الفصل الثاني: التفريق بسبب التفريط في حقوق الزوجية

الفصل الثاني

التفريق بسبب التفريط في حقوق الزوجية

نتناول في هذا الفصل الصلاحيات المعطاة للقاضي من طرف الشريعة، لأجل مراعاة مصلحة الزوجة في حال تفريط زوجها في حقوقها، قد رأينا من خلال استقراء ما ورد في الفقه الإسلامي عنها أنه يمكن حصرها في ثلاثة:

1 ـ التفريق بسبب التفريط في الحقوق المادية.

2 ـ التفريق بسبب غياب الزوج

3 ـ التفريق بسبب فقد الزوج

أولا ـ التفريق بسبب التفريط في الحقوق المادية

اختلف الفقهاء في حال إعسار الزوج هل للزوجة الحق في طلب التفريق بينها وبين زوجها لعجزه عن الإنفاق أم لا على قولين([1]):

القول الأول: أنها لا تملك فراقه بذلك، ولو طلبته لا يجيبها القاضي إلى ما طلبته، ولكن يرفع يده عنها لتكتسب ؛ لأنه حق لها عليه، فلا يفسخ النكاح لعجزه عنه، وهو قول عطاء، والزهري، وابن شبرمة، وأبي حنيفة وصاحبيه، وقول ابن حزم، وقد قال الحسن البصري في الرجل يعجز عن نفقة امرأته: (تواسيه تتقي الله تعالى وتصبر وينفق عليها ما استطاع)، وعن سفيان الثوري في المرأة يعسر زوجها بنفقتها؟ قال: هي امرأة ابتليت فلتصبر، ولا تأخذ بقول من فرق بينهما)([2])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن الله تعالى أوجب إنظار المعسر بالدين في قوله تعالى:{ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ } (البقرة:280) فهاهنا أولى لأن بقاء الزوجية مطلوب لصاحب الشرع.

2 ـ قول الله تعالى:{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}(الطلاق:7)، وقال تعالى:{ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } (البقرة:286)

3 ـ أن النفقة كما لا يطلق بها في الزمان الماضي إجماعا كذلك لا يطلق بها بها في الحال.

4 ـ استصحاب الحال وذلك أن العصمة ثبتت بالإجماع فلا تنحل إلا بإجماع أو بدليل من كتاب أو سنة لا بالقياس.

5 ـ أن العجز عن النفقة أمر عارض يمكن زواله.

6 ـ أن الضرر الحاصل للزوجة من إعسار الزوج يمكن تداركه بالإذن لها بالاستدانة عليه.

7 ـ أن التفريق فيه ضرر يلحق الزوج ولا يمكن تداركه أو علاجه،بينما ضرر الزوجة يمكن تداركه والقاعدة المقررة في حال تعارض ضررين أن يرتكب أخفهما.

8 ـ أن العجز عن النفقة في الحال كما أنه لا يوجب بيع أم الولد ولا خروجها عن ملكه كذلك لا يوجب تطليق الزوجة.

القول الثاني: أن المرأة مخيرة بين الصبر عليه، وبين فراقه، وأن للقاضي أن يفرق بينهما لهذا العجز والإعسار كماله أن يفرق بينهما لامتناعه عن الإنفاق مع قدرته عليه، وروي هذا القول عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة، وحماد، ومالك، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قول الله تعالى: { فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}(البقرة:229)، وليس الإمساك مع ترك الإنفاق إمساكا بمعروف، فيتعين التسريح.

2 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد أطعمني واستعملني، ويقول الولد إلى من تدعني) ([3])

3 ـ عن ابن أبي الزناد، قال: سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، أيفرق بينهما؟ قال: نعم. قلت: سنة؟ قال: سنة، وهذا التعبير ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

4 ـ أنه إذا ثبت الفسخ بالعجز عن الوطء، والضرر فيه، أقل، لأنه إنما هو فقد لذة وشهوة يقوم البدن بدونه، فلأن يثبت بالعجز عن النفقة التي لا يقوم البدن إلا بها أولى.

5 ـ أنا إنما أمرناه برفع ضرر عليه وهو إطلاقها لمن ينفق عليها، ولم تلزمه النفقة مع العسرة حتى يرد أن الله أوجب إنظار المعسر.

6 ـ أن النفقة في مقابلة الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها عند الجمهور فإذا لم يجد النفقة سقط الاستمتاع فوجب الخيار.

7 ـ أن المقصد إذا اتحدت وسيلته أمر به عينا، وإذا تعددت بأن كان له وسيلتان فأكثر خير بينهما ولا يتعين أحدهما عينا، ولمتعدد الوسيلة في الشريعة فروع كثيرة،منها مثلا أن السفر إلى الحج يتيسر فيه البر والبحر لا يتعين أحدهما، ولمتحد الوسيلة في الشريعة أيضا فروع منها زوال الضرر عن الزوجات الواقع من ذلك اتحدت وسيلته أي سبب الخروج عن ضرر الجوع والعري وهو التطليق فأمر به عينا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو عدم التعجيل بالتفريق، بل تعطى الفرصة الكافية للزوج للتخلص من إعساره، فإن لم يتخلص استحقت الزوجة حق التفريق بينها وبين زوجها، بشرط أن يكون إعساره عن الحاجيات الضرورية للإنسان من المطعم والملبس والعلاج والسكن، أما الإعسار عن الكماليات كالخادم وأنواع الرفاهية، فالزوج غير مطالب بها شرعا، فلذلك لا تستحق الزوجة التفريق بسببها، ولها الحق في حل العصمة بدل ذلك بالخلع.

وقت الفسخ:

اختلف القائلون بحق المرأة في طلب التفريق في وقت الفسخ، هل يفسخ بمجرد ثبوت الإعسار على الإطلاق، أم يؤجل مدة لذلك على الأقوال التالية:

القول الأول: أنه لا تأجيل في ذلك فمتى ثبت الإعسار بالنفقة جاز للمرأة المطالبة بالفسخ من غير إنظار، وهو قول الحنابلة وأحد قولي الشافعي، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنه معنى يثبت الفسخ، ولم يرد الشرع بالإنظار فيه، فوجب، أن يثبت الفسخ في الحال، كالفسخ بالعيب.

2 ـ أن سبب الفسخ الإعسار، وقد وجد، فلا يلزم التأخير.

القول الثاني: أنه يؤجل في ذلك مدة، وقد اختلف في تحديدها، فقال حماد بن أبي سليمان: يؤجل سنة قياسا على العنين، وقال عمر بن عبد العزيز: اضربوا له شهرا أو شهرين، وقال مالك: الشهر ونحوه. وقال الشافعي في القول الآخر: يؤجل ثلاثا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ـ كما ذكرنا سابقا ـ هو أن يؤجل مدة كافية، وهي تختلف بحسب العمل الذي يريد أن يتخلص به من إعساره، وبحسب نوع الإعسار الذي يريد أن يتخلص منه، فقد تطول مدة هذا العمل، وقد تقصر، فالمعسر بالسكن ليس كالمعسر بنفقة المطعم والكسوة.

فلذلك نرى أنه بدل تحديد المدة بمقدار زمني قد يشغله تربصه عن العمل للتخلص من إعساره أن يبين للقاضي أو لمن يكلفه القاضي بذلك نوع العمل الذي يريد الاشتغال به، والخطوات التي يريد سيرها، ومن خلال ذلك يمكن للقاضي أن يرى جديته وعدم جديته، فهما الفيصل في التفرقة وعدمها.

نوع التفريق في الإجراء القضائي:

اتفق الفقهاء على أن كل موضع ثبت للزوجة فيه الفسخ لأجل النفقة، فإنه لا يتم إلا بحكم الحاكم باعتباره فسخا مختلفا فيه، ولا يجوز للحاكم التفريق إلا أن تطلب المرأة ذلك ؛ لأنه حقها، فلم يجز من غير طلبها، وقد اختلف الفقهاء في نوع تفريق القاضي على قولين:

القول الأول: إنه فسخ لا رجعة له فيه، وهو قول الشافعي وابن المنذر، فأما إن أجبره الحاكم على الطلاق، فطلق أقل من ثلاث، فله الرجعة عليها ما دامت في العدة، فإن راجعها، وهو معسر، أو امتنع من الإنقاق عليها، ولم يمكن الأخذ من ماله، فطلبت المرأة الفسخ، فللحاكم الفسخ ؛ لأن المقتضي له باق، أشبه ما قبل الطلاق، واستدلوا على ذلك بأنها فرقة لعجزه عن الواجب لها عليه فأشبهت فرقة العنة.

القول الثاني: هو تطليقة، وهو أحق بها إن أيسر في عدتها، وهو قول المالكية، واستدلوا على ذلك بما بأنه تفريق لامتناعه من الواجب عليه لها، فأشبه تفريقه بين المولى وامرأته إذا امتنع من الفيئة والطلاق.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن أي تفريق من غير رضا الزوج ليس طلاقا، حتى لا تستنفذ عدد الطلقات، لأن من مقاصد الشرع في هذا هو الحفاظ على فرص الرجعة بين الزوجين، واعتبار تفريق القاضي تطليقة يقلل من هذه الفرص.

التفريق بسبب عدم قدرة الغائب على الإنفاق:

اختلف الفقهاء فيما لو غاب الزوج، ولم تجد الزوجة ما تنفق به على نفسها، ولم يقدر القاضي على أخذ النفقة من مال الغائب بأي وسيلة على قولين:

القول الأول: أن لها الخيار في الفسخ، وهو رواية عند الحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن الإنفاق عليها من ماله متعذر، فكان لها الخيار، كحال الإعسار، بل هذا أولى بالفسخ، فإنه إذا جاز الفسخ على المعذور، فعلى غيره أولى.

2 ـ أن في الصبر ضررا أمكن إزالته بالفسخ، فوجبت إزالته.

3 ـ أنه نوع تعذر يجوز الفسخ، فلم يفترق الحال بين الموسر والمعسر، كأداء ثمن المبيع، فإنه لا فرق في جواز الفسخ بين أن يكون المشتري معسرا، وبين أن يهرب قبل أداء الثمن، وعيب الإعسار إنما جوز الفسخ لتعذر الإنفاق.

4 ـ أما قولهم: إنه يحتمل أن ينفق فيما بعد هذا،فإن المعسر كذلك يمكن أن يغنيه الله، أوأن يقترض، أو يعطى ما ينفقه، فاستويا في ذلك.

القول الثاني: أنها لا تملك الفسخ، وهو ظاهر مذهب الشافعي واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن الفسخ في المعسر لعيب الإعسار.

2 ـ أن الموسر في مظنة إمكان الأخذ من ماله، وإذا امتنع في يوم، فربما لا يمتنع في الغد، بخلاف المعسر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن حكمها يختلف بحسب مدة الغيبة ونوع تضرر الزوجة، وعدم إمكان التلافي بالاستدانة ونحوها، فإذا طالت مدة الغيبة وتحرجت الزوجة حرجا شديدا، ولم تتمكن من إيجاد أي وسيلة تنفق بها على نفسها، فإن لها الحق في طلب التفريق بينها وبين زوجها على أن يعذر للزوج بذلك حتى يتبين أمره كما سنرى في المطلب التالي.

ثانيا ـ التفريق بسبب غياب الزوج

وهو مفارقة الزوج بيت الزوجية مفارقة غير منقطعة، بحيث يعرف خبره، ويأتي كتابه، وتعلم حياته([4]).

وقد اختلف الفقهاء في حكم الفرقة بين الزوجين بسبب هذا النوع من الغيبة بناء على اختلافهم في حكم استدامة الوطء، هل هي حق للزوجة كالزوج، أم لا على قولين:

القول الأول: أن حق المرأة في الوطء قضاء ينتهي بالوطء مرة واحدة، فإذا غاب الزوج عنها بعد ذلك وترك لها ما تنفقه على نفسها لم يكن لها حق طلب الفرقة، وهو قول الحنفية والشافعية وقول القاضي من الحنابلة.

القول الثاني: أن هذا الحق ثابت للزوجة مطلقا، على ذلك فلها طلب التفريق منه بسبب الغيبة، وهو قول المالكية والحنابلة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن هذا الحق ثابت للزوجة مطلقا، فلذلك تستحق التفريق بينها وبين زوجها بسببه، فهو من الحاجيات الأساسية التي تتطلبها الحياة الزوجية كالنفقة وغيرها إلا إذا رضيت الزوجة بالتنازل عنها، فلا حرج عليها في ذلك.

ثم إن أضرار الغيبة لا ترتبط فقط بهاتين الناحيتين: ناحية النفقة وناحية المعاشرة الجنسية، بل تتعداهما إلى أضرار أخرى قد تصلى بنارها الزوجة، خاصة إن كانت غيبة طويلة، فلذلك لا تكلف الزوج عنتا في تحمل غيبة زوجها حتى لو كانت غيبة شرعية، لأن ذلك قد يؤدي بها إلى أن تصبح كالمعلقة، وهو مما رفض قبوله الشرع.

نوع التفريق للغيبة:

اتفق الفقهاء القائلون بالتفريق للغيبة على أنه لا بد فيها من قضاء القاضي، لأنها فصل مجتهد فيه، فلا تنفذ بغير قضاء، واختلفوا في كونها فسخا أو طلاقا على قولين:

القول الأول: أن الفرقة للغيبة فسخ، وهو قول الحنابلة.

القول الثاني: أنها طلاق، وهو قول المالكية، ومرادهم بالطلاق في مثل هذه الأحوال الطلاق البائن، كما قال ابن أبي زيد القيرواني:(إن كل طلاق يوقعه الحاكم طلاق بائن إلا طلاق المولي وطلاق المعسر بالنفقة)، ثم إنه طلاق للضرر، وهو بائن عندهم كما سنرى.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة مثلما ذكرنا في نظيراتها أن الأرجح اعتبار هذا التفريق فسخا للحفاظ على فرص التطليق التي أتاحها الشرع للزوج، زيادة على أن هذا التفريق لم يقصده الزوج، فلا يعتبر طلاقا منه، فهو طلاق من القاضي كما أن الخلع طلاق من المرأة.

حكم التفريق للأسر:

فالأسر مما يلحق بالغائب إذا علمت حياته، وقد أجمع الفقهاء على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته، قال ابن المنذر:(وأجمعوا أن زوجة الأسير لا تنكح حتى يعلم بيقين وفاته ما دام على الإسلام) ([5])

ولكن هذا الإجماع ـ فيما نرى ـ مقيد بعدم حصول الضرر بالمرأة التي يؤسر زوجها لمدة طويلة حتى لو كانت تتيقن حياته، والضرر ليس متعلقا هنا بالنفقة وحدها، بل قد يكون لمجرد حاجة المرأة إلى زوج، وقد أشار إلى هذه الناحية في حاشية العدوي بقوله:(مثلها زوجة الأسير، فإنهما يبقيان كما هما لانقضاء مدة التعمير([6])، لتعذر الكشف عن زوجيهما إن دامت نفقتهما، وإلا فلهما التطليق كما إذا خشيا على نفسيهما الزنا) ([7])، وهذا التعبير مع ما يحمله من صراحة يشير إلى الحاجة التي تستدعي تزوج المرأة، ولو لم تخش الزنا.

ولا نرى أن في مصلحة المرأة التي تزوجت حديثا، ثم أسر زوجها أن تنتظره إلى انقضاء مدة التعمير، فقد تموت، وهي تنتظره، ثم كيف لا يباح لها الزواج، وهي في ريعان شبابها ثم يفتح لها المجال، وهي تستعد لدخول قبرها؟

حكم التفريق للسجن:

اختلف الفقهاء في حق زوجة السجين في طلب التفريق من زوجها على قولين:

القول الأول: عدم جواز التفريق على السجين مطلقا، مهما طالت مدة حبسه، وسواء أكان سبب حبسه أو مكانه معروفين أم لا، وهو قول الجمهور، وقد علل الحنفية والشافعية ذلك بأنه غائب معلوم الحياة، وهم لا يقولون بالتفريق عليه لغيابه، وعلله الحنابلة بأن غيابه لعذر.

القول الثاني: جواز التفريق على المحبوس إذا طلبت زوجته ذلك وادعت الضرر، وهو قول المالكية، وذلك بعد سنة من حبسه، لأن الحبس غياب، وهم يقولون بالتفريق للغيبة مع عدم العذر، كما يقولون بها مع العذر على سواء.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني إن طالت مدة الحبس وتضررت الزوجة بذلك لما ذكرناه سابقا من المقاصد الشرعية.

شروط التفريق للغيبة:

قيد الفقهاء القائلون بثبوت حق التفريق للزوجة في حال غياب زوجها الحكم بالتفريق بالشروط التالية على اختلاف بينهم في بعض تفاصيلها:

1 ـ أن تكون غيبة طويلة:

وقد اختلف الفقهاء في مدتها على قولين:

القول الأول: أن الزوج إذا غاب عن زوجته مدة ستة أشهر فأكثر كان لها طلب التفريق عليه إذا تحققت الشروط الأخرى، وهو قول الحنابلة([8]).

القول الثاني: إنها سنة فأكثر، وهو قول المالكية في المعتمد عندهم، وفي قول للغرياني وابن عرفة أن السنتين والثلاث ليست بطول، بل لا بد من الزيادة عليها، وهذا مبني منهم على الاجتهاد والنظر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن حكمها يختلف بحسب المدة التي قرر الزوج غيابها، فإن كانت مدة طويلة، ولكنها محدودة بزمن معين لا تعدوه، فإن الأرجح فيها هو صبر الزوجة تلك المدة ما لم تطل طولا شديدا، وقد يرجح في هذه الحالة القول الثاني، أو ما يراه ولي الأمر مناسبا من التحديد.

أما إن كانت مدة طويلة غير محدودة أو كانت مستديمة، كأن ترتبط حياته بهذا الغياب الطويل، فإن للزوجة الحق في طلب التفريق مطلقا، لتضررها من كثرة غيابه عنها، ولكن قبل التفريق يعذر للزوج بأن ينقل زوجته معه لمحل عمله أو أن يخلي سبيلها.

2 ـ خشية الضرر:

وهو أن تخشى الزوجة على نفسها الضرر بسبب هذه الغيبة، والضرر هنا هو خشية الوقوع في الزنى كما نص عليه المالكية، وليس اشتهاء الجماع فقط، والحنابلة وإن أطلقوا الضرر هنا إلا أنهم يريدون به خشية الزنى كالمالكية، إلا أن هذا الضرر يثبت بقول الزوجة وحدها، لأنه لا يعرف إلا منها، إلا أن يكذبها ظاهر الحال.

3 ـ أن تكون الغيبة لغير عذر:

فإن كانت لعذر كالحج والتجارة وطلب العلم، فقد اختلفوا في حق طلب الزوجة التفريق على قولين:

القول الأول: يجوز لها طلب التفريق سواء أكان سفره لعذر أم لغير عذر، وهو قول المالكية.

القول الثاني: إذا غاب الزوج عن زوجته بغير عذر كان لها طلب التفريق، وهو رأي الحنابلة، لأن استدامة الوطء حق للزوجة ما لم يكن في الزوج عذر مانع، كالمرض ونحوه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اعتبار تضرر الزوجة قبل اعتبار شرعية الغيبة، لأن من مقاصد الشرع نفي الضرر، ولا يجدي الزوجة نفعا أن يغيب زوجها غيابا شرعيا أو غير شرعي إذا طالت الغيبة وتضررت بطولها.

4 ـ إعذار الغائب:

والإعذار هو المبالغة في العذر، ومنه قد أعذر من أنذر أي قد بالغ في الإعذار من تقدم إليك فأنذرك، ومنه إعذار القاضي إلى من ثبت عليه حق يؤخذ منه فيعذر إليه فيمن شهد عليه بذلك، والأصل فيه قوله تعالى في قصة الهدهد: { لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}(النمل:21) وقوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}(الإسراء:15)وقوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى}(طه:134)، وغيرها من الآيات الكريمة.

فمن أحكام القاضي في الإسلام أن لا يعجل بالحكم قبل إعذار المحكوم عليه، قال ابن فرحون:(وينبغي للقاضي أن لا يحكم على أحد حتى يعذر إليه برجل أو رجلين، وإذا أعذر بواحد أجزأه، قال ابن الحاجب ويحكم بعد أن يسأله أبقيت لك حجة؟ فيقول لا، فإن قال نعم أنظره ما لم يتبين لدده، والمحكوم عليه أعم من المدعي والمدعى عليه، والمتبادر للذهن هو المدعى عليه ؛ لأنه قد تقوى حجة المدعى عليه فيتوجه الحكم على المدعي بالإبراء أو بغيره من وجوه الحكم)([9])

فلذلك نص الفقهاء على أن يكتب القاضي إلى الزوج يخيره بين الرجوع إليها أو نقلها إليه أو تطليقها ويضرب له لذلك مدة مناسبة، لأن تحديد الآجال من الأمور الأساسية في الأحكام القضائية، وهو سنة شرعية، ويرجع معظمها لاجتهاد القاضي إلا ما ورد بتحديده شرعا كما سبق ذكره في مناسبات مختلفة.

فإن عاد إليها، أو نقلها إليه أو طلقها فبها، وإن اعتذر لغيابه بعذر مقبول لم يفرق عليه عند الحنابلة كما ذكرنا دون المالكية، وإن أبى ذلك، أو لم يرد بشيء وقد انقضت المدة المضروبة، أو لم يكن له عنوان معروف، أو كان عنوانه لا تصل الرسائل إليه طلق القاضي عليه بطلبها.

ثالثا ـ التفريق بسبب فقد الزوج

وقد عرف السرخسي المفقود بقوله:(المفقود اسم لموجود هو حي باعتبار أول حاله، ولكنه خفي الأثر كالميت باعتبار مآله، وأهله في طلبه يجدون، ولخفاء أثر مستقره لا يجدون، قد انقطع عليهم خبره واستتر عليهم أثره، وبالجد ربما يصلون إلى المراد، وربما يتأخر اللقاء إلى يوم التناد)([10])

ويتعلق به المسائل التالية([11]):

1 ـ أحوال المفقود وأحكامها:

لا يخلو المفقود من حالتين، فهو إما أن يكون محتملا رجوعه بسبب عدم ما يدعو إلى الخوف عليه، أو أن يكون مستبعد الرجوع، وتفصيل كلام الفقهاء في كلتا الحالتين كما يلي:

الحالة الأولى: احتمال رجوعه:

وهو حال كون ظاهر غيبته السلامة، كسفر التجارة في غير مهلكة، وطلب العلم والسياحة، وكونه مع ذلك عاقلا سليما عارفا لكيفية التصرف، وقد اختلف الفقهاء في ثبوت امتلاكه لعصمة زوجته على قولين:

القول الأول: لا تزول الزوجية ما لم يثبت موته، وقد روي ذلك عن علي وأبي قلابة، والنخعي، وأبي عبيد، وهو قول ابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي في الجديد، وهو قول ابن حزم مطلقا في هذا وغيره، قال:(ومن فقد فعرف أين موضعه أو لم يعرف في حرب فقد أو حرب وله زوجة أو أم ولد وأمة ومال لم يفسخ بذلك نكاح امرأته أبدا، وهي امرأته حتى يصح موته أو تموت هي..فإن لم يكن له مال بيعت الأمة وقيل للزوجة ولأم الولد انظرا لأنفسكما فإن لم يكن لهما مال مكتسب أنفق عليهما من سهم الفقراء والمساكين من الصدقات كسائر الفقراء ولا فرق)([12])

القول الثاني: زوال الزواج بالفسخ بعد مدة من فقده، وقد اختلف في تحديد المدة على المذاهب التالية:

المذهب الأول: تتربص أربع سنين، وتعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا، وتحل للأزواج، وقد ثبت ذلك عن عثمان وابن مسعود في رواية،وعن جمع من التابعين كالنخعي وعطاء والزهري ومكحول والشعبي وهو قول مالك والشافعي في القديم، وقد اتفق أكثرهم على أن التأجيل من يوم ترفع أمرها للحاكم، وعلى أنها تعتد عدة الوفاة بعد مضي الأربع سنين([13])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنه إذا جاز الفسخ لتعذر الوطء بالعنة، وتعذر النفقة بالإعسار، فلأن يجوز هاهنا لتعذر الجميع أولى.

2 ـ حديث عمر في المفقود، مع موافقة الصحابة له، وتركهم إنكاره ونص حديث عمر في المفقود بطوله كما أورده ابن عبد البر:(أن رجلا خرج يصلي مع قومه صلاة العشاء ففقد، فانطلقت امرأته إلى عمر فحدثته بذلك، فسأل عن ذلك قومها فصدقوها، فأمرها أن تتربص أربع سنين، فتربصت ثم أتت عمر فأخبرته بذلك، فسأل عن ذلك قومها فصدقوها، فأمروها أن تتزوج، ثم إن زوجها الأول قدم، فارتفعوا إلى عمر فقال: عمر يغيب أحدكم الزمان الطويل لا يعلم أهله حياته، قال: إن لي عذرا قال: فما عذرك قال: خرجت أصلي مع قومي صلاة العشاء، فسبتني الجن، فكنت فيهم زمانا فغزاهم جن مؤمنون فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكنت فيمن أصابوا فقالوا: ما دينك قلت: مسلم قالوا: أنت على ديننا لا يحل لنا سبيك، فخيروني بين المقام وبين القفول، فاخترت القفول، فاقبلوا معي بالليل يسير يحدو بي وبالنهار إعصار ريح أتبعها، قال: فخيره عمر بين المرأة والصداق) ([14])

المذهب الثاني: إذا مضى عليه تسعون سنة، قسم ماله، وهذا يقتضي أن زوجته تعتد عدة الوفاة ثم تتزوج، وتعتبر تسعين سنة من يوم ولادته ؛ لأن الظاهر أنه لا يعيش أكثر من هذا العمر، فإذا اقترن به انقطاع خبره، وجب الحكم بموته، كما لو كان فقده بغيبة ظاهرها الهلاك، وهو رواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن هذه غيبة ظاهرها السلامة، فلم يحكم بموته.

2 ـ أن خبر عمر ورد في من ظاهر غيبته الهلاك، فلا يقاس عليه غيره.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني مع جعل تحديد المدة لولي الأمر، لأن فعل عمر من أمرها بالتربص أربع سنين يرجع للظروف التي كان يخضع لها الناس في ذلك الوقت من صعوبة التحري، وعدم تيسر التنقل، والحاجة إلى الزمن في كل ذلك، أما في عصرنا، فنرى إمكانية تقليص المدة بحسب ما يراه الخبراء في ذلك، فليس في المسألة نص نبوي يحرم تجاوزه، ولا إجماع يحرم خرقه، وفعل عمر يرجع لولايته، ولو كان في المسألة حديث لذكره، وعدم اختلاف الصحابة معه في ذلك لا لكون المسألة توقيفية، بل لوجوب طاعة ولي الأمر.

وقد ذكرنا هذا لأن تحديد المدة بأربع سنين، ثم البدء بعد هذه الأربع بعد اتصالها بالحاكم، قد يحمل مضرة كبيرة للمرأة لم يكلفها الشرع بتحملها.

الحالة الثانية: استبعاد رجوعه:

وذلك فيما لو كان ظاهر غيبته الهلاك، كالذي يفقد من بين أهله ليلا أو نهارا، أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يمضي إلى مكان قريب ليقضي حاجته ويرجع، فلا يظهر له خبر، أو يفقد بين الصفين، أو ينكسر بهم مركب فيغرق بعض رفقته، أو يفقد في مهلكة، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: لا تتزوج امرأة المفقود حتى يتبين موته أو فراقه، وهو قول أبي قلابة، والنخعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحنفية، والشافعي في الجديد، وهو قول ابن حزم، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (امرأة المفقود امرأته، حتى يأتيها الخبر) ([15])

2 ـ أنه شك في زوال الزوجية، فلم تثبت به الفرقة، كما لو كان ظاهر غيبته السلامة.

القول الثاني: أن زوجته تتربص أربع سنين، ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشرا، وتحل للأزواج، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن الزبير، وبه قال عطاء، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهري، وقتادة، والليث، وعلي بن المديني، وعبد العزيز بن أبي سلمة. وبه يقول مالك، والشافعي في القديم وهو ظاهر مذهب أحمد.

إلا أن مالكا قال في المفقود في القتال: (ليس في انتظار من يفقد في القتال وقت)، وسنتكلم عن رأيه في ذلك في مسألة خاصة في هذا المبحث، وقال سعيد بن المسيب فيه: تتربص سنة، لأن غلبة هلاكه هاهنا أكثر من غلبة غيره، لوجود سببه، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن هناك قضايا كثيرة انتشرت في الصحابة فلم تنكر.

2 ـ أن الحديث الذي استند إليه المخالفون لم يثبت، ولم يذكره أصحاب السنن.

3 ـ أن قول المخالفين بنه شك في زوال الزوجية منتف لأن الشك ما تساوى فيه الأمران، والظاهر في هذه الحالة هلاكه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ـ مثلما ذكرنا سابقا ـ رجوع تحديد مدة التربص لولي الأمر، الذي يبت في كل قضية بحسب ملابساتها، ولا نرى التربص أربع سنوات كاملة، فقد تكون محرجة للمرأة غاية الحرج، وقد يصرف عنها الأزواج بعد ذلك، فلذلك الأولى رعاية هذا الجانب، وعدم تضييع هذا الحق بسبب أمر مشكوك فيه.

أما القول الأول فلا حاجة للرد عليه، فهو يتنافى مع المقاصد الشرعية من الترغيب في الزواج، ويعتمد في ذلك على حديث رأينا مدى ضعفه.

2 ـ حكم زواج امرأة المفقود قبل انتهاء مدة التربص:

اتفق الفقهاء على أن زواجها في وقت ليس لها أن تتزوج فيه زواج فاسد، أما إذا تبين أن زوجها قد مات، وانقضت عدتها منه، أو فارقها وانقضت عدتها فقد اختلف في ذلك على قولين:

القول الأول: أنه زواج صحيح، لأنها ليست في نكاح ولا عدة، فصح تزويجها، كما لو علمت ذلك، وهو مذهب الحنابلة والشافعية

القول الثاني:أنه لا يصح لأنها معتقدة تحريم نكاحها وبطلانه، واستدلوا على ذلك بأنها تزوجت في مدة منعها الشرع من النكاح فيها، فلم يصح، كما لو تزوجت المعتدة في عدتها، أو المرتابة قبل زوال ريبتها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول لانتفاء الموانع التي تحول بينها وبين الزواج، وقد أرجع ابن قدامة الخلاف في المسألة لمسألة أخرى هي أن من باع عينا في يده يعتقدها لموروثه، فبان موروثه ميتا والعين مملوكة له بالإرث، فإن البيع يصح على القول الأول، وعلى القول المخالف لا يصح([16]).

ولا نرى حرجا في الحكم بصحة مثل هذا البيع، لأن النتيجة في كليهما واحدة، فإنه لو حكمنا بفساد البيع، ثم رجعت السلعة إليه، فإنه سيبيعها من جديد كما باعها أولا، فلذلك نرى اقتصار الأمر على التحريم التكليفي لا عدم الصحة، فيأثم من فعل ذلك إن كان متعمدا وقاصدا بينما تصح معاملته لانتفاء الموانع.

3 ـ حكم المفقود في الحرب والفتن:

وقد نص على هذه المسألة المالكية، واختلفوا في حكم المفقود فيها لاختلافات الروايات في ذلك عن مالك، كما يلي([17]):

القول الأول: أن زوجته تتربص سنة، وهو رواية أشهب عن مالك، فقد روى أشهب عن مالك في العتبية فيمن فقد بين الصفين في أرض العدو وأرض الإسلام فلتتربص امرأته سنة من يوم ينظر في أمره السلطان ويضرب له الأجل ثم تعتد.

القول الثاني: التفريق بين قتال غير المسلمين،و قتال المسلمين، وهو قول ابن القاسم، وذلك كما يلي:

من فقد في قتال غير المسلمين: أن زوجته لا تتزوج أبدا، توقف هي وماله حتى يأتي عليه من العمر ما لا يحيا إلى مثله، وهو رواية ابن القاسم عن مالك قال:(إنما يضرب الأجل للمفقود في أرض الإسلام لا ببلد الكفر، ولو علم بموضع الأسير ببلد الكفر ثم انقطع خبره، لم يقض فيه بفراق ولا أجل)

وفي هذه الحالة روى أشهب: يعمر سبعين سنة، وروى ابن كنانة أن مالكا قال في إن مات الأولاد وأوصى أن ينفق عليهن حياتهن بتعمير بمائتي سنة، وقال ابن المواز: التعمير في المفقود وغيره من السبعين إلى المائة، فإن غاب ابن سبعين فقد روى أشهب عن مالك يعمر ثمانين، فإن غاب ابن ثمانين عمر تسعين، فإن غاب ابن تسعين عمر مائة ويعمل في كل سن بقدر ما يرى بالاجتهاد.

من فقد في فتن المسلمين: روي عن ابن القاسم أنه لا يضرب له أجل، ويتلوم الإمام لزوجته بقدر انصراف من انصرف وانهزم، ثم تعتد زوجته وتتزوج إلا أن يكون قطرا بعيدا عن بلده كإفريقية، أو نحوها، فإنها تنتظر سنة ونحوها، وقال سحنون: إن ثبت حضوره في المعترك بالعدول، وإن لم يشهد بموته وتعتد زوجته من يوم المعترك، فإن كان إنما رأوه خارجا من العسكر ليس في المعترك فهو كالمفقود يضرب له أجل المفقود وقال ابن حبيب: إن فقد في معترك المسلمين في بعد فلتتربص امرأته سنة ثم تعتد ويؤخر ميراثه إلى التعمير.

واستدلوا عل ذلك بأنه إذا كان في موضعه، فالظاهر أنه إذا فقد في المعترك أنه مقتول، لأنه لو سلم لعاد إلى موضعه، وإن كان بموضع بعيد ضرب له أجل سنة ؛ لأن الظاهر أنه لو سلم لسمع خبره في السنة، وفرق بين حرب المسلمين وحرب العدو على رواية عيسى أن العدو ذو أسر فينقطع خبره مع حياته، ولذلك من فقد في بلاد الحرب لم يضرب له أجل المفقود، ومن فقد في بلاد المسلمين ضرب له أجل المفقود ؛ لأن الظاهر أن كل من كان في بلاد المسلمين مطلق الدواعي متمكن من المكاتبة، والمراسلة وتتصل أخباره من بلد مقامه إلى بلد أهله بخلاف من كان في بلاد الحرب.

4 ـ حكم زوجة المفقود عند رجوع زوجها الأول:

يختلف حكم زوجة المفقود بعد رجوع زوجها الأول بحسب الحالتين التاليتين:

الحالة الأولى: رجوعه قبل أن تتزوج:

اختلف الفقهاء في هذه الحالة على قولين:

القول الأول: هي امرأته، وهو مذهب جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أننا إنما أبحنا لها التزويج لأن الظاهر موته، فإذا بان حيا، انخرم ذلك الظاهر، وكان النكاح بحاله، كما لو شهدت البينة بموته ثم بان حيا.

2 ـ أنه أحد المالكين، فأشبه ملك المال.

القول الثاني: إذا ضربت لها المدة، فانقضت، بطل نكاح الأول، وهو قول بعض أصحاب الشافعي.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في هذه الحالة تخيير المرأة في البقاء مع زوجها أو فراقه، لتضررها بفقده طيلة تلك المدة، وسدا لذريعة غيبته من جديد، فقد يصبح هذا لعبة بأيدي الأزواج يغيب عن زوجته مايشاء، ثم إذا خشي خروجها من عصمته عاد ليجدد العصمة ثم يغيب من جديد، فتصبح الزوجة كالمعلقة، فلذلك كان الأصلح لها في هذه الحالة تخييرها بين البقاء معه بتلك الصورة أو فراقه، فالتخيير يحمل محاسن كلا القولين، وينفي المفاسد التي قد تنجر عن القول بأحدهما.

الحالة الثانية:رجوعه بعد أن تتزوج:

اختلف الفقهاء في هذه الحالة ـ كذلك ـ على قولين:

القول الأول: إن كان رجوعه قبل دخول الثاني بها فهي زوجة الأول، ترد إليه، ولا شيء، ويخير بعد الدخول، وهو قول الحسن، وعطاء، وخلاس بن عمرو، والنخعي، وقتادة، ومالك([18]) وإسحاق، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن النكاح إنما صح في الظاهر دون الباطن، فإذا قدم تبينا أن النكاح كان باطلا.

2 ـ أنه صادف امرأة ذات زوج، فكان باطلا، كما لو شهدت بينة بموته، وليس عليه صداق.

3 ـ أنه نكاح فاسد لم يتصل به دخول.

القول الثاني: أنه يخير بين الصداق وامرأته مطلقا، وهو رواية عن أحمد، ومن الأدلة على ذلك ما رواه عبيد بن عمير قال: فقدت امرأة زوجها فأتت عمر فأمرها أن تتربص أربعة أعوام، ففعلت ثم جاءته فأمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم أتته فدعا ولي المفقود فأمره أن يطلقها فطلقها، فأمرها أن تعتد ثلاثة قروء، ففعلت ثم أتته فأباح لها الزواج، فتزوجت فجاء زوجها المفقود، فخيره عمر بين امرأته تلك وبين الصداق فاختار الصداق، فأمر له عمر بالصداق.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى مدة التربص، فإن مضت، وكان العقد صحيحا خيرت المرأة بين زوجها الأول الذي تضررت بغيابه، وبين زوجها الثاني، إن كان ذلك قبل الدخول.

أما بعد الدخول، فالأولى بقاؤها عند الزوج الثاني إلا إذا اختار كلاهما الرجوع لصاحبه، فإذا لم يختارا ذلك، أو لم يختر الزوج الأول ذلك، فله الحق في أخذ صداقه، تشبيها للمسألة بالخلع، وتعويضا للضرر الحاصل له.

ولا نرى عزل المرأة عن الاختيار، وهي أكبر المتضررين كما ذهب إليه أصحاب كلا القولين.

أما أقوال الصحابة في ذلك، فلرجوع المسألة،كما ذكرنا سابقا، لحكم ولي الأمر، وهو يتغير بحسب الظروف والأحوال،وليس لنص شرعي صريح، وقد رأينا ضعف الحديث المعتمد عليه في هذا المجال.

أما الزوج الثاني، فإنه له حقا أيضا لا ينبغي أن يتجاهل، فهو إن شاءت المرأة أن تفارقه للعودة لزوجها الأول فلها الحق الشرعي في أن تفتدي نفسها منه، كما تفتدي في حال بغضها له أو نفورها منه، فيكون فراقها له بهذا السبب، لا بعودة زوجها الأول.

حكم الصداق في حال اختيار الأول تركها:

نص الفقهاء على أن الزوج الأول إذا اختار تركها، فإنه يرجع على الثاني بصداقها، للأدلة التالية:

1 ـ قضاء الصحابة بذلك، فقد روي أن عمر وعثمان قضيا في المرأة التي لا تدري ما مهلك زوجها، أن تتربص أربع سنين، ثم تعتد عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، ثم تزوج إن بدا لها، فإن جاء زوجها خير إما امرأته، وإما الصداق، فإن اختار الصداق، فالصداق على زوجها الآخر، وتثبت عنده، وإن اختار امرأته، عزلت عن زوجها الآخر حتى تنقضي عدتها، وإن قدم زوجها وقد توفي زوجها الآخر، ورثت واعتدت عدة المتوفى عنها، وترجع إلى الأول.

2 ـ أن المرأة لا تغرير منها، فلم يرجع عليها بشيء، كغيرها.

3 ـ أنه حال بينه وبينها بعقده عليها، ودخوله بها.

ماهية الصداق الذي يرجع به الزوج الأول:

اختلف الفقهاء في الصداق الذي يرجع به على قولين:

القول الأول: أنه يرجع بالصداق الذي أصدقها هو، وعلى هذا، إن كان لم يدفع إليها الصداق، لم يرجع بشيء، وإن كان قد دفع بعضه، رجع بما دفع، وهو قول الحسن، والزهري، وقتادة، وعلي بن المديني ورواية عن أحمد، واختاره ابن تيمية، قال:(والصواب انه انما يرجع بمهره هو فانه الذى استحقه، وأما المهر الذى أصدقها الثانى فلا حق له فيه)([19]) واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قضاء علي وعثمان أنه يخير بينها وبين الصداق الذي ساق هو.

2 ـ أنه أتلف عليه المعوض، فرجع عليه بالعوض، كشهود الطلاق إذا رجعوا عن الشهادة.

القول الثاني:أنه يرجع عليه بالمهر الذي أصدقها الثاني، وهو رواية عن أحمد، واستدل على ذلك بأن إتلاف البضع من جهته، والرجوع عليه بقيمته، والبضع لا يتقوم إلا على زوج أو من جرى مجراه، فيجب الرجوع عليه بالمسمى الثاني دون الأول.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أنها تحتمل كلا النظرين، فلذلك ينظر ولي الأمر إلى الصداق الذي يراه مناسبا لذلك، ولعل المناسب في الحال الذي يكون قد سلم فيه المهر كاملا هو أن يسلم من الصداق ما يكفي لتزوجه من جديد، لأن قيمة المال تختلف بحسب الأوقات والأحوال، ومثلها قيمة الصداق.

5 ـ التفريق للضرر

قد ذكرنا في الجزء الخاص بالعلاج الشرعي للخلافات الزوجية كيفية معالجة هذه المشكلة وتحدثنا عن إرسال الحكمين، وأن لهما التفريق إذا لزم الأمر، وذلك يدخل في هذا الباب من التفريق بيد القضاء، لأن الحكمين نائبين عن القاضي.

وربما يكون أبلغ من بالغ في حق المرأة في هذه الناحية المالكية([20])، فقد نصوا على هذا الحق في مواضع مختلفة، بل ورد عن مالك أن للمرأة أن تطلق نفسها منه، من غير عوض، ففي العتبية من رواية عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب فيمن تشكت امرأته ضرره، فأشهد لها إن عاد فهي مصدقة في ذلك، وأمرها بيدها تطلق نفسها ألبتة، فأشهدت بعد أيام وزوجها غائب أن زوجها عاد إلى أذاها، وأنها طلقت نفسها، وأنكر الزوج أن يكون أذاها ثم قدمت المرأة وزعمت أنها كذبت فيما شكت من الأذى ولا يعرف ذلك إلا بقولها قال: قد بانت منه ولزمه ما قضت ؛ لأنه جعلها مصدقة وقال مثله أشهب([21]).

وقد ذكر ابن فرحون كيفية تعامل القضاء الشرعي مع شكوى المرأة بإضرار زوجها لها حتى لا يفتح المجال على إطلاقه، فتدعي كل زوجة تريد فراق زوجها من غير عوض الضرر، بقوله:(وإذا تكررت شكوى المرأة وذكرت إضرار زوجها بها، ورفعت ذلك إلى الحاكم وعجزت عن إثبات ما تدعيه، فإن الحاكم يأمر زوجها بإسكانها بين قوم صالحين، ويكلفهم تفقد خبرها واستعلام ضررها، فإن كانت ساكنة معه في مثل هؤلاء القوم لم يلزمه نقلها إلى غيرهم، يعني وكلفهم تفقد حالها، فإن ظهر لهم أنه الظالم، رفعوا ذلك إليه فزجره الحاكم وأدبه وسجنه وعاقبه بما يراه، فإن عمي على الحاكم خبرهما وطال تكررها ولم يعلم الظالم منهما، لم يسعه أن ينظر في أمرهما بغير الحكمين ([22])

ويراد بالضرر هنا ما يلحقه الزوج بزوجته من أنواع الأذى التي لا تستقيم معها العشرة الزوجية كضربها وشتمها وإكراهها على فعل ما حرم الله، وهجرها لغير التأديب مع إقامته في بلد واحد معها أو أخذ مالها وما شاكل ذلك، ومما ذكره المالكية من ذلك) قطع كلامه عنها وتحويل وجهه في الفراش عنها وإيثار امرأة عليها وضربها ضربا مؤلما، وليس من الضرر منعها من الحمام والنزاهة وتأديبها على ترك الصلاة ولا فعل التسري(

ومن فتاوى الشيخ عليش في هذا المجال أنه سئل عن رجل تشاجر مع زوجته فذهبت لبيت أخيها فطلبها، فأبى، فقال: (إن ثبتت إساءة الزوج لزوجته بشتم أو ضرب بلا موجب شرعي، وطلبت الزوجة الطلاق قضي على الزوج بطلاقها، فإن امتنع طلقها الحاكم أو أمرها به، وحكم به، وإلا تثبت الإساءة أو لم تطلب الزوجة الطلاق فلا يقضى على الزوج به، ويقضى على الزوجة بالرجوع لبيته)([23])


([1]) هناك قول ثالث ذكره ابن قدامة للعنبري هو أن يحبس إلى أن ينفق، المغني:8/163.

([2]) انظر النصوص عن السلف في ذلك: المحلى:9/255.

([3])   أخرجه البخارى (5/2048، رقم 5040)، وابن حبان (8/149 رقم 3363). وأخرجه أيضا: البيهقى (7/470، رقم 15488)

([4]) انظر: الموسوعة الفقهية:29/62، وانظر: شرح النيل:7/37.

([5]) مراتب الإجماع: 77..

([6]) والتعمير عند المالكية مدته سبعون سنة من يوم ولد، واختار الشيخان أبو محمد عبدالله بن أبي زيد وأبو الحسن علي القابسي ثمانين،وحكم بخمس وسبعين سنة، والراجح الأول، انظر: الشرح الكبير:2/482.

([7]) حاشية العدوي: 2/221.

([8]) الفروع:5/322.

([9]) تبصرة الحكام:1/194.

([10]) المبسوط:11/34، وانظر: الفروع لابن مفلح:5/35.

([11]) المحلى:9/316، المغني:8/109، المبسوط:11/38، بدائع الصنائع:6/196،تبيين الحقائق:3/311، تبصرة الحكام:1/176، كشاف القناع:5/422، إعانة الطالبين:3/293، حاشية البجيرمي:3/363، المبسوط: 11/37، التاج والإكليل: 4/155.

([12]) المحلى:10/133.

([13]) فتح الباري:9/431.

([14]) قال ابن عبد البر: هذا خبر صحيح من رواية العراقيين والمكيين مشهور، وقد روى معناه المدنيون في المفقود إلا أنهم لم يذكروا معنى اختطاف الجن للرجل، ولا ذكروا تخيير المفقود بين المرأة والصداق، التمهيد: 12/184.

([15]) رواه الدارقطني من حديث المغيرة بن شعبة، وقد سئل أبو حاتم عنه فقال: منكر وفي إسناده سوار ابن مصعب عن محمد بن شرحبيل وهما متروكان، انظر: الدراية: 2/143، قال ابن حجر: وإسناده ضعيف، وضعفه أبو حاتم والبيهقي وعبد الحق وابن القطان وغيرهم، تلخيص الحبير:3/232، وانظر:البيهقي: 7/444، الدارقطني: 3/312، مسند الشافعي: 303، مصنف ابن أبي شيبة: 3/521.

([16]) المغني: 8/111.

([17]) انظر: المنتقى:4/92.

([18]) وعن مالك رواية أخرى وهي أنها لا ترجع إليه مطلقا، ولكن الراجح عندهم هي الرواية المذكورة، وقد أخذ بها ابن القاسم، وقيل:إنما رجع مالك إلى هذا قبل موته بعام.انظر:التاج والإكليل:5/501.

([19]) مجموع الفتاوى:20/581.

([20]) وقد كانت هذه المبالغة داعية لأصحاب الموسوعة الفقهية الكويتية إلى القول: وهل تطلق بنفسها هنا بأمر القاضي أو يطلق القاضي عنها ؟ قولان للمالكية ولم أر من الفقهاء الآخرين من نص عليه بوضوح، وكأنهم لا يقولون به ما لم يصل الضرر إلى حد إثارة الشقاق، انظر: الموسوعة الفقهية:29/57.

([21]) المنتقى:4/65.

([22]) تبصرة الحكام:2/196.

([23]) فتح العلي المالك:2/50.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *