الفصل الثاني: الضوابط الشرعية للرجعة

الفصل الثاني

الضوابط الشرعية للرجعة

نتناول في هذا الفصل الحل الذي وضعه الشارع لإعادة الحياة الزوجية إلى مسارها الأصلي، وهو ما يطلق عليه الفقهاء بالرجعة، وهي نوعان إما رجعة في العدة، أو رجعة بعد انتهائها، ثم هي في هذه الحالة إما أن لا تفتقر إلى زواج المرأة بزوج آخر لكون الطلاق بائنا بينونة صغرى أو أن تفتقر إلى ذلك إذا كان الطلاق بائنا بينونة كبرى.

وقد حصل في هذا النوع الأخير من البينونة أخطاء كبيرة لا تزال بعض آثارها موجودة في المجتمعات الإسلامية، وهو التحايل على الرجعة بالوسائل المختلفة بعضها شرعي، وبعضها لا علاقة له بالأحكام الشرعية.

بناء على هذا فقد قسمنا هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث:

الأول: حول أحكام الرجعة بأنواعها المختلفة، وأركانها وشروطها.

الثاني: حول التحايل على الرجعة، وقد ذكرنا مواقف العلماء من التحايل، وبعض النماذج عن الحيل،ومواقف الفقهاء منها.

الثالث: حول المخارج التي جعلها الشرع لتضييق باب الطلاق، كبديل وعلاج لظاهرة التحايل على الرجعة.

أولا ـ أحكام الرجعة

1 ـ مفهوم الرجعة ومشروعيتها

للفقهاء تعريفات مختلفة للرجعة، منها:

1 ـ عود الزوجة المطلقة للعصمة من غير تجديد عقد([1]).

2 ـ رد الزوج أو من قام مقامه من وكيل وولي امرأته إلى موجب النكاح، وهو الحل في العدة من بائن بشروط([2]).

3 ـ هي إعادة زوجته المطلقة إلى ما كانت عليه دون عقد([3]).

ومن الأدلة على مشروعية الرجعة بين الزوجين:

1 ـ قول الله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ }(البقرة:228) إلى قوله: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا}(البقرة: 228)، والمراد به الرجعة عند عامة العلماء وأهل التفسير([4]).

2 ـ قوله تعالى: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ }(الطلاق:2) أي بالرجعة ومعناه إذا قاربن بلوغ أجلهن أي انقضاء عدتهن.

3 ـ عن عائشة، قالت: كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزل القرآن: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229)، قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا، من كان طلق ومن لم يكن طلق([5]).

4 ـ عن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلق حفصة ثم راجعها([6])، وهي المرأة الوحيدة التي طلقها صلى الله عليه وآله وسلم خلافا لمن يذكر أنه طلق سودة، قال ابن حزم تعليقا على من زعم ذلك:(هذا كذب موضوع ما صح قط أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلق امرأة من نسائه إلا حفصة فقط، ثم راجعها، وأما سودة فلا، إنما جاء فيها أنها وهبت يومها وليلتها لما أسنت لعائشة ا، وجاء أنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد فراقها فلما رغبت إليه صلى الله عليه وآله وسلم في إمساكها وتجعل يومها وليلتها لعائشة لم يفارقها) ([7])

2 ـ حكم الرجعة

أجمع العلماء على أن الحر إذا طلق الحرة بعد دخوله بها أقل من ثلاث، بغير عوض، ولا أمر يقتضي بينونتها، فإنه يباح له الرجعة ما دامت في عدتها، وأجمعوا على أنه لا رجعة له عليها بعد قضاء عدتها، لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا}(البقرة: 228)، وتعتري الرجعة زيادة على هذا الحكم الأصلي الأحكام العارضة التالية:

الوجوب:

وقد قيل بوجوب الرجعة في الحالتين التاليتين على اختلاف بين الفقهاء في ذلك:

إجبار من طلق امرأته في الحيض والنفاس على الرجعة:

اختلف الفقهاء فيمن طلق زوجته وهي حائض أو نفساء، هل يجبر على رجعتها أم لا على الأقوال التالية:

القول الأول: يؤمر برجعتها إذا طلقها حائضا، ولا يجبر على ذلك، هو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل وأبي ثور والطبري.

القول الثاني: كل من طلق امرأته حائضا أجبر على رجعتها، وإن طلقها نفساء لم يجبر على رجعتها، وهو مذهب داود بن علي.

القول الثالث: يجبر على مراجعتها إذا طلقها في الحيض أو في النفاس، وهو قول المالكية، واستدلوا بما يقتضيه الأمر من وجوب الائتمار واستعمال المأمور ما أمر به حتى يخرجه عن جبر الوجوب، ولم يستدلوا بغير هذا، قال ابن عبد البر: (ولا دليل ههنا على ذلك والله أعلم) ([8])، وقد اختلف قول المالكية في الوقت الذي تتم فيه الرجعة على رأيين:

الرأي الأول: يجبر على الرجعة أبدا ما لم تخرج من عدتها سواء أدرك ذلك في تلك الحيضة التي طلق فيها أو الطهر الذي بعده أو الحيضة الثانية أو الطهر بعدها ما لم تنقض العدة، وهو قول مالك وأكثر أصحابه.

الرأي الثاني: يجبر على الرجعة ما لم تطهر وحتى تحيض ثم تطهر فإذا صارت في الحال التي أباح له النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلاقها لم يجبر على رجعتها، وهو قول أشهب بن عبدالعزيز.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة في هذه الحالة أن الأولى هو القول الأول لما يفضي إليه القول الثاني من تكثير عدد الطلقات، وبالتالي قد يؤدي إلى البينونة الكبرى، وهو ما لم يقصده الشارع بتعديد فرص الطلاق، ولهذا كان الأولى إما القول بعدم وقوع الطلاق كما ذكرنا ذلك سابقا، أو القول بعدم إجباره على الرجعة، أما القول بوقوع الطلاق مع وجوب الرجعة ففيه تناقض واضح ومفسدة عظيمة، وقد قال ابن رشد مع مالكيته:(من قال بوقوع الطلاق وجبره على الرجعة فقد تناقض، فتدبر ذلك)([9])

الرجعة من الطلاق في الطهر الذي مسها فيه:

اتفق الفقهاء على أن من طلق زوجته في الطهر الذي مسها فيه قد ارتكب ذلك حراما، وهو طلاق بدعة، واختلفوا هل يجب عليه مراجعتها أم لا على قولين:

القول الأول: لا يجب عليه مراجعتها، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر وابن قدامة، قال ابن عبدالبر:(أجمعوا على أن الرجعة لا تجب في هذه الصورة) ([10])، ولكن هذا الإجماع ليس ثابتا، ومن الأدلة على هذا القول:

1 ـ عدم صحة القياس على الأمر بالرجعة في الطلاق من الحيض، لأن زمن الطهر وقت للوطء والطلاق وزمن الحيض ليس وقتا لواحد منهما، فظهر الفرق بينهما فلا يلزم من الأمر بالرجعة في غير زمن الطلاق الأمر بها في زمنه.

2 ـ أن المعنى الذي وجبت لأجله الرجعة إذا طلقها حائضا منتف في صورة الطلاق في الطهر الذي مسها فيه، فإنه إنما حرم طلاقها في زمن الحيض لتطويل العدة عليها فإنها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءا اتفاقا، فتحتاج إلى استئناف ثلاثة قروء كوامل، أما الطهر فإنها تعتد بما بقي منه قرءا ولو كان لحظة، فلا حاجة بها إلى أن يراجعها، فإن من قال الأقراء الأطهار كانت أول عدتها عنده عقب طلاقها، ومن قال هي الحيض استأنف بها بعد الطهر وهو لو راجعها، ثم أراد أن يطلقها لم يطلقها إلا في طهر فلا فائدة في الرجعة، وهذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين.

القول الثاني: وجوب الرجعة في هذا الطلاق، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد كما ذكر ابن القيم، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يطلقها إذا شاء قبل أن يمسها،وقال: فتلك العدة التي أمر بها الله أن تطلق النساء، وهذا ظاهر في التحريم.

2 ـ أنه طلاق محرم فتجب الرجعة فيه كما تجب في الطلاق في زمن الحيض، ولأن زمن الطهر متى اتصل به المسيس صار كزمن الحيض في تحريم الطلاق، ولا فرق بينهما.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة مثلما ذكرنا سابقا هو عدم القول بالرجعة ـ إن قلنا بوقوع الطلاق ـ حتى لا تكثر عدد الطلقات، لأن الشرع قصد أمرين: تضييق الطلاق، وتقليل عدد الطلقات في حال عدم وجود مسلك له، حتى لا تنقطع علاقة الزوجية بالكلية.

الندب:

وذلك في حالة ندم الزوجين بعد وقوع الطلاق، خاصة إذا كان هناك أولاد تقتضي المصلحة نشأتهم في ظل الأبوين ليدبرا شؤونهم، تحصيلا للمصلحة التي ندب إليها الشارع الحكيم، فقد حض في كثير من الآيات على الصلح والتوفيق بين الزوجين، قال تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ }(النساء:128) وقال تعالى: { وَلَا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } (البقرة:237)

الحرمة:

ومن مواضعها أن يرجعها بقصد المضارة لها، فيكون إمساكا من غير المعروف، أو أن يرجعها بعد انتهاء فترة عدتها من غير تجديد العقد ومتطلباته، وسنتعرض لهاتين المسألتين وما يرتبط بهما فيما يلي:

الرجعة مع قصد الإضرار:

وذلك فيما لو قصد الزوج الإضرار بالمرأة فيراجعها ليلحق بها الأذى والضرر، وقد نهى القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى:{ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ }(البقرة:231)، ففي هذه الآية ينهي الله تعالى الأزواج أن يمسكوا زوجاتهم بقصد إضرارهن وأذاهن، والنهي يفيد التحريم، فتكون الرجعة محرمة في هذه الحالة، قال القرطبي:(الرجل مندوب إلى المراجعة، ولكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الإضرار وتطويل العدة والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح فمحرم لقوله تعالى:{ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا}، ثم من فعل ذلك فالرجعة صحيحة، وإن ارتكب النهى وظلم نفسه) ([11])

ومن السنة حديث عائشة، السابق، قال الشوكاني:(وحديث عائشة فيه دليل على تحريم الضرار في الرجعة، لأنه منهي عنه بعموم قوله تعالى:{ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ }(الطلاق:6)} والمنهي عنه فاسد فسادا يرادف البطلان، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى:{ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا } (البقرة:228) فكل رجعة لا يراد بها الإصلاح ليست برجعة شرعية) ([12])

وقد اختلف الفقهاء فيما لو علم أن مقصد الزوج هو الإضرار لا الرجعة على قولين:

القول الأول: الرجعة صحيحة وإن كان صاحبها آثما، وهو قول الجمهور، فقد نصوا على أنه لا يشترط في الرجعة إرادة الإصلاح، والآية للتحريض على الإصلاح والمنع من قصد الإضرار([13]).

القول الثاني: أنه لو علم ذلك المقصد منه فإن زوجته تطلق عليه، وهو قول المالكية، قال ابن العربي في قوله تعالى: { إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا } (البقرة:228):(المعنى إن قصد بالرجعة إصلاح حاله معها، وإزالة الوحشة بينهما، لا على وجه الإضرار والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح، فذلك له حلال، وإلا لم تحل له، ولما كان هذا أمرا باطنا جعل الله تعالى الثلاث علما عليه، ولو تحققنا نحن ذلك المقصد منه لطلقنا عليه) ([14])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو صحة ما ذهب إليه المالكية في المسألة من جهتين:

1 ـ صراحة الدليل الوارد في ذلك سواء من القرآن الكريم أو من السنة المطهرة، فالآية قيدت الرجعة بإرادة الإصلاح، ولا يصح حملها على مجرد الندب، وحديث عائشة، كذلك فيه دلالة قوية على هذا، فقد أخبرت عن فعل الجاهلية، ولا يصح إجازة أفعال الجاهلية في الإسلام، ولا بأس أن نقتبس من الأدلة على هذا ما ذكره ابن حزم في غير هذا الموضع لتناسبه مع هذا، فقد استدل بقوله تعالى:{ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}(البقرة:9)، وقوله تعالى:{ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ }(الطلاق:6)وهذا عين المضارة، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، فمضارته مردودة باطل، زيادة على أن الله تعالى سمى الرجعة إمساكا بمعروف، فقال تعالى: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ }(الطلاق:2) فالرجعة هي الإمساك، ولا تكون ـ بنص كلام الله تعالى ـ إلا بمعروف والمعروف.

2 ـ أن المقاصد الشرعية تستلزم القول بهذا، لأن في رجعة المضار، مضرة كبيرة للمرأة وتفويتا لمصالحها الشرعية، والشرع ورد بإزالة الضرر، خاصة إن كان في الجانب المستضعف، فأي مصلحة لامرأة في رجل لم يراجعها رغبة في رتق ما فتق، وإنما لفتق ما رتق الشرع، ولعل مقصده من ذلك أن تخلتع منه، وقد ذكرنا في الخلع أنه لا يجوز مع المضارة.

وقد يقال بصعوبة التعرف على مقصده، ولا نرى في ذلك أي صعوبة، فما ذكره ابن قدامة مثلا وحكم له بالصحة، فقال:(من قال: راجعتك للمحبة، أو قال: للإهانة، وقال: أردت أنني راجعتك لمحبتي إياك، أو إهانة لك، صحت الرجعة ؛ لأنه أتى بالرجعة، وبين سببها) ([15]) بيان لعلة الرجعة، فمثل هذا يمكن الحكم عليه بحسب لفظه وحاله، وللمرأة دور كبير في التعرف على ذلك.

الرجعة بعد انقضاء فترة الرجعة:

نص الفقهاء على أن انقضاء فترة الرجعة يزيل ملك الاستمتاع، فلا يحل له منها شيء إلا إذا أعادها بعقد جديد، ومن هنا لا يزيل حل المرأة حيث لم يوجد سبب يحرمها عليه، فيجوز له العقد عليها في أي وقت في العدة أو بعدها، وهذا معنى قول الفقهاء: إن الطلاق البائن بينونة صغرى يزيل الملك لا الحل.

وبانقضاء العدة يمنع التوارث إذا مات أحدهما في أثناء العدة لانتهاء سبب الإرث وهو الزوجية إلا إذا كان الطلاق في مرض موت الزوج بقصد الفرار من ميراثها فإنها ترثه إذا مات قبل انقضائها.

فإن تزوجت بعد طلاقها الرجعي من غير زوجها الأول، فقد اختلف الفقهاء في هدم طلاقه لها ما كان طلقها الأول، بعد اتفاقهم على أن الزوج الثاني يهدم طلاق الزوج الأول إذا كان ثلاثا على قولين([16]):

القول الأول: أنه لا يهدم، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد ومحمد بن الحسن،وهو مذهب الظاهرية، قال ابن حزم:(ومن الرجعة من طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين فاعتدت ثم تزوجت زوجا وطئها في فرجها ثم مات عنها أو طلقها ثم راجعها الذي كان طلقها ثم طلقها لم تحل له إلا حتى تنكح زوجا آخر – يطؤها في فرجها – إن كان طلقها قبل ذلك طلقتين فإن كان إنما طلقها طلقة واحدة فإنه تبقى له فيها طلقة هي الثالثة) ([17])

وقد رواه عن بعض السلف([18])، فعن سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة قال فيمن طلق امرأته طلقة فاعتدت، ثم تزوجت، ثم طلقها الثاني، فتزوجها الأول فطلقها طلقتين: أنها قد حرمت عليه، ووافقه على ذلك علي، وأبي بن كعب.

وعن الزهري قال: سمعت سعيد بن المسيب، وحميد بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، كلهم قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت عمر يقول: أيما امرأة طلقها زوجها طلقة أو طلقتين ثم تزوجت غيره فمات أو طلقها ثم تزوجها الأول فإنها عنده على ما بقي من طلاقه لها.

ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله تعالى: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229)إلى قوله { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }(البقرة:230) حرم المطلقة الثلاث مطلقا من غير فصل بين ما إذا تخللت إصابة الزوج الثاني الثلاث وبين ما إذا لم يتخللها.

2 ـ أن هذه مطلقة الثلاث حقيقة ؛ لأن هذه طلقة قد سبقها طلقتان حقيقة، والطلقة الثالثة هي الطلقة التي سبقها طلقتان فدخلت تحت النص.

3 ـ أن الزوج الثاني جعل في الشرع منهيا للحرمة لقوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }(البقرة:230) وحتى كلمة غاية، وغاية الحرمة لا تتصور قبل وجود الحرمة، والحرمة لم تثبت قبل الطلقات الثلاث فلم يكن الزوج الثاني منهيا للحرمة فيلحق بالعدم.

القول الثاني: أنه يهدم ما دون الثلاث، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقد روي عن ابن عباس قال: نكاح جديد، وطلاق جديد، وروي عن ابن عمر في أحد قوليه، وروي عن ابن مسعود، وهو قول عطاء وشريح، وإبراهيم، وأصحاب ابن مسعود، وعبيدة السلماني، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ العمومات الواردة في باب النكاح من نحو قوله تعالى: { فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ }(النساء:3) وقوله تعالى:{ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } (النور:32)، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن)، فهذه النصوص وأمثالها تقتضي جواز النكاح من غير فصل بين أن تكون المرأة مطلقة أو لا وبين أن تكون مطلقة ثلاثا تخللها إصابة الزوج الثاني أو لا إلا أن المطلقة الثلاث التي لم يتخللها إصابة الزوج الثاني خصت عن النصوص فبقي ما وراءها تحتها.

2 ـ أن الحل بعد إصابة الزوج الثاني وطلاقه إياها وانقضاء عدتها حل جديد، والحل الجديد لا يزول إلا بثلاث طلقات كما في ابتداء النكاح.

3 ـ أن الحل الأول قد زال حقيقة ؛ لأنه عرض لا يتصور بقاؤه، إلا أنه إذا لم يتخلل بين الحلين حرمة يجعل كالدائم بتجدد أمثاله فيكون كشيء واحد فكان زائلا حقيقة وتقديرا فكان الثاني حلا جديدا.

4 ـ أن قوله تعالى:{ فإن طلقها } تتناول طلقة ثالثة مسبوقة بطلقتين بلا فصل، لأن الفاء للتعقيب بلا فصل وإصابة الزوج الثاني ههنا حاصلة فلا يتناولها، أو تحمل الآية على ما إذا لم يدخل بها الزوج الثاني حتى طلقها وتزوجها الأول وطلقها واحدة توفيقا بين الدلائل.

5 ـ أن كون الإصابة غاية للحرمة يقتضي انتهاء الحرمة عند عدم الإصابة وقد بينا أنه يثبت حل جديد بعد الإصابة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة بناء على ما ذكرنا من أن مقصد الشرع تضييق أبواب الطلاق وإعطاء فرص للرجعة الأخذ بالقول الثاني، بل إن الأدلة الشرعية تدل على ذلك، وأدناها أنه لم يرد نص بعدم الهدم زيادة على أنه قد روي عن بعض الصحابة القول بذلك، ثم كيف يهدم الزوج الثاني الطلاق الثلاث، ولا يهدم الطلقة والطلقتين؟

وقد رد ابن حزم على هذا الدليل مع قوته ووضوحه، فقال:(فنظرنا فيما احتج به أهل هذه المقالة؟ فلم نجد لهم أكثر من أن قالوا: إننا لم نختلف أن نكاح زوج آخر يهدم الثلاث، ولا شك في أنه إذا هدمها فإنه قد هدم الواحدة من جملتها، والاثنين من جملتها – ومن المحال أن يهدمها متفرقة) ([19])، وقد رد على هذا بقوله:(لم يهدم قط طلاقا، إنما هدم التحريم الواقع بتمام الثلاث مفرقة أو مجموعة فقط، ولا تحرم بالطلقتين ولا بالواحدة بهدمه)

ونرى أن هذا رد لا يقوم أمام ما ذكروا من الحجة، ولو صح ما قال للزم عنه أن الزوج الأول إذا أرجع زوجته أرجعها، وفي ذمته منها ثلاث تطليقات، فإن عاد لتطليقها صرن أربعا، وهو غير صحيح لأنه يلزم عنه المحال الشرعي، وهو إباحة الرجعة لمن طلق كل هذه التطليقات.

ولا نريد أن نناقش هنا الأدلة، ولكن نريد أن نبين بعض المصالح التي تنتج عن القول بتأثير الزواج الثاني في هدم طلقات الأول، ونقتبس لذلك ما قاله الكاساني في بيان الحكمة الشرعية من هذا الحكم، فقد قال: (أن النكاح مندوب إليه ومسنون وعقد ومصلحة لتضمنه مصالح الدين والدنيا، فلا يجوز أن يمنع عنه ؛ لأنه يؤدي إلى التناقض ؛ لأن قطع المصلحة مفسدة، والشريعة منزهة عن التناقض إلا أنه قد خرج من أن يكون مصلحة بمخالفة الأخلاق ومباينة الطباع أو غير ذلك من المعاني ويقع اليأس عن استيفاء المصالح من هذه المرأة فشرع الطلاق لاستيفاء المصالح المطلوبة من النكاح من زوجة أخرى، إلا أن خروج النكاح من أن يكون مصلحة لا يعرف إلا بالتأمل والتجربة، ولهذا فوض الطلاق إلى الزوج لاختصاصه بكمال الرأي والعقل ليتأمل فإذا طلقها ثلاثا على ظن المخالفة، ثم مال قلبه إليها حتى تزوجها بعد إصابة الزوج الثاني الذي هو في غاية النفار في طباع الفحل ونهاية المنع دل أن طريق الموافقة بينهما قائم، وأنه أخطأ في التجربة وقصر في التأمل ؛ فبقي النكاح مصلحة لقيام الموافقة بينهما، فلا يجوز القول بحرمته كما في ابتداء النكاح، بل أولى لأن ثمة لم يوجد إلا دليل أصل الموافقة وههنا وجد دليل كمال الموافقة وهو الميل إليها مع وجود ما هو النهاية في النفرة ثم لما حل نكاحها في الابتداء لتحقيق المقاصد فبعد إصابة الزوج الثاني أولى، وهذا المعنى لا يوجب التفرقة بين إصابة الزوج الثاني بعد الطلقات الثلاث وبين ما قبلها، فورود الشرع بجواز النكاح ثمة يكون ورودا ههنا دلالة) ([20])

3 ـ شروط إرجاع المطلقة الرجعية

بناء على ما سبق من تفاصيل المذاهب الفقهية حول أركان الرجعة وشروطها، سنذكر هنا أهم الخلافات الفقهية مقرونة بأدلتها، وهذا بناء على تقسيم الجمهور للأركان:

شروط المرتجع:

الرجعة حق أثبته الشارع للزوج وحده في فترة العدة إن شاء استعمله رضيت الزوجة أو لم ترض وإن شاء تركه، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا}(البقرة: 228) بعد أمر النساء بالتربص مدة العدة، فقد جعل أزواج المطلقات أحق برجعتهن في مدة العدة إذا رأوا في الرجعة مصلحة، فإذا لم يجد الزوج فيها مصلحة تركها بلا مراجعة حتى تنتهي عدتها فتبين منه.

2 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمر في قصة طلاق ابنه عبد الله لزوجته وهي حائض:(مره فليراجعها)

وإذا ثبت هذا الحق للزوج لا يملك إسقاطه بالقول أو التنازل عنه، كأن يقول بعد طلاقها: أسقطت حقي في الرجعة أو لا رجعة لي عليك، فإن فعل ذلك لا يسقط حقه، وله مراجعتها بعد ذلك، لأن الشارع جعل الرجعة حكماً من أحكام الطلاق الرجعي وأثراً من آثاره بترتيبها عليه في قوله تعالى:{ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229) فلو أسقطه المطلق كان مغيراً لما شرعه الله، ولا يملك أحد ذلك التغيير.

وقد نص الفقهاء على أن شروط المرتجع هي نفس شروط المطلق([21])، ما عدا بعض التفاصيل التي مر ذكرها عند ذكر المذاهب الفقهية في المرتجع.

شروط المحل:

ويشترط فيه الشروط التالية مع اختلاف بين الفقهاء في تفاصيلها:

أن تكون المطلقة رجعية:

اتفق الفقهاء على اشتراط كون الرجعة من طلاق رجعي، أما إذا كانت معتدة من تطليقة بائنة أو فرقة بخلع أو إيلاء أو لعان أو ما أشبه ذلك، فلا رجعة له عليها، قال ابن قدامة: (ولا خلاف بينهم في أن المطلقة ثلاثا بعد الدخول لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره) ([22])

واستدلوا على ذلك بما يلي([23]):

1 ـ قوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } (البقرة:230)

2 ـ عن عائشة، أن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير فجاءت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إنها كانت عند رفاعة فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير وإنه والله ما معه إلا مثل هذه الهدبة، وأخذت بهدبة من جلبابها قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضاحكا وقال: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته([24]).

3 ـ أن حكم الرجعة عرف بالنص بخلاف القياس، والنص ورد بمطلق الطلاق فبقي الطلاق المقيد بصفة البينونة على أصل القياس.

4 ـ أن كونها مطلقة حكم مطلق الطلاق، وهذا لا ينافي ملك النكاح كما بعد الرجعة وكونها مبانة أو مالكة أمر نفسها ينافي ملك النكاح، والمتنافيان لا يجتمعان، فإذا ثبتت البينونة انتفى النكاح ولا رجعة له عليها، وفي الخلع إنما التزمت العوض لتتخلص من الزوج وذلك لا يحصل مع قيام الملك وحق الرجعة.

كونها بعد الدخول بالزوجة المطلقة:

اتفق الفقهاء على أنه إن طلقها قبل الدخول وأراد مراجعتها فليس له الحق في ذلك، وقد أجمع العلماء على ذلك، قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن غير المدخول بها تبين بطلقة واحدة ولا يستحق مطلقها رجعتها ؛ وذلك لأن الرجعة إنما تكون في العدة ولا عدة قبل الدخول) ؛ وقد نص على ذلك في قوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} (الأحزاب:49)،فبين الله سبحانه أنه لا عدة عليها فتبين بمجرد طلاقها وتصير كالمدخول بها بعد انقضاء عدتها لا رجعة عليها ولا نفقة لها، وإن رغب مطلقها فيها فهو خاطب من الخطاب يتزوجها برضاها بنكاح جديد وترجع إليه بطلقتين.

واختلفوا في اعتبار الخلوة دخولا على قولين:

القول الأول: الخلوة الصحيحة في حكم الدخول من حيث صحة الرجعة، وهو قول الحنابلة، لأن الخلوة ترتب أحكاما مثل أحكام الدخول.

القول الثاني: اشتراط الدخول لصحة الرجعة، ولا تكفي الخلوة، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اعتبار المعاشرة الكاملة دون مجرد الخلوة، لعدم حاجة من لم تعاشر إلى العدة، والرجعة مرتبطة بالعدة، وهذا خلافا لما ذكرناه من حقها في المهر، لاختلاف المسألتين.

كون المطلقة في العدة:

اتفق الفقهاء على اعتبار هذا الشرط، فإن انقضت العدة لا تصح الرجعة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ }(البقرة:228) ثم قال تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا}(البقرة: 228) أي في القروء الثلاثة.

2 ـ أن في ارتجاع المطلقة في فترة العدة استدامة واستمرارا لعقد النكاح، فإذا انقضت العدة انقطعت هذه الاستدامة فلا تصح الرجعة بعد انقضاء العدة.

شروط الصيغة

يشترط لصحة الرجعة الشروط التالية مع اختلاف بين الفقهاء في تفاصيلها:

الدلالة القولية أو الفعلية على الرجعة:

اتفق أكثر الفقهاء على كيفيتين للرجعة هما:

الرجعة بالقول:

اتفق الفقهاء على أن الرجعة تصح بالقول الدال على ذلك، كأن يقول لمطلقته وهي في العدة: راجعتك، أو ارتجعتك، أو رددتك لعصمتي وهكذا كل لفظ يؤدي هذا المعنى.

وقد قسم الفقهاء الألفاظ التي تصح بها الرجعة إلى قسمين:

الألفاظ الصريحة: وهذا القسم تصح به الرجعة ولا يحتاج إلى نية، وألفاظه: راجعتك، وارتجعتك، والرجعة وردت بها السنة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(مره فليراجعها)، وقد اشتهر هذا الاسم فيها بين أهل العرف، كاشتهار اسم الطلاق فيه، فإنهم يسمونها رجعة، والمرأة رجعية، قال ابن قدامة: (ويتخرج أن يكون لفظها هو الصريح وحده، لاشتهاره دون غيره، كقولنا في صريح الطلاق، والاحتياط أن يقول: راجعت امرأتي إلى نكاحي أو زوجتي، أو راجعتها لما وقع عليها من طلاقي) ([25])

ألفاظ الكناية: وهي الألفاظ التي تحتمل معنى الرجعة ومعنى آخر غيرها، كأن يقول: أنت عندي كما كنت، أو أنت امرأتي ونوى به الرجعة، فألفاظ الكناية تحتمل الرجعة وغيرها مثل أنت عندي كما كنت، فإنها تحتمل كما كنت زوجة، وكما كنت مكروهة، ولذلك اشترط الفقهاء لمثل هذه الألفاظ النية، وأن يسأل عن مراده من هذه الصيغ.

وقد اختلفوا فيما لو قال: نكحتها. أو: تزوجتها، فقيل: لا تحصل به الرجعة ؛ لأن هذا كناية، والرجعة استباحة بضع مقصود، ولا تحصل بالكناية، كالنكاح، والقول الثاني: تحصل به الرجعة؛ لأنه تباح به الأجنبية، فالرجعية أولى، وعلى هذا، يحتاج أن ينوي به الرجعة ؛ لأن ما كان كناية تعتبر له النية، ككنايات الطلاق.

واختلفوا أيضا في بعض لألفاظ مثل رددتك وأمسكتك هل هي من الصريح أو الكناية، على قولين:

القول الأول: أنها من ألفاظ الكناية وتحتاج إلى النية، وهو قول بعض المالكية والشافعية، واستدلوا على ذلك بأن قوله: رددتك يحتمل الرد إلى الزوجية أو إلى بيت أبيها، وأمسكتك يحتمل الإمساك بالزوجية أو الإمساك عن الخروج من بيتها في عدتها.

القول الثاني: أن هذين اللفظين من صريح الرجعة فلا يحتاجان إلى نية، وهو قول الحنفية والحنابلة، وبعض المالكية والشافعية، واستدلوا على ذلك بأن آيات القرآن الكريم التي وردت فيها أحكام الرجعة دلت عليها بلفظي الرد والإمساك، كما قال تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا}(البقرة: 228)، وقال تعالى:{ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}(الطلاق:1)

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أن الرجعة تحصل بكل لفظ يدل عليها، بشرط أن يقصد به الزوج الإرجاع، وتفهم المرأة منه ذلك، أما الصريح والكناية من هذه الألفاظ، فيتبع الأعراف المختلفة، ولا نرى أن يتدخل الفقيه في تحديد مثل هذه الألفاظ لعدم جدوى ذلك من الناحية الواقعية.

الرجعة بالفعل:

اختلف الفقهاء في صحة الرجعة بالفعل وهو المعاشرة للرجعية أو مقدماتها على قولين:

القول الأول: لا تصح بالفعل مطلقا، سواء كان بوطء أو مقدماته، وسواء كان الفعل مصحوبا بنية الزوج في الرجعة أو لا، وهو قول الشافعية، قال الشافعي مبينا وجه استدلاله: (ولما لم يكن نكاح ولا طلاق إلا بكلام، فلا تكون الرجعة إلا بكلام والكلام بها أن يقول: قد راجعتها أو ارتجعتها أو رددتها إلي، فإن جامعها ينوي الرجعة أو لا ينويها فهو جماع شبهة، ويعزران إن كانا عالمين ولها صداق مثلها وعليها العدة، ولو كانت اعتدت بحيضتين ثم أصابها، ثم تكلم بالرجعة قبل أن تحيض الثالثة فهي رجعة وإن كانت بعدها فليست برجعة، وقد انقضت من يوم طلقها العدة ولا تحل لغيره حتى تنقضي عدتها من يوم مسها) ([26])

وقد ذهب إلى هذا ابن حزم مع اختلاف بينه وبين الشافعي في حكم المعاشرة في فترة العدة، فقال:(إن المطلقة طلاقا رجعيا زوجة للذي طلقها ما لم تنقض عدتها.. فإذ هي زوجته فحلال له أن ينظر منها إلى ما كان ينظر إليه منها قبل أن يطلقها، وأن يطأها..فإن وطئها لم يكن بذلك مراجعا لها حتى يلفظ بالرجعة ويشهد، ويعلمها بذلك قبل تمام عدتها) ([27])

القول الثاني: صحة الرجعة بالفعل، وهو قول الجمهور، وقد اختلفوا في بعض تفاصيل ذلك على ثلاثة آراء:

الرأي الأول: أن الجماع ومقدماته تصح بهما الرجعة ولو بدون نية، وقد روي هذا القول عن كثير من التابعين، وهم سعيد بن المسيب، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وطاوس، وعطاء بن أبي رباح، والأوزاعي، والثوري، وابن أبي ليلى، والشعبي، وسليمان التيمي، وهو قول الحنفية، وقد نصوا بأنه لا يكون النظر إلى شيء من جسد الزوجة سوى الفرج رجعة([28])، واستدلوا على ذلك بما يلي([29]):

1 ـ أن الرجعة تعتبر استدامة للنكاح واستمرارا لجميع آثاره، ومن آثار النكاح حل الجماع ومقدماته، لذلك صحت الرجعة بالجماع ومقدماته.

2 ـ أن النكاح ما زال موجودا إلى أن تنقضي العدة.

3 ـ أن الأفعال صريحها ودلالتها تدل على نية الفاعل، فإذا وطئ الزوج مطلقته الرجعية وهي في العدة، أو قبلها بشهوة، أو لامسها بشهوة، اعتبر هذا الفعل رجعة بالدلالة، فكأنه بوطئها قد رضي أن تعود إلى عصمته.

وقد اختلف الحنفية فيما إذا حدثت هذه الأشياء من المرأة كأن قبلت زوجها، أو نظرت إليه، أو لمسته بشهوة على رأيين:

1 ـ تصح الرجعة، وهو رأي أبي حنيفة ومحمد، لأن حل المعاشرة الزوجية قد ثبت لهما معا، فتصح الرجعة منها إذا نظرت إليه بشهوة، كما يصح ذلك منه، ومن جهة أخرى فإن حرمة المصاهرة تثبت من جهتها، كأن عاشرت ابن زوجها أو أباه، كما تثبت حرمة المصاهرة من جهة الزوج أيضا، لذلك صحت الرجعة من جهتها إذا لمسته أو قبلته بشهوة، أو رأت فرجه بشهوة.

2 ـ لا تصح الرجعة من جهتها إذا لمسته أو قبلته بشهوة أو نظرت إلى فرجه بشهوة، وهو قول أبي يوسف وحجته في ذلك أن الرجعة حق للزوج على زوجته حتى إنه يراجعها بغير رضاها، وليس لها حق مراجعة زوجها لا بالقول ولا بالفعل، فسواء نظرت إليه بشهوة أو بغيرها لا تثبت لها الرجعة.

الرأي الثاني: أن الجماع ومقدماته تصح بهما الرجعة بشرط النية، وهو قول المالكية، فقد نصوا على صحة الرجعة بالفعل كالوطء ومقدماته بشرط أن ينوي الزوج بهذه الأفعال الرجعة، فإذا قبلها أو لمسها بشهوة، أو نظر إلى موضع الجماع بشهوة، أو وطئها ولم ينو الرجعة فلا تصح الرجعة بفعل هذه الأشياء.

الرأي الثالث: التفريق في صحة الرجعة بين الوطء ومقدماته، وهو قول الحنابلة، فإن الرجعة عندهم تصح بالوطء ولا تصح بمقدماته وفيما يلي بيان ذلك([30]):

الرجعة بالوطء: تصح الرجعة عندهم بالوطء مطلقا سواء نوى الزوج الرجعة أو لم ينوها وإن لم يشهد على ذلك، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن فترة العدة تؤدي إلى بينونة المطلقة من حيث إن انقضاء العدة يمنع صحة الرجعة، فإذا لم تنقض العدة ووطئها في هذه المدة فقد عادت إليه، ويكون هذا مثل حكم الإيلاء، فإذا آلى الزوج من زوجته ثم وطئها فقد ارتفع حكم الإيلاء، فكذا الحال في الرجعة إذا وطئها في العدة فقد عادت إليه.

2 ـ أن الطلاق سبب لزوال الملك ومعه خيار، فتصرف المالك بالوطء يمنع عمله كما ينقطع به التوكيل في طلاقها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن العبرة في ذلك كله تعود لنية المرتجع وقصده، فلذلك تصح الرجعة إن قصدها وفهمت منه بكل ما يدل عليها، كهدية يقدمها، أو إشارة يشير بها، أو أي شيء دل عليه العرف، أو تعارف الزوجان عليه، قال ابن تيمية في ترجيح قول مالك:(ومالك يجعله رجعة مع النية، وهو رواية أيضا عن أحمد، فيبيح وطء الرجعية إذا قصد به الرجعة وهذا أعدل الأقوال وأشبهها بالأصول) ([31])

أما حكم المعاشرة للمعتدة إن لم يقصد بها الرجعة، فقد ذكرناها في محلها من الفصل الخاص بأحكام العدة.

الإشهاد على الرجعة:

اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد على الرجعة على قولين:

القول الأول: أن الإشهاد على الرجعة مستحب، وهو مروي عن ابن مسعود، وعمار بن ياسر ما، وهو قول الحنفية([32]) والمالكية([33])، والجديد من مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول الإمامية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى:{ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ }(الطلاق:2) قال الجصاص:(لما جعل له الإمساك أو الفراق، ثم عقبه بذكر الإشهاد كان معلوما وقوع الرجعة إذا رجع وجواز الإشهاد بعدها إذ لم يجعل الإشهاد شرطا في الرجعة، ولم يختلف الفقهاء في أن المراد بالفراق المذكور في الآية إنما هو تركها حتى تنقضي عدتها، وأن الفرقة تصح وإن لم يقع الإشهاد عليها ويشهد بعد ذلك، وقد ذكر الإشهاد عقيب الفرقة ثم لم يكن شرطا في صحتها، كذلك الرجعة) ([34])

2 ـ أن الأمر في هذه الآية محمول على الندب لا على الوجوب، مثل قوله تعالى:{ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ }(البقرة:282)، وقد اتفق جمهور الفقهاء على صحة البيع بلا إشهاد، فكذا استحب الإشهاد على الرجعة للأمن من الجحود، وقطع النزاع، وسد باب الخلاف بين الزوجين.

3 ـ أنه لما كانت الفرقة حقا له وجازت بغير إشهاد إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره وكانت الرجعة أيضا حقا له، وجب أن تجوز بغير إشهاد.

4 ـ أنه لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك أو الفرقة احتياطا لهما ونفيا للتهمة عنهما إذا علم الطلاق ولم يعلم الرجعة أو لم يعلم الطلاق والفراق، فلا يؤمن التجاحد بينهما، ولم يكن معنى الاحتياط فيهما مقصورا على الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة بل يكون الاحتياط باقيا، وإن أشهد بعدهما وجب أن لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ساعتين.

5 ـ أن ما يروى عن عطاء، فإن سفيان روى عن ابن جريج عن عطاء قال:(الطلاق والنكاح والرجعة بالبينة) محمول على أنه مأمور بالإشهاد على ذلك احتياطا من التجاحد لا على أن الرجعة لا تصح بغير شهود، لأنه ذكر الطلاق معها ولا يشك أحد في وقوع الطلاق بغير بينة؟ زيادة على أنه قد روى شعبة عن مطر الوراق عن عطاء والحكم قالا:(إذا غشيها في العدة فغشيانه رجعة)

6 ـ أن الرجعة مثل النكاح من حيث كونها امتدادا له، ومن المتفق عليه أن استدامة النكاح لا تلزمها شهادة، فكذا الرجعة لا تجب فيها الشهادة.

7 ـ أن الرجعة حق من حقوق الزوج وهي لا تحتاج لقبول المرأة، لذلك لا تشترط الشهادة لصحتها.

8 ـ أن تأكيد الحق في البيع في حاجة إلى إشهاد أكثر من الرجعة ؛ لأن البيع إنشاء لتصرف شرعي، أما الرجعة فهي استدامة الحياة الزوجية أو إعادتها، فلما صح البيع بلا إشهاد صحت الرجعة بلا إشهاد من باب أولى.

القول الثاني: أن الإشهاد على الرجعة واجب، وهو قول الشافعي في القديم من المذهب وأحمد في الرواية الثانية، وهو قول الظاهرية، وقد اشتد ابن حزم في وجوب الإشهاد حتى قال:(من أيقنت امرأته أنه طلقها ثلاثا، أو آخر ثلاث أو دون ثلاث، ولم يشهد على مراجعته إياها حتى تمت عدتها ثم أمسكها معتديا: ففرض عليها أن تهرب عنه – إن لم تكن لها بينة – فإن أكرهها فلها قتله دفاعا عن نفسها([35])، وإلا فهو زنى منها إن أمكنته من نفسها – وهو أجنبي – كعابر السبيل فحكمه في كل شيء حكم الأجنبي) ([36])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى:{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ }(الطلاق:2)، قال ابن حزم:(فقد فرق تعالى بين المراجعة، والطلاق والإشهاد، فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض، وكان من طلق ولم يشهد ذوي عدل، أو راجع ولم يشهد ذوي عدل، متعديا لحدود الله تعالى) ([37])

2 ـ عن عمران بن حصين أنه سأله رجل عمن طلق امرأته طلاقا رجعيا ثم وقع بها ولم يشهد، فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة، أشهد على ذلك ولا تعد.

3 ـ أن الرجعة استباحة بضع محرم فيلزمه الإشهاد.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على أن طلب الإشهاد على الرجعة قد يجعل منها أمرا عسيرا عندهم، فلذلك يكون الأفضل في حقهم الفتوى بعدم وجوب الإشهاد، وهذه هي العلة التي اعتمدها الإمامية في القول بهذا، وقد ذكرنا من قبل جواب العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء للشيخ أحمد محمد شاكر عن سر التفريق بين الإشهاد على الطلاق وعدم الإشهاد على الرجعة، ومن جوابه على ذلك:(فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثر قيوده وشروطه على القاعدة المعروفة من أن الشيء إذا كثرت قيوده، عز أو قل وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أولاً وللتأخير والأناة ثانياً، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندهما يحصل الندم ويعودان إلى الألفة كما أشير إليه بقوله تعالى:{ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً }(الطلاق:1) وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين، لا شك أنها ملحوظة للشارع الحكيم مضافاً إلى الفوائد الأُخر، وهذا كله بعكس قضية الرجوع فإن الشارع يريد التعجيل به ولعل للتأخير آفات فلم يوجب في الرجعة أي شرط من الشروط)

إعلام الزوجة بالرجعة:

اتفق الفقهاء على أن الرجعة لا تفتقر إلى إعلام الزوجة بالرجعة، بل حكي الإجماع على ذلك، قال ابن قدامة:(الرجعة لا تفتقر إلى ولي، ولا صداق، ولا رضى المرأة، ولا علمها. بإجماع أهل العلم) ([38]) ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن الرجعية في أحكام الزوجات، والرجعة إمساك لها، واستبقاء لنكاحها، ولهذا سمى الله تعالى الرجعة إمساكا، وتركها فراقا وسراحا، فقال تعالى:{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } (الطلاق:2)، وفي آية أخرى: { فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة:229)

2 ـ أنه إنما تشعث النكاح بالطلقة وانعقد بها سبب زواله، فالرجعة تزيل شعثه، وتقطع مضيه إلى البينونة، فلم يحتج لذلك إلى ما يحتاج إليه ابتداء النكاح.

3 ـ ومع ذلك فقد اتفق الفقهاء على استحباب إعلام الزوجة بالرجعة ؛ لما فيه من قطع المنازعة التي قد تنشأ بين الرجل والمرأة.

أما إن تزوجت بعد عدتها، وادعى رجعتها فإنه لا يقبل منه، قال مالك: وبلغني أن عمر قال في المرأة يطلقها زوجها، وهو غائب عنها ثم يراجعها فلا تبلغها رجعته، وقد بلغها طلاقه إياها فتزوجت أنها إن دخل بها زوجها الآخر، أو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الأول الذي كان طلقها إليها، قال مالك: وهذا أحب ما سمعت إلي في هنا وفي المفقود([39]).

ونرى أن دعوى الإجماع في هذا غير صحيحة، فقد ذهب ابن حزم إلى وجوب إعلامها، فقال:(إنما يكون البعل أحق بردها إن أراد إصلاحا – بنص القرآن ومن كتمها الرد، أو رد بحيث لا يبلغها، فلم يرد إصلاحا بلا شك، بل أراد الفساد، فليس ردا ولا رجعة أصلا) ([40])

ونرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذهب إليه ابن حزم، بل من روى عنهم من الصحابة، وذلك لكون المرأة طرفا في الرجعة، فلا يصح تجاهلها، ولأن الذي أرجع زوجته دون أن يعلمها، يكون غير مبال بالرجعة ولا عارف قيمتها الشرعية، وبالتالي قد يرجعها ليطلقها، وينقص من فرص التطليق التي وضعها له الشرع.

وبناء على هذا، فإن المرأة إن انقضت عدتها، دون علمها بإرجاع زوجها لها تكون قد بانت منه، فإن رغب في رجعتها كان له ذلك بعد موافقتها بعقد جديد ومهر جديد، أما أن يأتي بعد العدة، ويخبرها بأنه قد أرجعها قبل انتهائها، فلا عبرة بقوله، بل علامة صدقه في قوله أن يبذل لها ما أعطاها الشرع.

وكل ما ذكرنا يستثنى منه ما لو كان غائبا، ودلت البينة والإشهاد على إرجاعه لها في فترة العدة مع عدم تمكنه من إبلاغها، فمثل هذا يصدق في قوله إلا إذا تزوجت، فقد ذكرنا ما رواه مالك عن عمر.

الاختلاف في ثبوت الرجعة:

وهي مسألة مرتبطة بانقضاء العدة، لأن المرأة ما دامت في عدتها يصح لزوجها مراجعتها، وقد نص الفقهاء على أن المرأة إذا ادعت انقضاء عدتها، في مدة يمكن انقضاؤها فيها، قبل قولها ؛ ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قول الله تعالى:{ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } (البقرة:228)، وهو الحيض والحمل، فلولا أن قولهن مقبول، لم يحرجن بكتمانه.

2 ـ أنه أمر تختص بمعرفته، فكان القول قولها فيه، كالنية من الإنسان فيما تعتبر فيه النية، أو أمر لا يعرف إلا من جهتها، فقبل قولها فيه، كما يجب على التابعي قبول خبر الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فإن ادعت انقضاء عدتها في أقل من شهر، لم يقبل قولها إلا ببينة ؛ لأن شريحا قال: (إذا ادعت أنها حاضت ثلاث حيض في شهر، وجاءت ببينة من النساء العدول من بطانة أهلها، ممن يرضى صدقه وعدله، أنها رأت ما يحرم عليها الصلاة من الطمث، وتغتسل عند كل قرء وتصلي، فقد انقضت عدتها، وإلا فهي كاذبة) فقال له علي بن أبي طالب: قالون. ومعناه بالرومية: أصبت أو أحسنت)([41])

وقد اختلف الفقهاء في هذا اختلافا شديدا بناء على الخلاف في أقل الحيض، وأقل الطهر، وفي القروء ما هي، وقد سبق ذكر بعض ذلك في محله، ونرى أن المرجع في هذا أهل الاختصاص، وأن العدة في العادة لا تنقص كثيرا عن ثلاثة أشهر بدليل كون البدل عنها ثلاثة أشهر.

واختلفوا كذلك في إخباره عن إرجاعه لها قبل عدتها، وهي مسألة مرتبطة بإعلامه لها، وقد ذكرنا اعتبار ذلك الشرط، ولا حاجة معه للخلاف في المسألة.

4ـ شروط رجعة المطلقة ثلاثا

الحكم الأصلي للطلقات الثلاث هو زوال ملك الاستمتاع وزوال حل المحلية أيضا، فلا يجوز له نكاحها قبل التزوج بزوج آخر، لقوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } (البقرة:230) بعد قوله تعالى: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ }(البقرة: 229)، وتنتهي الحرمة وتحل للزوج الأول بالشروط التالية:

صحة زواجها من الثاني:

وهو أن يكون زواجها من الزوج الثاني صحيحا، وقد اختلف الفقهاء في اعتبار هذا الشرط على قولين([42]):

القول الأول: اشتراط صحة النكاح، فإن كان فاسدا لم يحلها الوطء فيه، وهو قول الحسن والشعبي وحماد ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبي عبيد وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } (البقرة:230) فقد نفت الآية حل المرأة لمطلقها ثلاثا وجعل للنفي غاية هي التزوج بزوج آخر، والحكم المحدود إلى غاية لا ينتهي قبل وجود الغاية، فلا تنتهي الحرمة قبل التزوج، فلا تحل للزوج الأول قبله ضرورة، ولهذا لا تحل لزوجها الأول إذا ما إذا وطئها إنسان بالزنى أو بشبهة لعدم النكاح.

2 ـ أن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة، ومطلق النكاح ينصرف إلى ما هو نكاح حقيقة، ولو كان النكاح الثاني مختلفا في فساده، ودخل بها، لا تحل للأول عند من يقول بفساده.

القول الثاني: عدم اشتراط صحة النكاح، وهو قول الشافعي في القديم ورواية عند الحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنه زوج فيدخل في عموم النص.

2 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن المحلل والمحلل له فسماه محللا مع فساد نكاحه.

3 ـ قول الله تعالى: { حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }(البقرة:230)، وإطلاق النكاح يقتضي الصحيح، ولذلك لو حلف لا يتزوج، فتزوج تزويجا فاسدا لم يحنث.

4 ـ أن أكثر أحكام الزوج غير ثابتة فيه من الإحصان واللعان، والظهار، والإيلاء والنفقة وأشباه ذلك.

5 ـ أن تسميته محللا بسبب قصده التحليل فيما لا يحل ولو أحل حقيقة لما لعن ولا لعن المحلل له وإنما هذا كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما آمن بالقرآن من استحل محارمه) ([43]) وقال الله تعالى: { يحلونه عاما ويحرمونه عاما }

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى نوع الفساد الذي اعتبر بسببه زواجا فاسدا، فإن كان أمرا مختلفا فيه بين العلماء، فإنه لا يعتبر هذا الشرط، فلا يصح أن يفسد عالم ما صححه غيره.

أما إن كان المراد هو الزواج الباطل المجمع على فساده، فإن الأرجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، لأن هذا النوع ليس زواجا، فلذلك لا يصح اعتباره.

معاشرة الزوج الثاني للمطلقة البائنة:

اختلف الفقهاء في اشتراط معاشرة الزوج الثاني للمطلقة البائنة على قولين:

القول الأول: إذا تزوجها زواجا صحيحا لا يريد به إحلالا فلا بأس أن يتزوجها الأول، وهو قول سعيد بن المسيب، لحمله النكاح في الآية على العقد دون الجماع، فعن سعيد بن المسيب في المطلقة ثلاثا ثم تتزوج؟ قال سعيد: أما الناس فيقولون: يجامعها، وأما أنا فإني أقول: إذا تزوجها بتزويج صحيح لا يريد بذلك إحلالا، فلا بأس أن يتزوجها الأول([44]).

قال ابن المنذر: (لا نعلم أحدا من أهل العلم قال بقول سعيد بن المسيب هذا إلا الخوارج أخذوا بظاهر قوله تعالى:{ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } (البقرة:230) ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن) ([45])، قال ابن حجر:(سياق كلامه يشعر بذلك، وفيه دلالة على ضعف الخبر الوارد في ذلك) ([46])

وقد نسب هذا القول كذلك إلى سعيد بن جبير، قال ابن حجر:(وأعجب منه أن أبا حبان جزم به عن السعيدين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ولا يعرف له سند عن سعيد بن جبير في شيء من المصنفات وكفى قول بن المنذر حجة في ذلك وحكى بن الجوزي عن داود أنه وافق سعيد بن المسيب على ذلك) ([47])

القول الثاني: اشتراط معاشرة الزوج الثاني، ولا يحصل هذا إلا بالوطء في الفرج، وأدنى الوطء تغييب الحشفة في الفرج، لأن أحكام الوطء تتعلق به، وذلك بشرط الانتشار لأن الحكم يتعلق بذوق العسيلة، ولا تعقل من غير انتشار، وهو مذهب الجمهور، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ تفسير النكاح في الآية بالوطء، قال الجصاص:(لأن النكاح هو الوطء في الحقيقة، وذكر الزوج يفيد العقد، وهذا من الإيجاز واقتصار على الكناية المفهمة المغنية عن التصريح)([48])

2 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علق الحل على ذوق العسيلة منهما. فقال لامرأة رفاعة القرظي:(أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) ([49])

وقد اختلف أصحاب هذا القول في بعض الفروع سنتعرض لها في المسائل التالية لهذه المسألة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني لورود الحديث الصحيح في ذلك، وهو من الثبوت والدلالة ما ينفي كل شبهة، زيادة على أن المقصد الشرعي من التنفير من الطلاق يدل عليه، وذلك لأن المطلق لو علم بأن مجرد عقد الثاني على زوجته إن أبانها بينونته كبرى يرجعها إليه يجعله يتساهل في الطلاق، فيرمي به كيف شاء، فإذا ندم سهل عليه أن يأتي بمن يعقد عليها ثم يطلقها قبل البناء، وليس في ذلك أي نفور، لأن العقد وحدة لا أثر له في التنفير بخلاف اشتراط المسيس.

ثانيا ـ التحايل على الرجعة وأحكامه

من التعاريف التي عرفت بها الحيل الفقهية:

1 ـ هي أن يظهر عقدا مباحا يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق، ونحو ذلك([50]).

2 ـ هي نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال، ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه، بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة([51]).

1 ـ أنواع الحيل وأحكامها

قصدنا بالحديث عن هذه الأنواع مبالغة البعض في الإنكار على من يقول بالحيل، وبعضهم من كبار الفقهاء، ويتصور أن قولهم في ذلك عام، فيرد عليهم بما لم يقولوا به، فلذلك يحتاج النظر العلمي إلى تحرير موضع النزاع، ونحن نذكر هذه التقسيمات انطلاقا من كلام من بالغ في الرد على الحيل كابن القيم وابن تيمية.

النوع الأول: الحيل المحرمة باتفاق الفقهاء:

وهي أنواع تتحد في حرمة الغاية أو حرمة الوسيلة المؤدية إليها، ومن أقسام هذا النوع من الحيل:

1 ـ أن يكون المقصود بها محرما: وهي الطرق الخفية التي يتوسل بها إلى ما هو محرم في نفسه بحيث لا تحل بمثل ذلك السبب أبدا، فالمقصود بها حرام في نفسه، وهي حرام باتفاق المسلمين، وصاحبها يسمى داهية ومكارا، ومن أمثلتها: الحيل على هلاك النفوس وأخذ الأموال وفساد ذات البين وحيل الشيطان على إغواء بني آدم وحيل المخادعين بالباطل على إدحاض حق، وإظهار باطل في الأمور الدينية والخصومات الدنيوية، وكل ما هو محرم في نفسه فالتوسل إليه بالطرق الظاهرة محرم فكيف بالطرق الخفية التي لا تعلم وهذا مجمع عليه بين المسلمين.

2 ـ أن يكون مقصدها خفيا: وهذه الحيل لا يظهر صاحبها أن مقصوده بها شر، وقد لا يمكن الاطلاع على ذلك غالبا، ومثال هذا إقرار المريض لوارث لا شيء له عنده، فيجعله حيلة إلى الوسيلة له، وهذا محرم باتفاق المسلمين، وتعليمه هذا الإقرار حرام والشهادة عليه مع العلم بكذبه حرام، والحكم بصحته مع العلم ببطلانه حرام فإن هذا كاذب غرضه تخصيص بعض الورثة بأكثر من حقه، فالحيلة نفسها محرمة والمقصود بها محرم.

لكن باعتبار احتمال كونه صادقا اختلف العلماء في هذا التصرف، هل هو باطل سدا للذريعة وردا لإقرار الذي صادف حق المورث فيما هو متهم فيه، لأنه شاهد على نفسه فيما يتعلق به حقهم فترد التهمة كالشاهد على غيره، أو هو مقبول إحسانا للظن بالمقر عند الخاتمة.

ومن أمثلة هذا، ولها علاقة بفقه الأسرة احتيال المرأة على فسخ نكاح الزوج مع إمساكه بالمعروف بإنكارها للإذن للولي، أو بإساءة عشرته بمنع بعض حقوقه أو فعل ما يؤذيه، أو غير ذلك، واحتيال المرأة على مطالبة الرجل بمال بإنكارها الإنفاق أو إعطاء الصداق إلى غير ذلك من الصور.

3 ـ اتحاد المقصد والوسيلة في الحرمة: وهو أن يقصد بالحيلة أخذ حق، أو دفع باطل لكن يكون الطريق في نفسه محرما مثل أن يكون له على رجل حق مجحود فيقيم شاهدين لا يعلمانه فيشهدان به، فهو محرم باتفاق الفقهاء، لأن ذينك الرجلين شهدا بالزور حيث شهدا بما لا يعلمانه وهو حملهما على ذلك، قال ابن تيمية: (قد يدخل فيه بعض من يفتي بالحيلة لكن الفقهاء منهم لا يحلونه) ([52])

النوع الثاني: الحيل المختلف فيها:

وضابطها قصد إباحة ما حرمه الشرع بتوفير أسباب ذلك، أو إسقاط ما أوجبه وقد أسقطه على سبيل الضمن والتبع إذا وجد بعض الأسباب فيريد المحتال أن يتعاطى ذلك السبب قاصدا به ذلك الحيلة والسقوط.

وقد اختلف الفقهاء فيه، فمنهم من جعله حراما محضا، وألحقه بالنوع الأول، قال ابن تيمية:(وهذا حرام من وجهين كالقسم الأول من جهة أن مقصوده حل ما لم يأذن به الشارع بقصد استحلاله، أو سقوط ما لم يأذن الشارع بقصد إسقاطه، والثاني أن ذلك السبب الذي يقصد به الاستحلال لم يقصد به مقصودا يجامع حقيقته بل قصد به مقصودا ينافي حقيقته ومقصوده الأصلي، أو لم يقصد به مقصوده الأصلي بل قصد به غيره. فلا يحل بحال. ولا يصح إن كان ممن يمكن إبطاله) ([53])

ومنهم من أباحها واستنبط صنوف الحيل على أساسها، قال ابن تيمية:(وهذا القسم هو الذي كثر فيه تصرف المحتالين ممن ينتسب إلى الفتوى، وهو أكثر ما قصدنا الكلام فيه فإنه قد اشتبه أمره على المحتالين فقالوا: الرجل إذا قصد التحليل مثلا لم يقصد محرما فإن عودة المرأة إلى زوجها بعد زواج حلال، والنكاح الذي يتوصل به إلى ذلك حلال) ([54])

وسنذكر هنا أقوال الفريقين وأدلتهم لارتباط الكلام في هذا بمسائل الاحتيال على الرجعة كما سنذكرها بعد هذا:

القول الأول: جواز استعمال هذا النوع من الحيل، وهو قول كثير من الفقهاء حتى الذين ينكرون الحيل أنفسهم، ولكن أشهر القائلين بالجواز سواء في هذا الباب أو غيره هم الحنفية، حتى أنهم صنفوا المصنفات في ذلك، قال السرخسي:(اختلف الناس في كتاب الحيل أنه من تصنيف محمد رحمه الله أم لا، كان أبو سلمان الجوزجاني ينكر ذلك ويقول: من قال أن محمدا رحمه الله صنف كتابا سماه الحيل فلا تصدقه وما في أيدي الناس فإنما كم وراقو بغداد وقال: إن الجهال ينسبون علماءنا رحمهم الله إلى ذلك على سبيل التعيير فكيف يظن بمحمد رحمه الله أنه سمى شيئا من تصانيفه بهذا الاسم ليكون ذلك عونا للجهال على ما يتقولون وأما أبو حفص رحمه الله كان يقول هو من تصنيف محمد رحمه الله وكان يروي عنه ذلك وهو الأصح فإن الحيل في الأحكام المخرجة عن الإمام جائزة ثم جمهور العلماء وإنما كره ذلك بعض المتعسفين لجهلهم وقلة تأملهم في الكتاب والسنة) ([55])

ولكنهم كما ذكرنا لم يجيزوا كل الحيل على الإطلاق، يقول محمد الأمين:(أقول وإياك أن تغتر بما ذكره الزاهدي في آخر الحاوي في أول كتاب الحيل، فإنه عقد فيه فصلا في حيلة تحليل المطلقة ثلاثا، وذكر فيه هذه قابلة للتأويل الآتي، وذكر حيلا كثيرة كلها باطلة مبنية على ما يأتي رده من الاكتفاء بالعقد بدون وطء) ([56])، ومن الأدلة التي ذكروها لجواز الحيل بالصفة التي ذكرنا([57]):

1 ـ قوله تعالى:{ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا}(النساء:98)، أراد بالحيلة التحيل على التخلص من الكفار، وهذه حيلة محمودة يثاب عليها من عملها.

2 ـ أن قوله تعالى: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ }(ص:44) وهي حيلة للخروج من الحنث، وقد عمل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حق الضعيف الذي زنى، فعن أبي أمامة بن سهل حيث إنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأنصار أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإني قد وقعت على جارية دخلت علي، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة([58]).

3 ـ قوله تعالى:{ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}(يوسف:70) إلى قوله:{ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}(يوسف:76) وذلك منه حيلة، وكان هذا حيلة لامساك أخيه عنده حينئذ ليوقف إخوته على مقصوده.

4 ـ قوله تعالى حكاية عن موسى u:{ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا}(الكهف:69) ولم يقل على ذلك، لأنه قيد سلامته بالاستثناء وهو مخرج صحيح، قال الله Y: { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا(23)إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ }(الكهف:23،24)

5 ـ قوله تعالى:{ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ } (البقرة:235)، الآية فقد أجاز الله تعالى المعاريض ونهى عن التصريح بالخطبة بقوله تعالى:{ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا } (البقرة:235)

6 ـ أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا تفعل بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا) ([59]) وفي أمره صلى الله عليه وآله وسلم بأن يشتري بالدراهم تمرا، ونهيه أن يشتريه بمثله خروج مما لا يحل لما فيه من الربا إلى ما يحل وهو البيع، وهو خروج من الإثم، قال السرخسي:(وإن المفتي إذا تبين جواب ما سئل عنه فلا بأس أن يبين للسائل الطريق الذي يحصل به مقصوده مع التحرز عن الحرام ولا يكون هذا مما هو مذموم من تعليم الحيل بل هو اقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال لعامل خيبر) ([60])

7 ـ ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم الأحزاب لعروة بن مسعود في شأن بني قريظة فلعلنا أمرناهم بذلك فلما قال له عمر في ذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم:(الحرب خدعة) ([61])، وكان ذلك منه اكتساب حيلة ومخرج من الإثم بتقييد الكلام بلعل.

8 ـ أن مباشرة الأسباب المشروعة حيلة على حصول مسبباتها، كالأكل، والشرب، واللبس والسفر الواجب، وكذلك العقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيلة على حصول المعقود عليه، فإذا كانت الحيلة سببا مشروعا وما تفضي إليه مشروع فلا معنى لمنعها.

9 ـ إن العاجز الذي لا حيلة عنده لجهله بطرق تحصيل مصالحه مذموم، لأنه لا خبرة له بطرق الخير والشر خفيها وظاهرها، فيحسن التوصل إلى مقاصده المحمودة التي يحبها الله ورسوله بأنواع الحيل، ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية التي يتوصل بها إلى خداعه والمكر به فيحترز منها. وقد كان حذيفة بن اليمان أعلم الناس بالشر والفتن، وكان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخير، وكان هو يسأله عن الشر مخافة أن يدركه.

10 ـ إن المعنى الذي من أجله حرمت الحيل هو أنها تهدم الأصول الشرعية، وتناقض المصالح الشرعية، فإذا انتفى هذا المعنى وكانت الحيل مما لا يناقض الأصول الشرعية فلا معنى لمنعها بل كانت من المشروع.

11 ـ أن الشريعة أجازت للمكره على الكفر أن يتلفظ بكلمة الكفر إحرازا لدمه، وفي هذا تحيل على إحراز الدم، والتحيل هنا كالتحيل بكلمة الإسلام إحرازا للدم، كذلك كما في قوله: صلى الله عليه وآله وسلم:(فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) ([62]) فكل من الحالتين نطق بكلمة من غير اعتقاد معناها توصلا إلى غرض دنيوي، وهو إحراز الدم، فأجريت عليهما أحكام الإسلام في الظاهر.

12 ـ أن الخروج من الحرام إلى الحلال والتخلص من المآثم أمر واجب شرعا، والتحيل له باتخاذ الوسائل والأسباب المؤدية إليه أمر مطلوب شرعا كذلك، ولا تخرج الحيل المباحة عن هذا.

القول الثاني: عدم جواز استعمال الحيل لذلك، قال ابن قدامة:(والحيل كلها محرمة، غير جائزة في شيء من الدين)([63]) وقد نسب ابن تيمية القول بالحرمة لكثيرمن السلف، فقال:(القول بإبطال مثل هذه الحيل في الجملة مأثور، عن عمر، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعائشة أم المؤمنين، وأنس بن مالك. ومن التابعين، عن سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عبد الله بن عتبة وعروة بن الزبير وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد، وعطاء بن أبي رباح، وغيره من فقهاء المكيين، وجابر بن زيد أبي الشعثاء، والحسن البصري ومحمد بن سيرين وبكر بن عبد الله المزني وقتادة وأصحاب عبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، وهو قول أيوب السختياني وعمرو بن دينار، ومالك، وأصحابه، والأوزاعي والليث بن سعد، والقاسم بن معن وسفيان الثوري وشريك بن عبد الله، وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك والفضل بن عياض، وحفص بن غياث، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وإسحاق بن راهويه، ومن لا يحصى من العلماء، وكلامهم في ذلك يطول) ([64])، ومن الأدلة على ذلك([65]):

1 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) ([66])، وهذا الحديث أصل في إبطال الحيل، احتج البخاري على ذلك، وكذلك المحلل إنما نوى أن يطلق المرأة لتحل للأول ولم ينو أن يتخذها زوجة فلا تكون له زوجة، فلا تحل له، وإذا لم تكن له زوجة فالتحريم باق، فلا تحل للأول.

2 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من أدخل فرسا بين فرسين، وقد أمن أن يسبق، فهو قمار، ومن أدخل فرسا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبق، فليس بقمار) ([67])، فجعله قمارا مع إدخاله الفرس الثالث ؛ لكونه لا يمنع معنى القمار، وهو كون كل واحد من المتسابقين لا ينفك عن كونه آخذا، أو مأخوذا منه، وإنما دخل صورة، تحيلا على إباحة المحرم، وسائر الحيل مثل ذلك.

3 ـ أن الله تعالى إنما حرم هذه المحرمات لمفسدتها، والضرر الحاصل منها. ولا تزول مفسدتها مع إبقاء معناها، بإظهارهما صورة غير صورتها، فوجب أن لا يزول التحريم، كما لو سمى الخمر بغير اسمها، لم يبح ذلك شربها، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(ليستحلن قوم من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) ([68])

4 ـ أن المحتال يقصد سقوط الواجب، أو حل الحرام، بفعل لم يقصد به ما جعل ذلك الفعل له، أو ما شرع، فهو يريد تغيير الأحكام الشرعية بأسباب لم يقصد بها ما جعلت تلك الأسباب له، وهو يفعل تلك الأسباب لأجل ما هو تابع لها، لا لأجل ما هو المتبوع المقصود بها.

5 ـ أن الله تعالى عذب أمة بحيلة احتالوها، فمسخهم قردة، وسماهم معتدين، وجعل ذلك نكالا وموعظة للمتقين ؛ ليتعظوا بهم، ويمتنعوا من مثل أفعالهم، كما قيل في قوله تعالى:{ وموعظة للمتقين }، أي لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روي أنهم كانوا ينصبون شباكهم للحيتان يوم الجمعة، ويتركونها إلى يوم الأحد، ومنهم من كان يحفر حفائر، ويجعل إليها مجاري، فيفتحها يوم الجمعة، فإذا جاء السمك يوم السبت، جرى مع الماء في المجاري، فيقع في الحفائر، فيدعها إلى يوم الأحد، ثم يأخذها، ويقول: ما اصطدت يوم السبت، ولا اعتديت فيه.

6 ـ أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعادات، كما هي معتبرة في التقربات والعبادات، فيجعل الشيء حلالا، أو حراما، أو صحيحا، أو فاسدا أو صحيحا من وجه، فاسدا من وجه، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة، أو مستحبة أو محرمة، أو صحيحة، أو فاسدة. ودلائل هذه القاعدة كثيرة جدا، منها قوله تعالى:{ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا}(البقرة: 228)، وقوله تعالى:{ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا }(البقرة:231)، فإن ذلك نص في أن الرجعة إنما ثبتت لمن قصد الصلاح دون الضرار.، ومنها قوله تعالى:{ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } إلى قوله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }(البقرة:229)، وهو دليل على أن الخلع المأذون فيه إذا خيف أن لا يقيم الزوجان حدود الله. وأن النكاح الثاني إنما يباح إذا ظنا أن يقيما حدود الله.

7 ـ أن في الحيل استهزاء بدين الله، قال تعالى:{ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا }(البقرة:231) بعد أن ذكر الطلاق والرجعة والخلع والنكاح المحلل والنكاح بعده وغير ذلك من المواضع، وهو دليل على أن الاستهزاء بدين الله من الكبائر – والاستهزاء هو السخرية وهو حمل الأقوال والأفعال على الهزل واللعب لا على الجد والحقيقة – فالذي يسخر بالناس هو الذي يذم صفاتهم وأفعالهم ذما يخرجها عن درجة الاعتبار كما سخروا بالمطوعين من المؤمنين في الصدقات، فمن تكلم بالأقوال التي جعل الشارع لها حقائق ومقاصد مثل كلمة الإيمان، وكلمة الله التي تستحل بها الفروج، والعهود، والمواثيق التي بين المتعاقدين. وهو لا يريد بها حقائقها المقومة لها، ولا مقاصدها التي جعلت هذه الألفاظ محصلة لها، بل يريد أن يرتجع المرأة ليضرها، ولا حاجة له في نكاحها، أو ينكحها ليحللها، أو يخلعها ليلبسها، فهو مستهزئ بآيات الله فإن العهود والمواثيق من آيات الله.

فإذا كان الاستهزاء بها حراما وجب إبطاله، وإبطال التصرفات عدم ترتب أثرها عليها، فإن كان المستهزئ بها غرضه إنما يتم لصحتها وجب إبطال هذه الصحة والحكم ببطلان تلك التصرفات، وإن كان المستهزئ غرضه اللعب بها دون لزوم حكمها وجب إبطال لعبه بإلزامه أحكامه.

8 ـ أن في الحيل مخادعة لله تعالى، وقد قال تعالى في صفة أهل النفاق من مظهري الإسلام:{ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}(البقرة:9)، وقال تعالى:{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ }(النساء:142) وقال في صفة المنافقين من أهل العهد:{ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ}(الأنفال:62)، فأخبر تعالى أن هؤلاء المخادعين مخدوعون وهم لا يشعرون بذلك، وأن الله خادع من يخادعه وأن المخدوع يكفيه الله شر من خدعه، والمخادعة هي الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطال خلافه لتحصيل المقصود.

ومثل هذا قول القائل: أنكحت، ونكحت إنشاء للعقد، أو إخبارا به. فإذا لم يكن مقصوده ثبوت النكاح الذي جعلت له هذه الكلمة، كان مخادعا، وهو ضرب من النفاق في آيات الله وحدوده، كما أن الأول نفاق في أصل الدين، ويؤيد ذلك من الأثر ما روي عن ابن عباس، أنه جاءه رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا أيحلها له رجل؟ فقال: من يخادع الله يخدعه، وعن عثمان، وابن عمر، وغيرهما أنهم قالوا: (لا نكاح إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة) ([69]) قال العلماء: المدالسة المخادعة. وقال أيوب السختياني، وناهيك به في هؤلاء المحتالين يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، فلو أتوا الأمر عيانا كان أهون علي. وقال شريك بن عبد الله القاضي في كتاب الحيل: هو كتاب المخادعة.

2 ـ أنواع الحيل المرتبطة بالطلاق وأحكامها

سنذكر في هذا المطلب بعض النماذج عن الحيل التي أوردها الفقهاء وما قيل فيها من نفي وإثبات وتصحيح وإفساد:

الحيلة السريجية لعدم وقوع الطلاق أصلا:

وهي أهم الحيل، واشهرها، وأخطرها فهي تمنع الرجل من القدرة على الطلاق، بل تسد عليه باب الطلاق بكل وجه، فلا يبقى له سبيل إليه، ولا يمكنه مخالعتها عند من يجعل الخلع طلاقا، وهي نظير سد الإنسان على نفسه باب النكاح.

وصورة هذه الحيلة أن يقول: كلما طلقتك – أو كلما وقع عليك طلاقي – فأنت طالق قبله ثلاثا، وقد زعم أصحاب هذه الحلية أنه لا يتصور وقوع الطلاق بعد ذلك ؛ لأنه لو وقع لزم وقوع ما علق به وهو الثلاث، وإذا وقعت الثلاث امتنع وقوع هذا المنجز، فوقوعه يفضي إلى عدم وقوعه، وما أفضى وجوده إلى عدم وجوده لم يوجد([70]).

وأول من استنبط هذه الحيلة ـ كما يذكر ابن تيمية ـ هو أبو العباس بن سريج، يقول ابن تيمية:(وما أدري هل استحدث ابن سريج هذه المسألة للاحتيال على دفع الطلاق أم قاله طردا لقياس اعتقد صحته، واحتال بها من بعده، لكني رأيت مصنفا لبعض المتأخرين بعد المائة الخامسة صنفه في هذه المسألة، ومقصوده بها الاحتيال على عدم وقوع الطلاق، ولهذا صاغوها بقوله إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا ؛ لأنه لو قالوا إذا طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا لم تنفعه هذه الصيغة في الحيلة وإن كان كلاهما في الدور سواء) ([71])

وقد أنكر هذا القول أكثر الفقهاء، بل رأوه من الزلات التي يعلم بالاضطرار كونها ليست من الإسلام فالطلاق أمر مشروع في كل نكاح، وأنه ما من نكاح إلا ويمكن فيه الطلاق.

وسنذكر هنا القولين في المسألة وأدلة كل قول:

القول الأول: صحة العمل بهذه الحيلة، وهو قول بعض الشافعية([72])، قال السبكي:(وهو قول الجمهور من أصحابنا وحذاق المحققين منهم ابن الحداد) ([73])، وقال الزركشي:(لو قال إن طلقتك غدا طلقة، فأنت طالق اليوم ثلاثا، ثم طلق من الغد واحدة طلقت واحدة ولم تقع الثلاث، لأنا لو أوقعنا الثلاث بطلت الواحدة وإذا بطلت الواحدة بطلت الثلاث، ففي إثبات الثلاث إبطالها، ووافق على ذلك ابن سريج وقال غيره: تقع الواحدة وثنتان من الثلاث كقوله: إن طلقتك واحدة فأنت طالق عشرا وقعت واحدة وثنتان من العشرة) ([74])

وذكر ابن دقيق العيد وجها آخر لهذه الحيلة، فقال: (الحيلة في حل الدور: أن يعكس، فيقول: كلما لم يقع عليك طلاقي، فأنت طالق قبله ثلاثا، فإذا طلقها وجب أن يقع الثلاث؛ لأن الطلاق القبلي – والحالة هذه – معلق على النقيضين، وهو الوقوع وعدمه وكل ما كان لازما للنقيضين، فهو واقع ضرورة، ويشبهه قولهم في الوكالة: كلما عزلتك، فأنت وكيلي، نفاذ العزل: أن يقول: كلما عدت وكيلي، فأنت معزول، ثم يعزله) ([75])

وقد أضاف السيوطي إلى هذا نظائر أخرى، فقال:(ذكر نظائر هذه المسألة، قال: إن آليت منك، أو ظاهرت منك، أو فسخت بعيبك ؛ أو لاعنتك، أو راجعتك فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم وجد المعلق به لم يقع الطلاق وفي صحته الأوجه) ([76])، وبهذا شملت هذه الحيلة معظم ما وضعه الشرع من وسائل التفريق بين الزوجين.

وقد رجح متأخرو الشافعية القول بعدم الاحتيال بهذه الحيلة، فقد سئل الرملي [ت: 957هـ]عن الراجح في المسألة السريجية؟ فأجاب بأن الراجح فيها كما رجحه الشيخان وغيرهما وقوع المنجز دون المعلق، والقول بعدم وقوع كل منهما للدور ضعيف لا يعول عليه، بل نسب قائله إلى مخالفة الإجماع وأجابوا عن شبهته([77]).

ومما استند إليه أصحاب هذه الحيلة ما ذكره الشافعي([78]) ما نص عليه الشافعي من أنه إذا قال: ” أنت طالق قبل موتي بشهر ” ثم مات لأكثر من شهر بعد هذا التعليق ؛ وقع الطلاق قبل موته بشهر، وهو إيقاع طلاق في زمن ماض سابق لوجود الشرط وهو موته، فإذا وجد الشرط تبين وقوع الطلاق قبله، وقد استدلوا على صحة هذه الحيلة بما يلي:

1 ـ أن التعليق صحيح لصدوره من أهله في محله، والوقوع يستلزم الدور المحال فلا يقع وجوابه يمنع صحة التعليق جميعه، سند هذا المنع أن صحة جميعه تقتضي لزوم ثلاث طلقات لطلقة بعدها وأنه محال، أما اقتضاؤه لزوم ذلك فهو مدلول الشرطية ؛ لأنها تقتضي لزوم تاليها لمقدمها، والشرطيات وإن كان بعضها اتفاقيا فهاهنا ليس كذلك ؛ لأن التعليق الصحيح شرعا هو الذي يقتضي شرطه جزاءه ولجعل الجزاء فيه مستحقا بالشرط وهذا معنى صحة التعليق.

2 ـ أن الاستحالة ثابتة لعدم ملك الزوج أربع طلقات ؛ ولأنه لا يمكن أن تقع طلقة ويقع قبلها ثلاث بوجه من الوجوه، فإن الطلقة المعلق عليها إن وجدت في هذا النكاح لم توجد الثلاث قبلها وإلا كن أربعا، وإن وجد في نكاح آخر بأن فسخ نكاحها ثم تزوجها وطلقها لم يمكن القول بوقوع الثلاث في النكاح الأول ؛ لأنه حينئذ تبين، ويتبين بطلان الفسخ، ويلزم من بطلان الفسخ بطلان النكاح الثاني وبطلان الطلاق فيه فيبطل وقوع الثلاث في الأول إلى نفيه، وكلما أدى إثباته إلى نفيه بطل من أصله.

3 ـ أن هذا التعليق تضمن شرطا ومشروطا، وقد تعقد القضية الشرطية في ذلك للوقوع، وقد تعقد للإبطال ؛ فلا يوجد فيها الشرط ولا الجزاء، بل تعليق ممتنع بممتنع، فتصدق الشرطية وإن انتفى كل من جزأيها، كما تقول: لو كان مع الله إله آخر لفسد العالم وكما في قوله: (إن كنت قلته فقد علمته)ومعلوم أنه لم يقله ولم يعلمه الله، وهكذا قوله: إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا، فقضية عقدت لامتناع وقوع طرفيها، وهما المنجز والمعلق.

4 ـ القياس على ما لو أعتق أمته في مرض موته وزوجها عبده ولم يدخل بها وقيمتها مائة ومهرها مائة وباقي التركة مائة فإنه لا يثبت لها الخيار ؛ لأن إثبات الخيار يقتضي سقوط المهر، وسقوط المهر يقتضي نفي الخيار، والجمع بينهما لا يمكن، وليس أحدهما أولى من الآخر، لأن طريق ثبوتهما الشرع، فأبقينا النكاح ورفضنا الخيار ولم يسقط المهر، وهكذا كل ما أفضى وقوعه إلى عدم وقوعه فهذه سبيله.

5 ـ أن الحكم لا يجوز تقدمه على علته، ويجوز تقدمه على شرطه كما يجوز تقدمه على أحد سببيه.

6 ـ أن الإيقاع موجب للوقوع ؛ فلا يجوز أن يسبقه أثره وموجبه، والشرط علامة على المشروط ؛ فيجوز أن يكون قبله وبعده، فوزان الشرط وزان الدليل، ووزان الإيقاع وزان العلة، فافترقا.

7 ـ أن المكلف أتى بالسبب الذي ضيق به على نفسه فألزمناه حكمه.

8 ـ أنه قد يكون له في هذه اليمين مصلحة وغرض صحيح، بأن يكون محبا لزوجته ويخشى وقوع الطلاق بالحلف أو غيره فيسرحها.

9 ـ أنا لو أوقعنا الطلاق المباشر لزمنا أن نوقع قبله ثلاثا، ولو أوقعنا قبله ثلاثا لامتنع وقوعه في نفسه ؛ فقد أدى الحكم بوقوعه إلى الحكم بعدم وقوعه، فلا يقع.

10 ـ أنهما طلاقان متعارضان سبق أحدهما الآخر ؛ فوجب أن ينفي السابق منهما المتأخر، مثل أن يقول لامرأته: إن قدم زيد فأنت طالق ثلاثا، وإن قدم عمرو فأنت طالق طلقة، فقدم زيد بكرة، وعمرو عشية.

11 ـ أنه ليس في هذا تغيير للشرع، وإنما هو إتيان بالسبب الذي ضيق به على نفسه ما وسعه الله عليه، وهو هذه اليمين، وليس في ذلك تغييرا للشرع،لأن الله تعالى وسع عليه أمر الطلاق فجعله واحدة بعد واحدة ثلاث مرات لئلا يندم، فإذا ضيق على نفسه وأوقعها بفم واحد حصر نفسه وضيق عليها ومنعها ما كان حلالا لها، وربما لم يبق له سبيل إلى عودها إليه.

12 ـ أن الله تعالى جعل الطلاق إلى الرجال، ولم يجعل للنساء فيه حظا، ومع ذلك فإن الزوج قد يجعل طلاق امرأته بيدها، بأن يملكها ذلك أو يحلف عليها أن لا تفعل كذا، فتختار طلاقه متى شاءت، ويبقى الطلاق بيدها، وليس في هذا تغيير للشرع ؛ لأنه هو الذي ألزم نفسه هذا الحرج بيمينه وتمليكه.

13ـ أن له في هذه اليمين مصلحة وغرض صحيح، بأن يكون محبا لزوجته شديد الإلف بها، وهو مشفق من أن ينزغ الشيطان بينهما فيقع منه طلاقها من غضبة أو موجدة، أو يحلف يمينا بالطلاق أو يبلى بمن يستحلفه بالطلاق ويضطر إلى الحنث، أو يبلى بظالم يكرهه على الطلاق ويرفعه إلى حاكم ينفذه، أو يبلى بشاهدي زور يشهدان عليه بالطلاق، وفي ذلك ضرر عظيم به، فمن محاسن الشريعة أن يجعل له طريقا إلى الأمن من ذلك كله، ولا طريق أحسن من هذه.

14 ـ أنه مع أن في هذه اليمين نوع ضرر عليه، لكن رأي احتماله لدفع ضرر الفراق الذي هو أعظم من ضرر البقاء، وما ينكر في الشريعة من دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما؟

القول الثاني: عدم صحة هذه الحيلة، وعدم اعتبارها، وهو قول جمهور الفقهاء، خلافا لمن ذكرنا في القول الأول، وممن أكثروا من الكلام في هذه المسألة والرد عليها ابن القيم وابن تيمية، وذلك لاشتهارها وخطورتها، قال ابن القيم:(إنما أطلنا الكلام في هذه المسألة لأنها من أمهات الحيل وقواعدها، والمقصود بيان بطلان الحيل ؛ فإنها لا تتمشى على قواعد الشريعة ولا أصول الأئمة، وكثير منها – بل أكثرها – من توليدات المنتسبين إلى الأئمة وتفريعهم، الأئمة براء منها) ([79])، ومما ذكروه من أدلة على بطلانها([80]):

1 ـ أن هذه الحيلة مناقضة للشرع، لأن الله تعالى شرع للأزواج – إذا أرادوا استبدال زوج مكان زوج والتخلص من المرأة – الطلاق، وجعله بحكمته ثلاثا توسعة على الزوج ؛ إذ لعله يبدو له ويندم فيراجعها، وهذا من تمام حكمته ورأفته ورحمته بهذه الأمة، ولم يجعل أنكحتهم كأنكحة النصارى تكون المرأة غلا في عنق الرجل إلى الموت، ولا يخفى ما بين الشريعتين من التفاوت، وأن هذه المسألة منافية لإحداهما منافاة ظاهرة، ومشتقة من الأخرى اشتقاقا ظاهرا.

2 ـ أنها مناقضة للغة لأنها تضمنت كلاما ينقض بعضه بعضا، ومضمونه إذا وجد الشيء لم يوجد، وإذا وجد الشيء اليوم فهو موجود قبل اليوم، وإذا فعلت الشيء اليوم فقد وقع مني قبل اليوم، ونحو هذا من الكلام المتناقض في نفسه الذي هو إلى المحال أقرب منه إلى الصحيح من المقال.

3 ـ أنها مناقضة للعقل، لأن الشرط يستحيل أن يتأخر وجوده عن وجود المشروط، ويتقدم المشروط عليه في الوجود، لأن رتبة الشرط التقدم أو المقارنة، والفقهاء وسائر العقلاء معهم مجمعون على ذلك ؛ فلو صح تعليق المشروط بشرط متأخر بعده لكان ذلك إخراجا له عن كونه شرطا أو جزء شرط أو علة أو سببا ؛ لأن الحكم لا يسبق شرطه ولا سببه ولا علته ؛ إذ في ذلك إخراج الشروط والأسباب والعلل عن حقائقها وأحكامها.

4 ـ أنه لو جاز تقديم الحكم على شرطه لجاز تقديم وقوع الطلاق على إيقاعه ؛ لأن الإيقاع سبب، والأسباب تتقدم مسبباتها، كما أن الشروط رتبتها التقدم ؛ فإذا جاز إخراج هذا عن رتبته جاز إخراج الآخر عن رتبته، فجوزوا حينئذ تقدم الطلاق على التطليق والعتق على الإعتاق والملك على البيع، وحل المنكوحة على عقد النكاح.

5 ـ أن الفقهاء مجمعون على أن الشرائط الشرعية لا يجوز تأخرها عن المشروط، ولو تأخرت لم تكن شروطا.

6 ـ أن هذا التعليق لغو وباطل من القول ؛ لأنه يتضمن المحال، وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، وهو محال، فما تضمنه فهو باطل من القول، فهو بمنزلة قوله: إذا وقع عليك طلاقي لم يقع، وإذا طلقتك لم يقع عليك طلاقي، ونحو هذا من الكلام الباطل([81]).

7 ـ أنه محال من القول حيث جاء من تعليق الثلاث على المنجز، ومحال أن يقع المنجز ويقع جميع ما علق به ؛ فالصواب أن يقع المنجز ويقع جميع ما علق به أو تمام الثلاث من المعلق([82]).

8 ـ أنه محال، ولا يقع المعلق ؛ إذ حقيقته أنت طالق في الزمن السابق على تطليقك تنجيزا أو تعليقا فيعود إلى سبق الطلاق للتطليق، وسبق الوقوع للإيقاع، وهو حكم بتقديم المعلول على علته.

9 ـ أن قوله:(إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله) إما أن يريد طالق قبله بهذا الإيقاع أو بإيقاع متقدم، والثاني ممتنع ؛ لأنه لم يسبق هذا الكلام منه شيء. والثاني كذلك لأنه لا يتضمن: أنت طالق قبل أن أطلقك، وهو عين المحال.

10 ـ أن هذا السبب الذي أتى به غير مقدور ولا مشروع ؛ فإن الله تعالى لم يملكه طلاقا ينجزه تسبقه ثلاث قبله، ولا ذلك مقدور له ؛ فالسبب لا مقدور ولا مأمور، بل هو كلام متناقض فاسد ؛ فلا يترتب عليه تغيير أحكام الشرع.

11 ـ أن الشرائع العامة لم تبن على الصور النادرة، ولو كان لعموم المطلقين في هذا مصلحة لكانت حكمة أحكم الحاكمين تمنع الرجال من الطلاق بالكلية، وتجعل الزوج في ذلك بمنزلة المرأة لا تتمكن من فراق زوجها. ولكن حكمته تعالى أولى وأليق من مراعاة هذه المصلحة الجزئية التي في مراعاتها تعطيل مصلحة أكبر منها وأهم، وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات أدناهما، ودفع أعلى المفسدتين وإن وقع أدناهما.

12 ـ أن مصلحة تمليك الرجال الطلاق أعلى وأكبر من مصلحة سده عليهم، ومفسدة سده عليهم أكبر من مفسدة فتحه لهم المفضية إلى ما ذكرتم.

13 ـ أن مقتضى الشرع توقف المشروط على وجوده، وأنه لا يوجد بدونه، وليس مقتضاه تأخر المشروط عنه، وهذا يتعلق باللغة والعقل والشرع.

14 ـ أنا لا ننكر أن من الشروط ما يتقدم مشروطه، ولكن دعوى أن ذلك حقيقة الشرط وأنه إن لم يتقدم خرج عن أن يكون شرطا دعوى لا دليل عليها، وحتى لو جاء عن أهل اللغة ذلك لم يلزم مثله في الأحكام الشرعية ؛ لأن الشروط في كلامهم تتعلق بالأفعال كقوله: إن زرتني أكرمتك، فيقتضي الشرط ارتباطا بين الأول والثاني: فلا يتقدم المتأخر ولا يتأخر المتقدم، وأما الأحكام فتقبل التقدم والتأخر والانتقال.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو بطلان هذه الحيلة كما ذكره جماهير الفقهاء، لانتفائها مع كثير من الصيغ التي سبق ذكر عدم اعتبارها، ومع ذلك يمكن الإفتاء بها للموسوس بالتطليق، كعلاج مؤقت لحالته، لأن هناك من يستنكحه الشك في التطليق كما يستنكح البعض في الطهارة، فيتصور في كل لفظة ينطقها أنه قد طلق زوجته.

وليس هذا اعتبارا لهذا الحيلة، وإنما هو نوع من إزالة الوهم لمن هذا حاله، ولو أن هذا الشخص أراد الطلاق حقيقة ما حصلت له تلك الوسوسة.

وقد ساهم في تأسيس تلك الوسوسة بعض الفقهاء بتشددهم في اعتبار الشك، كهذه المسألة التي ذكرها المالكية، قال الصاوي:(إن شك أطلق زوجته طلقة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا؟ لم تحل إلا بعد زوج لاحتمال كونه ثلاثا، ثم إن تزوجها بعد زوج وطلقها طلقة أو اثنتين فلا تحل إلا بعد زوج، لاحتمال أن يكون المشكوك فيه اثنتين وهذه ثالثة، ثم إن تزوجها وطلقها لا تحل إلا بعد زوج، لاحتمال أن يكون المشكوك فيه واحدة وهاتان اثنتان محققتان، ثم إن طلقها ثالثة بعد زوج لم تحل إلا بعد زوج، لاحتمال أن يكون المشكوك فيه ثلاثا، وقد تحقق بعدها ثلاث وهكذا لغير نهاية، إلا أن يبت طلاقها كأن يقول أنت طالق ثلاثا، أو إن لم يكن طلاقي عليك ثلاثا فقد أوقعت عليك تكملة الثلاث، فينقطع الدور وتحل له بعد زوج هذه المسألة الدولابية، لدوران الشك فيها) ([83])

ونرى أنه لو خيرنا بين المسألتين لا خترنا السريجية على الدولابية، فالسريجية تحفظ البيوت والدولابية تهدمها، ولو أن كلاهما باطل، وبعض الشر أهون من بعض.

الاحتيال على رجعة البائن بغير علمها:

من الحيل التي ذكرها الفقهاء للرجعة التحيل على رد امرأته بعد أن بانت منه، وهي لا تشعر بذلك، وقد ذكر أرباب الحيل وجوها ذكرها ابن القيم، بناء على المفتى به في عصره، وهي بالترتيب التالي:

1 ـ أن يقول الزوج لمن طلقها وبانت منه بانتهاء عدتها: حلفت يمينا، واستفتيت فقيل لي: جدد نكاحك ؛ فإن كان الطلاق قد وقع وإلا لم يضرك، فإذا أجابته قال: اجعلي الأمر إلي في تزويجك، ثم يحضر الولي والشهود ويتزوجها، فتصير امرأته بعد البينونة وهي لا تشعر.

2 ـ أن يظهر أنه يريد سفرا ويقول: لا آمن الموت، وأنا أريد أن أكتب لك هذه الدار، وأجعل لك هذا المتاع صداقا بحيث لا يمكن إبطاله وأريد أن أشهد على ذلك، فاجعلي أمرك إلي حتى أجعله صداقا ؛ فإذا فعلت عقد نكاحها على ذلك وتم الأمر.

3 ـ أن يحلف بطلاقها، أو يقول: قد حلفت بطلاقك أني أتزوج عليك في هذا اليوم أو هذا الأسبوع، أو أسافر بك، وأنا أريد أن أتمسك بك ولا أدخل عليك ضرة ولا تسافرين، فاجعلي أمرك إلي حتى أخالعك وأردك بعد انقضاء اليوم وتتخلصي من الضرة والسفر، فإذا فعلت أحضر الشهود والولي ثم يردها.

ولا نحسب أن من يفتي بهذا إلا العامة ممن لا ينتسبون للفقه، أو يتصورون الفقه لعبة شطرنج يتحركون فيها كما يشاءون، وهي من البطلان بحيث لا تحتاج إلى الرد عليهان ومع ذلك نذكر خلاصة موجزة لرد ابن القيم على ذلك، فهو أبلغ من رد على الحيل([84]):

1 ـ أن المرأة إذا بانت صارت أجنبية منه ؛ فلا يجوز نكاحها إلا بإذنها ورضاها، وهي لم تأذن في هذا النكاح الثاني، ولا رضيت به، ولو علمت أنها قد ملكت نفسها وبانت منه فلعلها لا ترغب في نكاحه، فليس له أن يخدعها على نفسها ويجعلها له زوجة بغير رضاها.

2 ـ أنه لا يصح زواج هذا قياسا على الهازل، لأن الهازل لم يظهر أمرا يريد خلافه، بل تكلم باللفظ قاصدا أنه لا يلزمه موجبه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشارع، وأما هذا فماكر مخادع للمرأة على نفسها، مظهر أنها زوجته وأن الزوجية بينهما باقية وهي أجنبية محضة ؛ فهو يمكر بها ويخادعها بإظهار أنها زوجته وهي في الباطن أجنبية ؛ فهو كمن يمكر برجل يخادعه على أخذ ماله بإظهار أنه يحفظه له ويصونه ممن يذهب به، بل هذا أفحش ؛ لأن حرمة البضع أعظم من حرمة المال، والمخادعة عليه أعظم من المخادعة على المال.

التحايل على عدم وقوع الطلاق بكون النكاح فاسدا:

وقد ذكرنا هذه الحيلة من قبل، وخلاصتها أنهم يحكمون بعدم وقوع الطلاق لكونه النكاح فاسدا، ويتحيلون لبيان فساده من وجوه كثيرة، منها:

1 ـ اشتراط العدالة في الولى، فإذا كان في الولي ما يقدح في عدالته فالنكاح باطل فلا يقع فيه الطلاق والقوادح كثيرة فلا تكاد تفتش فيمن شئت إلا وجدت فيه قادحا.

2 ـ اشتراط عدالة الشهود، والشاهد يفسق بجلوسه على مقعد حرير أو استناده إلى مسند حرير أو جلوسه تحت حركاة حرير أو تجمره بمجمرة فضة ونحو ذلك مما لا يكاد يخلو البيت منه وقت العقد ونحو ذلك.

وغير ذلك مما سبق ذكره، قال ابن القيم:(فيا للعجب يكون الوطء حلالا والنسب لاحقا والنكاح صحيحا حتى يقع الطلاق فحينئذ يطلب وجوه إفساده) ([85])

3 ـ الرجعة بواسطة المحلل وحكمها

عرف ابن عرفة نكاح المحلل بأنه: ما عقده الثاني بنية تحليلها([86]).

وفسر بأن معناه نكاح عقده الزوج الثاني قاصدا تحليل المطلقة المثلثة، وأخرج بقصد التحليل إذا لم يقصد ذلك، وكذلك أخرج قصد المرأة، وكذلك نية الزوج الأول خرجت أيضا([87])، والنص كذلك في سماع القرينين.

وقد اختلف الفقهاء في حكمه بحسب اعتبارين:

الزواج بشرط التحليل:

وهو أن يصرح في العقد على أن قصده من زواجه أن يحلها لزوجها الأول، وقد اتفق العلماء على حرمة هذا الزواج، ولكنهم اختلفوا في صحته وتأثيره في إحلال المرأة لزوجها الأول على قولين:

القول الأول: أن هذا النكاح فاسد ولا يترتب عليه أي أثر، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف من الحنفية، وهو قول الحسن والنخعي، وقتادة، والليث، والثوري، وقد روي عن عمر، وعثمان، وعبد الله بن عمر، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس وهو قول الفقهاء من التابعين، واستدلوا لذلك بما يلي([88]):

1 ـ عن عبدالله بن مسعود قال لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المحلل والمحلل له([89]).

2 ـ لعنه صلى الله عليه وآله وسلم الواشمة والمؤتشمة والواصلة والموصولة والمحلل والمحلل له وآكل الربا وموكله.

3 ـ عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:ألا أخبركم بالتيس المستعار([90])؟قالوا: بلى يا رسول الله قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له([91]).

4 ـ ما ورد من الآثار عن السلف في ذلك ومنها([92]) ما روي عن عمر أنه قال: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما، وسئل ابن عمر عن تحليل المرأة لزوجها فقال: ذاك السفاح، وسئل ابن عمر عن رجل طلق ابنة عم له، ثم رغب فيها وندم، فأراد أن يتزوجها رجل يحللها له فقال ابن عمر:كلاهما زان، وإن مكث عشرين سنة أو نحو ذلك إذا كان الله يعلم أنه يريد أن يحلها له)

وسأل رجل عن ابن عباس، فقال:(إن عمي طلق امرأته ثلاثا،فقال: إن عمك عصى الله فأندمه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا، قال: كيف ترى في رجل يحللها،قال: من يخادع الله يخدعه، وعن سليمان بن يسار قال: رفع إلى عثمان رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، ففرق بينهما، وقال:(لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة) وعن أبي مرزوق التجيبي أن رجلا أتى عثمان فقال:(إن جاري طلق امرأته في غضبه ولقي شدة فأردت أن أحتسب نفسي ومالي فأتزوجها ثم أبني بها ثم أطلقها فترجع إلى زوجها) فقال له عثمان:(لا تنكحها إلا نكاح رغبة)

ومن التابعين روي عن الحسن أنه سئل عن ذلك؟ فقال: اتق الله ولا تكن مسمار نار في حدود الله، وأنه قال: كان المسلمون يقولون: هو التيس المستعار؟ وعن سعيد بن جبير: المحلل ملعون. وروي مثل ذلك عن سعيد بن المسيب، وطاوس.

5 ـ أن النكاح الشرعي هو الذي يتعارفه الناس بينهم نكاحا وهو الذي شرع إعلانه والضرب عليه بالدفوف والوليمة فيه وجعل للإيواء والسكن وجعله الله مودة ورحمة وجرت العادة فيه بضد ما جرت به في نكاح المحلل، لأن المحلل لم يدخل على نفقه ولا كسوة ولا سكنى ولا إعطاء مهر، ولا يحصل به نسب ولا صهر ولا قصد المقام مع الزوجة.

6 ـ أن الله فطر قلوب الناس على أن هذا ليس بنكاح، ولا المحلل بزوج، وأن هذا منكر قبيح وتعير به المرأة والزوج والمحلل والولي، فكيف يدخل هذا في النكاح الذي شرعه الله ورسوله وأحبه وأخبر أنه سنته ومن رغب عنه فليس منه.

7 ـ أن الله تعالى شرع النكاح للوصلة الدائمة وللاستمتاع، وهذا النكاح جعله أصحابه سببا لانقطاعه ولوقوع الطلاق فيه، فإنه متى وطىء كان وطؤه سببا لانقطاع النكاح.

8 ـ أن النكاح بشرط الإحلال في معنى نكاح المتعة، وشرط التأقيت في النكاح يفسده، وما دام النكاح فاسدا فلا يقع به التحليل، ويؤيد هذا قول عمر: والله لا أوتى بمحلل ومحلل له إلا رجمتهما.

9 ـ القياس على تحريم نكاح المتعة بل يعتبرون نكاح المتعة أهون من نكاح التحليل،قال الشافعي:(نكاح المحلل الذي يروى أن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لعنه عندنا – والله تعالى أعلم – ضرب من نكاح المتعة لأنه غير مطلق إذا شرط أن ينكحها حتى تكون الإصابة فقد يستأخر ذلك أو يتقدم، وأصل ذلك أنه عقد عليها النكاح إلى أن يصيبها فإذا أصابها فلا نكاح له عليها، مثل أنكحك عشرا ففي عقد أنكحك عشرا أن لا نكاح بيني وبينك بعد عشر كما في عقد أنكحك لأحللك أني إذا أصبتك فلا نكاح بيني وبينك بعد أن أصبتك) ([93])

10 ـ أن الله تعالى نصب هذه الأسباب كالبيع والإجارة والهبة والنكاح مفضية إلى أحكام جعلها مسببات لها ومقتضيات فجعل النكاح سببا لملك البضع وحل الوطء والمحلل مناقض معاكس لشرع الله تعالى ودينه لأنه جعل نكاحه سببا لتمليك المطلق البضع وإحلاله له، ولم يقصد بالنكاح ما شرعه الله له من ملكه هو للبضع وحله له، ولا له غرض في ذلك ولا دخل عليه وإنما قصد به أمرا آخر لم يشرع له ذلك السبب ولم يجعل طريقا له.

11 ـ أن المحلل من جنس المنافق فإن المنافق يظهر أنه مسلم ملتزم لعقد الإسلام ظاهرا وباطنا وهو في الباطن غير ملتزم له، وكذلك المحلل يظهر أنه زوج وأنه يريد النكاح ويسمى المهر ويشهد على رضى المرأة، أما باطنه فبخلاف ذلك قد أظهر خلاف ما أبطن، وأنه مريد لذلك، والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو والمطلق أن الأمر كذلك، وأنه غير زوج على الحقيقة ولا هي امرأته على الحقيقة.

12 ـ أن نكاح المحلل لا يشبه نكاح أهل الجاهلية ولا نكاح أهل الإسلام فكان أهل الجاهلية يتعاطون في أنكحتهم أمورا منكرة ولم يكونوا يرضون نكاح التحليل ولا يفعلونه.

القول الثاني: أن النكاح صحيح، وتحل للأول بعد أن يطلقها الثاني وتنتهي عدتها، ويكره للثاني والأول، وهو مذهب أبي حنيفة وزفر، وقال محمد: النكاح الثاني صحيح، ولا تحل للأول، لأن النكاح عقد مؤبد، فكان شرط الإحلال استعجال ما أخره الله تعالى لغرض الحل، فيبطل الشرط ويبقى النكاح صحيحا، لكن لا يحصل به الغرض، واستدل أصحاب هذا القول على ذلك بما يلي([94]):

1 ـ أن النكاح سنة مرغوب فيها، وإنما قصد المحلل بذلك ارتفاع الحرمة بينهما ليمنعهما بذلك على ارتكاب المحرم ويوصلهما إلى مرادهما بطريق حلال فتكون إعانة على البر والتقوى، وهو مندوب إليه.

2 ـ أن كل واحد من الزوجين نادم على ما كان منه من سوء الخلق خصوصا إذا كان بينهما ولد، فلو امتنع الثاني من أن يتزوجها ليحلها للأول ربما يحملها الندم أو فرط ميل كل واحد منهما إلى صاحبه على أن يتزوجها من غير محلل فهو يسعى إلى إتمام مرادهما على وجه يندبان إليه في الشرع فيكون مأجورا فيه واستدلوا لذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من أقال نادما أقاله الله عثراته يوم القيامة) ([95])

3 ـ أن النهي الوارد في الأحاديث لمعنى في غير النكاح، فلا يمنع صحة النكاح.

4 ـ أن الدخول بالنكاح الصحيح يحلها للزوج الأول، بصرف النظر عن قصده ونيته.

5 ـ أن عمومات النكاح تقتضي الجواز من غير فصل بين ما إذا شرط فيه الإحلال أو لا، فكان النكاح بهذا الشرط نكاحا صحيحا، فيدخل تحت قوله تعالى: { حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }(البقرة:230) فتنتهي الحرمة عند وجوده، إلا أنه كره النكاح لهذا الشرط لغيره، وهو أنه شرط ينافي المقصود من النكاح وهو السكن والتوالد والتعفف، لأن ذلك يقف على البقاء والدوام على النكاح.

6 ـ أن ما ذكره المخالفون لا يصح من الوجوه التالبة([96]):

الوجه الأول: من باب العبارة، لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سماه محللا والمحلل حقيقة من يثبت الحل كالمحرم من يثبت الحرمة والمبيض من يثبت البياض فيثبت له هذه الصفة بعبارة النص.

الوجه الثاني: من باب الإشارة، لأن الكلام لم يسق له بل لإثبات اللعن، وإلحاق اللعن به لا يمنع الاستدلال، لأن ذلك ليس للتحليل بل لشرط فاسد ألحقه بالنكاح، وهو ذكر الشرط الفاسد إن تزوجها بشرط التحليل أو لقصده تغيير المشروع إن لم يشرط، لأنه مشروع للتناسل والبقاء.

الوجه الثالث: أن الغرض من اللعن إظهار خساسة المحلل بمباشرة مثل هذا النكاح والمحلل له بمباشرة ما ينفر عنه الطباع من عودها إليه بعد مضاجعة غيره إياها واستمتاعه بها لا حقيقة اللعن، إذ هو الأليق بكلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حق أمته، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ما بعث لعانا، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(ألا أنبئكم بالتيس المستعار)، وعلى هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لعن الله السارق يسرق البيضة فيقطع يده)

الوجه الرابع: أن الكتاب أثبت كون الزوج الثاني غاية، ولم ينف كونه مثبتا للحل وليس ذلك من ضرورات كونه غاية أيضا، إذ لا منافاة بين كونه غاية وبين كونه مثبتا للحل لأن انتهاء الشيء كما يكون بنفسه يكون بثبوت ضده كما في قوله تعالى:{ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا }(النساء:43)، فالاغتسال مثبت للطهارة ومنه للجنابة لأنه لما ثبتت الطهارة لم تبق الجنابة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو حرمة هذا النوع من الزواج، والإفتاء بعدم تأثيره، ولكنه قد يتساهل في القول بصحة رجوعها لزوجها الأول في حال وقوعه بناء على اختلاف الفقهاء في المسألة، ولكن الأولى هو سد الذريعة كلية على هذا الباب خاصة مع ما ورد فيه من الوعيد.

الزواج بقصد التحليل:

اختلف الفقهاء في اعتبار القصد المجرد عن التعبير أثناء العقد هل يصح به التحليل أم لا على قولين:

القول الأول: هو نكاح صحيح، وهو مذهب الحنفية([97]) والشافعية والظاهرية، إلا أن الشافعية حكموا عليه بالكراهة، قال الشافعي:(لا تفسد النية من النكاح شيئا لأن النية حديث نفس وقد وضع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم وقد ينوي الشيء ولا يفعله وينويه ويفعله فيكون الفعل حادثا غير النية، وكذلك لو نكحها ونيته ونيتها أو نية أحدهما دون الآخر أن لا يمسكها إلا قدر ما يصيبها فيحللها لزوجها ثبت النكاح وسواء نوى ذلك الولي معهما أو نوى غيره أو لم ينوه ولا غيره والوالي والولي في هذا لا معنى له أن يفسد شيئا ما لم يقع النكاح بشرط يفسده) ([98])

وقال ابن حزم:(أن كل نكاح انعقد سالما مما يفسده، ولم يشترط فيه التحليل والطلاق فهو نكاح صحيح تام لا يفسخ – وسواء اشترط ذلك عليه قبل العقد أو لم يشترط – لأن كل ناكح لمطلقة ثلاثا فهو محلل ولا بد، فالتحليل المحرم هنا: هو ما انعقد عقدا غير صحيح) ([99])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ عن مجاهد قال طلق رجل من قريش امرأة له فبتها، فمر بشيخ وابن له من الأعراب في السوق قدما بتجارة لهما فقال للفتى هل فيك من خير؟ ثم مضى عنه ثم كر عليه فكمثلها ثم مضى عنه، ثم كر عليه فكمثلها. قال نعم: قال فأرني يدك فانطلق به فأخبره الخبر وأمره بنكاحها فنكحها، فبات معها، فلما أصبح استأذن فأذن له فإذا هو قد ولاها الدبر، فقالت: والله لئن طلقني لا أنكحك أبدا فذكر ذلك لعمر فدعاه فقال: لو نكحتها لفعلت بك كذا وكذا وتوعده ودعا زوجها فقال: الزمها([100]).

2 ـ عن ابن جريج قال: أخبرت عن ابن سيرين أن امرأة طلقها زوجها ثلاثا، وكان مسكين أعرابي يقعد بباب المسجد،فجاءته امرأة، فقالت له: هل لك في امرأة تنكحها فتبيت معها الليلة فتصبح فتفارقها؟ فقال: نعم، وكان ذلك فقالت له امرأته: إنك إذا أصبحت فإنهم سيقولون لك فارقها فلا تفعل فإني مقيمة لك ما ترى، واذهب إلى عمر فلما أصبحت أتوه وأتوها، فقالت:كلموه فأنتم جئتم به فكلموه فأبى وانطلق إلى عمر فقال: الزم امرأتك فإن رابوك بريب فائتني وأرسل إلى المرأة التي مشت بذلك فنكل بها، ثم كان يغدو إلى عمر ويروح في حلة فيقول: الحمد لله الذي كساك يا ذا الرقعتين حلة تغدو فيها وتروح، قال الشافعي: وقد سمعت هذا الحديث مسندا متصلا عن ابن سيرين يوصله عن عمر بمثل هذا المعنى ([101]).

القول الثاني([102]): أن الزواج بقصد التحليل – ولو بدون شرط في العقد – باطل، وهو مذهب المالكية والحنابلة وقول الحسن، والنخعي، والشعبي، وقتادة، وبكر المزني، والليث، والثوري، وإسحاق، وقالوا بأن الاعتبار في نكاح التحليل بنية الزوج لا الزوجة، قال مالك: إذا لم ينو الزوج الثاني التحليل فهو جائز وإن علمت المرأة التحليل وسألته لما دخل بها الطلاق أو خالعته بمال فذلك جائز، وقال:(لا يضر الزوج ما نوت الزوجة لأن الطلاق بيده دونها) ([103])

واستدلوا بقاعدة سد الذرائع، وبالأدلة السابقة، وزيادة على ذلك ذكروا ضعف ما استدل به أصحاب القول الأول من حديث ذي الرقعتين فقد قال في هذا الحديث الإمام أحمد: ليس له إسناد، يعني أن ابن سيرين لم يذكر إسناده إلى عمر، وقال أبو عبيد: هو مرسل. فأين هو من الذي سمعوه يخطب به على المنبر: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما، وبأنه ليس فيه أن ذا الرقعتين قصد التحليل، ولا نواه، وإذا كان كذلك، لم يتناول محل النزاع) ([104])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة انطلاقا من الآثار السلبية التي جلبها هذا النوع من الزواج على المجتمع الإسلامي والأسرة المسلمة حرمته مطلقا، سدا للذريعة، وقد ذكر ابن القيم الآثار السلبية التي جلبها هذا الزواج على المسلمين بلهفة وأسف قائلا عند ذكره لمكايد الشيطان:(من مكايده التي بلغ فيها مراده مكيدة التحليل الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعله، وشبهه بالتيس المستعار، وعظم بسببه العار والشنار وعير المسلمين به الكفار، وحصل بسببه من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، واستكريت له التيوس المستعارات، وضاقت بها ذرعا النفوس الأبيات،ونفرت منه أشد من نفارها من السفاح) ([105])

وقد ذكر الصورة التي كان يتم بها هذا الزواج في عهده بقوله: (فلو شاهدت الحرائر المصونات على حوانيت المحللين متبذلات تنظر المرأة إلى التيس نظر الشاة إلى شفرة الجازر وتقول: يا ليتني قبل هذا كنت من أهل المقابر، حتى إذا تشارطا على ما يجلب اللعنة والمقت، نهض واستتبعها خلفه للوقت، بلا زفاف ولا إعلان، بل بالتخفي والكتمان، فلا جهاز ينقل ولا فراش إلى بيت الزوج يحول، ولا صواحب يهدينا إليه، ولا مصلحات يجلينها عليه، ولا مهر مقبوض ولا مؤخر ولا نفقة ولا كسوة تقدر ولا وليمة ولا نثار ولا دف ولا إعلان ولا شغار، والزوج يبذل المهر، وهذا التيس يطأ بالأجر، حتى إذا خلا بها وأرخى الحجاب والمطلق والولي واقفان على الباب دنا ليطهرها بمائة النجس الحرام، ويطيبها بلعنة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، حتى إذا قضيا عرس التحليل …فإن كان قد قبض أجرة ضرابه سلفا وتعجيلا وإلا حبسها حتى تعطيه أجره طويلا) ([106])

ويذكر ابن القيم ومثله ابن تيمية أنهم للتحايل على وجوب المعاشرة للمحلل يتحايلون بأصناف الحيل، مما أوجد استعدادا اجتماعيا للتحايل على الأحكام الشرعية، أما العامة فكانوا يحتالون على ذلك بوجوه من الحيل منها أن يأمروا المحلل بأن يطأها برجله فيطؤها وهي قاعدة أو مضطجعة برجله ثم يخرج ورأوا أن الوطء بالرجل أسهل عليهم وأقل مفسدة.

أو أن يصب المحلل عليها دهنا يشربه جسدها ولا يطؤها، وكأنهم قاسوا تشرب جسدها للدهن وسريانه فيه على شربه للنطفة وسريانها فيه، قال ابن تيمية: (ومما آل به استخفاف شأن التحليل أن الأمر أفضى إلى أن صار كثير من الناس يحسب أن مجرد وطء الذكر مبيح حتى اعتقدوا أنها إذا ولدت ذكرا حلت، واعتقد بعضهم أنه إذا وطئها بقدمه حلت، واعتقد بعضهم أنه إذا صب دهنا فوق رأسها حلت كأنهم شبهوه بصب المني، حدثني بهذه الأشياء من له خبرة بهذه الأشياء من النساء اللواتي تفضي النساء إليهن أسرارهن) ([107])

والأمر الأفضع من ذلك كله كما يذكر ابن القيم هو أنه بعد دخوله عليها (قال لها اعترفي بما جرى بيننا ليقع عليك الطلاق فيحصل بعد ذلك بينكما الالتئام والإتفاق، فتأتي المصخمة إلى حضرة الشهود فيسألونها: هل كان ذاك فلا يمكنها الجحود فيأخذون منها أو من المطلق أجرا وقد أرهقوهما من أمرهما عسرا)،وكثير من هؤلاء المستأجرين ـ كما يقول ابن القيم ـ يحلل الأم وابنتها في عقدين ويجمع ماءه في أكثر من أربع وفي رحم أختين([108])

ولم ينحصر هذا التأثير على المجتمع الإسلامي وحده، بل أصبح شبهة تصرف غير المسلمين عن الإسلام، قال ابن تيمية:(نكاح المحلل مما يعير به النصارى المسلمين، حتى يقولوا: إن المسلمين قال لهم نبيهم: إذا طلق أحدكم امرأته لم تحل له حتى تزني، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم بريء من ذلك هو وأصحابه والتابعون لهم بإحسان وجمهور أئمة المسلمين) ([109])

لكن الموقف الشرعي للفقيه لا يكتفي بوصف الظاهرة أو نقدها، أو التحذير منها، والترهيب من آثارها، بل يتعداه لوضع الحلول العملية لذلك حرصا على مصالح الناس، ومن هذه الحلول، وهو أهمها، تضييق منافذ الطلاق البائن، لأن من أهم أسباب ظاهرة اللجوء إلى التحليل توسيع أبواب الطلاق البائن بحيث يحكم بالظلاق لأوهى الأسباب، ولذلك ذكر ابن القيم الطرق الشرعية التي يضيق بها الطلاق ليسد باب التحليل، قال ابن القيم:(واعلم أن من اتقى الله في طلاقه فطلق كما أمره الله ورسوله وشرعه له أغناه عن ذلك كله ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر حكم الطلاق المشروع: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (الطلاق:2) فلو اتقى الله عامة المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال والمكر والاحتيال) ([110])

وقد كان من أعظم الوسائل التي استخدمها ابن القيم للحد من هذه الظاهرة، هو تضييق منافذ الطلاق، وقد خصصنا المبحث الأخير من هذا الفصل لهذه الغاية، فذكرنا ما يمكن أن يسد باب الطلاق إلا للقاصد له قصدا صحيحا.

والحل الثاني، وهو قد يبدو قريبا من زواج التحليل، ولكن البون بينهما شاسع، وهو أن يتزوج المسلم المطلقة ثلاثا، إذا رأى في الزوجين رغبة شديدة في االرجعة، ثم يطلقها، من غير شرط، زواجا صحيحا، وقد ورد في الآثار ما يبح هذه النية، قال الشعبي: لا بأس بالتحليل إذا لم يأمر به الزوج، وقال أبو ثور: وهو مأجور) ([111])

ومع إنكار ابن القيم للحيل إلا أنه ذكر مجموعة حيل لعودة المرأة لزوجها الأول في حال الضرورة، ومن باب سد ذريعة التحليل، ومنها أن تخرج من مالها ثمن مملوك فتهبه لبعض من تثق به فيشتري به مملوكا ثم يخطبها على مملوكه فيزوجها منه، فيدخل بها المملوك ثم يهبها إياه فينفسخ النكاح بدون تحليل لأنه لا أثر لنية الزوجة، ولا الولي، وإنما التأثير لنية الزوج الثاني([112]).

4 ـ المخارج الشرعية للرجعة

ونعني بها عموما أن لا يكتفي المطلق باستفتاء مفت واحد في مسألة تطليقه لزوجته، بل يعاود البحث والاستفتاء لعل مسألته تجد حلها الشرعي، ويعود لزوجته بالطريق المشروع، وقد عقد ابن القيم فصولا مهمة للمخارج من الوقوع في التحليل، قال في مقدمتها:(أي قول من أقوال المسلمين خرج به من لعنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أعذر عند الله ورسوله وملائكته وعباده المؤمنين من ارتكابه لما يلعن عليه، ومباءته باللعنة) ([113])

ثم ذكر مصدره الذي اعتمده لاستنباط هذه المخارج، فقال: (فإن هذه المخارج التي نذكرها دائرة بين ما دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما أو أفتى به الصحابة، بحيث لا يعرف عنهم فيه خلاف، أو أفتى به بعضهم، أو هو خارج عن أقوالهم، أو هو قول جمهور الأمة أو بعضهم أو إمام من الأئمة الأربعة، أو أتباعهم أو غيرهم من علماء الإسلام، ولا تخرج هذه القاعدة التي نذكرها عن ذلك، فلا يكاد يوصل إلى التحليل بعد مجاوزة جميعها إلا في أندر النادر، ولا ريب أن من نصح لله ورسوله وكتابه ودينه، ونصح نفسه ونصح عباده أن أيا منها ارتكب فهو أولى من التحليل) ([114])

وسنلخص ما ذكره ابن القيم من هذه المخارج، منبهين إلى أن الكثير من تفاصيلها قد مرت في محالها من أجزاء هذه المجموعة.

النوع الأول: المخارج المتعلقة بالمطلق

من المخارج المتعلقة بالمطلق، والتي مر أكثر تفاصيلها في محلها الخاص من الفصل المتعلق بمن يقع عليه الطلاق:

الطلاق حال زوال العقل:

وذلك بأي شيء يزيل العقل من جنون أو إغماء أو شرب دواء أو شرب مسكر يعذر به أو لا يعذر أو وسوسة، فكل من كان كذلك لا يقع طلاقه، قال ابن القيم:(وهذا المخلص مجمع عليه بين الأمة إلا في شرب مسكر لا يعذر به، فإن المتأخرين من الفقهاء اختلفوا فيه، والثابت عن الصحابة الذي لا يعلم فيه خلاف بينهم أنه لا يقع طلاقه) ([115])، وقد ذكرنا أدلة ذلك في الفصل الخاص بمن يقع منه الطلاق.

الطلاق حال الغضب:

وهو أن يطلق في حال غضب شديد يحول بينه وبين كمال قصده وتصوره ؛ فهذا لا يقع طلاقه، ولا عتقه، ولا وقفه، ولو بدرت منه كلمة الكفر في هذا الحال لم يكفر، وهو نوع الإغلاق الذي منع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوع الطلاق والعتاق فيه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا طلاق، ولا عتاق في إغلاق) ([116]) يعني الغضب.

وقد ذكرنا سابقا أن الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يزيل العقل كالسكر، فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب، وقسم يكون في مبادئه بحيث لا يمنعه من تصور ما يقول وقصده، فهذا يقع معه الطلاق باتفاق، وقسم يشتد بصاحبه، ولا يبلغ به زوال عقله، بل يمنعه من التثبت والتروي ويخرجه عن حال اعتداله، وقد ذكرنا الأدلة على عدم وقوع الطلاق في هذه الحالة، وقد نص مالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه فيمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا، ثم قال: أردت أن أقول إن كلمت فلانا، أو خرجت من بيتي بغير إذني، ثم بدا لي فتركت اليمين، ولم أرد التنجيز في الحال، إنه لا تطلق عليه، قال ابن القيم تعليقا على قوله:(وهذا هو الفقه بعينه ؛ لأنه لم يرد التنجيز، ولم يتم اليمين)([117])

الطلاق حال الإكراه:

وهو أن يكون مكرها على الطلاق أو الحلف به، وهو قول جمهور الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، على اختلاف بينهم في حقيقة الإكراه وشروطه، فقد روي أن ثابتا بن الأحنف عصروا رجله حتى طلق، فأتى ابن عمر وابن الزبير فلم يريا ذلك شيئا.

وعن ابن عباس قال: ليس على المكروه، ولا المضطهد طلاق، وقد أن رجلا تدلى يشتار عسلا في زمن عمر، فجاءته امرأته فوقفت على الحبل، فحلفت لتقطعنه أو لتطلقني ثلاثا، فذكرها الله والإسلام، فأبت إلا ذلك، فطلقها ثلاثا. فلما ظهر أتى عمر فذكر له ما كان منها إليه ومنه إليها، فقال: ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق.

قال ابن القيم:(واختلف في ما لو أمكنه التورية فلم يور، والصحيح أنه لا يقع به الطلاق، وإن تركها ؛ فإن الله تعالى لم يوجب التورية على من أكره على كلمة الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، مع أن التورية هناك أولى، ولكن المكره إنما لم يعتبر لفظه ؛ لأنه غير قاصد لمعناه، ولا مريد لموجبه، وإنما تكلم به فداء لنفسه من ضرر الإكراه، فصار تكلمه باللفظ لغوا بمنزلة كلام المجنون والنائم ومن لا قصد له، سواء ورى أو لم يور، وأيضا فاشتراط التورية إبطال لرخصة التكلم مع الإكراه، ورجوع إلى القول بنفوذ طلاق المكره ؛ فإنه لو ورى بغير إكراه لم يقع طلاقه، والتأثير إذا إنما هو للتورية لا للإكراه، وهذا باطل، وأيضا فإن الموري إنما لم يقع طلاقه مع قصده للتكلم باللفظ ؛ لأنه لم يقصد مدلوله، وهذا المعنى بعينه ثابت في الإكراه، فالمعنى الذي منع من النفوذ في التورية هو الذي منع النفوذ في الإكراه)([118])

الطلاق حال عدم القصد:

كأن يكون المطلق ذاهلا، أو ناسيا، أو مخطئا، أو جاهلا، أو مكرها، أو متأولا، أو معتقدا أنه لا يحنث به تقليدا لمن أفتاه بذلك، أو مغلوبا على عقله، أو ظنا منه أن امرأته طلقت فيفعل المحلوف عليه بناء على أن المرأة أجنبية فلا يؤثر فعل المحلوف عليه في طلاقها شيئا، وقد سبق ذكر هذه الأنواع جميعا بأدلتها.

طلاق المقلد:

فإذا حلف بالطلاق ألا يكلم فلانا أو لا يدخل داره، فأفتاه مفت بعدم وقوع الطلاق في هذه اليمين، اعتقادا لقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وطاوس وشريح، أو اعتقادا لقول أبي حنيفة والقفال في صيغة الالتزام دون صيغة الشرط، أو اعتقادا لقول أشهب أنه إذا علق الطلاق بفعل الزوجة أنه لم يحنث بفعلها، أو اعتقادا لقول أبي عبد الرحمن الشافعي أجل أصحاب الشافعي إن الطلاق المعلق لا يصح كما لا يصح النكاح والبيع والوقف المعلق، وهو مذهب جماعة من أهل الظاهر.

ثم ساق الأمثلة الكثيرة على عدم مؤاخذة المقلد أو المتأول، ومنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلملم يؤاخذ خالدا في تأويله حين قتل بني جذيمة بعد إسلامهم، ولم يؤاخذ أسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله لأجل التأويل، ولم يؤاخذ من أكل نهارا في الصوم عمدا لأجل التأويل، ولم يؤاخذ أصحابه حين قتلوا من سلم عليهم، وأخذوا غنيمته لأجل التأويل، ولم يؤاخذ المستحاضة بتركها الصوم والصلاة لأجل التأويل.

قال ابن القيم بعد عرضه للأدلة الكثيرة على عدم المؤاخذة بالتأويل والتقليد:(فلا يحل لأحد أن يفرق بين رجل وامرأته لأمر يخالف مذهبه وقوله الذي قلد فيه بغير حجة ؛ فإذا كان الرجل قد تأول وقلد من أفتاه بعدم الحنث فلا يحل له أن يحكم عليه بأنه حانث في حكم الله ورسوله، ولم يتعمد الحنث، بل هذه فرية على الله ورسوله وعلى الحالف، وإذا وصل الهوى إلى هذا الحد فصاحبه تحت الدرك، وله مقام، وأي مقام بين يدي الله يوم لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلده) ([119])

النوع الثاني: المخارج المتعلقة بصيغة الطلاق

من المخارج المتعلقة بصيغة الطلاق، والتي سبق ذكر تفاصيلها في محلها الخاص من الجزء المتعلق بصيغة الطلاق:

الاستثناء في الطلاق:

وقد اختلف فيه الفقهاء ؛ فقال الشافعي وأبو حنيفة: يصح الاستثناء في الإيقاع والحلف، فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله، أو إن كلمت فلانا فأنت طالق إن شاء الله، أو الطلاق يلزمني لأفعلن كذا إن شاء الله، أو أنت علي حرام أو الحرام يلزمني إن شاء الله نفعه الاستثناء، ولم يقع به طلاق في ذلك كله.

وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في الموضع الذي يعتبر فيه الاستثناء، فقد اشترط بعضهم اتصاله بالكلام فقط، سواء نواه من أوله أو قبل الفراغ من كلامه أو بعده، وقال آخرون: إن عقد اليمين ثم عن له الاستثناء لم يصح، وما ذكروه تضييق لباب الاستثناء، والصحيح إعمال الاستثناء مطلقا، وهو الذي دلت عليه السنة الصحيحة، وقد ذكرنا أدلة ذلك في محلها.

التطليق لعلة لم تتحقق:

وذلك فيما لو قال الرجل لامرأته مثلا:(أنت طالق ثلاثا لأجل كلامك لزيد وخروجك من بيتي) فبان أنها لم تكلمه، ولم تخرج من بيته لم تطلق، لأن معنى ذلك إن كنت دخلت الدار فأنت طالق، والمقصود أنه إذا علل الطلاق بعلة ثم تبين انتفاؤها فالأرجح أنه لا يقع بها الطلاق، بل ذهب ابن تيمية إلى أنه لا يشترط ذكر التعليل بلفظه، ولا فرق عنده بين أن يطلقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة، فإذا تبين انتفاؤها لم يقع الطلاق.

قال ابن القيم:(وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره، ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره، فإذا قيل له: امرأتك قد شربت مع فلان أو باتت عنده، فقال: اشهدوا علي أنها طالق ثلاثا، ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قائمة تصلي فإن هذا الطلاق لا يقع به قطعا، وليس بين هذا وبين قوله:(إن كان الأمر كذلك فهي طالق ثلاثا) فرق ألبتة، لا عند الحالف ولا في العرف ولا في الشرع، فإيقاع الطلاق بهذا وهم محض ؛ إذ يقطع بأنه لم يرد طلاق من ليست كذلك، وإنما أراد طلاق من فعلت ذلك) ([120])

وقد ذكر أن الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي منهم الغزالي والقفال وغيرهما أفتوا في الرجل يمر على المكاس برقيق له فيطالبه بمكسهم فيقول:(هم أحرار) ليتخلص من ظلمه، ولا غرض له في عتقهم، أنهم لا يعتقون.

فعل المعلق عليه في الطلاق نسيانا وعجزا:

وهو من مخارج الطلاق قياسا على اليمين، فقد نص الفقهاء على أن من حلف على شيء ليفعلنه فحيل بينه وبين فعله، فإن أجل أجلا فامتنع الفعل لعدم المحل وذهابه فلا حنث عليه، ومثله ما لو امتنع الفعل لسبب منع الشرع كمن حلف ليطأن زوجته فوجدها حائضا فقيل: لا شيء عليه، قال ابن القيم:(وهذا هو الصواب، لأنه إنما حلف على وطء يملكه، ولم يقصد الوطء الذي لم يملكه الشارع إياه، فإن قصده حنث) ([121])

ونفس الحكم نصوا عليه في المكره والناسي والمخطئ، والتفريق تناقض ظاهر، قال ابن القيم:(ولا ريب أن قواعد الشريعة وأصولها تشهد بهذا القول ؛ فإن الأمر والنهي من الشارع نظير الحض والمنع في اليمين، وكما أن أمره ونهيه منوط بالقدرة فلا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة فكذلك الحض والمنع في اليمين إنما هو مقيد بالقدرة، يوضحه أن الحالف يعلم أن سر نفسه أنه لم يلتزم فعل المحلوف عليه مع العجز عنه، وإنما التزمه مع قدرته عليه، ولهذا لم يحنث المغلوب على الفعل بنسيان أو إكراه، ولا من لا قصد له إليه كالمغمى عليه وزائل العقل)([122])

التزام الطلاق:

استنادا لمن يقول بأن التزام الطلاق لا يلزم، ولا يقع به طلاق ولا حنث، وهذا إذا أخرجه بصيغة الالتزام، كقوله: (الطلاق يلزمني، أو لازم لي، أو ثابت علي، أو حق علي، أو واجب علي، أو متعين علي إن فعلت، أو إن لم أفعله)، وهو مذهب أبي حنيفة، وبه أفتى جماعة من مشايخ مذهبه، وبه أفتى القفال في قوله: (الطلاق يلزمني)

قال ابن القيم:(وسر المسألة أن ذلك التزام لأن يطلق أو التزام لطلاق واقع؛ فإن كان التزاما لأن يطلق لم تطلق، وإن كان التزاما لطلاق واقع فكأنه قال:(إن فعلت كذا فأنت طالق طلاقا يلزمني) طلقت إذا وجد الشرط، ولمن رجح هذا أن يحيل فيه على العرف ؛ فإن الحالف لا يقصد إلا هذا، ولا يقصد التزام التطليق، وعلى هذا فيظهر أن يقال: إن نوى بذلك التزام التطليق لم تطلق، وإن نوى وقوع الطلاق طلقت) ([123])

تعليق الطلاق بقصد الحض أو المنع:

وهو مأخوذ من قول أشهب من أصحاب مالك، بأنه قال: إذا قال الرجل لامرأته:(إن كلمت زيدا، أو خرجت من بيتي بغير إذني ونحو ذلك مما يكون من فعلها فأنت طالق)، فإن كلمت زيدا أو خرجت من بيته تقصد أن يقع عليها الطلاق لم تطلق. قال ابن القيم تعليقا على قوله: (ولا ريب أن هذا الذي قال أشهب([124]) أفقه من القول بوقوع الطلاق ؛ فإن الزوج إنما قصد حضها ومنعها، ولم يقصد تفويض الطلاق إليها، ولا خطر ذلك بقلبه، ولا قصد وقوع الطلاق عند المخالفة، ومكان أشهب من العلم والإمامة غير مجهول) ([125])

ويستدل لهذا بما يدل على مقابلة العبد بنقيض قصده كحرمان القاتل ميراثه من المقتول، وحرمان الموصى له وصية من قتله بعد الوصية، وتوريث امرأة من طلقها في مرض موته فرارا من ميراثها، وكما يقوله مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما، وقبلهما عمر فيمن تزوج في العدة، وهو يعلم يفرق بينهما، ولا تحل له أبدا، ونظائر ذلك كثيرة ؛ فمعاقبة المرأة هاهنا بنقيض قصدها من هذا الباب.

عدم لزوم الحلف بالطلاق:

ومصدره قول من يقول إن الحلف بالطلاق لا يلزم، ولا يقع على الحانث به طلاق، ولا يلزمه كفارة ولا غيرها، قال ابن القيم:(وهذا مذهب خلق من السلف والخلف، صح ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.. وصح ذلك عن طاوس أجل أصحاب ابن عباس، وأفقههم على الإطلاق.. وقد وافقه أكثر من أربعمائة عالم ممن بنى فقهه على نصوص الكتاب والسنة دون القياس، ومن آخرهم أبو محمد بن حزم) ([126])

ويقصد ابن القيم بهذا ما ذكرناه في محله من قول ابن حزم:(واليمين بالطلاق لا يلزم – سواء بر أو حنث – لا يقع به طلاق، ولا طلاق إلا كما أمر الله عز وجل، ولا يمين إلا كما أمر الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم)([127])

وساق اختلاف الناس في ذلك، ثم قال: (فهؤلاء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وشريح وطاوس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يعرف في ذلك لعلي كرم الله وجهه مخالف من الصحابة) ([128])

فقد روي عن الحسن أن رجلا تزوج امرأة وأراد سفرا فأخذه أهل امرأته، فجعلها طالقا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل ولم يبعث إليها بشيء فلما قدم خاصموه إلى علي فقال علي: اضطهدتموه حتى جعلها طالقا، فردها عليه، وروي عن شريح: أنه خوصم إليه في رجل طلق امرأته إن أحدث في الإسلام حدثا فاكترى بغلا إلى حمام أعين فتعدى به إلى أصبهان فباعه واشترى به خمرا؟ فقال شريح: إن شئتم شهدتم عليه أنه طلقها؟ فجعلوا يرددون عليه القصة ويردد عليهم – فلم يره حدثا؟ وعن طاووس أنه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئا، قلت: كان يراه يمينا؟ قال: لا أدري.

قال ابن حزم:(لا متعلق لهم بما روي من قول علي اضطهدتموه، لأنه لم يكن هنالك إكراه، إنما طالبوه بحق نفقتها فقط، فإنما أنكر على اليمين بالطلاق فقط، ولم يرد الطلاق يقع بذلك) ([129])

وممن روى عنه عدم وقوع الطلاق على الحالف إذا حنث عكرمة مولى ابن عباس، كما ذكره سنيد بن داود في تفسيره في أول سورة النور عنه بإسناده أنه سئل عن رجل حلف بالطلاق أنه لا يكلم أخاه، فكلمه، فلم ير ذلك طلاقا، ثم قرأ: { وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}(البقرة:168)

قال ابن القيم:(ومن تأمل المنقول عن السلف في ذلك وجده أربعة أنواع: صريح في عدم الوقوع، وصريح في الوقوع، وظاهر في عدم الوقوع، وتوقف عن الطرفين، فالمنقول عن طاوس وعكرمة صريح في عدم الوقوع، وعن علي عليه السلام، وشريح ظاهر في ذلك، وعن ابن عيينة صريح في التوقف، وأما التصريح بالوقوع فلا يؤثر عن صحابي واحد إلا فيما هو محتمل لإرادة الوقوع عند الشرط، كالمنقول عن أبي ذر، بل الثابت عن الصحابة عدم الوقوع في صورة العتق الذي هو أولى بالنفوذ من الطلاق، ولهذا ذهب إليه أبو ثور وقال: القياس أن الطلاق مثله، إلا أن تجمع الأمة عليه، فتوقف في الطلاق لتوهم الإجماع) ([130])

وقد ذكر ابن القيم أن العلة في قول الفقهاء به هو اعتقادهم الإجماع في المسألة، فقال:(وهذا عذر أكثر الموقعين للطلاق، وهو ظنهم أن الإجماع على الوقوع، مع اعترافهم أنه ليس في الكتاب والسنة والقياس الصحيح ما يقتضي الوقوع، وإذا تبين أنه ليس في المسألة إجماع تبين أن لا دليل أصلا يدل على الوقوع، والأدلة الدالة على عدم الوقوع في غاية القوة والكثرة، وكثير منها لا سبيل إلى دفعه، فكيف يجوز معارضتها بدعوى إجماع قد علم بطلانه قطعا؟ فليس بأيدي الموقعين آية من كتاب أو سنة ولا أثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أصحابه ولا قياس صحيح، والقائلون بعدم الوقوع لو لم يكن معهم إلا الاستصحاب الذي لا يجوز الانتقال عنه إلا لما هو أقوى منه لكان كافيا، فكيف ومعهم الأقيسة التي أكثرها من باب قياس الأولى؟ والباقي من القياس المساوي، وهو قياس النظير على نظيره، والآثار والعمومات والمعاني الصحيحة والحكم والمناسبات التي شهد لها الشرع بالاعتبار ما لم يدفعهم منازعوهم عنهم بحجة أصلا) ([131])

تعليق الطلاق على شرط:

ومرجعه القول بأن الطلاق المعلق بالشرط لا يقع، فلا يصح تعليق الطلاق، كما لا يصح تعليق النكاح، وهو اختيار أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز الشافعي([132])، وهو مذهب ابن حزم، فقد قال في المحلى:(والطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق باليمين، كل ذلك لا يلزم) ([133])

قال ابن القيم:(وهذا القول، وإن لم يكن قويا في النظر فإن الموقعين للطلاق لا يمكنهم إبطاله ألبتة لتناقضهم) ([134])

ثم بين وجوه تناقضهم فالقائلون بإيقاع الطلاق المعلق مذهبهم هونفس مذهب الظاهرية في تعليق الإبراء أو الهبة والوقف والبيع والنكاح سواء، ولا يصح التفريق بين ما صح تعليقه من عقود التبرعات والمعاوضات والإسقاطات بالشروط وما لا يصح تعليقه، فإن احتجوا بأن هذه من عقود المعاوضات لا تقبل التعليق بخلاف غيرها انتقض عليهم طردا بالجعالة وعكسا بالهبة والوقف، وإن فرقوا بين ما يحتمل الغرر وما لا يحتمله، فما يحتمل الغرر والأخطار يصح تعليقه بالشرط كالطلاق والعتق والوصية، وما لا يحتمله لا يصح تعليقه كالبيع والنكاح والإجارة، انتقض عليهم بالوكالة فإنها لا تقبل التعليق عندهم وتحتمل الخطر.

قال ابن القيم بعد انتصاره لابن حزم على الجمهور:(وبالجملة فليس بطلان هذا القول أظهر في الشريعة من بطلان التحليل، بل العلم بفساد نكاح التحليل أظهر من العلم بفساد هذا القول، فإذا جاز التقرير على التحليل وترك إنكاره مع ما فيه من النصوص والآثار التي اتفق عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنع منه ولعن فاعله وذمه فالتقرير على هذا القول أجود، وأجوز، هذا ما لا يستريب فيه عالم منصف، وإن كان الصواب في خلاف القولين جميعا، ولكن أحدهما أقل خطأ، وأقرب إلى الصواب، والله أعلم) ([135])

زوال سبب اليمين:

وقد ذكر ابن القيم هذا المخرج، واستنبطه من القواعد الشرعية الكثيرة التي تدل عليه، ومنها أن الشارع إذا علق حكما بسبب أو علة زال ذلك الحكم بزوالهما كالخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار، فإذا زال عنها وصارت خلا زال الحكم، وكذلك وصف الفسق علق عليه المنع من قبول الشهادة والرواية، فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علق عليه، وكذلك السفه والصغر والجنون والإغماء تزول الأحكام المعلقة عليها بزوالها.

ومثل هؤلاء، ويقاس عليهم الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله ؛ لأن يمينه تعلقت به لذلك الوصف، فإذا زال الوصف زال تعلق اليمين فإذا دعي إلى شراب مسكر ليشربه فحلف أن لا يشربه، فانقلب خلا فشربه لم يحنث، فإن منع نفسه منه نظير منع الشارع، فإذا زال منع الشارع بانقلابه خلا وجب أن يزول منع نفسه بذلك، والتفريق بين الأمرين تحكم محض لا وجه له.

ويتساءل ابن القيم بعد إيراده لهذه الأمثلة وغيرها، أنه إذا كان التحريم والتنجيس ووجوب الإراقة ووجوب الحد وثبوت الفسق قد زال بزوال سببه فما الموجب لبقاء المنع في صورة اليمين وقد زال سببه؟ فلو حلف على رجل أن لا يقبل له قولا ولا شهادة لما يعلم من فسقه، ثم تاب وصار من خيار الناس ؛ فإنه يزول حكم المنع باليمين كما يزول حكم المنع من ذلك بالشرع، لأن المنع بيمينه كالمنع بمنع الشارع، ومنع الشارع يزول بزوال الأسباب التي ترتب عليها المنع ؛ فكذلك منع الحالف، وكذلك لو حلف المريض لا يأكل لحما أو طعاما وسبب يمينه كونه يزيد في مرضه فصح وصار الطعام نافعا له لم يحنث بأكله.

وهذا محل اتفاق من العلماء، قال النووي:(اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون على نية المستحلف) ([136])

وقد نص الحنفية في تقييد الأيمان المطلقة بالدلالة، على أنه إذا أرادت المرأة الخروج من الدار فقال الزوج:(إن خرجت من الدار فأنت طالق) فجلست ساعة ثم خرجت لا تطلق.

قال ابن القيم:(والمقصود أن النية تؤثر في اليمين تخصيصا وتعميما، وإطلاقا وتقييدا، والسبب يقوم مقامها عند عدمها، ويدل عليها، فيؤثر ما يؤثره، وهذا هو الذي يتعين الإفتاء به، ولا يحمل الناس على ما يقطع أنهم لم يريدوه بأيمانهم، فكيف إذا علم قطعا أنهم أرادوا خلافه؟ والله أعلم) ([137])

والتعليل يجري مجرى الشرط، فإذا قال:(أنت طالق لأجل خروجك من الدار) فبان أنها لم تخرج لم تطلق قطعا.

خلع اليمين:

وهو التخلص من الحنث بالخلع، ثم يفعل المحلوف عليه في حال البينونة، ثم يعود الى النكاح، وهو مخرج من المخارج التي ذكرها ابن القيم، وقد نص عليه الشافعية، قال ابن القيم:(وهذا وإن كان غير جائز على قول أهل المدينة وقول الإمام أحمد، وأصحابه كلهم فإذا دعت الحاجة إليه أو إلى التحليل كان أولى من التحليل من وجوه عديدة) ([138])، ومن هذه الوجوه([139]):

1 ـ أن الله تعالى شرع الخلع رفعا لمفسدة المشاقة الواقعة بين الزوجين، وتخلص كل منهما من صاحبه ؛ فإذا شرع الخلع رفعا لهذه المفسدة التي هي بالنسبة إلى مفسدة التحليل كتفلة في بحر فتسويغه لدفع مفسدة التحليل أولى.

2 ـ أن الحيل المحرمة إنما منع منها لما تتضمنه من الفساد الذي اشتملت عليه تلك المحرمات التي يتحيل عليها بهذه الحيل، وأما حيلة ترفع مفسدة هي من أعظم المفاسد فإن الشارع لا يحرمها.

3 ـ أن هذه الحيلة تتضمن مصلحة بقاء النكاح المطلوب للشارع بقاؤه، ودفع مفسدة التحليل التي بالغ الشارع كل المبالغة في دفعه والمنع منه ولعن أصحابه، فحيلة تحصل المصلحة المطلوب إيجادها وتدفع المفسدة المطلوب إعدامها لا يكون ممنوعا منها.

4 ـ أن ما حرمه الشارع فإنما حرمه لما يتضمنه من المفسدة الخالصة أو الراجحة، فإذا كانت مصلحة خاصة أو راجحة لم يحرمه ألبتة، وهذا الخلع مصلحته أرجح من مفسدته.

5 ـ أن غاية ما في هذا الخلع اتفاق الزوجين ورضاهما بفسخ النكاح بغير شقاق واقع بينهما، وإذا وقع الخلع من غير شقاق صح، وكان غايته الكراهية ؛ لما فيه من مفسدة المفارقة، وهذا الخلع أريد له لم شعث النكاح بحصول عقد بعده يتمكن الزوجان فيه من المعاشرة بالمعروف، وبدونه لا يتمكنان من ذلك، بل إما خراب البيت وفراق الأهل، وإما التعرض للعنة من لا يقوم للعنته شيء، فإذا دار الأمر بين مفسدة التزام المحلوف عليه أو مفسدة الطلاق وخراب البيت وشتات الشمل أو مفسدة التزام لعنة الله بارتكاب التحليل وبين ارتكاب الخلع المخلص من ذلك جميعه لم يخف على العاقل أي ذلك أولى.

6 ـ أنهما لو اتفقا على أن يطلقها من غير شقاق بينهما، بل ليأخذ غيرها، لم يمنع من ذلك، فإذا اتفقا على الخلع ليكون سببا إلى دوام اتصالهما كان أولى، وأحرى.

7 ـ أن الخلع إن قيل: إنه طلاق، فقد اتفقا على الطلاق بعوض لمصلحة لهما في ذلك، فما الذي يحرمه؟ وإن قيل: إنه فسخ، فلا ريب أن النكاح من العقود اللازمة، والعقد اللازم إذا اتفق المتعاقدان على فسخه ورفعه لم يمنعا من ذلك، إلا أن يكون العقد حقا لله، والنكاح محض حقهما، فلا يمنعان من الاتفاق على فسخه.

8 ـ أن الآية اقتضت جواز الخلع إذا خاف الزوجان ألا يقيما حدود الله، فكان الخلع طريقا إلى تمكنهما من إقامة حدود الله، وهي حقوقه الواجبة عليهما في النكاح، فإذا كان الخلع مع استقامة الحال طريقا إلى تمكنهما من إقامة حدوده التي تعطل ولا بد بدون الخلع تعين الخلع حينئذ طريقا إلى إقامتها.

9 ـ أن غاية ما منع المانعون من صحة هذا الخلع أنه حيلة، والحيل باطلة ؛ وهذا ليس صحيحا، لأن الحيلة المحرمة الباطلة هي التي تتضمن تحليل ما حرمه الله أو تحريم ما أحله الله أو إسقاط ما أوجبه؟ وأما حيلة تتضمن الخلاص من الآصار والأغلال والتخلص من لعنة الكبير المتعال فأهلا بها من حيلة وبأمثالها { وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ }(البقرة:220) والمقصود تنفيذ أمر الله ورسوله بحسب الإمكان.

10 ـ أنه ليس القول ببطلان خلع اليمين أولى من القول بلزوم الطلاق للحالف به غير القاصد له.

والغريب أن ابن القيم مع نصرته هنا لهذه الحيلة، كان قد أنكر عليها في نفس الكتاب، فعقد فصلا لذلك قال فيه:(فصل إبطال الحيلة بالخلع لفعل المحلوف عليه)، ثم قال: (وهذه الحيلة باطلة شرعا وباطله على اصول ائمة الامصار)، وسنذكر هنا وجوه بطلانها كما ذكرنا وجوه اعتبارها:

1 ـ أن هذا خلع لم يشرعه الله ولا رسوله وهو تعالى لم يمكن الزوج من فسخ النكاح متى شاء فإنه لازم وإنما مكنه من الطلاق، ولم يجعل له فسخه الا عند التشاجر والتباغض إذا خافا ان لا يقيما حدود الله، فشرع لهما التخلص بالافتداء، وبذلك جاءت السنة، ولم يقع في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا زمن أصحابه خلع حيلة ولا في زمن التابعين ولا تابعيهم، ولا نص عليه احد من الائمة الاربعة وجعله طريقا للتخلص من الحنث، وهذا من كمال فقههم فإن الخلع انما جعله الشارع مقتضيا للبينونة ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من زوجها، وانما يكون ذلك مقصودها اذا قصدت ان تفارقه على وجه لا يكون له عليها سبيل، فاذا حصل هذا ثم فعل المحلوف عليه وقع وليست زوجته،

2 ـ أنه لا يحنث، لأن هذا إنما حصل تبعا للبينونة التابعة لقصدهما، فإذا خالعها ليفعل المحلوف عليه لم يكن قصدهما البينونة، بل حل اليمين وحل اليمين إنما يحصل تبعا للبينونة لا أنه المقصود بالخلع الذي شرعه الله ورسوله وأما خلع الحيلة فجاءت البينونة في لأجل حل اليمين وحل اليمين جاء لأجل البينونة فليس عقد الخلع بمقصود في نفسه للرجل ولا للمرأة.

وقد لا حظ البعض هذا، واعتبره تناقضا([140])، ولا نراه كذلك، لأن ابن القيم عند ذكره للمخارج لم يذكر آراءه واختياراته، بل ذكر أن كل قول شرعي قال به عالم من العلماء المعتبرين يصح استعماله، كبديل عن زواج المحلل، وقوله صحيح لأن المفاسد المنجرة عن زواج المحلل أخطر بكثير من كل المفاسد الناتجة عن الوسائل الأخرى حتى الحيلة السريجية نفسها التي ذكرناها في المبحث السابق.

وقد سبق أن ذكرنا قوله:(فلا يحل لأحد أن يفرق بين رجل وامرأته لأمر يخالف مذهبه وقوله الذي قلد فيه بغير حجة ؛ فإذا كان الرجل قد تأول وقلد من أفتاه بعدم الحنث فلا يحل له أن يحكم عليه بأنه حانث في حكم الله ورسوله، ولم يتعمد الحنث، بل هذه فرية على الله ورسوله وعلى الحالف، وإذا وصل الهوى إلى هذا الحد فصاحبه تحت الدرك، وله مقام، وأي مقام بين يدي الله يوم لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلده) ([141])

ومع ذلك فيبقى موقفه في الحالة العادية هو الأصل، أما هذه المخارج، فهي حلول وعلاجات لأوضاع معينة.

أن يمين الطلاق من الأيمان المكفرة:

ومرجعه قول من يقول:(الحلف بالطلاق من الأيمان الشرعية التي تدخلها الكفارة، وهو أحد الأقوال في المسألة، كما حكاه ابن حزم في مراتب الإجماع، فقال:(واختلفوا فيمن حلف بشيء غير أسماء الله أو بنحر ولده أو هديه أو أجنبي أو بالمصحف أو بالقرآن أو بنذر أخرجه مخرج اليمين أو بأنه مخالف لدين المسلمين أو بطلاق أو بظهار أو تحريم شيء من ماله.. فاختلفوا في جميع هذه الأمور، أفيها كفارة أم لا؟)([142])

ثم قال: (واختلفوا في اليمين بالطلاق، أهو طلاق فيلزم، أم هو يمين فلا يلزم؟) فحكى في كونه طلاقا فيلزم أو يمينا لا يلزم قولين، وحكى قبل ذلك هل فيه كفارة أم لا؟ على قولين، واختار هو ألا يلزم، ولا كفارة فيه([143]).

قال ابن القيم:(والصحابة والتابعون ومن بعدهم أفتوا بذلك، ومن له اطلاع وخبرة وعناية بأقوال العلماء يعلم أنه لم يزل في الإسلام من عصر الصحابة من يفتي في هذه المسألة بعدم اللزوم، وإلى الآن. فأما الصحابة فقد ذكرنا فتاواهم في الحالف بالعتق بعدم اللزوم، وأن الطلاق أولى منه، وذكرنا فتوى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بعدم لزوم اليمين بالطلاق، وأنه لا مخالف له من الصحابة. وأما التابعون فذكرنا فتوى طاوس بأصح إسناد عنه، وهو من أجل التابعين، وأفتى عكرمة، وهو من أغزر أصحاب ابن عباس علما على ما أفتى به طاوس سواء قال في قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ }(النور:21) قال: النذور في المعاصي، وعن عكرمة في رجل قال لغلامه:(إن لم أجلدك مائة سوط فامرأته طالق) قال: لا يجلد غلامه ولا تطلق امرأته، هذا من خطوات الشيطان. وأما من بعد التابعين فقد حكى المعتنون بمذاهب العلماء كأبي محمد بن حزم وغيره ثلاثة أقوال في ذلك للعلماء،، وأهل الظاهر لم يزالوا متوافرين على عدم لزوم الطلاق للحالف به، ولم يزل منهم الأئمة والفقهاء والمصنفون والمقلدون لهم، وعندنا بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها عن جماعة من أهل العلم الذين هم أهله في عصرنا وقبله أنهم كانوا يفتون بها أحيانا) ([144])

وقد ذكر أن هذا هو اختيار ابن تيمية، قال مبينا وجاهتها:(ولا يختلف عالمان متحليان بالإنصاف أن اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب بل وشيخهما أبي يعلى، فإذا كانت اختيارات هؤلاء، وأمثالهم وجوها يفتى بها في الإسلام ويحكم بها الحاكم فلاختيارات شيخ الإسلام أسوة بها إن لم ترجح عليها) ([145])

الإشهاد على الطلاق:

وهو من المخارج التي لم يذكرها ابن القيم، وقد ذكرناها سابقا.


([1]) حاشية الدسوقي: 2/415.

([2]) نهاية الزين: 326.

([3]) دليل الطالب: 265.

([4]) انظر: القرطبي: 3/120.

([5]) انظر: الطبري: 2/457، الحاكم: 2/307، الترمذي: 3/497، البيهقي: 7/324، الدارقطني: 4/7.

([6]) قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، الحاكم: 2/215، ابن حبان: 10/100، الدارمي: 2/214، البيهقي: 7/321، أبو داود: 2/285، النسائي: 3/403، ابن ماجة: 1/650، الموطأ: 2/580.

([7]) المحلى: 10/192.

([8]) التمهيد: 15/67.

([9]) بداية المجتهد:2/49.

([10]) نقلا عن: حاشية ابن القيم: 6/ 177.

([11]) القرطبي: 3/123.

([12]) نيل الأوطار: 6/299.

([13]) انظر: مطالب أولي النهى: 5/477.

([14]) أحكام القرآن لابن العربي: 1/256.

([15]) المغني: 7/404.

([16]) المحلى: 10/13، بدائع الصنائع:3/127، المبسوط:6/95.

([17]) المحلى: 10/13.

([18]) المحلى: 10/14.

([19]) المحلى: 10/14.

([20]) بدائع الصنائع:3/127.

([21]) وقد ذكر بعض الشافعية القائلين بالتحليل وسيلة لرجعة المرأة لزوجها من غير أن تعتد من باب التلفيق بين المذاهب، جمعا بين مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية، وهي أن الصبي المميز الذي لم يبلغ سنه عشر سنين إذا كان ينتصب ذكره ويفهم معنى الوقاع فإنه إذا تزوج امرأة مطلقة ثلاثاً وأولج فيها ذكره ثم طلقها فإن طلاقه يصح بدون الولي، وتحل مطلقته لزوجها الأول بدون أن تعتد من الصبي، لأن سنه لم يبلغ عشر سنين، والعدة شرعت لرفع احتمال شغل الرحم، فمن كان أقل من عشر أو كانت موطوءته أقل من تسع فإنه لا يتصور منهما حمل وولادة، فلا عدة عليها إذا وطئها غلام أقل من عشر سنين، انظر: حاشية البجيرمي: 4/41.

([22]) المغني: 7/397.

([23]) المبسوط: 6/25، المغني: 7/397.

([24]) ابن حبان: 10/97، الحاكمك 2/218، الترمذي: 3/480، الدارمي: 2/216، البيهقي: 7/329، الدارقطني: 4/33، أبو داود: 2/259، ابن ماجة: 1/661، أحمد: 1/265، مسند أبي يعلى: 4/379.

([25]) المغني: 7/404.

([26]) الأم: 8/301.

([27]) المحلى: 10/16.

([28]) قيد الحنفية القبلة والنظر إلى الفرج واللمس بالشهوة. أما إذا حصل لمس أو نظر إلى الفرج، أو تقبيل بغير شهوة، فلا تتحقق الرجعة، والسبب في ذلك أن الأشياء المذكورة، إذا كانت بغير شهوة فإنها تحصل من الزوج وغيره كالمساكنين لها، أو المتحدثين معها، أو الطبيب والقابلة (المولدة) أما وجود الشهوة مع هذه الأفعال فإنها لا تحصل إلا من الزوج فقط. فإذا صحت الرجعة مع هذه الأفعال بغير شهوة احتاج الزوج إلى طلاقها، فتطول عليها العدة وتقع المرأة في حرج شديد، انظر: حاشية ابن عابدين: 3/398.

([29]) انظر: الهداية شرح البداية: 2/6، حاشية ابن عابدين: 3/398، المبسوط: 6/ 21، بدائع الصنائع: 3/173.

([30]) انظر: الإنصاف للمرداوي: 9/154.

([31]) الفتاوى الكبرى: 5/503.

([32]) انظر: المبسوط: 6/19.

([33]) نص المالكية على أن الزوجة لو منعت زوجها من وطئها حتى يشهد على الرجعة كان فعلها هذا حسنا وتؤجر عليه، ولا تكون عاصية لزوجها، ولعل هذا ما دعا السرخسي إلى نسبةاشتراط الإشهاد إلى المالكية، فقال:« هو قول مالك رحمه الله تعالى وهذا عجيب من مذهبه فإنه لا يجعل الإشهاد على النكاح شرطا ويجعل الإشهاد على الرجعة شرطا» المبسوط: 6/19، وانظر: أحكام القرآن لابن العربي:4/243.

([34]) الجصاص: 3/682.

([35]) وليس القول بذلك شذوذا من ابن حزم، فقد نص الفقهاء في المطلقة ثلاثا على بعض ما ذكر ابن حزم، فقد قال أحمد: إن طلقها ثلاثا ثم جحد تفدي نفسها منه بما تقدر عليه فإن أجبرت على ذلك فلا تتزين له ولا تقربه وتهرب إن قدرت، وقال: تهرب ولا تتزوج حتى يظهر طلاقها ويعلم ذلك فإن لم يقر بطلاقها ومات لا ترث ; لأنها تأخذ ما ليس لها وتفر منه ولا تخرج من البلد ولكن تختفي في بلدها قيل له قال بعض الناس تقتله بمنزلة من يدفع عن نفسه فلم يعجبه ذلك فإن قال استحللت وتزوجتها قال تقبل منه قال القاضي: لا تقتله معناه لا تقصد قتله وإن قصدت دفعه فأدى ذلك إلى قتله فلا ضمان، قال ابن تيمية: كلام أحمد يدل على أنه لا يجوز دفعه بالقتل وهو الذي لم يعجبه، لأن هذا ليس متعديا في الظاهر والدفع بالقتل إنما يجوز لمن ظهر اعتداؤه، انظر: الفتاوى الكبرى: 5/503.

([36]) المحلى: 9/486.

([37]) المحلى: 9/486.

([38]) المغني: 7/404.

([39]) الموطأ: 2/575، قال الزرقاني: وهذا مذهبه في الموطأ، ومذهبه في المدونة أنها إنما تفوت بدخول الثاني فيهما لا بعقده وهو المشهور في المذهب، ورأى اللخمي أنها لا تفوت بدخول وفرق بينها وبين امرأة المفقود بأنه لم يكن في هذه أمر ولا قضية من حاكم بخلاف امرأة المفقود، انظر: شرح الزرقاني: 3/258.

([40]) المحلى: 10/21.

([41]) انظر: مصنف ابن أبي شيبة: 4/200، الدارمي:1/ 233.

([42]) سنذكر المسألة بتفاصيلها وأدلتها في مبحث خاص من هذا الفصل، وإنما ذكرناها هنا باعتبارها شرطا من الشروط.

([43]) الترمذي: 5/180، البزار: 6/9، ابن أبي شيبة: 6/146، المعجم الكبير: 8/31.

([44]) المحلى:9/416.

([45]) المغني: 7/398.

([46]) فتح الباري: 9/466.

([47]) فتح الباري: 9/466.

([48]) الجصاص: 1/532..

([49]) ابن حبان: 10/97، الحاكمك 2/218، الترمذي: 3/480، الدارمي: 2/216، البيهقي: 7/329، الدارقطني: 4/33، أبو داود: 2/259، ابن ماجة: 1/661، أحمد: 1/265، مسند أبي يعلى: 4/379.

([50]) المغني: 4/56.

([51]) إعلام الموقعين:3/188.

([52]) الفتاوى الكبرى: 6/108.

([53]) الفتاوى الكبرى: 3/194.

([54]) الفتاوى الكبرى: 3/194.

([55]) المبسوط: 30/209.

([56]) حاشية ابن عابدين:3/410.

([57]) انظر: المبسوط: 30/209.

([58]) البيهقي: 8/230، الدارقطني: 3/100، أبو داود: 4/161، النسائي: 4/312.

([59]) مسلم: 3/1215، البخاري: 2/767، ابن حبان: 11/395، البيهقي: 5/291، النسائي: 4/24.

([60]) المبسوط: 14/4.

([61]) البخاري: 3/1102، مسلم: 3/1361، الترمذي: 4/193، الدارمي: 2/289، البيهقي: 7/40، أبو داود: 3/43، النسائي: 5/160، ابن ماجة: 2/945.

([62]) البخاري: 6/2682، مسلم: 1/53، ابن حبان: 1/401، الحاكم: 2/568، الترمذي: 5/439، البيهقي: 8/196، الدارقطني: 1/232.

([63]) المغني: 4/56.

([64]) الفتاوى الكبرى: 6/17.

([65]) انظر: الفتاوى الكبرى: 6/20، المغني: 4/56، وانظر كتاب: إبطال الحيل لابن بطة العكبري.

([66])  والبخارى (6/2551، رقم 6553)، ومسلم (3/1515، رقم 1907)

([67]) الحاكم: 2/125، البيهقي: 10/20، الدارقطني: 4/305، أبو داود: 3/30، ابن ماجة: 2/960.

([68]) مسند الربيع: 246، مصنف ابن أبي شيبة: 5/68، البزار: 7/138، أحمد: 5/318.

([69]) البيهقي: 7/208.

([70]) إعلام الموقعين:3/197.

([71]) الفتاوى الكبرى:4/142.

([72]) وذهب آخرون كما يذكر السبكي إلى عدم صحة العمل بها، قال السبكي:« ذا قال لزوجته: إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم قال لها أنت طالق وقع عليها الطلقة المنجزة وطلقتان قبلها من المعلق، وهذا اختيار بعض الأصحاب وهو المشهور عن الحنفية والحنابلة ; لأن التعليق صادر من أهله في محله فوجب إعماله إلا في القدر المستحيل وهو وقوع ثلاث قبل طلقة أخرى فيبطل منه ما اقتضى المحال لعدم إمكان تصحيحه شرعا ويصح فيما عداه عملا بالمقتضى للصحة السالم عن المعارض»

وذكر وجها آخر في المسألة وهو أنه يقع في المنجز فقط، هو الذي رجحه الرافعي وجماعة وله مأخذان: إحداهما إبطال التعليق جملة; لأنه لا ضرورة إليه والأصل حمل الكلام على الصحة ما لم يعارضه معارض ولا معارض يقتضي الإبطال في الجميع. الثاني قطع الدور من وسطه فيصح المنجز ويبطل المعلق الذي هو في المرتبة الثانية.

وذكر وجها آخر وهو أنه يقع المنجز وطلقتان من المعلق معه أو بعده على الخلاف في أن المشروط مع الشرط أو بعده ويلغو قوله قبله، إلى غير ذلك من الوجوه، انظر: فتاوى السبكي:2/298.

([73]) فتاوى السبكي:2/298.

([74]) المنثور في القواعد الفقهية: 2/157.

([75]) نقلا عن: الأشباه والنظائر: 381.

([76]) الأشباه والنظائر: 381.

([77]) فتاوى الرملي: 3/270.

([78]) قال ابن القيم:« وهذا قد وافقه عليه من يبطل هذه المسألة، وليس فيه ما يدل على صحة هذه المسألة ولا هو نظيرها. وليس فيه سبق الطلاق لشرطه، ولا هو متضمن للمحال ; إذ حقيقته إذا بقي من حياتي شهر فأنت طالق. وهذا الكلام معقول غير متناقض ليس فيه تقديم الطلاق على زمن التطليق ولا على شرط وقوعه، وإنما نظير المسألة المتنازع فيها أن يقول: ” إذا مت فأنت طالق قبل موتي بشهر ” وهذا المحال بعينه، وهو نظير قوله: ” إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا ” أو يقول: ” أنت طالق عام الأول ” فمسألة الشافعي شيء ومسألة ابن سريج شيء».

([79]) إعلام الموقعين: 3/279.

([80]) انظر: الفتاوى الكبرى: 4/141، إعلام الموقعين: 3/251.

([81]) الإبطال بهذا الدليل هو اختيار أبي الوفاء ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد وأبي العباس بن القاص من أصحاب الشافعي.

([82]) الإبطال بهذا الدليل هو اختيار القاضي وأبي بكر وبعض الشافعية، ومذهب أبي حنيفة والذين منعوا وقوع الطلاق جملة.

([83]) حاشية الصاوي: 2/590، وانظر: التاج والإكليل:4/88، الشرح الكبير: 2/403.

([84]) إعلام الموقعين: 3/315.

([85]) إعلام الموقعين:3/193.

([86]) انظر: التاج والإكليل: 3/469.

([87]) ما ذكر هنا هو المشهور عند المالكية، وقد قيل في المذهب إن هم أحد الثلاثة بالتحليل يوجب الفساد، انظر: شرح حدود ابن عرفة: 167.

([88]) المبسوط:6/9، المغني:7/176، حاشية ابن القيم: 9/245، التمهيد: 13/234.

([89]) قال ابن حجر: رواه الترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري، انظر: تلخيص الحبير: 3/170، وانظر: الدرامي: 2/211، البيهقي: 7/207، أبو داود: 2/227، النسائي: 3/325.

([90]) التيس هو الذكر من الظباء والمعز والوعول، وقد يستعار لمن ألقى جلباب الحياء من وجهه فيتعرض للنساء لأن الشهوة في التيس كثيرة، انظر: شرح سنن ابن ماجة: 139.

([91]) الحاكم: 2/217، البيهقي: 7/208، الدارقطني: 3/251، ابن ماجة: 1/623، قال الزيلعي: قال عبد الحق في أحكامه إسناده حسن،وقال الترمذي في علله الكبري الليث بن سعد سمع من مشرح بن هاعان، وقال بن أبي حاتم في علله: سألت أبا زرعة عن حديث رواه الليث بن سعد عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر فذكره فقال: لم يسمع الليث من مشرح شيئا ولا روى عنه، نصب الراية: 3/239.

([92]) المصنف لابن أبي شيبة:3/386، و3/147، و8/387، المحلى:9/424.

([93]) الأم:5/86..

([94]) المبسوط:6/9، و30/228، بدائع الصنائع:3/187.

([95]) وفي رواية أخرى: من أقال أخاه المسلم صفقة كرهها أقاله الله عثرته يوم القيامة، وقد رواها أبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي،قال أبو الفتح القشيري هو على شرطهما وصححه بن حزم، انظر كلا الروايتين في:تلخيص الحبير: 3/24، نصب الراية: 4/30..

([96]) كشف الأسرار:1/88.

([97]) المبسوط:6/9.

([98]) الأم:5/86.

([99]) المحلى:12/195.

([100]) الأم:5/87.

([101]) الأم:5/87، المغني:7/138.

([102]) المغني: 7/138، الفتاوى الكبرى:3/95.

([103]) المنتقى:3/299.

([104]) المغني:7/138.

([105]) إغاثة اللهفان: 1/168.

([106]) إغاثة اللهفان: 1/168.

([107]) الفتاوى الكبرى:6/265.

([108]) إغاثة اللهفان: 1/169،إعلام الموقعين:3/39.

([109]) الفتاوى الكبرى:3/96.

([110]) إغاثة اللهفان:1/283.

([111]) نيل الأوطار:6/166.

([112]) إعلام الموقعين:4/36، وقد ذكر هذه الحيلة كثير من الفهاء منهم بدرالدين الزركشي في المنثور في القواعد الفقهية:2/104، وانظر:الإنصاف:8/163.

([113]) إعلام الموقعين: 4/47.

([114]) إعلام الموقعين: 4/47.

([115]) إعلام الموقعين: 4/47.

([116])  أخرجه أحمد (6/276، رقم 26403)، وأبو داود (2/258، رقم 2193)، وابن ماجه (1/660، رقم 2046)، والحاكم (2/216، رقم 2802) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقى (7/357، رقم 14874)

([117]) إعلام الموقعين: 4/51.

([118]) إعلام الموقعين: 4/53.

([119]) إعلام الموقعين: 4/90.

([120]) إعلام الموقعين: 4/91.

([121]) إعلام الموقعين: 4/93.

([122]) إعلام الموقعين: 4/94.

([123]) إعلام الموقعين: 4/96.

([124]) يعتبر ابن القيم أشهب أفقه فقهاء المالكية، ولا يخفي إعجابه به في كل المواضع التي يتحدث فيها عنه، وقد نقل عن ابن عبد البر في كتاب الانتقاء عن محمد بن عبد الله بن عبد الحي قال: أشهب أفقه منكم ومن ابن القاسم مائة مرة، وأنكر ابن كنانة ذلك، قال: ليس عندنا كما قال محمد، وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلمه، قال أبو عمر: أشهب شيخه ومعلمه، وابن القاسم شيخه، وهو أعلم بهما لكثرة مجالسته لهما، وأخذه عنهما، انظر: إعلام الموقعين:4/98.

([125]) إعلام الموقعين: 4/198.

([126]) إعلام الموقعين: 4/198.

([127]) المحلى: 9/476.

([128]) المحلى: 9/476.

([129]) المحلى: 9/476.

([130]) إعلام الموقعين: 4/101.

([131]) المحلى: 9/476.

([132]) وقد أثنى عليه ابن القيم كثيرا كثنائه على أشهب من أصحاب مالك، فقال في وصفه: « أحد أصحاب الشافعي الأجلة أو أجلهم، وكان الشافعي يجله ويكرمه ويكنيه ويعظمه، وأبو ثور، وكانا يكرمانه، وكان بصره ضعيفا، فكان الشافعي يقول: لا تدفعوا إلى أبي عبد الرحمن الكتاب يعارض به فإنه يخطئ، وذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات أصحاب الشافعي، ومحل الرجل من العلم والتضلع منه لا يدفع، وهو في العلم بمنزلة أبي ثور وتلك الطبقة، وكان رفيق أبي ثور، وهو أجل من جميع أصحاب الوجوه من المنتسبين إلى الشافعي، فإذا نزل بطبقته إلى طبقة أصحاب الوجوه كان قوله وجها، وهو أقل درجاته» إعلام الموقعين: 4/101.

([133]) المحلى: 9/487.

([134]) إعلام الموقعين: 4/102.

([135]) شرح النووي على مسلم: 11/117، وانظر: فتح الباري: 11/572.

([136]).

([137]) إعلام الموقعين: 4/109.

([138]) إعلام الموقعين: 4/110.

([139]) انظر: إعلام الموقعين: 4/110 وما بعدها.

([140]) انظر: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية لمحمد سعيد رمضان البوطي: 281.

([141]) إعلام الموقعين: 4/90.

([142]) مراتب الإجماع: 158.

([143]) مراتب الإجماع: 159.

([144]) إعلام الموقعين: 4/117.

([145]) إعلام الموقعين: 4/117.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *