاطمة لما طلقها زوجها، خافت على الهجوم عليها، وسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأتاها بالنفقة ثم غاب بعد ذلك، ووكل ابن عمه بنفقتها، فخاصمت حينئذ في النفقة وهو غائب، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا سكنى لك ولا نفقة) ([105])

ثم نسأل الذين ينكرون هذا بدعوى مخالفته للسنة: بأي حق، أم بأي دين، نقول للمطلقة ثلاثا بمجرد بينونتها من زوجها: اخرجي إلى الشارع، فلا مكان لك هنا ولا نفقة، قد يكون للمرأة أهل تأوي إليهم أو بيت تسكن فيه، فتستغني عن الزوج بذلك، ولكن هناك بجانبها الكثيرات ممن قد لا يجدن أهلا ولا مالا، وقد يطلقن ليلا، فلا يصبح لهن على مقتضى قولهم حق في المبيت، أليس من الأجدى، ومن الأوفق بمقاصد الشرع أن نجعل لهن مدة يتبصرن فيها ما يعملن، وكيف يتصرفن، ويكون للمتسبب في الضرر تكاليف تلك المدة، أم نأمرهن بالخروج ليفسحن المجال لغيرهن، ثم لا نهتم بعد ذلك بمصيرهن.

قد يقال: إن المجتمع سيكفلهن كما وجدت فاطمة بيت ابن أم مكتوم، ولكن، هل في كل المجتمعات من هو كابن مكتوم، وهل شرعت الشرائع للأحوال المثالية أم شرعت لكل الأحوال.

إن نظرة للمسألة ـ وهي ليست مسألة نادرة، بل إنها على اعتبار قول الجمهور الذين يفسخون عقدة الزواج لأتفه الألفاظ والأسباب، مسألة كثيرة الحدوث ـ تحتاج إلى نظرة أكثر واقعية، وبعين الشرع الرحيم، فلا ننظر فقط إلى الزاوية التي ترى أن العدة مرتبطة فقط باحتمال رجوعها لزوجها، بل تراها كذلك فرصة للملمة الجراح، والتفكير المنطقي، فلا تفاجأ المرأة بين عشية وضحاها بنفسها، وهي تجوب أنحاء الشوارع.

وقد يقال بعد هذا، فأين القول الأول، وهو قول وسط، فلماذ لا يكون راجحا؟ والجواب على ذلك عدم انسجام هذا القول مع المقاصد الشرعية من وجوب الإنفاق على من وجب له الإيواء، فكيف نؤويها في بيتها ونحبسها فيه ثم نحرمها من نفقتها، وقد قالت فاطمة بنت قيس في مثل هذا: (فكيف تحبس امرأة بغير نفقة) ([106])

بل إن القول الذي حكاه الشوكاني عن الزيدية في هذا وروي عن أحمد من أنها تستحق النفقة دون السكنى([107])، أولى من هذا القول، لأن المرأة بالنسبة للسكنى قد تجد من يؤويها، لكنها لا تجد من يطعمها.

الحامل المطلقة ثلاثا:

أجمع العلماء من المذاهب المختلفة([108]) على أن الرجل إذا طلق امرأته طلاقا بائنا سواء كان ثلاثا، أو بخلع، أو بانت منه بفسخ، وكانت حاملا فلها النفقة والسكنى، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قول الله تعالى: { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }(الطلاق:6)، فالآية صريحة في وجوب الإنفاق على الحامل حتى تضع حملها.
  2. في بعض أخبار فاطمة بنت قيس: (لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا) ([109])
  3. أن الحمل ولده، فيلزمه الإنفاق عليه، ولا يمكنه النفقة عليه، إلا بالإنفاق عليها، فوجب، كما وجبت أجرة الرضاع.

علة الإنفاق على الحامل:

اختلف الفقهاء في علة الإنفاق على الحامل، هل هي من أجل الحمل، أو للحمل على قولين([110]):

القول الأول: تجب للحمل، وهي رواية عند الحنابلة وقول عند الشافعية، وقول للإمامية، لأنها تجب بوجوده، وتسقط عند انفصاله، فدل على أنها له.

القول الثاني: أنها تجب لها من أجله، وهو رواية عند الحنابلة وقول عند الشافعية، وقول للإمامية، لأنها تجب مع اليسار والإعسار، فكانت له كنفقة الزوجات، ولأنها لا تسقط بمضي الزمان، فأشبهت نفقتها في حياته.

القول الثالث: أنها تجب لها خصوصا، لا لأجله، وهو قول الحنفية،، وقول للإمامية([111])، وهو قول من يقول بأن للمطلقة ثلاثا النفقة والسكنى، وقد أسهب الطحاوي في بيان الدليل العقلي على ذلك، وهو استدلال مهم مرتبط بالمقاصد الشرعية من النفقات، ولا بأس أن نلخصه هنا، فقد انطلق في استدلاله من أن الإجماع انعقد على أن المطلقة طلاقا بائنا، وهي حامل من زوجها، أن لها النفقة على زوجها، لقوله تعالى:{ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}(الطلاق:6)

وتلك النفقة المأمور بها يحتمل أن تكون جعلت على المطلق، لأنه يكون عنها ما يغذي الصبي في بطن أمه فيجب ذلك عليه لولده، كما يجب عليه أن يغذيه في حال رضاعه بالنفقة على من ترضعه، ويحتمل أن تكون قد جعلت للمطلقة خاصة، لعلة العدة، لا لعلة الولد الذي في بطنها، فإن كانت النفقة على الحامل إنما جعلت لها لمعنى العدة، ثبت قول الذين قالوا (للمبتوتة النفقة والسكنى حاملا كانت أو غير حامل) وإن كانت العلة التي بها وجبت النفقة هي الولد، فإن ذلك لا يدل على أن النفقة واجبة لغير الحامل.

والدليل على ذلك أن الرجل يجب عليه أن ينفق على ابنه الصغير في رضاعه حتى يستغني عن ذلك، وينفق عليه بعد ذلك ما كان الصبي محتاجا إلى ذلك، فإن كان غنيا عنه بمال له لم يجب على أبيه أن ينفق عليه من ماله،ولو أنفق عليه الأب من ماله على أنه فقير إلى ذلك، بحكم القاضي عليه، ثم علم أن الصبي قد كان وجب له مال قبل ذلك، بميراث أو غيره، كان للأب أن يرجع بذلك المال الذي أنفقه في مال الصبي الذي وجب له([112]).

أما الرجل فإنه إذا طلق امرأته وهي حامل، فحكم القاضي لها عليه بالنفقة، فأنفق عليها حتى وضعت ولدا حيا، وكان لهذا الولد مال من إرث أو غيره،فإنه ليس للأب، في قولهم جميعا، أن يرجع على ابنه بما كان أنفق على أمه بحكم القاضي لها عليه بذلك، إذا كانت حاملا به، فثبت بذلك أن النفقة على المطلقة الحامل، هي لعلة العدة التي هي فيها، من الذي طلقها، لا لعلة ما هي به حامل منه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثالث بناء على أن للمطلقة ثلاثا حق النفقة والسكنى كما مر بيانه في المسألة السابقة.

أما على عدم اعتبار ذلك، فإن الأرجح من القولين هو القول الثاني لعدم انفصال حملها عنها، وإنما اخترنا هذا القول لما ينبي على الخلاف بين القولين الأولين من الآثار التي قد تتضرر بها الزوجة بناء على القول الأول، ومن تلك الآثار:

  1. أن الزوجة إن كانت حاملا من نكاح فاسد، أو وطء شبهة، فعلى القول الأول هي على الزوج والواطئ، لأنه ولده، فلزمته نفقته مثلما تلزمه بعد الوضع، أما على القول الثاني فإنه لا نفقة عليه، لأنها ليست زوجة يجب الإنفاق عليها.
  2. أنه إن نشزت امرأة، وهي حامل، فعلى القول الأول لم تسقط نفقتها، لأن نفقة ولده لا تسقط بنشوز أمه أما على القول الثاني فلا نفقة لها، لأنها ناشز.

الحامل المتوفى عنها زوجها:

اختلف الفقهاء في وجوب نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها على الأقوال التالية([113]):

القول الأول: لا نفقة لها، وهو قول جابر بن عبد الله وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعبد الملك ابن يعلى ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك وأحمد وإسحاق وحكى أبو عبيد ذلك عن أصحاب الرأي، وهو قول للإمامية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. حديث فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة) وفي لفظ آخر:(إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة. فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى)، قال الشوكاني:(وهو نص في محل النزاع، والقرآن والسنة إنما دلا على أنه يجب على المتوفى عنها زوجها لزومها لبيتها، وذلك تكليف لها،وحديث الفريعة إنما دل على هذا فهو واضح في أن السكنى والنفقة ليستا من تكليف الزوج، ويؤيد هذا أن الذي في القرآن في سورة الطلاق هو إيجاب النفقة لذات الحمل لا غير، وفي البقرة إيجابها للمطلقات، وقد خرج من عمومهن البائنة بحديث فاطمة بنت قيس إلا أن تكون حاملا، وخرجت أيضا المطلقة قبل الدخول بآية الأحزاب فخرجت المتوفى عنها من ذلك)
  2. عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الحامل المتوفى عنها زوجها: (لا نفقة لها) ([114])
  3. أن الأصل براءة الذمة ووجوب التربص أربعة أشهر وعشرا لا يوجب النفقة.
  4. أنه لا يجوز إيجاب النفقة بعد الموت، لأن سبيلها أن يحكم بها الحاكم على الزوج ويثبتها في ذمته وتؤخذ من ماله، وليس للزوج ذمة فتثبت فيها، فلم يجز أخذها من ماله إذا لم تثبت عليه.
  5. أن الميراث قد انتقل إلى الورثة بالموت، إذ لم يكن هناك دين عند الموت، فغير جائز إثباتها في مال الورثة ولا في مال الزوج فتؤخذ منه.
  6. أنهم أجمعوا على أن نفقة كل من كان يجبر على نفقته وهو حي مثل اولاده الأطفال وزوجته ووالديه تسقط عنه فكذلك تسقط عنه نفقة الحامل من أزواجه.
  7. أن نفقة الحمل ليست بدين ثابت فتتعلق بماله بعد موته بدليل أنها تسقط عنه باعسار فبأن تسقط بالموت اولى وأحرى.
  8. أجابوا عن استدلال المخالفين بقوله تعالى:{ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} بأنها كانت تجب النفقة بالوصية كما دل لها قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ }(الطلاق:240)، فنسخت الوصية بالمتاع، إما بقوله تعالى:{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(البقرة:234)، وإما بآية المواريث، وإما بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا وصية لوارث)، وقد روي من حديث ابن عباس أنها نسخت آية { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ }(الطلاق:240)بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع والثمن ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا([115])، قال الشافعي: (حفظت عمن أرضى به من أهل العلم أن نفقة المتوفى عنها زوجها وكسوتها حولا منسوختان بآية الميراث، ولم أعلم مخالفا في نسخ نفقة المتوفى عنها وكسوتها سنة أو أقل من سنة)
  9. أن قوله تعالى:{ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}(الطلاق:6) واردة في المطلقات، فلا تتناول المتوفى عنها.

القول الثاني: أن لها النفقة من جميع المال، وروى هذا القول عن علي وعبد الله وبه قال ابن عمر وشريح وابن سيرين والشعبي وأبو العالية والنخعي وجلاس بن عمرو وحماد ابن ابي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري وأبو عبيد، وقد حكي الشوكاني القول بوجوب نفقة المتوفى عنها عن ابن عمر والهادي والقاسم والناصر والحسن بن صالح، وهو قول للإمامية ([116])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قوله تعالى:{ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ }(الطلاق:240)، ووجه الاستدلال بالآية أن نسخ المدة من الآية لا يوجب نسخ النفقة.
  2. قوله تعالى:{ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}(الطلاق:6)، وفيها الأمر بالإنفاق على الحوامل.
  3. أنها محبوسة بسببه فتجب نفقتها.

القول الثالث: التفصيل، وقد ذكره الجصاص، قال: روى الحكم عن إبراهيم قال: (كان أصحاب عبد الله يقضون في الحامل المتوفى عنها زوجها إن كان المال كثيرا فنفقتها من نصب ولدها، وإن كان قليلا فمن جميع المال) ([117])، وهو قول للإمامية([118]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة القول بالتفصيل الذي ذكره أصحاب القول الثالث بناء على الظروف المختلفة التي تكون عليها الحامل، ومن نصيبها المقدر لها، فإن كان هذا النصيب كثيرا كافيا، فإنها لا تحتاج للأخذ من مال الورثة، أما إن كان النصيب قليلا لا يكفيها لظرفها الطارئ، ووضعها لا يتحمل أي عمل أو مشقة، فإن لها الحق في أن تأخذ من المال جميعا ما يسد هذه الحاجة، والآية بذلك تحتملها،وهي قوله تعالى:{ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}(الطلاق:6)، لأن الإنفاق عليها إما أن يكون من الزوج في حال حياته، أو من ماله في حال موته.

ونرى أن هذا القول لازم عن القول الأول الذي دلت عليه الأدلة الكثيرة، وهو لا يتناقض معه، وإنما هو حالة من حالاته التي أشار إليها القرآن الكريم، ولأجل التوسعة بها وقع الخلاف.

وقت دفع نفقة الحامل:

اختلف الفقهاء في الوقت الذي تهدفع فيه نفقة الحامل على قولين:

القول الأول: يلزم الزوج دفع نفقة الحامل المطلقة إليها بحسب حاجتها كزوجته العادية، وهو قول الحنابلة والإمامية وقول عند الشافعية، فمتى ادعت الحمل فصدقها، دفع إليها، فإن كان حملا، فقد استوفت حقها، وإن بان أنها ليست حاملا، أرجعت إليه نفقته، سواء دفع إليها بحكم الحاكم أو بغيره، وسواء شرط أنها نفقة أو لم يشترط، وإن أنكر حملها، نظر النساء الثقات، فرجع إلى قولهن، ويقبل قول المرأة الواحدة إذا كانت من أهل الخبرة والعدالة، لأنها شهادة على ما لا يطلع عليه الرجال، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قول الله تعالى:{ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}(الطلاق:6)
  2. أنها محكوم لها بالنفقة، فوجب دفعها إليها، كالرجعية.
  3. أن الحمل يثبت بالأمارات، وتثبت أحكامه في النكاح، والحد، والقصاص، والمنع من الأخذ في الزكاة، ووجوب الدفع في الدية، فهو كالمتحقق.
  4. أن النفقة تجب بمجرد الحمل، ولا تختلف باختلافه، بخلاف الميراث، لأن الميراث لا يثبت بمجرد الحمل، فإنه يشترط له الوضع والاستهلال بعد الوضع.

القول الثاني: لا يلزمه دفعها إليها حتى تضع، وهو قول عند الشافعية، واستدلوا على ذلك بأن الحمل غير متحقق ولهذا قالوا بوقف الميراث إلى تبين الحمل.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول لأن الأساس في تشريع النفقة هو الحاجة، فإذا تركنا الحامل في فترة حاجتها للجوع والعطش والعري، فما يجديها بعد ذلك إن سلمت وسلم حملها أن ندفع لها حق ولادته، مع أن النص صريح في أن النفقة مأمور بها إلى غاية حددها الشرع بـ { حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }(الطلاق:6) ولم يقل النص القرآني(حين يضعن حملهن)

ب ـ الناشز:

وقد عرف الفقهاء النشوز بأنه نفور المرأة عن زوجها (بحيث لا تطيعه إذا دعاها للفراش، أو تخرج من منزله بغير إذنه، ونحو ذلك مما فيه امتناع عما يجب عليها من طاعته)([119])

فالنشوز ـ بهذا ـ لا يحصل من الزوجة إلا إذا تمردت على الالتزام بأحد هذين الحقين المطلوبين منها لزوجها، بمقتضى عقد الزوجية، وهما الاستمتاع واستئذانه في الخروج من البيت، أما مخالفتها له في غير ما يرتبط بهما، لا يعتبر نشوزاً، ولا تترتب عليه أحكام النشوز.

قال الشهيد الثاني في المسالك: (ليس من النشوز ولا من مقدماته بذاءة اللسان والشتم، ولكنها تأثم به، وتستحق التأديب عليه، وهل يجوز للزوج تأديبها على ذلك ونحوه مما لا يتعلق بالاستمتاع، أم يرفع أمره إلى الحاكم؟ قولان تقدما في كتاب الأمر بالمعروف، والأقوى: أن الزوج فيما وراء حق المساكنة والاستمتاع كالأجنبي، وإن نغص ذلك عيشه وكدر الاستمتاع.. ولا أثر للامتناع من حوائجه التي لا تتعلق بالاستمتاع، إذ لا يجب عليها ذلك)([120])

وقال السيد الشيرازي: (والظاهر أن النشوز شرعاً حسب الأدلة لا يتحقق بامتناع أحدهما عن المستحب بالنسبة إلى الآخر، وإن كان ذلك موجباً لعدم الملائمة والموافقة، وسبباً لتغير الحالة السابقة، فامتناع المرأة مما لا يجب عليها، من الرضاع والطبخ والكنس والغسل وما أشبه، ليس بنشوز، وتحققه منهما ليس شقاقاً، وكذلك ليس من النشوز والشقاق السب، بل وحتى الضرب والتضارب وما أشبه، مما يعتاد عند بعض العوام)([121])

وقد نص الفقهاء على أن النفقة من الزوج على زوجته تسقط طيلة مدة نشوزها لعدم تحقق شرط التسليم، كما مر بيانه، والكثير يصور المسألة على هذه الصورة، وكأنها محل اتفاق، قال ابن المنذر: (لا أعلم أحدا خالف هؤلاء إلا الحكم، ولعله يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها، فكذلك نفقتها)، وقال الطحاوي:(لم يختلفوا أن الناشز لا تستحق النفقة ولا الكسوة لعدم التسليم) ([122])، وقال في جواهر العقود:(واتفقوا على أن الناشز لا نفقة لها) ([123])، لكن المسألة فيها خلاف قديم ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار، فقد اختلف الفقهاء في حكم نفقة الناشز على قولين:

القول الأول: سقوط النفقة عليه بسبب نشوزها، وهو القول المتفق عليه عند جمهور الفقهاء، ومن الأدلة التي استدل بها العلماء على سقوط نفقة الناشز:

  1. أن النفقة إنما تجب في مقابلة تمكينها، بدليل أنها لا تجب قبل تسليمها إليه، وإذا منعها النفقة كان لها منعه التمكين، فإذا منعته التمكين كان له منعها من النفقة.
  2. أنه لا يجب بمجرد العقد بل يالتسليم، ولذلك لو مات أحدهما قبل الدخول وجب المهر دون النفقة.
  3. أما إذا كان له منها ولد، فعليه نفقة ولده، لأنها واجبة له، فلا يسقط حقه بنشوزها، فيعطيها إياها إذا كانت هي حاضنته أو مرضعته، وكذلك يلزمه تسليمه أجر رضاعها، لأنه أجر ملكته عليه بالإرضاع، لا في مقابلة الاستمتاع، فلا يزول بزواله.

القول الثاني: وجوب النفقة على الزوج في حال نشوز الزوجة، وقد ذكر ابن رشد هذا القول واعتبره شاذا في المسألة([124])، مع أنه قول الظاهرية، وقول كثير من المالكية([125])، فقد اختلف المالكية في وجوب نفقة الناشز على زوجها على رأيين:

  1. فعند ابن المواز وهو مذكور عن مالك ورواه عن ابن القاسم ومثله سحنون أن لها النفقة.
  2. وقال البغداديون من المالكية: لا نفقة لها لأنها منعته من الوطء الذي هو عوض النفقة، واعتلوا بإيجاب النفقة على الزوج إذا دعي للبناء.

وقد ذكر ابن حزم الأدلة الكثيرة على هذا القول، ومنها:

  1. أن الله تعالى بين ما على الناشز فقال: { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}(النساء:34)، فأخبر تعالى أنه ليس على الناشز إلا الهجر والضرب، ولم يسقط عز وجل نفقتها ولا كسوتها.
  2. عن حكيم بن معاوية القشيري قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال:(أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت)([126]) فعم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل النساء ولم يخص ناشزا من غيرها، ولا صغيرة ولا كبيرة، ولا أمة مبوأة بيتا من غيرها.
  3. أن اعتبار النفقة مقابل الجماع، والطاعة غير صحيح، وأول من يبطله من يستدل به (أما الحنفيون، والشافعيون فيوجبون النفقة على الزوج الصغير على الكبيرة، ولا جماع هنالك ولا طاعة. والحنفيون، والمالكيون، والشافعيون: يوجبون النفقة على المجبوب والعنين ولا خلاف في وجوب النفقة على المريضة التي لا يمكن جماعها) ([127])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني لعدم أي دليل نصي صريح يدل على عدم النفقة للناشز مقابل وجود الأدلة الصريحة الكثيرة على استحقاقها النفقة، وقد تقدم ذكر بعضها، بل نرى أنه صلى الله عليه وآله وسلم أشار في خطبته في حجة الوداع إلى هذا إشارة صريحة حين قال:(فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر الرزق والكسوة بعد الضرب، وهو لا يكون إلا بعد نشوزها ومعصيتها لزوجها، فكأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يمنعكم تأديبكم لهن من إعطائهن حقهن في النفقة والكسوة، وفي ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكسوة في هذا الموضع إشارة إلى مدى تأثير ذلك في رفع النشوز عن الزوجة وإعادة الأسرة إلى جو السلام العائلي، وهو معروف مجرب واقعيا.

أما استدلال المخالفين فلا يعدو أن يكون أقيسة لا ترتفع لمعارضة النقول، وقد ذكر ابن رشد أن سبب الخلاف معارضة العموم للمفهوم، فعموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ([128]) يقتضي أن الناشز وغير الناشز في ذلك سواء، والمفهوم من أن النفقة هي في مقابلة الاستمتاع يوجب أن لا نفقة للناشز([129]).

وليس هناك دليل واحد على اعتبار العلة في النفقة الاستمتاع، أو أن العقد هو على مجرد المتعة، أو أن المهر مقابل المتعة، وإلا لارتفعت العلة بارتفاع المعلول، وبطل العقد بانتفاء سببه الموجب له.

أما الاستدلال بكونها ظالمة، فقد بين المنهج الشرعي طريقة التعامل مع ظلمها، مما سنرى تفاصيله في محلها، وليس منها منع النفقة عنها، وقد ذكر ابن حزم أن هذا النهج هو نهج الظلمة من الحكام الذين يمنعون حق الرعية في المال العام إذا أرادوا عقوبتهم، قال ابن حزم:(فإن قالوا: إنها ظالمة بنشوزها؟ قلنا: نعم، وليس كل ظالم يحل منعه من ماله إلا أن يأتي بذلك نص، وإلا فليس هو حكم الله، هذا حكم الشيطان، وظلمة العمال والشرط، والعجب كله أنهم لا يسقطون قرضا أقرضته إياه من أجل نشوزها؟ فما ذنب نفقتها تسقط دون سائر حقوقها إن هذا لعجب عجيب؟)([130])

ثم بعد هذا، ماذا ينتظر من امرأة بلغ بها الغضب حد النشوز، وقد يكون لها سبب شرعي تخفيه أو تظهره، فنأتي بالفتاوى والأقضية لنضرم النار فيها، أو نزيد طينتها بلة، أليس من الأجدى أن نطالب الرجل في حالها تلك بالإحسان إليها بالنفقات والهدايا تأليفا لقلبها، وإصلاحا لسلوكها، كما قال تعالى:{ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم} (فصلت:34)

والتأمل في القرآن الكريم والسنة المطهرة يدل على هذا وأكثر منه، فكيف يظهر حسن الخلق، أو الخيرية في زوج كلما عصته زوجته جوعها، وكلما رفعت صوتها أمامه تصورها ناشزا وأدبها بما يمليه فهمه الخاطئ للدين، والذي أفرزه تجبره وتعاليه باسم رجولته وحق قوامته.

ولكن هذا الترجيح الذي رأيناه لا نراه قولا لازما في كل حالة، ومن الخطأ أن نحكم في قضايا جميع المجتمعات وجميع النسوة وجميع الأزواج وجميع الظروف حكما واحدا مع ما قد يحمله من جور وتعسف، فلذلك قد يخضع هذا الأمر لبعض الاستحسان أو للمصالح المرسلة أو لسد الذرائع في ظروف معينة وأحوال خاصة.

ولا بأس أن نذكر هنا بعض الاستحسانات الفقهية من أئمة من المالكية، لا نذكرها على سبيل صحتها المطلقة، وإنما من باب كونها نماذج للتعامل مع الأحوال الخاصة([131]):

قال الشيخ أبو عمران:(وأستحسن في هذا الزمان أن يقال لها إما أن ترجعي إلى بيتك وتحاكمي زوجك وتنصفيه وإلا فلا نفقة لك، لتعذر الأحكام والإنصاف في هذا الوقت، فيكون قول البغداديين حسنا في هذا، ويكون الأمر على ما قاله الآخرون إذا كان الزوج يقدر على محاكمتها، فلم يفعل، فيؤمر بإجراء النفقة، حتى إذا لم تمكنه المحاكمة، ولم يتمكن له حالة تنصفه، ولم تجبه هي إلى الإنصاف، فأستحسن أن لا نفقة لها)

وقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن:(إنما فرق بين المرأة تسكن بيت الزوج أنها لا كراء لها في ذلك، وبين ما إذا هربت منه أن لها أن تطلبه بالنفقة، لأن السكنى حق لها فتركته، وسكنت في موضع آخر، وأما التي هربت منه فقد كان له أن يرجعها إلى الحاكم، ويردها إلى بيتها، فحكم النفقة قائم ساقط عنه، ولو كان لا يعلم أين هربت أو تعذر عليها رفعها للحاكم،ونحو هذا من الأعذار فلا شيء عليه فيستوي حكم ذلك وحكم السكنى)

وقال ابن فرحون:(ولا خلاف أنها إذا خرجت وسكنت في موضع، فلا كراء لها على زوجها، وهذا بخلاف النفقة)

فهذه الأقوال نماذج عن كيفية التعامل مع الأحوال الخاصة، وهي مما يربط القول الأول والثاني بما فيه مصلحة الأسرة، لأن مصلحة الأسرة قد تقتضي تصرفات حاسمة مؤقتة في بعض الأحيان غرضها رأب الصدع لا توسيع الهوة، ولا ينبغي أن تؤخذ بالضرورة بحروفها، بل يلبس لكل حالة لبوسها، ويتعامل مع كل حالة بحسبها.

نفقة الحامل الناشز:

اختلف الفقهاء القائلون بعدم النفقة للناشز في وجوب النفقة للحامل الناشز على قولين:

القول الأول: لا تسقط نفقة الحامل الناشز، وهو قول المالكية، وإحدى الروايتين عند الحنابلة وقول عند الشافعية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن النفقة حيث لم تحمل خاصة لها فتسقط بالنشوز، ومع حملها تجب النفقة لها وللحمل.
  2. أن النفقة للحمل نفسه، والحامل طريق وصول النفقة إليه لأنه يتغذى بغذاء أمه.

القول الثاني: أن نفقة الحامل تسقط بنشوزها، وهو القول المعتمد عند الشافعية وهو الرواية الثانية عند الحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن النفقة لها لا للحمل، لأنها لو كانت له لتقدرت بقدر كفايته.
  2. أنها تجب على الموسر والمعسر، ولو كانت له لما وجبت على المعسر.
  3. أنه إذا كان أصل النفقة لها لا للحمل فتسقط بنشوزها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على ما سبق ذكره من أدلة، ولأن النصوص صريحة في تخصيص الحوامل بالنفقة، وهو يشير إلى حاجتهن الشديدة إليها، وقد أثبت العلم الحديث ذلك، فنقصان معدن واحد من غذائها، أو تخلف فيتامين قد تنتج عنه تشوهات تظل مع المولود طول حياته، أو قد يقضي ذلك الفقر الغذائي عليها وعليه.

أما استدلال أصحاب القول الثاني بأنها لو كانت له لتقدرت بقدر كفايته، فإن كفايته في كفاية أمه وصحته في صحتها، وهل يمكن أن نسقي ورقة من شجرة بغير سقي جذورها.

ثم إن أصحاب القول الثاني يتفقون على وجوب النفقة على الولد، فكيف يستجيزون عدم النفقة عليه في أشد أوقاته حاجة إلى الغذاء، بل إن نوع غذاءه في تلك الفترة هو الذي يحدد عقله وجسمه، بل سلوكه وشخصيته.

ج ـ سفر الزوجة:

يختلف حكم استحقاق المرأة للنفقة بسبب سفرها بحسب نوع السفر مباحا كان أو حراما، وسنفصل الكلام في هذين النوعين من السفر في محلهما، ولكن سنشير هنا إلى ما يتعلق من هذا بالنفقة:

السفر المباح:

اتفق الفقهاء على أنها إن سافرت بإذنه، في حاجته، فلها نفقتها، لأنها سافرت في شغله ومراده، أما إن كان في حاجة نفسها، فقد اختلف في ذلك، فقيل بسقوط نفقتها، لأنها فوتت التمكين لحظ نفسها، وقضاء حاجتها، فأشبه ما لو استنظرته قبل الدخول مدة فأنظرها، إلا أن يكون مسافرا معها، متمكنا من الاستمتاع بها، فلا تسقط نفقتها، لأنها لم تفوت التمكين، فأشبهت غير المسافرة.

وقيل بعدم سقوط نفقتها، وإن لم يكن معها، لأنها مسافرة في سفر مباح وبإذنه، فأشبه ما لو سافرت في حاجته، وهو الأرجح لأن اسم الزوجية لم يزل عنها بسفرها، ولم يوجد أي مانع يمنعها من نفقتها، حتى ولو قلنا بتأثير النشوز في النفقة، فإنها تستحقها لأنها خرجت بإذنه ([132]).

ويستوي في هذا الحكم ما لو سافرت لتجارة، أو حج تطوع، أو زيارة أما إذا سافرت بعد الزفاف لحج الفريضة مع محرم منها غير زوجها فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أنه لا نفقة لها لتفويتها حق الزوج، أما إذا سافر معها فتجب لها النفقة، وهو مذهب أبي حنيفة.

القول الثاني: إذا أحرمت بالحج الواجب، أو العمرة الواجبة، في الوقت الواجب، من الميقات، فلها النفقة في ذلك كله، وهو قول الحنابلة والإمامية([133])، لأنها فعلت الواجب عليها بأصل الشرع في وقته، فلم تسقط نفقتها، كما لو صامت رمضان، أما لو قدمت الإحرام على الميقات، أو قبل الوقت لم تجب لها النفقة، لأنها فوتت عليه التمكين بشيء مستغنى عنه([134]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن وجود الرجل مع زوجته في السفر أو عدم وجوده لا علاقة له بالنفقة، لأن النفقة حق الزوجة باسم زوجيتها، وغيابها عنه للحج أو غيره ما دام مباحا كغيابه عنها، سواء بسواء، فكيف نفرض لها النفقة في حال غيابه عنها، ثم نحرمها منها في حال غيابها عنه مع أن في كليهما يتضرر الجانبان بغيبة الآخر.

السفر الحرام:

نص أكثر الفقهاء على أنه إذا سافرت الزوجة وحدها أو مع غير محرم منها أو بغير إذنه قبل الزفاف أو بعده مطلق سفر فلا نفقة لها، لأنها فوتت حق الاحتباس على الزوج، ولأنها عاصية بهذا السفر الذي لم يصحبها محرم فيه.

وليس هذا القول على عمومه، لأن في بعض المسائل المذكورة خلاف بين العلماء سنذكره في محله.

د ـ حكم نفقة الزوجة العاملة:

إذا كانت الزوجة تحترف عملاً يضطرها إلى الخروج من بيت الزوجية طول النهار أو أكثره أو الليل كله أو أكثره ثم ترجع إليه بعد فراغها منه، فإن الحكم فيها يختلف بحسب الأحوال التالية:

الحالة الأولى: الخروج إلى العمل برضا الزوج وموافقته:

إذا خرجت الزوجة برضا الزوج وموافقته، فإنها لا تسقط نفقتها عليه، ولو أدى ذلك إلى تفريطها في بعض حقوقه الواجبة عليها، والتي بموجبها تستحق النفقة، وذلك لأنه برضاه وموافقته أسقط حقه في تفرغ زوجته التام له، واكتفى منه بالناقص.

ومثل هذه الحالة ما لو شرطت عليه في العقد العمل على أن تكون نفقتها عليه، فوافق على ذلك، ورضي به، فإنه ليس له بعد ذلك أن يمنعها بناء على القول باعتبار الشروط المقيدة لمقتضى العقد، وله أن يمنعها بناء على عدم القول بذلك، وبناء عليه لا تستحق النفقة إذا ما رفضت أمره بلزوم البيت.

الحالة الثانية:عدم رضا الزوج عن عملها:

إذا خرجت الزوجة إلى العمل بدون رضا الزوج وموافقته، أو شرط عليها ترك عملها عند عقد الزواج ولم توف بهذا الشرط فإنها تسقط نفقتها بذلك، لا لكونها ناشزا، فالنشوز حالة مؤقتة لها علاجها الشرعي الخاص، وإنما لكونها لم تعطه حقه من التفرغ الكامل، فنقص حقها من النفقة بقدر ذلك التفريط.

أما إذا رضي بعملها أول الأمر، ثم طلب منها الامتناع عن العمل لما يترتب عليه من أضرار له ولأسرته، فلم تجبه إلى طلبه، فإن المسألة تحتاج إلى نظر، والأرجح فيها، والله أعلم، سقوط نفقتها، لا لكونها ناشزا كما ذكرنا وإنما جزاء لتفريطها في حق بيتها.

أما لو كان عملها في بيتها، وكان لا يعطلها عن القيام بواجبات الزوجية، فإنه لا يسقط حقها في النفقة باتفاق العلماء، وسنعود لمزيد من التفاصيل المتعلقة بهذه المسألة في محلها.

رابعا ـ أنواع النفقة ومقاديرها

كما تحدث الفقهاء عن الشروط الموجبة للنفقة حتى لا تفرض إلا على من تحققت فيه شرائطها، فإنهم فصلوا الكلام كذلك في أنواع النفقات، درءا للخلاف، فلا تزعم الزوجة أنه قصر في حقها، ولا يتلاعب الزوج بالوجوب المفروض عليه فيجعله وجوبا صوريا، ونلاحظ هنا قبل استعراض أنواع النفقات أن الفقهاء تحدثوا عن هذه النفقات بحسب أعرافهم وبيئاتهم، وذلك لا يمنع من البناء عليها في التعرف على أحكام ما استجد في عصرنا من أنواع النفقات.

النوع الأول ـ الطعام

ويتعلق بهذا النوع من النفقة المسائل التالية:

جنس القوت الواجب في النفقة:

اختلف الفقهاء في جنس القوت([135]) الواجب في النفقة على قولين([136]):

القول الأول: الواجب فيها الحب، حتى لو دفع إليها دقيقا أو سويقا أو خبزا، لم يلزمها قبوله، وهو قول الشافعية([137])، فيما لو كان الحب غالب قوتهم، فإن غلب غير الحب كتمر ولحم وأقط فهو الواجب ليس غير، لكن عليه مؤونة اللحم وما يطبخ به.

فإن نزلت عليه في بلده اعتبر غالب قوت بلده، وإن نزل عليها في بلدها اعتبر غالب قوت بلدها، وإن نزل ببلدة ولم تألف خلاف قوت بلدها قيل لها: هذا حقك فأبدليه قوت بلدك إن شئت، ولو انتقلا عن بلدهما لزمه من غالب قوت ما انتقلا إليه دون ما انتقلا عنه، سواء كان أعلى أم أدنى، فإن كان كل واحد ببلد أو نحوها اعتبر محلها([138])، واستدلوا على ذلك بالقياس على الإطعام في الكفارة، فإنه لا يلزم المسكين ذلك في الكفارة.

القول الثاني: لا يجب فيها جنس بعينه، بل يعتبر في ذلك عرف أهل البلد، وهو قول الجمهور، وبه قال الإمامية([139])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قوله تعالى:{ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}(المائدة:89)،لأن الوسط بمعنى الأعلى والخيار وهو هنا منزلة بين منزلتين ونصفا بين طرفين.
  2. عن ابن عباس قال:كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة، فنزلت: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}(المائدة:89)، والدليل على عدم حصرها في جنس بعينه اختلاف الصحابة في هذا الوسط، فقال ابن عباس: الخبز والزيت. وعن ابن عمر: الخبز والسمن، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمونهن الخبز واللحم. ففسر إطعام الأهل بالخبز مع غيره من الأدم([140]).
  3. أن الشرع ورد بالإنفاق مطلقا من غير تقييد ولا تقدير، فوجب أن يرد إلى العرف، كما في القبض والإحراز.
  4. أن أهل العرف إنما يتعارفون فيما بينهم في الإنفاق على أهليهم الخبز والأدم، دون الحب، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته إنما كانوا ينفقون ذلك، دون ما ذكروه، فكان ذلك هو الواجب.
  5. أنها نفقة قدرها الشرع بالكفاية، فكان الواجب الخبز.
  6. أن الحب تحتاج فيه إلى طحنه وخبزه، فمتى احتاجت إلى تكلف ذلك من مالها لم تحصل الكفاية بنفقته.
  7. أن الإطعام في النفقة يفارق الإطعام في الكفارة، لأنها لا تقدر بالكفاية، ولا يجب فيها الأدم، ويفارق الطعام في الكفارة كذلك لأنه حق الله تعالى، وليس هو لآدمي معين، فيرضى بالعوض عنه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو عدم تحديد شيء من ذلك، وتركه للأعراف المختلفة، فعلى أساسها يحدد القاضي ما يجب للمرأة في حال الاختلاف، والدليل على ذلك عدم بيان النصوص الأجناس والمقادير وترك ذلك للعرف، قال ابن تيمية:(والصواب المقطوع به ما عليه الأمة علما وعملا قديما وحديثا، فإن القرآن قد دل على ذلك، فأمرها أن تأخذ الكفاية بالمعروف، ولم يقدر لها نوعا ولا قدرا، ولو تقدر ذلك بشرع أو غيره لبين لها القدر والنوع، كما بين فرائض الزكاة والديات) ([141])

ثم إن الشرع قد أمر في هذا بالكفاية، وهي تتنوع بحالة الزوجة في حاجتها، ويتنوع الزمان والمكان، ويتنوع حال الزوج في يساره وإعساره، (وليست كسوة القصيرة الضئيلة ككسوة الطويلة الجسيمة، ولا كسوة الشتاء ككسوة الصيف، ولا كفاية طعامه كطعامه، ولا طعام البلاد الحارة كالباردة، ولا المعروف في بلاد التمر والشعير، كالمعروف في بلاد الفاكهة والخمير)

وعندما سأل المستفتي صلى الله عليه وآله وسلم عن حق الزوجة، قال:(تطعمها إذا أكلت، وتكسوها إذا اكتسيت)، فلم يأمر في شيء من ذلك بقدر معين، لكن قيد ذلك بالمعروف تارة، وبالمواساة بالزوج أخرى.

الواجب في النفقة:

اختلف الفقهاء في مقدار القوت الواجب في النفقة على قولين:

القول الأول: أن النفقة مقدرة بمقدار شرعي، وهو قول الشافعي ورواية عند الحنابلة، واختلفوا في مقدارها الشرعي على رأيين:

الرأي الأول: هي مقدرة بمقدار لا يختلف في القلة والكثرة، والواجب رطلان من الخبز في كل يوم، في حق الموسر والمعسر، وهو قول القاضي واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قياس الإطعام على الكفارت.
  2. أن الموسر والمعسر سواء في قدر المأكول، وفيما تقوم به البنية، وإنما يختلفان في جودته، فكذلك النفقة الواجبة.

الرأي الثاني:التفريق بين الموسر والمعسر، وهو قول الشافعية، فاعتبروا نفقة المقتر مدا بمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستدلوا على ذلك بأن أقل ما يدفع في الكفارة إلى الواحد مد، والله تعالى اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل، فقال تعالى: { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}(المائدة:89)، أما الموسر فعليه مدان، واستدلوا على ذلك بأن أكثر ما أوجب الله سبحانه للواحد مدين في كفارة الأذى، أما المتوسط فعليه مد ونصف، نصف نفقة الموسر، ونصف نفقة الفقير.

القول الثاني: أن النفقة مقدرة بالكفاية، وتختلف باختلاف من تجب له النفقة في مقدارها، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول الإمامية، وقد اعتبره بعضهم إجماعا منهم، قال ابن إدريس: (نفقة الزوجات عندنا غير مقدرة بلا خلاف، إلا من شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه، فإنه ذهب إلى أنها مقدرة، ومبلغها مد، وقدره رطلان وربع، ثم استدل رحمه الله بإجماع الفرقة وأخبارهم، وهذا عجيب منه رضي الله عنه، والسبر بيننا وبينه، فإن أخبارنا لم يرد منها خبر بتقدير نفقة، وأما أصحابنا المصنفون فما يوجد لأحد منهم في تصنيف له تقدير النفقة، إلا من قلده وتابعه أخيراً، والدليل على أصل المسألة قوله تعالى: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } أي بما تعارف الناس، وأيضاً الأصل براءة الذمة من التقدير، فمن ادعى شيئاً بعينه فإنه يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، والأصل براءة الذمة)([142])

 واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. الأدلة السابقة في اعتبار المعروف كقوله صلى الله عليه وآله وسلم لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). فأمرها بأخذ ما يكفيها من غير تقدير، ورد الاجتهاد في ذلك إليها.
  2. أن قدر كفايتها لا ينحصر في المدين، بحيث لا يزيد عنهما ولا ينقص، وإيجاب أقل من الكفاية من الرزق ترك للمعروف، وإيجاب قدر الكفاية، وإن كان أقل من مد أو من رطلي خبز، إنفاق بالمعروف، فيكون ذلك هو الواجب بالكتاب والسنة.
  3. أن اعتبار النفقة بالكفارة في القدر لا يصح، لأن الكفارة لا تختلف باليسار والإعسار، ولا هي مقدرة بالكفاية، وإنما اعتبرها الشرع بها في الجنس دون القدر، ولهذا لا يجب فيها الأدم.

 الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ـ كما ذكرنا سابقا ـ ترك ذلك للعرف، ولكن مع ملاحظة ينبغي ذكرها هنا هي التعرف في ذلك على رأي المختصين من الأطباء وعلماء التغذية، لمعرفة الغذاء الصحي نوعا وكمية، لأن القول بالعرف المجرد عن نظر المختصين قد يكون فيه إساءة للناحية الصحية للزوجة، لأن بعض الأعراف تتعود غذاء يسيء لصحتها، ويصيبها لأجل ذلك بالعلل، فلا ينبغي أن يتخذ مثل هذا العرف مقياسا لذلك.

والملاحظة الثانية، أن يلاحظ في تقدير القوت كمية ونوعا الحالة الصحية للمرأة، لأن الغذاء يختلف باختلاف حالتها، فقد تكون مرضعا أو حاملا، أو مريضة مرضا يدعو إلى غذاء خاص، وذلك يتطلب أن يوفر لها الغذاء الذي ينصح به الطبيب، لذلك تختلف النفقات بحسب الأحوال أكثر مما تختلف بحسب الأعراف.

الأدم:

وهو ما جرت العادة بأكل الخبز به، أي ما يغمس فيه الخبز، ومن الأمثلة التي ذكرها الفقهاء له: الطبيخ والمرق والخل والزيت والسمن والشيرج واللبن والدبس والعسل أو جامد كالشواء والجبن والباقلاء والزيتون والبيض والملح والتمر والزبيب ونحوه من كل ما جرت العادة بأكل الخبز به([143]).

وقد ورد في الأحاديث النبوية الشريفة بعض أنواع الأدم،فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (نعم الإدام الخل) ([144])، وقال::(ائتدموا بالزيت وادهنوا به) ([145])، وفي الحديث:(سيد إدامكم الملح) ([146])، ومضغ صلى الله عليه وآله وسلم تمرة على كسرة وقال: هذه إدام هذه([147]).

أنواع الإدام الواجبة على الزوج:

ذكرنا سابقا خلاف الفقهاء فيمن يعتبر في النفقة، وهذا الاعتبار يظهر خاصة في الأدم، وسنذكر هنا بعض الأمثلة التي ذكرها الفقهاء لذلك، مع ملاحظة أن ما نرجحه من الرأي هو عدم التفريق بين الموسرة والمعسرة، لا كما سنذكر من آراء، وقد سبق بيان دليل ذلك:

نص الحنابلة على أن الحاكم يفرض للموسرة تحت الموسر من أرفع خبز البلد ودهنه وأدمه الذي جرت عادة أمثالها بأكله من الأرز واللبن وغيرهما مما لا تكره عرفا، وإن تبرمت بأدم نقلها إلى أدم غيره، ويفرض لها لحما عادة الموسرين بذلك الموضع ويفرض لها حطبا وملحا لطبخه، لأنها لا تستغني عنه، وقدر اللحم رطل عراقي، وقيل في الجمعة مرتين([148]).

ويعتبر الأدم عند الشافعية بغالب عادة أهل البلد، كالزيت بالشام، والشيرج بالعراق، ويعتبر قدر الأدم بالقوت، فإذا قيل: إن الرطل تكفيه الأوقية من الدهن. فرض ذلك. وفي كل يوم جمعة رطل لحم، فإن كان في موضع يرخص اللحم، زادها على الرطل شيئا، وقالوا بأن الواجب من جنس قوت البلدة، لا يختلف باليسار والإعسار سوى المقدار.

وقد نصوا على أنه ينبغي أن يجب نحو القهوة إذا اعتيدت، ونحو ما تطلبه المرأة عند الوحم من نحو ما يسمى بالملوحة إذا اعتيد ذلك، وأنه حيث وجبت الفاكهة والقهوة ونحو ما يطلب عند الوحم يكون على وجه التمليك، فلو فوته استقر لها ولها المطالبة به، ولو اعتادت نحو اللبن والبرش بحيث يخشى بتركه محذور من تلف نفس ونحوه لم يلزم الزوج لأن هذا من باب التداوي.

ونصوا على أنه يؤخذ من قاعدة الباب وإناطته بالعادة وجوب ما يعتاد من الكعك في عيد الفطر واللحم في الأضحى، لكن لا يجب عمل الكعك عندها بأن يحضر إليها مؤنة من الدقيق وغيره ليعمل عندها إلا إن اعتيد ذلك لمثله فيجب، فإن لم يعتد ذلك لمثله بل اعتيد لمثله تحصيله لها بأي وجه كان فيكفي تحصيله لها بشراء أو غيره، ولا يجب الذبح عندها حيث لم يعتد ذلك لمثله، بل يكفي أن يأتي لها بلحم بشراء أو غيره على العادة، حتى لو كان له زوجتان فعمل الكعك عند إحداهما لها وذبح عندها واشترى للأخرى كعكا أو لحما كان جائزا بحسب العادة.

قال في نهاية المحتاج بعد ذكر بعض ما سبق من أمثلة:(وقياس ما ذكره في الكعك ولحم الأضحية وجوب ما جرت به العادة في مصرنا من عمل الكشك في اليوم المسمى بأربعاء أيوب، وعمل البيض في الخميس الذي يليه، والطحينة بالسكر في السبت الذي يليه، والبندق الذي يؤخذ في رأس السنة لما ذكر من العادة) ([149])

ونص المالكية على أنه يلزم الزوج لزوجته الزيت لأكلها ووقيدها والادهان على العادة، ويلزمه لها أيضا الحطب للطبخ وللخبز، ويلزمه الخل والملح لأنه مصلح، ويلزمه اللحم لمن اعتاده المرة بعد المرة، وقد قدر ذلك في حق القادر ثلاث مرات يوما بعد يوم والمتوسط مرتين والمنحط الحال مرة([150]).

ونص الإمامية ـ كما يعبر الشيخ الطوسي ـ على (أن يعطيها مع الطعام ما تأتدم به لقوله عزوجل: { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } (البقرة:233)، وذلك من المعروف، والمرجع في جنسه إلى غالب أدم بلدها من الزيت أو الشيرج أو السمن ومقداره يرجع فيه إلى العادة، فما كان أدما للمد في العادة وجب، ويفرض لخادمها الأدم كما يفرض لها، ويرجع في جنسه ومقداره إلى العرف كالزوجة نفسها، وأما الجودة فمنهم من قال يكون مثل أدم الزوجة، ومنهم من قال دونه، فأما اللحم فإنه يفرض لها كل أسبوع مرة، لأنه هو العرف، ويكون يوم الجمعة لأنه عرف عام، ومقداره يرجع فيه إلى العرف، ومنهم من قدره برطل، ومنهم من زاد عليه بيسير، وكذلك القول في أدم الخادم، فمن قال إنه مثل أدمها في الجودة، قال هي مثلها في اللحم، ومن قال دون ذلك قال في اللحم مثل ذلك)([151])

النوع الثاني: الكسوة

اتفق الفقهاء على وجوب كسوة الزوج لزوجته، واختلفوا في مقدارها وميقاتها على قولين:

القول الأول: أنها معتبرة بكفايتها، وليست مقدرة بالشرع، وهو قول عند الحنابلة، قال ابن تيمية:(إذا انقضت السنة والكسوة صحيحة. قال أصحابنا: عليه كسوة السنة الأخرى، وذكروا احتمالا أنه لا يلزمه شيء وهذا الاحتمال قياس المذهب لأن النفقة والكسوة غير مقدرة عندنا فإذا كفتها الكسوة عدة سنين، لم يجب غير ذلك) ([152])

وهو القول المشهور عند الإمامية، فقد ذكروا أن الواجب على الزوج توفير الألبسة التي تكفي المرأة من دون حاجة لثياب أخرى، كما يجب توفير ثياب التجميل والزينة بحسب المتعارف لأمثالها من النساء من دون مبالغة أو إسراف، يقول السيد السيستاني: (وكذا بالنسبة إلى الألبسة ربما تكفيها ثياب بدنها من غير حاجة إلى ثياب أخرى، وربما لابد من الزيادة عليها بثياب التجميل والزينة، نعم ما تعارف عند بعض النساء من تكثير الألبسة النفيسة خارج عن النفقة الزوجية، فضلاً عما تعارف عند جمع منهن من لبس بعض الألبسة مرة أو مرتين في بعض المناسبات، ثم استبداله بآخر مختلف عنه نوعاً أو هيئة في المناسبات الآخرى)([153])

ومن الأدلة على ذلك:

  1. قول الله تعالى: { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }(البقرة:233)
  2. قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)([154]). والكسوة بالمعروف هي الكسوة التي جرت عادة أمثالها بلبسه.
  3. قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن حقها عليك أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت) ([155])

القول الثاني: أنها مقدرة، وهو قول الجمهور، وقد اختلفوا في وقت هذا التقدير، وفيما يقدر، ولا يمكن حصر ذلك في أقوال بعينها، فذلك يطول، ولا حاجة إليه لتغير الأعراف، فنكتفي بهذه الأمثلة عن بعض الآراء الفقهية:

فقد نص الحنفية على أنها تفرض في السنة مرتين في كل ستة أشهر مرة، فإن فعل ذلك لم يجدد لها الكسوة حتى يبلغ ذلك الوقت، إلا أن تكون لبست لبسا معتادا فتخرق قبل مجيء ذلك الوقت، فحينئذ تجدد لها الكسوة.

وقد ذكروا ما يعتبر في الكسوة، بل سموا الثياب التي يجب على الزوج تمليكها لزوجته، بناء على أعرافهم فعلى المعسر في الشتاء درع وملحفة زطية وخمار سابوري وكساء كأرخص ما يكون كفايتها مما يدفئها، وفي الصيف درع وملحفة وخمار، وإن كان موسرا فالكسوة للمرأة في الشتاء درع يهودي أو هروي وملحفة دينورية وخمار إبريسم وكساء أذربيجاني، وفي الصيف درع سابوري وملحفة كتان وخمار إبريسم.

قال السرخسي بعد ذكره لذلك:(وما ذكر من الثياب فهو بناء على عادتهم أيضا وذلك يختلف باختلاف الأمكنة في شدة الحر والبرد، وباختلاف العادات فيما يلبسه الناس في كل وقت، فيعتبر المعروف من ذلك فيما يفرض) ([156])

ونص الحنابلة على أن عليه دفع الكسوة إليها في كل عام مرة، لأنها العادة، ويكون الدفع إليها في أوله، لأنه أول وقت الوجوب. فإن بليت الكسوة في الوقت الذي يبلى فيه مثلها، لزمه أن يدفع إليها كسوة أخرى، لأن ذلك وقت الحاجة إليها، وإن بليت قبل ذلك، لكثرة دخولها وخروجها أو استعمالها، لم يلزمه إبدالها، لأنه ليس بوقت الحاجة إلى الكسوة، وقد سبق ذكر الخلاف في المسألة.

 الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن ذلك يختلف باختلاف حال الزوج يسرا وعسرا، وباختلاف الزوجة قناعة وحرصا، فإن كان الزوج موسرا كان الأولى أن ينفق عليها احتاجت أو لم تحتج بشرط عدم الإسراف لتحريمه على كل حال، والمستحب للزوجة في هذه الحالة الترفع والرضا بما يكفيها عن الفضول الذي قد تحاسب عليه، أما إن كان معسرا، فإن الشرع لم يكلف المعسر فوق طاقته.

أما أن نكلف المعسر بالإنفاق مما لا يجده، فإن فيه دعوة إلى أحد أمرين: إما سلوك سبيل التكسب المحرم، أو أن يمد يده للناس سائلا، وفي كليهما المضرة والمذلة الدائمة في الدنيا والآخرة.

الفراش ومستلزماته:

ألحق الفقهاء بالكسوة ما تحتاج إليه المرأة للنوم، من الفراش واللحاف والوسادة، وغيرها على حسب العادة في ذلك، وقد اختلفوا هنا كما اختلفوا سابقا في تمليك ذلك أو كونه على سبيل المنفعة، فنص ابن حزم خلافا لقوله في الكسوة على أن الفراش من ملحقات السكن، واستدل لذلك بديل صريح قوي، قال ابن حزم:(أما الوطاء والغطاء – فبخلاف ذلك، لأن عليه إسكانها، فإذ عليه إسكانها فعليه من الفرش والغطاء ما يكون دافعا لضرر الأرض عن الساكن فهو له، لأن ذلك لا يسمى كسوتها – وبين ذلك الخبر الذي أوردناه مسندا من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهونه)، فنسب صلى الله عليه وآله وسلم الفرش إلى الزوج فواجب عليه أن يقوم لها به، وهو للزوج لا تملكه هي) ([157])

ونص الإمامية على حقها في هذا بالمعروف، يقول يقول صاحب الجواهر: (يجب لها حصير في الصيف والشتاء، فإن كانت متجملة بالزينة والبساط وجب لها ذلك ليلاونهارا، ويجب لها ملحفة ولحاف في الشتاء، ومضربة ومخدة، ويرجع في جنس ذلك إلى عادة أمثالها في البلد..)، ثم عقب على هذا بقوله: (لايخفى عليك أن إحالة ذلك كله إلى العادة في القدر والجنس والوصف ونحو ذلك أولى، بل هو المتعين، ضرورة عدم دليل على الخصوصيات)([158])

وسائل التنظيف والزينة:

مما يلحق بالكسوة وسائل التنظيف والزينة، وقد نص الفقهاء عليها على اختلاف بينهم في بعضها مع التنبيه إلى أن لكل بيئة وعصر الوسائل الخاصة بذلك.

فنص الشافعية على أنه يجب لها آلة تنظيف، وإن غاب عنها غيبة طويلة، ومن الأمثلة التي ضربوها، وفصلوا أحكامها: المشط، والسواك، والدهن ولو لجميع بدنها ويتبع في الدهن عرف بلدها، فإن ادهن أهله بزيت كالشام أو شيرج كالعراق أو سمن كالحجاز أو زيت مطيب ببنفسج أو ورد وجب ويرجع في مقداره إلى كفايتها كل أسبوع، ويجب لها أجرة حمام بحسب العادة إن كان عادتها دخوله للحاجة إليه عملا بالعرف، وذلك في كل شهر مرة على الأقل، وقيل: ينبغي أن ينظر في ذلك لعادة مثلها، ويختلف باختلاف البلاد حرا وبردا، ويجب لهما ثمن ماء غسل جماع ونفاس من الزوج إن احتاجت لشرائه، ويجب لها ما يغسل به الرأس.

أما ما تتزين به كما جرت به العادة من استعمال الورد ونحوه في الأصداغ ونحوها للنساء، فلا يجب على الزوج، لكن إذا أحضره لها وجب عليها استعماله إذا طلب تزينها به([159]).

ونص المالكية على أنه يفرض لها منها ما يزيل الشعث كالمشط والمكحلة والنضوح ودهنها وحناء رأسها، وليس عليه صبغ ثيابها، ولا طيب ولا زعفران ولا خضاب يديها ورجليها، وليس عليه نضوح ولا صباغ ولا المشط ولا المكحلة.

قال الباجي: معنى هذا عندي أن ليس عليه من زينتها إلا ما تستضر بتركها كالكحل والمشط بالحناء والدهن لمن اعتاد ذلك. والذي نفى ابن القاسم إنما هو المكحلة لا الكحل نفسه، فتضمن القولان أن الكحل يلزمه لا المكحلة، وعليه يلزمه ما تمتشط به من الدهن والحناء لا آلة المشط([160]).

ونص الإمامية على أنه يجب على الزوج توفير آلات التنظيف التي يحتاج إليها في تنظيف البدن، كالصابون والمشط ومزيل الشعر وغيرها من الحاجات الرئيسة في التنظيف، والمرجع فيه العرف والعادة بحسب كل زمان([161]).

النوع الثالث: المسكن

اتفق الفقهاء على أنه يجب على الزوج أن يوفر لزوجته المسكن اللائق بها بالمعروف، بل وقع الإجماع على ذلك، وننبه هنا إلى أن كل الفقهاء متفقون على أن ذلك على سبيل التمكين لا التمليك، ولم نر من قال بخلاف ذلك، قال زكريا الأنصاري:(اعلم أن المسكن والخادم إمتاع يفوتان بمضي الزمن بخلاف غيرهما، فإنه تمليك لا يفوت به) ([162])

وقال الشهيد الثاني: (ولا يشترط في المسكن أن يكون ملكاً له، بل يجوز إسكانها في المستعار والمستأجر اتفاقاً، لأنه إمتاع لا تمليك، ولايخفى أن لها المطالبة بالتفرد بالمسكن، والمراد به ما يليق بحالها من دار وحجرة وبيت فرد، فالتي يليق بها الدار والحجرة لا يسكن معها غيرها في دار واحدة بدون رضاها، لكن لو كان في الدار حجرة مفردة المرافق فله أن يسكن فيها، وكذا لو أسكن واحدة في العلو وواحدة في السفل والمرافق متميزة، والتي يليق بها البيوت المفردة له أن يسكنها في بيت من دار واحدة، ولا يجمع بين الضرتين، ولا بين المرأة وغيرها في بيت واحد مطلقاً إلا بالرضا)([163])

ومن الأدلة التي استدلوا بها على ذلك:

  1. قوله تعالى: { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ }(الطلاق:6)، فإذا وجبت السكنى للمطلقة، فللتي في صلب النكاح أولى.
  2. قال الله تعالى: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }(النساء:19)، ومن المعروف أن يسكنها في مسكن.
  3. أنها لا تستغني عن المسكن للاستتار عن العيون، وفي التصرف، والاستمتاع، وحفظ المتاع.
  4. أنه واجب لها لمصلحتها في الدوام، فجرى مجرى النفقة والكسوة.

ويمكن حصر الصفات التي تحدث عنها الفقهاء حول صفة بيت الزوجية في الصفتين التاليتين على اختلاف بينهم في بعض فروعهما:

1 ـ أن تكون بحسب حال الزوج:

اختلف الفقهاء في اعتبار حال الزوج في النفقة على قولين:

القول الأول: أن المعتبر في المسكن الشرعي للزوجة هو سعة الزوج وحال الزوجة، وهو قول المالكية والحنابلة والإمامية وأكثر الحنفية، وهو قول الشيرازي من الشافعية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قوله تعالى: { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ }(الطلاق:6)،وقوله تعالى:{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا }(الطلاق:7) وهاتان الآيتان في المطلقة، فالزوجة أولى.
  2. القياس على سائر النفقات باعتبار أن كلا منهما حق مترتب على عقد الزواج، ولما كان من المعتبر في النفقة هو حال الزوجين، فكذلك السكنى.

القول الثاني: أن المعتبر في المسكن الشرعي هو حال الزوجة فقط، وهو قول الشافعية، لأن الزوجة ملزمة بملازمة المسكن، فلا يمكنها إبداله، فإذا لم يعتبر حالها فذلك إضرار بها، والضرر منهي عنه شرعا، أما النفقة فيمكنها إبدالها، قال الشربيني:(ولا بد أن يكون المسكن يليق بها عادة، لأنها لا تملك الانتقال منه، فروعي فيه جانبها، بخلاف النفقة والكسوة حيث روعي فيهما حال الزوج، لأنها تملك إبدالهما، فإن لم تكن ممن يسكن الخان أسكنت دارا أو حجرة، وينظر إلى ما يليق بها من سعة أو ضيق، قال تعالى:{ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ } (الطلاق:6)) ([164])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ـ كما ذكرنا سابقا ـ هو اعتبار حال الزوج، وهو ما نصت عليه الآيات السالفة صراحة، وهو ما تفرضه كذلك القواعد الشرعية التي تأبى التفريق بين المسلمين بأي سبب من الأسباب إلا سبب التقوى.

2 ـ انفراد الزوجة بالسكنى:

تحدث الفقهاء عن حق المرأة في انفرادها بالسكن، وهو أن يكون لها مطلق التصرف فيه، ويمكن أن نحصر الحالات التي يمكن أن يشترك مع الزوجة فيها غيرها في الحالات التالية([165]):

الحالة الأولى: الجمع بين الزوجة ووالدي الزوج:

اختلف الفقهاء في حكم الجمع بين الزوجة ووالدي الزوجة على قولين:

القول الأول: لا يجوز الجمع بين الأبوين والزوجة في مسكن واحد، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة والإمامية، ولذلك يكون للزوجة الامتناع عن السكنى مع واحد منهما، لأن الانفراد بمسكن تأمن فيه على نفسها ومالها حقها، وليس لأحد جبرها على ذلك.

ونص الحنفية على أنه لو كان في الدار بيوت، ففرغ لها بيتا، وجعل لبيتها غلقا على حدة، فليس لها أن تطالبه ببيت آخر([166]).

وقد عللوا ذلك كما قال الزيلعي بأن (السكنى من كفايتها فتجب لها كالنفقة، وقد أوجبه الله تعالى مقرونا بالنفقة، وإذا أوجب حقا لها ليس له أن يشرك غيرها فيه، لأنها تتضرر به فإنها لا تأمن على متاعها، ويمنعها ذلك عن المعاشرة مع زوجها ومن الاستمتاع إلا أن تختار، لأنها رضيت بانتقاص حقها) ([167])

القول الثاني: التفريق بين الزوجة الشريفة والوضيعة، وهو قول المالكية، فقد نصوا على عدم جواز الجمع بين الزوجة الشريفة والوالدين، وبجواز ذلك مع الزوجة الوضيعة، إلا إذا كان في الجمع بين الوضيعة والوالدين ضرر عليها، قال عبد الملك بن الماجشون في المرأة تكون هي وأهل زوجها في دار واحدة، فتقول إن أهلك يؤذونني فأخرجهم عني أو أخرجني عنهم:(رب امرأة لا يكون لها ذلك، لكون صداقها قليلا، وتكون وضيعة القدر، ولعله أن يكون على ذلك تزوجها، وفي المنزل سعة، فأما ذات القدر فلا بد له أن يعزلها، فإن حلف عن ذلك حمل على الحق أبره أو أحنثه)([168])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أن هذا الحق ثابت للمرأة بغض النظر عن نظر المجتمع لشرفها أو دناءتها، لأن الحقوق الزوجية تقتضي العدالة، وهي تستلزم المعاملة الواحدة لكل الزوجات، إلا إذا رضيت الزوجة بإسقاط حقها.

أما كون هذا حقا للمرأة، فلا شك فيه، بل نراه في ظروف كثيرة واجبا، لأن معظم المشاكل العائلية سببها تدخل الأهل في حياة الزوجين، فلذلك من سد الذريعة إغلاق هذا الباب، وتوفير الحرية الكافية للزوجة في بيت زوجها، لأن العشرة الحسنة تقتضي ذلك، فالمرأة قد تحتاج للتزين لزوجها، وسكنها مع أهله في بيت واحد يحرمها من حقها في التزين، بل يحرم الزوج أيضا من حقه في ذلك.

أما اعتبار الأعراف ذلك عقوقا، فهو من سوء الفهم لمعنى الإحسان للوالدين، فالإحسان لا يقتضي صيرورة الولد رقيقا لرغبات والديه، بل هو مضبوط بضابط الطاعة في المعروف.

ولكنا مع ذلك نستثني ما لو كان للزوج والدان كبيران يحتاجان للخدمة، وليس لديهما غيره، فإن الواجب عليه في هذه الحالة أن يحسن لهما بخدمتهما، ولا يحق للمرأة أن تطالبه بالانفراد بالسكن لما قد يؤدي إليه من ضياع حقهما، وفي هذه الحالة يجب على الزوج قبل الزواج أن يخبر زوجته بحالته حتى يكون زواجها منه عن بينة.

وقد اشتد في هذا ابن حزم، واستدل لذلك بالنصوص الكثيرة، قال ابن حزم:(إن كان الأب والأم محتاجين إلى رحمة الابن، أو الابنة الناكح، لم يجز للابن ولا للابنة الرحيل، ولا تضييع الأبوين أصلا، وحقهما أوجب من حق الزوج والزوجة، فإن لم يكن بالأب والأم ضرورة إلى ذلك، فللزوج إرحال امرأته حيث شاء مما لا ضرر عليهما فيه) ([169])

ونلاحظ أن ابن حزم لم يخص بذلك الابن المتزوج وحده،، بل قال بفرضيته على المرأة المتزوجة نفسها، وقد استدل لذلك بالآيات الحاثة على طاعة الوالدين، كقوله تعالى: { أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير}(لقمان:14)، قال ابن حزم: فقد قرن تعالى الشكر لهما بالشكر له عز وجل، فافترض الله عز وجل أن يصحب الأبوين بالمعروف، وإن كانا كافرين يدعوانه إلى الكفر، ومن ضيعهما فلم يصحبهما في الدنيا معروفا)

وهنا تعرض مسألة واقعية وهي أن المرأة عادة ترضى عند العقد بشرط الزوج السكنى مع الأبوين، لكنها بعد الزواج تطالب بالانفراد بمسكن خاص بها([170])، ونرى أن الأرجح في هذه الحالة أن يبحث الزوجان عن حل وسط، يرضيهما جميعا، ولا يضيع حق أهله كما ذكرنا سابقا، ولكن إن أبت الزوجة، أو لم يجد الزوج لعسره، فإن القواعد الشرعية تلزم الزوجة بالصبر، مع ثبوت حقها في الخلع إن أرادت ذلك، لأن الخطأ جاء من جهتها، أما مطالبتها بالتفريق بدون عوض للزوج ففيه مضرة بالغة له.

وقد سئل ابن تيمية عن هذه المسألة، فأجاب: (لا يجب عليه ما هو عاجز عنه، لا سيما إذا شرطت الرضا بذلك، بل كان قادرا على مسكن آخر لم يكن لها عند كثير من أهل العلم كمالك، وأحد القولين في مذهب أحمد وغيرهما، غير ما شرط لها، فكيف إذا كان عاجزا، وليس لها أن تفسخ النكاح عند هؤلاء، وإن كان قادرا، فأما إذا كان ذلك للسكن ويصلح لسكنى الفقير وهو عاجز عن غيره، فليس لها أن تفسخ بلا نزاع بين الفقهاء) ([171])

الحالة الثانية: الجمع بين الزوجة وأهلها:

اتفق الفقهاء على أنه ليس للزوجة أن تسكن أحدا من الأهل غير ولدها من غير الزوج، وللزوج منعها من ذلك، لأن المنزل إما ملكه، أو له حق الانتفاع به، وحق الزوج في زوجته من إسكان أقاربها معها يسقط برضاه، فإذا رضي الزوج بسكنى أحد من أهلها معها فلا شيء في ذلك.

أما إذا كان المسكن ملكا لهما، أو كان لها خاصة، فلا يجوز للزوج منع أهلها من السكنى معها إذا أرادت ذلك.

واختلفوا فيما لو كانت تريد إسكان ولدها من غير الزوج على قولين:

القول الأول: لا يجوز لها إسكانه إلا برضا الزوج، فإن لم يرض فلا يجوز لها إسكانه معهما، وهو قول الحنفية، والشافعية والحنابلة، ولم يفرقوا بين علم الزوج بوجود ولد لها وقت البناء، وعدم علمه، أو بين وجود حاضنة للولد أم لا.

بل نص الشافعية على أنه يجوز للزوج منع ولد الزوجة من الدخول إليها، إذا كانت ساكنة بمحل يستحق منفعته، دون ما إذا كانت ساكنة بملكها، إن تبرعت له بالسكنى فيه، ويستوي في الحالة الأولى ما لو كان الزوج المانع غائبا أم حاضرا، فإن أدخلته بغير رضاه أثمت، ولا تكون ناشزة، أما إن كان إخراجه لغير المميز يضره، فإنه يلزمه رفع الأمر للقاضي، فإن تعدى وأخرجه فكسره، أو قتله جان آخر أثم الزوج والضمان على الجاني أو مالكه المقصر لأنه المباشر([172]).

القول الثاني: لا يجوز للزوج أن يمنعها من إسكان ولدها من غيره إن كان يعلم به وقت البناء، أو كان لا يعلم به، ولا حاضن له، وهو قول المالكية، فإن كان لا يعلم به وله حاضن فليس للزوجة أن تسكنه معها عندهم([173]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو التفصيل الذي ذكره المالكية، لمراعاتهم حق الزوج باشتراط علمه قبل البناء حتى لا يكون زواجه مبنيا على الغرر، وحق الابن باشتراط الحاضن له، وهو تفصيل لا بد منه، ولا يصح معه إطلاق القول كما ذهب الجمهور.

ولا نرى كذلك صحة ما نص عليه الشافعية من عدم إذن الزوج لابن زوجته في الدخول عليها، فأي رعاية لحق الزوجة إذا منع ابنها من زيارتها، وأي مضارة أعظم من هذه المضارة، بل نعجب أن يقول مثل هذا من يعتبر المضارة في إنقاص لقمة من القوت، ثم لا يراها في التفريق بين الأم وابنها.

وسبب هذا القول هو مغالاة بعض الفقهاء في الحقوق المادية مع التغاضي عن الحقوق المعنوية، والنفسية، والتي قد تكون أهم من الحقوق المادية، وقد رأينا مراعاة الشرع لهذه الحقوق في الفصل الخاص بذلك.

الحالة الثالثة: الجمع بين الزوجة وولد الزوج من غيرها في مسكن واحد:

اتفق الفقهاء على عدم جواز الجمع بين ولد الزوج من غيرها إذا كان كبيرا يعرف أسرار العلاقات الزوجية، لأن السكنى معه فيها إضرار بالزوجة، وهذا حق للزوجة فيسقط برضاها، أما إن كان الولد صغيرا لا يعرف ذلك، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: أن إسكانه معها جائز، وليس لها الحق في الامتناع من السكنى معه، وهو قول الحنفية.

القول الثاني: أن الزوجة لا يجوز لها الامتناع من السكنى مع ولد زوجها من غيرها إذا كانت تعلم به حال البناء، فإن كانت لا تعلم به عند البناء بها، وكان له حاضنة فللزوجة الحق في الامتناع من السكنى معه، وإن لم يكن لولد زوجها من غيرها حاضنة غير أبيه فليس لها الامتناع عن السكنى معه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني لأن الحياة الزوجية ينبغي أن تبنى على الصراحة المطلقة بين الزوجين، فلذلك إن رأت بعد البناء ما تحس فيه بنوع من الغرر كان لها الحق في الرفض.

الحالة الرابعة: الجمع بين زوجتين في مسكن واحد لكل واحدة بيت فيه:

اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز الجمع بين امرأتين في مسكن واحد، لأن ذلك ليس من المعاشرة بالمعروف، ولأنه يؤدي إلى الخصومة التي نهى الشارع عنها، قال الكاساني: (لو أراد الزوج أن يسكنها مع ضرتها أو مع أحمائها، كأم الزوج وأخته وبنته من غيرها وأقاربه فأبت ذلك، عليه أن يسكنها في منزل مفرد، لأنهن ربما يؤذينها ويضررن بها في المساكنة وإباؤها دليل الأذى والضرر، ولأنه يحتاج إلى أن يجامعها ويعاشرها في أي وقت يتفق ولا يمكنه ذلك إذا كان معهما ثالث) ([174])

وأما الجمع بينهما في دار لكل واحدة من الزوجتين بيت فيها فذهب إلى جواز ذلك جمهور الفقهاء، بشرط أن يكون لكل بيت مرافقه الخاصة به، وغلق يغلق به، ولا يشترط رضاهما في الجمع بينهما([175]).

وقد اختلف الفقهاء في هذا الحكم هل هو حق خالص للمرأة يسقط برضاها، أم أنه واجب شرعي على قولين:

القول الأول: إن منع الجمع بين امرأتين في مسكن واحد حق خالص لهما فيسقط برضاهما، وهو قول الجمهور.

القول الثاني: أن هذا الحق لا يسقط ولو رضيت الزوجة به، وهو قول ابن عبد السلام من المالكية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو الجمع بين القولين، مع وضع كل قول لحالة خاصة، ففي الحالة العادية، يكون هذا حقا للمرأة يجوز أن تتنازل عنه، فتسكن مع ضراتها مسكنا واحدا، أما إذا خشي الزوج الفتنة بين ضراته فإن هذا لا يصير حقا قد يتنازلن عنه، بل يصبح واجبا لعدم استقامة الحياة الزوجية بدونه.

النوع الرابع: الخادم

ويتعلق به المسائل التالية([176]):

حق الزوجة في الخادم:

اختلف الفقهاء في اعتبار الخادم من حقوق الزوجة على زوجها، على قولين:

القول الأول: لا يجب على الزوج أن ينفق على خادم لزوجته، وهو قول ابن حزم، قال في المحلى:(ليس على الزوج أن ينفق على خادم لزوجته، ولو أنه ابن الخليفة وهي بنت خليفة، إنما عليه أن يقوم لها بمن يأتيها بالطعام والماء، مهيأ ممكنا للأكل، غدوة وعشية، وبمن يكفيها جميع العمل من الكنس والفرش، وعليه أن يأتيها بكسوتها كذلك، لأن هذه صفة الرزق والكسوة) ([177])

واستدل على ذلك بأنه (لم يأت نص قط بإيجاب نفقة خادمها عليه، فهو ظلم وجور، وأما من كلفها العجين والطبخ، ولم يكلفها حياكة كسوتها وخياطتها فقد تناقض، وظهر خطؤه)

وهو مبني كذلك على قوله بوجوب خدمة الزوجة لنفسها ولزوجها، وهو ما سنراه لاحقا.

القول الثاني: إن الخادم من حقوق الزوجة على زوجها، وأنه من مكملات النفقة، وهو قول جمهور العلماء على اختلاف بينهم في بعض التفاصيل والفروع.

وقد اتفقوا على أنه يجب على الزوج إخدام زوجته التي لا يليق بها خدمة نفسها، بأن كانت تخدم في بيت أبيها، أو كانت من ذوي الأقدار، لكون هذا من حقها في المعاشرة بالمعروف المأمور بها في قوله تعالى:{ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }(النساء:19)، ولأن هذا من كفايتها ومما يحتاج إليه في الدوام فأشبه النفقة.

واتفقوا كذلك على أن الإخدام يجب على الزوج للزوجة المريضة، والمصابة بعاهة لا تستطيع معها خدمة نفسها، وإن كانت ممن لا يخدم مثلها، لأن مثل هذه لا تستغني عن الخدمة.

وقد نص الشافعية على أن الزوج ولو معسرا يلزمه إخدام المريضة مطلقا وغيرها إن خدمت في بيت أبيها، واختلفوا في المجنونة، هل هي كالمريضة أو لا، وحينئذ لو احتيج لإخدام المجنونة، ولم تندفع حاجتها إلا بالزوج اتجه أن للسلطان تزويجها لحاجة الخدمة، إن جعلناها كالمريضة، أو إن كانت تخدم لوجوب خدمتها على الزوج([178]).

وقد نص الحنفية على أنه إذا امتنعت المرأة عن الطحن والخبز، إن كانت ممن لا يخدم، أو كان بها علة فعليه أن يأتيها بطعام مهيأ، وإلا بأن كانت ممن تخدم نفسها وتقدر على ذلك لا يجب عليه، ولا يجوز لها أخذ الأجرة على ذلك، لوجوبه عليها ديانة ولو شريفة، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قسم الأعمال بين علي وفاطمة، فجعل أعمال الخارج على علي، وأعمال الداخل على فاطمة، مع أنها سيدة نساء العالمين فإن كان لها خادم فعلى الزوج نفقته.

ونص الإمامية على أن النساء صنفين: أحدهما: اللواتي لا يخدمن أنفسهن في عادة البلد، بل يكون لهن من يخدمهن وإن قدرن على الخدمة. فإن كانت الزوجة منهن وجب على الزوج إخدامها، لأنه من المعاشرة بالمعروف المأمور بها. ولا فرق في وجوب الإخدام لهذه بين أن يكون الزوج موسرا ومعسرا، حرا وعبدا. والاعتبار بحال المرأة في بيت أبيها دون أن ترتفع بالانتقال إلى بيت زوجها، ويليق بحالها بسبب الانتقال أن يكون لها خادم. ولا يجب أكثر من خادم واحد، لحصول الكفاية به. ويحتمل اعتبار عادتها في بيت أبيها، فإن كانت ممن تخدم بخادمين وأكثر وجب إخدامها بذلك العدد، لأنه من المعاشرة بالمعروف. ولا يلزمه تمليك الخادم إياها، بل الواجب إخدامها بحرة، أو أمة مستأجرة، أو بنصب مملوكة له تخدمها، أو بالإنفاق على التي حملتها معها من حرة أو أمة. ولا يجوز أن يكون الخادم إلا امرأة أو صبيا أو محرما لها.

والصنف الثاني: اللواتي يخدمن أنفسهن في العادة، فلا يجب إخدامها إلا أن تحتاج إلى الخدمة لمرض أو زمانة، فعلى الزوج إقامة من يخدمها ويمرضها، ولا ينحصر هذا في واحد بل بحسب الحاجة. ولا فرق هاهنا بين أن تكون الزوجة حرة وأمة. وإن لم يكن لها عذر محوج إلى الخدمة فليس عليه الإخدام. ولو أرادت أن تتخذ خادمأ بمالها فله منعه من دخول داره ([179]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو عدم ورود أي دليل صريح في وجوب إخدام الرجل لزوجته، ولا دليل يدل عليه من المصالح الشرعية، بل هو من الرفاهية التي قد يحسن بها الرجل إلى زوجته، وتكون مستحبة بذلك، وقد يكون من الترف الذي تضيع بموجبه الحقوق وتقع الحرمات فيحرم بسبب ذلك.

وما نسمع عنه في الواقع أو ما نراه ربما يوجه القول إلى الحرمة أكثر من توجيهه للاستحباب، فالخادم تهان، وقد يستعلى عليها، وقد تتهم في عرضها، والزوجة تتربع في بيتها، كسلطانة على عرشها، تأمر وتنهى، ولا تنشغل بغير زينتها، وبغير أخلاق الترف التي زاد فيها استخدامها للخدم، فهي رعناء كسول مستعلية متكبرة.

وقد ترمي بأولادها إلى الخادم تطعمهم، وتسقيهم، وتربيهم كما تشاء، فلا يعرفون إذا شبوا أما لهم غير الخادم، أما أمهم فهم منشغلة عنهم بنفسها أو ترفها([180]).

وكل هذا وغيره ـ وإن كنا لا نقول بتعميمه ـ يميل بالقول إلى التحريم أكثر مما يميل به إلى الاستحباب.

أما الموضع الوحيد الذي نراه للاستخدام، فهو أن تكون المرأة مريضة أو لها أشغال تحول بينها وبين الأداء الأكمل لوظائف بيتها، فحينئذ يمكن لزوجها أن يحسن إليها بخادم تلبي حاجتها وتصلح شأن بيتها، مع ضرورة بقاء اهتمام المرأة ببيتها اهتماما لا تصرفها عنه الصوراف.

أما ما ذكره المالكية وغيرهم من التفريق في ذلك بين الشريفة والدنية أو الموسرة والمعسرة، أو كونها من قوم يخدمون أنفسهم أولا يخدمون، فكل ذلك توجيهات وتخريجات لا دليل عليها، ربما تتحكم فيها الأعراف أكثر من تحكم النصوص، والأصول الشرعية تنفيها بل تحذر منها، فمن الخطأ العظيم التفريق بين مسلمتين في بيت واحد لأن إحداهما موسرة أو شريفة والأخرى معسرة أو دنية.

إخدام المعسر:

الاتفاقات الفقهية السابقة تخص الزوج الموسر، أما إن كان الزوج معسرا، فقد اختلفت آراء الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: إن وجوب الإخدام على الزوج الموسر فقط، أما إذا كان الزوج معسرا فلا يجب عليه الإخدام، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة، ويجب على الزوجة في هذه الحالة أن تخدم نفسها الخدمة الداخلية، وعلى الزوج أن يكفيها الأعمال الخارجية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. قوله تعالى:{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا }(الطلاق:7) وهذا معسر لم يؤته شيئا فلا يكلف بشيء.
  2. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسم الأعمال بين علي، وبين فاطمة ما، فجعل أعمال الخارج على علي، وأعمال الداخل على فاطمة ا.
  3. أن الضرر لا يزال بالضرر.

القول الثاني: أنَّه يجب عليه أن يأتيها بخادم إذا كانت ممن لا يخدم نفسها، ولو كان معسراً، وإلا فلا يجب عليه إلا إذا كانت مريضة أو هرمة وإن لم تكن ممن يخدم عادة، وهو قول الشافعية والإمامية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على أن الزوج المعسر لا يكلف من النفقات الضرورية إلا حسب طاقته، فكيف بهذا النوع، وهو من الكماليات التي تستغني عنها المرأة حاليا خاصة مع توفر الكثير من الوسائل التي قد تستخدمها المرأة وتغنيها عن الخادم.

خدمة الزوج لزوجته بدل الخادم:

اختلف الفقهاء فيما لو رضي الزوج بخدمة زوجته ليسقط مؤونة الخادم على قولين:

القول الأول: ليس له ذلك، ولا يلزمها قبول ذلك، وهو قول الحنفية والشافعية في الأصح عندهم والحنابلة في الراجح عندهم، لأن في هذا غضاضة عليها لكون زوجها خادما لها وتعير به.

ويرى بعض الشافعية أن للزوج أن يخدم زوجته فيما لا يستحي منه، كغسل الثوب، واستقاء الماء، وكنس البيت والطبخ دون ما يرجع إلى خدمة نفسها كصب الماء على يدها، وحمله إلى المستحم ونحوهما.

القول الثاني: إن للرجل أن يخدم زوجته بنفسه ويلزمها الرضا به، وهو قول المالكية والإمامية([181]) وأحد الأقوال عند الشافعية والحنابلة، لأن الكفاية تحصل بهذا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، لأن الغاية هو حصول الخدمة التي تحتاجها، بغض النظر عن الطريقة التي حصلت بها، أما اعتبار ذلك مهانة فهو بعد عن السنة المطهرة، ولا ينبغي للفقهاء أن يشجعوا مثل هذه المرأة المتعالية عليه.

فعن الأسود قال سألت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصنع في بيته، قالت:كان يكون في مهنة أهله تعني خدمة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة، وأجابت في رواية أخرى بقولها: (كما يصنع أحدكم يخصف نعله ويرقع ثوبه)، وفي وراية أخرى:(كان بشرا من البشر يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه)، وفي رواية (وكان يعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم)([182])

وهذه الرواية الأخيرة دليل على أن ذلك كان سنة السلف التي تعلموها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما اتخاذ الخدم والحشم فهو سنة الأكاسرة والقياصرة، وما دب الضعف في هذه الأمة إلا بسبب المبالغة في ذلك.

فلا ينبغي للأعراف أن تتدخل في دين الله بالتغيير والتبديل، فالشرع جاء لإصلاح العرف وتوجيهه، لا ليخضع الشرع ويخضع معه الفقهاء لموروثات الأمم الغابرة بحجة المعروف، واحترام العرف.

طلب الزوجة أجرة الخادم:

نص الفقهاء على أن الزوجة لو رضيت بخدمة نفسها، وطلبت الأجرة أو نفقة الخادم لا يلزمه قبول ذلك، لأن في إخدامها توفيرها على حقوقه وترفيهها، وذلك يفوت بخدمتها لنفسها، ولأنها لو أخذت الأجرة على ذلك لأخذتها على عمل واجب عليها فكان فيه معنى الرشوة.

قال العلامة الحلي:(ولو قالت: أنا أخدم نفسي ولي نفقة الخادم لم تجب إجابتها. ولو تبرعت بالخدمة، لم يكن لها المطالبة بالأجرة ولا نفقة الخادم) ([183])

وقال الشهيد الثاني معلقاً على كلام المحقق الحلي: (إنما لم يكن لها ذلك؛ لأن تعيين الخادم إليه، لا إليها؛ لأن الحق عليه، فيرجع في تعيينه إليه؛ ولأن ذلك يسقط مرتبتها، وله أن لا يرضى به لأنها تصير مبتذلة، وله في رفعتها حق وغرض صحيح، فله أن لايرضى به وإن رضيت بإسقاط حقها. وحينئذٍ فإن بادرت بالخدمة من غير إذنه كانت متبرعة، فلا أجرة لها ولا نفقة زائدة بسبب الخدمة)([184])

صفات الخادم:

نص الفقهاء على أنه يجب أن يكون الخادم إما امرأة مسلمة، أو صبيا مميزا لم يبلغ الحلم، أو محرما للزوجة المخدومة،، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون رجلا كبيرا ممن لا يحل له النظر إليها، لأن الخادم يلزم المخدوم في غالب أحواله فلا يسلم من النظر([185]).

ونصوا على جواز خدمة الممسوح الذي لا يقرب النساء، وهي إباحة عجيبة لعدم الدليل عليها، قال ابن عقيل مشيرا إلى ما ذكره الفقهاء في ذلك:(يحرم خلوه النساء بالخصيان والمجبوبين إذ غاية ما تجد فيهم عدم العضو أو ضعفه، ولا يمنع ذلك لإمكان الاستمتاع بحسبهم من القبلة واللمس والاعتناق، والخصى يقرع قرع الفحل، والمجبوب يساحق، ومعلوم أن النساء لو عرض فيهن حب السحاق، ومنعنا خلوة بعضهن ببعض، فأولى أن يمنع خلوة من هو في الأصل على شهوته للنساء) ([186])

وقد اختلف الفقهاء في المرأة الذمية، هل يجوز أن تكون خادما لامرأة مسلمة على قولين([187]):

القول الأول: عدم جواز ذلك، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة في أحد الوجهين، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أنه لا تؤمن عداوتها الدينية.
  2. أن نظر الذمية إلى المسلمة حرام، لقوله تعالى:{ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ } (النور:31)، والعلة في ذلك أنها ربما تحكيها للكافر.
  3. أن الذمية لا تتعفف من النجاسة.

القول الثاني: يجوز أن تخدم الذمية المرأة المسلمة، وهو الوجه الآخر عند الحنابلة، لأن نظرها إلى المسلمة عندهم جائز.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة في حال الضرورة هو القول الأول، لا للاعتبارات التي ذكرها أصحابه، وإنما لما نراه في عصرنا من رغبة المسلمين عن استخدام المسلمات الفقيرات واتخاذ خدم أجانب، وهذا كما يقال: أحشفا وسوء كيلة، زيادة على ذلك عدم تورع هؤلاء الأجانب الكافرات عن الحرام.

ثم إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حث على اختيار الصاحب فقال: (لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي) ([188])، وقال:(الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) ([189]) فكيف يرضى مسلم بعد هذا أن يصاحب لا في الخارج، بل في جوف بيته من يكفر بالله ورسوله، وكيف ترضى مسلمة لولدها أن تربيه من لا تعرف ربها ولا نبيها.

ثم إن الخطر لا يتوقف على الأفراد أو الأسرة وحدها، بل يعم المصلحة العامة، فمن يضمن أن لا يندس بين هؤلاء الخدم من يتجسس على المسلمين، أو يفسد أخلاقهم أو ينشر الأمراض بينهم، وهل ما حصل في التاريخ لا يكفي للاعتبار بذلك؟

أما ما ذكره الفقهاء من اعتبارات فهي ضئيلة جدا بجنب هذه الاعتبارات.

تعدد الخادم:

اختلف الفقهاء في إلزام الزوج بأكثر من خادم على قولين:

القول الأول: أنه لا يلزمه أكثر من خادم واحد، وهو قول جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة والإمامية، لأن المستحق خدمتها في نفسها ويحصل ذلك بخادم واحد.

القول الثاني: أنه إذا كان حالها ومنصبها يقتضي، خادمين أو أكثر فلها ذلك، وهو قول المالكية وأبي يوسف من الحنفية.

قال أبو يوسف: إن المرأة إذا كانت غنية وزفت إليه بخدم كثير استحقت نفقة الجميع، وكذلك إذا كانت ممن يجل مقدارها عن خدمة خادم واحد، فعلى الزوج أن ينفق على من لا بد منه من الخدم ممن هو أكثر من الخادم الواحد، أو الاثنين أو أكثر من ذلك([190]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة، وفي حال الضرورة التي تستدعي ذلك الاكتفاء من الخدم بما تمس الحاجة إليه، والخادم الواحدة تكفي لذلك، ولا بأس أن تكون هناك للضرورة ممرضة لعلاجها، أو معلمة لأولادها، وغير ذلك مما تحدد فيه المسؤوليات، ولا يعتبر مؤديها خادما بمعنى الكلمة.

أما ما ذكره المالكية وأبو يوسف، ففيه بعد، لأن الغرض من هذا الكم من الخدم الكثير ليس الحاجة وإنما الفخر والتعالي، ويكفي في النهي عليه ما ورد من النصوص في ذلك، ولسنا ندري كيف أصبح العرف سائدا في مثل هذا والشرع معزولا، مع أن القرآن الكريم نص على أن ذلك شأن أهل الترف من الدنيا كقارون الذي ذمه الله تعالى بقوله:{ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ}(القصص:79)، وكان من زينته كما يذكر ابن كثير: أنه كان راكبا على البغال الشهب، وعليه وعلى خدمه ثياب الأرجوان المصبغة([191])، فأي فارق بين هذا وبني ما قال أبو يوسف،رحمه الله.

أما الأدلة على تحريم الخيلاء والفخر، فهي مما لا يمكن استيعابه هنا، ولا نرى مقصدا من كل ذلك الخدم الذي ذكره أصحاب القول الثاني إلا الفخر والخيلاء، فأي فرق في الحاجات أو في الخدمات بين ذات المنصب الرفيع، وذات المنصب الوضيع إن صحت هذه التفرقة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

تبديل الخادم:

اختلف الفقهاء في جواز تبديل الزوج خادمها الذي حملته معها، أو أخدمها إياه بعد إلفها إياه على قولين:

القول الأول: عدم جواز ذلك له، إلا إن ظهرت منه ريبة، أو خيانة، أو تضرر بوجوده، وهو قول جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والشافعية، أما إذا ظهرت منه ريبة، أو خيانة، أو تضرر منه بأن كان يختلس من ثمن ما يشتريه أو أمتعة بيته فله الإبدال، والإتيان بخادم أمين، ولا يتوقف هذا على رضاها إلا أن الحنفية يرون أن هذا إذا لم تستبدل غيره به، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. تضررها بقطع المألوف.
  2. أنها قد لا تتهيأ لها الخدمة بالخادم الذي يجيء به الزوج بدل خادمها.

القول الثاني: أن للزوج إبدال خادم آخر بخادمها إذا أتاها بمن يصلح للخدمة، وهو قول الحنابلة، لأن تعيين الخادم إليه وليس إليها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو قول بين القولين، فلا يحق لأحدهما التصرف في مثل هذا دون مشورة الآخر، أما كلا القولين فقد راعيا مصلحة طرف من الأطراف وأهملا مصلحة الطرف الآخر، والشرع إنما جاء ليراعي كل المصالح.

فمن المفاسد التي قد تحدث على الأخذ بالقول الثاني ما ذكره أصحاب القول الأول، وهي مفاسد حقيقية مراعاة لحقوق المرأة النفسية التي دل عليها النهي عن المضارة، فمن الضرر الكبير تبديل امرأة تألفها بامرأة قد تؤذيها ولو بمجرد وجودها.

أما المفاسد التي قد ينتجها القول الأول، فإن الرجل قد يرى في الخادم ما يدعوه إلى تبديلها، ثم لا يستطيع أن يفصح بذلك، وتلزمه الزوجة بقبولها، فيقع الحرج للزوج في هذا القول كما وقع مع المرأة في القول الآخر.

وسبب هذا هو قصر النظر على اعتبار الخادم حقا للزوجة أو للزوج، مع أنه ما دام في البيت يكون حقا لكليهما، فكلاهما تصله منافعه وتصيبه مضاره، لذلك كان تعيينه مرتبطا بهما جميعا.

حق المرأة في المؤنسة:

مما قد يلحق بحق المرأة في الخادم، حقها في المؤنسة، وقد اختلف الفقهاء([192]) في وجوب إتيان الرجل بمؤنسة لزوجته إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كخوف مكانها، أو خوفها على نفسها من عدو يتربص بها على قولين:

القول الأول: إن المؤنسة واجبة للزوجة على زوجها عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، وهو قول الحنفية في المشهور عندهم والحنابلة([193])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  1. أن إلزام الزوجة بالإقامة بمكان لا تأمن فيه على نفسها، ولا يوجد معها فيه مؤنس من المضارة المنهي عنها، لقوله تعالى:{ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ }(الطلاق:6)،
  2. أن ترك الزوجة كذلك ليس معه المعاشرة بالمعروف المأمور بها بقوله تعالى:{ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }(النساء:19)

القول الثاني: إن المؤنسة ليست بلازمة على الزوج، وهو قول الشافعية، وبه قال بعض الحنفية([194]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن الحاجة للمؤنسة تختلف باختلاف السكن والمرأة، فمن السكن ما يكون منفردا، ومع ذلك تكون المرأة قوية، لا تحتاج إلى مؤنسة، وفي هذه الحالة لا لزوم لها، وقد تكون المرأة بين جيران ومع ذلك تخاف لطبيعة فيها، أو لسبب يدعوها إلى ذلك، وفي هذه الحالة يجب على الزوجة أن يؤنسها هو أو يحضر لها من تؤنسها، سواء من الأقارب، أو غيرهم ولو بالأجرة.

قال ابن عابدين:(لا يلزم من كون المسكن بين جيران عدم لزوم المؤنسة إذا استوحشت بأن كان المسكن متسعا كالدار وإن كان لها جيران، فعدم الإتيان بالمؤنسة في هذه الحالة لا شك أنه من المضارة، لا سيما إذا خشيت على عقله، فتحصل أنه مختلف باختلاف المساكن ولو مع وجود الجيران، فإن كان المسكن بحال لو استغاثت بجيرانها أغاثوها سريعا لما بينهم من القرب لا تلزمه المؤنسة وإلا لزمته) ([195])

ثم ذكر الاعتبار الآخر، وهو اعتبار الأشخاص، فقال:(وينبغي أن يكون مختلفا أيضا باختلاف الأشخاص، فإن بعض الناس حتى من الرجال لا يمكنه أن يبيت وحده في بيت خال ولو صغيرا بين جيران، فإن كان زوجها يبيت في بيت ضرتها مثلا، وكانت تخشى على عقلها من البيتوتة وحدها، ينبغي أن يؤمر بالمؤنسة في ليلة ضرتها، ولا سيما إذا كانت الزوجة صغيرة نفيا للمضارة المنهي عنها بنص القرآن العزيز) ([196])

أما القول بعدم لزوم المؤنسة، ففيه بعد، لأن نفقة المرأة لا تقتصر على جانبها المادي، بل تمتد لتشمل جانبها النفسي، فكيف نرضى لامرأة يرميها زوجها بين كثبان الرمال، أو في قمم الجبال، ثم يغيب عنها ما شاء، ثم لا نكلفه بما يوفر للمرأة من أسباب الأنس إذا ما احتاجت لذلك.

النوع الخامس: التداوي

اختلفت أقوال العلماء في تكليف الزوج بمصاريف علاج الزوجة على قولين:

القول الأول: أنها لا تجب عليه لأنها ليست من النفقة، بل تجب في مالها إن كانت غنية وفي مال من تلزمه نفقتها إن كانت فقيرة إذا لم تكن متزوجة، وهو مذهب أكثر العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية في المشهور عندهم.

حتى أنهم نصوا على أن هذا النوع من النفقة يجب للعبد ولا يجب للزوجة، (فالسيد أحق بنفقته ومؤنته، ولهذا النفقة المختصة بالمرض تلزمه من الدواء وأجرة الطبيب بخلاف الزوجة)([197])

ونصوا على أنه (ولا دواء مرض، ومنه ما تحتاج إليه المرأة بعد الولادة لما يزيل ما يصيبها من الوجع الحاصل ونحوه، فإنه لا يجب عليه لأنه من الدواء) ([198])

ونص الحنفية على (وإنما لم يجب الدواء لأنه من العوارض،كدواء المرأة فإنه لا يجب على الزوج)([199])

ونص المالكية على أنه (لا يلزمه لها الدواء لمرضها ولا أجرة نحو الحجامة ولا المعالجة في المرض)([200])

ونص المتقدمون من الإمامية على أن المرأة (لا تستحق عليه ـ أي الزوج ـ الدواء للمرض، ولا أجرة الحمام إلا مع البرد)([201])

القول الثاني: أنه يجب عليه علاجها، وقد ذكره الشوكاني، قال:(أما إيجاب الدواء فوجهه أن وجوب النفقة عليه هي لحفظ صحتها والدواء من جملة ما يحفظ به صحتها) ([202])، وذهب بعض علماء المالكية إلى أنه يفترض عليه أن يعالجها بقيمة النفقة التي تفترض لها، وهي سليمة من المرض.

ومن الإمامية المتأخرين الذين ذهبوا إلى هذا السيد الخوئي، فقد قال: (والظاهر أن النفقة الواجبة على الزوج أجرة الحمام عند حاجة الزوجة إلى التنظيف إذا لم تتهيأ لها مقدمات التنظيف في البيت، أو كان ذلك عسراً عليها لبرد أو غيره، كما أن منها أجرة مصاريف الولادة والفصد والحجامة عند الاحتياج إليها، وكذلك أجرة الطبيب والأدوية المتعارفة التي يكثر الاحتياج إليها عادة، بل لا يبعد أن يكون منها ما يصرف في سبيل علاج الأمراض الصعبة التي يكون الابتلاء بها اتفاقياً ولو احتاج إلى بذل مال خطير، مالم يكن حرجياً)

ومثله السيد السيستاني، الذي يرى أن علاج الأمراض الصعبة من النفقة فضلاً عن العلاج والتداوي بالأدوية المتعارفة، يقول في ذلك: (من النفقة الواجبة على الزوج أجرة الحمام عند حاجة الزوجة إليه سواء أكان للاغتسال أو للتنظيف إذا لم تتهيأ لها مقدمات الاستحمام في البيت أو كان ذلك عسيراً عليها لبرد أو غيره، كما أن منها مصاريف الولادة وأجرة الطبيب والأدوية المتعارفة التي يكثر الا حتياج إليها عادة، بل لا يبعد أن يكون منها ما يصرف في سبيل علاج الأمراض الصعبة التي يتفق الا بتلاء بها وإن احتاج إلى بذل مال كثير مالم يكن ذلك حرجياً على الزوج)

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة إلزام الزوج بنفقات زوجته العلاجية، لعدم الفرق بينها، وبين سائر النفقات، بل قد تكون نفقتها العلاجية أعظم خطرا من سائر النفقات، ونعجب كيف يفرض الفقهاء على الزوج أنواع النفقات المرهقة من مأكل وملبس ومسكن وخادم، والكثير منها مما تتطلبه الرفاهية، فإذا ما أتوا إلى نفقات العلاج قصروا فيها، أو اعتبروها ترفا لا داعي له.

ونحن لا نستعجل بالإنكار على الفقهاء القائلين بهذا قبل أن نعرف عذرهم في ذلك، فمن التجني الحكم عليهم قبل معرفته، ونرى من خلال موقفهم من التداوي عامة أن لهم في ذلك ثلاثة أعذار:

أما العذر الأول، وهو وجه حق دعاهم لتلك المقالة، وهو أن الطب في عهدهم يختلط فيه الحق والباطل، ويمارسه المحق والمبطل، وكان بالنسبة لكثير من الأمراض توهم وتخريص، فلذلك بنوا رأيهم في هذا على هذا الأساس.

أما العذر الثاني الذي دفعهم إلى ذلك، وهو عذر خاطئ ناتج عن سوء الفهم لبعض النصوص، فهو تصورهم أن التداوي مكروه لمنافاته التوكل، كما هو مذهب جمهور الحنابلة، ونص عليه أحمد.

أما العذر الثالث، وهو ناتج عن العذرين السابقين، فهو موقفهم من الحكم الشرعي من التداوي، فجمهورهم على كونه مباحا، وذهب الشافعية، والقاضي وابن عقيل وابن الجوزي من الحنابلة إلى استحبابه.

فهذه الأمور الثلاثة، والتي اعتبرناها أعذارا هي التي فرضت على الفقهاء القول بعدم لزوم نفقة العلاج للمرأة، ونعيذهم، وهم من هم، أن يكون مقصدهم حرمان المرأة من حق وجب لها.

ولذلك، فإن انتفاء الأعذار الثلاثة يعيد الأمر إلى نصابه، ويلزم الرجل بعلاج المرأة كما يلزمه بسائر نفقاتها، لأن القول بوجوب التداوي وعدم منافاته التوكل، وتيقن نتيجته أو حصول الظن الغالب فيها، يجعله ضرورة من الضرورات التي تتطلبها حياة المرأة، وبالتالي لا تستقيم حياتها ولا حياة زوجها معها إلا بوجودها.

أما العذر الأول فإن الطب في هذا العصر علم من العلوم له أصوله القطعية ونتائجه الحتمية التي لا ينكرها إلا مكابر، فلذلك لو رأى الفقهاء الضرورات التي تحتم اللجوء إلى الأطباء في عصرنا لذهبوا إلى القول بوجوبها على الزوج، ولقد ذكر الشافعية عند بيان محل استحباب التداوي عدم القطع بإفادته، أما لو قطع بإفادته كعصب محل الفصد فإنه واجب.

أما العذر الثاني، فقد رد عليه ابن القيم بقوله::(في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا)

أما العذر الثالث، فتنفيه النصوص الصحيحة التي تأمر بالتداوي من غير أن تكون فيها قرينة تصرفها إلى الإباحة أو الاستحباب.

ومن النصوص التي تدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تتداووا بالحرام) ([203])، وفي حديث أسامة بن شريك قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: نعم عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدا. قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: الهرم([204]).

فهذه النصوص وغيرها تدل على وجوب التداوي، ولا تعارض بغيرها، فلكل حديث دلالته الخاصة.

فإذا انتفت هذه الأعذار الثلاثة، وأصبح القول بوجوب علاج الشخص لنفسه واجبا صار القول بوجوب علاج الزوجة واجبا بذلك، لأن ما وجب للفرد في نفسه وجب على وليه أو القيم عليه في حال عجزه، فعلاج الصبي الصغير والشيخ الكبير والمرأة على من يتكلف بحوائجهن سواء كان أبا أو ابنا أو زوجا.

ولو فرض غير هذا القول، فإلى من تلتجئ الزوجة إن لم يعالجها زوجها، أما أبوها إن كان حيا، فسيقول: زوجتكها سليمة صحيحة، فلما أنهكتها وأسقمتها أرسلتها إلي، وله الحق في ذلك، لأن الضمان على من أتلف، والأب لم يتلف شيئا حتى يكلف بضمانه، فلماذا لا يصح هذا القياس مع أن الفقهاء يستخدمونه كثيرا في العلاقات الزوجية.

والخلاصة أن حق التداوي واجب للزوجة على زوجها، ولا نظن أن هناك من المعاصرين من يخالف في ذلك إلا من يتناول نصوص الفقهاء كما يتناول القرآن الكريم.


([1])   رد المحتار :3/572.

([2])   خرج بالتعريف ما به قوام معتاد غير آدمي ، وما ليس معتادا في حال الآدمي، لأنه ليس بنفقة شرعا، انظر: شرح ميارة:1/249..

([3])   الطبري:28/145، ابن كثير:4/384.

([4])   القرطبي:3/185.

([5])   البخاري: 1/30، ابن حبان: 10/50، البيهقي:4/178، مجتبى النسائي: 5/69.

([6])   مسلم:2/889، ابن خزيمة:4/251، ابن حبان: 4/311، الدارمي:2/69، البيهقي:5/8، أبو داود: 2/185، النسائي:2/421، ابن ماجة: 2/1025، أحمد: 5/72.

([7])   رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم ،قال الحاكم صحيح الإسناد، وألزم الدارقطني الشيخين تخريج هذه الترجمة، خلاصة البدر المنير:2/253، وانظر:أبو داود: 2/244، النسائي: 5/273، البيهقي:7/305، أحمد: 4/447.

([8])   مسلم: 2/692، البيهقي:7/467، أحمد: 2/473.

([9])   فيض القدير:3/536.

([10])   مسلم: 2/692، ابن حبان:8/128، البيهقي:4/178، النسائي:2/37.

([11])   شرح النووي على مسلم:7/83.

([12])   ابن حبان: 8/126، النسائي: 2/34، مجتبى النسائي: 5/62، أحمد: 2/251.

([13])   قاته يقوته إذا أطعمه قوتا ورجل مقوت ومقيت وأقات عليه أقاته فهو مقيت إذا حافظ عليه وهيمن ومنه وكان الله على كل شيء مقيتا، فيض القدير:4/552.

([14])   الحاكم: 1/575، ابن حبان:10/51، البيهقي:9/25، أبو داود: 2/132، النسائي: 5/374، أحمد: 2/160.

([15])   فيض القدير:4/552.

([16])     المبسوط- الشيخ الطوسي (6/ 9)

([17])   منح الجليل:4/396.

([18])   المغني: 8/161.

([19])   المحلى: 10/90.

([20])   أسنى المطالب:3/427.

([21])   سبق تخريجه.

([22])   الإنصاف :9/373.

([23])   الفتاوى الكبرى:3/379.

([24])   سبق تخريجه.

([25])   البخاري: 1/20، أحمد: 5/161، شعب الإيمان: 6/371.

([26])   أسنى المطالب:3/430.

([27])     الروضةالبهية، ج5، ص 472.

([28])   المبسوط:5/181.

([29])   الإنصاف :9/373.

([30])   المبسوط:5/183.

([31])   انظر: المغني:8/162.

([32])   المبسوط:5/196.

([33])   الفروق:1/135.

([34])   انظر: المغني: 8/166، فتح القدير: 4/394، أسنى المطالب:3/42، مواهب الجليل: 4/202، تحفة المحتاج 8/335.

([35])     فقد نصوا على أنه إذا لم تحصل الزوجة على النفقة الواجبة لها كلاً أو بعضاً كماً أو كيفاً؛ لفقر الزوج أو امتناعه بقي ما لم تحصله منها ديناً في ذمته، فلو مات أخرج من أصل تركته كسائر ديونه، ولو ماتت انتقل الى ورثتها كسائر تركتها، سواء طالبته بالنفقة في حينه أو سكتت عنها وسواء قدرها الحاكم وحكم بها أم لا، وسواء عاشت بالعسر أو أنفقت هي على نفسها ـ باقتراض أو بدونه ـ أو انفق الغير عليها تبرعاً من نفسه، ولو انفق الغير عليها ديناً على ذمّة زوجها مع الاِستيذان في ذلك من الحاكم الشرعي اشتغلت له ذمّة الزوج بما انفق، ولو انفق عليها تبرعاً عن زوجها لم تشتغل ذمّة الزوج له ولا للزوجة. [منهاج الصالحين للسيد السيستاني، ج3]

([36])   المغني: 8/166.

([37])   وهو الأصل عنده لأنه لا يسمع الدعوى التي يكذبها العرف والعادة ، ولا يحلف عنده فيها ، ولا يقبل فيها بينة، انظر:إعلام الموقعين:3/273.

([38])   إعلام الموقعين: 3/274.

([39])   المغني: 8/156.

([40])     المبسوط- الشيخ الطوسي: 6/ 5.

([41])   القرطبي:3/202.

([42])   المحلى:9/34.

([43])   البخاري:2/769، 5/2052، البيهقي:7/466، النسائي:5/378، المجتبى:8/246، ابن ماجة:2/769، أحمد:6/39..

([44])   نيل الأوطار:7/131، وفي الحديث فوائد كثيرة تتعلق بالنفقات، ولهذا سيكثر الاستدلال به في هذا الفصل، انظر في عد فوائده:فتح الباري:9/510، 13/139، تحفة الأحوذي:4/400.

([45])   حاشية الدسوقي:2/510.

([46])   التاج والإكليل:5/560.

([47])   سبل السلام:2/328، نيل الوطار:6/384.

([48])   المحلى:9/254.

([49])   المدونة: 4/60، المنتقى: 5/81، الفتاوى الكبرى: 5/397، الطرق الحكمية: 58، الفروع: 4/293، الجوهرة النيرة: 1/246، التاج والإكليل: 6/616.

([50])   اختلف الحنفية فيما لو أقام البينة قبل الحبس على إفلاسه، فقيل: تقبل ، وفي الرواية الأخرى: لا تقبل، وعلى الثانية عامة المشايخ، وأما بعد الحبس فهي تقبل رواية واحدة، الجوهرة النيرة:1/247.

([51])     الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع، الشيخ حسين آل عصفور البحراني، مجمع البحوث العلمية، ج10، ص109.

([52])   المنتقى: 5/81.

([53])   الفروع:4/294.

([54])   وقد خالف في ذلك بعض المالكية، فقد نص في المنتقى على أن المسجون في دين امرأته أو غيرها ليس له أن تكون معه امرأته، ولا أن تدخل عليه لأنه سجن للتضييق عليه فإذا لم تمنع لذته لم يضيق عليه قاله سحنون ، ولو سجن الزوجان في حق لم يمنعا أن يجتمعا إذا كان السجن خاليا ، ولو كان فيه رجال ونساء حبس الزوج مع الرجال ، وحبست المرأة مع النساء ، ووجه ذلك أنهما مسجونان فلم يقصد لكونها معه إدخال الراحة عليه والرفق به ، وإنما قصد بذلك استيفاء حق على كل واحد منهما فإذا وجب السجن عليهما لم يمنعا الاجتماع لأن التفريق ليس بمشروع، انظر: المنتقى:5/81.

([55])   المبسوط: 5/206، بدائع الصنائع: 4/29، المغني: 8/167، مواهب الجليل:4/205، حاشيتا قليوبي وعميرة:4/72.

([56])   فقد نص في المدونة على أن القول قول الزوج إلا أن تكون المرأة رفعت ذلك إلى السلطان ، فاستعدت في مغيبه ، فإن ذلك يلزم الزوج من يوم رفعت ولا يبرئه إلا أن يأتي بمخرج من ذلك ، وإن قال: بعثت إليك لم ينفعه ذلك ، المدونة:2/181..

([57])     المبسوط ج 6 ص 16.

([58])   الأم:5/96.

([59])   بدائع الصنائع:4/29.

([60])   الفتاوى الكبرى: 3/380.

([61])   إعلام الموقعين: 3/273.

([62])   قواعد الأحكام:2/54.

([63])   قواعد ابن رجب:339.

([64])   المحلى:10/56، الأم: 6/173، المدونة: 2/53، المبسوط:5/204، شرائع الإسلام:3/26، الفتاوى الكبرى: 5/510، التاج المذهب: 2/215.

([65])   انظر: بداية المبتدي: 88، الهداية: 2/42، البحر الرائق: 3/142، حاشية ابن عابدين: 3/572، 3/634، بدائع الصنائع: 4/18، لسان الحكيم: 337..

([66])   حاشية الدسوقي: 2/508، الفواكه الدواني: 2/23، حاشية العدوي: 2/88، القوانين الفقهية: 147.

([67])   المبدع: 8/201، الكافي في فقه ابن حنبل: 3/355، المغني: 7/193.

([68])   شرائع الإسلام:2/293.

([69])   التاج المذهب:2/277.

([70])   شرح النيل:14/13.

([71])   المحلى:9/112.

([72])   اتفق الفقهاء على أن النفقة تشمل المسلمة وغير المسلمة دون تفريق، قال ابن قدامة :« والذمية كالمسلمة في النفقة والمسكن والكسوة ، في قول عامة أهل العلم، وبه يقول مالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي; لعموم النصوص والمعنى »، المغني: 8/162.

([73])   بدائع الصنائع:4/18.

([74])   انظر: بدائع الصنائع: 4/19، العناية شرح الهداية:4/378، معين الحكام:150 ن مواهب الجليل :4/182.

([75])   المحلى:9/249.

([76])   سبق تخريجه.

([77])   المحلى:9/249.

([78])   العناية :4/378.

([79])   البخاري:5/1996، البيهقي:7/291.

([80])   انظر تفصيل الخلاف في اعتبار هذا الشرط في فصل :الشروط المقيدة لمقتضى العقد .

([81])   المغني :8/182، المبدع:8/201، الكافي في فقه ابن حنبل:3/355، إعانة الطالبين:3/394، حاشية البجيرمي:3/369، حواشي الشرواني:7/383، الهداية:2/40، حاشية ابن عابدين:3/574، الفواكه الدواني:3/23، حاشية الدسوقي:2/508.

([82])   المدونة:2/177.

([83])     السرائر، ابن ادريس الحلي، ج2، ص 655.

([84])   المبدع:8/200.

([85])   بدائع الصنائع:4/19.

([86])   منشأ الخلاف في رفعه هو قول أبي هريرة عندما سئل:هذا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: لا، هذا من كيسي، النسائي:5/384، قال المنذري: ولعل قوله تقول امرأتك إلى آخره من كلام أبي هريرة مدرج، الترغيب والترهيب:2/13، وانظر:المنتقى لابن الجارود:188، البيهقي:7/466، مسند الشافعي:266.

([87])   المدونة:2/177، بدائع الصنائع: 4/19، الفروع:5/484، حاشية البجيرمي على المنهج:4/193.

([88])     وهو مذهب المحقق الحلي [شرائع الإسلام، المحقق الحلي، ج2، ص 569]، والعلامة الحلي [القواعد، ج3، ص 104، والتحرير، العلامة الحلي، ج4، ص 23]، وغيرهما…

([89])     واختاره الشيخ الطوسي [المبسوط، ج 6، ص 13]، وتبعه عليه جماعة مثل : ابن البراج، وابن إدريس، وابن سعيد، وصاحب المدارك، والأصفهاني، وصاحب الجواهر..

([90])   منح الجليل: 4/403، رد المحتار: 3/578، الموسوعة الفقهية:16/324.

([91])   حاشية البجيرمي:3/436.

([92])   الأم:5/116، المغني: 8/185، بداية المجتهد:2/71، اختلاف العلماء:147، القرطبي:18/166، شرح معاني الآثار:3/72، أحكام القرآن للشافعي:261.

([93])   تفسير القرطبي:18/168.

([94])   أحكام القرآن للشافعي:261.

([95])     واستدلوا لذلك بمارواه أبو بصير عن أبي عبدالله ع: أنه سئل عن المطلقة ثلاثاً، ألها سكنى ونفقة ؟ قال : حبلى هي ؟ قلت : لا، قال : لا [الوسائل، ج21، ص 521، الباب 8 من أبواب النفقات، رقم 27744]

([96])   ورد الحديث بروايات مختلفة، وهذه بعض المراجع التي روي فيها هذا الحديث: مسلم:2/1114، فما بعدها، البخاري:5/2039، الترمذي:3/484، الدارمي:2/218، البيهقي:7/136، الدارقطني: 4/22، أبو داود:2/286، النسائي: 3/399، ابن ماجة: 1/656، الموطأ:2/580.

([97])   حاشية ابن القيم:6/278.

([98])   حاشية ابن القيم:6/278.

([99])   حاشية ابن القيم:6/278.

([100])   حاشية ابن القيم:6/282.

([101])   ذكر الشوكاني من الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول بعض الروايات عن عمر أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:لها السكنى والنفقة، ولم أجد من استدل بذلك من أصحاب هذا القول، وقد قال الإمام أحمد لا يصح ذلك عن عمر، وقال الدارقطني السنة بيد فاطمة قطعا، ثم إن تلك الرواية عن عمر من طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد موت عمر بسنتين، قال ابن القيم: ونحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذب على عمر، وكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،وينبغي أن لا يحمل الإنسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب على معارضة السنن النبوية الصريحة الصحيحة بالكذب البحت، فلو يكون هذا عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخرست فاطمة وذووها ولم ينبزوا بكلمة ولا دعت فاطمة إلى المناظرة»، انظر: نيل الأوطار:7/106.

([102])   انظر هذه الآثار بأسانيدها ودرجتها في :التمهيد:19/142.

([103])   انظر: شرح معاني الآثار:3/72.

([104])   فنح الباري:9/479.

([105])   انظر: شرح معاني الآثار: 3/72.

([106])   مصنف عبد الرزاق:7/23.

([107])   ذكر الشوكاني من أدلتهم على وجوب النفقة قوله U 🙂 وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ البقرة الآية، وبقوله U 🙂 لا تضاروهن ﴾، وبأن الزوجة المطلقة بائنا محبوسة بسبب الزوج، واستدلوا على عدم وجوب السكنى بقوله U :)أسكنوهن من حيث سكنتم ﴾،فإنه أوجب أن تكون حيث الزوج وذلك لا يكون في البائنة.انظر: نيل الأوطار:7/106.

([108])   انظر حكاية الإجماع في شرح النووي على مسلم:10/96، والمسالك، ج8، ص450، وحكاه عن المبسوط، ج6، ص 24.

([109])   انظر هذه الرواية من حديث فاطمة بنت قيس في:مسلم:2/1117، البيهقي:7/472، أبو داود:2/287، مصنف عبد الرزاق:7/22.

([110])   انظر الخلاف في المسألة في: القواعد لابن رجب: 405، الإنصاف: 9/365، الأشباه والنظائر:38.

([111])     وممن ذهب إلى هذا التفسير صاحب الجواهر في جواهره [جواهر الكلام، الشيخ محمد حسن النجفي، ج31، ص 324]

([112])   انظر: شرح معاني الآثار:3/72..

([113])   تفسير القرطبي:3/185،  شرائع الإسلام، المحقق الحلي، ج2، ص 570

([114])   أخرجه البيهقي ورجاله ثقات لكن قال: المحفوظ وقفه، البيهقي:7/430، وانظر: الدارقطني:4/22، مصنف عبد الرزاق:7/38..

([115])   سبل السلام:2/324.

([116])     انظرمختلف الشيعة، العلامة الحلي، ج7، ص 493..

([117])   أحكام القرآ للجصاص:1/574.

([118])     الجامع للشرائع، ص472.

([119])   الفتاوى الكبرى: 3/338.

([120])     النجفي: الشيخ محمد حسن، جواهر الكلام، ج11 ص132.

([121])     الشيرازي: السيد محمد الحسيني، الفقه ج67 ص364.

([122])   مختصر اختلاف العلماء:2/371.

([123])   جواهر العقود:2/174.

([124])   بداية المجتهد: 2/41.

([125])   مواهب الجليل:4/183، التاج والإكليل:4/188، حاشية الدسوقي:2/343.

([126])   سبق تخريجه.

([127])   المحلى: 9/510.

([128])   سبق تخريجه.

([129])   بداية المجتهد: 2/41.

([130])   المحلى:9/511.

([131])   انظر هذه النصوص وغيرها في: مواهب الجليل:4/183.

([132])     انظر: جواهر الكلام، الشيخ محمد حسن النجفي، ج31، ص 313.

([133])     مسالك الأفهام، الشهيد الثاني، ج8، ص 446.

([134])     واختار الشهيد الثاني القول بعدم السقوط واستظهره من المحقق الحلي في الشرائع[الشرائع، ج2، ص 348]، وحكاه صاحب الجواهر عن بعضهم ولم يسمه[جواهر الكلام، الشيخ محمد حسن النجفي، ج31، ص 314]

([135])   يقصد الفقهاء بالقوت الخبز وحبة من بر وشعير وذرة ودخن ونحوه، ودقيقه وسويقه والفاكهة اليابسة، كتمر وزبيبومشمش وتين وتوت، واللحم واللبن ونحوه، أما الطعام فهو أعم لأنه عبارة عما يؤكل ويشرب من قوت وأدم وحلو وجامد ومائع وما جرت العادة بأكله من نبات الأرض لا ماء ودواء وورق شجر ونشارة خشب وتراب، لأن أهل العرف لا يطلقون اسم الطعام على هذه.انظر: كشاف القناع:6/257.

([136])   المغني: 8/157، الفتاوى الكبرى: 3/229، الفروع: 5/581، مواهب الجليل: 4/123، حاشية الجمل:4/488.

([137])   فقد نصوا على أن واجب الزوج لزوجته تمليكها الطعام حبا سليما لأنه أكمل في النفع من الخبز والدقيق فتتصرف فيه كيفشاءت قياسا على الكفارة وزكاة الفطر، انظر:مغني المحتاج:5/124.

([138])   تحفة المحتاج:8/305.

([139])     شرائع الإسلام : 2/349.

([140])   القرطبي:6/276.

([141])   كتب ورسائل ابن تيمية في الفقه:34/86.

([142])     السرائر: ج 2 ص 655.

([143])   كشاف القناع:6/257.

([144])   مسلم: 3/1621، الترمذي: 4/279، الدارمي: 2/138، البيهقي: 7/179، أبو داود: 3/359، ابن ماجة: 2/1102..

([145])   ابن ماجة: 2/1103، مسند البزار: 1/397،شعب الإيمان: 5/100..

([146])   ابن ماجة: 2/1102، المعجم الأوسط: 8/354 مسند الشهاب: 2/265، مسند أبي يعلى: 6/377، قال في كشف الخفاء: هو ضعيف لأن في سنده مبهما أثبته بعضهم وحذفه آخرون ورواه بعضهم بلفظ « سيد الادام الملح » ورواه بعض آخر بلفظ «عليكم بالملح فانه شفاء من سبعين داء منها الجنون والجذام والبرص» ولعله موضوع وقال ابن الغرس: وأما حديث عليكم بالملح فان فيه شفاء من سبعين داء فقد نص ابن قيم الجوزية أنه موضوع. كشف الخفاء:1/556.

([147])   البيهقي: 10/63، أبو داود: 3/225.

([148])   كشاف القناع:5/460.

([149])   نهاية المحتاج:7/192.

([150])   الخرشي:4/185..

([151])     المبسوط- الشيخ الطوسي (6/ 6).

([152])   الفتاوى الكبرى:5/516.

([153])     منهاج الصالحين، ج3، مسألة 420.

([154])   سبق تخريجه.

([155])   سبق تخريجه.

([156])   المبسوط:5/183.

([157])   المحلى: 9/252.

([158])     جواهر الكلام (33/ 349)

([159])   انظر:حاشية البجيرمي:4/93.

([160])   انظر: التاج والإكليل:5/544.

([161])     جواهر الكلام (33/ 351)

([162])   شرح البهجة:4/391.

([163])     مسالك الأفهام الشهيد الثاني (9/ 457)

([164])   مغني المحتاج:5/161.

([165])   بدائع الصنائع:4/23، العناية:4/397، الجوهرة النيرة:2/86، فتح القدير:4/397،رد المحتار:3/599، التاج والإكليل:5/548، فتاوى السبكي:4/214، شرح ميارة:1/275، الخرشي:4/189، منح الجليل:4/395.

([166])   بدائع الصنائع:4/23.

([167])   نصب الراية:3/560 وانظر: العناية:4/397.

([168])   انظر: الخرشي: 4/188، التاج والإكليل: 5/549، حاشية الدسوقي:2/513.

([169])   المحلى:10/331.

([170])     اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: ليس لها ذلك، وهو قول المالكية، إلا إذا أثبتت الضرر من السكن مع الوالدين.

القول الثاني: إن كان عاجزا لا يلزمه إجابة طلبها، وإن كان قادرا يلزمه، وهو قول الحنابلة، وقيل لا يلزمه غير ما شرطته عليه..

([171])   الفتاوى الكبرى:3/97.

([172])   الفتاوى الفقهية الكبرى:4/214.

([173])   شرح ميارة:1/275.

([174])   بدائع الصنائع:4/23.

([175])   وذهب بعض المالكية، إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما في هذه الدار إلا برضاهما، فإن أبين منه أو كرهته إحداهما فلا يصح الجمع بينهما.

([176])   التاج والإكليل:5/546، شرح ميارة:1/266، الخرشي: 4/186، حاشية الدسوقيك 2/510، فتح العلي المالك: 2/84، تخفة المحتاج: 8/316، مغني المحتاج: 5/162، العناية: 4/387، الجوهرة النيرة: 2/86، فتح القديرك 4/387.

([177])   المحلى:9/251.

([178])   تحفة المحتاج:7/286.

([179])     مسالك الأفهام الشهيد الثاني (9/ 454)

([180])   فللخدم ـ على حسب ما نرى في الواقع، وعلى حسب ما تدل الإحصائيات ـ تأثير كبير على الأبعاد التي جاء الشرع لترسيخها في نفس النش المؤمن الصالح، وكأمثلة على ذلك:

على التربية الإيمانية: أفادت إحدى الدراسات الميدانية في إحدى الدول الخليجية أن (60 – 75%) غير مسلمات، وأن (97.5%) منهن يمارسن طقوسهن الدينية، ونسبة كبيرة منهن وثنيات، كما أن (50%) منهن يقمن بالإشراف الكامل على الأطفال وأن (25%) منهن يكلمن الأولاد في قضايا الدين والعقيدة.

فكيف يتسنى للطفل أن يتربى تربية إيمانية سليمة وقوية، وهو يتعرض لهذه الزوابع العظيمة من دواعي الانحراف.

على التربية الأخلاقية: أثبتت الدراسات الميدانية أن (58.6%) من الخادمات (المربيات) جئن من مجتمعات تحبذ إقامة العلاقات الجنسية قبل الزواج، فلا يتورعن عن الاختلاط بالرجال، ولا مانع لديهن من تناول الخمر والسجائر، والأغرب من ذلك أن (68.3%) منهن لا تزيد أعمارهن عن العشرين، و(42.4%) منهن لم يسبق له الزواج.

وفي دراسة أُخرى دلّت على أن (58.6%) منهن يحبذن ممارسة الجنس قبل الزواج، و(36.2%) منهن جئن من مجتمعات تتناول أطعمة محرمة، و(43%) منهن جئن من مجتمعات تتناول الخمور بصورة عادية، و(14%) منهن يستقبلن أصدقائهن (الرجال) في البيوت التي يعملن بها و(51.18%) منهن يشرحن لأطفالهن عن حياة الأطفال في مجتمعاتهن.

على البعد المعرفي: فالمربية أتت من مجتمعات مختلفة في ثقافتها ولغتها، وهي نفسها قد تكون ضائعة بين ثقافتين، حائرة بين نظامين، فلا هي تجيد اللغة العربية حتى تنقل ثقافتنا العربية الإسلامية للطفل، ولا هي تستطيع نقل ثقافتها الأجنبية والنتيجة عزلة عن ثقافته.

ولا شك أن الخادمات والمربيات يحاولن تنشئة الأبناء حسب قناعاتهم، فهي إن كانت مثقفة – كما هو الحال في الأسر الغنية – فإنها تؤثر في الأطفال أكثر من والديهم لإنشغال الوالدين وتخليهما عن مهمة التربية للخادمة (المربية)، بدعوى أنها مثقفة ومتخصصة في التربية، كما أن لهؤلاء المربيات – في تلك الأسر – مقدرة على الإقناع والتأثير على الوالدين، فضلاً عن الأبناء.

وبالتالي تنقل عدوى المفاهيم غير الإسلامية إلى البيوت المسلمة، فالمربية هي التي تختار ملابس الأطفال وبخاصة البنات، وهي التي تؤثر عليهن في نظرتهن إلى الحجاب والأزياء، وغير ذلك من الآداب والأخلاق.

زيادة على هذا، فإن لها تأثيرها الخطير على اللغة، فمن المعلوم أن المربية تلازم الطفل في مرحلة نموه الأولى والتي يكتسب فيها اللغة، ومن البديهي أن الطفل يلتقط منها ما يسمعه من ألفاظ، فيها من العربية الركيكة، والإنجليزية الركيكة، والأوردو وغير ذلك، مما يعتبر حاجزًا يعوّق نمو الطفل اللغوي، إذ يضطر إلى محاكاتها.

وقد دلّت الدراسات على أن (8%) من مجموعة المربيات في بعض دول الخليج لهن إلمام باللغة العربية، وفي بعض الدول الأخرى (6.2%) فقط، وأن (25%) من أطفال الأسر الغنية يقلدون المربيات في اللهجة، وأكثر من (40%) منهم تشوب لغتهم لغة أجنبية، ويتعرضون لمضايقات من أقرانهم بسبب ذلك.

وبسبب هذه الآثار السلبية السيئة التي يفرزها هذا المرض الداخلي العُضال على المجتمع الخليجي، خاصة، سارع مكتب التربية العربي لدول الخليج إلى توجيه كتاب إلى مجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية في الدول العربية الخليجية في دورته الرابعة بالرياض (يناير 1982م) والذي نظم بدوره ندوة علمية حول أثر المربيات الأجنبيات على تقاليد الأسرة المسلمة في منطقة الخليج، ناقشت المخاطر الناجمة عن الآثار الاجتماعية والدينية والثقافية والتربوية للمربيات الأجنبيات على المجتمع الإسلامي.

([181])     قال المحقق الحلي: (ويرجع في الإخدام إلى عادتها، فإن كانت من ذوي الإخدام وجب وإلا خدمت نفسها . وإذا وجبت الخدمة، فالزوج بالخيار ، بين الإنفاق على خادمها إن كان لها خادم، وبين ابتياع خادم، أو استئجارها، أو الخدمة لها بنفسه . وليس لها التخيير) (شرائع الإسلام : 4/ 18.

([182])   انظر روايات الحديث في :البخاري:5/2052، أحمد:6/106،وغيرهما.

([183])  شرائع الإسلام: 4/ 19.

([184])  مسالك الأفهام: 9/ 458.

([185])   مغني المحتاج:5/162.

([186])   بدائع الفوائد:3/278.

([187])   أسنى المطالب:3/428.

([188])   ابن حبان: 2/314، أبو داود: 4/259، الترمذي:4/600.

 ([189])   قال الترمذي:هذا حديث حسن غريب، الترمذي:4/589، أبو داود:4/259، أحمد: 2/303، الحاكم:4/189.

([190])   فتح القدير:4/389، العناية شرح الهداية:4/389.

([191])   ابن كثير:3/402.

([192])   المراد منها في عرف الفقهاء من تؤنس الزوجة إذا خرج الزوج ولم يكن عندها أحد.

([193])   مطالب أولي النهى:5/622.

([194])   وقد حمل قول من قال ذلك من الحنفية على ما إذا أسكنها بين جيران صالحين ، وعلى عدم الاستيحاش. قال الشرنبلالي: قال في النهر: لم نجد من كلامهم ذكر المؤنسة ، إلا أنه يسكنها بين قوم صالحين ، بحيث لا تستوحش. وهذا ظاهر من وجوبها فيما إذا كان البيت خاليا من الجيران ، ولا سيما إذا كانت تخشى على عقلها من سعته،انظر:رد المحتار:3/602، البحر الرائق:4/211.

([195])   تنقيح الفتاوى الحامدية:1/23.

([196])   تنقيح الفتاوى الحامدية:1/23.

([197])   كشاف القناع: 5/490.

([198])   حاشية البجيرمي:4/110.

([199])   البحر الرائق: 7/270، وانظر: المبسوط: 21/105.

([200])   الفواكه الدواني: 2/23.

([201])     قواعد الأحكام العلامة الحلي (4/ 102)

([202])   السيل الجرار:2/448.

([203])   الترمذي: 4/383، مصباح الزجاجة: 4/49، البيهقي: 9/343، النسائي: 4/194، ابن ماجة:2/1137.

([204])   أحمد: 4/278، المعجم الكبير: 1/183، الترمذي: 4/383.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *