الفصل الثاني: المقاصد الشرعية من الزواج

الفصل الثاني

المقاصد الشرعية من الزواج

راعى الشرع في الأحكام المتعلقة بالزواج الكثير من المقاصد التي تخدم المصالح الدنيوية والأخروية، والتي يستحيل اجتماعها بواقعيتها ومثاليتها في نفس الوقت في غير التشريعات الإسلامية، ففيها مراعاة تامة للمصالح الفردية والمصالح الاجتماعية ومصالح الأمة جميعا من غير أن يطغى فيها جانب على جانب.

وقبل أن نعرض باختصار مجامع هذه المقاصد، نذكر قولي عالمين اهتما اهتماما شديدا بالمقاصد الشرعية ننطلق منهما في بيان المقاصد الشرعية من الزواج:

أولهما السرخسي الذي حاول أن يجمع المقاصد الشرعية من الزواج بقوله:(تعلق بهذا العقد أنواع من المصالح الدينية والدنيوية من ذلك حفظ النساء والقيام عليهن والإنفاق، ومن ذلك صيانة النفس عن الزنا، ومن ذلك تكثير عباد الله تعالى وأمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتحقيق مباهاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهم)([1])

أما الثاني، فهو الغزالي، فقد قال عند بيان فوائد الزواج:(وفيه فوائد خمسة: الولد، وكسر الشهوة، وتدبـير المنزل، وكثرة العشيرة، ومجاهدة النفس بالقيام بهن)([2])

وانطلاقا من هذين النصين يمكن حصر مجامع المقاصد الشرعية من الزواج في المقاصد التالية:

المقصد الأول ـ تحصين الرجل والمرأة

ومعنى الإحصان([3]) هو توفير المناعة الكافية للمؤمن، والتي تصده عن الوقوع في الفاحشة أو تصرفه بالتفكير فيها عن الوظائف الموكلة إليه.

وسر ذلك هو أن الإسلام يعترف بالغرائز التي وجدت في نفس الإنسان، فلا يقاومها أو يطلب إماتتها، بل يوفر السبل النظيفة التي تتيح إخراجها في جو يحفظ مبادئه ومقاصده الكلية، ولا يصادم ـ في نفس الوقت ـ الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

وقد نص على هذا المقصد قوله تعالى:{ وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ }(النور: 33)، فالنص ظاهر في أن من مقاصد الزواج الاستعفاف.

ونص عليه من السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)([4])، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)([5])

فالزواج هو السبيل الوحيد للتحصين من الشهوات، فلذلك اعتبر من صرف شهوته بغير سبيل الزواج من المعتدين، كما قال تعالى:{ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)(المؤمنون:5)، ثم استثنى، فقال تعالى:{ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)(المؤمنون:6)، أي (والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام فلا يقعون فيما نهاهم اللّه عنه من زنا ولواط، لا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها اللّه لهم، أو ما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله اللّه له فلا لوم عليه ولا حرج)، فقد استثنت الآية من حفظ الفرج حفظه عن الزوجة أو ملك اليمين، وهي في حكم الزوجة.

وهذا موقف وسط بين من فتح المجال للشهوات فتحا مطلقا، فانتشرت الرذيلة وعم الانحراف باسم الحرية، أو باسم مقاومة الكبت، وترك العنان للغرائز الحيوانية، وبين دعاة الرهبانية الذين دعوا إلى العفاف بمقاومة الطبيعة البشرية والفطرة التي خلق الله الناس عليها، يقول سيد قطب تعليقا على الآية السابقة:(إن الزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسية الفطرية، وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة، فيجب أن تزول العقبات من طريق الزواج، لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها، والعقبة المالية هي العقبة الأولى في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس، والإسلام نظام متكامل، فهو لا يفرض العفة إلا وقد هيأ لها أسبابها، وجعلها ميسورة للأفراد الأسوياء. فلا يلجأ إلى الفاحشة حينئذ إلا الذي يعدل عن الطريق النظيف الميسور عامدا غير مضطر)([6])

وبناء على هذا أمر الله الجماعة المسلمة أن تعين من يقف المال في طريقهم إلى النكاح الحلال بقوله تعالى:{ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(النور:32)والأيامى هم الذين لا أزواج لهم رجالا كانوا أو نساء، والمراد بهم في هذه الآية الأحرار دون الرقيق لأنه أفردهم في قوله تعالى:{ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}

يقول سيد عن موقف العلماء من هذا الأمر الإلهي الذي يقتضي ظاهره الوجوب: (وهذا أمر للجماعة بتزويجهم، والجمهور على أن الأمر هنا للندب، ودليلهم أنه قد وجد أيامى على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلملم يزوجوا، ولو كان الأمر للوجوب لزوجهم)([7])

ويذكر موقفه بقوله :(ونحن نرى أن الأمر للوجوب، لا بمعنى أن يجبر الإمام الأيامى على الزواج ؛ ولكن بمعنى أنه يتعين إعانة الراغبين منهم في الزواج، وتمكينهم من الإحصان، بوصفه وسيلة من وسائل الوقاية العملية، وتطهير المجتمع الإسلامي من الفاحشة، وهو واجب ووسيلة الواجب واجبة)([8])

وهو قول تؤيده الأدلة الكثيرة بناء على التصور الإسلامي لدور ولي الأمر الذي يهتم بببناء الإنسان قبل اهتمامه بأي بنيان آخر.

ونفس الأمر ينطبق على المرأة التي يتقدم لها الكفء الذي ترغب فيه، فلا يحل عضلها عنه حتى لو كان قد سبق له إيذاءها بالطلاق، قال تعالى:{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(البقرة:232)، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين فتنقضي عدتها ثم يبدوا له أن يتزوجها وأن يراجعها وتريد المرأة ذلك فيمنعها أولياؤها من ذلك فنهى اللّه أن يمنعوها، والذي قاله ظاهر من الآية.

ومثل نهي العضل عن المطلق عضل المتوفى عنها زوجها طمعا في مالها وفي عدم خروجها من أسرة الزوج بعد وفاته، قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } (النساء:19)

ومثل ذلك عضل أي امرأة عن الزواج بمن تتحقق فيه شرائط الكفاءة التي سنذكرها في محلها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، قالوا:(يا رسول الله، وإن كان فيه)قال:(إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه)ثلاث مرات([9]).

ولهذا ـ وبعد توفير الجو المناسب الذي تصرف فيه الغرائز ـ ورد التشديد على حرمة الزنا، واعتباره من الكبائر والفواحش التي تهدم القيم التي ينبني عليها الكيان النفسي والاجتماعي، قال تعالى:{ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} (الاسراء:32)

وورد التنفير منه بذكر أنواع العقاب المناطة به، فالزاني لا تفتح له أبواب السماء، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد هل من داع فيستجاب له؟ هل من سائل فيعطى؟ هل من مكروب فيفرج عنه؟ فلا يبقى مسلم يدعو دعوة إلا استجاب الله عز وجل له إلا زانية تسعى بفرجها أو عشارا)([10])

وموعد الزاني نار يلتهب بها وجهه، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الزناة تشتعل وجوههم نارا)([11])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم يصف بعض العقاب الذي يتعذب به الزناة في البرزخ:(رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة)ـ فذكر الحديث إلى أن قال ـ:(فانطلقنا إلى نقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نار فإذا ارتفعت ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا وإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة)([12])، وفي رواية قال صلى الله عليه وآله وسلم:(فانطلقنا إلى مثل التنور، قال فأحسب أنه كان يقول فإذا فيه لغط وأصوات، قال فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا – أي صاحوا)الحديث، وفي آخره:(وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني)

وجاء في السنة تغليظ عظيم في الزنى لا سيما بحليلة الجار والتي غاب عنها زوجها، فعن ابن مسعود قال: سألت رسول الله r أي الذنب أعظم عند الله؟ قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك: قلت إن ذلك لعظيم، قلت ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك)([13]) وفي رواية: وتلا هذه الآية:{ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً } (الفرقان:68)

ومثل هذا التغليظ فيمن خفت عليه دواعي الغريزة بكبر السن، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل – أي فقير – مستكبر)([14])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا ينظر الله يوم القيامة إلى الشيخ الزاني ولا إلى العجوز الزانية)([15])

بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الزنى أحبط عبادة ستين سنة، قال r:(تعبد عابد من بني إسرائيل فعبد الله في صومعته ستين عاما فأمطرت الأرض فاخضرت فأشرف الراهب من صومعته فقال لو نزلت فذكرت الله فازددت خيرا، فنزل ومعه رغيف أو رغيفان فبينما هو في الأرض لقيته امرأة فلم يزل يكلمها وتكلمه حتى غشيها ثم أغمي عليه فنزل الغدير ليستحم فجاء سائل فأومأ إليه أن يأخذ الرغيفين، ثم مات فوزنت عبادة ستين سنة بتلك الزنية فرجحت الزنية بحسناته، ثم وضع الرغيف أو الرغيفان مع حسناته فرجحت حسناته فغفر له)([16])

وانطلاقا من هذا، فقد سعت كل التشريعات المرتبطة بالزواج ـ كما سنرى ـ إلى تيسير الزواج، ورفع كل العقبات الحائلة دونه، حفاظا على حصانة المجتمعات الإسلامية، وحفظها من الفواحش.

وهذا الذي نص عليه الإسلام هو الذي اعترف به عقلاء الغرب، يقول ويل دورانت في كتابه (لذات الفلسفة):(إن الزواج في الوقت المناسب يقضي على نصف الفحشاء والأمراض الخطرة، وحالات العزلة العقيمة، والانحرافات التي ابتُليَت بها الحضارة الحديثة)

ويقول في مكان آخر من كتابه:(إن النمو الجنسي للإنسان يسبق تكامله الاقتصادي، والحد من الرغبات الجنسية في المجتمع الريفي أمرٌ معقول، لكن الحد من هذه الرغبات في المجتمع الصناعي الذي يتأخر فيه سن الزواج إلى ثلاثين عاماً ليس أمراً سهلاً، ولا بد للشهوة أن تعلن عن نفسها، وعند ذلك يكون كف النفس أمراً صعبا.

لذا ننصح طلبة الجامعات المشغولين بالدراسة ولا يستطيعون تحمل الضغوط الجنسية، ويخافون على أنفسهم من الانحراف أن يتزوجوا بعقد شرعي وقانوني على أن يتم الدخول، وتكوين الأسرة بعد انتهاء الطرفين من التحصيل الجامعي، وبهذا الشكل يمكننا صيانة الشباب من الانحراف)

بعد تعرفنا على مراعاة الشرع لهذا المقصد في تشريع الزواج نتساءل عن الحكم المراعاة في هذا المقصد، أو بعبارة أخرى جريئة، على منطق المتحررين:

ما الحاجة إلى الإحصان، مع أن هذا الأمر حرية شخصية، أو هو عملية بيولوجية لا تختلف عن سائر العمليات التي يقوم بها جسم الإنسان؟

ثم لماذا يعتبر العفاف خلقا نبيلا، ولماذا يعتبر الزنى فاحشة ومنكرا؟

والإجابة على هذا تستدعي تفاصيل كثيرة لا محل لها هنا، ولكنا على سبيل الاختصار سنحاول ذكر بعض الأضرار الواقعية عن انتشار الفواحش، لتكون وحدها دليلا على ما دعا إليه الشرع:

التحصين من الأضرار الصحية:

بما أن الخلق متفقون على حرمة هذا الجسد، فإن من الحفاظ على حرمته الابتعاد به عن كل ما قد يستبب في تضرره ومرضه.

وانتشار الفواحش ـ كما يدل عليه الواقع ـ من أهم أسباب الأمراض الخطيرة، فالأمراض الجنسية من أخطر الأمراض وأشدها فتكا بالإنسان خصوصا في هذا العصر، حيث تشير آخر التقارير لمنظمة الصحة العالمية أن الأمراض الجنسية هي أكثر الأمراض انتشارا في العالم، وأنها أهم وأخطر المشاكل الصحية العاجلة التي تواجه دول الغرب، فعدد الإصابات في ارتفاع مستمر في كل الأعمار خصوصا في مرحلة الشباب يقول الدكتور جولد: (لقد حسب أن في كل ثانية يصاب أربعة أشخاص بالأمراض الجنسية في العالم، هذا وفق الإحصائيات المسجلة والتي يقول عنها الدكتور جورج كوس إن الحالات المعلن عنها رسميا لا تتعدي ربع أو عشر العدد الحقيقي)

إن هذه الأمراض تنتشر بين الناس كانتشار النار في الهشيم، ويمكن لشخص واحد يحمل مرضًا واحدا منها أن يحدث وباء في بيئته، وقد أكدت دراسة أجريت في بريطانيا منذ أكثرمن ثلاثين عاما تقريبا هذه الحقيقة حيث تسبب مصاب واحد بنقل عدوي مرضه الجنسي إلي ألف وستمائة وتسعة وثلاثين شخصًا آخرين. فماذا تُحدث الأعداد الهائلة من المصابين بهذه الأمراض وهم بالملايين من أوبئة كاسحة في تلك المجتمعات!

إن الآلام والأمراض والدمار والهلاك الشامل هو النتيجة الطبيعية لانتشار هذه الأمراض، لذلك قامت عدة منظمات عالمية لمواجهة هذه الأخطار الماحقة كمنظمة الصحة العالمية، والاتحاد العالمي لمكافحة الأمراض الجنسية، وانتهي خبراء هذه المنظمات من وضع قرارات وتوصيات وتحذيرات، ومع كل هذا ظلت المشكلة في ازدياد وتعقيد مستمر، سواء في أنواع هذه الأمراض، أو أعداد المصابين بها، بحيث أصبحت أضعافا مضاعفة، فما هو السبب الحقيقي للانتشار المريع لهذه الأمراض إنه سبب بديهي معروف ضجت به الشكوى وبحت به الأصوات، واتخذت له إجراءات لكن بدون جدوى! إنه التحلل الخلقي والإباحية المطلقة في العلاقات الجنسية، إنه انتشار الزنا واللواط وسائر العلاقات الجنسية الشاذة والمحرمة.

يقول الدكتور كنج في كتابه الأمراض الزهرية: إن الآمال التي كانت معقودة علي وسائلنا الطبية الحديثة في القضاء أو علي الأقل الحد من الأمراض الجنسية قد خابت وباءت بالخسران، إن أسباب انتشار هذه الأمراض تكمن في الظروف الاجتماعية وتغير السلوك الإنساني، فقد انتشرت الإباحية انتشار ذريعا في المجتمعات الغربية.

وقد شهد العالم موجات كاسحة من انتشار وباء الزهري علي فترات منذ أن ظهر لأول مرة عام 1494م وقد قضي علي مئات الملايين من الأشخاص في القرون الخمسة الماضية وحطم حياة ملايين أخري منهم، انظروا إلي جرثومته التي لا تري بالعين المجردة إنها جرثومة دقيقة ضعيفة، لكنها قاتلة خطيرة تهاجم جميع أعضاء الجسم، وفي غفلة من الضحية تدمره وتقضي عليه بعد رحلة طويلة من الآلام والأوجاع التي لم يعهدها الناس وقتئذ وما سمعوا بها، وبرغم اكتشاف المضادات الحيوية، فما زال المرض يزداد وينتشر إذ يصاب سنويا حوالي خمسين مليونا من البشر بهذا المرض

ويتصدر مرض السيلان قائمة الأمراض المعدية، فهو أكثر الأمراض الجنسية شيوعا في العالم إذ يتراوح الرقم المثبت في الإحصائيات حوالي مائتين وخمسين مليون مصاب سنويا، وهذا لا يمثل الحقيقة لأن عدد الحالات المبلغ بها والواردة في الإحصائيات تمثل من عشر إلي ربع الرقم الحقيقي.

وبرغم هجوم ميكروب السيلان الدقيق علي جميع أعضاء الجسم وتسببه في الالتهابات والعلل والآلام للمصاب إلا أن أخطر آثاره هو قطع نسل الضحية ؛ لذلك يسمي هذا المرض بالمعقم الأكبر.

بالإضافة إلى هذا فإن أخطر مرض جنسي يكتسح العالم، ويثير فيه الرعب هو مرض نقص المناعة المكتسب [الإيدز]، الذي يعتبر من أكثر الأمراض انتشارا في العالم، فقد بلغ عدد المصابين بعدوى الإيدز حتى نهاية عام 2003م نحو 40 مليون (34-46 مليون) 50% منهم من النساء، وتشير (تقارير منظمة الصحة العالمية WHO) إلى أن ما يزيد عن 95% من الإصابات تتركز في الدول النامية.

وما يزال هذا الوباء آخذ في الانتشار على الصعيد العالمي، إذ أصيب قرابة 5 مليون (4.2 – 5.8 مليون) شخص بعدوى المرض خلال عام 2003م وبلغ عدد الوفيات من المرض في العام نفسه 3 مليون (2.5 مليون – 3.5 مليون) شخص 48 % منهم نساء.

التحصين من الأضرار النفسية:

تصاحب المشكلات الصحية التي يتعرض لها المنحرفون جنسيا مجموعة من المشكلات النفسية والعصابية والتي يأتي على رأسها الهوس والجنون والوسواس المرضي. ويمكن تلخيص أبرز المشكلات النفسية التي يتعرض لها هؤلاء الأشخاص في ما يلي:

  1. تنشأ في نفس المنحرف حالة من الصراع النفسي بين المرغوب والمحظور نتيجة إدراكه التام لكون ممارسته ممارسة غير مقبولة دينيا واجتماعيا وأخلاقيا، فتبعث في نفسه حالة من عدم الاستقرار النفسي.
  2. تؤدي حالة عدم الاستقرار النفسي إلى خلق حالة من الاضطراب فتعطل قدرة الشخص عن اتخاذ القرارات السليمة، مما يعود بالضرر المباشر عليه وعلى المجتمع المحيط.
  3. تنشأ في نفس الشخص حالة من عدم التوازن مما يؤدي إلى حدوث حالة من القلق المستمر.
  4. تتطبع شخصية المنحرف بضعف الثقة بالنفس وبالآخرين، الأمر الذي يعيق عملية الاندماج والتكيف الاجتماعي السليم.
  5. تؤدي حالة انعدام الثقة في النفس وفي الآخرين إلى ظهور وتعزز الغيرة المرضية التي تنعكس سلبا على قدرة المنحرف على إقامة علاقة زوجية طبيعية، وكذلك هو الحال بالنسبة للعلاقات الاجتماعية الأخرى.
  6. من بين الأمراض النفسية التي تظهر على المنحرف الوسواس المرضي والخوف المستمر وغيرها من الحالات التي تعتبر مظهرا من مظاهر عدم الاستقرار أو الاختلال النفسي.

التحصين من الأضرار الاجتماعية:

كما هو واضح من الأضرار النفسية الآنفة الذكر، نلاحظ أن الشخص المنحرف ونتيجة حالة عدم الاستقرار النفسي وما ينتج عن هذه الحالة من آثار ومضاعفات، يكون عاجزا عن العيش بصورة طبيعية في محيطه الاجتماعي.

لهذا نرى المنحرفين في الغالب يشكلون تجمعات وتكتلات تعاني من حالة الإقصاء من قبل المحيط الاجتماعي. وتبعث حالة الإقصاء هذه في الغالب على الاستمرار في حالة الانحراف انتقاما من المجتمع، ما يزيد من حالة عدم القبول أو الرفض الاجتماعي لهذه الفئة.. وهكذا تدور الحلقة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المجتمع الإنساني يخسر كنتيجة لهذه الممارسات المنحرفة طاقات بشرية في الغالب تكون طاقات شابة بمعنى أنها في أوج قدرتها على البذل والعطاء، في الوقت الذي يحتاج فيه المجتمع إلى كل جزء من جزئيات هذه الطاقة.

ومن مظاهر الضرر الاجتماعي انعدام الأمن الاجتماعي التي تكون متبوعة بحالة من انعدام الثقة في المحيط الاجتماعي بشكل عام، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على حالة الاستقرار في المجتمع ليؤدي بذلك إلى حالة من التفكك الاجتماعي، وخلق حالة من العزلة رغم وجود المظهر الاجتماعي على السطح.

أي أنه يجب أن ندرك بأن سلوك المنحرف لا ينعكس سلبا عليه فقط أو على المجموعة التي يمارس انحرافه معها أو من خلالها، وإنما يكون المجتمع بأكمله بصالحه وفاسده عرضة للتأثر بسلبيات هذا الانحراف. ومن هنا تبرز أهمية النهوض والمبادرة لعلاج مثل هذه الانحرافات السلوكية لحفظ حالة الطهر الاجتماعي، وللحفاظ على الروابط الاجتماعية التي تعتبر المحرك الرئيسي لعجلة التنمية الاجتماعية.

تحصين العلاقة بالله:

وربما لا يفهم هذا المقصد العظيم إلا المؤمنون العارفون بالله، فهم أعلم الناس بأن سعادة الإنسان الحقيقية تتوقف على مدى صلته بالله.

وانتشار الفواحش من أعظم الحجب التي تحول بين الروح وبين التطلع لله، لأنها تجعل صاحبها كالبهيمة لا هم له إلا إرضاء نزواته.

وقد أشار الغزالي إلى هذه الحكمة بقوله:(إن الشهوة إذا غلبت ولم يقاومها قوّة التقوى جرّت إلى اقتحام الفواحش، وإليه أشار بقوله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تعالى:{ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} (الأنفال:73)، وإن كان ملجماً بلجام التقوى فغايته أن يكف الجوارح عن إجابة الشهوة، فيغض البصر ويحفظ الفرج، فأما حفظ القلب عن الوسواس والفكر فلا يدخل تحت اختياره)([17])

ويحكي في ذلك عن بعض الصالحين أنه كان يكثر من الزواج حتى لا يكاد يخلو من اثنين وثلاث، فأنكر عليه بعضهم، فقال: هل يعرف أحد منكم أنه جلس بـين يدي الله تعالى جلسة أو وقف بـين يديه موقفاً في معاملة فخطر على قلبه خاطر شهوة، فقالوا: يصيبنا من ذلك كثيراً، فقال: لو رضيت في عمري كله بمثل حالكم في وقت واحد لما تزوجت، لكني ما خطر على قلبـي خاطر يشغلني عن حالي إلا نفذته فأستريح وأرجع إلى شغلي، ومنذ أربعين سنة ما خطر على قلبـي معصية([18]).

ولهذا كان من العلل التي حرم الزنا لأجلها ـ زيادة على آثاره الاجتماعية ـ حيلولته بين الإنسان والوظائف التي أنيطت به، وهي تعرفه على الله وعبادته، ولهذا قرن القرآن الكريم بين الشرك والزنا، فقال تعالى:{ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً } (الفرقان:68)

ولهذا أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الزنا نوع من أنواع الكفر أو مظهر من مظاهره، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)([19])، زاد النسائي:(فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه فإن تاب تاب الله عليه)

وصور ذلك حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا زنى الرجل أخرج منه الإيمان وكان عليه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الإيمان)([20])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه)([21]) وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان فإن تاب رد عليه)([22])

وفي حديث آخر يخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن ترفع المؤمن عن ذلك، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني وهو مؤمن، الإيمان أكرم على الله من ذلك)([23])

ولهذا وصف الله تعالى المؤمنين بالعفاف في آيات كثيرة مما يدل على أنه سمة من سمة الفرد المسلم كما أن توفير أسباب العفاف سمة من سمات المجتمع المسلم، ومنها قوله تعالى:{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُون}(المؤمنون: 1ـ 7)، ولما أنزلت هذه الآيات على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ هذه الآيات.

ومثلها ما ورد في صفات المؤمنين في قوله تعالى:{ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} (المعارج:19)إلى قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(29)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(30)فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ}(المعارج: 29 ـ 31)

وقد ذكر الله تعالى نماذج العفاف لتكون قدوة للمؤمنين، وذكر نتائج ذلك العفاف، فذكر عن مريم ـ عليها السلام ـ قوله تعالى:{ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِين}(التحريم:12)

وذكر من الرجال يوسف u، فقصته في القرآن الكريم نموذج عن العفاف الإيماني، وعرضها بتلك الصورة، وبذلك التعبير القرآني كانت من أكبر أسباب تربية المؤمنين على هذا الخلق العظيم، يقول ابن القيم :(وقد ذكر الله تعالى عن يوسف الصديق من العفاف أعظم ما يكون، فإن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره، فإنه كان شابا، والشباب مركب الشهوة، وكان عزبا ليس عنده ما يعوضه، وكان غريبا عن أهله ووطنه والمقيم بين أهله وأصحابه يستحي منهم أن يعلموا به فيسقط من عيونهم، فإذا تغرب زال هذا المانع، وكان في صورة المملوك والعبد لا يأنف مما يأنف منه الحر، وكانت المرأة ذات منصب وجمال والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليس كذلك، وكانت هي المطالبة فيزول بذلك كلفة تعرض الرجل وطلبه وخوفه من عدم الإجابة، وزادت مع الطلب الرغبة التامة والمراودة التي يزول معها ظن الامتحان والاختبار لتعلم عفافه من فجوره، وكانت في محل سلطانها وبيتها بحيث تعرف وقت الإمكان ومكانه الذي لا تناله العيون، وزادت مع ذلك تغليق الأبواب لتأمن هجوم الداخل على بغتة، وأتته بالرغبة والرهبة ومع هذا كله فعف لله ولم يطعها)([24])

المقصد الثاني ـ صيانة المرأة

لقد وضع الإسلام ـ خلافا للكثير من الجاهليات ـ المرأة في مكانها الطبيعي في كيان الأسرة، المكان الذي يتفق مع المبدأ العام الذي قرره في قوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (النساء:1)، ليرفع مستوى المشاعر الإنسانية في الحياة الزوجية من المستوى الحيواني الهابط إلى المستوى الإنساني الرفيع، ويظللها بظلال الاحترام والمودة والتعاطف والتجمل؛ وليوثق الروابط والوشائج، فلا تنقطع عند الصدمة الأولى، وعند الانفعال الأول([25]).

ويدل على هذا أن تشريعات الإسلام في هذا الجانب راعت حق الزوجين إلا أنها كانت أكثر اهتماما ورعاية لحق المرأة باعتبارها الجانب الذي يمكن أن يستغل، أو تهضم حقوقه، وسنرى في تفاصيل أجزاء هذه السلسلة الكثير مما يبرهن على هذا، ولكنا ـ هنا سنسوق باختصار ـ بعض المظاهر التشريعية لصيانة الإسلام للمرأة، لنترك التفاصيل في محالها المختلفة:

  1. حرم الإسلام وراثة المرأة كما كان الشأن في الجاهلية، كما حرم العضل الذي يتخذ أداة للإضرار بها، وفي مقابل ذلك أعطى المأة الحرية الكاملة في اختيار من تعاشره ابتداء أو استئنافا. بكرا أم ثيبا مطلقة أو متوفى عنها زوجها، وقد نص الله تعالى على هذه الحقوق جميعا في قوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}(النساء:19)
  2. اعتبرت الشريعة الإسلامية الزوجة سكنا لزوجها، وأن العلاقة بينهما هي علاقة المودة والرحمة، قال تعالى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون}(الروم:21)
  3. اعتبر الشرع قيام المرأة بحقوق الزوجية جهاداً في سبيل الله، فقد جاءت امرأة النبي r فقالت: يا رسول الله، إني رسول النساء إليك، وما منهن امرأة – علمت أو لم تعلم – إلا وهي تهوى مخرجي إليك. ثم عرضت قضيتها فقالت: الله رب الرجال والنساء وإلههن، وأنت رسول الله إلى الرجال والنساء، كتب الله الجهاد على الرجال، فإن أصابوا أجروا وان استشهدوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، فما يعدل ذلك من أعمالهم من الطاعة؟ قال :(طاعة أزواجهن والقيام بحقوقهم، وقليل منكن من يفعله)([26]).
  4. فرضت الشريعة على الرجل توفير جميع أنوع النفقة لزوجته، قال صلى الله عليه وآله وسلم في بيان حقوق النساء :(ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)([27])، والمعروف هو ما يتعارف عليه أهل الدين والفضل من الناس بلا إسراف ولا تقتر، وقال تعالى:{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}(الطلاق:7)
  5. فرض على الرجل معاشرة زوجته بالمعروف فقال تعالى:{ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } (النساء:19)، وهو حق يتضمن إحسان العاملة في كل علاقة بين المرء وزوجه، من حسن الخلق، ولين الجانب، وطيب الكلام، وبشاشة الوجه، وتطييب نفسها بالممازحة والترفيه عنها.
  6. أكدت الشريعة حق المرأة في الدفاع عن نفسها في حال شقاقها مع زوجها، وعرض الخلاف على محكمة مختصة، قال تعالى:{ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} (النساء:35)
  7. أكد الإسلام حق المرأة أماً، وجعل حقها مضاعفاً بالنسبة لحق الأب، وقرن الله تعالى عبادته بالإحسان إلى الوالدين، قال تعالى:{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} (الاسراء:23)، وقال تعالى:{ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} (الاسراء:24)، بل ورد في الحديث عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: يا رسول الله، من أبر؟ قال:(أمك)قال: ثم من؟ قال:(أمك)، قال قلت: ثم من؟ قال:(أمك)قال: ثم من؟ قال:(أباك)، وعن معاوية بن جاهمة أنه جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك؟ فقال:(هل لك أم؟)قال: نعم، قال:(فالزمها فإن الجنة تحت رجليها)
  8. أعطى الإسلام المرأة حقها في التملك، وحقها في التصرف فيما تملكه دون ولاية، ولا وصاية، وأعطاها حقها في اختيار زوجها، كما أعطاها حقها على أهلها من حيث التربية، والحفاظ عليها، والعدل في العطية بالنسبة لعطايا والديها مع إخوانها، وحقها في الميراث، وحقها على زوجها من حيث النفقة بالمعروف، والمعاملة الحسنة، والتعاون معها في شؤون البيت، والعدل في القسم، والنفقة في حال التعدد.

المقصد الثالث ـ بناء الأسرة

وهذا المقصد من أهم المقاصد الشرعية من الزواج، ولذلك اعتبرت الشريعة الأولاد أهم ثمرة من ثمرات الزواج، يقول الغزالي عند ذكر هذا المقصد من مقاصد الزواج:(الولد، وهو الأصل وله وضع النكاح، والمقصود إبقاء النسل وأن لا يخلو العالم عن جنس الإنس، وإنما الشهوة خلقت باعثة مستحثة كالموكل بالفحل في إخراج البذر، وبالأنثى في التمكين من الحرث تلطفاً بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع، كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة. وكانت القدرة الأزلية غير قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداء من غير حراثة وازدواج، ولكن الحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها إظهاراً للقدرة وإتماماً لعجائب الصنعة وتحقيقاً لما سبقت به المشيئة وحقت به الكلمة وجرى به القلم)

وقد وردت النصوص الكثيرة تحث على طلب البلد، وتبين أن ذلك لا يتناقض مع الصلاح كما يدعي بعض المغالين، فقد قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل u:{ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} (الشعراء: 84)، وقال عن زكريا u:{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء}(آل عمران:38)وقال عن عباد الرحمن:{ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ }(الفرقان:74)

وقد ذكر الغزالي وجوه ترغيب الشارع في تحصيل هذا المقصد من الزواج، مما يدل على شدة مراعاة الشارع لهذا المقصد، فقال :(وفي التوصل إلى الولد قربة من أربعة أوجه هي الأصل في الترغيب فيه عند الأمن من غوائل الشهوة حتى لم يحب أحدهم أن يلقى الله عزباً)

وسنذكر هنا هذه الوجوه الأربعة، والتي تجعل من تكوين الأسرة في النظرة الإسلامية لا يقل عن أي عمل عبادي:

الوجه الأول: موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان، وذلك بالتوافق مع قانون الحكمة الذي يسير الله به الكون، فالله تعالى خلق الزوجين، وأدودع فيهما ما يشير إلى حكمته من خلقة، يقول الغزالي :(فهذه الأفعال والآلات تشهد بلسان ذلق في الإعراب عن مراد خالقها وتنادي أرباب الألباب بتعريف ما أعدت له، هذا إن لم يصرح به الخالق تعالى على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمراد حيث قال:(تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا)([28])، فكيف وقد صرح بالأمر وباح بالسر؟ فكل ممتنع عن النكاح معرض عن الحراثة مضيع للبذر معطل لما خلق الله من الآلات المعدة وجان على مقصود الفطرة والحكمة المفهومة من شواهد الخلقة المكتوبة على هذه الأعضاء بخط إلهي يقرؤه كل من له بصيرة ربانية نافذة في إدراك دقائق الحكمة الأزلية)([29])

الوجه الثاني: السعي في محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورضاه، وذلك بتكثير ما به مباهاته، فقد صرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، ففي الحديث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (.. أما علمتم إني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط، يظل محبنطئاً على باب الجنة، فيقول الله عزّ وجل: أدخل، فيقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي قبلي، فيقول الله تبارك وتعالى لملك من الملائكة: ائتني بأبويه، فيأمر بهما إلى الجنة، فيقول: هذا بفضل رحمتي لك)([30])

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (تناكحوا تناسلوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط)([31])

ومن النصوص العظيمة المرغبة في هذا ما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم القيامة نودي في أطفال المؤمنين والمسلمين: أن اخرجوا من قبوركم فيخرجون من قبورهم، ثمّ ينادى فيهم: أن امضوا إلى الجنّة زمراً، فيقولون: ربّنا ووالدينا معنا؟.. ثم ينادي فيهم ثانية: أن امضوا إلى الجنّة زمراً، فيقولون: ربنّا ووالدينا معنا؟.. فيقول في الثالثة: ووالديكم معكم، فيثب كلّ طفلٍ إلى أبويه، فيأخذون بأيديهم فيدخلون بهم الجنّة، فهم أعرف بآبائهم وأمّهاتهم يومئذٍ من أولادكم الّذين في بيوتكم)([32])

الوجه الثالث: أن يبقى بعده ولداً صالحاً يدعو له، كما ورد في الخبر أن جميع عمل ابن آدم منقطع إلا ثلاثاً فذكر الولد الصالح، وهذا الوجه يستدعي بذل الجهد للتنشئة الصالحة للأولاد، قال الغزالي :(وقول القائل: إنّ الولد ربما لم يكن صالحاً لا يؤثر فإنه مؤمن، والصلاح هو الغالب على أولاد ذوي الدين لا سيما إذا عزم على تربـيته وحمله على الصلاح)([33])

ومع ذلك، فإن الدعاء مستجاب منهم ولو لم يكونوا صالحين، قال الغزالي:(وبالجملة دعاء المؤمن لأبويه مفيد براً كان أو فاجراً، فهو مثاب على دعواته وحسناته فإنه من كسبه وغير مؤاخذ بسيئاته، فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى، ولذلك قال تعالى:{ أَلحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَمَا ألَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} أي ما نقصناهم من أعمالهم، وجعلنا أولادهم مزيداً في إحسانهم)([34])

الوجه الرابع: أن يموت الولد قبله فيكون له شفيعاً، وقد وردت النصوص الكثيرة المبينة للأجر المعد لذلك، ففي الحديث أن رجلا كان يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ابن له، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم :(أتحبه؟ فقال: يا رسول الله، أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما فعل ابن فلان؟ قالوا: يا رسول الله مات، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبيه: أما تحب أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك عليه، فقال رجل: أله خاصة يا رسول الله أو لكلنا قال: بل لكلكم([35]).

وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للنساء: (ما منكن امرأة يموت لها ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار) فقالت امرأة: واثنان فقال: واثنان([36]).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم :(ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث فتمسه النار إلا تحلة القسم)([37])

ويروي الغزالي في ذلك أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج فيأبى برهة من دهره، قال فانتبه من نومه ذات يوم وقال: زوّجوني زوجوني، فزوّجوه، فسئل عن ذلك فقال: لعل الله يرزقني ولداً ويقبضه فيكون لي مقدمة في الآخرة، ثم قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت وكأني في جملة الخلائق في الموقف، وبـي من العطش ما كاد أن يقطع عنقي، وكذا الخلائق في شدة العطش والكرب، فنحن كذلك إذ ولدان يتخللون الجمع، عليهم مناديل من نور، وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب، وهم يسقون الواحد بعد الواحد، يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر الناس، فمددت يدي إلى أحدهم وقلت: اسقني فقد أجهدني العطش، فقال: ليس لك فينا ولد، إنما نسقي آباءنا، فقلت: ومن أنتم؟ فقالوا: نحن من مات من أطفال المسلمين.

وبناء على هذه المقاصد الكثيرة المرتبطة بفضل كثرة الولد، فإن الدعوة الغربية إلى تحديد النسل لا تتناسب مع المقاصد الشرعية، ولا يصح أن يتأثر المسلمون بها كما حصل في بعض البلاد الإسلامية.

ولكن مع ذلك، لا يصح أن ننكر أن هناك ظروفا قد تحتم على المسلمين اللجوء إلى تنظيم النسل لتحقيق بعض المصالح الشرعية، وسنتحدث عن ذلك بتفصيل في الجزء المرتبط بـ [حقوق الأولاد النفسية والصحية]، وسنكتفي هنا بإيراد بعض الأدلة على مشروعية التنظيم رعاية للمصالح الشرعية، وقد ذكر هذه الأدلة د. حبيب الله طاهري، في دراسة قيمة له بعنوان [تحديد النسل في الشريعة الإسلامية – قراءة فقهيّة وحقوقيّة]([38])

فمما ورد فيها قوله بعد إيراد بعض النصوص الدالة على استحتاب كثرة الولد: (ما يُستفاد من الأدلّة المذكورة بنحوٍ قطعيّ رجحان التكاثر ومطلوبيته واستحبابه، أما وجوب أو حرمة تحديد النسل فلا.. نعم، الولد زينةٌ لأبويه، ومبعث فخرهم وشوكتهم واقتدارهم، وهو بالتأكيد مطلوبٌ للشرع الأقدس، لكن الكلام في أن محبوبيّة تحديد النسل ليست مطلقةً وقاعدةً عامة ودائمية في تمام الظروف، بل من الممكن أن يُقيّد هذا الحكم في بعض الظروف، فيقع تحديد النسل ممدوحاً ومطلوباً للشارع بدلاً من التكاثر)

ثم ساق بعض الأدلة نختصرها فيما يلي:

  1. هذه الأدلّة لا تُثبت رجحان التكاثر على نحو القضيّة الحقيقية، وبصفته قانوناً عامّاً، جارياً في الأزمنة والأمكنة والظروف كافّة، بل هي من قبيل القضايا الخارجية الناظرة إلى زمانٍ خاصّ، كزمان صدر الإسلام، حيث كان المسلمون أقليّةً وكانت كثرة الوُلد عندهم مصدر فخرهم واقتدارهم.
  2. في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان النموّ السكّاني في العالم أجمع، وفي البقاع الإسلامية خاصّة، في غاية الضعف، ولم تكن مشقّات المعيشة واحتياجاتها على ما هي عليه اليوم؛ ولهذا السبب كان الترغيب بالزيادة السكّانية إلى أقصى الدرجات للمسلمين والتزوّد بالقدرة إزاء القدرات الأخرى أمراً طبيعياً.
  3. في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت نسبة الموت والوفيّات مرتفعة جداً؛ لهذا كانت العوائل مضطرّةً لأن تُنجب أولاداً كثيرين، حتى يبقى قلّةٌ منهم أحياءً، بينما في العصر الراهن، وبسبب تقدّم العلم وحؤوله دون وقوع الكثير من الأمراض، قلّت نسبة الوفيات الواسعة النطاق.
  4. اختلاف الظروف الاقتصادية والمتطلّبات العائلية والاجتماعية في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعصرنا، وهو يشمل: المأكل، والملبس، والمسكن، والقدرات التعليمية، والترفيه والتسلية، ووسائل النقل العام، والصحّة والعلاج، والضمان، ومياه الشفة، والكهرباء وأموراً أخرى كثيرة متعلّقة بالرفاهية، ونحن اليوم ـ شئنا أم أبينا ـ نقف أمام هذا الواقع، ولزامٌ علينا أن نسعى في تأمين مستلزماته.
  5. ليس تحديد النسل تشكيكاً في رازقية الله تعالى؛ إذ ليس معنى رازقيته أن لا يَقدِّر البشرُ معيشتهم بإعمال العقل وحسبان النفقات والمداخيل؛ ففي البلاد الفقيرة والرجعية يُعاني كثيرٌ من الناس ـ والأطفال على وجه الخصوص ـ من سوء التغذية، أو يموتون جوعاً، بيد أن الله رازقَهم موجود أيضاً؛ وذلك لأن رازقيته ليست جبريّةً وعلى خلاف إرادة البشر واختيارهم، وعليه، فحتى مع تحديد النسل يظلّ الله رازقاً أيضاً، فالله نفسه قد أمر بالسعي والجهد لجلب الرزق ونهي بشدّة عن الكسل، لقد أمر بالاعتدال في الإنفاق ونهي عن الإفراط والتفريط فيه.
  6. أن ننسب طرح مسألة تحديد السكّان في البلاد الإسلامية إلى الاستعمار الأجنبي، وعملائه في الداخل عملٌ سهل، ويمكن الاستشهاد عليه بالقلق الذي أبدوه في كتبهم ومجلاتهم من الازدياد السكّاني للمسلمين، ونحن أيضاً لسنا ننكر أنه متى ما تسنّى للمستعمرين إيقاع الأذى لفعلوه، إلاّ أنّ المطلوب دراسة تحديد النسل وتحليله من خلال سابقته التاريخية في العالم عامّة وفي دنيا الغرب خاصة، الذي سرى منه إلى العالم الإسلامي، لا أن نعتبره مجرّد مسألة استعمارية.
  7. صحيحٌ أنه كلّما كان المسلمون أكثر سوف يشتدّ الخطر على الاستكبار، لكن ليس كلّ كثرةٍ كمّية وكلّ زيادة سكانية، بل الكمّية المصحوبة بالكيفية، وفي معظم الأحيان لا تتوفر الكيفية مع الكثرة المفرطة، بل ما أكثر ما تكون الكثرة المفطرة والفاقدة للقدرات المطلوبة سبباً لتبعية المجتمع للاستعمار، كما يشاهد في بعض الدول.

([1])  المبسوط:4/192.

([2])  الإحياء: 2/24.

([3])  الإحصان في اللغة هو التمنع؛ ومنه الحصن لأنه يمتنع فيه؛ ومنه قوله تعالى 🙂 وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (الانبياء:80)،  أي لتمنعكم؛ ومنه الحصان للفرس لأنه يمنع صاحبه من الهلاك. والحصان (بفتح الحاء): المرأة العفيفة لمنعها نفسها من الهلاك. وحصنت المرأة تحصن فهي حصان؛ مثل جبنت فهي جبان.

([4])  مسلم: 2/1018، البخاري: 2/673، ابن حبان: 9/335، الدارمي: 2/177، البيهقي: 4/296، أبو داود: 2/219، النسائي: 2/95.

([5])  قال الترمذي:هذا حديث حسن، انظر: الترمذي: 4/184، البيهقي: 7/78، النسائي: 3/194.

([6])  في ظلال القرآن: 4/2515.

([7])  في ظلال القرآن: 4/2515.

([8])  في ظلال القرآن: 4/2515.

([9])  رواه الترمذي وقال حسن غريب، الترمذي: 3/394.

([10])  أحمد والطبراني واللفظ له.

([11])  الطبراني.

([12])  البخاري.

([13])  الشيخان في التفسير والأدب والتوحيد والديات والمحاربين، ومسلم في الإيمان وأحمد والترمذي والنسائي.

([14])  مسلم وأحمد والنسائي.

([15])  الطبراني.

([16])  ابن حبان في صحيحه.

([17])  الإحياء: 2/28.

([18])  الإحياء: 2/28.

([19])  الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.

([20])  أبو داود واللفظ له والترمذي والبيهقي.

([21])  الحاكم.

([22])  البيهقي.

([23])  البزار.

([24])   روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 318)

([25])  في ظلال القرآن: 1/604.

([26])  رواه الطبراني وفيه رشدين كريب وهو ضعيف، انظر: مجمع الزوائد: 4/306.

([27])  مسلم:2/889، ابن خزيمة:4/251، ابن حبان: 4/311، الدارمي:2/69، البيهقي:5/8، أبو داود: 2/185، النسائي:2/421، ابن ماجة: 2/1025، أحمد: 5/72.

([28])  قال في كشف الخفاء: رواه عبدالرزاق والبيهقي عن سعيد بن أبي هلال مرسلا بلفظ :« تناكحوا  تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة» كشف الخفاء: 1/380.

([29])  الإحياء: 2/25.

([30])   الكافي: ج5 ص334 ح1..

([31])   جامع الأخبار: ص101 الفصل 58 في التزويج..

([32])   مسكن الفؤاد ص118.

([33])  الإحياء: 2/26.

([34])  الإحياء: 2/26.

([35])  أحمد: 3/436، قال ابن حجر: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد: 3/10.

([36])  مسلم: 4/2028، البيهقي: 4/67، النسائي: 3/451 أحمد: 1/421، مسند أبي يعلى: 9/18.

([37])  البخاري: 1/421، الحاكم: 4/163.

([38])   مجلة نصوص معاصرة.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *