الفصل الثاني: العلاقة بين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والطرق الصوفية

الفصل الثاني

العلاقة بين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والطرق الصوفية

لقد تبين لنا مما سبق أن من الأهداف الكبرى التي تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لأجلها مواجهة الطرق الصوفية، بل محاربتها، واستئصالها، بل تقديم استئصالها على استئصال الاستعمار نفسها، باعتبارها أخطر تأثيرا منه.

ولكن هذا الهدف مع وضوحه وشهرته لا يمكن أن نستنبط منه العداء المطلق للطرق الصوفية من ناحيتين:

الناحية الرسمية: ذلك أنه حصل بين الجمعية والطرق الصوفية –كما عرفنا سابقا- نوع من الوفاق بينهما عند أول تأسيس الجمعية، وبسببه تأسست الجمعية، وانتشر صيتها، ثم حصل بعد ذلك، وبعد سنة واحدة الانقلاب، ولسنا ندري من المنقلب، ومن المنقلب عليه، وهذا يحوجنا إلى التحقيق التاريخي في ذلك بالإضافة إلى التحقيق في النتائج التي ترتبت على ذلك الفصام، والأسباب التي دعت إليه.

الناحية الشخصية: ذلك أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ضمت أعضاء مختلفي المشارب، وقد جعلهم ذلك يختلفون في سلوكهم مع الطرق الصوفية بين معتدل ومتشدد، بل ومتسامح، وقد عبرنا عنه بكونه شخصيا لأنا رأينا أعضاء الجمعية يختلفون كثيرا في سلوكاتهم ومواقفهم من الطرق الصوفية، وهذا ما جعلنا نبحث عن تصنيف المواقف، ثم تصنيف أعضاء الجمعية على أساسها.

ونحب أن ننبه هنا إلى أن البحث في كلا الأمرين يعتمد على التاريخ أكثر من اعتماده على تحليل الأفكار ودراستها باعتبار أنا سنخص الباب التالي لهذا الباب لدراسة التوجهات الفكرية وأثرها في التعامل بين الجمعية والطرق الصوفية.

بناء على هذا، فقد قسمنا هذا الفصل إلى مبحثين:

المبحث الأول: العلاقة الرسمية بين جمعية العلماء والطرق الصوفية

المبحث الثاني: العلاقة الشخصية بين جمعية العلماء والطرق الصوفية

المبحث الأول: العلاقة الرسمية بين جمعية العلماء والطرق الصوفية

على الرغم من أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أعلنت قبل تأسيسها وبعده معاداتها للطرق الصوفية، بل حربها لها، بل تقديمها لحربها لها على حرب الاستعمار نفسه – كما يذكر الإبراهيمي – ويعلله بأن استعمار الطرق أخطر([1])، ومع ذلك فقد رأينا في الفصل السابق أن الجمعية ضمت في أول تأسيسها كثيرا من رجال الطرق الصوفية، فما سر ذلك؟

وما سر ذلك الشقاق الذي دب إلى الجمعية بعد أول سنة من تأسيسها؟

وهل كانت الطرق الصوفية تريد أن تستلب الجمعية من رجالها لتحولها إلى مؤسسة لتسويق البدع والدعوة لها – كما يرى رجال الجمعية والموالون لهم-؟

أم أن الأمر على عكس ذلك، وهو أن رجال الجمعية استخدموا رجال الطرق الصوفية واحتالوا عليهم ليصلوا بهم إلى أغراضهم، ثم يطردوهم بعد ذلك شر طردة، ـ كما يرى رجال الطرق الصوفية، والموالون لهم؟

ثم ما كان نتائج ذلك الفصام النكد الذي حصل بين الجمعية والطرق الصوفية؟ وما أسبابه؟ وهل كانت هناك محاولات لرأب الصدع، أم الأمر بقي كما هو؟

هذه أسئلة كثيرة تفرض نفسها، ولا يمكننا أن نعرف العلاقة الرسمية بين الجمعية والطرق الصوفية دون الإجابة عليها.

وقد حاولنا ذلك عبر ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: مرحلة التوافق وأسبابها

المطلب الثاني: مرحلة الاختلاف وأسبابها

المطلب الثالث: نتائج الاختلاف

المطلب الأول: مرحلة التوافق وأسبابها:

ربما يكون تعبيرنا عن الفترة القصيرة التي سادت فيها بعض الألفة المحتشمة بين الجمعية والطرق الصوفية بكونها (مرحلة) نوعا من المجاز، أو نوعا من التجني على الحقيقة، فلم يحمل أعضاء الجمعية وخصوصا المتشددون منهم – كما سنرى- في أي يوم من الأيام أي نية صادقة للتوافق مع الطرق الصوفية، وكيف يفعلون ذلك، وهم يعتبرونها شرا محضا، في نفس الوقت الذي يعتبرون فيه أنفسهم خيرا وصلاحا وإصلاحا محضا، ولا يمكن للخير والشر أن يتوافقا أبدا.

ومع ذلك فقد حصل نوع من التوافق المصلحي للجانبين، فقد كانت الجمعية بحاجة إلى الطرق لتعبر من خلالها إلى السلطات من جهة، وإلى كثير من أفراد المجتمع المتشبث بالطرق الصوفية من جهة أخرى.

وفي نفس الوقت كانت الطرق الصوفية بحاجة إلى هذا التوافق لتكف تلك الحرب التي أعلنت عليها منذ دخول ما يسمونهم بـ (الوهابية) أو (العبداوية)([2]) إلى الأرض التي كانت خالصة لهم في فترات تاريخية كثيرة.

بناء على هذا نحاول في هذا المطلب أن نتعرف على تلك الفترة القصيرة التي ساد فيها هذا التوافق المحتشم، ثم نتعرف على أسبابه وخلفياته الفكرية والتاريخية.

أولا ــ بداية التوافق ومدته:

في سنة 1925، وبعد أن أدرك ابن باديس صعوبة تأسيس ما كان يصبو إليه من إصلاح من خلال النخبة القليلة التي كانت تشاركه آراءه وتوجهاته الإصلاحية من العلماء الأحرار الذين تخرجوا في المدارس والمعاهد الحرة، ومن الجامعات الإسلامية في وقتها مثل الزيتونة، والأزهر، والقرويين أو درسوا بالحجاز.

ورأى أن جمعا كبير من العلماء لا يتوافق معه في هذا السبيل، أو لا يفكر معه هذا التفكير، وهم إما من الذين تتلمذوا في المدارس الرسمية الحكومية التي تكون وتخرج الموظفين في القضاء والإفتاء والإمامة، والذين كان جلهم يظهرون ولاءً كبيرًا وطاعة عمياء لإدارة الاحتلال.

أو من الذين تتلمذوا في مدرسة الزوايا التي تخرج شيوخاً يعلمون بالزوايا، ويتفرغون لخدماتها، مع جمود على طرائقها وحالتها، التي هي عليها منذ أمد بعيد([3]).

بعد أن رأى هذا وأدرك صعوبة تحقيق ذلك الغرض الإصلاحي الذي يصبو إليه مع نفر قليل من المصلحين تخلى عن بعض الحدة التي كان يخاطب بها المخالفين له خصوصا من رجال الطرق الصوفية، ونشر– عبر جريدة الشهاب- نداء إلى العلماء الراغبين في الإصلاح من كل الجهات والتوجهات يقول فيه:: (أيها السادة الأدباء المؤيدين للإصلاح، المتواجدين في مناطق متفرقة مختلفة في الجزائر، هلموا، اتّحدوا وتعاونوا، وأسسوا حزبا وثيقا (حزب ديني محض)، من أجل تنقية الدين من الشوائب والبدع التي لحقت به من السذج والجاهلين، وذلك بالرجوع إلى المصادر القرآنية، وأحاديث الرسول، وتقاليد القرون الثلاثة الأولى، نحن نتمنى أن يقبل كل شخص هذا الاقتراح، وأن يلبي نداء العلماء ومؤيدي الإصلاح الذين يؤيدون هذه الصحيفة، وأن يغادروا أفكارهم القديمة، وإذا حصلنا على شهادة استحسان وقبول من عدد كاف، سنشرع في تكوين الحزب، والله الموفق)([4])

وهذا النداء من خلال عباراته لا يدل على اختصاص الإصلاحيين به، فالطرقيون – كما سنرى عند الحديث عن توجههم الفكري- ينكرون البدع ويحاربونها على حسب تصورهم لحقيقتها، ومثلهم الإباضيون، وغيرهم، فالكل يتفق على إنكار البدع، ويحمل في نفس الوقت تصوره الخاص بها، فلذلك لقي هذا النداء قبولا من الجميع.

وبعد أن نضج ذلك التوافق، قرر ابن باديس ومن معه ممن يحمل فكره وتوجهه إنشاء هذا الحزب الديني الإصلاحي، وقد أعلن ذلك في مارس1931 م حيث خرجت الشهاب ببيان تضمن دعوة عامة إلى تكوين جمعية العلماء، ويصرح الإبراهيمي بأنها كانت دعوة عامة لجميع العلماء الجزائريين بمختلف مذاهبهم وتوجهاتهم، فيقول: (دعونا فقهاء الوطن كلهم، وكانت الدعوة التي وجهناها إليهم صادرة باسم الأمة كلها ليس فيها اسمي ولا اسم بن باديس، لأن أولئك الفقهاء كانوا يخافوننا لما سبق من الحملات الصادقة على جمودهم، ووصفنا إياهم بأنهم بلاء على الأمة، وعلى الدين لسكوتهم على المنكرات الدينية، وبأنهم مطايا الاستعمار، يذل الأمة ويستعبدها باسمهم)([5])

فالإبراهيمي يصرح هنا بأن عبارات النداء كانت عامة تشمل الجميع، وذكر في نفس الوقت أنه والشيخ ابن باديس كانا يقصدان ذلك بدليل أنهما لم يذكرا اسميهما في النداء، مخافة أن لا يلبي الدعوة الكثير من الجهات.

وإلى هنا فإن القصد – كما هو ظاهر – نبيل، واللغة التي عبر بها عن المقصد كانت واضحة غاية الوضوح، ولذا نجحت في أن تجذب إليها أكبر كم من العلماء بمختلف مذاهبهم ومشاربهم، من (مالكيين وإباضيين، ومصلحين وطرقيين، وموظفين وغير موظفين، كما حضر الاجتماع طلبة العلم من مختلف جهات الوطن)

ولم يكن ذلك من أثر تلك النداءات الموجهة عبر الشهاب فقط، بل كانت هناك مراسلات خاصة شملت أغلب العلماء ورجال الدين الذين كانوا من خريجي المعاهد العليا، أو أن يكونوا من المشهود لهم بالعلم أو من الذين يتبوؤون مركزا دينيا مهما بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الطرقية أو الإصلاحية([6]).

وقد وصف الشيخ الإبراهيمي نجاحه مع رفيقه ابن باديس في هذه المهمة، فقال: (فاستجابوا جميعًا للدعوة واجتمعوا في يومها المقررـ ودام اجتماعنا في نادي الترقي بالجزائر أربعة أيام)([7])

بل فوق ذلك يذكر الإبراهيمي، كيف أن أصحاب الطرق مع علمهم بشدته وشدة ابن باديس عليهم لم يجدوا إلا التسليم لهم، بل الموافقة على إدارتهم للجمعية، وقد علل ذلك بتمكنه العلمي وتمكن المصلحين معه مقارنة بمشايخ الطرق وعلمائها الذين وجدوا أنفسهم كالتلاميذ بالنسبة لهم، يقول في ذلك: (ولما تراءت الوجوه، وتعالت أصوات الحق أيقن أولئك الفقهاء أنهم مازالوا في دور التلمذة، وخضعوا خضوع المسلم للحق، فأسلموا القيادة لنا فانتخب المجلس الإداري من رجال أكفاء، جمعتهم وحدة المشرب ووحدة الفكرة… ووحدة المناهضين للاستعمار. وقد وكل المجتمعون ترشيحهم إلينا فانتخبوهم بالإجماع وانتخبوا بن باديس رئيسًا.. وأصبحت الآن الجمعية حقيقة واقعة قانونية، وجاء دور العمل)([8])

هذه أول العلاقة الرسمية بين الجمعية والطرق الصوفية، وهي علاقة – كما رأينا- لم تؤسس على أساس صحيح، ولذلك سرعان ما انهارت، فالتوجهات الفكرية كانت مختلفة، بل متناقضة، ولهذا لم لم تستمر العلاقة إلا قليلا، يقول سعد الله: (وكان تأسيس الجمعية على هذا النحو يعتبر (شهر عسل) بالنسبة لرجال الدين عامة، وهو الشهر الذي استمر عاما فقط، لأن أهداف الجميع لم تكن واحدة)([9])

ثانيا ــ أسباب التوافق:

من خلال العرض السابق للفترة التي ساد فيها بعض التوافق بين الجمعية والطرق الصوفية، ولو شكلا، نحاول هنا باختصار أن نتعرف على أسباب ذلك التوافق، وهل هو تنازل من الجمعية، واستسلام من الطرق الصوفية، أم أن الأمر كان فيه مصلحة لكلا الجانبين؟

أم أن كلا الطرفين أو أحدهما كان صادقا في نيته، ولم يكن له من مقصد سوى الاهتمام بخدمة البلد الذي كان في أمس الحاجة إلى اتحاد جميع أبنائه بمختلف توجهاتهم ومذاهبهم؟

سنحاول هنا – باختصار – أن نجيب على هذه الأسئلة من خلال طرح المصالح المترتبة على ذلك التوافق للأطراف جميعا.

1 ـــ مصالح الجمعية المتعلقة بالتوافق:

يكاد يتفق أكثر الباحثين في ذلك التوافق الذي حصل بين الجمعية والطرق الصوفية في تلك السنة القصيرة على اعتباره نوعا من التوافق المؤقت المحدود – كما يعبر الدكتور أبو القاسم سعد الله – بدليل المناصب الهامة التي تولاها المصلحون([10]).

وبرر ذلك بأن الواقع المحرج الذي كان يعيشه أعضاء الجمعية لا يسمح لهم بتحقيق أهدافهم الإصلاحية إلا باستعمال بعض الطرق والأساليب الخاصة، فقال:(ومن هنا يتضح أن موقف العلماء لم يكن سهلا، فقد كانوا يمشون على البيض كما يقول المثل الأجنبي، فهم من جهة كانوا يريدون تحقيق مبادئهم وأهدافهم بأية وسيلة مشروعة، ومن جهة أخرى كانوا واقعين تحت طائلة إجراءات استثنائية مستعدة لعرقلة سيرهم، بل وضعهم في قفص الاتهام، لذلك كانوا يناورون ما وسعتهم الحيلة والمناورة ويجاملون ولكنهم لا يتنازلون عن مبادئهم، ومن أجل ذلك اصطدموا مرات بالإدارة)([11])

وقد ذكر محمد الأخضر السائحي الطريقة التي قامت بها الجمعية لإخراج الطرق الصوفية من الجمعية، أو لعدم تمكينهم من أي موضع فيها، وذلك أنهم دبروا خطة تتمثل في تغيير أوراق الانتساب إلى الجمعية، وذلك بناء على امتحان يقوم به شيخان من العلماء لإثبات علمية المتتسب أو جهله.

وقام الشيخ أبو اليقظان بطيع الأوراق الجديدة ذات اللون الأزرق عوضا عن الأوراق القديمة ذات اللون الأصفر، وخاف الطرقيون من الامتحان، وبذلك فشلت محاولتهم بصورة قانونية([12]).

وهذا هو الواقع الذي مارسته الجمعية في كثير من مراحلها، فهي تشتد مع المخالفين إذا أتيحت لها الفرصة لذلك التشدد، وتلين كلما وجدت نفسها في مواقف حرجة لا تستطيع أن تحقق أهدافها الإصلاحية إلا من خلالها.

وكمثال على ذلك موقف رجال الجمعية بوادي سوف – باعتبارها من المناطق التي تنتشر فيها الطرق الصوفية بكثرة من قادرية وتيجانية ورحمانية (عزوزية)، وشابية وعلوية – وهذا ما جعل الشيوخ يتخذون مواقف مختلفة: إما التسامح مع الجميع دون إبداء التعصب لطريقة دون أخرى مثلما فعل الشيخ إبراهيم بن عامر، أو الالتزام بطريقة معينة مثلما كان يقوم به شيوخ بلدة قمار مثل الشيخ محمد بن البرية ومحمد الصالح بن الخوصى من خلال انتمائهم للطريقة التيجانية.

كما كان هناك طائفة أخرى من العلماء الذين حاولوا تجنب الطرق الصوفية في السعي والتحرك على مستوى التعليم والوعظ، والإرشاد، وهم علماء عديدون أهم علماء حاضرة الزقم، حيث كانت الطرق الصوفية أقل عنفوانا، بالإضافة إلى عمار بن الأزعر الذي كان صاحب موقف واضح من الطرق الصوفية التي كان يعدها من بين الأسباب الرئيسية في تكريس التخلف بالمنطقة، كما كانت بينه وبين محمد بن البرية مشاحنات، حيث كان محمد بن البرية مدافعا عن الطرق الصوفية، وهذا من خلال ما كتبه هذا الأخير من مقالات في الجرائد كجريدة (البلاغ الجزائري) وجريدة (النجاح) معاديا الشيخ عمار بن الأزعر([13]).

بل إن الاستاذ حمزة بوكوشه يذكر أنه كان من رجال الجمعية من (ينتسب إلى طريقة من الطرق الصوفية يحتمي بها، وتحتمي به، وينتسب إليها وتنتسب إليه سواء كان ذلك منه عن إيمان وإعتقاد أو عن تقية أو مجاراة للعوام الذين من أصول اعتقادهم أن من لا شيخ له فالشيطان شيخه)([14])

2 ــ مصالح الطرق الصوفية المتعلقة بالتوافق:

وقد عبر عن هذه المصالح الشيخ الإبراهيمي، فقال: (لم يكن تأسيس جمعية العلماء المسلمين خفيف الوقع على الجماعات التي ألفت استغلال جهل الأمة وسذاجتها وعاشت على موتها، ولكن التيار كان جارفًا لا يقوم له شيء، فما كان من تلك الجماعات إلّا أن سايرت الجمعية في الظاهر وأسرت لها الكيد في الباطن، وكان المجلس الإداري الذي تألف بالاختيار في السنة الأولى غير منقح ولا منسجم لمكان العجلة والتسامح، فكان من بين أعضائه أولو بقية يخضعون للزوايا وأصحابها رغبًا ورهبًا، وكان وجودهم في مجلس الإدارة مسليًا لشيوخ الطرق ومخففًا من تشاؤمهم بالجمعية لسهولة استخدامهم لهم عند الحاجة، فإما أن يتخذوهم أدوات لإفساد الجمعية وإسقاطها، وإما أن يتذرعوا بهم لتصريفها في مصالحهم وأهوائهم)([15])

ومن خلال هذا النص يتبين لنا أن الطرق الصوفية لم تكن راضية عن تلك الشحناء التي كانت منصبة عليها، ولذلك كانت تلتمس كل السبل لتتقي هجومات الإصلاحيين عليها، ومن أدلة ذلك ما سنراه من دعوات للإصلاح بين الطرفين.

3 ــ مصالح الجزائر المتعلقة بالتوافق:

لقد عرفنا في الفصل الأول أن المجتمع الجزائري منذ قرون طويلة كان مرتبطا في نواحيه جميعا الدينية والاجتماعية والثقافية بل حتى السياسية بالطرق الصوفية ارتباطا شديدا، ولذلك استطاع رجال الطرق أن يجندوا بسهولة أتباعهم لمحاربة المستعمر، وكان لها السبق في ذلك.

بالإضافة إلى سبقها في الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية للجزائريين، وقد أقر الإبراهيمي بهذا ناقد له، فقال: (ولكن أنّى للأمة الجزائرية باجتماع العلماء وتآخيهم في العلم، وإن الطائفة التي يطلق عليها هذا الاسم حقيقة أو ادعاء بهذا القطر هي طائفة متنافرة متنابذة، كأن من كمال العلم عند بعضها أن يبغض العالم العالم، وبجفو العالم العالم، شنشنة مُعْظَم الشر فيها آت من الزوايا الطرقية التي تعلم فيها أولئك العلماء أو علَّموا فيها، والكثرة الغالبة في علماء الجزائر قبل اليوم تعلمت بالزوايا أو علمت العلم في الزوايا، فمن الزوايا المبدأ وإليها المصير. وزوايا الطرق في باب العلم كمدارس الحكومات هذه معامل لتخريج الموظفين، وتلك معامل لتخريج المسبحين بحمد الزوايا والمقدسين)([16])

وما ذكره الإبراهيمي كان يدعوه في الأصل كما يدعو الجمعية جميعا إلى استغلال هذه الطاقات في الطرق الصوفية لتوجيهها لمصلحة البلد الجاثم تحت الاستعمار، ثم تترك مسائل الخلاف بعدها لمحلها الخاص بعد التخلص من العدو المشترك الأكبر.

لكن الجمعية لم تكن ترضى بهذا، فقد كانت تتصور أن الاستعمار الطرقي أخطر من الاستعمار الفرنسي، بل إن الشيخ الطيب العقبي – وهو أكثر الأعضاء تشددا في الجمعية – عارض المطالبة بالاستقلال قبل التحرر من الاستعمار الطرقي، فقد ورد في البصائر تلخيص لخطاب ألقاه الشيخ العقبي سنة 1937 م يوضح هذا المعنى، يقول كاتبه: (وبين أنه لا يوافق السيد مصالي الحاج ومن معه من الإخوان على فكرة الاستقلال الذي هو بعيد عن الأمة الجزائرية، وهي بعيدة عنه ما دامت لم تستقل في أفكارها وكل مقومات حياتها، وما دامت لا تقدر أن تحرر نفسها من ربقة بعض المرابطين واستعبادهم لها باسم الدين فكيف يطير من لا جناح له ولا ريش)([17])

بل إن بعض كتاب الجمعية كتب في جريدة (الشريعة النبوية) يفضل المستشرقين على أصحاب الطرق، ففي مقال تحت عنوان (الدّين الإسلامي بين المبشرين والمبتدعين)([18]) لكاتب يدعى (محمد جير فودة) يقول فيه: (لست أذيع سرا إذا ما جاهرت عن يقين ثابت وعقيدة راسخة بأن المسلمين الآن بين شقي الرحى, تضغطهم أعمال المبشرين التي ذاع أمرها واستفاض خبرها, وتصرفات المبتدعين الذين يدخلون في الدين ما ليس منه, ولئن حمدت للأمة اهتمامها بأمر المبشرين وانتهاج الوسائل المؤدية إلى الحد من طغيانهم والقضاء على أغراضهم, فإنه لا يزال عالقا بنفسي أثر سيء مما يأتيه المبتدعون هادما لبنيان الدين, وناقضا لتعاليمه من أساسها, ولو أحسنت الحكومة صنعا لعملت على تحرير الدين مما علق به بفعل جماعة من المسلمين لا يعنيهم من أمر دينهم غير أن تشبع بطونهم وتمتلئ جيوبهم, أولئك على الدين أشد ضررا وأكثر خطرا من المبشرين)([19])

ثم بين وجه تفضيله للمبشرين على الطرقيين بقوله: (ذلك لأن جماعة المبشرين إنما يدعون إلى الخروج على الدين إطلاقا ويروجون لاعتناق دين غيره، وتلك دعوة ينبني على مجرد الجهر بها النفور عنها اللهم إلا عند نفر قليل تدفعهم الحاجة إلى الاستسلام وتغريهم الفاقة بالاستكانة, وهؤلاء لا يلبثون أن يصدوا عن الدعوة ويرجعوا إلى الهدى عندما يرون بأعينهم أن المنشآت التي أعدت لهم بين أهل دينهم ستغنيهم عن التردد على أماكن المبشرين فتكتب لهم النجاة من المهاوي السحيقة التي كانوا على وشك التردي فيها, ولكن ما ظنك بجماعة ليسوا من المبشرين حتى نجتنبهم, ولا يدعون للخروج على الإسلام حتى نتحاشاهم, وإنما هم مسلمون أولا, يلبسون لباس الإسلام, ويتزيون بزيه وجاءوا تحت ستار لباسهم الزائف يجتذبون نفرا من المسلمين, ينفثون فيهم سموم خرافات وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان بدعوى أن تلك الخرافات من الدين وأن من لم يتبعها وينسج على منوالهم فيها يبوء بغضب من الله ورسوله ويكون من الكافرين.. لا شك أن هؤلاء أشد ضررا على الإسلام من المبشرين الذين قدمنا أن معالجة أمرهم باتت وشيكة النجاح, وأن دعوتهم عند الكثيرين لا تصادف ما قدر لها من رواج)([20])

هذا هو التصور الذي طرحته الجمعية وبموجبه كانت ترفض أي دعوة للصلح أو تخفيف الحدة مع الطرقيين، بل ترفض حتى الجلوس معهم في طاولة الحوار، أو العمل معهم في المتفق عليه.

ونحب أن نذكر هنا دعوة ملحة قامت بها الطريقة العلاوية التي لاقت حربا شديدة من الجمعية، فقد تكررت دعواتها للمصلحين بالاجتماع معها على الأهداف المشتركة، وترك الخلاف لمحله الخاص به، سواء قبل تأسيس الجمعية أو بعدها.

ومن الأمثلة على ذلك البلاغ الذي نشرته صحيفة البلاغ الجزائري، والذي تدعو فيه إلى (رفض الطعن في أي طبقة من طبقات الأمة وفي أي مذهب من مذاهبها، ما دام لا أحد يمكنه نيل إجماع الأمة، فيكون محل ثقتها ومرجعيتها الوحيدة، والكل في دعواه ومذهبه يدعي الاستناد إلى القرآن والسنة وإجماع الأمة، وعليه فلم يبق إلا أن نحسن الظن ببعضنا بعضا مراعاة لمصالح الأمة فمن صلاح الأمة وإصلاحها أن لا يتساهل في تنقيص سلفها ولا يمس بسوء أي مذهب من مذاهبها ما دام الجميع متحدا على كلمة الإخلاص وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وإن اختلفوا فيما عدا ذلك من الفروع)([21])

وفي محل آخر كتبت نفس الصحيفة تتساءل: (ما الذي يمنع الناس من الاتفاق والتعاهد على تأسيس الأندية والتعاضد على تأسيس الأندية للاجتماع والمدارس الخصوصية لتعليم العربية وآدابها الراقية ونشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة.. كما تساءلت عن ما يمنع الناس من صرف أموال الولائم والمآتم والموائد والزوائد في تعليم أبنائهم القراءة والكتابة والحساب وفق النظم الحديثة المعمول بها في العالم) ([22])

وقد كان هذا – على حسب اطلاعنا – سلوك شيخها عبر رسائله ومقالاته وكل ما نشر له، فلم نر منه إلا الدعوة لتوحيد الجهود للإصلاح، ونبذ التعصب والخلاف، ولعل من أهم مواقفه في هذا، إرساله في احتفال للطريقة سنة 1928، دعوة خاصة إلى العلماء الإصلاحيين بلغته البسيطة يقول فيها: (إليكم أيها السادة الكرام، والعلماء الأعلام، أوجه خطابي وأنهي كلامي، بصفتكم داعين إلى الكتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويا ما أسعدنا وأسعدكم بإقامة هاته الدعوة، والعمل على ما تقتضيه التقوى، وطالما تكررت على مسامعنا وأسماع غيرنا، وها هو قد هيأ الله لنا أسباب الاجتماع، وطرق الانتفاع، بحلول اجتماع العلويين المقبل، فهيا نشد العضد ببعضنا، للتمييز بين الصحيح والفاسد، فهيا بنا نتحد على ما يوافق صريح النقول، ثم نتفاهم فيما وراء ذلك بما هو معقول، فهيا بنا نمد لبعضنا يد المساعدة، فيما نراه صالحا لنفع الأمة، ومفيدا لتشييد صروح الملة. فهلم لتنظروا أحوال إخوانكم العلويين، وما هم عليه في اجتماعاتهم وتذكيراتهم، فإن كانوا على الجادة والصراط المستقيم، تشكروهم وتوازروهم وتتخذوهم عضدا وان كانوا على غير ذلك فذكروهم بألطف عبارة وارق أسلوب..فهلم إلينا نتفاوض فيما يزيل من بيننا تلك الفوارق القاضية على جمعنا ومجموعنا، فهلم إلينا ننهي دور القول، ونشرع في دور العمل)([23])

لكن الإصلاحيين للأسف لم يقبلوا هذا، إلا أن الشيخ أبا يعلى الزواوي خالفهم في ذلك، وقد انتقد انتقد انتقادا شديدا من الجمعية بسببه.

ومما ذكره في شهادته على استعداد الطرقيين للإصلاح والحوار قوله: (صاحبي ابن عليوة..أشهد الآن بين يديكم أني ما عرضت وما أمرت ولا نهيت الشيخ العليوي إلا استحسن وسلم حتى قال: إن حملاتك إن كانت علينا مقبولة وإن كانت لنا فهي أحسن لنا، ويخاطبني قائلا: إنك بنظريتك السياسية والاجتماعية ننقاد إليك ونعمل بإشارتك، وما زال وما زلت طامعا في، وطامعا فيه، أي بأن نتفق على كتاب الله وسنة رسوله، وصرح لي أمام جمع أنه إذا ظهر لكم – معشر الإخوان- في الدين والوطن والجنس – أن نتفق على جميع ما يخص المسلمين والوطنيين … ولم أر ولم اسمع من غيره من الشيوخ الذين عرفتهم إلا الصدود وتعير الخدود ومقتي بأني كافر بهم وببدعهم، وقلت لكم وما زلت أقول أنه – أن الشيخ ابن عليوة يقول لكم: (مروا جميع رؤساء الطرق لنجتمع ونتفق على الموافق للكتاب والسنة وللأمة)([24])

ويذكر أبو يعلى الزواوي أن الشيخ ابن عليوة كان يرى أن (لا نهوض لأمتنا إلا بتوحيد التربية والتعليم وتعميمهما، فينشأ النشء الجديد على دين واحد، ومذهب متحد في النهضة والإصلاح، لتتقرب المدارك والمقاصد، وتكون التعاليم صحيحة ذات تسامح ديني، وذات اجتماع وحسن العشرة والمعاملة مع الموافق والمخالف في الدين؛ ذلك أن أوروبا وأمريكا مخالفون لنا وغالبون متقدمون علينا، ولا مانع لنا من الدين أن نقسط إليهم ونبرهن لهم بأن ديننا دين مدنية، وعشرة، ومساعدة، ولا إكراه فيه…)([25])

المطلب الثاني: مرحلة الخلاف وأسبابها:

يصور رجال الجمعية ومن وافقهم، وهم أكثر الباحثين والكتاب، حادثة الانشقاق التي حصلت بين الجمعية والطرق الصوفية بنادي الترقي يوم 23 ماي 1932 على أنها حادثة مشؤومة كان الهدف منها هو استيلاء الطرقيين على الجمعية لخدمة مآربهم.

وقد عبر الزاهري – الذي كان حينها عضوا إداريا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقبل انشقاقه هو الآخر عن الجمعية – عن ذلك بعد سنة من حصوله، فقال: (كان يوم 23 ماي من السنة الماضية من أشد الأيام على هذا الوطن شؤما وسوادا, ففيه جمع المفسدون أمرهم وشركاءهم ثم تقدموا إلى جمعية العلماء المسلمين فأثاروا عليها غارة شعواء, من الشغب والفوضى وأرادوا بها كيدا فكانوا هم الأخسرين)([26])

ثم حكى القصة بتفصيل، ونحن – مع عدم ثقتنا المطلقة بكل ما ذكره فيها من أحداث- نذكرها هنا كما ذكرها لاعتبارين:

الأول: أن ما ذكره ليس أحداثا سردية فقط، كما يذكر المؤرخون الأحداث عادة، وإنما هو يذكر الأحداث الظاهرة، ويحللها، ويبني على تحليلاته بعد ذلك ما يشاء، ونحن لا نعتب عليه تحليله للأحداث، ولكن نعتب عليه تحليل الأحداث من خلال التوجه الفكري والمذهبي، لا من خلال ما توحيه الأحداث نفسها.

والثاني: أن أكثر من اطلعنا عليه من الباحثين يأخذون ما ذكره مأخذ الجد والصواب الذي لا يمكن أن يرد أو يرفض، ويبنون على ذلك بأن الطرق الصوفية بوحي من الاستعمار أرادت أن تسيطر على الجمعية لتخدم من خلالها المشاريع الاستعمارية.

بناء على هذين الاعتبارين نسرد الحدث كما سرده الزاهري، حيث ذكر أنه في نحو الساعة السادسة من صباح يوم 23 ماي 1932 مضى بعض الإصلاحيين من علماء الجمعية إلى دار إحدى الجمعيات في الجزائر (العاصمة) , (فوجد هنالك جموعا غفيرة من الناس قد تجمهروا أمام الدار, وتجمعوا داخلها حتى ملأوا صحنها وغرفها وحجراتها، فظن أنه أمام مكتب من المكاتب التي يفتحها المترشحون لأحد الانتخابات لشراء الأصوات!! ودخل الدار فوجد أن شيخ الحلول([27]) قد جلس في صدر المجلس على هيئة بارزة تستلفت إليه الأنظار, وكان مريضا مثقلا لا يستطيع أن يجلس طويلا فأحيط – لذلك – بكثير من المساند والوسائد والمخدات, وكان إلى جانبه ثلاثة أشخاص يوزعون على الناس الأوراق والوصولات، أما الوصولات فكانت زائفة مصطنعة وهي من الفئة ذات العشرة فرنكات التي تعطيها جمعية العلماء أعضاءها العاملين الذين لهم حق الانتخاب, وأما الأوراق فكانت تشتمل على قائمة بأسماء الذين رشحوا أنفسهم لكي يكونوا أعضاء المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين، وهم ليسوا بعلماء ولكن كانوا لأنفسهم يظلمون)([28])

ونحب أن ننبه هنا إلى أن أساس الخلاف الإداري الذي حصل بين الجمعية والطرق الصوفية انطلق من تصور كلا الفريقين لنوع التعليم الذي يسمح لصاحبه بأن يكون عالما، فللجمعية تصورها في هذا، وللطرق الصوفية تصورها الخاص.

بل إن هناك من أعضاء الجمعية من اختلف معها في هذا التصور، وهو الشيخ أبو يعلى الزواوي الذي حصلت مناوشات بينه وبين الجمعية بسبب ذكره في بعض مقالاته أن في الطرق الصوفية علماء، وسنرى ذلك عند ذكر المواقف الشخصية لأعضاء الجمعية.

بناء على هذا يذكر الزاهري أن الإصلاحي فوجئ بتلك القائمة وتقدم – كما يذكر – (من شيخ الحلول وعاتبه على هاته الأوراق والوصولات الزائفة التي يوزعها مجانا بلا أدنى مقابل على الذين لم تتوفر فيهم الشروط التي تؤهلهم لكي يكونوا بجمعية العلماء أعضاء عاملين)([29])

ويذكر الزاهري هنا نص الحوار الذي جرى بينهما بطريقته الأدبية الفنية، وهي نفس الطريقة التي كتب بها قصته المشهورة (اعترافات (طرقي) قديم)([30])، والتي لا يمكن التسليم بكل ما ذكر فيها مطلقا أيضا باعتبارها أميل إلى الجانب الأدبي الفني منها إلى الجانب التأريخي.

حيث يذكر أن الإصلاحي خاطب الطرقي الحلولي بقوله: (إن هذا هو عمل من يسعى لهدم هذه المؤسسة المباركة التي لم يخلق مثلها في البلاد, وما ينبغي لك – وأنت في شيبتك وشيخوختك – أن تكون في يد (فلان) آلة من آلات الهدم والتخريب والإفساد, على أن هذه الجمعية هي جمعية علماء, وليست جمعية متصوفة ولا جمعية أشياخ طرق, فما يكون لك – أنت المتصوف – أن تدخل فيها!)

فيرد عليه الطرقي، أو كما يحلو للزاهري أن يسميه (شيخ الحلول): (إن بيني وبين الشيخ ابن باديس عداوة شديدة ما أنساها له أبد الدهر, وأما العلماء الآخرون فليس بيني وبينهم شيء إلا أنهم أصحاب الشيخ بن باديس وإخوانه)

فيسأله الإصلاحي: وماذا بينكما؟

فيجيب الطرقي، وهو يقصد الشيخ ابن عليوة نفسه: كنت نشرت كتابا واستشهدت فيه ببعض الأحاديث النبوية التي قلت عنها أنها واردة في صحيح البخاري وصحيح مسلم، والحقيقة أنها لم ترد لا في البخاري ولا في مسلم, وإنما أنا الذي غلطت وأخطأت, فما كان من الشيخ باديس إلا أن نشر في الشهاب انتقادا شديدا فضحني فيه، وحط من قيمتي بين أتباعي وأظهر أغلاطي وأخطائي، أو قل أظهر للناس أكاذيبي.

فيجيبه الإصلاحي: لو لم تكن أنت نشرت كتابك محشوا بالأغلاط والأخطاء لكان حقا لك على الشيخ ابن باديس أن يستر عليك جهلك، وأن لا يفضحك أمام الناس، أما وقد طبعت كتابك ونشرته بين الناس فمن واجب الشيخ بن باديس ومن واجب كل عالم يغار على السنة النبوية أن يصحح أغلاطك وأخطاءك للناس حتى لا يضلوا بها؛ وعلى كل حال فهذه مسألة شخصية لا يحسن بك أن تتخذها حجة وذريعة لهدم هذا المشروع العمومي العظيم.

وهنا يذكر الزاهري – على طريقته في الأسلوب الذي لا يمكن التمييز فيه بين الحقيقة التاريخية، والتعبير الأدبي الفني – بأن (شيخ الحلول – تحرك- من مكانه وتحلحل, ثم قال في لهجة الواثق بنفسه: (فات الحال! لا بد لنا أن نستولي على جمعية العلماء، ولا بد أن نطرد عنها كل عالم من العلماء وكل طالب من طلبة علم, ولا بد أن تكون هذه الجمعية خالصة لنا من الناس، ولا يمكن لنا بحال أن نرجع عن محاربة جمعية يرأسها الشيخ بن باديس)([31])

  بعد هذا، وبعد ذكر الزاهري أنه استطاع أن يكتشف بأن رجال الطرق الصوفية قدموا رشاوى للناخبين لأجل أن ينتخبوهم، ذكر أنه – وبحلول الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم – افتتح ابن باديس الجلسة الأولى من جلسات الاجتماع العمومي لجمعية العلماء بخطاب وصفه الزاهري بكونه (آية من آيات البلاغة، وجاء جامعا لكل معاني الموعظة والذكرى, فخشعت له القلوب وفاضت له الأعين من الدمع، ولكن الذين طبع الله علة قلوبهم فلا تنفع فيها الذكرى, وجعل في آذانهم وقرا فهم لا يسمعون قد كرهوا هذا الخطاب وقالوا: لا تسمعوا له والغوا فيه لعلكم تغلبون, فهاجوا وماجوا, وأكثروا من اللغط والضوضاء, وكانوا مأجورين على أن يحدثوا في هذا اليوم الفتنة والشغب والفوضى)([32])

ويذكر الزاهري كيف بدأ الشيخ ابن عليوة حديثه – متهكما به – بقوله: (وانتصب (الجاهل الأمي) كزعيم لهؤلاء المشاغبين وجعل (يروث من فمه) ويسيء الأدب بحق هذا الاجتماع الحافل بالعلماء والأعيان, وكان الأستاذ باديس يخاطبه قائلا: (يا سيدي فلان) بكل هذا اللطف والأدب, ولكنه هو كان يقول للرئيس: (يا ابن باديس (أي بضم نون ابن) فكان العلماء يضحكون من جهل هذا المخلوق, ويعجبون من وقاحته وقلة حيائه, وكان كل واحد إذا أراد أن يتكلم رفع يده وطلب من الرئيس أن يأذن له بالكلام إلا هذا المخلوق فإنه كان يتكلم بلا استأذن ونصب نفسه للرد على كل أحد وللجواب عن كل كلام, وكان يقول الكلمات الجارحة حتى اضطره الرئيس مرارا عديدة إلى أن يسحب كلامه وأن يبادر بالاعتذار, وذات مرة أراد أن يكون نظاميا متأدبا لا يخرق سياج الأدب والنظام، فرفع يده وقال للرئيس: (أطلِيب الكلام) (بضم الهمزة وكسر اللام الممدودة) فلج الحاضرون في الضحك وقضوا من العجب)([33])

بهذا الأسلوب التهكمي الساخر ذكر الزاهري أخطر حدث حصل في تاريخ الجمعية، وهو يشير إلى ما كان يغلب على أعضاء الجمعية من تقديم أصحاب اللسان والفصاحة والبلاغة باعتبارهم وحدهم العلماء، أما من كان ضعيفا في هذه النواحي، فهو عندهم جاهل أمي يستحق أن يضحك عليه ويسخر منه.

ونرى بوضوح – أيضا- كيف أنه ذكر سوء أدب الطرقيين ومشاغبتهم، مع عدم ذكره ما شاغبوا به وما شاغبوا لأجله، وغفل في نفس الوقت عن ذكر سوء أدب الإصلاحيين الذين يتتبعون سقطات الألسن، فيمتلئون منها ضحكا، ويقضون منها عجبا.

والأعجب من هذا كله أن الزاهري المعروف بنقله للحوارات المفصلة لم يذكر ما قاله هذا (الجاهل الأمي) بزعمه، حتى نعرف أساس الخلاف، وإنما اكتفى بكونه لا يعرف كيف يعرب المنادى، في نفس الوقت الذي كان فيه كلام ابن باديس (آية من آيات البلاغة)، وكأن الجلسة كانت جلسة مباراة في الكلام لا جلسة للبحث عن الحلول التي تصلح بها أحوال الأمة.

بعد هذا التعقيب الذي رأينا أنفسنا مضطرين لذكره([34]) ذكر الزاهري كيف أن (القوم – أي رجال الطرق الصوفية- تواصوا بالشر, وتواصوا بالمكر, واتفقوا فيما بينهم على أن يشاغبوا ويغلطوا إذا تكلم الأستاذ بن باديس أو غيره من العلماء, وأن يتظاهروا بالقبول والرضى إذا تكلم واحد من خمسة من أصحابهم قد عينوهم للكلام في هذا الاجتماع, وقد لقنهم بعض الناس أن يقولوا (صواب, صواب) لكل متكلم من هؤلاء الخمسة)([35])

ولم يذكر الزاهري مصدره على هذه المعلومة، ولم يذكر معها كذلك ما قاله هؤلاء الطرقيون لنرى هل كان ما قالوه صوابا، أم لم يكن كذلك.

والأغرب من كل هذا أن الزاهري أديب الجمعية وشاعرها استطاع أن يلج في صدور أولئك الطرقيين ليتعرف على المقاصد الخسيسة التي يحملونها للجمعية، فهم – كما يرى الزاهري- (يحملون في صدورهم لجمعية العلماء أسوء المقاصد, وأخبث النوايا)، وهم (يريدون أن يستولوا على جمعية العلماء، وإلا فإنهم عزموا على إحداث فتنة عمياء تسيل فيها الدماء, وحينئذ يمكنون للحكومة أن تحل الجمعية وأن تغلق نادي الترقي, ولكنهم خابوا في كلتا الأمنيتين {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [الأحزاب: 25])([36])

هذا ما ذكره الزاهري عن الحادثة بعد مرور سنة عليها، وقد رأينا أنه – للأسف – لم يذكر ما جرى في ذلك الجمع، وما قاله الطرفان، وأن كل ما ذكره مجرد تحامل خطابي على الطرقيين ورميهم إما بالمقاصد الخسيسة، وإما بالعي والحصر وعدم القدرة على البيان والبلاغة شأن رجال الجمعية الإصلاحيين.

ونفس الأمر يكاد يذكره – ولو بصياغة أخرى أكثر أدبا- الإبراهيمي، فهو عند استعراضه لذلك المجلس المشؤوم الذي تصدع فيه شمل الجمعية، لم يذكر ما قيل وما حصل بالتفصيل، وإنما اكتفى بذكر قدرات الإصلاحيين مقارنة بقدرات الطرقيين، ونيات المصلحين وأغراضهم مقارنة بنيات الطرقيين وأغراضهم.

فتحت عنوان (جمعية العلماء حقيقة واقعة) كتب يقول: (رأيت الآن أن السر في تأسيس جمعية العلماء بتلك السهولة وبتلك المحاولة الهينة هو استعداد الأمة لظهور هذا المشروع العظيم فيها. فانقادت إليه بشعرة، وانجرت إلى بناء صرحه بنملة، وعلمت مما أجملناه لك من مراحل هذا المشروع أن الشعور به كان من نصيب طبقات مخصوصة وهم المتأثرون بالإصلاح، وفي ناحية محدودة من القطر وهي إقليم قسنطينة، ثم تغلغل في الأقاليم الثلاثة في بضعة أعوام وتحوّل التفكير في مكان التأسيس من قسنطينة التي هي الجناح إلى الجزائر التي هي القلب، ومعنى هذا كله أن الأمة الجزائرية استيقنت سفه الأيدي التي كانت تقودها باسم الدين فصممت على التفلت منها وإلقاء المقادة إلى أيدي العلماء لتبتدئ السير في نهضتها على هدى وبصيرة، فقالت للعلماء اجتمعوا فاجتمعوا)([37])

بهذا الحكم المبدئي الذي ينطلق من تبيان الأثر الكبير للإصلاحيين، وخصوصا من كان منهم في إقليم قسنطينة، ينطلق الإبراهيمي ليعتبر أن كل من لم يكن من هذين الصنفين، فلا حق له في التفكير في الإصلاح، أو لا طاقة له في التفكير فيه.

وبشدته المعروفة يتحدث كيف أن قوة الإصلاحيين استطاعت أن تدحر أولئك الطرقيين أصحاب النيات السيئة واللسان الكليل في أول جلسات الجمعية، يقول في تأريخه لذلك: (لم يكن تأسيس جمعية العلماء المسلمين خفيف الوقع على الجماعات التي ألفت استغلال جهل الأمة وسذاجتها وعاشت على موتها، ولكن التيار كان جارفًا لا يقوم له شيء، فما كان من تلك الجماعات إلّا أن سايرت الجمعية في الظاهر وأسرت لها الكيد في الباطن، وكان المجلس الإداري الذي تألف بالاختيار في السنة الأولى غير منقح ولا منسجم لمكان العجلة والتسامح، فكان من بين أعضائه أولو بقية يخضعون للزوايا وأصحابها رغبًا ورهبًا، وكان وجودهم في مجلس الإدارة مسليًا لشيوخ الطرق ومخففًا من تشاؤمهم بالجمعية لسهولة استخدامهم لهم عند الحاجة، فإما أن يتخذوهم أدوات لإفساد الجمعية وإسقاطها، وإما أن يتذرعوا بهم لتصريفها في مصالحهم وأهوائهم)([38])

مع العلم أن هؤلاء الذين ذكرهم الإبراهيمي، والذين كانوا أعضاء في الجمعية أول تأسيسها لم يكونوا أقل شأنا في النواحي العلمية والأدبية من الإصلاحيين أنفسهم، فالشيخ مولود الحافظي -كما سنرى -كان عالما أزهريا يحمل الكثير من المشاريع الإصلاحية التي لا تقل شأنا عن المشاريع التي حملتها الجامعية.

ومع ذلك فإنه – في تصور الإبراهيمي – لم يرق إلى مرتبة الإصلاحيين باعتباره خاضعا للزوايا رغبة أو رهبة بخلاف المصلحين الذين (صرحوا من أول يوم بأنهم سائرون بهذه الجمعية على المبدأ الذي كانوا سائرين عليه من قبلها، ومنه محاربة البدع والخرافات والأباطيل والضلالات ومقاومة الشر من أي ناحية جاء)([39])

ويذكر الإبراهيمي نفس ما ذكره الزاهري من قدرات الإصلاحيين مقارنة بقدرات غيرهم، وكيف أنه (انقضت السنة الأولى.. وبدأت الأعمال تظهر مراتب الرجال، فاضطلع المصلحون وحدهم بالأعمال التمهيدية- وما هي بالحمل الخفيف-)([40])

ولعل الإبراهيمي يشير هنا إلى ما ذكره في موضع آخر، فقال: (كلّفني إخواني أعضاء المجلس الإداري في أول جلسة أن أضع للجمعية لائحة داخلية نشرح أعمالها كما هي في أذهاننا لا كما تتصوّرها الحكومة وأعوانها المضلّلون منا، فانتبذت ناحية ووصلت طرفي ليلة في سبكها وترتيبها، فجاءت في مائة وسبع وأربعين مادة، وتلوتها على المجلس لمناقشتها في ثماني جلسات من أربعة أيام، وكان يحضر الجلسات طائفة كبيرة من المحامين والصحافيين العرب المثقفين بالفرنسية، فأعلنوا في نهاية عرض اللائحة إيمانهم بأن العربية أوسع اللغات، وأنها أصلح لغة لصوغ القوانين ومرافعات المحامين، وكأنما دخلوا في الإسلام من ذلك اليوم، وخطب الرئيس عند تمام مناقشة اللائحة وإقرارها بالإجماع خطبة مؤثّرة أطراني فيها بما أبكاني من الخجل، وكان مما قال: عجبت لشعب أنجب مثل فلان أن يضلّ في دين أو يخزى في دنيا، أو يذلّ لاستعمار. ثم خاطبني بقوله: وري بك زناد هذه الجمعية)([41])

ولسنا ندري ما الحرج في أن يضطلع الإصلاحيون وحدهم بالأعمال التمهيدية ما دامت لهم القدرة على ذلك، بل إن في ترك الطرقيين للإصلاحيين وحدهم الحرية في الاضطلاع بهذا الجانب وعدم مزاحمتهم فيه دليل على حسن النية، لا على سوئها.

لكن الأمر من وجهة نظر الإبراهيمي لم يكن كذلك، ويستدل على ذلك بأن الطرقيين في السنة التالية أرادوا – وعبر الانتخابات التي نص عليها قانون الجمعية – أن يكون لهم مكان في ريادة الجمعية، ولا ينبغي لهم – على حسب الإبراهيمي – أن يحلموا هذا الحلم أو يفكروا هذا التفكير.

يقول الإبراهيمي – بلغته الأدبية – مصورا الحادثة، باعتبارها مؤامرة خبيثة، لا باعتبارها حقا قانونيا لكل منتسب للجمعية: (ولما جاء أجل الانتخاب للدورة الثانية هجم العليويون ومن شايعهم على ضلالهم تلك الهجمة الفاشلة بعد مكائد دبروها، وغايتهم استخلاص الجمعية من أيدي المصلحين، وجعلها طرقية عليوية واستخدامهم هذا الاسم الجليل في مقاصدهم الخاطئة كما هي عادتهم في إِلباس باطلهم لباس الحق، ووقف المصلحون لتلك الهجمة وقفة حازمة أنقذت الجمعية من السقوط ومحصتها من كل مذبذب الرأي مضطرب المبدأ، وتألف المجلس الإداري من زعماء الإصلاح وصفوة أنصاره، ورأى الناس عجيب صنع الله في نصر الحق على الباطل)([42])

بالإضافة إلى هذين التأريخين للحادثة نجد تأريخات كثيرة سواء من أعضاء الجمعية المباشرين، أو ممن يوالونها ولاء مطلقا، ونراها جميعا تنهج نفس النهج من الشدة والعنف واعتبار الآخر متآمرا وعميلا، ولا طاقة له بالإصلاح، ولا غرض له فيه.

وهؤلاء جميعا يتناسون حدثا مهما وخطيرا حصل في ذلك اليوم، لا ينبغي للمؤرخ النزيه أن يتركه، ثم له بعد ذلك أن يبرره بما شاء من المبررات.

وهذا الحدث الخطير هو أن الشيخ عبد الحميد بن باديس – باعتباره رئيس الجمعية- وبعد أن رأى أن الجو لم يعد مناسبا بسبب ما حدث من فوضى الجانبين قام باستدعاء الشرطة إلى نادي الترقي للمحافظة على الأمن، وقد انتقد في ذلك نقدا لاذعا وليم على استدعاء الشرطة (الفرنسية طبعا) لفض تنازع العلماء، لكن ابن باديس دافع عن الشرطة بحرارة([43]).

وكان من ضمن ما قال في دفاعه: (ارتباط الجزائر بفرنسا اليوم صار من الأمور الضرورية عند جميع الطبقات، فلا يفكر الناس اليوم إلا في الدائرة الفرنسية، ولا يعلقون آمالهم إلا على فرنسا مثل سائر أبنائها ورغبتهم الوحيدة كلهم هي أن يكونوا مثل جميع أبناء الراية المثلثة في الحقوق كما هم مثلهم في الواجبات وهم إلى هذا كله يشعرون بما يأتيهم من دولتهم مما يشكرونه ومما قد ينتقدونه وقد كنا نؤكد لهم هذا التعلق ونبين لهم فوائده ونبين لهم في المناسبات أن فرنسا العظيمة لا بد أن تعطيهم يوما- ولا يكون بعيداً- جميع ما لهم من حقوق وكنا لا نرى منهم لهذا إلا قبولا حسنا وآمالاً طيبة)([44])

وقد دافع سعد الله عن هذا الموقف الحرج الذي وقع فيه ابن باديس والجمعية، فقال: (ومن هنا يتضح أن موقف العلماء لم يكن سهلا، فقد كانوا يمشون على البيض كما يقول المثل الأجنبي، فهم من جهة كانوا يريدون تحقيق مبادئهم وأهدافهم بأية وسيلة مشروعة، ومن جهة أخرى كانوا واقعين تحت طائلة إجراءات استثنائية مستعدة لعرقلة سيرهم، بل وضعهم في قفص الاتهام، لذلك كانوا يناورون ما وسعتهم الحيلة والمناورة ويجاملون ولكنهم لا يتنازلون عن مبادئهم، ومن أجل ذلك اصطدموا مرات بالإدارة)([45])

بناء على هذا نحاول في هذا المطلب أن نتلمس الأسباب الحقيقية في هذا الانشقاق بعيدين عن منطق قراءة ما في الصدور، ملاحظين الواقع من حيثياته المختلفة.

وقد رأينا أنه يمكن إرجاع أسباب ما حصل إلى خمسة أسباب نلخصها فيما يلي:

أولا ــ الأحداث السابقة على تأسيس الجمعية:

وهي أحداث كثيرة كانت ممتلئة بالصراع بين الجمعية والطرق الصوفية، ذكرها الإبراهيمي فقال: (وقد لقيت – أي الجمعية- في تاريخ حياتها خصومات عنيفة وواجهت خصومًا أقوياء، وكانت في جميع ذلك مظلومة واحتملت من الأذى والكيد والعدوان والتهم الباطلة ما تنوء به الجبال)([46])

بغض النظر عن مدى صدق كون الجمعية لها المظلومية في كل ما ذكر من أحداث أم لا إلا أن ذلك كان مؤثرا تأثيرا كبيرا في علاقتها بالطرق الصوفية بما حصل بعد ذلك من صراعات كانت تظهر كل حين.

وكمثال على تلك الأحداث نذكر هنا أكبر حادثة سبقت التأسيس، وكان لها دورها الفاعل في توسيع الهوة بين الجانبين، وهي اتهام الجمعية للطرق الصوفية بمحاولة اغتيال ابن باديس، وما أثارته من ضجة كبرى، وما أسالته من حبر كثير([47]).

ونحب أن نذكر ببعض التفصيل([48]) هذه الحادثة لنقرأها قراءة واقعية بعيدة عن التحليل الذي ينطلق من توجيه الاتهام من غير توفر الأدلة الكافية.

والحادثة قد تم تدوينها بكل تفاصيلها في مجلة الشهاب عام 1926 م بقلم ابن باديس ومبارك الميلي بالإضافة إلى صحيفة (لاديباش دو كونستونتين) في عددها الصادر يوم 30 جويلية 1927 م بقلم صحفي فرنسي رمز لاسمه بالحرفين (ن.ل)، وكتب عن الحادثة بتفصيل الأستاذ الأمين العمودي وعاد إلى تدوينها الشيخ محمد الصالح بن عتيق والشيخ أحمد حماني في كتابه (صراع بين السنة والبدعة) الذي خصصه للحديث عنها، وللحديث عما أفرزته من كتابات وخطابات وأشعار كثيرة.

وقصة الحادثة هي أنه في يوم 14 ديسمبر 1926 م عندما كان ابن باديس عائد إلى بيته بعد منتصف الليل، كمن له الجاني – وهو فقير علاوي من زاوية الجعافرة وصفته الشهاب بأنه (ابن ملجم) القرن العشرين- في منحدر (مايو)، وأقدم على تنفيذ محاولة اغتياله، فلما دنا منه هوى عليه بهراوة وأصابه بضربة على رأسه وصدعه، فشج رأسه وأدماه، لكن ابن باديس استطاع، وهو الضعيف النحيل، أن يمسك به، بل ويصعد به في الدرج إلى الطريق العام([49])، ويصيح مستغيثا فتبلغ صيحته جماعة كانت بمكان قريب منه، فيهرعون إليه.

أما الجاني فقد أمسكت به جماعة النجدة وساقوه إلى الشرطة فأوقفته وفتشته فوجدت عنده سبحة وتذكرة ذهاب وإياب بتاريخ ذلك اليوم (من مستغانم إلى قسنطينة) زيادة على الخنجر والعصا، واتضح أثناء التحقيق أنه من سكان برج بوعريريج ومن منطقة جعافرة – وهي أحد معاقل العلاويين – وكان اسمه (محمد الشريف مامين)، واعترف أنه كان يريد القضاء على ابن باديس بدعوى أنه يحارب الإسلام ولا يعترف بكرامات أولياء الله الصالحين، وأنه مبعوث خاص من الزاوية العلوية بمستغانم لأجل قلته.

وقد قام بالتحقيق في القضية قاضي الاستنطاق (أودوانو) من محكمة قسنطينة الذي أمر بتحويل الجاني إلى محكمة الجرائم التي أصدرت في شأنه الحكم بخمس سنوات سجنا رغم أن ابن باديس عفا عنه في المحكمة قائلا: (إن الرجل غرر به، لا يعرفني ولا أعرفه، فلا عداوة بيني وبينه.. أطلقوا سراحه)، ولكن الزبير بن باديس المحامي (شقيق الشيخ بن باديس) قام باسم العائلة يدافع عن شرفها، ويطالب بحقها في تنفيذ الحكم قائلا: (إن أخي بفعل الصدمة لم يعد يعي ما يقول)

وبعد أن قضى الجاني المدة التي حكم بها عليه عاد إلى مستغانم وعاش فيها ثلاث سنوات ثم عاد إلى حوزته في برج بوعريرج، أين أنشأ مركزًا للطريقة العلوية([50]).

ونحب قبل أن نعلق على الحادثة أن نذكر ما كتبه الإبراهيمي عنها وعن أسبابها وملابساتها، فقد قال فيها: (وإذا نسي الناس فإنهم لم ينسوا حادثة الاعتداء على الأستاذ عبد الحميد بن باديس الذي هو رئيس هذه الجمعية منذ تأسست إلى اليوم، فقد تآمر العليويون على اغتياله حيث ثقلت عليهم وطأة الحق الذي كان يقوله ولا زال يقوله فيهم وفي أمثالهم، وانتدب أشقاها لقتله في قسنطينة وضربه الضربة القاضية لولا وقاية الله ولطفه، ففي ذلك المشهد الذي تطيش فيه الألباب وتتفشى فيه روح الانتقام قوى الله الأستاذ- وهو أعزل- فأمسك خصمه الفاتك المسلّح ولبّبه بثيابه، ثم تجلّى على قلبه المطمئن بالرحمة فقال- وجرحه يثعب دمًا- للجمهور المتألّب المتعطّش لدم الجاني: (إياكم أن يمسّه أحد منكم بسوء) حتى تسلموه للمحافظة، ولولا هذه الكلمة لقطعوا الجاني إربًا إربًا))([51])

ومثله كتب الكثير من أعضاء الجمعية نثرا وشعرا، بل كتب غيرهم أيضا داخل الجزائر وخارجها([52])، ولا زالت الأقلام تكتب عن الحادثة إلى الآن، وتوجه التهمة فيها إلى الطرق الصوفية جميعا مصورة لها على أنها دبرت مؤامرة كبرى لا تقل عن المؤامرة التي قام بها الخوارج لقتل الإمام علي رضي الله عنه.

مع أن الحادثة قام بها شخص واحد ينتمي لطريقة واحدة، ولا دليل على أنه كان في ذلك مأمورا من مشايخ الطريقة ولا أهل الرأي فيها، وإلا كان في إمكانهم أن يوفروا ظروفا أفضل من الظروف التي وقعت فيها، ليبعدوا عن أنفسهم التهمة، وليحققوا غرضهم من جهة أخرى.

بالإضافة إلى هذا، فإنه لم يكن للطرقيين والعلاويين خصوصا أي حاجة في تلويث أياديهم بقتل ابن باديس أو غيره، فقد كان لهم – كما يذكر الإصلاحيون والموالون لهم – علاقة وطيدة مع الاستعمار، وكان الاستعمار ظالما طاغيا يستطيع أن يدبر أي مكيدة لمن يشاء وكيف شاء، وكان في إمكانهم استغلاله واستغلال صداقتهم له لتحقيق هذا الغرض.

بالإضافة إلى هذا، فقد حصلت أحداث أخطر، وكيل للطرق الصوفية وخصوصا العلاوية تهم أعظم، وكان أفراد الجمعية يتحركون بكل حرية في أماكن تواجد الطرقيين، ومع ذلك لم يحصل أي اختراق لهذا.

بالإضافة إلى هذا، فقد حصل اعتداء على رجال الطرق الصوفية من طرف بعض العوام، ومع ذلك لم يصور الإصلاحيون ولا الموالون لهم الأحداث إلا على اعتبار أنها أحداث تنم عن تفاعل المجتمع مع الجمعية لا على تآمر الجمعية على الطرق الصوفية.

ونحب أن نذكر أمثلة هنا على ذلك على اعتبار أنها من نوع العلم المكتوم الذي لا ينشر حرصا على سمعة الجمعية، فقد تعرض مامي إسماعيل([53]) رئيس تحرير جريدة النجاح([54])، وهو لا يقل في مكانتة العلمية عن أي عضو من أعضاء الجمعية، بل كان في يوم من الأيام من المؤيدين لها، لكنه بسبب مخالفته للجمعية في منهجها تعرض لضرب شديد من قبل الشيخ أحمد بوشمال([55])، وقد سجل الشيخ حماني هذا الحادث مثنيا عليه، فقال: (وبلغ بالسيد مامي — عفا الله عنه — أن صار يسخر بالشيخ ابن باديس ويخترع على لسانه محاورات، فبلغ السيل الزبا، واشتد غيض الشهيد أحمد بوشمال ولم يملك نفسه ذات يوم في 1938م، أن ارتمى عليه في نهج تجاري مزدحم وأعطاه (طريحة); أي ضربة كانت كافية لكفه النهائي عن التعرض لشخصية الشيخ ابن باديس بسوء حتى مات رحمه الله)([56])

بهذا المنطق برر الشيخ أحمد حماني هذا الاعتداء من شيخ الجمعية الكبير، لا من فرد من أفرادها البسطاء في نفس الوقت الذي كتب فيه مجلدا ضخما ممتلئا بالسباب والتكفير لركن من أركان المجتمع الجزائري بناء على تصرف فرد واحد.

ولسنا ندري لم لم يعذر ذلك الفقير العلاوي على اعتبار أنه لم يسمع إهانات فقط تتعلق بشيخه، بل سمع تكفيره وتضليله، وليته لو لم يعذره، لم يحمل جنايته على الطرق جميعا.

هذا مثال على الاعتداء المرتبط بالأفراد، أما الاعتداء المرتبط بالجماعات، فهو أخطر وأشد، ونسوق مثالا هنا على ما صار إليه المجتمع الجزائري المتسامح الموحد بعد تلك الأفكار التي نشرتها الجمعية، فقد ورد في جريدة النجاح هذا لخبر: (في يوم الجمعة 15 ماي 1930 م بينما كانت قبيلة أراس من سكان فج أمزالة عائدة من زيارتها الاعتيادية لمقام القطب الرباني الشيخ الزواوي بالروفاك مارة بميلة إذ بأتباع المرابط الشيخ مبارك الميلي العضو وأمين مال جمعية العشور([57]) ينهالون على الزوار المذكورين بالسب والشتم ولولا تدخل الفرنسيين وفرقوهم وإلا تقع بينهم ملحمة عظيمة)([58])

ولا نتعجب بعد هذا من اتهام الطرقيين للإصلاحيين بكونهم وهابيين، فأي فارق بين ما كان يمارسه الوهابيون في ذلك الحين من هدم للأضرحة وتعرض للزائرين لها، وبين ما مارسته هذه العصابة التي تنتسب للشيخ مبارك الميلي؟

ثانيا ــ الأهداف الداعية للتأسيس:

عرفنا في الفصل السابق أن الإجماع يكاد ينعقد على اعتبار الشيخين عبد الحميد بن باديس والإبراهيمي هما المؤسسان الحقيقيان للجمعية، وعرفنا أن المؤسس الحقيقي هو الذي يحق له أن يضع أهدافها، ويخطط برنامجها.

وعلى ضوء ذلك نبحث هنا عن الأهداف الحقيقية التي كانت وراء دعوتهما لتأسيس الجمعية.

وقد ذكر الإبراهيمي بتفصيل مهم جدا هذه الأهداف، وأنواع المشاريع التي كان يمكن أن تقوم الجمعية على أساسها ولتحقيقها، وكيف اختارت بعد ذلك الجمعية المنهج الذي ظهرت به، والذي به حصل الصراع الشديد بينها وبين الطرق الصوفية بسببه.

ونحب أن نلخص هنا ما ذكره لأهميته القصوى، فهو يرينا المدى الذي تريد الجمعية أن تذهب إليه في صراعها مع الطرق الصوفية.

فقد كتب تحت عنوان (نشوء الحركة الإصلاحية في الجزائر)([59]) يذكر أن الأوساط الإصلاحية في ذلك العهد كان يتجاذبها رأيان يلتقيان في المقصد وبختلفان في المظهر العملي للإصلاح وكيف يكون؟

أما أولهما، فيرى (صرف القوّة كلها وتوجيه جهود متضافرة إلى التعليم المثمر، وتكوين طائفة جديدة منسجمة التعليم مطبوعة بالطابع الإصلاحي علمًا وعملًا، مسلحة بالأدلة، مدربة على أساليب الدعوة الإسلامية والخطابة العربية، حتى إذا كثر سواد هذه الطائفة وكان منها الخطيب ومنها الكاتب ومنها الشاعر ومنها الواعظ ومنها الداعي المتجول، استخدمت في الحملة على الباطل والبدع على ثقة بالفوز)([60])

ولعله يشير بهذا الرأي إلى المدرسة السلفية التنويرية وإلى كثير من الحركات الإسلامية التي تبنت منهجها، وقد ذكر الإبراهيمي أن (هذا رأي له قيمته وخطره، وكان كَاتِبُ هذه الأسطر من أصحاب هذه الفكرة في ذلك الوقت)

وأما الثاني، فهو رأي استئصالي هجومي ينطلق من (أخذ المبطلين مغافصة والهجوم عليهم وهم غارّون، واسماع العامة المغرورة صوت الحق فصيحًا غير مجمجم)([61])، وهذا الرأي هو الذي تبناه -كما سنرى بتفصيل – التوجه السلفي المحافظ الذي أحياه الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

وقد انتصر الإبراهيمي لهذا الرأي الثاني باعتبار أن تلك (البدع والمنكرات التي يريد الإصلاح أن يكون حربًا عليها هي أمور قد طال عليها الأمد، وشاب عليها الوالد، وشبَّ عليها الولد وهي بعد شديدة الاتصال بمصالح ألفها الرؤساء حتى اعتبروها حقوقًا لهم، وأنس بها العامة حتى اعتقدوها فروضًا عليهم، فلا مطمع في زوالها إلّا بصيحة مخيفة، تزلزل أركانها، ورجة عنيفة تصدع بنيانها واعصار شديد يكشف الستر عن هذا الشيء الملفف، والسر الذي يأبى أن يتكشف، ليتبينه الناس على حقيقته، وأقل ما يكون من التأثير لهذا العمل أن تضعف هيبته في نفوسهم وتضؤل رهبته في صدورهم، وهنالك يسهل العمل في نقضه، وتخف المئونة في هدمه)([62])

ثم ذكر ما قام به مع ابن باديس لتحقيق هذا الرأي الثاني، فقال: (وقد رجح الرأي الثاني لمقتضيات لله من ورائها حكمة، فأنشئت جريدة (المنتقد) بقسنطينة لهذا الغرض، وكان اسمها نذيرًا بالشر لأهل الضلال فإنه مُتَحَدِّ لما نهوا عنه، وهاتك لحرمة ما شرعوه في كلمتهم التي حذروا بها العامة وهي قولهم: (اعتقد ولا تنتقد)، وانبرت للكتابة في (المنتقد) أقلام كانت ترسل شواظًا من نار على الباطل والمبطلين، ثم عطل المنتقد فخلفه الشهاب (الجريدة) ثم أسست جريدة الإصلاح ببسكرة فكان اسمها أخف وقعًا وإن كانت مقالاتها أسد مرمى وأشد لذعًا.. ثم تطور الشهاب الأسبوعي فأصبح مجلة شهرية استلمت قيادة الحركة من أول يوم وورثت الأقلام التي كانت تكتب في الجرائد قبلها، ولم تهن لمجلة الشهاب في حرب الباطل وأهله عزيمة ولم تفل لها شباة..)([63])

وقد سبق أن ذكرنا أن هذا الهدف كان في نفس ابن باديس والإبراهيمي منذ فترة طويلة سبقت تأسيس الجمعية، فقد ذكر الإبراهيمي في معرض حديثه عن الأيام الأولى التي بدئ فيها بالتفكير في تأسيس الجمعية، في مسامرتهما بالمدينة المنورة سنة 1913 م أنهما اهتديا إلى أن (البلاء المنصب على هذا الشعب المسكين آت من جهتين متعاونتين عليه، يمتصان دمه ويفسدان عليه دينه ودنياه: استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي.. واستعمار روحاني يمثله مشايخ الطرق المؤثرون في الشعب، والمتغلغلون في جميع أوساطه، والمتجرون باسم الدين، والمتعاونون مع الاستعمار عن رضى وطواعية. وقد طال أمد هذا الاستعمار الأخير، وثقلت وطأته على الشعب، حتى أصبح يتألم ولا يبوح بالشكوى.. خوفًا من الله بزعمه. والاستعماران متعاضدان، يؤيد أحدهما الآخر بكل قوته، وغرضهما معًا تجهيل الأمة، لئلا تفيق بالعلم.. وتفقيرها، لئلا تستعين بالمال على الثورة.. وإذن فلقد كان من سداد الرأي أن تبدأ الجمعية بمحاربة هذا الاستعمار الثاني لأنه أهون وهكذا فعلت)([64])

وبناء على هذا التحليل والتشخيص، بدأت الجمعية بمحاربة ما تسميه الاستعمار الثاني، وارتأى ابن باديس والإبراهيمي ومن وافقهما من الإصلاحيين بداية العمل الإصلاحي بإعلان الحرب على الطرق الصوفية قبل إعلان الحرب على الاستعمار نفسه.

ثالثا ــ التنافر بين الاتجاهات الفكرية:

وهذا في الحقيقة هو السبب الأكبر في كل ما حصل بين الجمعية والطرق الصوفية، وقد خصصنا الحديث عنه بتفصيل في الباب الثاني، ومن خلاله سنعرف نوع التوجه السلفي للجمعية، ونوع التوجه الصوفي للطرق الصوفية، وعلاقة ذلك بالخلاف بينهما.

ولكنا نحب أن ننبه هنا إلى أن هذا السبب كان في الإمكان تجاوزه لو حسنت النيات، فقد كان الاستعمار جاثما على أرض الجزائر – كما عرفنا في الفصل الأول- يستغل خيراتها، وينتهك حرماتها، ولم يكن الوضع مناسبا في ذلك الحين ليكتب أعضاء الجمعية وعلماؤها في الصحف القليلة – التي كانت هي المنهل الوحيد للكثير من الجزائريين ليتحرروا ويتثقفوا – في قضايا هي من فروع فروع الفقه يجادلون فيها، ويبدعون من خالفها.

وسنرى نماذج كثيرة على هذا في الباب الرابع، ونرى من خلالها أن كل ما طرح من قضايا لم يكن يعدو قضايا طرحت في جميع التاريخ الإسلامي، ولم تسل من المداد، ولم تنشر من الأحقاد ما حصل في عهد الجمعية.

رابعا ــ الأسباب النفسية:

لقد كان من الحرج الشديد أن نعتبر من أسباب الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية – منذ بداية تأسيسها – هذا النوع من الأسباب لولا أنه بحسب تصورنا هو السبب الأبرز، إن لم يكن أصل الأسباب ومنبعها.

وقد دعانا إلى اعتبار هذا السبب ما ذكره أبو حامد الغزالي عند بيانه لـ (آفات المناظرة وما يتولد عنها من مهلكات الأخلاق)([65])، فقد قال: (اعلم وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل والشرف والتشدق عند الناس وقصد المباهاة والمماراة واستمالة وجوه الناس هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله المحمودة عند عدو الله إبليس، ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعجب والحسد والمنافسة وتزكية النفس وحب الجاه وغيرها كنسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقذف والقتل والسرقة، وكما أن الذي خير بين الشرب والفواحش وسائر الفواحش استصغر الشرب فأقدم عليه فدعاه ذلك إلى ارتكاب بقية الفواحش في سكره فكذلك من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمباهاة دعاه ذلك إلى إضمار الخبائث كلها في النفس وهيج فيه جميع الأخلاق المذمومة)([66])

 وللأسف فإن هذا الكلام مع شدته صحيح إلى حد بعيد، فالذي حصل بين الجمعية في ذلك اليوم المشؤوم، وما حصل بعده من نتائج خطيرة زادت المجتمع الجزائري تفكيكا يعود في نصيب كبير منه إلى تلك الآفات الباطنة في نفوس كل من رجال الجمعية ورجال الطرق الصوفية.

وقد كفانا رجال الجمعية البحث عن الأسباب النفسية لرجال الطرق النفسية، حين ذكر الإبراهيمي هذا فقال:(ولقد تفرسنا فيهم – في الطرق الصوفية- فصحَّت الفراسة، وبلَوْناهم فصدق الابتلاء، وجرَّبْناهم فكشفت التجربة على أنهم لا يعرفون الأمة إلا في مواقف الاستعباد وابتزاز الأموال، فإذا مَسَّها الضر وتنكَّر لها الدهر تنكَّروا لها وتجاهَلُوها، وإن علاقتهم بالأمة علاقة السيد بعبده والمالك لمملوكه لا علاقة المسلم بأخيه المسلم، يحب له ما يحب لنفسه، وأنهم مطايا الاستعمار الذُّلُل وأيديه الباطشة؛ بل القنطرة التي هوَّنت عليه العبور، وانهم كانوا ولا زالوا على خلاف ما وصف الله به عباده المؤمنين أعزة على الأمة أذلة على المستعمرين والحكام المستبدين، وأن ليس في صحائفهم السوداء موقف يعز الإسلام أو يرفع المسلمين. وهذا تاريخهم الماضي الملحود، وتاريخهم الحاضر المشهود يسجلان عليهم أنهم أعوان على هذه الأمة للدهر، وحلفاء عليها للفقر، وإِلْبٌ على دينها مع التبشير بالكفر، وانهم هم الذين أَمَاتُوا رهبة الإسلام ونخوة الإسلام بخضوعهم واستسْلامهم، كما أمَاتُوا حقائقه بأساطيرهم وأوهامهم، وأنهم مردوا على الملق والمداهنة المزرية بشرف الإسلام في المواقف التي تسمو عن المجاملة وتقتضي نهاية الصدق في المعاملة)([67])

إلى آخر تلك الأوصاف الكثيرة التي اعتبرها الإبراهيمي السبب في كل تلك السلوكات التي يمارسها رجال الطرق الصوفية، والتي يراها بدعة وضلالة وكفرا.

وما ذكره ربما يكون صحيحا من جهة انطباقه على بعض رجال الطرق أو حتى مشايخها، أما تعميم ذلك، فيحتاج إلى فراسة أعظم من الفراسة التي تفرس بها، ذلك أن الطرق كما عرفنا في الفصل الأول، وكما يشهد التاريخ كان لهم أثرهم الفاعل في جميع أنواع المقاومات العسكرية والدينية والثقافية، وغير ذلك.

ونحن لا نريد أن نناقش هنا هذا، وإنما نريد أن ننبه إلى أن الجمعية كانت تعرف جيدا أن للأسباب النفسية تأثيرها الكبير في جميع الانحرافات الحاصة في الطرق الصوفية.

ولكن الذي لم تنتبه له – للأسف – هو سلوكها النفسي تجاه المخالفين لها من رجال الطرق الصوفية، وكيف كانت تنظر إليهم بنوع من التعالي والاحتقار، لأنهم ليس لهم من الفصاحة ما كان لرجال الجمعية، أو لأن شيخهم كان – كما يذكر الزاهري – (تاجرا يبيع الأحذية، ويصنعها فأفلس احتيالا وأكل أموال الناس، ثم ارتاد تجارة كلها ربح، ورأس ماله فيها النصب والاحتيال، يحتال على الفقراء المساكين، فيسلب أموالهم، ويستغل أبدانهم ويختلس يتمانهم، ومن ذلك فهو يحترف طريقة التصوف ويستغلها ماديا، ولا يعرف من التصوف إلا أنه باب من أبواب الرزق، وسبب من أسباب المعاش، ووسيلة من وسائل الاكتساب)([68]) إلى آخر تلك الأوصاف الكثيرة التي حاول الزاهري أن يعرف بها الشيخ ابن عليوة.

وقد حالت هذه الأوصاف بين الجمعية وبين الحوار مع الكثير من رجال الطرق الصوفية، والذين كانت لهم شهرتهم على المستوى العالمي، وقد عرفنا في الفصل السابق بعض النماذج عنهم من الطرق الصوفية المختلفة، لكن الجمعية لم تكن تعترف بهم، ولا بعلومهم.

وسنرى النماذج الكثيرة عن أسلوب الحوار جمعية مع المخالفين، بحيث تنتقل من الحوار في القضية الخلافية بغية الوصول إلى الحق فيها إلى الحوار في شخص المحاور، ومحاولة إسقاطه، وكأنه إذا أسقط أسقطت القضية معه.

خامسا ــ المؤامرة الاستعمارية:

فقد كانت مصالح المستعمر منوطة بتفرق الجزائريين وصراعهم فيما بينهم، ولهذا انتهجت فرنسا – كما عرفنا سابقا- سياستها المعروفة (فرق تسد)، وقد مارست هذه السياسة مع الجميع، فهي لا يهمها طرقي أو مصلح، المهم عندها كما عند كل مستعمر أن تتنافر النفوس، وأن يجهز بعضهم على بعض، حتى يتمكن من تحقيق أهدافه([69]).

ويذكر الكثير من الباحثين بناء على هذا أن الإدارة الفرنسية كانت تستعمل الطرق الصوفية لتحقيق أهدافها وخدمة مصالحها عبر استعمال العملاء وتوجيههم في خدمة مصالحها، ولعل أحسن مثال على هذا ما كتبه مصالي الحاج في مذكراته، من أن جاسوسا فرنسيا كان يسمى ليون روش([70])- Léon Roche ألف كتابا سنة 1884 تحت عنوان (ثلاثون سنة داخل الإسلام)(Trente ans à travers l’Islam)، يقص فيه أن هدفه الوحيد من اعتناقه الظاهري للإسلام كان يتمثل في الحصول على فتوى من القادة الدينيين لوقف القتال ضد الاستعمار، وقد تحصل على تلك الفتوى مقابل دفعه نقودا من الذهب إلى قادة الزوايا أو الطرقية.

وبناء على هذا يعتبرون الطريقة العلاوية خصوصا أداة من أدوات الاستعمار مستدلين على ذلك برضا المستعمر عنها، والسماح لها بأداء نشاطها بحرية كبيرة.

ونحن – كما نعتقد حصول هذا الاختراق بين صفوف الطرق الصوفية – فإنا نعتقد كذلك أن الجمعية لم تكن بمنأى من هذا الاختراق، وأنها في بعض نواحي سلوكها كانت تنفذ مؤامرة فرنسية شعرت بها أو لم تشعر.

ولذلك – كما يصرح ابن باديس نفسه – فتحت لها الحكومة الفرنسية كل الأبواب لتؤدي أدوارها بحرية أكبر، وقد ذكر ابن باديس هذا مثنيا عليه، فقال: (للحكومة – الفرنسية طبعا- الفضل العظيم بفتحها السبل لهذه الجمعية حتى تتوصل إلى نشرهما باتصال رجالها من أهل العلم بالأمة في مساجدهم ومجامعهم وحيثما كانوا، فللحكومة في هذا من الفضل بقدر ما فيه للأمة من النفع، ولقد كان رجال الحكومة الذين لقيناهم في جميع البلدان يلاقوننا بمزبد الإكرام، ويزودوننا بعبارات التأييد والتنشيط، ويقول لنا الكثير منهم: (إننا مستعدون لمساعدتكم في كل ما تريدونه بدائرتنا)، ولا شك أنهم يتكلمون بلسان الحكومة ويعربون عن نياتها ومقاصدها، وأي مقصد أشرف وأي نية أنفع من تعاون الحكومة من العلماء لتهذيب الأمة وتعليمها)([71])

 ويعقب على ذلك بقوله: (هذا أعظم ما قامت به فرنسا في أول القرن الثاني نحو أبنائها المسلمين الجزائريين الذين كانوا معها في جميع المواقف مواقف الحياة ومواقف الموت)([72])

ولا نريد أن نعلق على هذه العبارة التي لم نجد من الباحثين من ينقلها مع صراحة نسبتها لابن باديس، لكنه لو قالها بعض رجال الطرق لنشرت، واستعملت أسوأ استعمال.

بل إن ابن باديس يذكر كيف كان للإعلام الفرنسي دوره في الاهتمام بالجمعية والتعريف بها، فيقول تحت عنوان (فضل الصحافة العربية والفرنسية): (كانت الصحف الفرنسوية تتبع رحلتنا وتنشر الفصول عنها وتذكر الجمعية بكل تعظيم وتبجيل مثل ما كانت تفعله مع أكبر جمعية فرنسوية ورئيسها فبرهنت على أن الفكر العام الفرنسي يقدر للمسلمين مشاريعهم ويساعدهم عليها ويرد لهم الرقي والتقدم، وقد كانت الصحافة العربية النجاح والنور والمرصاد قامت بواجبها نحو قومها وملتها فلجميع الرصيفات الفرنسية والعربية شكر الأمة والوطن وشكر الجمعية والعلم)([73])

قد يقال بأن فرنسا كانت تصادر صحف الجمعية، وتضيق عليها، والجواب على هذا بسيط جدا من جهتين:

الجهة الأولى: أنها لم تكن تضيق عليها إلا فيما يرتبط بمصالحها، أما ما كانت تنشره الجمعية مما يصدع الوحدة الاجتماعية والثقافية والدينية، فقد كانت راضية عنه أتم الرضى، بل إنها كانت تشجعه أعظم تشجيع.

الجهة الثانية: هي أن الكثير من المضايقات للجمعية كانت مضايقات شكلية، لا حقيقية، فعند منع الصحيفة في الصباح تصدر صحيفة أخرى بنفس المنهج ونفس الشدة في المساء، وليس من خلاف بينهما إلا في الاسم.

بالإضافة إلى هذا، فقد كتب الإبراهيمي في العدد 61 من جريدة (البصائر)، بتاريخ 27 ديسمبر سنة 1948 مقالا طويلا تحت عنوان (إلى الزاهري) حمل فيه حملة شديدة على الرجل الذي كان في يوم من الأيام بالنسبة لهم مصلحا أو معولا خطيرا من أهم معاول هدم الطرق الصوفية، لكنه بعد أن كشفت حقيقته تبين لهم أنه كان كاذبا وخائنا، بل فوق ذلك عميلا من عملاء الاستعمار([74])، ومما جاء في ذلك المقال قوله له يذكره ببعض مواقفه في الجمعية: (أتذكُر يوم ضاقت بك الحيل فعرضت همّتك وذمّتك وقلمك في المزاد العلني فكنّا أزهد المشترين فيك؟ كن شريفًا ولو لحظة من عمرك واعترف بهذه الحقيقة. ألم ننصحك نصيحة لو أحيا الله أبويك لما نصحاك بمثلها؟ ولكنها ضاعت كما تضيع المِنّة عند غير شاكر. ألم تفترص الفرصة حين خاطبناك في صندوق الحروف الذي تملكه لنطبع به (البصائر)، بالبيع أو بالكراء، فأخذت منّا عشرة آلاف فرنك لتفكّ بها رهن الصندوق من الطابع الإسباني، وكنت عاجزًا عن فكّه بستة آلاف فرنك؟ فلما حصلت عليه اشتططت وشرطت قرض مائتي ألف فرنك في مقابلة كراء الحروف، فلما يئست منا عرضت نفسك على دكتوريْن لهما ماضٍ عريق في خيانة الوطن لتخدم ركابهما وتزكيهما في الخيانة، في مقابل قناطير من الورق منَّياك بها، فلما لمناك على ذلك قلت لنا بالحرف: (ما نكذبش عليكم، أنا نتبع مصلحتي المادية حيثما كانت) والجملة الأولى هي لازمتك المعروفة عند جميع الناس، وهي لازمة كل كذّاب، إذ لا يكثر من نفي الشيء إلا المتّصف به، ثم كنت متشوّفًا إلى خدمة مَن تُسمّيهم اليوم باللائكيين، ولو أعاروك التفاتة، أو أشاروا إليك بغمزة، لكنت اليوم من عبيدهم المطيعين، ولكانت اللائكية، في نظرك ملائكية، ثم عرّجت على الشيوعيين، ولهم معك ماضٍ معروف، فوجدتهم أيقاظًا، ذاكرين لذلك العهد، مثنين عليك بمثل ريح الجورب، ولو آنستَ في ذلك العهد من جانب الطرُقيّة نارًا، لقلت في غير تردّد: إني أجد على هذه النار هدى. ثم وقع بك الحظ على هؤلاء القوم أو وقع بهم عليك، وهم لم ينسوا ماضيك معهم، وإنما يتناسونه لأمر ستنجلي عنه الغيابة، يوم ينكفئ القدر بما فيه من صبابة. فهل فكّرت بعد هذه الأطوار أن تستقلّ بجريدة لا تناصر بها حركة ولا سكونًا، ولا تعتمد فيها على شخص ولا على حزب؟ وهيهات)([75])

المطلب الثالث: نتائج الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية

لقد عبر ابن باديس عن تبعات ذلك التفرق الذي حصل بين الجمعية والطرق الصوفية بعد سنة من التأسيس، فقال: (ها هو القانون الأساسي للجمعية كما وضع أول مرة منذ خمس سنوات، وقد كان الذين وضعوه شطرهم مع الطرقيين، ولكنهم ما أكملوا السنة الأولى حتى فروا من الجمعية وناصبوها العداء واستعانوا عليها بالظلمة ورموها بالعظائم وجلبوا عليها من كل ناحية بكل ما كان عندهم من كيد، ذلك لأنهم وجدوا كثيراً من الآفات الاجتماعية التي تحاربها الجمعية هم مصدرها وهي مصدر عيشهم، ووجدوا قسماً منها مما تغضب محاربته سادتهم ومواليهم وقد شاهدوا مظاهر الغضب بالفعل منهم فما رفضتهم الجمعية ولا أبعدتهم ولكنهم هم أبعدوا أنفسهم)([76])

ونحن، وإن كنا لا نسلم باللغة الشديدة التي تحدث بها ابن باديس من تحميله تبعات ما حصل على الطرقيين وحدهم إلا أننا مع ذلك نستطيع أن نستنبط من كلامه الكثير من النتائج السلبية التي أعقبت ذلك الحادث، والتي نحاول سرد بعضها هنا باختصار:

أولا ــ زيادة شدة الخلاف:

لقد كان الخلاف – كما ذكرنا سابقا- موجودا مشهورا بين الجمعية والطرق الصوفية قبل تأسيسها، ولكنه كان خلافا لا يعدو أفرادا من الإصلاحيين، ولم يتعد إلى مستوى التجمعات، ليصل إلى أكبر تجمعين عرفتهما الجزائر في ذلك الحين: تجمع الجمعية، وتجمع الطرق الصوفية.

وعند تصفح صحف الجمعية في ذلك الحين نجد أنه لم يكن لها دور إلا النفخ في نار الفرقة، فصحيفة الشريعة والصراط وغيرها مع قلة أعدادها، ومع كونها كانت فرصة لتعليم الجزائريين وتوجيههم وتوحيد صفوفهم إلا أنا للأسف نجدها صارت مملوءة بصفحات كثيرة جلها سباب وأحقاد.

وكمثال على ذلك التهييج والإثارة بيان نشرته جريدة الشريعة تحت عنوان (براءة القبائليين من شيخ الحلول وتلميذه الحافظي ومن تبعهما)، وهو بيان خطير وقع عليه 135 من تلك البلاد التي كان للطريقة العلاوية فيها وجود واسع، وقد ضم هذا البيان أمثال هذه الأفكار التفكيكية والاستئصالية، والتي عبروا عنها بقولهم: (.. بناء على هذا فنحن الواضعين خطوط أيدينا هنا من عرش ذراع اقبيلة الذي يعد بالنسبة إلى بلاد القبائل أقل تقدما من غيره, قد أدركنا ما عليه الأمة الجزائرية اليوم من تشويش المشوشين ومشاغبة المشاغبين الذين كتب الله عليهم الشقاوة في الدنيا والآخرة, فأشفقنا على أنفسنا وعلى إخواننا المسلمين من سائر أولئك المجرمين, فعملنا لرفع النزاع بكل وسيلة نافعة دون أن تضر, فما زيد في نار القوم إلا اضطراما حتى أيسنا ولم نرج منهم سلاما, ثم إن مثير الفتنة واحد لا ثاني معه إلا من كان له أجيرا وما في معناه)([77])

بل إن هؤلاء الذين حملوا كل هذه الأحقاد على الطرق الصوفية، وعلى الشيخ الحافظي، عندما يتحدثون عن فرنسا في نفس البيان يقولون عنها: (بقي الآن علينا أن نؤدي شهادتنا لحكومة افرانسه الفخيمة العادلة المنصفة وأن هذه الطائفة المخذولة التي تكذب على جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مرة بعد أخرى بإلصاق السياسة لها وبالتدخل في غير أمور الدين والواقع يفند مفترياتها والحكمة نفسها ترى بعين الرأس من المشاغب ومن المهيج، ومن الذي يكتب في جرائده السياسة وينشرها في الناس بعكس ما يتظاهر به للحكومة)([78])

وحتى نكتشف خطورة هذا البيان وتأثيره في تفكيك وحدة المجتمع الدينية والثقافية، بل والسياسية نحب أن نذكر أنه كان للزوايا والطرق الصوفية في تلك المنطقة خصوصا تأثير كبير في مواجهة التبشير والحفاظ على الهوية إلى درجة أنه صدر من الجمعية قرار سري – ذكره الشيخ خير الدين – يقضي بمنع مقاومة الزوايا والمرابطين في بلاد القبائل التي كانت للكنيسة نشاط تخريبي هدام منظم، ما يتحتم توظيف تلك الزوايا في بث الوعي الديني الإسلامي ورد شبه المنصرين عمليا([79]).

ومثله كتبت الصراط بيانا أمضاه (أربعمائة من جميع طبقات الأمّة من أهل العلم وأهل الفلاحة وأهل الصّناعة وأهل التّجارة وغيرهم) يقول أصحابه: (إنّ سكّان بلدة باتنة وأحوازها الواضعين إمضاءاتهم أسفله يشكرون العمل الصّالح الذي قامت به جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين لِرفع حالة إخوانهم المسلمين من الجهة الأدبيّة والأخلاقيّة والذي هو روح الفكرة الفرنسويّة ويُوجّهون لرئيس الجمعيّة المذكورة الوجيه الأستاذ عبد الحميد بن باديس احترامهم ويشكرون سعيه ويضمنون له الاتّحاد معه في هذا العمل)([80])

مع العلم أن باتنة في ذلك الحين كانت معقلا للطرق الصوفية، وخصوصا الطريقة الرحمانية، وكان دورها لا يقل عن دور الطريقة العلاوية أو الرحمانية في بلاد القبائل، سواء من الناحية العلمية أو الناحية السياسية والعسكرية، كما سنرى ذلك بتفصيل عند الحديث عن المشروع الإصلاحي للطرق الصوفية.

وقد كان لهذا الشحن الطائفي آثاره الخطيرة على وحدة المجتمع الجزائري، وعلى تسامحه مع المخالف، وتعدى الأمر الكلام ليصل إلى العنف بمختلف أشكاله، كما سنرى في الباب الثالث.

ثانيا ــ تضييع المكاسب والطاقات:

فقد كان في إمكان الجمعية في حال التوافق أن تكتسب الكثير من المواقع المهمة والطاقات التي تستطيع من خلالها أن تؤدي رسالتها، وأن تصل إلى أكبر عدد من الجزائريين، لكنها للأسف فرطت فيها بناء على نظرتها الاستئصالية الإقصائية.

ونحب أن نذكر هنا نماذج عما خسرته الجمعية، وخسره معها الشعب الجزائري من مكاسب وطاقات كان يمكن توظيفها في التثقيف والتهذيب والإصلاح، لكنه بسبب التسرع في المواقف تحولت إلى أدوات للصراع.

تضييع المكاسب:

لا يمكن تعداد المكاسب التي كان يمكن للجمعية أن تستفيد منها في خدمة هدفها الإصلاحي، والتي حال بينها وبين تحقيقها ما حصل من شقاق، ولكنا مع ذلك سنكتفي – من باب المثال- على الناحية الإعلامية التي كان لها تأثير كبير في توجيه الرأي العام في الصالح العام.

ولعل أحسن مثال على هذه الناحية ذلك الشقاق الذي حصل بين الجمعية و(جريدة النجاح) باعتبار أن صاحبها كان من أبناء الطرق الصوفية([81])، ولذلك تخلت عن دعمها للجمعية بعد أن ناصرتها في بداية تأسيسها، بل تحولت إلى مواجهتها والصراع معها.

مع العلم أنها أتاحت المجال لابن باديس لنشر مقالاته الإصلاحية – مع علمها بتوجهه الفكري- قبل أن يحصل ما حصل([82])، فقد كان يكتب فيها تحت عنوان (خطرات الأسبوع) فقرات مختصرة طرح فيها الكثير من القضايا الإصلاحية، واستمرت لأكثر من سنتين([83])، وكان يمضي فيها باسم مستعار هو (العبسي)([84])

تضييع الطاقات:

وهي كثيرة جدا، من المثقفين وغيرهم من أبناء الزوايا أو المؤيدين لها، والذين انلقبوا على الجمعية بمجرد إعلان صراعها مع الطرق الصوفية.

وكمثال على ذلك (مامي إسماعيل) رئيس تحرير جريدة النجاح الذي أشرنا إليه سابقا، والذي استطاع باجتهاده أن يصل بجريدة النجاح إلى نواح كثيرة في الجزائر، وكانت الشهاب تثني عليه، بل كان ابن باديس نفسه يستفيد منه، كما قال الشيخ أحمد حماني: (كان يحب الشيخ ابن باديس (يقصد مامي) ويأتيه بأسرار الإدارة الفرنسية ويطلعه على بعض ما يدبر من مكائد، وهذا ما جعله لا يقطع صلته به)([85])

وكان هو أيضا من مؤيدي تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إذ كتب مقالا حولها بعنوان (جمعية العلماء منة كبرى يجود بها القرن العشرون) وقال: (إذا جاء موسى وألقى العصا فقد بطل السحر والساحر)([86]) ويعني بذلك أن جمعية العلماء المسلمين هي عصا موسى التي تلتهم كل الجمعيات أو تقضي عليها.

لكنه بعد الذي حصل تراجع، وكان من الطبيعي أن يتراجع، فلا يمكن أن يظل على تأييده لجهة لا تريد إلا استئصاله.

ثالثا ــ تأسيس جمعية علماء السنة:

مع أن تأسيس هذه الجمعية الإصلاحية لا يمكن اعتباره من النتائج السلبية، لكنا جارينا الواقع المعمول به في اعتباره من الآثار السلبية، لنطرح فيه موقف الجمعية منها.

وقبل أن نطرح موقفها منها نقدم لها بتعريف مختصر، فقد تأسست جمعية علماء السنة رسميا بتاريخ 15سبتمبر 1932م، وكان الساعي إلى تأسيسها الشيخ المولود الحافظي الأزهري الذي كان عضوا في المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عند تأسيسها سنة 1931م، وكان يمثل اتجاه الطرقيين في الجمعية في ذلك الحين، لكن بعد تلك الأحداث التي حصلت يوم 23 ماي 1932م اجتمع رؤساء الزوايا والموظفين الدينيين في الإدارة الحكومية وأسسوا هذه الجمعية، ومن مبادئها التي أعلنوها في قانونها الرسمي أنها (جمعية إسلامية تعليمية خيرية.. وأنها تمتنع عن الخوض في الأمور السياسية، وعن كل ما يمكن أن يثير الاضطراب بين الفئات الدينية، والعصبية.. وأنها تهدف إلى إحياء السنة، والتقاليد، ونشر لفضيلة والتمسك بالأخلاق وفقا لما جاء في الكتاب والسنة، وتعاليم المذاهب الأربعة، ومبادىء الفقه والتصوف والدين الإسلامي)([87])

انطلاقا من هذا، وقبل أن نذكر مواقف رجال الجمعية منها نحب أن نبين الموقف الحضاري المفترض من جمعية تأسست على مبادئ واضحة مقبولة، بعد أن رأت نفسها لا تنسجم مع جمعية أخرى، وهو ما يحدث كثيرا في الواقع، بل ما تمليه طبيعة النفس والمجتمع المبنية على التعدد.

كان الموقف الحضاري – كما نتصور – يتطلب من كلتا الجمعيتين أن تتعاونا في الأهداف المشتركة، وأن تترك كل جمعية للأخرى ميدانها الذي تريد أن تتخصص فيه.

لكن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعاملت مع القضية على خلاف ما يمليه هذا السلوك الحضاري، وكان مبدأ ذلك اعتبار انشقاقها وكأنه انشقاق عن جماعة المسلمين التي لا يحل مخالفتها ولا الخروج عليها.

ونحن لا نستطيع في هذا المحل الضيق أن نستعرض جميع ما كتب في الموضوع، ولذلك نكتفي برأس من رؤوسها الكبار، بل منظرها الأكبر الشيخ البشير الإبراهيمي، فقد ذكرها وأرخ لها، ونحب أن نقتطع هنا من حديثه عنها بعض المقاطع لنرى من خلالها كيف يتعامل الإبراهيمي، وكيف تتعامل الجمعية مع المخالف لها الذي استعمل حقا شرعيا وقانونيا، ومن باب التبسيط، وتيسير التعليق نضع ذلك على شكل عناوين وعناصر:

1 ــ اتهامها في أهدافها: وأنها أسست لأجل محاربة جمعية العلماء ومضارتها على الرغم من أن قانون الجمعية لا ينص على ذلك، يقول الإبراهيمي: (لم يقف العليويون وأذنابهم عند حدّ ذلك الهجوم الذي كان أوله كيدًا وآخره فضيحة، بل أجمعوا أمرهم وشركاءهم وقرروا في اجتماع تولى كبره رئيسهم الأكبر أحمد بن عليوه محاربة جمعية العلماء بكل وسيلة وبكل قوّة، وتقاسموا على ارتكاب ما يحل وما يحرم في هذا السبيل، وانفتقت لهم الحيلة بإرشاد بعض أذناب الإدارة على تأسيس جمعية طرقية في معناها وحقيقتها، حلولية في باطن باطنها، علمية في ظاهرها وما يراه الناس منها ليوهموا العامة أنهم يحاربون العلم بالعلم، لا العلم بالجهل، فبثوا في الزوايا وعبيدها دعوة جامعة إلى تكوين هذه الجمعية التي وصفوها بأنها جبهة قوية تقف في وجه الإصلاح وتنازل جمعيته وجهًا لوجه ودارًا لدار بعد أن لم يبق أمل في إسقاطها بالحيلة، أو الاستيلاء عليها بالمكر)([88])

هذا ما ذكره الإبراهيمي للأسف، بهذه اللغة الممتلئة بالاتهامات الجزاف الخالية من أي منهج علمي، ولا أدلة علمية، بل إن الأدلة العلمية من أصحاب هذه الجمعية تناقض ما ذهب إليه، وسنرى ذلك بتفصيل عند الحديث عن محاولات الصلح التي قام بها الحافظي، ورفضت جميعا.

2 ــ اتهامها في أعضائها: وأنها أسست من (علماء مأجورين، وطلبة مدحورين، من كل من في عنقه للزوايا مِنَّةُ الخبز، ولها عليه فضل التعليم الأشل، وله فيها رجاء العبد في سيده، من تلك الطائفة التي لا ترعى للعلم حرمة، ولا تشعر له في نفوسها بعزة ولا كرامة)([89])، وغير ذلك من الأوصاف الكثيرة لأعضائها مع كون الكثير منهم علماء لا يزالون محترمين، وكتاباتهم تشهد لهم بذلك.

فقد حضر مجلسها التأسيس علماء محترمون من جميع أقطار الجزائر، فبالإضافة إلى رئيسها الشيخ المولود الحافظي الأزهري الشهير بالفلكي حضر الشيخ العربي التواتي من غليزان، والشيخ ابن الهاشمي بن بكار من معسكر، والشيخ علي بن السنوسي الشطي من معسكر، والشيخ حسين بن قريد من معسكر، والشيخ أحمد بن قيطون، والشيخ أحمد الشاذلي بن الشيخ عبد الرحمن الميسومي من قصر البخاري، والشيخ أحمد لكحل شاعر العاصمة وهو ابن السيد يحيى لكحل رئيس اللجنة التنفيذية للجمعية في الجزائر العاصمة، والشيخ إبراهيم بن شناف من الأغواط، والشيخ الجيلالي يبن عبد الحكيم من العطاف، والشيخ محمد الفضيل الزواوي من الأربعاء ناث ييراثن، والشيخ ابن إبراهيم أحمد بن الحاج مصطفى من قرية تاحميرت بفرندة، والشيخ محمد الشريف بن السعيد من زاوية سيدي منصور بتيزي وزو، والشيخ محمد العيد مفتي سور الغزلان، والشيخ محمد العشي من زاوية سيدي الحسين بن الحسن بضواحي قسنطينة، والشيخ مصطفى بن المكي بن عزوز من عين البيضاء، والشيخ ابن شعبان الحاج محمد القريشي إمام مسجد الأربعين شريفا وشيخ الزاوية الحنصالية بقسنطينة، والشيخ حسن الطرابلسي من عنابة، والشيخ مصطفى بن الفخار مفتي المدية آنذاك([90]).

والخطر الأكبر في هذا الاتهام أنه لا ينصب فقط على أعضاء الجمعية، بل ينصب على جميع المثقفين الجزائريين ممن لم تتح لهم الفرصة ليذهبوا للزيتونة والأزهر، مع كون التعليم في الزوايا في ذلك الحين لا يقل عن التعليم في الزيتونة والأزهر.

لكن السر كما ذكرنا سر نفسي، يعود إلى احتقار الجمعية للتعليم الجزائري، واعتبارها أن المتعلم هو ذلك الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها([91])([92])

3 ــ اتهامها في نياتها: وأن أعضاءها – بعلمائهم وطلبة علمهم – (اجتمعوا كلهم على النداء من كل صوب كضوال الإبل، وحشروا في غمرة من الذهول أوهمتهم أنهم سيصبحون بفضل سادتهم مشائخ الطرق، وبجاه موالاتهم للحكومة موظفين (مُنَيْشَنِين([93])([94])

بعد هذه الاتهامات يسخر الإبراهيمي من هذه الجمعية لكون رئيسها خرج (إلى الأمة يسألها المال والتأييد، فقابلته بما يستحق من طرد ومقت، ولم يمض إلّا قليل حتى حلّ الله ما عقدوا، وتَبَّرَ ما شيدوا، ورأى الناس عبرة العبر في انهيار الباطل وانخذال أهله، وعدوها من عجائب صنع الله لجمعية العلماء المسلمين، وقرأوا قوله تعالى: { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ } [الرعد: 17])([95])

ومن العجيب أن ينكر الإبراهيمي عليهم هذا السلوك مع كونه – مع أعضاء جمعيته جميعا – يمارسونه، بل إن الشيخ العربي التبسي ذهب إلى أعظم من ذلك حين أباح لفقهاء الجمعية أن يستفيدوا من الزكاة حتى لو كانوا أغنياء ما داموا (قد حبسوا جهودهم وعلومهم وحياتهم للجهاد في سبيل الإسلام، ونشره، والدفاع عنه. أما فقهاء السوء طلاب الدنيا فإننا لا نقول بجواز أخذهم من الزكاة)([96])

ثم هل هناك جمعية في الدنيا لا تبحث عن المعونات حتى تحقق أهدافها، ولو طالعنا جرائد الجمعية من هذه الناحية، واهتمامها بجلب المعونات المادية لألفنا في ذلك أسفارا كثيرة، ويطيب لنا هنا أن نستعمل أسلوب الإبراهيمي في ضرب الأمثال، فنقول: (رمتني بدائها وانسلت)([97])

بعد هذا نحب أن نبين أثرا خطيرا لهذا الذي طرحه الإبراهيمي، وهو مرتبط بواقعنا لنعرف من خلاله أننا لا زلنا أسارى لتقديس الأشخاص لا لتقديس المبادئ.

وهو موقف مؤسف من رجل أكاديمي يتزعم الآن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهو الدكتور عبد الرزاق ڤسوم الذي أدلى بتصريح لجريدة واسعة الانتشار بين العوام والمثقفين يقول فيه: (إن الخلاف بين الجمعية (يقصد جمعية العلماء المسلمين) والزوايا يعود إلى زمن تأسيس جمعية العلماء التي ضمت جل علماء الأمة، بما في ذلك بعض شيوخ الزوايا الذين تصدوا لمحاربة الاستعمار الفرنسي، فعمد هذا الأخير إلى شق الصف بإنشاء جمعية (السنة)، كان المعنيون يتهمون جمعية العلماء المسلمين بكونها جمعية سلفية، بعيدة عن نهج السنة العطرة.. وفرنسا عملت على بعث جمعية مناهضة لجمعية العلماء من خلال استعمال مصطلح يحقق إجماع المسلمين، هي السنة)([98])  

ولسنا ندري ما مصدره على هذه المعلومة الخطيرة، وهي كون فرنسا هي التي أوحت للحافظي وللشيخ ابن عليوة ولمشايخ الهامل وغيرهم من مشايخ الزوايا بأن يسموا جمعيتهم (جمعية السنة)؟ ثم متى كانت السنة حكرا على جمعية العلماء أو غيرها؟ ثم متى حوسب الناس على الأسماء التي يختارونها لأشخاصهم أو لأي شيء يشاءونه؟، ثم هل العبرة بالأسماء أم بمحتوياتها؟

نترك هذه الأسئلة جميعا للباحثين لينصفوا هذه الجمعية المظلومة التي ظلمتها جمعية العلماء السابقة واللاحقة، والعجيب رميها بكونها صناعة استعمارية، ولو كانت صناعة استعمارية لما أجهضت بعد شهور من تأسيسها، ثم يستشهد رئيسها من طرف الاستعمار لا من طرف جبهة التحرير الجزائرية([99]).

ونرى من خلال بعض البحث في هذه الجمعية أن الاستعمار كان هو السبب في توقفها، فلم يكن يرضى بحال من الأحوال أن تعود للطرق التي حاربته أي سلطة في المجتمع خاصة إذا دعمت تلك السلطة بالوسائل والأساليب الحديثة.

المبحث الثاني

العلاقة الشخصية بين الجمعية والطرق الصوفية

بعد تعرفنا على المواقف الرسمية للجمعية من الطرق الصوفية، وما ساد فيها من أجواء مشحونة بالحرب والصراع، فإن المنهج العلمي يقتضي منا أن لا نحكم على كل أعضاء الجمعية بتلك الخلال التي سبق ذكرها إلا بعد دراسة المواقف الشخصية لكل فرد من الجمعية، وذلك لسببين:

الأول: أن أعضاء الجمعية – كما ذكرنا سابقا- لم تقتصر تلمذتهم على مدرسة واحدة، وبالتالي اختلفت مواقفهم شدة ولينا بحسب ما أشربوا من أفكار، ذلك أن الكثير منهم إنما انتسب للجمعية بناء على اقتناعه بمشروعها الإصلاحي أكثر من اقتناعه بتوجهها الفكري، وقد ذكرنا في الفصل السابق مثالا على ذلك بالشيخ العيد القادري، والذي حول من زاويته إلى مدرسة للإصلاح، وليس لنا أي مصدر يدل على أن الشيخ ترك تيجانيته أو توجهه الصوفي.

والثاني: أن المواقف الشخصية ترتبط بسلوك الشخص وأدبه مع المخالف، أكثر من ارتباطها بالنواحي العلمية أو التوجهات الفكرية، والتي سنرى أن أعضاء الجمعية يكادون يتفقون عليها.

وقد وجدما لنا من خلال استقراء المواقف المختلفة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين من أصحاب الطرق الصوفية موقفين متباينين أحدهما متشدد، والثاني معتدل، ولكليهما درجات مختلفة قوة وضعفا.

والمعيار الذي وضعناه لهذا التقسيم لا علاقة له بالأفكار والتوجهات الإصلاحية، ذلك أنا قد ذكرنا اتفاق الجميع على اعتبار وقوع الانحراف في الطرق الصوفية، وبعدها بالتالي عن الإسلام الصحيح.

ولكن الفرق بين هذه التوجهات الشخصية يتمثل في كيفية التعامل مع الآخر، سواء على المستوى الفكري، أو المستوى الشخصي.

فعلى المستوى الفكري، نجد المتشددين المغالين يصمون آذانهم عن سماع ما يطرحه الآخر من أفكار وأدلة، لأنه يعتبر أن كل ما يأتي به المخالف كفرا وضلالا وبدعة، ويرى لأجل هذا أن منهج التعامل معه هو الاستئصال والتشهير لا الإصلاح والتوجيه، بينما نجد المعتدلين أخف حدة، وأكثر إقبالا على تقبل الآخر ومناقشته.

وعلى المستوى الشخصي نرى المتشددين يميلون إلى استعمال العنف اللفظي والأحكام المشددة على خلاف المعتدلين الذين هم أكثر لينا وسماحة.

ونحب – قبل أن نذكر نماذج عن هذين الموقفين ودوافعها – أن ننبه إلى صعوبة التصنيف العلمي الدقيق لرجال الجمعية بهذا الاعتبار، وذلك لسببين:

السبب الأول: أن البعض ممن نعتبرهم معتدلين يقفون في بعض المواقف مواقف المتشددين من حيث عدم سماع الآخر، أو عدم احترامه، والعكس صحيح، وكمثال على ذلك موقف ابن باديس والزاهري من الطريقة التيجانية.

فعلى الرغم من اعتبار الشيخ ابن باديس عند أكثر الباحثين من المعتدلين في مواقفهم إلا أنه في موقفه من التيجانية خصوصا كان متشددا غاية التشدد، فقد أفتى بكفرهم في رسالته التي خصصها عنهم، والتي يقول فيها بعد أن بسط الأدلة كما تصورها وكما سئل عنها، من غير أن يرجع إلى ما يقول علماء التيجانية في الإجابة عنها: (لهذه وغيره نقول أن الطريقة التيجانية ليست كسائر الطرق في بدعها، والمشاهد اليوم من أضرارها، ودعنا من حديث ماضيها بما فيه، بل هي طريقة موضوعة لهدم الإسلام تحت اسم الإسلام، فإن كتبها وأقوال أصحاب صاحبها مطبقة على هذه الأفكار وأكثر منها فلا تجد في كتبهم ما هو خالص منها حتى يمكن أن يكون هو الأصل وأن غيره مدسوس وإنك لتجد هذه الكتب محل الرضى والقبول والتقديس عند جميع أتباع الطريقة عالمهم وجاهلهم. ولو كان عالمهم بالكلمة المنسوبة إلى صاحب الطريقة، والله أعلم بصحة نسبتها: (زنوا كلامي بميزان الكتاب والسنة) – لأعدموا تلك الكتب أو حرموا على جماعتهم قراءتها أو حذفوا منها هذه الكفريات والأضاليل وأعلنوا البراءة منها للناس لكن شيئا من ذلك لم يقع. وإنما يطنطنون بتلك الكلمة قوليا ويقرون تلك الكتب وما فيها علميا. وماذا يفيد القول مع التقرير والعمل. ولهذا رغم من كان في هذه الطريقة من أناس مشهورين بالعلم كالشيخ الرياحي فإن الحالة هي الحالة وتلك الكفريات والأضاليل فاشية منتشرة في اتباع الطريقة إلى اليوم)([100])

وفي المقابل نجد الزاهري الذي يعتبر من المتشددين، وفي الفترة التي كان فيها في قمة عنفوان تشدده يكتب مؤيدا التيجانية، ويثني على شيخها، بل يعتبره من المتأثرين بالمدرسة الوهابية([101]).

السبب الثاني: أن الكثير من أعضاء الجمعية تغيرت مواقفهم لأسباب مختلفة، وبالتالي يمكن اعتبارهم في مرحلة من المراحل ضمن المتشددين، وفي مرحلة أخرى ضمن المعتدلين، والعكس صحيح، ونحب أن نذكر لهذا مثالين، أحدهما عن انقلاب المعتدلين إلى متشددين، والثاني عن انقلاب المتشددين إلى معتدلين:

المثال الأول: نشرت جريدة الشهاب في العدد 82 الصادر يوم الخميس 30 رجب 1345 هـ/ 3 فيفري 1927 م، استفسارا وتساؤلا من مواطن رمز لنفسه باسم (مستبين) تحت عنون: (طلب الحقيقة)، ومما جاء فيه: (.. منذ اجتماع العلويين في جامع سيدي رمضان ونحن في حيرة والتماس حقيقة مما صدر من أحد أعيان العاصمة وهو الشيخ محمد الشريف الزهار الإمام بجامع جده (رضي الله عنه) من وقوفه بذلك المحفل وإلقائه لتلك الخطبة التي كادت أن تنشق لها السموات ومدحه لذلك الشيخ([102]) مدحا مفرطا أدهش الحاضرين، ودونك أيها القارئ ملخص قوله: (أيها السادة إني قد كنت قبل الاجتماع بهذا الرجل العظيم أنكر عليه أقواله وأفعاله واقدح فيه وأسبه وأقول لأتباعه: إن شيخكم لَّدعي زنديق بل كافر، وما أشبه ذلك والآن لما اجتمعت به، والحمد لله فقد ظهر لي ما كان خافيا عني من الأسرار والأنوار، وها أنا تائب مما قلته واشهد انه ولي كامل زاهد… الخ)، فبالله متولي السرائر هل كانت حقيقة اعتقادك أيها الإمام في ذلك القطب ما فهمت به الجمهور، أم كان نطق لسانك مغايرا لجنانك فأصدقنا أرشدك الله حتى ترتفع عنا الحيرة وننجو من الوقوع في المحذور اقتداء بك حيث كنت إمام مسجد شريفا بل نقيب الأشراف، وابن عائلة موصوفة بالصدق والكمال، فكيف محضت في هذا المجال فعجل بالجواب على كل حال)

وقد جاء الرد سريعا من الشيخ محمد الشريف الزهار، فلم يكد يصدر العدد التالي([103])، أي بعد أسبوع من صدور الاستفسار حتى كتب ردا بعنوان (الجواب بالبراءة)، يقول فيه: (الشهم الغيور مدير جريدة الشهاب الأغر… سلاما واحتراما.. اطلعت في جريدتكم السمحا عدد 82 على سؤال عنوانه (طلب الحقيقة) بإمضاء (مستبين) مضمنه اجتماع العلويين بمسجد سيدي رمضان، وخطبتي في ذلك الاجتماع ومدحي لذلك الشيخ مدحا مفرطا وطلب مني الكاتب حقيقة اعتقادي.. فأقول ولا أخشى لومة لائم لتظهر الحقيقة وضاحة الجبين، وأشهد الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور أنني برئ من بدع المبتدعين وخزعبلات المتصوفين وشعوذة المشعوذين ونصرة السفاكين…أحب العلماء العاملين والأولياء المتقين طريقتي الكتاب والسنة.. بلغني عن الطائفة العليوية وشيخهم (المربي) من الأسرار والأنوار ما شوقني إلى مشاهدة رؤيتهم فاجتمعت بالشيخ وأصحابه في مسجد جدي محمد الشريف الزهار (رضي الله عنه)، فكان كلامه في الصلاح والإرشاد والوقوف على حدود الشريعة ونفع العباد.. فأعجبني ذلك وحمدت الله على وجود رجل مثل هذا في هذا الزمان، خطبت خطبتي التي لا أنكرها، ولكن لما أطلعت على حقيقة أمرهم وحللتها تحليل الحكيم الكيماوي، تمثلت بالمثل السائر (ما أنت أول سار غره قمر) فتبين لي الرشد من الغي، وظهر الأمر على خلاف ما كنت أظن من أمور مصادمة للشريعة لا ينبغي السكوت عنها، ولا يسع إنكارها، وبَّختهم عليها مشافهة وحذرتهم من سوء عاقبتها عملا بقوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } [الذاريات: 55] فأبو وأصروا على فعلها، فتكلمت مع الشيخ نفسه ليزجرهم عن ذلك فتبسم وسكت، فلما علمت أن القوم اتفقوا على الضلالة نبذتهم نبذ النواة، وهجرتهم وقطعتهم، وقلت لهم: هذا فراق بيني وبينكم لأن الحب في الله والبغض في الله، فقد تحققت صدق ما هو شائع عنكم من هتك الدين باسم الدين، وحمدت الله حيث أخرجني من الظلمات إلى النور وشاهدت الأمر عيانا فليس من رأى كمن سمع.. فتأسفت على ما صدر مني واستغفرت الله عسى أن يغفر لي ورجعت إلى الحق أفضل من الباطل، هذا هو اعتقادي أيها السائل، وهذا هو ديني الذي أدين الله به، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)([104])

المثال الثاني: وهو عن انقلاب المتشددين إلى معتدلين، وهو يمثل كثيرا من أفراد الجمعية، والذين يمكن تصنيفهم في المراحل الأولى من حياتهم ضمن طائفة المتشددين المغالين في تشددهم، ولعل أوضح مثال على هؤلاء الشيخ محمد سعيد الزاهري، فقد كان من المتحاملين المتشددين في تحاملهم على التصوف والطرق الصوفية، فقد كان – مثلا- يرمي الشيخ ابن عليوة بالكفر والشرك والإلحاد، فيقول عنه: (يكفر عن تقليد ويشرك عن تقليد، ويلحد عن تقليد، فليس له مذهب، ولا رأي فيما يكفر، ولا فيما أشرك، ولا فيما ألحد، ولا فيما آمن، إن كان يزعم أنه يكون في بعض الأحيان من المؤمنين)([105]) بالإضافة إلى النعوت الكثيرة التي كان ينعته بها، والتي سبق الإشارة إلى بعضها، لكنه بعد ذلك تراجع تماما عن هذه الرؤية، بعد أن انشق على جمعية العلماء عام 1937، ثم أسس عام 1938 جريدة الوفاق، وشارك في مؤتمر الزوايا.

ومثله أحمد توفيق المدني الذي كتب في (كتاب الجزائر) يشيد بابن عليوة وزاويته، ويعتبره معينا على نشر الفضيلة وحفظ الرابطة القومية الإسلامية، وينقل عنه إنكاره على حزب الإصلاح عنفه وشدته في مهاجمة الطرقية، وخصوصا العلاوية، أما في مذكراته – وباستثناء الوثائق المتعلقة بنازلة آذان غرداية- فقد غير موقفه إلى النقيض تماما؛ وقد عبر عن ذلك التحول عمليا عندما أصبح وزيرا للأوقاف في الجزائر المستقلة([106]

بناء على هذا التنبيه نحاول في هذا المبحث أن نصنف أعضاء الجمعية الكبار على هذا الأساس مع محاولة التعرف على أسباب وخلفيات ذلك التوجه.

وقد قسمنا المبحث على هذا الأساس إلى قسمين:

المطلب الأول: الموقف المعتدل:

وقد أشرنا إلى أن الضابط في هذا الموقف هو قبول الآخر، أو التعامل بلين معه، ولو في بعض المواقف، ومن خلال استقراء ما كتبه وما قام به كبار رجال الجمعية وجدنا أن هذا الوصف ينطبق أحسن انطباق على شخصيتين من كبار أعضاء الجمعية المؤسسين، وهما الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ أبو يعلى الزواوي.

بالإضافة إلى هذا هناك شخصيات كثيرة كالشيخ العيد القادري، ومبروك التبسي وغيرهما، وهذه الشخصيات – كما ذكرنا – يمكن تصنيفها في إطار آخر، وهو التصوف الإصلاحي، فهم لا يتفقون مع الجمعية إلا في مشروعها الإصلاحي، ويختلفون معها اختلافا جذريا في توجهها الفكري.

بناء على هذا سنذكر هنا – باختصار – بعض الأدلة على التوجه المعتدل لكلا الشخصيتين السابق ذكرهما، مع محاولة بيان سر الاعتدال فيهما.

الشيخ عبد الحميد بن باديس:

عند مقارنة المواقف التي وقفها الشيخ عبد الحميد بن باديس مع مواقف أكثر أعضاء من اطلعنا على تراثهم من رجال الجمعية يمكن اعتباره أكثرهم اعتدالا، وأحسنهم أدبا مع المخالف.

بل إني أشعر – من غير أن أستطيع إثبات ذلك بدقة – أن الشيخ عبد الحميد بن باديس كان معرضا لضغوط من طرف المتشددين من رجال الجمعية الكبار، والذين كان يحرص على إرضائهم، ولذلك كان يظهر أحيانا بصورة المتشدد، فلذلك كانت لغته في الخطاب مع المخالف أكثر لينا بكثير من مثيلاتها من سائر رجال الجمعية.

والذي قد يشير إلى هذا، إن لم يصح اعتباره دليلا ما ذكره الشيخ أحمد حماني عند حديثه عن الشيخ الطيب العقبي الذي كان في ذلك الحين – بسبب قدراته الخطابية – لا يقل شهرة عن ابن باديس، فقد قال: (كان أحد أقطاب الحركة الإصلاحية، وكتابها النابهين، وكان يميل في أسلوبه إلى الشدة والعنف والصراحة المريرة، بينما كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يجنح نوعا ما إلى الأخذ بالرفق واللين والدعوة بالتي هي أحسن، ويعز عليه ما وصلت إليه الحال بين كتاب الطرفين، وبعد 18 عددا من المنتقد ومثلها من الشهاب نشر الأستاذ ابن باديس في عدد الشهاب 19 مقالا تحت عنوان: (في سبيل الوفاق والتفاهم) قال عنه ابن باديس في عدد 75 (أردنا به جمع الكتاب على نقطة خاصة من الإصلاح وإيقاف ذلك التيار القوي من الكتابة الإصلاحية) ولكن هذه الدعوة لم ترق بعض الكتاب، وعلى رأسهم ــ فيما يقول الشهاب ــ العلامة المصلح الشيخ العقبي لأنه عده تحجيرا تاما ومنعا صريحا لكل كتابة في الإصلاح الديني، أو ما حام حوله، وبقي الأستاذ العقبي مصرا على المقاطعة والامتناع التام عن الكتابة، ولم يقتنع بما ذكره الشهاب من مبررات، فاضطر الشهاب إلى زيادة بيان في مقال آخر نشره تحت عنوان (في سبيل الدعوة والرشاد)، ودعا الكتاب المصلحين إلى العودة (للكتابة في نقد الدحل والدجالين، وأنه لم ولن يحجر على الكتاب الخوض في نقد أعمال الطرقيين، وإنما أوقفنا ذلك التيار القوي حيث رأينا أنه بلغ حده، ووصل إلى منتهاه)([107])

فعند ملاحظة هذا التراجع السريع من ابن باديس من موقفه الداعي إلى الاعتدال دليل أو أمارة على أنه كان حريصا على بقاء الشيخ الطيب العقبي معه لأهميته في جلب الكثير من الأعضاء للجمعية، ولكن مع ذلك لم يرض بيان التراجع الشيخ العقبي الذي بلغ به الغضب أشده بعد الحادثة التي ذكرناها من الاعتداء على ابن باديس، وحينها أعلن الشهاب بهذا الإعلان الذي توجه به للشيخ العقبي، والذي يقول: (ونحن نؤكد لحضرته ولكل من كان على شاكلته أننا أضربنا على ذلك المقال الذي زال بزوال ما اقتضاه من الأحوال ورجعنا إلى خطتنا القديمة)

وقد كان لهذه الكلمة المبيحة للعودة إلى العنف في القول أثر كبير على الشيخ العقبي، فنشر مقالا عنوانه: (أما الآن فنعم. وقد وجب الرجوع)، وبين فيه مقدار ما وصل إليه سوء التفاهم مع إدارة الشهاب، وما جرى بينه وبينها من كلام([108]).

هذا ما ذكره شاهد عيان بنوع من الرضا عن موقف الطيب العقبي، ونوع من المعاتبة لابن باديس، وهذا ما يدل على البيئة التي كان يتعامل معها ابن باديس، التي اضطرته فيما نرى أحيانا على بعض التشدد.

ومن ذلك أنه لما توطدت العلاقة بين العقبي وابن باديس فراسله ابن باديس سنة 1924، مباركا أعماله ومجهوداته في الإصلاح، أقلق هذا الموقف أصحاب الطرق الصوفية، لأن ابن باديس في نظرهم كان أكثر ليونة، ولم يرغبوا في أن يصير ابن باديس كالعقبي([109]).

ويذكر المؤرخون للجمعية في هذا أن ابن باديس سعى الى إخماد نار الفتنة بين العقبي والطرق، وزاره في بسكرة لكنه فشل في مساعيه لصلابة موقف العقبي([110]).

بالإضافة إلى هذا، فقد عرفنا في المبحث الأول أن الذي قام بالطرق المختلفة لصرف رجال الطرق الصوفية من الجمعية لم يكن ابن باديس، وإنما كان بعض الأعضاء ممن تبرأت الجمعية منهم بعد ذلك.

بالإضافة إلى هذا عند مقارنة ألفاظ السخرية والبذاءة التي كان يعبر بها الإبراهيمي أو الزاهري عن الطرق الصوفية نجد بونا شاسعا جدا، وسنرى هذا ببعض التفصيل عند الحديث عن أسلوب التعامل بين الجمعية والطرق الصوفية.

ولعل هذه المواقف المعتدلة من الطرق الصوفية تعود إلى نشأة ابن باديس الأولى التي كان لها علاقة بالطريقة الرحمانية، وقد ذكرنا في الفصل السابق العلاقة الحميمية التي كانت تربط ابن باديس بتلك الطريقة، فقد أشرف على تصحيح الطبعة الثانية لـ (المنظومة الرحمانية في الأسباب الشرعية المتعلقة بالطريقة الخلوتية) التي ألفها الشيخ عبد الرحمن باش تارزي.

وقال في آخر تصحيحه للطبعة: (ندبني الشيخ المذكور مصطفى باش تارزي إلى إعانته على نشر المنظومة الرحمانية بالوقوف على تصحيحها فلبيت طلبه راجيا من وراء ذلك أن يتذكر الإخوان ما عليهم في هذا الطريق الشرعي من الأدب العملي والعلمي، ويعلموا أنهم لا يكفيهم في ترقية نفوسهم مجرد الانتساب الإسمي، فيدعوهم ذلك إلى العلـم والتعلم اللذين لا سعادة في الدارين بدونهما ولا تقدم، فيفقهوا حينئذ حقيقة الدين وينتفعوا بنصائح المرشدين، ويكونوا يوم ذلك إن شاء الله تعالى من المهتدين)

بل إنه في خاتمة الطبع بقلمه كتب يقول: (تم طبع المنظومة الرحمانية ذات الأسرار الربانية الجامعة لأصول الطريقة الخلوتية، وآداب التربية الشرعية الدالة على علم ناظمها وبركته بما نفع الله بها من أتباعه وتلامذته)

إلى أن قال مثنيا على شيخ الطريقة الرحمانية في ذلك الحين: (فقام بذلك على نفقته العالم البركة الخير الثقة شيخ شيوخ الطريقة الخلوتية بقسنطينة اليوم المتحلى من أخلاق أسلافه بالنفائس الغالية السوم الشيخ سيدي مصطفى ابن الشيخ سيدي محمود ابن الشيخ سيدي الحاج محمد ابن الشيخ سيدي محمود ابن الشيخ الأكبر سيدي الحاج عبد الرحمن باش تارزي زاده الله من بره وتوفيقه وسدده في سلوك طريقه بمنه آمين)

بل أثنى عليه ثناء عطرا، فقال: (لا زال هذا الرجل معروفا من شبابه بجمال العفة، وحسن السمت، ومكارم الأخلاق، والحياء التام، والتواضع الفطري مع جميع الناس) ([111])

ولم يكن ثناء الشيخ ابن باديس قاصرا على رجال الطريقة الرحمانية، بل إنه أثنى على الكثير من رجال الطرق الصوفية([112]) مما لا نجد مثله عند أي عضو آخر من أعضاء الجمعية.

ومن الدلائل على هذا السمو الأخلاقي الذي كان يتمتع به على الرغم من توجهه الإصلاحي ما ذكره عند وصفه لرحلته إلى بعض المناطق في الغرب الجزائري، فعندما ذكر مستغانم، وعد من لقي فيها من العلماء والمشايخ ذكر الشيخ ابن عليوة، بل قدم له بهذا الوصف: (من غده دعا للعشاء معنا أعيان البلد منهم فضيلة الشيخ المفتي سيدي عبد القادر بن قارة مصطفى وسماحة الشيخ سيدي أحمد بن عليوة شيخ الطريقة المشهورة وكان هذا أول تعرفنا بحضرتهما فكان اجتماعا حافلا بعدد كثير من الناس)([113])

وقد ذكر ما حصل في ذلك المجلس وبعده، ونحب أن ننقله هنا كما وصفه ابن باديس لأنه يبين كيف كان يمكن للعلاقة بين الجمعية والطرق الصوفية أن تستمر لولا وجود أولئك المتشددين من المتشربين للأفكار الوهابية.

ونحن لا ننقلها من باب إثبات مدى اعتدال ابن باديس فقط، وإنما ننقلها لبيان مدى اعتدال مشايخ الطرق الصوفية وخصوصا الشيخ ابن عليوة.

يقول ابن باديس واصفا ذلك المجلس، وكيف أتيح له الكلام فيه في حضور المفتي وشيخ الطريقة، وهو موقف يدل على مدى احترامهما له:(ولما انتهينا من العشاء ألقيت موعظة في المحبة والأخوة ولزوم التعاون والتفاهم على أساسهما وأن لا نجعل القليل مما نختلف فيه سببا في قطع الكثير مما نتفق عليه، وأن الإختلاف بين العقلاء لا بد أن يكون ولكن الضار والممنوع المنع البات هو أن يؤدينا ذلك الاختلاف إلى الافتراق وذكرنا الدواء الذي يقلل من الاختلاف ويعصم من الافتراق وهم تحكيم الصريح من كتاب الله والصحيح من سنة رسوله – صلى الله عليه وآله وسلم-. فاستحسن الشيوخ الحاضرون ذلك وحل من الجميع محل القبول، والحق يقال أن أغلب الناس ممن رأينا صاروا يشعرون بألم الافتراق وينفرون منه ويصغون إلى دعوة الوفاق والتحاب)([114])

ثم يذكر ابن باديس دعوة الشيخ ابن عليوة له، فقال: (وما افترق المجلس حتى دعانا الشيخ سيدي أحمد بن عليوة إلى العشاء عنده والشيخ الحاج الأعرج بن الأحول شيخ الطريقة القادرية إلى الغداء فلبينا دعوتهما شاكرين، فكانت حفلة الغداء في دار الشيخ سيدي الحاج الأعرج ثم كانت حفلة العشاء عند الشيخ سيدي أحمد بن عليوة حضرها من أعيان البلد ومن تلامذة الشيخ ما يناهز المائة وبالغ الشيخ في الحفاوة والإكرام وقام على خدمة ضيوفه بنفسه فملأ القلوب والعيون وأطلق الألسنة بالشكر)([115])

ثم إن من دلائل اعتداله أنه قعد معهم في مجلس من مجالس الذكر، وبالهيئة التي يذكرون بها، فقال: (وبعد العشاء قرأ القارىء آيات، ثم أخذ تلامذة الشيخ في إنشاد قصائد من كلام الشيخ ابن الفارض بأصوات حسنة ترنحت لها الأجساد، ودارت في أثناء ذلك مذاكرات أدبية في معاني بعض الأبيات زادت المجلس رونقا)([116])

وقد أثنى كثيرا على أدب الشيخ ابن عليوة، ومما قاله في ذلك: (ومما شاهدته من أدب الشيخ مضيفنا وأعجبت به أنه لم يتعرض أصلا لمسألة من محل الخلاف يوجب التعرض لها على أن أبدي رأيي وأدافع عنه فكانت محادثاتنا كلها في الكثير مما هو محل اتفاق دون القليل الذي هو محل خلاف. لكن السيد أحمد بن اسماعيل صاحب مخازن الاتاي- وكان جالسا على شمالي في المجلس- شاء أن يخرق هذا السياج ويدخل في موضوع ليس حضرته- وله الاحترام- من أهل الكلام فيه فقال: هؤلاء المفسدون الذين يسمون أنفسهم مصلحين ينكرون الولاية، فرأيت في وجه الشيخ أحمد بن عليوة الإنكار لهذا الكلام الخارج عن الدائرة ووجدت نفسي مضطرا للبيان فقلت له: إسمع يا سيد أحمد الولاية الشرعية قد جاءت فيها آية صريحة قرآنية” وتلوت له قوله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ} [يونس: 62]، وتكلمت على شيء من معناها، فمن أنكر هذه الولاية. فلفظة مفسد قليل في حقه وحقه أن يقال فيه ملحد. وأما لفظة مصلح فهي أعلى من هذا وأشرف من هذا كله)([117])

ثم ذكر ابن باديس كلاما طويلا حكاه لهم في بيان موقفه من الولاية ختمه بقوله: (فلو أن إخواننا المنتمين للتصوف قبلوا أن يوزن كلام الشيوخ بميزان الكتاب والسنة مثل غيرهم من علماء الإسلام ورضوا بالرجوع الحقيقي لقوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] لبطل الخلاف أو قل)([118])

ثم أخبر عن تأثير هذا الكلام في الحاضرين، بما فيهم الشيخ ابن عليوة نفسه، فقال: فرضي أهل المجلس هذا الكلام، وسكت السيد أحمد بن اسماعيل، وقال الشيخ سيدي أحمد: (هذا مما لا يخالف فيه أحد، فقلت له: مثلكم من يقول هذا، وتكلم الشيخ المفتي بما فيه تأييد لما قلناه)([119])

ثم ذكر كيف عاد المجلس إلى الإنشاد والمذاكرات الأدبية (حتى انتهت السهرة، وانصرف المدعون ونحن من جملتهم شاكرين فضل حضرة الشيخ وأدبه ولطفه وعنايته كما شكرنا أدب تلامذته وعنايتهم بضيوف أستاذهم وخصوصا الشيخ عبده ابن تونس تلميذ الشيخ الخاص)([120])

هذا شاهد من شواهد اعتدال ابن باديس، ونحب أن نبين أن هذه الرحلة قام بها ابن باديس في سنة 1931، وفيه رد بليغ على من يزعم بأن الطريقة العلاوية هي التي أرادت أن تغتال ابن باديس.

بعد هذا نتأسف أن تكتم مثل هذه الشهادات من الباحثين ثم يقتصر فقط على تلك الأوصاف الشنيعة التي وصف بها الشيخ الزاهري الشيخ ابن عليوة، ولسنا ندري أيهما أحكم وأعقل، وأيهما أقرب تمثيلا للجمعية: هل هو ابن باديس أم الزاهري؟ ولكن الكثير من الباحثين للأسف ينتهجون منهج الانتقاء، فيرفعون من يشاءون رفعه، ويخفضون من شاءوا خفضه.

بالإضافة إلى هذا، فقد كانت لابن باديس علاقة طيبة بالكثير من الزوايا، كالزاوية الدردورية لأن أحد أبناء هذه العائلة وهو الشيخ عمر دردور([121]) الذي كان من تلاميذ ابن باديس ثم من وجوه الإصلاح في الأوراس بعد ظهور الجمعية، والإمام ابن باديس قد زار العائلة الدردورية في حيدوس، ونزل ضيفا عند دار الشيخ عمر دردور 1933 في إطار جولة قام بها الى المنطقة.

بالإضافة إلى هذا كله، فإنا نرى أن الكثير من مواقف ابن باديس تختلف اختلافا جذريا عن التوجه السلفي المحافظــ، بل تجعله أميل إلى التصوف منه إلى السلفية، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:

1 ــ من المتفق عليه عند السلفية عموما إنكار التوسل إلى الله، بل اعتباره شركا، لكن ابن باديس يخالف ذلك، بل يروي الحديث الذي يجمع السلفية على كتمانه، وكان في إمكانه أن يختار غيره من الأحاديث ليشرحه، وقد كان ما ذكره فيه من إيراده له وشرحه مثار سخط من السلفية الحديثة التي تعتبر القول بشرعية التوسل كالقول بشرعية الشرك.

والحديث المشار إليه هو ما حدث به عثمان بن حنيف: أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت، فهو خير لك. قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي اللهم فشفعه في)([122])

وقد بدا ابن باديس في شرحه للحديث كالصوفية المحدثين الذين ينتصرون لأمثال هذه النصوص، فقد حاول جهده أن يبين صحته، وكأنه يرد بذلك على من يريد تضعيفه، فهو يقول – تحت عنوان (رتبة الحديث العلمية والعملية): (قال فيه الترمذي: حسن صحيح غريب)

ثم شرح هذه المصطلحات، وحاول من خلالها أن يركز على غرابته كما يفعل الاتجاه السلفي، ولكنه عكس ذلك تماما، بل قال:(وما يقول فيه أبو عيسى الترمذي: حسن صحيح أقوى مما يقول فيه حسن فقط، لأن وصفه بالصحة مع وصفه بالحسن يفيد أن خفة الضبط في بعض رجاله تكاد لا تؤثر عليه حتى كأنها لم تحطه عن رتبة الصحبح التام.. وأما الغريب فهو ما انفرد بروايته راو فقط وإذا كان ذلك المنفرد ثقة فذلك الانفراد لا يضر فالغرابة لا تنافي الصحة والحسن.. وصححه أيضا ابن ماجة والحاكم والبيهقي والطبراني)([123])

ثم خلص من دراسة السند إلى نتيجة عبر عنها بقوله: (فبعدما عرفنا من حال سنده وتصحيح هؤلاء الأئمة له حصل لنا العلم الكافي- وهو الظن الغالب- بثبوته، وحيث كان بهذه المنزلة من الثبوت فإنه صالح لاستنباط الأحكام الشرعية العملية منه)([124])

بعد دراسة الشيخ ابن باديس للسند وتصحيحه له، كان في إمكانه أن يؤول الباء في المتن كما يفعل السلفيون، ولكنه لم يفعل، بل نص على أن الباء تفيد الاستعانة، بل تفيد التوسل، فقال: (و (الباء) في بنبيك وفي اني توجهت بك هي باء الاستعانة، والمستعان به هو السبب الحصل للمستعان عليه ولذلك جعل بعضهم باء الاستعانة من باء السببية، فالنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- مستعان به على السؤال أي على نجح السؤال بحصول الشيء المسؤول من الله تعالى، ومستعان به على التوجه بمعنى القصد أي على نجح ذلك القصد بحصول المطلوب منه تعالى فهو متوصل به إلى نجح السؤال ونجح القصد، وكل ما يتوصل به إلى الشيء يقال فيه وسيلة إليه، فالسؤال به توسل به، فيمكن أن تسمي هذه الباء باء التوسل، وهي الداخلة على ما هو وسيلة في حصول شيء)([125])

وكان في إمكانه بعد هذا أن يقصر التوسل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته فقط، ويعتبر التوسل به بعد وفاته شركا كما يرى ابن تيمية والسلفيون، ولكنه لم يفعل بعد ذكر القولين جميعا، واعتبرهما وجها في الحديث، فقال: (ثم انه توسل بذاته بحسب مقامه عند ربه وهذا على الوجه الأول من الوجهين المتقدمين في فصل التراكيب أو توسل بدعائه، وهذا على الوجه الثاني منهما. فمن أخذ بالوجه الأول قال يجوز التوسل بذاته، ومن أخذ بالوجه الثاني قال إنما يتوسل بدعائه، ثم ان من أخذ بالوجه الأول فهذا الدعاء حكمه باق بعد وفاته كما كان في حياته، ومن أخذ بالوجه الثاني لا يكون بعد وفاته. لأن دعاءه إنما كان في حياته لمن دعا له. فالوجهان المتقدمان- كما ترى- هما مثار الخلاف في جواز التوسل بذاته وعدم جوازه، فمن أخذ بالوجه الأول جوز ومن أخذ بالثاني منع)([126])

بل إن الشيخ ابن باديس لم يكتف بمناصرة التوسل، بل مارسه، واعتقد تأثيره، فقد حدث عن نفسه قال: (نصحني سيدي الطالب إذا يسر الله لي زيارة القبر الشريف أن أسأله عليه وآله الصلاة والسلام الشفاعة، وقد يسر الله لي ذلك وله الحمد والمنة منذ عشرين سنة، وقد دعوت الله وحده وتوسلت له بنبيه وتوجهت إليه به أن يميتني على ملته، ويجعلني من أنصار سنته، وأهل شفاعته، إلى أشياء أخرى قد استجاب الله تعالى بعضه، وأنا أرجو الاستجابة في الباقي)([127])

وهكذا عند حديثه عن أدب العارفين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال: (اعلم أن السادة العارفين هم أرسخ الناس قدما في محبة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- وتعظيم حرمته، ومراعاة شريف جانبه، وتعزيزه وتوقيره وبره. تجد ذلك في صلواتهم عليه، وفي أدعيتهم لله تعالى عند ذكره، والتوسل به، وفي مناجاتهم له عند الشوق إليه، وفي تأليفهم عند الكلام في حقه. وهذه أشياء مروية عنهم، معروفة منهم، لا تحتاج إلى شاهد ولا تخفى على طالب بل هم أكثر الناس أدبا مع شيوخهم ومربيهم ومريديهم، بل هم آدب الناس من جميع الناس)([128])

وبناء على هذا ذكرنا أنه لو كان الأمر لابن باديس صرفا في رئاسة الجمعية لما أصبحت عدوا لدودا للطرق الصوفية، ولما انشغلت بما انشغلت به من جزئيات، ولقبلت الصلح مع المخالف، أو على الأقل قبلت المناظرة معه.

2 ــ مخالفته للاتجاه السلفي الذي يعتبر القول بأن والدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النار من مقتضيات العقيدة السلفية، وقد خالفهم ابن باديس في هذا، وشنوا عليه حملة شديدة بسبب هذا، وقد استدل على ذلمك بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، و{أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } [المائدة: 19]، وغيرهما، ثم قال: (وكلها آيات قواطع في نجاة أهل الفترة، ولا يستثنى من ذلك إلا من جاء فيهم نص ثابت خاص كعمر بن لحي أول من سيب السوائب وبدل في شريعة إبراهيم وغير وحلل للعرب وحرم فأبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ناجيان بعموم هذه الأدلة)([129])

ثم إنه رد الحديث الوارد في ذلك مع علمه بأنه ورد في صحيح مسلم، وهذا ما أثار عليه سخط الاتجاه السلفي، فقال: (ولا يعارض تلك القواطع حديث مسلم عن أنس: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: في النار. فلما قفا الرجل دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)([130])

ثم علل ذلك بكونه (خبر آحاد فلا يعارض القواطع وهو قابل للتأويل، يحمل الأب على العم مجازا يحسنه المشاكلة اللفظية ومناسبته لجبر خاطر الرجل وذلك من رحمته صلى الله عليه وآله وسلم وكريم أخلاقه)([131])، وذلك نفس ما يقوله الصوفية ومن هو على شاكلتهم تماما.

3 ــ لاحظت عليه أدبا عظيما عند ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو لا يكتفي بالصلاة العادية عليه، وإنما يشفعها دائما بالصلاة على آله، بل أفرد فصلا خاصا بالصلاة عليه وعلى آله، وهو يشبه في هذا الصوفية تماما في تعظيمهم لآل بيت النبوة([132]).

4 ــ أن ما كتبه من فتاوى في الرد على الصوفية – وإن ذكرنا شدته فيه، وبعده عن مقتضيات المنهج العلمي من التحقيق والتوثيق([133]) – إلا أنه كان فيه من حيث القصد صحيح، فقد دافع فيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضد من تصور أنه أساء إليه، كما سنرى ذلك بتفصيل في محله.

5 ــ أنه لم يتحدث بتلك اللهجة الشديدة التي تحدث بها الشيخ مبارك الميلي أو العقبي أو غيرهما حول ما يفعله الصوفية من زيارة الأضرحة، ونحوها، بل نجد بعض النقول من مصادر موثوقة، بأنه كان يرى شرعية زيارة الأضرحة، كشأن الصوفية، وكشأن الكثير من العلماء المرتبطين بهم، وأعتذر للقارئ قبل تلك إيراد تلك الروايات على أني أعتمد فيها فقط على ما ذكره الشيخ عبد القادر عثماني شيخ الزاوية الرحمانية بطولقة([134])، والتي كان لابن باديس علاقة بها، وثقتي فيه لا تقل عن ثقتي في أبناء الجمعية الذين حاولوا أن يصوروا ابن باديس وهابيا جلفا غليظا، ومما ذكره الشيخ عبد القادر عثماني، بل ردده كثيرا في محاضراته أن من مراسلات الشيخ ابن باديس للشيخ الطاهر العبيدي الصوفي الذي سبق أن تحدثنا عنه – وكان أحد كبار علماء الجزائر وسيد من سادات الطريقة الرحمانية، وقد سبق ذكره وترجمته – رسالة مهمة أسدل عليها ثوب النسيان.

ونحب أن نذكر الرسالة هنا كاملة لنكتشف من خلالها الجانب الخفي من شخصية ابن باديس، والذي لم يتح له أن يظهر بسبب الوضع الذي كان فيه، قال في الرسالة: (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، إلى حضرة علم العلم والفضل، ومعلم الكرم والنبل، التقي الطاهر، الأثواب السري البارع للأدب، مستحق الشكر منا بما له علينا من سابق الأيدي العلامة الشيخ سيدي أبي الطيب الطاهر العبيدي، أدامه الله بدرا طالعا في هالة درسه، وغيثا هامعا في ربع العلم، من بعد طمسه حتى وحشة قطره بأنسه، ويحقق من بساتين تلاميذه ثمرات غرسه آمين.

وبعد: سلام كما تفتحت الأزهار في نسمات الأسحار، وتحية تحيي قديم التذكار     وإن شطت الديار، فإني كتبته إليكم من حضرة قسنطينة، يوم قدومي من رحلة كنت أعملتها من ناحية الجزائر وتلمسان، لزيارة الأحياء والأموات من العلماء والصلحاء وأعيان الزمان، فتشرفت بسادات كثيرين منهم العلماء والصالحين، ومن أعظم الجميع قدرا وأشهرهم ذكرا، سيدي أبي مدين الغوث، وسيدي محمد السنوسي بتلمسان، وسيدي محمد بن عبد الرحمن، وسيدي عبد الرحمن الثعالبي بالجزائر، ودعونا للمومنين عامة وإخواننا أمثالكم خاصة، بما نرجو من الله تعالى فيه القبول وبلوغ المأمول، وذكرت لكم هذا لما أعلمه فيكم من محبة الصالحين، وإن أمكنت لي الفرصة إن شاء الله تعالى كاتبتكم عن هذه الرحلة بمزيد تفصيل، ووافى كتابكم في غيابي في هذه الرحلة،، فلما قدمت وقبلته كرمته على غيره وقبلته، وكان ما داخلني من السرور، لكون خطابه مخففا لما غشيني من الخجل لمرّ عتابه، ولك العتبى يا سيدي فيما ذكرته ومنك الفضل فيما به ابتدأت وتفضلت فقد باغتتني القصيدة الغراء التي راقت ورقت واستوجبت الحمد، واستحسنته، فنظرت إلى أوصافك الكريمة، فحليتني بها ونسبتني إليها، ببركة محبتك الخالصة ما ظننت، ويجازيك بالخـير الجزيـل على ما فعلـت، هذا وإني ما أخرت الجواب متهاونـا – أستغفر الله – ولا متكاسلا، ولكن حسبت أني أجبتكم فيمن أجبت، حتى جاء كتابكم فعلمـت أنني غالط فيما ظننت، فبادرت بها متحاملا على حلمك، معتمدا على فضلـك، والعفو يا سيدي من شيم أمثالكم لا أعدمني الله من أفضالكم، وأقول:

إن كنت قد قصرت في الكتابة
 
والله ما ملت عن ودادي
 
وإنما كان ذلك مني
 
عن غفلة ليس عن مرادي
 
فسامحوا طاهري بفضل
 
وحسبكم مسكنا فؤادي
 

 ويعود من العبد وجماعته السلام عليكم وعلى جماعتكم، وأحبائكم كلهم لديكم، وكثير الدعاء لكم بالخير، طالبا منكم مثله، أخوكم وشاكر فضلكم ومملوك إحسانكم)([135])

وقد ذكر الدكتور عبد الله حمادي – على حسب ما يذكر الشيخ عبد القادر لأني لم أطلع على المصدر مباشرة- أن ابن باديس وجه هذه الرسالة للشيـخ الطاهر العبيدي عام 1916 م أو 1917 م تقريبا، و(أن عبد الحميد بن باديس كان في شبابه كثير التردد على أضرحة الأولياء والصالحين، وذلك للتبرك بهم) ([136])

وذكر الشيخ عبد القادر عثماني أن الشيخ عبد الحميد بن باديس زار طولقة وبرجها، للتبرك بضريح الشيخين ابن عزوز وعلي بن عمر، وربما كان ذلك في حدود 1925 م أو 1926 م ومما قاله في زيارته:

عوجوا نحيي منازل الأمجاد
 
ونؤدي حق زيارة الأسياد
 
و نحط أرجلنا بدار كرامة
 
مبذولة الروضات للرواد
 
فهي الملاذ لكل جان خائف
 
وهي الشفا من وصمة الأنكاد
 
ما بين طولقة فبرج حيث
 
تبصر نور أهل الله في إصعاد
 

بالإضافة إلى هذا كله، فقد عبر ابن باديس – وكأنه يرد على المتشددين من علماء الجمعية- عن المنهج الصحيح في التعامل مع الكافر أو المبتدع، فقال: (فلا يقال للكافر عند دعوته: (إنك من أهل النار)، ولكن تذكر له الأدلة على بطلان الكفر وسوء عاقبته، ولا يقال للمبتدع: (يا ضال)، وإنما تبين له البدعة وقبحها)([137])

هذه بعض الأدلة الدالة على مدى اعتدال ابن باديس، وهي لا تعني أنه لم ينكر ما يتصوره بدعا، ولم يقف أحيانا مواقف شديدة بسبب ذلك كموقفه الصارم من دعوة الصلح بين جمعية العلماء وبين الطرق الصوفية، وبين في رده أن الصلح من الأمور المحمودة التي دعا إليها الإسلام، ولكن الصلح لا يكون صلحا إلا إذا لم يحرم حلالا ولم يحل حراما، ولم يمت سنة ولم يحي بدعة ولم يقر منكرا ولم ينكر معروفا([138]).

إلا أنا نرى أن ما فعله من مثل هذه المواقف كان مدفوعا فيه من طرف بطانة من المتشددين كانت تحيط به، ولهذا نجد اختلافا كبيرا في مواقفه قبل توليه رئاسة الجمعية، وبعدها، مع كونه في كلتا الحالتين يميل إلى الاتجاه السلفي بنوعيه، ولكنه في المرحلة الأولى كان يضم إليه بعض التصوف المعتدل.

6 ــ أنه أثنى على الطريقة السنوسية خصوصا مع كونها تمارس نفس ما تمارسه الطرق الصوفية الأخرى، وتعتقد عقائدها، ولكنها أكثر انضباطا، فقال في مقال تحت عنوان (الصوفي السني بين الحكومة السنية والحكومة الطرقية)، ومما جاء فيه قوله: (أما الصوفي السني فهو الإمام المجاهد السيد أحمد الشريف السنوسي الذي توفاه الله منذ أشهر بالمدينة المنورة فقد كان على جانب عظيم من التمسك بالكتاب والسنة والتخلق بأخلاق السلف الصالح وكانت دعوته إلى الله وإرشاده للعباد بهدايتهما وكانت تربيته لأتباعه مبنية على التفقه في الدين والتزام العمل به والزهد والصبر وحفظ الكرامة)([139])

ثم ذكر أن الحكومة الطرقية (هي حكومة مصر التي تشارك المشاركة الرسمية في بدع المواليد وتؤيد تأييدا رسميا الاجتماعات الصوفية بما فيها من مناكر وقبح مظاهر وسوء مناظر مما تضج منه صحافتها كل يوم فضلا عن العلماء المصلحين من أمتها. ويواطؤها على هذا علماؤها الرسميون بسكوتهم وإقرارهم وأحيانا بدفاعهم وتأويلاتهم)([140])

وهذان النصان يدلان على المنهج الباديسي في التعامل مع الطرق، فهو ينكر منكراتها، لا أصلها، ونحسب أنه لولا البطانة المتشددة التي كانت محيطة به لمد يده للشيخ ابن عليوة والشيخ الحافظي وأسسا كيانا يستحيل اختراقه، كيانا لا يخدم الجزائر وقت الاستعمار فقط، ثم يسلم الراية، بل يظل مستلما لها.

الشيخ أبو يعلى الزواوي:

لا يقل الشيخ أبو يعلى سعيد بن محمد الزواوي([141]) عن ابن باديس اعتدالا، فهو مع كونه يصرح كثيرا بكونه سلفيا إلا أن السلفية التي يقصدها – على حسب ما أرى – هي سلفية الإصلاح، والوقوف في وجه البدع والانحرافات لا المنهج الاستئصالي الذي كان ينادي المتشددون من أعضاء الجمعية.

ولعل السر في هذا الاعتدال هو نفس السر في اعتدال ابن باديس، وهو كونه مولودا في بيئة صوفية، فقد صرح في أحد مقالاته بقوله: (نعم كنت قبل أربعين سنة خلوتيا) أي حوالي سنة 1907، وبالتالي عاين ممارسات الطرق الصوفية عن كثب لا عن وصف بعيد، فقد درس في زاوية الشيخ عبد الرحمن الإيلولي المشهورة في فترة كان التصوف هو السائد فيها، وفي تلك المناطق عموما([142]).

بالإضافة إلى كون الشخصيات التي لقيها أو استفاد منها أو تأثر بها هي الشيخ محمد بن سعيد بن زكري الذي تأثر به أبو يعلى كثيرا، والشيخ محمد بن بلقاسم البوجليلي والعلامة طاهر الجزائري، والشيخ رشيد رضا، والشيخ محمد الخضر ومحمد كرد وشكيب أرسلان ومحمد عبده، وغيرهم من التنويريين، ولهذا فإن توجهه تنويري أكثر منه سلفي.

ومما يدل على هذا التوجه التنويري أنه يدافع عن حق المرأة في الميراث منتقدا أوضاع الزواوة في ذلك كما دعا إلى تعليمها وتربيتها، ودعا إلى إصلاح التعليم في الزوايا جملة وتفصيلا من حيث المواد التي تدرس فيها ومنهج إلقائها والنظام الذي يجب أن تكون عليه، كما كانت له إسهامات في السياسة حتى قيل: إنه أول سياسي طالب باستقلال الجزائر حيث راسل بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) الرئيس الأمريكي ولسون.

بالإضافة إلى هذا كان مهتما بالعلم الذي يقتضي المطالعة والدراسة والبحث على عكس المتشددين من أعضاء الجمعية والذين كانوا أميل إلى الأدب والخطابة([143]) والشعر منهم إلى العلم، ولهذا كان من رجال الفتوى في الجمعية إذ وكلته إدارة جريدة (البصائر) في مهدها على رئاسة لجنة الفتوى فيها.

ومن مواقفه الدالة على اعتداله:

1 ــ قوله عن الشيخ ابن عليوة الذي تشدد معه الكثير من أعضاء الجمعية: (صاحبي ابن عليوة…أشهد الآن بين يديكم أني ما عرضت وما أمرت ولا نهيت الشيخ العليوي إلا استحسن وسلم حتى قال: إن حملاتك إن كانت علينا مقبولة وإن كانت لنا فهي أحسن لنا، ويخاطبني قائلا: إنك بنظريتك السياسية والاجتماعية ننقاد إليك ونعمل بإشارتك، وما زال وما زلت طامعا في، وطامعا فيه، أي بأن نتفق على كتاب الله وسنة رسوله، وصرح لي أمام جمع أنه إذا ظهر لكم – معشر الإخوان- في الدين والوطن والجنس – أن نتفق على جميع ما يخص المسلمين والوطنيين … ولم أر ولم اسمع من غيره من الشيوخ الذين عرفتهم إلا الصدود وتعير الخدود ومقتي بأني كافر بهم وببدعهم، وقلت لكم وما زلت أقول أنه – أن الشيخ ابن عليوة يقول لكم: (مروا جميع رؤساء الطرق لنجتمع ونتفق على الموافق للكتاب والسنة وللأمة)([144])

2 ــ قوله بأن في الطرق الصوفية علماء، وهو ما أثار عليه سخط الكثيرين، مما اضطر بعض رجال الجمعية للدفاع عنه، وممن دافع عنه الشيخ الطيب العقبي في مقال نشر في الشهاب ردا على من انتقص الشيخ جاء فيه: (ألا ما أشفقتما عليه أو رحمتما شيخوخته وسلفيته الصادقة، وتركتماه لنا عضدا قويا وشيخا سلفيا …وهو من قد عرفتماه فضلا ومعرفة وسبقا إلى مذهب السلفية، كما عرفتما مقدار مقدرته في الكتاب وبحثه وتنقيبه)

وقال الشيخ مبارك الميلي: (الشيخ الجليل العالم السلفي الأستاذ أبي يعلى الزواوي الذي لقبه الأخ الشيخ الطيب العقبي شيخ الشباب وشاب الشيوخ وكل من عرف هذا الشيخ وأنصفه اعترف له بهذا اللقب وسلم له هذا الوصف)

وقال أحمد توفيق المدني: (وإذا ذكرت الرجال بالأعمال فإني أذكر العلامة الكبير الشيخ سيدي أبا يعلى السعيد الزواوي، أذكره بتأليفه القيم الإسلام الصحيح الذي نسف به الخرافات والأوهام في الأفكار العامة)([145])

المطلب الثاني: الموقف المتشدد:

وهو الذي يرى التصوف شيئا واحدا، وأنه كله زندقة وضلال وكفر، وأنه بدعة حادثة لا تحتاج إلا إلى الاستئصال من الجذور، وهذا الموقف – في الحقيقة – يكاد يصير الموقف العام للسلفية الحديثة بغض النظر عن توجهاتها المختلفة، وللأسف كان من أعضاء جمعية العلماء من يميل إلى هذا الرأي، وينتصر له.

وهو ليس موقفا حديثا، بل كان هناك في كل جيل من يحمل مثل هذا التصور، ولهذا نجد في سير أعلام الصوفية وطبقاتها الكثير من الأذى والاضطهاد الذي لم يصب فقط المغالين فيهم، وإنما أصاب المعتدلين أيضا الذين تكاد تتفق الأمة على صلاحهم.

وقد اشار الإبراهيمي الى وجود هذا النوع من المتشددين ومطالبة الطرق الصوفية بعزلهم، فقال: (وهم يقولون عنّا لو أسقطوا من حسابهم فلانًا وفلانًا لـ … ولا يأتون في جواب (لو) هذه بشيء سديد ونحن يحقّ لنا أن (نكاشف) ولو مرة في العمر فدعوني آخذ نوبتي في المكاشفة عن جواب (لو) هذه وهاكم تركيب الجملة (لو أسقطوا من حسابهم فلانًا وفلانًا (لاثنين) لقلنا لهم أسقطوا فلانًا وفلانًا لاثنين آخرين حتى لا يبقى … وفاتهم أننا تسعة كما يقولون وهذا الإسقاط الذي يطلبونه يتناول اثنين اثنين، فلا بدّ من بقاء واحد. والسر في ذلك الواحد … وما قولكم في ذلك الواحد إذا صاح صيحة الحق فاجتمع عليه تسعمائة وابتدأ الأمر بأشدّ مما انتهى به. ألا يكون ذلك أنكى عليكم؟ أم تظنون أن تنويمكم ضرب على المشاعر الحسّاسة كلّها، وإن ذكركم ملأ الآذان حتى لم تعد تسمع صيحة الحق، ومتى أنار الدنيا هلال مقنع؟ يا قوم، اظهروا ما تجمعون به وتعالوا نتساقط على الكيف لا على الكم كما تريدون ونحن تسعة كما تقولون وأنتم تسعة آلاف … فيوشك إن فعلتم أن لا يسقط منا اثنان حتى تسقطوا جميعًا لأن نسبتكم من العمل الذي تدعونه نسبة الزؤان من القمح وعند الغربال الخبر اليقين. إنها لخدعة الصبي على اللبن كما يقول علي، كرّم الله وجهه)([146])

ثم بين الشيخ الإبراهيمي أن المسألة ليست مسألة أشخاص، وإنما مسألة مبادئ، فقال: (على أن المسألة ليست مسألة أشخاص، فنحن نرى أن الإصلاح مبدأ وفكرة وأنتم ترونه زيدًا وعمرًا.. ونحن نرى أن هذه الفكرة أو هذا المبدأ إن لم يقم بفلان قام بغيره وأنتم ترون أنه إن لم يكن فلان لم يكن مبدأ. ونحن نرى أن فرقًا بين جمعية تتكوّن حول مبدإ اقتضاه تدبير الاجتماع الإنساني فهي مترابطة بجاذبية مبدإ وهي ذائبة في مبدإ وهي دائبة في العمل للمبدإ وبين جمعية تتكوّن حول نفسها لتنصر نفسها بنفسها فتنصر مدبرًا بمدبر وتدافع ما لا يدفع بما لا يدفع ويكون من أول أكاذيبها على الناس أن تكذب في اسمها)([147])

بناء على هذا نحاول أن نذكر هنا بعض النماذج عن المتشددين من رجال الجمعية، مع العلم أننا سنتحدث عن مواقفهم المختلفة بتفصيل في محالها المناسبة من هذه الرسالة.

الشيخ الطيب العقبي:

نرى من خلال مواقف وكتابات الشيخ الطيب العقبي أنه أكثر علماء الجمعية تشددا، بحيث لا يجاريه في تشدده أحد، بل نرى أنه عدى بتشدده الكثير من أعضاء الجمعية، لما كان يحظى به من قدرات مكنته لا من التسلط على قلوب العوام فقط، بل على قلوب الخواص أيضا، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا.

ولهذا اعتبره الشيخ الإبراهيمي (من أكبر الممثلين لهديها ـ أي الجمعية ـ وسيرتها والقائمين بدعوتها، بل هو أبعد رجالها صيتا في عالم الإصلاح الديني وأعلاهم صوتا في الدعوة إليه… وإنما خلق قوالا للحق أمارا بالمعروف، نهاء عن المنكر وقافا عند حدود دينه، وإن شدته في الحق لا تعدو بيان الحق وعدم المداراة فيه وعدم المبالاة بمن يقف في سبيله)([148])

والسر في تشدده بسيط، فقد عاش في الحجاز في فترة كان للوهابيين فيها سلطة وسطوة سواء على المستوى السياسي أو الدعوي([149])، وكان له نشاط صحفي إصلاحي قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، وعند عودته إلى الجزائر سنة 1920 قرر إصدار جريدة عربية إصلاحية بعنوان (الإصلاح) تنشر فيها أفكاره الإصلاحية وترد على الطرق الصوفية متأسيا في ذلك بما رآه في الحجاز من تشدد ومبالغة، فأقام حربا شعواء على الطرق.

وقد ذكر الإبراهيمي الأثر الكبير الذي أحدثته جريدته، فقال: (فكان اسمها أخف وقعا، وإن كانت مقالاتها أسد مرمى وأشد لذعا)([150])

وكتب عنها الشيخ ابن باديس، وبشر بقرب صدورها فقال: (ستصدر تحت الاسم أعلاه جريدة لخطيب السلفيين وشاعرهم الزعيم الكبير الشيخ الطيب العقبي، بحسبي التنويه بما ستجمل به الإصلاح الصحافة الجزائرية من آيات البيان، وغرر البلاغة، وفنون الكلام، وبديع الأساليب، وما تخدم به حزب الإصلاح الديني من آيات الحكمة وقواطع الحجة في أبواب الدعوة ومطارح الجدل، بحسبي ذلك أن أقول إنها للأستاذ العقبي، فقد عرفه الناس في مجالسه وما نشرته الصحف من كلامه، الخطيب المفوه، والكاتب الضليع)([151])

وقال فيه – ملمحا إلى تشدده -: (الأستاذ العقبي أشهر من أن نعرف به، ونتحدث عن ثباته، وإخلاصه وصراحته وجراءته، ولقد كان منذ أيام الحجاز وحل ببلدة سيدي عقبة معلنا بكلمة الحق داعيا إلى الكتاب والسنة، منكرا لشرك القبوريين، وبدع الطرقيين، وكان له من جراء ذلك أعداء، وكان له خصوم، وكانت له معهم مواقف وكانت له عليهم ردود)([152])

وقد سببت له تلك الشدة الكثير من المعاناة مع سكان بسكرة، حتى أنه عانى لاستصدار جريدته، ويدل لذلك أن العدد الأول من صحيفته صدر في 12 ربيع الأول 1346 هـ ولم يصدر العدد الثاني إلا في أول سنته الثالثة 2 ربيع الثاني 1348 هـ.

وقد ذكرنا من قبل وصف وصفه الشيخ أحمد حماني له بقوله: (كان أحد أقطاب الحركة الإصلاحية، وكتابها النابهين، وكان يميل في أسلوبه إلى الشدة والعنف والصراحة المريرة)([153])

الشيخ مبارك الميلي:

هناك أدلة كثيرة يمكن من خلالها اعتبار الشيخ مبارك الميلي([154]) من المتشددين من أعضاء الجمعية، بل هو من خلال ما كتبه في (رسالة الشرك ومظاهره) كان صوت الوهابية في الجزائر، بل كان له فوق ذلك أتباع يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلما كان للشيخ محمد بن عبد الوهاب تماما.

وسنذكر هنا باختصار بعض أدلة تشدده:

1 ــ عند حديثه عن التصوف يحاول أن يجرده من مصدره الإسلامي ليربطه بأي مصدر آخر، وقد أثار هذا الاختيار بعض الباحثين في التصوف من المعاصرين، فكتب يقول عنه: (يسعى الشيخ مبارك بن محمد الميلي، وهو يعرف الطريقة أو الصوفية إلى تجريدها من أي وجود ممكن فاعل، ففي البدأ يعدم هذا الوجود لغويا أو لسانيا، نافيا أن تكون لكلمة تصوف وجود لساني أصيل في اللغة العربية مادامت الكلمة هي في الأصل منتمية وجوديا أو لسانيا إلى المجموعة اللغوية اليونانية، ثم ينتقل ليعلم التصوف فيقطع أي جذر اجتماعي قد يربطه بالفضاء العربي الإسلامي.. هكذا يبدو تعريف مبارك بن محمد الميلي للتصوف تعريفا إقصائيا متحاملا على وجه العموم على الطريقة أو الصوفية غايته إخراج وطرد لهذه الظاهرة من الفضاء العربي الإسلامي أو قل من الكيان الإسلامي)([155])

2 ـــ تحامله على الزوايا والطرق الصوفية، حتى الرحمانية التي كانت – كما ذكرنا – محل احترام من الشيخ ابن باديس([156]).

3 ــ تأثره الشديد بمدرسة محمد بن عبد الوهاب، وحكمه لأجل ذلك على العوام بالوقوع في الشرك نتيجية زيارتهم للأضرحة كما سنرى ذلك في محله.

الشيخ محمد السعيد الزاهري:

وهو – في المرحلة الأولى – من حياته من أكثر أعضاء الجمعية تشددا، بل استعمل في تشدده كل ما أوتيه من قدرات أدبية شعرا ونثرا مما لم يؤت مثله الكثير من أعضاء الجمعية([157]).

ومن خلال اطلاعي على ما كتبه أعضاء الجمعية وجدت أن المائلين منهم للأدب، أكثر تشددا من غيرهم من المائلين إلى التحقيق العلمي، وهكذا كان الزاهري، ولهذا استعمل كل قدراته الأدبية في مواجهة الطرق الصوفية.

ولأجل هذا حرص عليه أعضاء الجمعية مع إنكارهم الكثير من تصرفاته، كما عرفنا ذلك من موقف الشيخ الإبراهيمي منه، وقد عبر عن هذا الحرص رئيس جريدة البرق محمد الرحموني عندما قال: (فرجال الإصلاح يحسبونه هو القوة الفاعلة في هذه الحركة الناهضة إلى التجديد والإصلاح، لأن الله رزقه الجرأة والاقتدار ما لم يتم لأحد سواه من شباب الجزائر الناهض)([158])

لكنه لم يستمر على هذه الحال طويلا، بل انقلب إلى العكس حيث أصبح من ألد أعداء الجمعية، وحتى بعض التيارات السياسية الوطنية كانتقاده لحزب الشعب الجزائري([159]).

وبعد اختلافه مع الجمعية انسحب منها وساند الطرق الصوفية التي كان يحاربها أشد المحاربة، ثم تقرب من حركة انتصار الحريات الديمقراطية بزعامة مصالي الحاج، وأعاد إصدار جريدة (المغرب العربي) التي كانت تتكلم باسم هذه الحركة([160]).

 وكانت هذه المواقف سببا في إصدار حكم بإعدامه من طرف جبهة التحرير الوطني يوم 21ماي 1956م في ساحة الشهداء بالجرائر العاصمة.

يقول الأستاذ أحمد توفيق المدني: (الزاهري الذي كان شاعرا فحلا، وكاتبا مقتدرا، وكان في سلوكه وفي سياسته قوس قزح يتحلى كل حين بلون جديد، إلى أن جاءت الثورة الجزائرية الكبرى، وكان يُصدر بالعاصمة الجزائرية صحيفة، من الحكومة مالُها وفكرُها، فحكمت عليه الثورة المطهرة بالإعدام، وأردته قتيلا قرب ساحة الحكومة)([161])

وقد تحدث عنه بتفصيل الشيخ أحمد حماني منكرا عليه، بل راميا له بما كان يرمي به الطرق الصوفية مما نتنزه عن ذكره هنا([162])، ونحب أن نذكر بعض تفاصيل حياته، وخاصة بعد تحوله عن الجمعية لنؤكد في ذلك أمرا طالما نبه الصوفية عليه، وهو عدم الاكتفاء بالعلم واللغة والفصاحة، بل لابد من إضافة إكسير الإيمان والتربية والروحية وإلا صارت اللغة والعلم وبالا على صاحبه.

يقول الشيخ أحمد حماني([163]): (ولما تأسست جمعية العلماء المسلمين عام 1931م، انتخب في مجلس إدارتها سنة 1932م، وفي إجتماعها العام سنة 1934م أنشد قصيدة رنانة مطلعها:

حي العروبة في جمعية العلما
 
وحي – ويحك – فيها الدين والشيما
 

وتولى مع الشيخ العقبي رئاسة تحرير صحفها السنة والشريعة والصراط وآخرها البصائر في سلسلتها الأولى([164])، ولكن لم يجدد انتخابه لعضوية مجلس إدارتها أثناء اجتماعها العام سنة 1936م، فكان ذلك بداية منعرج خطير في حياته، إذ اتهم بعض أعضائها بالعمل ضده([165])، وأخذ يقول عنهم السوء وينشره.. ثم تجاوز القول إلى العمل فأسس الجرائد الخاصة به، وكتب ضدهم ثم ضد الجمعية، من ذلك أنه أسس جريدة الوفاق فلم ترج، وردها الباعة ورفضها القراء ولم يستسيغوا أن يتنكر لمبادئه ولإخوانه، فآل به الأمر الى ما آل إليه أمر (النجاح) و(البلاغ الجزائري)، وأخذ يصانع أعداءه القدامى وخصوم مبدئه الإصلاحي بالأمس، ويثني على بعض شيوخ الزوايا والطرق، وقد كان من أشد كتاب المصلحين ضدهم، ثم بلغ به الأمر أن انضم سنة 1939م إلى الحلفاء – وفيهم فرنسا – أثناء حربهم ضد ألمانيا وحلفائها، وكانت تغلب عليه نزعة ضد النازية، وهذا خلاف ما صنعته جمعية العلماء ورئيسها ابن باديس الذين قرروا الحياد والسكوت قائلين – كما سمعت بأذني فحواه من ابن باديس – (إن قلنا ما يحب الله ورسوله ويرضى الشعب أغضبنا فرنسا، وإن قلنا ما يرضي فرنسا غضب الله علينا ولم يرض الشعب عنا فلنسكت) وحاولت فرنسا أن تنطقهم فلم تستطع، أما الزاهري فنطق بما أحبوا أن يقول في هتلر وحزبه، ولم يكن نطق الزاهري مفهوما أو معللا بعلة معقولة.. ولا يتهم الزاهري في وطنيته لأنه كان متطرفا، لكنه سوء تدبير منه لترخص له الرقابة في إصدار جريدته،ومن عجيب أنني قرأت له في أحد أعداده زعمه أن الشعب الجزائري كله بجانب الحلفاء في الحرب مع أن عواطف الشعب لم تكن كذلك لما يقاسيه منها، بل كانت مائلة إلى جانب خصوم فرنسا بغضا لها لا حبا فيهم ولا إقرارا لمبادئهم.

وإثر الحرب العالمية الثانية استمر في خطته وأسس جريدة (المغرب العربي) مهاجما فيها العلماء، مادحا الطرقية والطرقيين، هاجيا بشدة الشيخ البشير الإبراهيمي، الذي سكت عنه كثيرا محتسبا، ثم كتب عنه مقالا نشره في البصائر([166])، وأخيرا اضطرت الحركة الوطنية إلى جريدة وحروف عربية فاستعارت ذلك منه لمدة، قبل ان يخرجوا جريدتهم العربية الخاصة بهم، ووجد نفسه في خدمة الحركة الوطنية الصريحة، ولما وقع الانشقاق داخل الحركة لم يحسن الاختيار وانحاز إلى الآية الممحوة، فكانت عاقبة أمره خسرا، فإنه لما نشبت الثورة سكت مدة ثم أخرج جريدته من جديد، وشرع يلمز الجبهة وينتقد بعض تصرفاتها، أذكر من ذلك أنه شنع بقتل خائن أعدم بالمسجد الكبير بعدما عاث فسادا في جهة تابلاط واحتمى بالمسجد، وقد أهدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دماء قوم أذن في قتلهم بالمسجد الحرام، ومن ذلك انه انتقد انتقادا مرا سفر وفد فيه السيد فرحات عباس للالتحاق بالثورة وبأمر من القيادة، وكتب عن ذلك كلمة في جريدته عنوانها: (وفد مريب في مهمة مريبة) وغابت عنه السياسة الحكيمة التي انتهجتها جبهة التحرير في قبول جميع المواطنين – اذا نصحوا – في صفوفها، ثم تجرا أخيرا ونشر صورة كبرى غطت كامل الصفحة الاولى من جريدته للسيد…. (لعله مصالي) الذي كان رمز الخلاف، وزعم أنه زعيم الشعب الأكبر، وصادف أن كانت الفتنة في أشدها بين فدائي الجبهة وبين أتباع الحركة الوطنية، فكان هذا الانحياز المعلن عنه بمثابة الحكم على نفسه بالإعدام، وذات يوم من أيام سنة 1956م، خر الشيخ الزاهري صريع خمس رصاصات من يد فدائيين في مدخل نهج زبانة (لا لير آنذاك) قرب جامع كتشاوة، فذهب ضحية تهوره، وسوء تصرفه وإصراره على الخطأ، وعسى أن يلقى عند ربه خيرا مما لقي من الناس)([167])

ومع هذا التقلب في مواقفه إلا أنا اعتبرنا الغالب فيها، أو ما وصل إلينا منها، أو ما انتشر، لأن كتاباته المؤيدة غير منتشرة، ولا مشتهرة بالإضافة إلى محدوديتها، بالإضافة إلى أن الحقيقة لا يمكن الاطلاع عليها إلا من الاطلاع على جريدة (المغرب العربي)، أو ما أصدره بعد خروجه من الجمعية، ولم يتسن لي للأسف الاطلاع على ذلك([168]).

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي:

وهو – مع ما يذكر من عقله وحكمته وفقهه- إلا أنه في هذا الباب خصوصا كان شديدا متحاملا غاية التحامل، لا يكاد يقر بمكرمة لا للتصوف ولا للطرق الصوفية، بل فوق ذلك لا يقبل أي هدنة أو صلح، بل ولا مناظرة مع الآخر، بل لا يرضى إلا الاستئصال، لأنه يعتبر التصوف دخيلا منذ بدأ التصوف، ولم يقل مثل ما قال غيره بطروء الانحراف عليه بعد أن كان سليما صالحا.

وقد عبر عن ذلك بصراحة عندما أرخ لبدء تفرق المسلمين، فقد اعتبر التصوف سرا من أسرار البلاء الذي نزل بالأمة، فقال – وهو يؤرخ للفترة الأولى من التصوف-: (أما المذاهب الصوفية فهي أبعد أثرًا في تشويه حقائق الدين وأشد منافاة لروحه، وأقوى تأثيرًا في تفريق كلمة المسلمين، لأنها ترجع في أصلها إلى نزعة غامضة مبهمة، تسترت في أول أمرها بالانقطاع للعبادة والتجرد من الأسباب والعزوف عن اللذات الجسدية والتظاهر بالخصوصية، وكانت تأخذ منتحليها بشيء من مظاهر المسيحية، وهو التسليم المطلق، وشيء من مظاهر البرهمية وهو تعذيب الجسد وإرهاقه توصلًا إلى كمال الروح زعموا. وأين هذا كله من روح الإسلام وهدي الإسلام؟ ولم يتبين الناس خيرها من شرها لما كان يسودها من التكتم والاحتراس، حتى جرت على ألسنة بعض منتحليها كلمات كانت ترجمة لبعض ما تحمل من أوزار)([169])

فهذا النص صريح في اتهامه للصوفية الأوائل الذين لم يستطع حتى ابن تيمية مع تشدده أن يتهمهم في نياتهم لكن الإبراهيمي يعتبر أنهم كانوا يستعملون (التكتم والاحتراس) لنشر مذهبهم.

ولم يكتف برمي الصوفية الأوائل، بل راح يرمي من بعدهم ممن كانوا يشتملون على كبار المتكلمين كالقشيري والغزالي وغيرهما، حيث قال: (فراب أئمة الدين أمرها، وانفتحت أعين حراس الشريعة فوقفوا لها بالمرصاد، فلاذ منتحلوها بفروق مبتدعة يريدون أن يثبتوا بها خصوصيتهم كالظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة، إلى ألفاظ أخرى من هذا القبيل لا تخرج في فحواها عن جعل الدين الواحد دينين.. وما كاد السيف الذي سلّ على الحلّاج وصرعى مخرقته يغمد ويوقن القوم أنهم أصبحوا بمنجاة من فتكاته، حتى أجمعوا أمرهم وأبدوا للناس بعض مكنونات أسرارهم ملفوفة في أغشية جميلة من الألفاظ، ومحفوفة بظواهر مقبولة من الأعمال. وحاولوا أن يصلوا نحلتهم تلك بعجرها وبجرها بصاحب الشريعة أو بأحد أصحابه فلم يفلحوا، وافتضحت حيلتهم وانقطع الحبل من أيديهم، فرجعوا إلى ادعاء الكشف وخرق الحجب والاطلاع على ما وراء الحس إلى آخر تلك (القائمة) التي لا زلت تسمعها حتى من أفواه العامة وتجدها في معتقداتهم)([170])

وهذه الكلمات الشديدة موجهة إلى كل العلماء الذين اقتنعوا بمنهج الغزالي، فراحوا يجمعون بين العلم الشرعي والسلوك الصوفي، والإبراهيمي بهذه الكلمات الشديدة القاسية يرمي كل أولئك العلماء، وكل التراث الذي خلفوه بالانحراف المقصود المضاد للدين.

ثم راح يتحدث عن مرحلة ثالثة، وهي المرحلة التي نشأ فيها التصوف العرفاني، فقال: (ثم أَمِرَ أمر هذه الصوفية وتقوّت على الزمن، والتقت مع الباطنية وغيرها من الجمعيات التي تبني أمرها على التستر على طبيعة دساسة وعرق نهل ومزاج متحد. واختلطت تعاليم هذه بتعاليم تلك، وتشابهت الاصطلاحات وابتلي المسلمون من هذه النحل بالداء العضال)([171])

والعجيب أن الإبراهيمي لا يناقش هذه المسائل الخطيرة مناقشة علمية، فيحدد المرادين، ويستثني غيرهم، ويفرق بين الوقوع في الخطأ، وتعمد الخطأ، بل والتآمر على الخطأ.

فهو في هذا الحديث من أوله إلى آخره يتحدث عن عصابة تتآمر على الدين، وهي تعرف أنها تتآمر عليه، ولكنها تصر على ذلك رغبة في حربه.

ولم يكتف بذلك، بل راح يعتبر الصوفية محلا لكل انحراف، فقال: (وقد اتسع صدرها بعد أن تعددت مذاهبها، واختلفت مشاربها في القرون الوسطى والأخيرة من تاريخ الإسلامء فانضوى تحت لوائها كل ذي دخلة سيئة وعقيدة رديئة حتى أصبح التصوف حيلة كل محتال، وحلية كل دجال)([172])

ثم تطرق إلى الطرق الصوفية، فجمعها جميعا في سلة واحدة، ولم يستثن أحدا منها، ولم يعترف لها بأي منقبة، يقول: (وإن هذه الطرق المنتشرة بين المسلمين، والتي تربو على المذاهب الفقهية عدًّا، كلها، على ما بينها من تباين الأوضاع، واختلاف الطباع، وتنافر الأتباع، تنتسب إلى هذا التصوف. ولكنه انتساب صوري اسمي، وشتان ما بين الفرع وأصله. فمبنى التصوف في أغلب مظاهره- كما أسلفنا- على الانقطاع والزهد في الدنيا، والتجرد والتقشف ورياضة النفس على المشاق وفطمها عن الشهوات. ومبنى هذه الطرق في ظاهر أمرها وباطنه على حيوانية شرهة لا تقف عند حدّ في التمتع بالشهوات، والانهماك في اللذائذ واحتجان الأموال من طريق الحرام والحلال، واصطياد الجاه وحب الظهور والاختلاط بأهل الجاه وإيثارهم والتزلف إليهم)([173])

وما ذكرناه من تحامله الشديد على المتقدمين والمتأخرين من غير استثناء لقي على ما يبدو إنكار ممن يسميهم الإبراهيمي (بعض الناس)، فقد ذكروا أنهم يقولون: (إن ما ذكرتموه من آثار الطرق السيئة كله صحيح وهو قليل من كثير، ولكن هذه الطرق لم يعترها الفساد والافساد إلّا في القرون الأخيرة، وأنتم- معشر المصلحين- تذهبون في إنكاركم إلى ما قبل هذه القرون، وتتناولون فيما تكتبون وما تخطبون وما تدرسون المحدثين والقدماء والأصول البعيدة والفروع القريبة. حتى بسطتم ألسنتكم بالسوء إلى مقامات وأسماء كانت قبل اليوم كحمام الحرم. ولعل خصومكم يكونون أدنى للرجوع إلى الحق لو سكتم لهم عن هذه الأسماء)([174])

وقد رد الإبراهيمي على هذا التعقيب بما يرد به عادة المتشددين من دعاة الوهابية خصوصا، وهو أن (حجة الإسلام قائمة، وميزانه منصوب، وآدابه متمثلة في سيرة الصحابة والتابعين، واننا لا نعرف في الإسلام بعد قرونه الثلاثة الفاضلة ميزة لقديم على محدث، ولا لميت على حي، وإنما هو الهدى أو الضلال، والاتباع أو الابتداع، وليست التركة التي ورثناها الإسلام عبارة عن أسماء تطفو بالشهرة وترسب بالخمول ويقتتل الناس حولها كالأعلام، أو يفتنون بها كالأصنام. وإنما ورثنا الحكمة الأبدية والأعمال الناشئة عن الإرادة، والعلم المبني على الدليل)([175])

ثم يذكر أن تلك الأسماء التي أجمع المسلمون على احترامها لا يصح احترامها (لأنهم غلوا في تعظيم بعض الأسماء غلوًا منكراً، فأداهم ذلك الغلو إلى نوع غريب من عبادة الأسماء نعاه القرآن على من قبلنا ليعظنا ويحذرنا ما صنعوا)([176])

ثم بين موقفه المتشدد من الطرق الصوفية وخصوصا ما كان منها في الشمال الإفريقي لا يستثني في ذلك أي طريقة، بل يرميها بما يتفق الصديق والعدو على كذبه من كونها كانت بابا للاستعمار مع أنها أول من حاربه، يقول في ذلك: (مع أننا نعلم أن الطرق منتشرة في العالم الإسلامي وأن آثارها فيه متشابهة، وأنها هي السبب الأقوى في كثير مما حل به من الأرزاء والنكبات، وكثيرًا ما كانت مفتاحًا لاستعمار ممالكه، فإن حربنا موجهة أولًا وبالذات إلى طرقية الشمال الافريقي، وبينها من الوشائج ما يجعلها كالشيء الواحد. فعلى مقدار هؤلاء الذين نعرف جنسهم وفصلهم، وفرعهم وأصلهم نفصل القول، وإلى هذا الهدف نسدد السهام)([177])

ثم ذكر الشيخ المراحل التي مر بها في حربه لهم – مع الجمعية- وكيف استطاعوا أن ينتصروا عليهم، فقال: (والأمر بيننا وبينهم من يوم شنت الغارة دائر على أحوال وسائر على مراحل ينتقلون بنا من إحداها إلى الأخرى ولا نزال نطاردهم وهم يلتجئون من ضيق إلى أضيق إلى الآن.. وذلك أننا لما أنكرنا عليهم باطلهم الذي يرتكبونه باسم الدين، زعموا أن الطريق هي الدين، ولما نقضنا لهم هذه الدعوى تنزلوا فزعموا أن لها حبلًا واصلًا بالدين وسندًا متصلًا بالسلف، ولما بينا لهم أن الحبل مقطوع وأن السند منقطع قالوا إن هذه الطرقية مرت عليها قرون ولم ينكرها العلماء، فبينا لهم أن عدم إنكار العلماء الباطل لا يصيره حقًا، ومرور الزمن عليه لا يصيره حقًا، وقلنا لهم إذا كان سلفكم في الطرقية يعملون مثل أعمالكم فهم مبطلون مثلكم، وإذا كانوا على المنهاج الشرعي فليسوا بطرقيين، ونحن نعلم من طريق التاريخ لا من طريق الشهرة العامة أن بعض أصحاب هذه الأسماء الدائرة في عالم التصوف والطرق كانوا على استقامة شرعية وعمل بالسنة ووقوف عند حدود الله. فهم صالحون بالمعنى الشرعي، ولكن الصلاح لم يأتهم من التصوف أو الطرق وإنما هو نتيجة التدين، وفي مثل هؤلاء الصالحين الشرعيين إنما نختلف في الأسماء، فنحن نسميهم صالحي المؤمنين وهم يسمونهم صوفية وأصحاب طرق، فيا ويلهم إن طريقة الإسلام واحدة، فما حاجة المسلمين إلى طرق كثيرة)([178])

ولسنا ندري أين جرت هذه الحرب التي تحدث عنها، وكيف خرت الطرق صرعى لحربهم، والمؤسف في كل ذلك هو ذلك التعميم الذي لا علاقة له بالمنهج العلمي، ولكن الرجل – للأسف – غلب عليه البيان الأدبي على البيان العلمي، فلهذا نراه يبحث عن الألفاظ أكثر من بحثه عن الحقائق، فهو لم يورد مثالا واحدا ولا دليلا واحدا، وإنما خطب خطبة عصماء في هجو الطرق، يمكن مقارنتها بخطب الحجاج وابن زياد في فصاحتها وفي شدتها، ولكن لا يمكن مقارنتها بأي مقال علمي.

وأمر التشدد يبلغ بالإبراهيمي غايته القصوى حين لا يكتفي بإنكار الطرق، بل ينكر التصوف أيضا، وهو ما لم يتجرأ كبار السلفيين على إنكاره، فهو يقول: (ثم ما هذا التصوف الذي لا عهد للإسلام الفطري النقيّ به؟ إننا لا نقره مظهرًا من مظاهر الدين أو مرتبة عليا من مراتبه، ولا نعترف من أسماء هذه المراتب إلّا بما في القاموس الديني: النبوة والصديقية والصحبة والاتباع ثم التقوى التي يتفاضل بها المؤمنون، ثم الولاية التي هي أثر التقوى، وإن كنا نقره فلسفة روحانية جاءتنا من غير طريق الدين ونرغمها على الخضوع للتحليل الديني)([179])

بل إنه يضيق ذرعا حتى بلفظة التصوف، مع أنه لا مشاحة في الاصطلاح، يقول في ذلك: (هل ضاقت بنا الألفاظ الدينية ذات المفهوم الواضح والدقة العجيبة في تحديد المعاني حتى نستعير من جرامقة اليونان أو جرامقة الفرس هذه اللفظة المبهمة الغامضة التي يتسع معناها لكل خير ولكل شر؟)([180])

بل إنه يقسم لو أن الأمر كان بيده لحرم هذه الكلمة، يقول في ذلك: (ويمينًا، لو كان للمسلمين يوم اتسعت الفتوحات، وتكونت (المعامل) الفكرية ببغداد ديوان تفتيش في العواصم ودروب الروم ومنافذ العراق العجمي، لكانت هذه الكلمة من (المواد الأولية) المحرمة الدخول)([181])

ثم بين أن التصوف لم يضم في أحضانه إلا المنحرفين، فقد أصبحت هذه الكلمة – كما يذكر –(أمًّا ولودًا تلد البر والفاجر. ثم تمادى بها الزمن فأصبحت قلعة محصنة تؤوي كل فاسق وكل زنديق وكل ممخرق وكل داعر وكل ساحر وكل لص وكل أفاك أثيم.. فكل راقص صوفي، وكل ضارب بالطبل صوفي، وكل عابث بأحكام الله صوفي، وكل ماجن خليع صوفي، وكل مسلوب العقل صوفي، وكل آكل للدنيا بالدين صوفي، وكل ملحد في آيات الله صوفي، وهلم سحبًا)([182])

بعد هذا الموقف المتشدد من التصوف سلفه وخلفه سنيه وبدعيه تساءل مستنكرا: (أفيجمل بجنود الإصلاح أن يدعوا هذه القلعة تحمي الضلال وتؤويه أم يجب عليهم أن يحملوا عليها حملة. صادقة شعارهم (لا صوفية في الإسلام) حتى يدكوها دكًا وينسفوها نسفًا ويذروها خاوية على عروشها؟)([183])

هذا هو الشعار الذي دعا إليه الإبراهيمي (لا صوفية في الإسلام)، ولم أجد مع اهتمامي بالتصوف من دعا بهذه الدعوة من المتقدمين أو المتأخرين غيره، ما عدا السلفية الحديثة، والتي أعجبت بموقفه هذا أيما إعجاب، ولهذا نرى هذا العنوان منتشرا في النوادي والمواقع، وكأنه آية قرآنية أو حديث نبوي.

والإبراهيمي – للأسف – يشبه رجال الصوفية ومشايخهم باليهود والنصاري من أصحاب الصوامع والأديرة، ولكنه لا يحفظ لهم الحرمة التي تحفظ لهؤلاء، ويعلل ذلك بأن (احترام الصوامع والأديرة- لأن فيها قومًا فحصوا أرؤسهم وحبسوا نفوسهم- مشروط بما إذا لم تكن مأوى للمقاتلة، وإلا زال احترامها)([184])

ثم يختم هذه الجولة القاسية بإخباره أن محركه في هذا ليس إلا الغيرة للدين والإخلاص له، فقال: (إننا لا نحمل لهؤلاء المشائخ ولا لأولادهم ولا لأحفادهم حقدًا ولا نضطغن عليهم شيئًا، ولا ننفس عليهم مالًا من الأمة ابتزوه، ولا جاهًا على حسابها أحرزوه، وليس بيننا وبينهم ترات قديمة، ولا ذحول متوارثة، ولا طوائل مغرومة. وإنما هو الغضب لله ولدينه وحرماته انطقنا فقلنا، وشنناها غارة شعواء على الآباء والأبناء)([185])

ونحن لا ننكر عليه إخلاصه – مع أنه لا يكفي في مثل هذه المسائل – بل ننكر عليه تقصيره في البحث العلمي، لأن هذه المسائل الخطيرة، والتي يتعلق بها مصير مئات الملايين من المسلمين في جميع الأعصار لا ينبغي أن نتناولها في قالب إنشائي أدبي، وإنما نتناولها في قالب بحثي علمي يحاول أن يفرق بين المناسب وغير المناسب، والشرعي وغير الشرعي.

والإبراهيمي – لغلوه الشديد في هذا الباب – يحمل حملة الشديدة على ما اتفق كل الباحثين عليه، وهو الدور العظيم الذي قامت به الطرق الصوفية وزواياها من الحفاظ على الهوية واللغة العربية، وما تنشره من العلوم الشرعية واللغوية، والتي لا علاقة لها بالتصوف:

ولكن الإبراهيمي لم يرضه هذا، وهو يريد هدمه، كما يريد هدم التصوف سواء بسواء، فيقول: (وزوايا الطرق في باب العلم كمدارس الحكومات هذه معامل لتخريج الموظفين، وتلك معامل لتخريج المسبحين بحمد الزوايا والمقدسين، أما العلم وحقيقته وصراحته وحريته فلا رائحة لها في هذه ولا في تلك)([186])

خاتمة الفصل

من النتائج المهمة التي يمكننا استخلاصها من هذا الفصل:

1 ــ من الأهداف الكبرى التي تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لأجلها مواجهة الطرق الصوفية، بل محاربتها، واستئصالها، بل تقديم استئصالها على استئصال الاستعمار نفسها، باعتبارها أخطر تأثيرا منه.

2 ــ أنه حصل بين الجمعية والطرق الصوفية نوع من الوفاق عند أول تأسيس الجمعية، وبسببه تأسست الجمعية، وانتشر صيتها، ثم حصل بعد ذلك، وبعد سنة واحدة الانقلاب.

3 ــ أن أعضاء الجمعية لم تقتصر تلمذتهم على مدرسة واحدة، وبالتالي اختلفت مواقفهم شدة ولينا بحسب ما أشربوا من أفكار، ذلك أن الكثير منهم إنما انتسب للجمعية بناء على اقتناعه بمشروعها الإصلاحي أكثر من اقتناعه بتوجهها الفكري، مثل الشيخ العيد القادري، الذي حول من زاويته إلى مدرسة للإصلاح.

4 ــ على المستوى الفكري، نجد المتشددين المغالين يصمون آذانهم عن سماع ما يطرحه الآخر من أفكار وأدلة، لأنه يعتبر أن كل ما يأتي به المخالف كفرا وضلالا وبدعة، ويرى لأجل هذا أن منهج التعامل معه هو الاستئصال والتشهير لا الإصلاح والتوجيه، بينما نجد المعتدلين أخف حدة، وأكثر إقبالا على تقبل الآخر ومناقشته.

5 ــ على المستوى الشخصي نرى المتشددين يميلون إلى استعمال العنف اللفظي والأحكام المشددة على خلاف المعتدلين الذين هم أكثر لينا وسماحة.

6 ــ أن البعض ممن نعتبرهم معتدلين يقفون في بعض المواقف مواقف المتشددين من حيث عدم سماع الآخر، أو عدم احترامه، والعكس صحيح.

7 ــ أن الكثير من أعضاء الجمعية تغيرت مواقفهم لأسباب مختلفة، وبالتالي يمكن اعتبارهم في مرحلة من المراحل ضمن المتشددين، وفي مرحلة أخرى ضمن المعتدلين، والعكس صحيح.

8 ــ أن ضابط الاعتدال هو قبول الآخر، أو التعامل بلين معه، ولو في بعض المواقف، ومن خلال استقراء ما كتبه وما قام به كبار رجال الجمعية وجدنا أن هذا الوصف ينطبق أحسن انطباق على شخصيتين من كبار أعضاء الجمعية المؤسسين، وهما الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ أبو يعلى الزواوي، بالإضافة إلى هذا هناك شخصيات كثيرة كالشيخ العيد، ومبروك التبسي وغيرهما، وهذه الشخصيات – كما ذكرنا – يمكن تصنيفها في إطار آخر، وهو التصوف الإصلاحي، فهم لا يتفقون مع الجمعية إلا في مشروعها الإصلاحي، ويختلفون معها اختلافا جذريا في توجهها الفكري.

9 ــ عند مقارنة المواقف التي وقفها الشيخ عبد الحميد بن باديس مع مواقف أكثر أعضاء من اطلعنا على تراثهم من رجال الجمعية يمكن اعتباره أكثرهم اعتدالا، وأحسنهم أدبا مع المخالف، بل رأينا أن الشيخ عبد الحميد بن باديس كان معرضا لضغوط من طرف المتشددين من رجال الجمعية الكبار، والذين كان يحرص على إرضائهم، ولذلك كان يظهر أحيانا بصورة المتشدد، فلذلك كانت لغته في الخطاب مع المخالف أكثر لينا بكثير من مثيلاتها من سائر رجال الجمعية.

10 ــ لا يقل الشيخ أبو يعلى سعيد بن محمد الزواوي عن ابن باديس اعتدالا، فهو مع كونه يصرح كثيرا بكونه سلفيا إلا أن السلفية التي يقصدها – على حسب ما أرى – هي سلفية الإصلاح، والوقوف في وجه البدع والانحرافات لا المنهج الاستئصالي الذي كان ينادي المتشددون من أعضاء الجمعية.

11 ــ يظهر من خلال مواقف وكتابات الشيخ الطيب العقبي أنه أكثر علماء الجمعية تشددا، بحيث لا يجاريه في تشدده أحد، بل نرى أنه عدى بتشدده الكثير من أعضاء الجمعية، لما كان يحظى به من قدرات مكنته لا من التسلط على قلوب العوام فقط، بل على قلوب الخواص أيضا، وقد أشرنا إلى ذلك سابقا.

12 ــ رأينا أن الشيخ البشير الإبراهيمي– مع ما يذكر من عقله وحكمته وفقهه- كان شديدا متحاملا غاية التحامل، لا يكاد يقر بمكرمة لا للتصوف ولا للطرق الصوفية، بل فوق ذلك لا يقبل أي هدنة أو صلح، بل ولا مناظرة مع الآخر، بل لا يرضى إلا الاستئصال، لأنه يعتبر التصوف دخيلا منذ بدأ التصوف، ولم يقل مثل ما قال غيره بطروء الانحراف عليه بعد أن كان سليما صالحا.

13 ــ أن هناك أدلة كثيرة يمكن من خلالها اعتبار الشيخ مبارك الميلي من المتشددين من أعضاء الجمعية، بل هو من خلال ما كتبه في رسالة الشرك ومظاهره كان صوت الوهابية في الجزائر، بل كان له فوق ذلك أتباع يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلما كان للشيخ محمد بن عبد الوهاب تماما.

14 ــ أن الشيخ الزاهري كان– في المرحلة الأولى – من حياته من أكثر أعضاء الجمعية تشددا، بل استعمل في تشدده كل ما أوتيه من قدرات أدبية شعرا ونثرا مما لم يؤت مثله الكثير من أعضاء الجمعية.

15 ــ أنه كان في إمكان الجمعية في حال التوافق مع الطرق الصوفية أن تكتسب الكثير من المواقع المهمة والطاقات التي تستطيع من خلالها أن تؤدي رسالتها، وأن تصل إلى أكبر عدد من الجزائريين، لكنها للأسف فرطت فيها بناء على نظرتها الاستئصالية الإقصائية.

16 ــ رأينا أنه يمكن أن يكون للاستعمار عبر عملائه دخل فيما حصل بين الجمعية والطرق الصوفية من خلاف، فقد كانت مصالح المستعمر منوطة بتفرق الجزائريين وصراعهم فيما بينهم، ولهذا انتهجت فرنسا – كما عرفنا سابقا- سياستها المعروفة (فرق تسد)، وقد مارست هذه السياسة مع الجميع، فهي لا يهمها طرقي أو مصلح، المهم عندها كما عند كل مستعمر أن تتنافر النفوس، وأن يجهز بعضهم على بعض، حتى يتمكن من تحقيق أهدافه.


([1])  وقد علل ذلك بقوله: (ولقد تفرسنا فيهم فصحت الفراسة، وبلوناهم فصدق الابتلاء، وجربناهم فكشفت التجربة على أنهم لا يعرفون الأمة إلا في مواقف الاستعباد وابتزاز الأموال، فإذا مسها الضر وتنكر لها الدهر تنكروا لها وتجاهلوها، وإن علاقتهم بالأمة علاقة السيد بعبده والمالك لمملوكه لا علاقة المسلم بأخيه المسلم، يحب له ما يحب لنفسه، وأنهم مطايا الاستعمار الذلل وأيديه الباطشة؛ بل القنطرة التي هونت عليه العبور، وانهم كانوا ولا زالوا على خلاف ما وصف الله به عباده المؤمنين أعزة على الأمة أذلة على المستعمرين والحكام المستبدين، وأن ليس في صحائفهم السوداء موقف يعز الإسلام أو يرفع المسلمين) (آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 297))

([2])  يقصد بهذا المصطلح أتباع (محمد عبده)، وقد ذكره الإبراهيمي في معرض ذكره للحرب التي ووجهت بها الجمعية (انظر: آثار الإبراهيمي: 1/123)

([3])  عبد رشيد زروقة، جهاد ابن باديس ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر (1913 ـ 1940 )، دار الشهاب، بيروت، ط1، 1420 هـ / 1999 م، ص  126

([4])  عبد الحميد بن باديس: نداء إلى العلماء الإصلاحيين (جريدة الشهاب، العدد (3)، 26 نوفمبر 1925)

([5])  مجلة مجمع اللغة العربية، ج21 سنة 1966، ص : 143.

([6])  أحمد الخطيب، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و أثرها الإصلاحي في الجزائر، ص 108.

([7])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (5/ 281)

([8])  مجلة مجمع اللغة العربية، ج21 سنة 1966، ص : 143.

([9])  سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية، ج3، ص 84.

([10])  سعد الله، الحركة الوطنية الجزائرية، ج3، ص 83..

([11])  الحركة الوطنية: 3/93.

([12])  محمد الأخضر السائحي، محمد الأمين العمودي الشخصية المتعددة الجوانب ،ط 2،دار هومه للطباعة والنشر. بوزريعة، الجزائر: 2001 م،ص 32

([13])  محمد الطاهر تليلي : من تاريخ وادي سوف، ص 77، نقلا عن: (الحركة الإصلاحية بوادي سوف نشأتها وتطورها (1900-1930)، إعداد الطالب: موسى بن موسى، 2005)

([14])  علي غنابزية، العلامة إبراهيم العوامر، ص 11.

([15])  آثار الإبراهيمي: 1/188.

([16])  آثار الإبراهيمي: 1/186.

([17])  البصائر: 1/ ع 31 / ص 1.

([18])  جريدة الشريعة النّبويّة في عددها السّادس , الصّادر يوم الاثنين  29 ربيع الثاني 1352 للهجرة الموافق ل 21 أوت 1933.

([19])  جريدة الشريعة النّبويّة في عددها السّادس , الصّادر يوم الاثنين  29 ربيع الثاني 1352 للهجرة الموافق ل 21 أوت 1933، ص6.

([20])  المصدر السابق، ص6.

([21])  الإدارة: البلاغ، البلاغ الجزائري،ع: 19، مستغانم: 4 ذي القعدة 1345، الموافق لـ 6 ماي 1927، نقلا عن أضاميم المد الساري، ج 1، ص 60.

([22])  (الإصلاح الإصلاح)، البلاغ الجزائري، ع: 68، مستغانم: 14 ذي القعدة 1346-4 ماي 1928. .

([23])  عدة بن تونس : الروضة السنية، المطبعة العلاوية، مستغانم، ص 66.

([24])  أحمد حماني: صراع بين السنة والبدعة، دار البعث، قسنطينة: 1984، ط 1، ج 2، ص 71.

([25])  أحمد حماني: صراع السنة والبدعة، ج 2، ص 79.

([26])  الأستاذ الزاهري، يوم 23 ماي 1932، جريدة الشريعة النبوية، السنة الأولى، العدد الثاني، قسنطينة يوم الاثنين 01 ربيع الثاني 1352، ص6.

([27])  يقصد أعضاء الجمعية في كتاباتهم بشيخ الحلول عادة (الشيخ ابن عليوة)، وقد يقصدون به كذلك غيره من رجال الطرق الصوفية، وخصوصا الحافظي.

([28])  الأستاذ الزاهري، يوم 23 ماي 1932، جريدة الشريعة النبوية، السنة الأولى، ص6.

([29])  الأستاذ الزاهري، يوم 23 ماي 1932، جريدة الشريعة النبوية، السنة الأولى، ص6.

([30])  سنحلل القصة ومحتوياتها في الفصل الخاص بأساليب الجمعية في التعامل مع الطرق الصوفية.

([31])  الأستاذ الزاهري، يوم 23 ماي 1932، جريدة الشريعة النبوية، السنة الأولى، ص6.

([32])  الأستاذ الزاهري، يوم 23 ماي 1932، جريدة الشريعة النبوية، السنة الأولى، ص6.

([33])  الأستاذ الزاهري، يوم 23 ماي 1932، جريدة الشريعة النبوية، السنة الأولى، ص6.

([34])  باعتبار أن أكثر الباحثين للأسف يمرون على الأحداث مرور الكرام، بل يسلمون لما قاله باعتباره الحق المطلق.

([35])  الأستاذ الزاهري، يوم 23 ماي 1932، جريدة الشريعة النبوية، السنة الأولى، ص6.

([36])  الأستاذ الزاهري، يوم 23 ماي 1932، جريدة الشريعة النبوية، السنة الأولى، ص6.

([37])  آثار الإبراهيمي: (1/187)

([38])  آثار الإبراهيمي: (1/188)

([39])  آثار الإبراهيمي: (1/188)

([40])  آثار الإبراهيمي: (1/188)

([41])  آثار الإبراهيمي: (5/281)

([42])  آثار الإبراهيمي: (1/188)

([43])  انظر: الشهاب، ج 8، م 8، ص 401 – 409 غرة ربيع الأول 1351ه – أوت 1632م، وانظر: آثار ابن باديس: 4/321.

([44])  الشهاب: ج 8، م 8، ص 401 – 409 غرة ربيع الأول 1351ه – أوت 1632م، وانظر: آثار ابن باديس: 4/321.

([45])  الحركة الوطنية: 3/93.

([46])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 268)

([47])  سنتعرض لهذا بتفصيل عند الحديث عن أسلوب المواجهة العاطفية الذي مارسته الجمعية مع الطرق الصوفية.

([48])  انظر: محمد الصالح بن عتيق، أحداث ومواقف في مجال الدعوة الإصلاحية والحركة الوطنية بالجزائر، منشورات دحلب، ص  60.

([49])  وقد نقل الكثير من الموالين للجمعية هذا الحدث باعتباره كرامة لابن باديس،

([50])  محمد الصالح بن عتيق، أحداث ومواقف في مجال الدعوة الإصلاحية والحركة الوطنية بالجزائر، ص 63.

([51])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 268)

([52])  سنستعرض نماذج مما كتب في الفصل الخاص بأساليب تعامل الجمعية مع الطرق الصوفية.

([53])  هو مامي إسماعيل بن علاوة بن عبدي، وغالبا ما يلقب “ابن عبدي”، ولد بقسنطينة في 18 أكتوبر 1899م وتعلم في مسجدها على يد شيوخ أجلاء أمثال الشيخ عبد الحميد بن باديس ثم شد الرحال إلى تونس وبالضبط في جامع الزيتونة، إلا أنه غادره بسرعة ولم يتمم دراسته، وأثناء عودته اتصل بالشيخ عبد الحفيظ بن الهاشمي واشترك معه في العمل بجريدة النجاح فكان رئيس تحريرها، ثم مدير مطبعتها ومكتبتها، وكان كثير الترحال تارة مكلفا من قبل مدير الجريدة لترويج الجريدة وجمع الاشتراكات، وتارة مشاركا في ملتقيات لرؤساء الزوايا أو أثناء الاحتفالات الدينية المختلفة كالمولد النبوي الشريف، عاشوراء، أول محرم الخ .. وقد اتسع نطاق الجريدة بفضل رحلاته الكثيرة والتي كانت تدوم لفترات طويلة (انظر: محمد ناصر; المرجع السابق، ص33)

([54])  وكان قد تعرض قبلها لمحاولة اغتيال في أم البواقي يوم03 سبتمبر سنة 1930، ولكن بما أنه كان حينها مؤيد للجمعية أدين الاعتداء عليه في مجلة الشهاب، تحت عنوان ” اعتداء فظيع وتوحش شنيع ” (قسم التحرير ; اعتداء فضيع وتوحش شنيع، الشهاب، المجلد 6، يوم أكتوبر 1930، ص 573)

([55])  أحمد بوشمال (1899 – 1958م)، ولد بمدينة قسنطينة وبها حفظ القرآن الكريم بجامع سيدي ياسمين بالقرب من رحبة الصوف ثم اشتغل بصناعة الأحذية، وكان يحضر دروس الشيخ عبد الحميد بن باديس ولازمه ملازمة شديدة. ولما أزمع الشيخ ابن باديس تأسيس الصحافة الإسلامية العربية الحرة تبرع له أحمد بوشمال بمحله التجاري ليكون مقر المطبعة الإسلامية الجزائرية. وصار هو مدير أعمال، وصاحب الامتياز لصحف الجمعية، وجمعية التربية والتعليم بقسنطينة .. انظر: أحمد حماني، صراع بين السنة والبدعة، ج 2، ص 270.

([56])  أحمد حماني ; المرجع السابق، ص131.

([57])  يقصد بذلك جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لأنها كانت تطلب من الفلاحين أن يعطوا زكاتهم للجمعية لخدمة التعليم فيها، بل كتب العربي التبسي فتوى ينص فيها على جواز أخذ الفقهاء من الزكاة (إذا كان أولئك الفقهاء قد حبسوا جهودهم وعلومهم وحياتهم للجهاد في سبيل الإسلام، ونشره، والدفاع عنه. أما فقهاء السوء طلاب الدنيا فإننا لا نقول بجواز أخذهم من الزكاة) (انظر: جريدة البصائر، السلسلة الثانية، السنة الثالثة، عدد 119، الاثنين 15/ماي/1950م الموافق 28/رجب/1369هـ، ص 2)

([58])  مامي إسماعيل;فتنة ميلة، النجاح، العدد1871، يوم20 ماي 1936، ص2.

([59])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 181)

([60])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 183)

([61])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 184)

([62])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 183)

([63])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 184)

([64])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (5/282)

([65])  أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، (1/ 45)

([66])  إحياء علوم الدين (1/ 45)

([67])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 297)

([68])  الزاهري؛ شيخ علماء الجزائر، أم شيخ الحلول؟ الشهاب. مج9. ج11. أكتوبر 1933. ص 494

([69])  نحب أن ننبه هنا إلى أن الجنرال الفرنسي (هنري جاكين) نشر كتابا بباريس سنة 1977 تحت عنوان (الحرب السرية في الجزائر)، كشف فيه عن الكثير من الشخصيات المهمة التي كانت تعمل في خدمة المصالح الفرنسية في الجزائر، ومن بينهم ذكر أحمد توفيق المدني من جمعية العلماء المسلمين الذي كان عميل الحاكم العام، وأحمد بن بلة الذي كان مخبرا سابقا للأمن العسكري الفرنسي، وفرحات عباس الذي كان لمدة طويلة مراسلا محترما لشرطة الاستعلامات العامة، ومصالي الحاج الذي أصبح منذ 1945 تحت الاسم المستعار ”ليون” (Léon)، مخبرا ثمينا للشرطة الفرنسية.

([70])  هو ليون روش من مواليد قرونوبل وُلد سنة 1809 م، تحصل على بعض الشهادات، كان والده من المُشاركين في الحملة الفرنسية على الجزائرعام 1830 . بعد سنتين من الاحتلال الفرنسي قَدِمَ ليون روش الى الجزائر ليكون في خدمة الاستعمار الفرنسي، بعد وصوله الى الجزائر سنة 1832 م بدأ ليون يتعلم اللغة العربية حتى أتقنها، هذا الاتقان ساعده على العمل مُترجما في الجيش الفرنسي، يُقال أنه أسلم واعتدل اسلامه في نظر المسلمين ورحل بعد اسلامه الى الأمير عبد القادر مُبديا له يد المعونة. وكان ذلك سنة 1837 حيث أصبح اسمه الجديد عُمر .

كلفه الجنرال بيجو الحاكم العسكري للجزائر بمساعدة الزاوية التيجانية والطيبية المغربية في الجزائر بالسفر الى تونس ومصر والحجاز للحصول على فتوى تدعوا أهل الجزائر الى قَبول الحكم الفرنسي مقابل أن يَحترم هذا الحُكم دينهم وعادتهم وتقالدهم .

ورحل روش ومعه نص الفتوى ويُقال أنه حصل على مُصادقة علماء جامع الزيتونة في تونس وعلماء الأزهر في مصر، وعلماء المسلمين المجتمعين في مدينة الطائف بالحجاز حيث مقر الشريف الأكبر شريف مكة المكرمة، وقد وصل الحجاز أثناء موسم الحج فأراد أن يشهد هذا الموسم، لكن بعض من الجزائريين تعرف عليه في وقفة عرفات ورفعوا أصواتهم استنكارا لوجوده، وكاد أن يفقد حياته لولا الحراس الذين كلفهم الشريف بمراقبته سرا اذ قام هؤلاء باختطافه ومضوا به الى جدة ومنها الى مصر ومنها الى أوروبا (انظر: ليون روش، ثلاثون سنة في رحاب الاسلام، مذكرات ليون روش عن رحلته الى الحجاز، ترجمة: الدكتور محمد خير البقاعي، دار جداول للنشر)

([71])  آثار ابن باديس (4/ 322)

([72])  آثار ابن باديس (4/ 322)

([73])  آثار ابن باديس (4/ 322)

([74])  وقد أيده في هدا حسين آيت أحمد، في كتابه (‘ذكريات مكافح)، فقد ذكر فيه أن مصالي الحاج نصب الشيخ الزاهري مديرا لأسبوعية (المغرب العربي) لسان حزب الشعب، وأنه كان جاسوسا للمخابرات الفرنسية، وعندما تم اكتشاف حقيقته من طرف جبهة التحرير التاريخية، قاموا بإعدامه قي بداية حرب التحرير كما جاء ذلك في كتاب محمد حربي (جبهة التحرير الوطني: سراب وحقيقة) نقلا عن (http://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=210205)

([75])  آثار الإبراهيمي: 3/562.

([76])  آثار ابن باديس: 2/549.

([77])  الشريعة النبوية المحمدية، السنة الأولى / العدد 6، قسنطينة يوم الاثنين 29 ربيع الثاني 1352، ص8.

([78])  الشريعة النبوية المحمدية، السنة الأولى / العدد 6، قسنطينة يوم الاثنين 29 ربيع الثاني 1352، ص8.

([79])  خير الدين، المذكرات: 2/118.

([80])  جريدة الصراط العدد الخامس، قسنطينة يوم الاثنين 26 جمادى الثانية 1352، الموافق ل 16 أكتوبر 1933، ص3.

([81])  يقول الشيخ أحمد حماني : ( أما جريدة النجاح فإنها من أوائل الجرائد العربية بروزا إثر الحرب العالمية الأولى أسست عام 1919 م بمدينة قسنطينة ومؤسسها هو السيد عبد الحفيظ بن الهاشمي من آل زاوية ( سيدي علي بن عمر) بطولقة الرحمانية) (أحمد حماني: صرا ۶ بين السنة والبدعة أو القصة الكافة للسطو بالإمام عبد الحميد بن باديس، ج1، ص 128)

([82])  يذكر البعض أن ابن باديس كان من المؤسسين لها، وهذا غير صحيح، فقد كان مجرد كاتب فيها.

([83])  وكان آخر عدد لها يوم 28 مارس 1925، العدد 201، وقد ورد في جريدة النجاح هذا العنوان:( خطرات الأسبوع، تحت هذا العنوان رغب منا أحد الكتاب أن نفسح له مجالا يكون درسا جامعا للعبر والحوادث والانتقادات واللمح التاريخية وغير ذلك من القواعد المتنوعة خدمة للعلوم والحقائق وسعيا وراء الواجب الذي يقضي بالعمل المتواصل، وعليه فقد لبينا هذا الاقتراح الجليل تحت الإمضاء أسفله (العبسي) (فسم التحرير ; خطرات الأسبوع، النجاح، ع 172 يوم 12 سبتمبر 1924، ص 2)

([84])  وقد كان إمضاء مستعارا لابن باديس في النجاح وغيرها، انظر: أحمد حماني ; الصراع بين السنة والبدعة، ص 128.

([85])  أحمد حماتي : صرا۶ السنة والبدعة، ص 131.

([86])  مامي إسماعيل: جمعية العلماء منة كبرى يجود بها القرن العشرين، النجاح، العدد1229، يوم09-09-1931

([87])  انظر : أحمد الخطيب، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثـرهـا الإصلاحي في الجزائـــــر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،  الطبعة الأولى، 1985م، ص 180.

([88])  آثار الإبراهيمي: (1/188)

([89])  آثار الإبراهيمي: (1/188)

([90])  للتعرف المفصل على تراجم هؤلاء العلماء وآثارهم انظر: محمد بن إسماعيلي، مشايخ خالدون وعلماء عاملون، ط4، 1421-2001.

([91])  التخلل في الكلام : التشدق وتفخيم اللسان فيه. تخلل الباقرة : البقرة أي التشدق في القول ولفه كلف البقرة للكلأ.

([92])  أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة قرطبة – القاهرة، 3/165.

([93])  من (النيشان) وهو الوسام، أي مُوَسَّمِين.. حاملى الأَوْسِمة

([94])  آثار الإبراهيمي: (1/189).

([95])  آثار الإبراهيمي: (1/189).

([96])  انظر: جريدة البصائر، السلسلة الثانية، السنة الثالثة، عدد 119، الاثنين 15/ماي/1950م الموافق 28/رجب/1369هـ، ص 2.

([97]) هو مثل يضرب لمن يعير صاحبه بعيب هو فيه، فيلقي عيبه على الناس ويتهمهم به، ويُخرج نفسه من الموضوع، انظر المثل في أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، المستقصى في أمثال العرب، دارالكتب العلمية – بيروت، الطبعة الثانية، 1987، 2/103.

([98])  راجع مقال زهية منصر في الشروق اليومي حول الطرق الصوفية والسياسة في الجزائر، بتاريخ : 22 – 12 – 2011.

([99])  لا ينكر على الحافظي وطنيته الصادقة، فهو الذي عكف على دعوة الناس إلى الوحدة ونبذ الفرقة، ورفض الواقع الذي فرضه الاحتلال الفرنسي وأن يصروا على التغيير بقدر استطاعتهم وأن ينهضوا فوق الأحداث ويهتموا بتربية أبنائهم حتى يكونوا عدة للمستقبل، داعيا في سلسلة مقالاته التي نشرها تحت عنوان (العلم والأدب وحالة الجزائر) عن الإصلاح والمصلحين إلى معرفة أدواء الأمة والإخلاص في معالجتها، كما عني بالتجنس الذي قال فيه: (بنصرة الدين وتقوى الله وطاعة الله ورسوله فيما جاءت به الشريعة السمحة، هي شروط العزة والسيادة والقوة والسلطان والذين ضيعوا عزة الله وضاعت منهم العزة وهي في متناول أيديهم وفي إمكانهم الحصول عليها أصبحوا يتطلبونها بطريق التجنيس علهم أن يكونوا أعزاء مثل الذين يلحقون بهم وينتسبون إليهم في عزتهم، ولكن الله سبحانه وتعالى مكر بهم ورد كيدهم في نحورهم بجعلهم أذلاء وأذنابا للذين حاولوا المساواة بهم في عزتهم فإن القانون الآن اعتبر التجنس في درجة متوسطةبين الأهلي غير المتجنس وبين الفرنسي الأهلي، فالفرنسي الأصلي أكبر مقاما من المتجنس المتفرنس وهذا أق منه بكثير، بل الأدهى والأمر أن المسلم التجنس المتفرنس أق شأنا ن اليهودي والاسبنيولي والطلياني والمالطي المتجنس المتفرنس …) (انظر: الأستاذ محمد الصالح الصديق، أعلام من المغرب العربي، الجزء الأول، موفم للنشر والتوزيع- الجزائر 2000، ص386)

([100])  آثار ابن باديس: (3/148)

([101])  كمثال على ذلك انظر: الزاهري؛ هل كان الشيخ التيجاني وهابيا؟ حقائق من التاريخ لا يعلمهن كثير من الناس. الصراط. ع7. س1. 30-1933 – 10. ص 4.

([102])  يقصد الشيخ ابن عليوة.

([103])  الشهاب، العدد 83 : الخميس 7 شعبان 1345هـ/ 10 فيفري 1927م.

([104])  جريدة الشهاب رقم العدد 83 : الخميس 7 شعبان 1345هـ/ 10 فيفري 1927م.

([105])  تأبط شرا: قوارص!… أيتها الفلتاء المتشردون. البرق. ع7، س1، 17/10/1927، ص3.

([106])  غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر، جامعة منتوري قسنطينة، قسم التاريخ والآثار، د.ط، د.ت، ص4.

([107])  أحمد حماني، صراع بين السنة والبدعة: ح2، ص26.

([108])  أحمد حماني، صراع بين السنة والبدعة: ح2، ص26.

([109])  بعلي مراد، الحركة الإصلاحية الإسلامية في الجزائر، ص168..

([110])  أحمد مريوش: العقبي، ص83..

([111])  انظر: الشيخ عبد القادر عثماني، الطريقة الخلوتية الرحمانية طريقة قرآن وعلم وجهاد، ص5.

([112])  من المشايخ الآخرين الذين أثنى عليهم ابن باديس الشيخ العلامة محمد بن عبد القادر بن عــدة البوعبدلي شيخ الزاوية الشــاذلية الدرقاوية بغليزان، وقد قال ابن باديس في حقه : (أول من اجتمعنا به من فضلائها الأخ الشيخ مولاي محمد أحد أهل العلم وشيخ الزاوية بها وهذا من شيوخ الزوايا الذين لهم رغبة في نشر العلم وهداية الناس وسعة صدر في سماع الحق وأدلته)

ومنهم (الشيخ العالم سيدي مصطفى بن طكـــوك شيخ الزاوية الشاذلية السنـــوسية ببوقيراط ( مستغانم )، وقد صفه ابن باديس فقال: ( فــأكــــرم نــزولنا وبتنا ليلة وودعناهم في صبيحتها، وحدثناه عن الجمعية فأظهــــر ابتهاجه بها وقــدم مائتي فرنك لإعانتها)

ومنهم العلامة الفقيه العـــارف بالله سيدي بوعبد الله بن عبد القادر البوعبدلي شيخ الطريقة الشاذلية الدرقـــاوية البوعبدلية ببطيـــوة _ ارزيو، وهــران، وقد أكثر ابن باديس من الثنـــاء عليه وعلى سعة تبحره في العــــلوم فيقـــول : ( نــــزلنا ضيـــوفا على العــالم الأديب الشيخ أبو عبد الله آل أبي عبد الله، عالم فصيح اللســــان، صحيح الإدراك، مستقيم الفكـــــر، مهيب الطلعة، معترف له بالعلم والفضـــل) (انظر هذه الروايات جميعها في مجلة الشهــــاب : غـــرة شعبــان 1350 هـ / ديسمبر 1931 م)

([113])  آثار ابن باديس (4/ 311)

([114])  آثار ابن باديس (4/ 311

([115])  آثار ابن باديس (4/ 312

([116])  آثار ابن باديس (4/ 312

([117])  آثار ابن باديس (4/ 312

([118])  آثار ابن باديس (4/ 313)

([119])  آثار ابن باديس (4/ 313)

([120])  آثار ابن باديس (4/ 313)

([121])  عمر دردور: من مواليد 1913 في قرية حيدوس بوادي عبدي وفيها حفظ القرآن، درس بالزاوية العثمانية بطولقة، ثم اتجه الى قسندلينة ليلتحق بطلبة الجامع الأخضر، والأخذ عن الإمام ابن باديس الذي لازمه مدة 5سذوات، مؤسس الشعبية الأوراسية لجمعية العلماء سنة1936، (انظر: صلاح مؤيد، الزوايا والطرق، ص803. علي عزوزي: زاوية ال دردور، ص39)

([122])  محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، الجامع الصحيح سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون، (5/ 569)

([123])  آثار ابن باديس: 3/188.

([124])  آثار ابن باديس: 3/188.

([125])  آثار ابن باديس: 3/188.

([126])  آثار ابن باديس (2/ 191

([127])  آثار ابن باديس (3/ 37)

([128])  آثار ابن باديس (3/ 160)

([129])  آثار ابن باديس (2/ 72)

([130])  مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي – بيروت، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي، 1/191.

([131])  آثار ابن باديس (2/ 72)

([132])  آثار ابن باديس: 1/305.

([133])  سنتحدث عن فتاواه بتفصيل في الفصل الخاص بأساليب التعامل بين الجمعية والطرق الصوفية.

([134])  عبد القادر عثماني: الزوايا والتعليم الديني، مجلة الامام مالك بن أنس ع، دار الهدى للطباعة والنشر، عين مليلة 2002، ص 20.

([135])  العياشي دعدوعة: الطريقة الرحمانية علمية جهادية إصلاحية، جريدة الأحرار، عدد 721، 15 جويلية 2000، ص16

([136])  عبد القادر عثماني: الزوايا والتعليم الديني، مجلة الامام مالك بن أنس ع، دار الهدى للطباعة والنشر، عين مليلة 2002، ص 20.

([137])  آثار ابن باديس: 1/286.

([138])  الصراط، عدد08، السنة الأولى 29 ماي 1933، ص01.

([139])  آثار ابن باديس: 3/48.

([140])  آثار ابن باديس: 3/49.

([141])  ولد سنة 1866 في ناحية عزازقة ولاية تيني وزو حاليا، كان أبوه إماما في تلك القرية فتتلمذ على يده، أخذ عنه الفقه والقراءات والنحو ثم انتقل إلى زاوية عبد الرحمن الإيلولي المشهورة في فترة كان التصوف هو السائد في تلك المناطق، بعدها انتقل إلى دمشق وأخذ عن كثير من علمائها وعمل فيها ثم انتقل إلى مصر في أوائل الحرب العالمية الأولى وكان من شيوخه فيها الشيخ محمد بن سعيد بن زكري الذي تأثر به أبو يعلى كيرا والشيخ محمد بن بلقاسم البوجليلي والعلامة طاهر الجزائري ومن أقرانه رشيد رضا والشيخ محمد الخضر ومحمد كرد وشكيب أرسلان ومحمد عبده، ثم عاد إلى الجزائر سنة 1920 فأسندت إليه وظيفة الإمامة في مسجد سيدي رمضان، وأخذ الشيخ يناضل فيه عن فكرته الإصلاحية.انظر في ترجمته: الأفكار الإصلاحية في كتابات الشيخ أبي يعلي الزواوي، محمد أرزقي فراد، دار الأمل، ط. 2009، وتاريخ الجزائر الثقافي، من كتبه (الخطب) و(الإسلام الصحيح) و(تاريخ زواوة) و(جماعة المسلمين) وله مؤلفات أخرى، عاش الشيخ قرابة ستة وثمانين سنة وتوفي.بمرض البروستاتة أول جوان سنة 1952 الموافق ل 08 رمضان 1371 ه، انظر في ترجمته: أبو القاسم سعدالله، ج 8 ص 121-125، دار البصائر الجزائر، ط. 2007، وأبحاث وآراء في تاريخ الجزائر الحديث، أبو القاسم سعد الله، ج 2 ص 145، عالم المعرفة الجزائر، ط. 2009.

([142])  أحمد حماني: صراع بين السنة والبدعة، ج 2، ص 71.

([143])  وهذا لا يعني أنه لم يكن خطيبا، فقد عرف الشيخ بخطبه المرتجلة الحماسية مع القدرة العجيبة في الإقناع.

([144])  أحمد حماني: صراع بين السنة والبدعة، ج 2، المصدر نفسه. ص 71.

([145])  نقلت هذه النصوص من موقع الموسوعة الحرة في ترجمة أبي يعلى الزواوي، (http://ar.wikipedia.org)

([146])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 126)

([147])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 126)

([148])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 267)

([149])  على الرغم من كونه كان مع الشريف حسين لا مع الوهابيين، ولكنه مع ذلك تأثر بالكثير من أفكارهم التي كانت تنتشر في العالم الإسلامي أجمع في ذلك الحين.

([150])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 184)

([151])  الشهاب العدد 106 / جويلية 1927 ص 7.

([152])  الشهاب العدد 115 ص 17

([153])  صراع بين السنة والبدعة: ح2، ص26.

([154])  انظر في ترجمته: رواد النهضة والتجديد في الجزائر (1889 – 1965)، د. عبد الكريم بن صفصاف، ص 98-110، دار الهدى، عين مليلة، ط.2007، وأحداث ومواقف في مجال الدعوة الإصلاحية للحركة الوطنية بالجرائر، محمد الصالح بن عتيق، ص 49-54، منشورات دحلب الجزائر، نبذة مختصرة عن العلامة الشيخ مبارك الميلي، محمود أبو عبد الرحمن، مجالس الهدى للإنتاج والتوزيع الجزائر، ط1، 2002.

([155])  مقاربة حول التصوف والطريقة بين التنظير والممارسة. الطريقة البلقائدية مثالا مريدي الطريقة بالعين الصفراء تمثيلا، د.ط، د.ت، ص51.

([156])  انظر كمثال على ذلك: مبارك الميلي، رسالة الشرك ومظاهره، دار الراية للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى (1422هـ – 2001م) ص211.

([157])  سنرى الأمثلة الكثيرة عن ذلك عند ذكر أساليب تعامل الجمعية مع الطرق الصوفية في الباب الثالث من هذه الرسالة.

([158])  محمد رحموني; محمد السعيد الزاهري، جريدة البرق، العدد، 16 يوم 18جويلية 1927 ،ص 2.

([159])  زهير إحدادن; أعلام الصحافة الجزائرية الأمير خالد والزاهري وأبو اليقظان، مؤسسة أحددن للنشر والتوزيع، الجزائر 2002، ،ص 25.

([160])  زهير أحدادن ; المرجع السابق، ص25

([161])  أحمد توفيق المدني : المذكرات، 02/195

([162])  انظر: أحمد حماني، صراع السنة والبدعة، ص 137.

([163])  نقلنا هذا النص بطوله لأهميته في التعرف على شخصية الزاهري، والذي كان من أهم أعضاء الجمعية الذين تعرضوا للطرق الصوفية، والنص موجود في كتاب الشيخ أحمد حماني، صراع بين السنة والبدعة، ص133، وما بعدها.

([164])  كيف لا تتهم الجمعية بالتشدد، وقد رأس تحرير جرائدها هذان المتشددان اللذان لم يستمرا معها طويلا، ولكنهما أثرا فيها كثيرا، بل انحرفا بمسارها انحرافا خطيرا.

([165])  نحتاج هنا أن نتذكر ذلك الموقف الذي وقف فيه ضد الطرق الصوفية في الاجتماع الذي حصل فيه انشقاق الطرق، ويمكننا من خلال موقفه هذا إدراك سر موقفه ذاك؟

([166])  عنوان المقال: إلى الزاهري، نشره الإبراهيمي في العدد 61 من جريدة «البصائر»، 27 ديسمبر سنة 1948، انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 558)

([167])  صراع السنة والبدعة ص 136

([168])  ذكر لي الدكتور أحمد عيساوي أن الجريدة لا تزال موجودة في أرشيف قسنطينة.

([169])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 168)

([170])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 168)

([171])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 168)

([172])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 168)

([173])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 168)

([174])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 169)

([175])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 169)

([176])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 169)

([177])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 168)

([178])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 174)

([179])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 175)

([180])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 175)

([181])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 174)

([182])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 175)

([183])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 175)

([184])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 177)

([185])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 175)

([186])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 175)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *