الفصل الثاني: البعد الروحي في تربية الأولاد

الفصل الثاني

البعد الروحي في تربية الأولاد

يعتبر البعد الروحي من أهم الأبعاد التربوية من ناحيتين:

الأولى: أنه مدد للبعد الأول، إذ أن الإيمان ـ كما يقول العلماء ـ يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، ولذلك يكفي الاهتمام بهذا البعد لتحقيق معاني الإيمان وترسيخها عن تكلف الأدلة الكثيرة التي قد لا تفيد شيئا مع من تلطخت روحه بالأهواء والشهوات والشبهات.

الثانية: أنه أصل غاية وجود الإنسان، كما قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذريات:56)

والبعد الروحي يقوم على ركيزتين أساسيتين لا غنى لإحداهما عن الأخرى، هما: عبودية القلب، وعبودية الجوارح، وسنتحدث في هذ الفصل عن كلتا العبوديتين مع بيان الطرق التربوية والأحكام الفقهية المتعلقة بهما.

أولا ـ عبادات القلب

نريد بعبادات القلب: العبادات التي ليس لها جارحة تؤدى بها، ولا مظهر يدل عليها، وإنما هي مجموعة مشاعر وأحاسيس يمتلئ بها القلب، وينفعل لها الوجدان، فهي عبادات الباطن كما أن الشعائر التعبدية هي عبادات الظاهر.

ولكن هذه العبادات مع بطونها وخفائها يمكنها أن تحول الإنسان عالما فريدا من الكمالات والمواهب والطاقات.

وذلك لأن الوقود الذي يحرك طاقة أي إنسان ينطلق من تلك المشاعر قبل أن ينطلق من غيرها، بل إن العقل نفسه ـ وهو أعظم طاقة إنسانية ـ قد يعزل عزلا تاما إذا ما تعارض مع أي شعور من المشاعر الطاغية.

ولهذا، فإن التربية السليمة ـ والتي لا تهتم بطلاء النشء طلاء سرعان ما تغيره الأيام ـ تنطلق من هذا النوع من العبودية لتعبر إلى غيره.

وهي في تلك الممارسة تثبت في نفس النشء جميع المعاني النبيلة والخلال الطيبة التي ستنبت بعد ذلك السلوك الطيب والخلق العظيم.

وقد كان من حكمة المربي الصالح محمد بن سوار أن ربى الولي الصالح سهل بن عبد الله التستري على هذه العبادة قبل أن يربيه على العبادات الظاهرة، قال سهل: كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك فقلت: كيف أذكره؟ قال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرّك به لسانك، الله معي الله ناظر إليَّ الله شاهدي، فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال: قل في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك ثم أعلمته فقال: قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة، فقلته فوقع في قلبـي حلاوته، فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لذلك حلاوة في سري، ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل من كان الله معه وناظراً إليه وشاهده أيعصيه؟ إياك والمعصية)

فإن هذا النموذج التربوي يبين لنا البرنامج الذي وضعه محمد بن سوار ليغرس في قلب سهل معنى مراقبة الله والشعور بحضوره والذي تنبني عليه جميع عبادات القلوب.

 ولذلك نرى أن على المربي الصالح أن يضع برنامجا يتناسب مع عمر من يربيه وقدراته بحيث يخلص من ذلك البرنامج إلى نتائج تربوية صحيحة تعمق المعاني الروحية التي هي أصل العبادات وحقيقتها.

ولا يمكننا هنا أن نضع برنامجا لذلك، وإنما سنحاول أن نبين بعض أمهات عبادات القلوب وأهميتها وأثرها السلوكي، ثم كيفية تربية النشء عليها.

وهي تحتاج إلى صبر عظيم وتدرج، لأن الخطاب الموجه إلى القلوب يستدعي معرفة لغات القلوب.

وهذه العبادات التي سنذكرها تكاد تحصر علاقة القلب مع الله، بحيث تجعل من غيرها مما ذكره علماء السلوك فروعا دانية منها.

وهي كلها أثر من آثار المعرفة بالله والإيمان به:

1 ـ فالحب هو عبودية القلب النابعة من معرفة جميع صفات كمال الله وإحسانه وفضله.

2 ـ والشكر هو عبودية القلب النابعة من معرفة إحسان الله وكرمه وجوده.

3 ـ والصبر والرضا هما عبودية القلب النابعة من معرفة الله المبتلي الآمر الناهي.

وقيل أن نشرع في بيانها وفي كيفية تربية النشء عليها نحب أن نشير إلى مسألتين مهمتين:

الأولى: هي أن البعض يغالي في صعوبة التحقق بهذه الأنواع من العبادات، بحيث يكاد يجعل منها أمرا مستحيلا، فيشترط للتحقق بها شروطا صعبة، ويتصور أنه بدون واسطة روحي ـ مهما كانت درجته من العلم والتقوى ـ يسلم له الإنسان نفسه تسليما كليا، لا يظفر بهذه العبادات.

وهذا خطأ عظيم، لأن الله تعالى لم يكلفنا بالمستحيل، زيادة على أن تلك الشروط قد لا يظفر بها كل حين ولا لكل الناس، وما في النصوص من المعاني العظيمة كفيل بتربية النفس وتعميق هذه العبادات في القلوب خاصة إن وجدت من الصالحين من العلماء والوعاظ من يعمقها ويرسخها في نفوس العامة.

ونحن لا نعترض هنا على ضرورة وجود الواسطة الروحي المجرب، فذلك له دور كبير في اختصار السلوك، ولكنا نتصور أن هذا الواسطة الروحي لا يعني أن يكون فردا بعينه من الناس قد يرث هذه الوساطة عن أبيه أو جده، ولكنها قد تكون فكرا اجتماعيا ينشره واعظ أو يدعو إليه عالم أو يمارسه عابد بحيث يصبح معنى من المعاني الصالحة المنتشرة في المجتمع.

وقد ذكر علماء السلوك المسلمين أن مجرد الاهتمام بهذه العبادات القلبية وحب الظفر بها، بل وتكلف حصولها كاف في تحقيق هذا المحب ولو ببعض معانيها، يقول الغزالي في بيان أقسام التواجد ـ الذي هو تكلف الأحوال لا حصولها تلقائيا ـ:(وهذا التواجد المتكلف فمنه مذموم وهو الذي يقصد به الرياء وإظهار الأحوال الشريفة مع الإِفلاس منها، ومنه ما هو محمود وهو التوصل إلى استدعاء الأحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها بالحيلة، فإن للكسب مدخلاً في جلب الأحوال الشريفة، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لم يحضره البكاء في قراءة القرآن أن يتباكى ويتحازن فإن هذه الأحوال قد تتكلف مبادئها ثم تتحقق أواخرها)([1])

واستدل لذلك بالواقع الذي يدل على أن مبادي كل شيء تنطلق من التكلف، يقول:(وكيف لا يكون التكلف سبباً في أن يصير المتكلف في الآخرة طبعاً. وكل من يتعلم القرآن أولاً يحفظه تكلفاً، ويقرؤه تكلفاً مع تمام التأمل وإحضار الذهن، ثم يصير ذلك ديدناً للسان مطرداً حتى يجري به لسانه في الصلاة وغيرها وهو غافل، فيقرأ تمام السورة وتثوب نفسه إليه بعد انتهائه إلى آخرها ويعلم أنه قرأها في حال غفلته، وكذلك الكاتب يكتب في الابتداء بجهد شديد ثم تتمرن على الكتابة يدُه فيصير الكتب له طبعاً فيكتب أوراقاً كثيرة وهو مستغرق القلب بفكر آخر)

وانطلق من هذا الواقع الذي هو تعبير عن استعداد الفطرة البشرية بالانصباغ بصبغة ما تهتم به، إلى إمكانية السير إلى الله والتحقق بالمعاني الروحية النبيلة بمجرد تكلفها والاهتمام بها، قال:(فكذلك الأحوال الشريفة لا ينبغي أن يقع اليأس منها عند فقدها، بل ينبغي أن يتكلف اجتلابها بالسماع وغيره، فلقد شوهد في العادات من اشتهى أن يعشق شخصاً ولم يكن يعشقه فلم يزل يردد ذكره على نفسه ويديم النظر إليه ويقرّر على نفسه الأوصاف المحبوبة والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه رسوخاً خرج عن حدّ اختياره، فاشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلص. فكذلك حب الله تعالى والشوق إلى لقائه والخوف من سخطه وغير ذلك من الأحوال الشريفة؛ إذا فقدها الإنسان فينبغي أن يتكلف اجتلابها بمجالسة الموصوفين بها ومشاهدة أحوالهم وتحسين صفاتهم في النفس وبالجلوس معهم في السماع وبالدعاء والتضرع إلى الله تعالى في أن يرزقه تلك الحلة بأن يـيسر له أسبابها)

وقد استدل الغزالي لهذا من النصوص بما كان يدعو به صلى الله عليه وآله وسلم من طلب محبة الله، قال:(ويدل على إمكان تحصيل الحب وغيره من الأحوال بالأسباب قول رسول الله في دعائه: (اللَّهُمَّ ارْزقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ أَحَبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُقَرِّبُنِي إِلَىٰ حُبِّكَ)، فقد فزع عليه السلام إلى الدعاء في طلب الحب)

الثانية: أن البعض قد يحتقر هذا النوع من العبادات، لتصوره أن العبادة لا تعني غير السلوكيات الظاهرة، وأن الانغماس في هذه العبادات الروحية قد يزج بصاحبه في ترهات الصوفية وشطحاتهم.

وهذا خطأ أعظم من الخطأ السابق، لأن النصوص المقدسة مليئة بالحديث عن هذه الجوانب الروحية العميقة، بل لا تعتبر التدين إلا امتلاء النفس بهذه المعاني، ولهذا قال تعالى للأعراب الذين اكتفوا برسوم الإسلام عن حقائقه، وبعباداته الظاهرة عن عباداته الباطنة: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } (الحجرات:14)

والإيمان المراد هنا هو الإيمان الحقيقي الفاعل المؤثر الذين إذا استقر في قلوبهم جعلهم يشعرون بمنة الله عليهم بالإيمان لا إيمان الذين يمنون على الله بإيمانهم.

ولهذا حصر الله تعالى وصف الإيمان فيمن تحقق بهذاه العبادات القلبية، قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (لأنفال:2)

وأخبر عن المؤمنين بأنهم يحبون الله، بل هم أشد حبا لله، قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } (البقرة:165)

وعندما أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن كمال الإيمان ربطه بهذه المعاني القلبية، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا)([2])، والرضى عبادة من العبادات القلبية.

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن حلاوة الإيمان لا تتحقق إلا لمن قدم محبة الله ورسوله على من سواهما، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ثَلاثٌ مّنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهمُا، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحبهُ إلا لله، وأن يَكرَهَ أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار)

بل إن العبادات الظاهرة ـ حسبما تدل النصوص ـ لا تكفي ما لم تكن مصحوبة بهذه المعاني الروحية والعبادات القلبية:

فالصلاة جسد بلا روح إن لم يصحبها الخشوع الذي هو عبادة القلب، قال تعالى في وصف المؤمنين الذين تحققوا بالفلاح: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون:2)، فجعل الخشوع وصفا مفرقا بين صلاة المؤنين وغيرهم.

فلذلك من الخطأ أن نعلم أبناءنا الصلاة ولا نعلمهم الخشوع، لأننا بذلك نحولهم إلى دمى متحركة لا عبادا لله.

ولن نعلمهم الخشوع إلا إذا ربيناهم على هذه العبادات الروحية، لأنها أصل الخشوع، ومادته، ومنبعه الذي منه يستقي، يقول الغزالي في بيان دور العبادات القلبية ودورها في حضور القلب وخشوعه في الصلاة:(أما التعظيم؛ فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين، إحداهما: معرفة جلال الله عز وجل وعظمته وهو من أصول الإيمان فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه. الثانية: معرفة حقارة النفس وخستها وكونها عبداً مسخراً مربوباً حتى يتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم، وما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الله لا تنتظم حالة التعظيم والخشوع، فإن المستغني عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة، ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله لأن القرينة الأخرى وهي معرفة حقارة النفس وحاجتها لم تقترن إليه)([3])

ولهذا وصف الله تعالى عبادات الصالحين بكونها عبادات خاشعين لا عبادات متحركين، قال تعالى: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)، وقال تعالى: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الانبياء:90)، وقال تعالى: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب:35)

وهذه الصلاة التي هي أم العبادات لا تؤثر في صاحبها، فتعمق في نفسه معاني الإيمان، وتجتث منه منابع الفحشاء والمنكر إلا إذا لقحها بلقاح الخشوع.

ومثل ذلك الزكاة والصدقات، فإنها وإن كانت إنفاقا ماليا محضا، والمنتفع الأول بها هم الفقراء إلا أن الله تعالى اعتبر الرياء الذي هو فقدان الإخلاص ـ واذي هو عبادة من عبادات القلوب ـ عند أدائها محبطا لها، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } (البقرة:264)، ثم شبه هذا الإنفاق وعدم انتفاع صاحبه به، فقال: { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (البقرة:264)

وضرب مثلا على ذلك ببعض الأعراب الذين انتفى من أذهانهم الجانب التعبدي في الزكاة، فاعتبروها مغرما، فقال تعالى: { وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً } (التوبة:98)

وفي مقابلهم الأعراب الذين فهموا حقيقتها، فجعلوها وسيلة تقرب إلى الله، قال تعالى: { وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التوبة:99)

وهكذا جميع أعمال البر لا يستقيم أمرها، ولا ينتفع بها ما لم تكن مصحوبة بعبادات قلبية تتوجه بها حقيقة إلى الله، لتنفي عنها الطقوسية الحرفية التي تحيل العبادات أجسادا بلا روح.

1 ـ عبودية الحب

أول عبودية يسعى المربي لغرسها في قلب الولد، هي عبودية الحب، حب الله وحب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحب الصالحين وحب دينه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:(كان داود يقول: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك؛ اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد)([4])

وهذا يستدعي تركيز المربي على عبودية المحبة قبل أي عبودية أخرى، لأن حقيقة الإسلام السامية تبدأ من الحب لله، ومن الأنس بالله، فلا تكمل عبادة ولا يطهر سلوك إلا إذا استقى من بحر الحب، وقد قيل لعبد الواحد بن زيد: هاهنا رجل قد تعبد خمسين سنة، فقصده فقال له: يا حبـيب أخبرني عنك هل قنعت به؟ قال: لا، قال أنست به؟ قال: لا، قال: فهل رضيت عنه؟ قال: لا، قال: فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة؟ قال: نعم، قال: لولا أني أستحي منك لأخبرتك بأن معاملتك خمسين سنة مدخولة.

ولهذا قال ابن القيم:(فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، ولتعطلت منازل السير إلى الله فإنها روح كل مقام ومنزلة وعمل فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها بل هي حقيقة الإخلاص بل هي نفس الإسلام فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله فمن لا محبة له لا إسلام له البتة)([5])

فالإسلام هو دين الحب السامي الذي يملأ الروح والجسد، ويتخذ من الكون كله محرابا للحب السامي، وروضة من رياض المودة.

بل إن هذ الحب هو حقيقة (شهادة أن لا إله إلا الله)، لأن الإله هو الذي يأله العباد حبا وذلا وخوفا ورجاء وتعظيما وطاعة له.

ولا يمكن أن تستقيم أي عبودية لا تغذى بلواعج الحب، وهل تمكن الإنابة بدون المحبة والرضى والحمد والشكر والخوف والرجاء؟ وهل الصبر في الحقيقة إلا صبر المحبين فإنه إنما يتوكل على المحبوب في حصول محابه ومراضيه؟ وهكذا كل عبادات القلوب لا تستقيم ولا تكمل إلا بالحب.

زيادة على أن من امتلأ قلبه بحب الله لن تعجز في إقناعه بأي أمر من أوامر الله أو حكم من أحكامه، بل يكفي أن تخبره بأن ذلك من محاب الله أو من الأمور التي يبغضها، فيكون في ذلك أكبر داع أو صارف للطاعة، ولهذا شرط الله تعالى الطواعية المطلقة لله أثناء طاعته، وهي لا تتحقق إلا بالمحبة، قال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } (الأحزاب:36)

ولهذا، فإن الكاذب يتخلى عن كذبه إن علم أن الله يحب الصدق، والعامل يبادر إلى عمله بإتقان إن علم أن الله يحب إذا عمل أحد عملا أن يتقنه، وهكذا في كل الأعمال، فـ (الرغبة في الله وإرادة وجهه والشوق إلى لقائه هي رأس مال العبد وملاك أمره وقوام حياته الطيبة وأصل سعادته وفلاحه ونعيمه وقرة عينه ولذلك خلق وبه أمر وبذلك أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ولا صلاح للقلب ولا نعيم إلا بأن تكون رغبته إلى الله عز وجل وحده فيكون هو وحده مرغوبه ومطلوبه ومراده)([6])

ولهذا كانت المحبة الإلهية هي الحادي الذي حرك قلوب وجوارح الصالحين لأزكى الأعمال، يروى عن المسيح u أنه قال:(إذا رأيت الفتى مشغوفاً بطلب الرب تعالى فقد ألهاه ذلك عما سواه)، وقال أبو سليمان الداراني:(إن لله عباداً ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة فكيف تشغلهم الدنيا عن الله؟)

وعندما تعجب بعض أصحاب معروف الكرخي من كثرة مجاهداته في الله سأله:(أخبرني يا أبا محفوظ أي شيء هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق؟ فسكت فقال: ذكر الموت، فقال: وأي شيء الموت؟ فقال: ذكر القبر والبرزخ، فقال: وأي شيء القبر؟ فقال: خوف النار ورجاء الجنة، فقال: وأي شيء هذا؟ إن ملكاً هذا كله بـيده إن أحببته أنساك جميع ذلك وإن كانت بـينك وبـينه معرفة كفاك جميع هذا.

وقال أبو بكر الكتاني: جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا:(هات ما عندك يا عراقي) فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال:(عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرق قلبه أنوار هويته وصفا شربه من كأس وده فإن تكلم فبالله وإن نطق فمن الله وإن تحرك فبأمر الله وإن سكت فمع الله فهو بالله ولله ومع الله) فبكى الشيوخ وقالوا:(ما على هذا مزيد جبرك الله يا تاج العارفين)

انطلاقا من هذا، فإن المربي يمكن أن يضع برنامجا تربويا يؤسس على أساسه المحبة في قلب الولد لله تعالى، كذلك البرنامج الذي وضعه خال سهل بن عبد الله التستري.

وأول ما يبدأ به هذا البرنامج ما ذكرناه في أسلوب القدوة من أن يكون المربي ربانيا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولولا قيام محمد بن سوار الليل لما تنبه التستري إلى حاله الإيمانية التي جعلته مطيعا مستسلما لتوجيهه.

فلذلك كان لهج المربي بذكر الله وبذكر محبته لله وتعظيمه لله ودعائه لله أن يرزقه محبته كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفيل بأن يجعل من هذا المعنى العظيم هدفا نبيلا يسعى الولد للتحقق به.

زيادة على هذا، فإن هناك بعض الأساليب التي يمكن استخدامها لتعميق محبة الله في قلب الولد منذ نعومة أظفاره، منها:

التعريف بعظمة الله وصفات كماله:

لأن كل كمال محبوب عند الفطرة السليمة، ويتحقق ذلك عن طريق التعريف بصفات الله وأسمائه الحسنى مع بيان حقائقها ومظاهرها وتعميق معانيها، فمن عرف الله تعالى أحبّه لا محالة، وهذا مشاهد في الواقع مع الخلق في تميز بعضهم على بعض ببعض القوى التي لا تنفع ولا تضر، ومع ذلك نرى الخلق مأسورين في هواهم لا يملكون من أمرهم شيئا.

ويذكر الغزالي مثلا معاصرا له،وهو ما يفعله المتعصبون للمذاهب من مظاهر تدل على مدى حبهم لأئمتهم، فقال:(حتى أنّ الرجل قد يجاوز به حبه لصاحب مذهبه حدّ العشق فيحمله ذلك على أن ينفق جميع ماله في نصرة مذهبه والذب عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه، فكم من دم أريق في نصرة أرباب المذاهب)([7])

وهذا الحب المفرط البالغ درجة العشق لا يرتبط بحب الصورة، وإنما بحب الكمالات التي تصورها المحب في محبوبه، يقول الغزالي:(وليت شعري من يحب الشافعي مثلاً فلم يحبه ولم يشاهد قط صورته؟ ولو شاهده ربما لم يستحسن صورته، فاستحسانه الذي حمله على إفراط الحب هو لصورته الباطنة لا لصورته الظاهرة، فإنّ صورته الظاهرة قد انقلبت تراباً مع التراب، وإنما يحبه لصفاته الباطنة من الدين والتقوى وغزارة العلم والإحاطة بمدارك الدين وانتهاضه لإفادة علم الشرع ولنشره هذه الخيرات في العالم، وهذه أمور جميلة لا يدرك جمالها إلا بنور البصيرة، فأما الحواس فقاصرة عنها)([8])

وهكذا، فإن التعريف بكمال الله وجماله الداعي إلى محبته يكون عن طريق التعريف به تعالى سواء عن طريق دلالة المتلقي على آيات الله في الكون، وهذا ما قد يتكفل به معلمو العلوم المحضة من بيان كمالات الصنعة الإلهية الدالة على كمال الصانع.

أو عن طريق آيات الله في القرآن الكريم، فالقرآن الكريم هو الكتاب الذي تجلى الله تعالى من خلاله لعباده ليعرفوه، ولكن بشرط التدبر والتفهم لمعانيه، قال تعالى: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد:24)، وقال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (صّ:29)

فهذا هو المقصود الأعظم من إنزال القرآن، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يتجاوب مع كل آية بمشاعره وعواطفه دعاءً واستغفاراً ورجاءً، وكأنه يحدث الله من خلال كتابه، قال حذيفة: صليت مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ)([9])

التعريف بإحسان الله:

فيفصل للولد نواحي فضله تعالى وبره به، فيقدم له كل خير وإحسان باعتباره هدية من الله لعباده، وذلك لأن مشاهدة بره تعالى وإحسانه وآلائه ونعمه الظاهرة والباطنة داعية إلى محبته، والقلوب قد جبلت على محبة من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.

ولهذا روي في الأثر أن الله أوحى إلى داود u:(يا داود أحببني وحبب عبادي إلي وحببني إلى عبادي) قال:(يا رب هذا أنا أحبك وأحبب عبادك إليك فكيف أحببك إلى عبادك؟) قال:(تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن)

ولن يتكلف المربي في بيان ذلك عنتا، فإن إحسان الله على عباده ممتد في كل نفس ولحظة والعبد يتقلب في نعم الرب دائماً في كل الأحوال، وقد قال تعالى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (النحل:18)

زيادة على بيان حماية الله لعباده من كل ما يؤذيهم، قال تعالى: { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (الرعد:11)، وقال تعالى: { قُلْ مَنْ يَكْلَأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} (الانبياء:42)، فهو سبحانه المنعم بالكلاءة والحفظ والحراسة من كل المؤذين.

توثيق الصلة بالله:

وذلك بالإكثار من النوافل والذكر، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي:(من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ومايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطيينه ولأن استعاذني لأعيذنّه)([10])

ولهذا وصف الله تعالى عباده الصالحين في القرآن الكريم بدوام الطاعة واللجوء إلى الله، فمن أوصافهم أنهم { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (السجدة:16) ومن أوصافهم أنهم {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} (الذريات:17)

ونحن لا ندعو هنا إلى العمل بحرفية هذه النصوص ـ خاصة مع الصغار ـ ولكنا نقول بأن مجرد انشغال الخاطر بحب عبادة الله والتفرغ لها يمكن أن يؤثر في إقرار المحبة لله في النفس خاصة إن صاحبها العزم الصادق، أو صاحبها التفرغ في بعض الأحيان، كأن يقوم الوالد مع والده بدورة روحية يكثر فيها من النوافل والذكر لتكون زادا إيمانيا يشحن الطاقات.

منشطات السلوك:

من حكايات الصالحين، وأشعار المحبين، والأناشيد التي تحمل هذه المعاني الجليلة، فكلها له تأثيره التربوي العظيم في تعميق هذه المعاني في النفس.

يقول الغزالي عن هذا السبيل:(ومن أسبابها، السماع ومجالسة الصالحين والخائفين والمحسنين والمشتاقين والخاشعين، فمن جالس شخصاً سرت إليه صفاته من حيث لا يدري)([11])

ولهذا كان المجاهدون يستثيرون داعية الغزو بالتشجيع وتحريك الغيظ والغضب على الكفار وتحسين الشجاعة واستحقار النفس والمال بالإِضافة إليه بالأشعار المشجعة، كما قال المتنبـي:

فإنْ لا تمت تحت السيوف مكرَّماً   تمت وتقاسِ الذلَّ غير مكرَّمِ

وقوله:

يرى الجبناءُ أنَّ الجبنَ حزمٌ   وتلك خديعةُ الطبعِ اللئيمِ

بل قد كان الصحابة يرتجزون في الجهاد وغيره لبث الحماس والنشاط، ومن ذلك ما روي عن البراء قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة يقول([12]):

اللهم لولا أنت ما اهتدينا

   ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا

   وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأولى قد بغوا علينا

  وإن أرادوا فتنة أبينا

ولهذا يمكن أن يوضع لهذا الأسلوب التربوي من الأناشيد ما يثبت معاني المحبة لله في القلوب، خاصة ونحن في عصر يكاد يقصر فيه استعمال المحبة على المحبة الشهوانية التي تنحرف بالفطرة البشرية انحرافا عظيما، وتحول العبد من عبودية الله إلى عبودية الهوى.

ولهذا كان من أهم الوسائل التي يقضى بها على هذا الحب الشاذ، هو تعميق معاني الحب الإيماني البديل، لأن الحب طاقة لا يمحوه إلا مثله أو أعظم منه، كما قال الشاعر:

كانت لقلبي أهواء مفرقةٌ

   فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي

فصار يحسدني من كنت أحسده

  وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي

تركت للناس دنياهم ودينهم

   شغلاً بذكرك يا ديني ودنيائي

وكما روي عن بشر بن الحارث أنه قال يحكي عن نفسه: مررت برجل وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل إلى الحبس، فتبعته فقلت له: لم ضربت؟ فقال: لأني عاشق، فقلت له: ولم سكت؟ قال: لأنّ معشوقي كان بحذائي ينظر إليَّ، فقلت: فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر قال: فزعق زعقة خرّ ميتاً.

2 ـ عبودية الشكر

وهو الثناء على المحسن بما أولاه من معروف، أو هو بعبارة أشمل (ظهور أثر النعم الإلهية على العبد في قلبه إيماناً، وفي لسانه حمداً وثناءً، وفي جوارحه عبادة وطاعة)

ويشير إلى أهمية تربية الأبناء على شكر الله من القرآن الكريم من موعظة لقمان([13]) u قوله تعالى: { وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لقمان:14)، فقد بدأ لقمان u بشكر الله، ثم عقب عليه شكر الوالدين، وفي ذلك إشارة تضاف إلى ما سبق ما ذكرنا من ضرورة الاهتمام بتنمية معاني العبادات القلبية في نفوس النشء.

وعلى طريقة الفقهاء في استنباط الأدلة على الأحكام الشرعية نقول: إن كل النصوص تدل على وجوب شكر الله، وهي من القطعية في الوضوح والدلالة ما لا يقل عن أدلة أركان الدين وأصوله، فلذلك نرى من المستغرب أن نهتم باعتبار الصلاة والصيام وغيرها واجبات نحرص عليها، ونتفنن في طرق تعليمها وتدريب الأبناء عليها، ثم لا نهتم بهذا الركن الركين من أركان الدين.

ولا بأس من سوق بعض الأدلة هنا على هذا:

فالله تعالى يأمر بالشكر بصيغة الجزم، قال تعالى: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} (البقرة:152)، بل نرى أنه جعل عدم الشكر كفرا، كما قال تعالى في الآية الأخرى: { إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (الزمر:7)

بل جعل الشكر من دلائل العبادة الصحيحة، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة:172)، وقال تعالى: { فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (النحل:114)

بل رتب العقوبة العظيمة على عدم الشكر، فقال تعالى: { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} (النساء:147)، وقال تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (ابراهيم:7)

ولذلك فإن القول بفرضية عبادة الشكر تجعل من الواجبات على الولي أن يربي ولده عليه، ومن واجبات جميع المؤسسات المكلفة برعاية النشء وتربيتهم تعميق معاني الشكر في نفوس الأولاد.

وقبل أن نسرد بعض الطرق التي تعمق معنى هذه العبادة في النفس نحب أن نبين أن لهذه العبادة تأثيرها العظيم على السلوك الديني والأخلاقي والاجتماعي.

وقد سبق أن ذكرنا في تعريف الشكر أنه ظهور أثر النعم الإلهية على العبد في قلبه إيماناً، وفي لسانه حمداً وثناءً، وفي جوارحه عبادة وطاعة.

وهذا الركن الأخير هو الذي نقصده بالآثار السلوكية لهذه العبادة القلبية، قال الغزالي في بيان حقيقة هذا الركن والأفعال التي يمكن أن تصدر كأثر من آثار الشكر القلبي:(وهذا العمل يتعلق بالقلب وباللسان وبالجوارح أما بالقلب فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق. وأما باللسان فإظهار الشكر لله تعالى بالتحميدات الدالة عليه، وأما بالجوارح: فاستعمال نعم الله تعالى في طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته، حتى إن شكر العينين: أن تستر كل عيب تراه لمسلم، وشكر الأذنين: أن تستر كل عيب تسمعه فيه، فيدخل هذا في جملة شكر نعم الله تعالى بهذه الأعضاء والشكر باللسان: لإظهار الرضا عن الله تعالى وهو مأمور به)([14])

بعد هذا، فإن من الأساليب التربوية التي تعمق معنى الشكر في نفوس الأولاد:

التأمل في نعم الله:

لأن الله تعالى جعل هذه النعم أسبابا لدعوة العباد إلى شكره تعالى، ولهذا قال إبراهيم u في دعائه: { وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (ابراهيم:37)، فدعا الله تعالى أن يرزقهم من الثمرات ليكون ذلك علة لشكرهم.

ولهذا يختم الله تعالى الآيات الذاكرة لفضله على عباده ومننه عليهم بهذه الفاصلة: { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }، كما قال تعالى في نهاية ذكر النعم المودعة في البحار: { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:14)

وقال في نعمة تسخير الحيوانات للإنسان: { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الحج:36)

وقال في نعمة الليل والنهار: { وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (القصص:73)

وقال في نعمة الإدراك: { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:78)

وقال في نعمة العفو عن الخطيئة: { ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:52)

وقال في نعمة بعث بني إسرائيل، وفيه إشارة إلى نعمة البعث مطلقا: { ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:56)

وقال في نعمة النصر: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (آل عمران:123)

وقال في نعمة التمكين في الأرض: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} (لأعراف:10)

وقال في نعمة التأييد والنصر والإيواء: { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (لأنفال:26)

بل إن هذه العلة أصل في الأحكام التشريعية، لأنها أيضا ـ بمنطق القرآن الكريم ـ من نعم الله على عباده، فلذلك قال تعالى بعد الأمر بصيام رمضان: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:185)

وقال في نهاية الأمر بتشريعات الطهارة: { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:6)

وقال في نهاية أحكام لغو اليمين: { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:89)

عبادة إحصاء النعم:

وهي من العبادات التي تنفتح نوافذها على محبة الله وشكره، بل التحقق بأكثر مقامات الإيمان، وبهذه العبودية يحفظ الولد من بلاء عد الأموال الذي ذمه الله تعالى في قوله: { الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} (الهمزة:2)

وقد أشار إلى هذه العبادة قوله تعالى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (ابراهيم:34)، وهذه الآية تشير إلى الصنف الغافل عن عد نعم الله، أو الغائب بالنعم عن المنعم.

وقال تعالى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (النحل:18)، وهي تخاطب المؤمن الذي يجد نفسه عاجزا عن عد نعم الله، فيستنجد بمغفرة الله ورحمته.

وإليها الإشارة الصريحة بقوله تعالى: { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (الضحى:11)، أي انشر ما أنعم اللّه عليك بالشكر والثناء، والتحدث بنعم اللّه، والاعتراف بها،

ولهذا ذم الله تعالى الغافلين عن النعم التاركين للشكر، فقال: { إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ} (يونس:60)، وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} (المؤمنون:78)

وأخبر تعالى أن هذا حال الكافرين، قال تعالى: { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} (النحل:83)

وقد كان من سنة السلف التحدث بنعم الله، ولو كانت من باب العبادات لأمنهم من الرياء من جهة، ولاعتبارها من أعظم نعم الله عليهم، وقد عبر عن هذا السلوك الإمام الحسن بقوله:(إذا أصبت خيرا، أو عملت خيرا، فحدث به الثقة من إخوانك)([15])

ومثل ذلك ظهور النعم على حال العبد، وقد روي عن مالك بن نضلة الجشمي قال: كنت عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم جالسا، فرآني رث الثياب فقال:(ألك مال؟)، قلت:(نعم، يا رسول اللّه، من كل المال)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا آتاك اللّه مالا فلير أثره عليك)([16])

ولهذا كان السلف يسأل بعضهم بعضا عن حاله، يقصد من ذلك استخراج شكر الله، والتحدث بنعم الله، ومن ذلك ما يروى عن بعضهم أنه قال لأخيه:(كَيْفَ أَصْبَحْتُ؟) قال:(بخير)، فأعاد السؤال حتى قال في الثالثة:(بخير أحمد الله وأشكره)، فقال: (هٰذا الِّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ)،

قال الغزالي:(وكان السلف يتساءلون ونيتهم استخراج الشكر لله تعالى ليكون الشاكر مطيعاً والمستنطق له به مطيعاً وما كان قصدهم الرياء بإظهار الشوق، وكل عبد سئل عن حال فهو بـين أن يشكر أو يشكو أو يسكت؛ فالشكر طاعة والشكوى معصية قبـيحة من أهل الدين، وكيف لا تقبح الشكوى من ملك الملوك وبـيده كل شيء إلى عبد ملوك لا يقدر على شيء؛ فالأحرى بالعبد إن لم يحسن الصبر على البلاء والقضاء وأفضى به الضعف إلى الشكوى أن تكون شكواه إلى الله تعالى، فهو المبلي والقادر على إزالة البلاء. وذل العبد لمولاه عز، والشكوى إلى غيره ذل؛ وإظهار الذل للعبد مع كونه عبداً مثله ذل قبـيح)([17])

ونحب أن ننبه هنا إلى أن من الأخطاء التربوية ربط الحمد على النعم الحادثة دون النعم المستقرة المستمرة، لأن ذلك قد يشوه معنى الحمد في قلب المتلقي، فيتصور أن النعم محصورة فيما يراه لا أنها تشمل كل شيء.

ولهذا قال الإمام علي:(إنّ لله تعالى عقوبات بالفقر ومثوبات بالفقر؛ من علامات الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن عليه خلقه ويطيع به ربه ولا يشكو حاله، ويشكر الله تعالى على فقره، ومن علاماته ـ إذا كان عقوبة ـ أن يسوء عليه خلقه ويعصي ربه بترك طاعته ويكثر الشكاية ويتسخط القضاء)

وهذا يدل على أن شكر الله يكون في حال الفقر والغني، ولا ينحصر في حال الغنى وحده.

بل ورد ما هو أخطر من ذلك، فقد ورد الترغيب في حمد الله حتى في الحالة التي يبلغ فيها الحزن بالإنسان منتهاه، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد)([18])

فالحمد عبادة ذاتية لله لا تتعلق بتقلبات المقادير وتصاريف الأحوال، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو الذي كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع ـ يحمد الله على نعمة طعام قد نمتلئ حزنا إذا ما قدم إلينا، ويحمد الله على نعمة العافية وهو محفوف بأنواع المخاطر التي تريد أن تجتثه من أصوله.

ولهذا، فإن تعريف المتلقي أنواع النعم ومحاولة إحصائها له دور كبير في تحقيقه بهذه العبادة، لأن الشكر ينطلق من معرفة النعمة منسوبة إلى خالقها.

وقد اهتم العلماء بتعداد النعم وتصنيفها، ولهم طرق كثيرة في ذلك:

منها: ردها إلى أصولها، فالنعم أصول وفروع، فالصحة نعمة أصلية، يتفرع عنها: الحركة، والمشي، والعمل، والرياضة، والأكل، والشرب، والنوم، والسفر، والتعلم.. ومثل الصحة: الوقت، والعلم، والمال.. فهي نعم أصلية تندرج تحت كل واحدة نعم لا تحصى.

وقد كتب الغزالي فصولا طويلة في تصنيف النعم، ومن التصنيفات التي ذكرها (أن الأسباب الدنيوية مختلطة قد امتزج خيرها بشرها، فقلما يصفو خيرها كالمال والأهل والولد والأقارب والجاه وسائر الأسباب، ولكن تنقسم إلى ما نفعه أكثر من ضره كقدر الكفاية من المال والجاه وسائر الأسباب، وإلى ما ضره أكثر من نفعه في حق أكثر الأشخاص كالمال الكثير والجاه الواسع، وإلى ما يكافىء ضرور نفعه وهذه أمور تختلف بالأشخاص؛ فرب إنسان صالح ينتفع بالمال الصالح وإن كثر فينفقه في سبـيل الله ويصرفه إلى الخيرات، فهو مع هذا التوفيق نعمة في حقه، ورب إنسان يستضر بالقليل أيضاً إذ لا يزال مستصغراً له شاكياً من ربه طالباً للزيادة عليه، فيكون ذلك مع هذا الخذلان بلاء في حقه)([19])

ومنها أنّ النعمة يعبر بها عن كل لذيذ، واللذات بالإضافة إلى الإنسان من حيث اختصاصه بها أو مشاركته لغيره ثلاثة أنواع: عقلية، وبدنية مشتركة مع بعض الحيوانات، وبدنية مشتركة مع جميع الحيوانات:

أما العقلية فكلذة العلم والحكمة، إذ ليس يستلذها السمع والبصر والشم والذوق ولا البطن ولا الفرج،

أما الثانية: فهي لذة يشارك الإنسان فيها بعض الحيوانات كلذة الرئاسة والغلبة والاستيلاء، وذلك موجود في الأسد والنمر وبعض الحيوانات.

وأما الثالثة: فهي ما يشارك فيها سائر الحيوانات كلذة البطن والفرج، وهذه أكثرها وجوداً وهي أخسها، ولذلك اشترك فيها كل ما دبّ ودرج حتى الديدان والحشرات.

ومن جاوز هذه الرتبة تشبثت به لذة الغلبة، وهو أشدّها التصاقاً بالمتغافلين، فإن جاوز ذلك ارتقى إلى الثالثة فصار أغلب اللذات عليه لذة العلم والحكمة، لا سيما لذة معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وأفعاله، وهذه رتبة الصدّيقين([20]).

وقد كتب بعض المعاصرين مصنفا النعم التي تصيب الإنسان إلى ثلاث أصناف أساسية هي([21]):

النعم المرتبطة بالخلق: وتشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا مخلوقات، فهي نعم متفرعة عن نعمة الخلق والإيجاد، وهي تشمل سلسلة لا تنتهي من الترتيبات الكونية جعلت حياتنا على هذا الكوكب ممكنة، وقد عرف الإنسان اليوم ما لم يكن يعرفه أسلافه عن هذه الترتيبات، وعرف من دقتها أن أي خلل يقع في واحد منها يجعل الحياة على الأرض مستحيلة..

ومن الأمثلة على ذلك أنه لو كانت الأرض أقرب إلى الشمس مما هي عليه الآن لكانت كالكواكب القريبة منها كوكباً ملتهباً وساخناً تصل حرارته إلى بضع مئات، ولو كان القمر أقرب إلى الأرض منه الآن لارتفع المد في البحار إلى الدرجة التي تغرق فيها المناطق الساحلية المأهولة، وإذا زاد المد أزالت الأمواج أعلى قمم الجبال في أيام، ولو لم يكن للأرض غلاف هوائي لم يمكن وجود حياة، ولو لم يكن فيها ماء لم يظهر كائن حي واحد، ولو لم تكن تدور على نفسها وحول الشمس لم يمكن بقاؤها في مدارها، بل إن وقوفوها للحظة واحدة يعني اجتذاب الشمس لها وفناءها السريع بالاندماج مع هذا النجم المشتعل الذي يزود الأرض بحاجتها من الضوء وهو على بعد مئة وخمسين مليوناً من الكيلومترات.. والأمثلة لا تحصى.

النعم المرتبطة بالنوع: وهي تشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا آدميين، فهي نعم متفرعة عن نعمة الآدمية والإنسانية، ومنها: أنه تعالى خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعله عاقلاً ناطقاً، وسخر له ما في السموات والأرض، وأنزل إليه الكتب، وبعث إليه الرسل، ووعده على الإيمان والطاعة بالجنة.

فهذه الشمس، وهذا القمر، وهذه النجوم، والجبال، والبحار، والأنهار والأشجار، والدواب، والأنعام، والأسماك، والمعادن، والثمار.. كلها سخرة له، يأكل، ويلبس، ويفترش، ويدخر، ويتنزه.. فتمت نعمة الله عليه بما أعطاه من قدرة على التسخير، وبما جعل في هذا الكون من استعداد للتسخير. 

النعم المرتبطة بالهداية: وتشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا مسلمين، فهي نعم متفرعة عن نعمة الهداية والإيمان، وأعظمها في الدنيا هي: نعمة الإيمان نفسه، وأعظمها في الآخرة: رضوان الله تعالى ورؤيته، وجواره في جنته، وصحبة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين من عباده، كما قال تعالى: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الحجرات:17)، وقال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً } (المائدة:3)

وتتفرع عن نعمة الهداية والإيمان نعم كثيرة، منها: الأمن، والسكينة، والمغفرة، والرحمة، والتيسير، والرزق الواسع، والبركة في المال والعمل والأهل، وغيرها كثير.

أذكار الشكر:

لأجل الإعانة على إحصاء النعم وردت الأذكار الكثيرة الدالة على حمد الله على نعمه المختلفة، وهذه الأذكار لها دورها التربوي الكبير، ذلك لأن تحفيظها للصغير من أول نشوئه، وتعليمه معانيها، والحرص على تنفيذه لها له له أثر في تحقيقه بمعانيها، كما رأينا مثل ذلك مع سهل التستري.

وذلك لأن جوهر قلب الصبي لا يزال محفوظا من أدران الشبهات والشهوات، فلذلك سرعان ما ينصبغ بصبغة ما يلتزمه أو يداوم عليه.

فلذلك يمكن للوالد الصالح أن يجمع أبناءه على هذه الأذكار فيدعون بها جماعة في أوقاتها باستغراق واستشعار لمعانيها، لتفعل فعلها بعد ذلك بالتدريج.

ولا بأس أن نذكر هنا بعض هذه الأذكار، كنماذج للمعاني الروحية العميقة التي تقررها في النفس، وخاصة معنى الشكر الذي نحن بصدده.

ففي الصباح عندما يستيقظ ينبه إلى حمد ربه على نعمة استيقاظه كما يحمده على نومه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أوى إلى فراشه قال:(باسمك اللهم أحيا وأموت؛ وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)([22])

ويعدد صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر آخر بعض هذه النعم التي تستحق الحمد، فيقول صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره)([23])

وفي ذكر آخر يقال عند الاستيقاظ من الليل يعدد نعما أخرى، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ما من رجل ينتبه من نومه فيقول: الحمد لله الذي خلق النوم واليقظة، الحمد لله الذي بعثني سالما سويا، أشهد أن الله يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير. إلا قال الله تعالى: صدق عبدي)([24])

فإذا طلعت شمس اليوم حمد الله على طلوعها، وعلى فضل الله باليوم الجديد، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا طلعت الشمس قال:(الحمد لله الذي جللنا اليوم عافيته، وجاء بالشمس، من مطلعها، اللهم أصبحت أشهد لك بما شهدت به لنفسك، وشهدت به ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك إنك أنت الله لا إله إلا أنت القائم بالقسط، لا إله إلا أنت العزيز الحكيم، اكتب شهادتي بعد شهادة ملائكتك وأولي العلم، اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك السلام، أسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تستجيب لنا دعوتنا، وأن تعطينا رغبتنا، وأن تغنينا عمن أغنيته عنا من خلقك، اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معيشتي، وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي)([25])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا أصبح:(أصبحنا وأصبح الملك لله عز وجل، والحمد لله، والكبرياء والعظمة لله، والخلق والأمر والليل والنهار وما سكن فيهما لله تعالى، اللهم! اجعل أول هذا النهار صلاحا، وأوسطه نجاحا وآخره فلاحا، يا أرحم الراحمين)([26])

فإذا أمسى كان أول ما يذكره هو حمد ربه تعالى، فيقول:(أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له)([27])

فإذا جاء الشهر الجديد حمد الله على نعمة الله بقدومه، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى الهلال قال:(هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالله الذي خلقك، ثلاث مرات، ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا)([28])

وكان يتذكر في كل نعمة المنعم بها، بل يسبق ذكر المنعم النعمة:

فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يذكر نعمة الصورة، ويحمد الله المصور، فكان إذا نظر في المرآة قال:(الحمد لله، اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي)([29])

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بحمد نعمة العافية إذا رؤي المبتلون، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء)([30])

فإذا حضر الطعام حمد الله على نعمة الطعام، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا فرغ من طعامه قال:(اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت وأحسنت، فلك الحمد على ما أعطيت)، وكان يقول:(الحمد لله الذي من علينا وهدانا، والذي أشبعنا وأروانا، وكل الإحسان آتانا)([31])

فإذا رزق الثوب الجديد حمد الله على هذا الرزق، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من لبس ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به، كان في حفظ الله، وفي كنف الله عز وجل، وفي ستر الله حيا وميتا)([32])

بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل مع هذا الجديد معاملة خاصة دالة على مبلغ الشعور بالنعمة، فقد كان إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء ثم يقول:(اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له)([33])

وفي حديث آخر يجمع بين الحمد والتبري من الحول والقوة ليخلص الحمد بذلك لله تعالى، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(من لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه)([34])

فإذا رجع إلى بيته كان أول ما يقول:(الحمد لله الذي كفاني وآواني، والحمد لله الذي أطعمني وسقاني، والحمد لله الذي من علي، أسألك أن تجيرني من النار)([35])

فإذا عبد الله حمد الله على نعمة التوفيق، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أفطر قال:(الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت)([36])

بل امتد حمد الله في الأذكار الشرعية حتى شمل نعمة الخلاء، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج من الخلاء قال:(الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في قوته، ودفع عني أذاه)، وفي ذكر آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم:(غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)([37])

وبما أن الأحوال لا نهاية لها، ولا يمكن إحصاؤها، فقد ورد الأمر بحمد لله في كل الأحوال، واعتبار العمل الخالي من الحمد ممحوق البركة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع)([38])

بالإضافة إلى كل هذا وردت الأذكار الكثيرة في حمد الله مقرونة بالنعم أو مطلقة لتشمل كل النعم، وورد الجزاء الجليل عليها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس)، وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن:(أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت)([39])

ووردت هذه الأذكار مقرونة بالأعداد الضخمة كبديل عن الإحصاء المعجز، عن جويرية أم المؤمنين، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة فيه، فقال:(ما زلت اليوم على الحالة التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)([40])

وهكذا نجد الأدعية الكثيرة الواردة عن ورثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيته الطيبين الطاهرين الذين تركوا لنا الكثير من الأدعية والمناجيات التي تساهم في تعليم الشكر، ومنها مناجاة الشاكرين المروية عن الإمام السجاد، والتي يقول فيها: (إلهي أذهلني عن إقامة شكرك تتابع طولك، وأعجزني عن إحصآء ثنآئك فيض فضلك، وشغلني عن ذكر محامدك ترادف عوآئدك، وأعياني عن نشر عوارفك توالي أيديك، وهذا مقام من اعترف بسبوغ النعمآء، وقابلها بالتقصير، وشهد على نفسه بالإهمال والتضييع، وأنت الرؤوف الرحيم البر الكريم، الذي لا يخيب قاصديه، ولا يطرد عن فنآئه آمليه، بساحتك تحط رحال الراجين، وبعرصتك تقف آمال المسترفدين، فلا تقابل آمالنا بالتخييب والإياس، ولا تلبسنا سربال القنوط والإبلاس)

ويقول فيها: (إلهي تصاغر عند تعاظم آلائك شكري، وتضاءل في جنب إكرامك إياي ثنآئي ونشري، جللتني نعمك من أنوار الإيمان حللا، وضربت علي لطآئف برك من العز كللا، وقلدتني منك قلائد لا تحل، وطوقتني أطواقا لا تفل، فآلاؤك جمة ضعف لساني عن إحصائها، ونعمآؤك كثيرة قصر فهمي عن إدراكها فضلا عن استقصآئها، فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري إياك يفتقر إلى شكر، فكلما قلت: لك الحمد، وجب علي لذلك أن أقول: لك الحمد)

ويقول فيها: (إلهي فكما غذيتنا بلطفك، وربيتنا بصنعك، فتمم علينا سوابـغ النعم، وادفع عنا مكاره النقم، وآتنا من حظوظ الدارين أرفعها وأجلها عاجلا وآجلا، ولك الحمد على حسن بلائك وسبوغ نعمآئك حمدا يوافق رضاك، ويمتري العظيم من برك ونداك، يا عظيم يا كريم، برحمتك يا أرحم الراحمين)

3 ـ عبودية الصبر

وهي من أهم العبادات التي تتعلق التربية الصحية للأولاد بها، ولذلك ورد في موعظة لقمان u لابنه قوله تعالى: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان:17)

فقد ختم الله بالأمر بالصبر جملة من العبادات التي لا يستقيم دين المرء إلا بها، وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى على لسان لقمان u: { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ } (لقمان:17)، وفي ذلك دلالة على افتقار كلا العبادتين إلى الصبر.

انطلاقا من الأهمية العظمى للتربية على الصبر نحاول هنا أن نذكر أهم ما يتعلق به من أحكام وثمرات وطرق تربوية ترسخ حقيقته في نفوس الأولاد، فقد وصف الله الصابرين بأوصاف وخصّهم بخصائص لم تكن لغيرهم،وذكر الصبر في نحو تسعين موضعاً من الكتاب الكريم، وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له.

وقد اتفق العلماء على أن أصل الصبر واجب، لأنه لا يستقيم التعامل التعبدي مع الله بدون الصبر، ويدل على هذا الوجوب أدلة كثيرة.

منها ورود النصوص بصيغة الأمر الجازم، وهي تفيد الوجوب، كما قال تعالى: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:200)

ومنها ورود النصوص بالنهي عن ضد الصبر من الاستعجال والضجر والجزع وغيرها، ومن ذلك قوله تعالى: { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} (الاحقاف:35)، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} (لأنفال:15)، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (محمد:33)، بل إن النصوص الآمرة بالالتزام بطاعة الله تعالى هي في حقيقتها آمرة بالصبر لافتقار الصبر للثبات على الالتزام.

ومنها أن الله تعالى حكم بالخسران على من لم يكن من أهل الصبر فقال تعالى أولا: { إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (العصر:2)، ثم استثنى أصحاب الصفات التالية: { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر:3)، ومثل ذلك تخصيص الله تعالى أصحاب اليمين بأنهم أهل الصبر والمرحمة فقال تعالى: { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} (البلد:17)

ومنها اقتران الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان والإحسان، وهي كلها من الفرائض، وفي ذلك دليل على اقترانه معها في حكم الوجب، ومن ذلك:

1 ـ اقتران الصبر بالصلاة كما قال تعالى: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)

2 ـ اقتران الصبر بالأعمال الصالحة، كما قال تعالى: { إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (هود:11)

3 ـ اقتران الصبر بالتقوى، كما قال تعالى: { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف:90)

4 ـ اقتران الصبر بالتواصي بالحق، كما قال تعالى: { وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر:3)

5 ـ اقتران الصبر بالرحمة، كما قال تعالى: { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة} (البلد:17)

6 ـ اقتران الصبر باليقين، كما قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة:24)

7 ـ اقتران الصبر بكثير من أعمال البر، كما قال تعالى: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب:35)، وقال تعالى: { الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} (آل عمران:17)

ومع هذه الأدلة الكثيرة وغيرها، فإن الصبر قد يكون مستحبا في بعض الأحوال، وذلك فيما لو كان الصبر عن أمر مستحب، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (النحل:126)، في هذه الآية تخيير للمؤمن بين عقوبة من ظلمه، كما قال تعالى في الاية الأخرى: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } (البقرة:194)، وبين الصبر مع اعتباره هو الأفضل، ولذلك وصفه بالخيرية وعقب عليها بقوله تعالى: { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} (النحل:127)

بناء على هذا فإن تمرين الأولاد على الصبر لله وبالله، كما قال تعالى: { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ } (النحل:127) له تأثيره التربوي الكبير على سلوكه الروحي والأخلاقي والاجتماعي، لأن كل ذلك يفتقر إلى الصبر في تحقيقه.

ولهذا اعتبر تعالى الصبر من وسائل التزكية مثله مثل الصلاة، فقال: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)

وأخبر تعالى أن تأييده لعباده على أنفسهم أو على عدوهم مرتبط بمدى صدق صبرهم، فقال: { بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ} (آل عمران:125)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(واعلم أن النصر مع الصبر)([41])

وأخبر تعالى أن كيد أعدائهم مهما كان نوعه ومهما كان موضوعه مرتبط بالصبر، فقال تعالى: { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران:120)

وسنذكر هنا بعض ثمرات الصبر العملية في السلوك الروحي، الذي هو أساس كل سلوك وروحه ومنطلقه، وذلك لأن أداء جميع الطاعات، والانتهاء عن جميع المعاصي يفتقر إلى الصبر ابتداء ودواما، كما قال تعالى في أهل العلم الذين علموا قومهم المفتونين بقارون: { وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} (القصص:80)، وكما قال عند الأمر بالدفع بالتي هي أحسن: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت:35)

وهذ يشير إلى صعوبة السلوك وشدته، وذلك ـ كما يعبر الغزالي ـ لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي الربوبـية، كما قال بعض العارفين:(ما من نفس إلا وهي مضمرة ما أظهره فرعون من قوله: { أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى } ولكن فرعون وجد له مجالاً وقبولاً فأظهره إذ استخف قومه فأطاعوه)([42])

ولذلك فإن العبودية شاقة على النفس مطلقاً، سواء بسبب الكسل كالصلاة، أو بسبب البخل كالزكاة، أو بسببهما جميعاً كالحج والجهاد، ولذلك كان الصبر على الالتزام على الطاعة نوعا من أنواع الصبر على الشدائد.

فقبل الطاعة، يحتاج المطيع إلى تصحيح النية والإخلاص والصبر عن شوائب الرياء ودواعي الآفات وعقد العزم على الإخلاص والوفاء. وذلك كله من الصبر الشديد لكثرة آفات الرياء وعظم مكائد النفس، ولهذا قدم الله تعالى الصبر على العمل فقال تعالى: { إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (هود:11)

وحال الطاعة يحتاج المطيع إلى الصبر كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه ويدوم على شرط الأدب إلى آخر العمل الأخير فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ، وهو أيضاً من شدائد الصبر، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (العنكبوت:58 ـ 59)

وبعد الفراغ من العمل، يحتاج المطيع إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به للسمعة والرياء والصبر عن النظر إليه بعين العجب وعن كل ما يبطل عمله ويحبط أثره كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} (البقرة:264)، فمن لم يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى فقد أبطل عمله، ولهذا قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (محمد:33)

ومثل حاجة الطاعات إلى الصبر وافتقارها إليه وكونه ركنا من أركانها، فإن المعاصي كذلك تفتقر إلى الصبر، بل إن أشد أنواع الصبر ـ كما يذكر الغزالي ـ هي الصبر عن المعاصي التي صارت مألوفة بالعادة (فإن العادة طبـيعة خامسة، فإذا انضافت العادة إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله تعالى فلا يقوى باعث الدين على قمعها)([43])

والصبر ـ زيادة على هذا التأثير السلوكي ـ هو العلاج الرباني لكل ما يهجم على الإنسان من صروف البلاء التي هي من ضرورات تكليفه واختباره لتمحيص معدنه:

فهو العلاج الذي يواجه به أذى الخلق، وهو ما نص عليه قوله تعالى في جواب المؤمنين لمن آذاهم: { وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (ابراهيم:12)، وهو توجيه الله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللثلة المؤمنة في الوقت الذي اجتمعت عليهم صنوف الأعداء، كما قال تعالى: { وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} (الأحزاب:48)، وقال تعالى: { وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} (المزمل:10)، وقال تعالى: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} (الحجر:97 ـ 98)، فأرشد إلى مقابلة الأذى بعبادة الله لا بمواجهته، وقال تعالى: { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (آل عمران:186)، وقال تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (النحل:126)

وهو العلاج لحر المصائب التي تنزل على الإنسان من غير اختياره ولا اختيار أحد من الخلق، لأنه نوع من مواجهة المقادير الإلهية من غير ضجر ولا جزع، قال الغزالي:(فإن قلت: فبماذا تنال درجة الصبر في المصائب وليس الأمر إلى اختياره؟ فهو مضطر شاء أم أبى، فإن كان المراد به أن لا يتكون في نفسه كراهية المصيبة فذلك غير داخل في اختيار فاعلم أنه إنما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع وشق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة وتغيـير العادة في الملبس والمفرش والمطعم، وهذه الأمور داخلة تحت اختياره فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضا بقضاء الله تعالى ويبقى مستمرّاً على عادته، ويعتقد أنّ ذلك كان وديعة فاسترجعت)([44])

فالصبر بذلك هو الحصن الذي يحتمي به المؤمن من كل الأمراض النفسية التي تسببها أنواع البلاء.

وعطاء الصبر النفسي لا يتوقف عند هذا الحد، بل هو العلاج النفسي لكل النواحي الفطرية التي قد لا تتناسب مع كمال الإنسان وسيره السلوكي:

فهو علاج الاستعجال الذي هو فطرة بشرية، كما قال تعالى: { خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } (الانبياء:37)، وهذا العلاج له أهميته الكبرى في جميع ميادين الحياة، فلا يمكن أن يقوم المستعجل بأي عمل كامل صحيح.

وهو علاج الغضب، ولذلك لما خرج يونس u مغاضباً قومه ابتلاه الله بالحوت، فتعلم الصبر في بطن الحوت، قال تعالى: { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} (القلم:48)

وهو علاج اليأس، لأن اليائس يستعجل حصول الثمرة، ولذلك حذر يعقوب u أولاده من اليأس، فقال: { يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف:87)

وهو مع معجون الشكر علاج عمى القلوب عن إدراك الحقائق، ولهذا ورد في أربع مواضع في القرآن الكريم الإخبار بأنه لا ينتفع بالآيات إلا أهل الصبر والشكر، لأن الإيمان نصفان: صبر وشكر، قال تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (ابراهيم:5)، وقال تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (لقمان:31)، وقال تعالى: { فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (سـبأ:19)، وقال تعالى: { إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (الشورى:33)

وكل ما ذكرنا من ثمار الصبر هي غيض من فيض، فثمرات الصبر التربوية كأجره لا حساب ولا عد لها، كما قال تعالى: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10)، فهما أجران أخروي لا نعلم مقداره، ودنيوي بالثمرات التربوية الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى.

ولذلك جعل الله تعالى الصبر من صفات أئمة الهدى، قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة:24)

بل هو من صفات أولي العزم من الرسل الذين هم قادة الخلق، قال تعالى: { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } (الاحقاف:35)

والصبر كغيره من العبادات الروحية من الأمور الكسبية التي يمكن للمكلف أن يؤديها ويتخلق بها، لأن الله تعالى لا يكلفنا بمستحيل لا تستطيعه فطرتنا، وإلا كان ذلك التكليف عبثا، ولهذا ورد في السنة ما يفيد إمكانية التحقق بالصبر، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(ومن يتصبّر يصبّره الله)([45])، وهو بذلك كسائر الأخلاق كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في بقية الحديث:(ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، وما أعطي عبد عطاء هو خير وأوسع من الصبر)

وسنذكر هنا بعض المعارف التي لها تأثيرها الكبير في التحقق بهذه العبادة العظيمة:

معرفة حقيقة وظيفة الإنسان في هذه الدنيا:

وهذه هي المعرفة الأساسية التي تضع الإنسان في محله الحقيقي في هذا الكون، وبالتالي تبرر سلوكياته فيه، وهي مثل تعرف العامل في المنجم على طبيعة وظيفته التي تقتضي وجوده في ذلك الجو.

ولهذا يعرفنا القرآن الكريم دائما بحقيقة هذه الحياة الدنيا وأنواع الكبد والكدح الذي يعانيه الإنسان فيها وما جُبِلت عليه من المشقة والعناء لتكون هذه المعارف زادا لصبرنا على ما فيها من المشاق، كما قال الشاعر:

*جبلت على كدرٍ وأنت تريدها= صفو من الآلام والأكدار

ومكلف الأيام ضد طباعها =  متطلب في الماء جذوة نار*

فغاية وجود الإنسان في هذه الدنيا هي الكدح إلى أن يلاقي ربه، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ} (الانشقاق:6)، بل إن الله تعالى عبر عن هذا الكبد([46]) بصيغة الظرفية، فقال: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد:4)

وقد ذكر سيد قطب بعض مظاهر الكبد التي يعانيها الإنسان في هذه الحياة منذ مجيئه إليها إلى خروجه منها، فقال: (.. فالخلية الأولى لا تستقر في الرحم حتى تبدأ في الكبد والكدح والنصب لتوفر لنفسها الظروف الملائمة للحياة والغذاء – بإذن ربها – وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج، فتذوق من المخاض – إلى جانب ما تذوقه الوالدة – ما تذوق، وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى كاد يختنق في مخرجه من الرحم.. ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر. يبدأ الجنين ليتنفس هذا الهواء الذي لا عهد له به، ويفتح فمه ورئتيه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية! وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة! ويعاني في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد! وكل خطوة بعد ذلك كبد، وكل حركة بعد ذلك كبد. والذي يلاحظ الوليد عندما يهم بالحبو وعندما يهم بالمشي يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة.. وعند بروز الأسنان كبد. وعند انتصاب القامة كبد. وعند الخطو الثابت كبد. وعند التعلم كبد. وعند التفكر كبد. وفي كل تجربة جديدة كبد كتجربة الحبو والمشي سواء! ثم تفترق الطرق، وتتنوع المشاق ؛ هذا يكدح بعضلاته. وهذا يكدح بفكره. وهذا يكدح بروحه. وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء. وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف… وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله. وهذا يكدح لشهوة ونزوة. وهذا يكدح لعقيدة ودعوة. وهذا يكدح إلى النار. وهذا يكدح إلى الجنة.. والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحا إلى ربه فيلقاه! وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء. وتكون الراحة الكبرى للسعداء) ([47])

 ثم ختم ذلك بقوله:(إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا تختلف أشكاله وأسبابه، ولكنه هو الكبد في النهاية. فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمر في الأخرى. وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله)([48])

بل إن الفخر الرازي في تعليقه على هذه الآية {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد:4) ينفي وجود اللذة أصلا، لأن الدنيا طبعت على الآلام، قال:(وعندي فيه وجه آخر، وهو أنه ليس في هذه الدنيا لذة البتة، بل ذاك الذي يظن أنه لذة فهو خلاص عن الألم، فإن ما يتخيل من اللذة عند الأكل فهو خلاص عند ألم الجوع، وما يتخيل من اللذات عند اللبس فهو خلاص عن ألم الحر والبرد، فليس للإنسان، إلا ألم أو خلاص عن ألم وانتقال إلى آخر، فهذا معنى قوله تعالى: {: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد:4))([49])

بل إن الفخر الرازي عرج من هذا إلى الاستدلال على البعث، فقال:(ويظهر منه أنه لا بد للإنسان من البعث والقيامة، لأن الحكيم الذي دبر خلقة الإنسان إن كان مطلوبه منه أن يتألم، فهذا لا يليق بالرحمة، وإن كان مطلوبه أن لا يتألم ولا يلتذ، ففي تركه على العدم كفاية في هذا المطلوب، وإن كان مطلوبه أن يلتذ، فقد بينا أنه ليس في هذه الحياة لذة، وأنه خلق الإنسان في هذه الدنيا في كبد ومشقة ومحنة، فإذا لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى، لتكون تلك الدار دار السعادات واللذات والكرمات)

وهذا هو الفهم الإسلامي الأصيل لحقيقة الدنيا وحقيقة تعامل الإنسان معها لا الذي يعتبر الكبد مبررا لجمع أكبر قدر من اللذات الوهمية، لأن اللذات الوهمية تظل وهمية ولو جمع منها ما لا طاقة للجبال بحمله.

معرفة جزاء الصبر:

انطلاقا من المعرفة السابقة فإن اللبيب هو الذي يستثمر فيما لا بد له منه، فيغنم أكبر الغنائم من غير أن يخسر شيئا، فما دام الكبد وصفا لازما للدنيا يستوي فيه السعيد والشقي، فإنه من الشقاء استثمار هذا الكبد في غرس زرع الكبد الدائم، كما قال تعالى في وصف بعض الكادحين: { عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} (الغاشية:3)، ثم عقب عليها بمصير كدحها، فقال تعالى: { تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً} (الغاشية:4)

ولهذا ينهى الله تعالى المؤمنين عن التقصير في طلب العدو، ويعلل ذلك بأنهم مع عدوهم في الألم سواء، ولكنهم يمتازون عن عدوهم بما يرجون من الله من الأجر مما لا يرجوه عدوهم، قال تعالى: { وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء:104)، قال ابن كثير:(أي أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من اللّه المثوبة والنصر والتأييد كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو وعد حق، وخبر صدق، وهم لا يرجون شيئاً من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم وأشد رغبة فيه، وفي إقامة كلمة اللّه وإعلائها)([50])

وبذلك تصف هذه الآية سبيلا من سبل التحقق بالصبر، بل تخفيف الصبر وتحويل ناره إلى لذة إيمانية عظيمة، يغفل صاحبها بما أعد له من أجر عما يعانيه من بلاء، كما روي عن امرأة فتح الموصلي، أنها عثرت، وانقطع ظفرها، فضحكت، فقيل لها: أما تجدين الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبـي مرارة وجعه)، وقال شريح:(إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي وأحمده إذ رزقني الصبر عليها وأحمده إذ وفقني للإسترجاع لما أرجو فيه من الثواب وأحمده إذ لم يجعلها في ديني)

بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل العافية عندما يعاينون جزاء الصابرين يودون لو كانت الدنيا بلاء محضا، قال صلى الله عليه وآله وسلم:(يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض)([51])

ولا بأس أن نذكر هنا بعض أجزية الصبر مما قد يذكر للولد على سبيل الموعظة أو المعلومة أو الحوار كما ذكرنا في أساليب التربية.

فالله تعالى علّق الفلاح عليه فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:200)، والفلاح هو الفوز الحقيقي الشامل بخيري الدنيا والآخرة.

وأخبر تعالى أن جزاء الصبر لا حد له ولا حساب، وهو مما يزيد طمع المؤمنين في التخلق به، قال تعالى: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10)، أي بغير نهاية، لأن كل شيء دخل تحت الحساب فهو متناه، فما لا نهاية له كان خارجاً عن الحساب.

وقد صور السلف ذلك، فقال الأوزاعي:(ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفاً)، وقال ابن جريج:(بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك)، وقال سليمان بن القاسم:(كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر لأجل هذه الآية)

ومن جزاء الصابرين ما ورد في قوله تعالى: { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:155 ـ 157)، فقد جعل الله تعالى للصبر في هذه الآيات ثلاثة أنواع من الجزاء كل واحد منها عالم من عوالم الجزاء، هي الصلاة منه والرحمة والهداية.

ومن جزاء الصابرين أن ملائكته تسلّم عليهم في الجنة، قال تعالى: { سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد:24)

ومن جزائهم المكانة العظيمة التي ينزلونها في الدنيا والآخرة، والتي هي أكبر من كل جاه دنيوي، قال تعالى: { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشورى:43)، ومما جاء في وصية لقمان الحكيم u لولده: { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان:17)

بل إن الله تعالى علّق محبته بالصبر، وجعلها لأهل الصبر، فقال تعالى: { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:146)

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض جزاء الصابرين، فبشر الذي يصبر على فقد عينيه بالجنة، فقال:(إن الله تعالى قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة)([52])

وبشر الصابر على فقد صفيّه من أهل الدنيا بالجنة، فقال:(ومالعبد مؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)([53])

ولما مرضت الأمة السوداء بالصرع جاءت تشتكي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إني أُصرع وإني أتكشف فادعُ الله لي، قال:(إن شئتِ صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيكِ)، فقالت:(أصبر ولكن ادع الله لي ألا أتكشف)، فدعا لها فكانت تصرع ولا تتكشف([54]).

الثقة بحصول الفرج:

وهو من أهم الأدوية، ويدل على حسن الظن بالله، فإن الله تعالى برحمته جعل مع كل عسر يسرين، قال تعالى: { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} (الشرح:5 ـ 6)، فعرف العسر بـ [أل] ليبقى هو نفسه، ونكر اليسر دلالة على أنه يسر ثان، لأن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه، فهو هو، وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره، وهما اثنان([55]).

ولهذا قال ابن عباس:(يقول اللّه تعالى خلقت عسرا واحدا، وخلقت يسرين، ولن يغلب عسر يسرين)، وقال ابن مسعود:(والذي نفسي بيده، لو كان العسر في حجر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه؛ ولن يغلب عسر يسرين)، بل ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه السورة قوله:(لن يغلب عسر يسرين)([56])

وأساس انتظار الفرج هو الشعور بقرب الله ورحمته، والتفكر في فضله ورأفته والذي يجر إلى إحسان الظن به، كما قال الشاعر:

أحسن الظن برب عودك

   حسنا أمس وسوى أودك

إن ربا كان يكفيك الذي

  كان بالأمس سيكفيك غدك

وقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم انتظار الفرج عبادة، فقال:(أفضل العبادة انتظار الفرج)([57])

قال الحكيم الترمذي مبينا سر اعتبار انتظارالفرج عبادة:(لأن في انتظار الفرج قطع العلائق والأسباب إلى الله تعالى وتعلق القلب به وشخوص الأمل إليه والتبري من الحول والقوة فهذا خالص الإيمان)([58])

قصص الصابرين:

لأن الله تعالى جعل من قصص الصالحين حاديا يسوق عباده الصالحين إلى سبيله، ولذلك كلما استكثر المربي من هذا النوع من القصص التربوي كان ينشر القيم النبيلة في نفس الولد، ويعمق فيه معاني الحقائق التي تنطوي عليها هذه العبادات العظيمة.

ولهذا يرد في القرآن الكريم ذكر نماذج الصابرين من أولي العزم من الرسل، فهذا نوح u صبر في دعوته لقومه صبراً عظيماً دام ألف سنة إلا خمسين عاماً، صبر على الجهاد والدعوة، وصبر على الإيذاء والسخرية، اتهموه بالجنون والسحر والضلال، وهو يقابل كل ذلك بالصبر.

وهذا إبراهيم u يتعرض للمحن العظيمة، فيصبر صبر الموحد الموقن بوعد الله، حتى أنه لما ألقي في النار لم يتأفف ولم يضطرب، بل صاح قائلا:(حسبي الله ونعم الوكيل)، بل إنه لما أُمِر بذبح ولده صبر وهمّ بذبح الولد، وأخذ السكين وأضجع الولد استسلاماً لأمر الله، ولهذا مدحه الله تعالى وجعله للناس إماما، فقال: { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً } (البقرة:124)

وهذا موسى u يواجه التهديد والإيذاء من قومه وقوم فرعون قبلهم، فيصبر على ذلك جميعا، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يذكره في مواقف البلاء التي تعرض له، فيقول:(رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)

وهذا عيسى u يعانى من بني إسرائيل ما يعاني، حتى تآمروا على قتله وصلبه وصبر حتى رفعه الله إليه.

وهذا خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم يتعرض للأذى والاضطهاد، بكل صنوفه وأنواع، فلا يضطرب ولا يتأثر، ولا تنهد عزيمته بل ينقى سائرا في طريق الله إلى أن نصره الله على أعدائه وبلغ ما كلف به من الراسلة أتم بلاغ وأحسنه.

وعلى هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سار ورثة النبوة ومن بعدهم وفي قصصهم جميعا عبرة لأولي الألباب، فيستكثر منها المربي قدر ما أطاق، فهي جند الله الذي يعمل عمله في إصلاح القلوب.

ثانيا: عبادات الجوارح

نريد بعبادات الجوارح: العبادات التي نصت عليها أحكام الشريعة، ويشير إليها قول لقمان u لابنه: { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان:17)، فقد أمر لقمان u ابنه بإقامة الصلاة، وهي من أهم عبادات الجوارح.

ولهذه العبادات تأثيرها الخطير في الحياة الروحية للصبي، بل في تكوين شخصيته بجميع جوانبها.

فحرصه على الصلاة مثلا في مواقيتها ـ زيادة على معانيها الروحية العظيمة ـ يدربه على النظام والنظافة والاستقامة، فإن صلاها في جماعة كان لذلك أبعاد اجتماعية بالإضافة إلى الأبعاد النفسية، ولهذا اعتبر القرآن الكريم الصلاة من الوسائل التي يستعان بها على التربية، فقال تعالى: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)، وقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة:153)

بل نص القرآن الكريم على أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي تعبير قرآني شامل لكل الرذائل النفسية والاجتماعية، قال تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت:45)

وهذه الآية تخبر عن هدف مهم من أهداف الصلاة، وهو نفسه هدف جميع عبادات الجوارح، وهو تزكية لنفس وتطهيرها من الرذائل التي تخرجها عن حقيقتها الإنسانية.

وقد ذكر العلماء وجوها من العلل التي تجعل الصلاة ناهية صاحبها عن الفحشاء والمنكر، ومن أجمل ما قيل في ذلك ما ذكره الفخر الرازي من وجوه تبين أهمية الصلاة ودورها النفسي والاجتماعي الدنيوي والأخروي، ومن الوجوه التي ذكرها:

1. أن من كان يخدم ملكاً عظيم الشأن كثير الإحسان ويكون عنده بمنزلة، ويرى عبداً من عباده قد طرده طرداً لا يتصور قبوله، وفاته الخبر بحيث لا يرجى حصوله، يستحيل من ذلك المقرب عرفاً أن يترك خدمة الملك ويدخل في طاعة ذلك المطرود فكذلك العبد إذا صلى لله صار عبداً له، وحصل له منزلة المصلي يناجي ربه، فيستحيل منه أن يترك عبادة الله ويدخل تحت طاعة الشيطان المطرود، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر تحت طاعة الشيطان فالصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر.

2. أن من يباشر القاذورات كالزبال والكناس يكون له لباس نظيف إذا لبسه لا يباشر معه القاذورات وكلما كان ثوبه أرفع يكون امتناعه وهو لابسه عن القاذورات أكثر فإذا لبس واحد منهم ثوب ديباج يستحيل منه مباشرة تلك الأشياء عرفاً، فكذلك العبد إذا صلى لبس لباس التقوى لأنه واقف بين يدي الله واضع يمينه على شماله؛ على هيئة من يقف بمرأى ملك ذي هيبة، ولباس التقوى خير لباس يكون نسبته إلى القلب أعلى من نسبة الديباج المذهب إلى الجسم، فإذن من لبس هذا اللباس يستحيل منه مباشرة قاذورات الفحشاء والمنكر. ثم إن الصلوات متكررة واحدة بعد واحدة فيدوم هذا اللبس فيدوم الامتناع.

3. أن من يكون أمير نفسه يجلس حيث يريد فإذا دخل في خدمة ملك وأعطاه منصباً له مقام خاص لا يجلس صاحب ذلك المنصب إلا في ذلك الموضع، فلو أراد أن يجلس في صف النعال لا يترك فكذلك العبد إذا صلى دخل في طاعة الله ولم يبق بحكم نفسه وصار له مقام معين، إذ صار من أصحاب اليمين، فلو أراد أن يقف في غير موضعه وهو موقف أصحاب الشمال لا يترك، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر من أصحاب الشمال وهذا الوجه إشارة إلى عصمة الله يعني من صلى عصمه الله عن الفحشاء والمنكر.

4. أن من يكون بعيداً عن الملك لا يبالي بما فعل من الأفعال يأكل ما يشاء ويجلس أين يشاء، فإذا صارت له قربة يسيرة من الملك، فإنها تمنعه من تعاطي ما كان يفعله، فإذا زادت قربته وارتفعت منزلته حتى صار أميراً حينئذ تمنعه هذه المنزلة عن الأكل في ذلك المكان والجلوس مع أولئك الخلان، كذلك العبد إذا صلى وسجد صار له قربة ما لقوله تعالى: { وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب } (العلق: 19) فإذا كان ذلك القدر من القربة يمنعه من المعاصي والمناهي، فبتكرر الصلاة والسجود تزداد مكانته، حتى يرى على نفسه من آثار الكرامة ما يستقذر معه من نفسه الصغائر فضلاً عن الكبائر([59]).

ومثل ذلك الصوم، فقد جعل الله تعالى من حكم الصوم الوصول إلى التقوى، وهي التعبير الشرعي عن كل الكمالات الخلقية والنفسية، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183)

وهكذا جميع العبادات.

انطلاقا من هذا، سنقتصر في هذا المبحث على أهم الأحكام الفقهية التي ذكرها الفقهاء مما يرتبط بالجوانب التعبدية للأولاد.

1 ـ إسلام الصبي

يتحقق إسلام الصبي بأحد سببين، كلها مما وقع فيه خلاف الفقهاء، أحدهما: إسلامه هو لتعقله الإسلام، والثاني: تبعيته لإسلام أحد أبويه، أو تبعا لدار الإسلام، وذلك في حال موت أحد أبويه أو كليهما، وسنفصل الأحكام المرتبطة بهذين السببين فيما يلي:

التمييز:

اختلف الفقهاء في صحة إسلام الصبي إذا أسلم قبل بلوغه على قولين:

القول الأول: أن الصبي يصح إسلامه في الجملة، وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، وإسحاق، وابن أبي شيبة، وأبي أيوب، وقول الإمامية، ومن الأدلة على ذلك:

1. عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)([60])، وهذه الأخبار يدخل في عمومها الصبي.

2. عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا أعرب عنه لسانه، فإما شاكرا وإما كفورا)([61])

3. ما صح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرض الإسلام على ابن صياد، وقد كان صغيرا، فعن ابن عمر: أن عمر انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رهط من أصحابه قبل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم فلم يشعر حتى ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ظهره بيده، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتشهد أني رسول الله فرفصه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال:(آمنت بالله وبرسله)، وذكر الحديث([62]).

4. أن عليا أسلم صبيا، وقال:(سبقتكم إلى الإسلام طرا صبيا ما بلغت أوان حلم)

5. أن الله تعالى دعا عباده إلى دار السلام، وجعل طريقها الإسلام، وجعل من لم يجب دعوته في الجحيم والعذاب الأليم، فلا يجوز منع الصبي من إجابة دعوة الله، مع إجابته إليها، وسلوكه طريقها، ولا إلزامه بعذاب الله، والحكم عليه بالنار، وسد طريق النجاة عليه مع هربه منها.

6. أن الإسلام عبادة محضة، فصحت من الصبي العاقل، كالصلاة والحج.

7. أن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(رفع القلم عن ثلاث)([63]) لا حجة للمخالفين فيه، لأن هذا يقتضي أن لا يكتب عليه ذلك، والإسلام يكتب له لا عليه، ويسعد به في الدنيا والآخرة، فهو كالصلاة تصح منه وتكتب له وإن لم تجب عليه، وكذلك غيرها من العبادات المحضة.

8. أن القلم مرفوع عن الصبي في الفروع الشرعية فأما في الأصول العقلية فممنوع، ووجوب الإيمان من الأحكام العقلية، فيجب على كل عاقل.

القول الثاني: لا يصح إسلامه حتى يبلغ، وهو قول الشافعي وزفر، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(رفع القلم عن ثلاثة) ومن بينها ذكر (الصبي حتى يبلغ)

2. أنه قول تثبت به الأحكام، فلم يصح من الصبي كالهبة.

3. أنه أحد من رفع القلم عنه، فلم يصح إسلامه، كالمجنون، والنائم.

4. أن الصبي لو صح إسلامه إما أن يصح فرضا، وإما أن يصح نفلا ومعلوم أن التنفل بالإسلام محال، والفرضية بخطاب الشرع، والقلم عنه مرفوع.

5. أن صحة الإسلام من الأحكام الضارة، فإنه سبب لحرمان الميراث والنفقة، ووقوع الفرقة بين الزوجين، والصبي ليس من أهل التصرفات الضارة، ولهذا لم يصح طلاقه وعتاقه، ولم يجب عليه الصوم والصلاة، فلا يصح إسلامه.

الترجيح:

من العجيب أن تكون هذه المسألة موضع خلاف، لأن الحق فيها ظاهر، والصبي في أصل فطرته كما ورد في الحديث مسلم، فلذلك لا يزيده إقراره إلا دخولا في زمرة المسلمين.

أما المحاذير التي جعلت الفقهاء يترددون في الحكم بإسلامه، فإنها لا تساوي شيئا أمام الإسلام، فأي غنيمة من الإسلام حتى يقارن بها الخوف على ضياع ميراثه أو وجوب الزكماة في ماله.

وقد رد ابن قدامة على هذه المحاذير المتوهمة، فقال:(فإن قيل: فإن الإسلام يوجب الزكاة عليه في ماله، ونفقة قريبه المسلم، ويحرمه ميراث قريبه الكافر، ويفسخ نكاحه. قلنا: أما الزكاة فإنها نفع ؛ لأنها سبب الزيادة والنماء، وتحصين المال والثواب، وأما الميراث والنفقة، فأمر متوهم، وهو مجبور بميراثه من أقاربه المسلمين، وسقوط نفقة أقاربه الكفار، ثم إن هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة، وخلاصه من شقاء الدارين والخلود في الجحيم، فينزل منزلة الضرر في أكل القوت، المتضمن قوت ما يأكله، وكلفة تحريك فيه لما كان بقاؤه به لم يعد ضررا، والضرر في مسألتنا في جنب ما يحصل من النفع، أدنى من ذلك بكثير)([64])

العقل:

اتفق الفقهاء القائلون بصحة إسلام الصبي على أن من شروط صحة إسلامه أن يعقل الإسلام، أي أن يعلم على الأقل بعض المعارف الضرورية في الإسلام ككون الله تعالى ربه لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، لأن الطفل الذي لا يعقل، لا يتحقق منه اعتقاد الإسلام، وإنما كلامه لقلقة بلسانه، ولا يدل على شيء، واختلفوا في اشتراط سن معينة لتحقق هذا الشرط على قولين:

القول الأول: أن يكون له عشر سنين، وقد ذكره الخرقي، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بضربه على الصلاة لعشر.

القول الثاني: لا يشترط في ذلك سنا معينة، بل يكفي أن يعقل الإسلام، قال ابن قدامة ردا على الخرقي:(وأما اشتراط العشر، فإن أكثر المصححين لإسلامه، لم يشترطوا ذلك، ولم يحدوا له حدا من السنين، وحكاه ابن المنذر عن أحمد)، وروى عن أحمد أنه (إذا كان ابن سبع سنين فإسلامه إسلام)، وقال ابن أبي شيبة:(إذا أسلم وهو ابن خمس سنين، جعل إسلامه إسلاما)، وقال أبو أيوب:(أجيز إسلام ابن ثلاث سنين، من أصاب الحق من صغير أو كبير أجزناه)([65])، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن المقصود متى ما حصل، لا حاجة إلى زيادة عليه.

2. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(مروهم بالصلاة لسبع)، فدل على أن ذلك حد لأمرهم، وصحة عباداتهم، فيكون حدا لصحة إسلامهم.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على اختلاف سن التمييز بين الأولاد، فلذلك تكون العبرة بالتمييز لا بالسن.

وقد قال ابن قدامة معلقا على كلام أبي أيوب الذي أجاز إسلام ابن ثلاث سنين:(وهذا لا يكاد يعقل الإسلام، ولا يدري ما يقول، ولا يثبت لقوله حكم، فإن وجد ذلك منه ودلت أحواله وأقواله على معرفة الإسلام، وعقله إياه، صح منه كغيره)([66])

وقد رأينا في عصرنا من يحفظ الأجزاء الكثيرة من القرآن الكريم في مثل هذه السن، فلذلك تكون العبرة بالقدرة على التمييز، خاصة إذا ضممنا ذلك إلى قولنا بأن الأصل فطرية إسلام الصبي.

التبعية:

وهي السبيل الثاني من السبل التي اعتبر بها الفقهاء إسلام الصبي، ولها حالتان، هما:

التبعية للأبوين:

اختلف الفقهاء في اعتبار إسلام الأبوين أو أحدهما إسلاما للصبي على الأقوال التالية:

القول الأول: أن إسلام أحد الأبوين إسلام لأولاده الصغار، وهو قول الشافعي وأحمد، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن الولد يتبع أبويه في الدين، فإن اختلفا، وجب أن يتبع المسلم منهما، كولد المسلم من الكتابية.

2. أن الإسلام يعلو ولا يعلى، لأنه دين الله الذي رضيه لعباده، وبعث به رسله دعاة لخلقه إليه، ولأنه تحصل به السعادة في الدنيا والآخرة، ويتخلص به في الدنيا من القتل والاسترقاق وأداء الجزية، وفي الآخرة من سخط الله وعذابه.

3. أن الدار دار الإسلام يحكم بإسلام لقيطها، ومن لا يعرف حاله فيها.

4. أن الأم أحد الأبوين، فيتبعها ولدها في الإسلام، كالأب، بل الأم أولى به، لأنها أخص به، لأنه مخلوق منها حقيقة، وتختص بحمله ورضاعه، ويتبعها في الرق والحرية والتدبير والكتابة.

5. أن تخيير الغلام الذي استدل به المخالفون وارد في الحضانة لا في الدين.

واختلف هؤلاء في إقامة الحد عليه في حال إدراكه وإبائه الإسلام على رأيين:

الرأي الأول: يجبر عليه إذا امتنع منه بالقتل، وهو قول الحنابلة، ومن الأدلة على ذلك:

1. القياس على أولاد المسلمين.

2. أنه مسلم فإذا رجع عن إسلامه، وجب قتله.

الرأي الثاني: إذا أسلم أبواه أو أحدهما، وأدرك فأبى الإسلام، أجبر عليه، ولم يقتل، وهو قول الحنفية.

القول الثاني: إن أسلم الأب، تبعه أولاده، وإن أسلمت الأم لم يتبعوها، وهو قول المالكية، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن ولد الحربيين يتبع أباه دون أمه، بدليل الموليين إذا كان لهما ولد، كان ولاؤه لمولى أبيه دون مولى أمه، ولو كان الأب عبدا أو الأم مولاة، فأعتق العبد، لجر ولاء ولده إلى مواليه.

2. أن الولد يشرف بشرف أبيه، وينتسب إلى قبيلته دون قبيلة أمه، فوجب أن يتبع أباه في دينه أي دين كان.

القول الثالث: إذا بلغ خير بين دين أبيه ودين أمه، فأيهما اختاره كان على دينه، وهو قول الثوري، ومن الأدلة على ذلك حديث الغلام الذي أسلم أبوه، وأبت أمه أن تسلم، فخيره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أبيه وأمه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة القول الثالث باعتبار الإسلام لا يتحقق إلا بالاختيار والرغبة، كما قال تعالى: { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ }(البقرة:256)

أما في الأحكام المرتبطة بالدين كالميراث وغيره، فإنا نرى تبعيته لخيرهما دينا في ذلك، ما دام لم يميز ولم يحدد اختياره، وهو ما اختاره الجصاص، قال:(أما إتباع الصغير لأبيه في أحكام الإسلام فلا خلاف فيه. وأما تبعيته لأمه فاختلف فيه العلماء واضطرب فيه قول مالك. والصحيح في الدين أنه يتبع من أسلم من أحد أبويه، للحديث الصحيح عن ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين من المؤمنين، وذلك أن أمه أسلمت ولم يسلم العباس فاتبع أمه في الدين، وكان لأجلها من المؤمنين)([67])

التبعية للدار:

اتفق الفقهاء على أن الصبي الذي توفي والداه أو أحدهما في دار الحرب لا يحكم بإسلامه، لأنها دار لا يحكم بإسلام أهلها.

واختلفوا فيما لو ماتا أو مات أحدهما في دار الإسلام، هل يحكم بإسلامه أم لا على قولين:

القول الأول: إذا مات أحد أبوي الولد الكافرين في دار الإسلام، صار الولد مسلما بموته، ولكنه مع ذلك يقسم له ميراث أبيه، وهو قول الحنابلة، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)([68])، فاعتبر كفره بفعل أبويه، فإذا مات أحدهما، انقطعت التبعية، فوجب إبقاؤه على الفطرة التي ولد عليها.

2. أن المسألة مفروضة فيمن مات أبوه في دار الإسلام، وقضية الدار الحكم بإسلام أهلها، ولذلك حكمنا بإسلام لقيطها، وإنما ثبت الكفر للطفل الذي له أبوان، فإذا عدما أو أحدهما، وجب إبقاؤه على حكم الدار، لانقطاع تبعيته لمن يكفر بها.

3. أنه يقسم له الميراث، لأن إسلامه إنما ثبت بموت أبيه الذي استحق به الميراث، فهو سبب لهما، فلم يتقدم الإسلام المانع من الميراث على استحقاقه، ولأن الحرية المعلقة بالموت لا توجب الميراث، فيجب أن يكون الإسلام المعلق بالموت لا يمنع الميراث.

القول الثاني: لا يحكم بإسلامه بموتهما ولا موت أحدهما، وقد نسبه ابن قدامة لأكثر الفقهاء ؛ ومن الأدلة على ذلك:

1. أنه يثبت كفره تبعا، ولم يوجد منه إسلام، ولا ممن هو تابع له فوجب إبقاؤه على ما كان عليه.

2. أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أحد من خلفائه، أنه أجبر أحدا من أهل الذمة على الإسلام بموت أبيه، مع أنه لم يخل زمنهم عن موت بعض أهل الذمة عن يتيم.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة أن لها علاقة بجانبين:

1. جانب دنيوي ترتبط به الأحكام الفقهية للصبي الكافر والمسلم، ونرى في هذه الحالة أن تجرى عليه أحكام الكفرة.

2. جانب أخروي، وهو اعتباره مسلما كما نص عليه أصحاب القول الأول، وهو ما دل عليه الحديث.

ولا تناقض بين الجانبين، فلا يضر الصبي أن يدفن في مقابر الكافرين أو المسلمين إن كان مسلما، وقد ذكرنا تفاصيل المسألة، والأقوال المختلفة فيها، وما نراه من ترجيح في كتاب (أسرار الأقدار) من سلسلة (رسائل السلام)

2 ـ صلاة الصبي

من أهم ما ينبغي أن يحرص عليه الولي على تربية الأولاد أن يعلمهم الصلاة، ويمرنهم عليها، بل يحرص على أن يصلوا معه جماعة، أو يصلي بهم في المسجد، وقد وردت بكل هذا النصوص الشرعية، ومعها أحكام الفقهاء مما سنعرض لتفاصيله في هذا المطلب.

حكم أمر الصبي بالصلاة:

اتفق الفقهاء على أن من أوجب الواجبات على الولي ومن في معناه من المسؤولين على تربية الولد أن يأمروه بالصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(علموا الصبي الصلاة لسبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر سنين)([69])

وقد اتفق الفقهاء على أنه لا فرق في ذلك بين الصبي والصبية، قال النووي:(وقد اقتصر المصنف على الصبي، ولو قال: الصبي والصبية لكان أولى، وأنه لا فرق بينهما بلا خلاف، صرح به أصحابنا لحديث عمرو بن شعيب الذي ذكرناه)([70])

وقد نص الفقهاء كذلك على أن الأمر الوارد في الحديث يشمل كل من له ولاية على الصبي، قال النووي:(وهذا الأمر والضرب واجب على الولي سواء كان أبا أو جدا أو وصيا أو قيما من جهة القاضي، صرح به أصحابنا منهم صاحبا الشامل والعدة وآخرون. ذكره صاحب العدة في آخر باب موقف الإمام والمأموم هناك، وذكره المزني عن الشافعي في المختصر)([71])

ويدل على هذا النصوص الكثيرة الواردة بأمر الأهل بالصلاة، أو نحوها من العبادات وتقوى الله، كقوله تعالى: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ } (طـه:132)، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم:6)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(كلكم راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته)([72])

حكم صلاة الصبي:

اختلف الفقهاء في وجوب الصلاة على الصبي ابن عشر سنين على قولين:

القول الأول: لا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ، وهو قول جماهير الفقهاء، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ)

2. أنه صبي فلم يجب عليه كالصغير، ولأن الصبي ضعيف العقل والبنية، ولا بد من ضابط يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله، فإنه يتزايد تزايدا خفي التدريج، فلا يعلم ذلك بنفسه، والبلوغ ضابط لذلك، ولهذا تجب به الحدود، وتؤخذ به الجزية من الذمي إذا بلغه، ويتعلق به أكثر أحكام التكليف، فكذلك الصلاة.

3. أن التأديب المشروع في حقه للتمرين والتعويد، كالضرب على تعلم الخط والقرآن والصناعة وأشباهها، ولا خلاف في أنها تصح من الصبي العاقل.

القول الثاني: تجب الصلاة على الصبي قبل بلوغه، وهو قول لبعض الحنابلة([73])؛ ومن الأدلة على ذلك:

1. أن العقوبة لا تشرع إلا لترك واجب.

2. أن حد الواجب: ما عوقب على تركه.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو وجوب الصلاة على الصبي قبل البلوغ، مع كون العقوبة مسلطة على المتولي أمره في حال تقصيره.

ويدل على هذا ما ورد به النص من ضربه على الصلاة إذا بلغ عشرا، ولا يضرب إلا على واجب.

ويدل عليه من الناحية المقاصدية أن تهاون الآباء سببه عادة تصورهم أن الصبي قد رفع عنه القلم، فلا يحاسب على تصرفاته، فلذلك يتركون له حريته في هذا المجال، مع أن حياته جميعا مرتبطة بالتربية التي يتلقاها في فترة صباه.

شروط صحة صلاة الصبي:

نص الفقهاء على أنه يعتبر لصلاة الصبي من الشروط ما يعتبر في صلاة البالغ من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة ونحوها.

ونرى أنه مع هذا يمكن التساهل في بعض الشروط أحيانا، لأن المقصد من أمر الصبي بالصلاة هو التمرين والتأديب، فلذلك يهتم الاهتمام الأول بالحرص على الصلاة في مواقيتها، ثم يدرب بعد ذلك تدريجيا على شروطها.

وربما يستدل لهذا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)([74])، فهو يدل على صحة صلاة غير الحائض بغير الخمار، أي أن الصبية الصغيرة ـ وهي ممن يؤمر بالصلاة باتفاق الفقهاء ـ لا يشترط في ستر عورتها ما يشترط في ستر عورة المرأة.

وربما يستدل لهذا كذلك بحديث عمرو بن مسلمة ـ والذي سنذكره في محله من هذا المطلب ـ، وفيه:(فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا إست قارئكم فاشتروا فقطعوا لي قميصاً فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص)([75])

الذهاب بالأولاد إلى المساجد:

وهي من المسائل الواقعية المهمة التي تحتاج إلى فهم وتوعية صحيحة للتعامل معها تعاملا شرعيا يصب في تنمية البعد الروحي للولد، وذلك لأن الواقع يعج بأحد نوعين، كلاهما من السلوك المتطرف:

الأول: هو التشدد في منع الأولاد من الذهاب إلى المساجد، بل وإخراجهم منها حال دخولهم، وأحيانا بتشدد قد يسبب لهم عقدة من المساجد وأهلها، ويستدلون لهذا بما يروونه عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:(جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم وحدودكم وشراءكم وبيعكم وجمروها يوم جمعكم واجعلوا على أبوابها مطاهركم)([76])، وفي رواية (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع)([77])

ويستدلون لذلك بما كان يفعله عمر من أنه كان إذا رأى صبيانا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة وهي الدرة وكان يعس المسجد بعد العشاء، فلا يترك فيه أحدا([78]).

الثاني: هو التساهل مع الأولاد في المساجد، تساهلا أدى في كثير من الأحيان إلى جعل المساجد محال للعب واللهو، بحيث تشوش على المصلين ما هم فيه من عبادة الله.

ويستدل هؤلاء بالنصوص الدالة على عدم منع الأولاد من المساجد، وهي أقوى مما استدل به المخالفون، ومن تلك النصوص:

 1. ما روي عن أبي هريرة قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشاء، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما من خلفه أخذاً رفيقاً ويضعهما على الأرض فإذا عاد عادا حتى قضى صلاته ثم أقعد أحدهما على فخذيه قال: فقمت إليه فقلت:(يا رسول اللَّه أردهما) فبرقت برقة فقال لهما:(الحقا بأمكما فمكث ضؤوها حتى دخلا)([79])

2. حديث أمامة المتفق عليه.

3. عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأخفف مخافة أن تفتتن أمه)([80])

وانطلاقا من هذا الخلاف الواقعي نرى أن النصوص الصحيحة تنص على جواز إدخال الأولاد المساجد، والمصلحة الشرعية تقتضي إدخالهم المساجد، لأن المسجد من أهم المؤسسات التربوية التي ينمو الولد في أحضانها ويستمد من بركاتها.

ولكن المسجد ينبغي أن يظل في ذهن الولد مرتبطا بالقداسة والحرمة، فلذلك لو تركت له حرية العبث فيه واللعب لذهبت عنه حرمته، زيادة على تأثيره على المصلين بتشويشهم وشغلهم عما هم فيه من عبادة.

فلذلك كان القول الوسط هو أن يذهب الولي أو المربي مع الأولاد إلى المسجد، بل يجعلهم أمامه وبجنبه، ويعمق فيهم قبل ذلك حرمة المسجد باعتباره بيت الله، وبيتا للعبادة، فذلك كفيل بأن يستفيدوا من المسجد تربويا من جهة، وتحفظ للمسجد هيبته وقدسيته من جهة أخرى.

صلاة الجماعة بالصبيان:

اختلف الفقهاء في انعقاد الجماعة بالصبيان على الأقوال التالية:

القول الأول: صحة انعقاد الجماعة باثنين أحدهما صبي من غير فرق بين الفرض والنفل، وهو قول الشافعية، ومن الأدلة على ذلك:

1. عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من الليل، فقمت أصلي معه فقمت عن يساره فأخذ برأسي وأقامني عن يمينه([81])، وفي لفظ: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا يومئذ ابن عشر وقمت إلى جنبه عن يساره فأقامني عن يمينه قال وأنا يومئذ ابن عشر سنين([82])

2. أن رفع القلم الذي استدل به المخالفون لا يدل على عدم صحة صلاته وانعقاد الجماعة به ولو سلم لكان مخصصاً بحديث ابن عباس ونحوه.

القول الثاني: لا تنعقد إمامة من معه صبي فقط، قال الشوكاني:(وقد ذهب إلى أن الجماعة لا تنعقد بصبي الهادي والناصر والمؤيد باللَّه وأبو حنيفة وأصحابه)، ومن الأدلة على ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(رفع القلم عن ثلاث)، فذكر الصبي حتى يبلغ.

القول الثالث: التفريق بين الفرض والنفل، فتصح في النافلة، ولا تصح في الفريضة، وهو قول مالك ورواية عن أبي حنيفة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على ما ذكرنا سابقا من أن الصبي مكلف بالصلاة، زيادة على ما في ذلك من المصالح الشرعية، ومن أهمها إقامة الوالد الصلاة جماعة في بيته مع أولاده ليمرنهم على الصلاة ويعودهم عليها.

إمامة الصبي:

اختلف الفقهاء في جواز إمامة الصبي على الأقوال التالية:

القول الأول: جواز إمامة الصبي، وهو قول الحسن وإسحاق والشافعي، ومن الأدلة على ذلك:

1. عن عمرو بن مسلمة قال: لما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبادر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقاً فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا إست قارئكم فاشتروا فقطعوا لي قميصاً فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص)([83])، ورواه أبو داود وقال فيه:} (وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين)

2. أن قوله:(صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا) يدل على أن ذلك كان في فريضة.

3. قوله:(فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) لا يحتمل غير الفريضة لأن النافلة لا يشرع لها الأذان.

القول الثاني: عدم جواز إمامة الصبي، وقد نسبه الشوكاني للهادي والناصر والمؤيد باللَّه من أهل البيت، ومن الأدلة على ذلك:

1. عن ابن مسعود قال:(لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود)

2. عن ابن عباس قال:(لا يؤم الغلام حتى يحتلم)([84])

3. أن صلاته غير صحيحة لأن الصحة معناها موافقة الأمر والصبي غير مأمور.

4. أن العدالة شرط للإمامة والصبي غير عدل([85]).

القول الثالث: كراهة إمامة الصبي، وهو قول الشعبي والأوزاعي والثوري ومالك.

القول الرابع: الإجزاء في النوافل دون الفرائض، وهو المشهور عن أحمد وأبي حنيفة، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن حديث عمرو المذكور كان في نافلة لا فريضة.

2. ما روي عن أحمد بن حنبل أنه كان يضعف أمر عمرو بن سلمة وروى عن ذلك عنه الخطابي في المعالم([86]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو التشدد في شروط الإمامة، ولذلك نرى أن إمامة الصلاة تقتضي البلوغ والعقل والعدالة والعلم ونحو ذلك.

 موقف الصبي في الصف:

وهي من المسائل المهمة والواقعية، ومما يتعلق به استفادة الأولاد من دخولهم المساجد وصلاتهم فيها، وقد وردت النصوص بتقدم صفوف الرجال على الغلمان، وتقدم صفوف الغلمان على النساء، ومن تلك النصوص:

1. عن أبي مالك الأشعري: عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسوي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن لكي يثوب الناس، ويجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم والنساء خلف الغلمان([87]).

2. عن أبي مالك الأشعري قال:(ألا أحدثكم بصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فأقام الصلاة وصف خلفهم الغلمان ثم صلى بهم فذكر صلاته)([88])

3. عن أنس أن جدته مليكة دعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لطعام صنعته فأكل ثم قال:(قوموا فلأصلي لكم)، فقمت إلى حصير لنا قد سود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وقمت أنا واليتيم وراءه وقامت العجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين ثم انصرف([89]).

4. عن أنس قال: صليت أنا واليتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمي خلفنا أم سليم([90]).

وقد قيد العلماء هذه النصوص فيما لو كان الأولاد اثنين فصاعداً، فإن كان صبي واحد دخل مع الرجال ولا ينفرد خلف الصف، ويدل على ذلك ما روي عن أنس قال: صليت أنا واليتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمي خلفنا أم سليم([91])، فإن اليتيم لم يقف منفرداً بل صف مع أنس.

ونرى أن يخصص للأولاد في حال كثرتهم والخشية على نظافة المسجد، أو الخشية من تشويشهم على المصلين مكان خاص يصلون فيه، كما خصص للنساء هذا المكان، بشرط أن يكون معهم من الكبار من يوجههم ويعلمهم، فيستفيدون بذلك من كلا الجهتين: الدخول للمسجد والصلاة فيه، والتأدب بآداب المسجد.

3 ـ صيام الصبي

وهو من العبادت المهمة التي لها تأثيرها التربوي الكبير في صقل شخصية الولد، وتمرينه على الرجولة والإرادة والبعد عن مظاهر الترف من صغره.

وسنكتفي هنا بالحديث عما ذكره الفقهاء من مسائل تخص صيام الصبي محاولين تبيان ما يحقق المقاصد الشرعية من هذه العبادة.

العمر الذي يؤمر فيه الصبي بالصيام:

اختلف الفقهاء في العمر الذي يؤمر في الصبي بالصيام على الأقوال التالية([92]):

القول الأول: إذا بلغ عشر سنين يلزم بالصيام، بشرط أن يطيق الصوم، وهو قول عطاء، والحسن، وابن سيرين، والزهري وقتادة، والشافعي، وقد نصوا على أنه يلزم بالصيام، ويضرب على تركه، ليتمرن عليه، ويتعوده، كما يلزم الصلاة ويؤمر بها.

القول الثاني: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعا، لا يخور فيهن ولا يضعف، حمل صوم شهر رمضان، وهو قول الأوزاعي، ومن الأدلة على ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام الشهر كله) وفي رواية:(تجب الصلاة على الغلام إذا عقل والصوم إذا أطاق والحدود والشهادة إذا احتلم)([93])

القول الثالث: إذا بلغ ثنتي عشرة سنة يكلف الصوم للعادة، وهو قول إسحاق.

القول الرابع: أن الصوم لا يشرع في حق الصبيان، وهو المشهور عن المالكية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ارتباط صوم الصبي بقدرته وطاقته، وهي تختلف باختلاف السن، والفصل الذي يصام فيه، واختلاف قدرة الصبي الجسمية.

ولا يمكن قياس الصوم على الصلاة هنا، لأنه لو كان الأمر كذلك، لنص عليه صلى الله عليه وآله وسلم كما نص على الصلاة.

ونرى قبل أن يؤمر الصبي على الصوم أن يمرن على الجوع والعطش أحيانا، كتدريب له لا على الصوم فقط، وإنما على ما تقتضيه الحياة من متاعب، كما سنرى في البعد الاجتماعي.

وقت وجوب الصوم على الصبي:

اختلف الفقهاء في العمر الذي يجب فيه الصوم على الصبي على قولين:

القول الأول: لا يجب عليه الصوم حتى يبلغ، قال ابن قدامة:(وهذا قول أكثر أهل العلم)، ومن الأدلة على ذلك:

1. قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ)

2. أنه عبادة بدنية، فلم تجب على الصبي، كالحج.

3. أن حديث المخالفين مرسل، مع أنه يمكن حمله على الاستحباب، وسماه واجبا، تأكيدا لاستحبابه، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(غسل الجمعة واجب على كل محتلم)([94])

القول الثاني: أنه يجب على الغلام المطيق له إذا بلغ عشرا، وهو قول بعض الحنابلة([95])، ومن الأدلة على ذلك:

1. عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام، وجب عليه صيام شهر رمضان)([96])

2. أنه عبادة بدنية، فأشبه الصلاة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يضرب على الصلاة من بلغ عشرا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ارتباط وجوب الصوم بالبلوغ، مع أنه يشدد عليه قبل ذلك، حرصا على تمرنه على الصوم قبل البلوغ.

ولو صح الحديث الذي ذكره أصحاب القول الثاني لكان نصا في المسألة، ومخالفة جماهير العلماء له من أدلة عدم صحته.

بلوغ الصبي أثناء الصوم:

اختلف الفقهاء فيما لو بلغ الصبي أثناء صومه رمضان، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا على قولين:

القول الأول: إذا نوى الصبي الصوم من الليل، فبلغ في أثناء النهار بالاحتلام أو السن، يتم صومه، ولا قضاء عليه، وهو قول للحنابلة، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن نية صوم رمضان حصلت ليلا فيجزئه كالبالغ.

2. أنه لا يمتنع أن يكون أول الصوم نفلا وباقيه فرضا، كما لو شرع في صوم يوم تطوعا، ثم نذر إتمامه.

القول الثاني: أنه يلزمه القضاء، وهو قول للحنابلة، واختاره أبو الخطاب، ومن الأدلة على ذلك:

1. أنه عبادة بدنية بلغ في أثنائها بعد مضي بعض أركانها، فلزمته إعادتها، كالصلاة، والحج إذا بلغ بعد الوقوف.

2. أنه ببلوغه يلزمه صوم جميعه، والماضي قبل بلوغه نفل، فلم يجز عن الفرض.

3. أنه لو نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم والناذر صائم ؛ لزمه القضاء.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على توفر جميع شرائط صحة الصوم من النية والامتناع عن المفطرات، زيادة على أنه لا يمكن اعتبار صومه لغوا، فنوجب عليه قضاءه.

 قضاء ما مضى من الشهر قبل بلوغه:

اختلف الفقهاء في وجوب قضاء ما مضى من شهر رمضان إذا بلغ الصبي أثناء الشهر على قولين:

القول الأول: أن ما مضى من الشهر قبل بلوغ الصبي لا يجب قضاؤه، قال ابن قدامة:(هذا قول عامة أهل العلم)، لأنه زمن مضى في حال صباه، فلم يلزمه قضاء الصوم فيه، كما لو بلغ بعد انسلاخ رمضان.

القول الثاني: يقضيه إن كان أفطره وهو مطيق لصيامه، وهو قول الأوزاعي.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ما ذكرناه سابقا من عدم القضاء مطلقا، لأن الشرع خص القضاء بأحوال معينة محدودة، زيادة على ما في ذلك من المفاسد من تصور الصبي أنه بإمكانه التفريط في الواجبات، ثم الاكتفاء بعد ذلك بقضائها، وهو ما قد يريبه على خلق الإهمال في حياته جميعا.

4 ـ حج الصبي

اتفق الفقهاء على جواز حج الصبي، بل استحبابه، وقد نقل ابن عبد البر من نصوا على هذا، فقال:(أجازه مالك والشافعي وسائر فقهاء الـحجاز من أصحابهما وغيرهم، وأجازه الثوري وأبو حنـيفة وسائر فقهاء الكوفـيـين، وأجازه الأوزاعي واللـيث بن سعد، فـيمن سلك سبـيلهما من أهل الشام ومصر، وكل من ذكرناه يستـحب الـحج بالصبيان، ويأمر به ويستـحسنه، وعلـى ذلك جمهور العلـماء من كل قرن)([97])

بل نقل الإجماع على ذلك، قال الطحاوي:(وهذا مما قد أجمع الناس جميعا عليه، ولم يختلفوا أن للصبي حجا، كما أن له صلاة)([98])

ولكن مع هذا، قد ذكر ابن عبد البر خلافا في المسألة لم يذكر قائله، قال:(وقالت طائفة: لا يحج بالصبـيان، وهو قول لا يشتغل به، ولا يعرج عليه، لأن النبـي صلى الله عليه وآله وسلم حج بأغيلـمة بنـي عبد الـمطلب وحج السلف بصبـيانهم، وقال فـي الصبـي له حج، وللذي يحجه أجر، يعنـي بمعونته له وقـيامه فـي ذلك به، فسقط كل ما خالف هذا من القول)([99])

واتفقوا على أن الصبي يثاب على ذلك الحج، وإن لم يكن مفروضا عليه، قال الشافعي مبينا أدلة هذا ـ وإن كانت من المعلوم من الدين بالضرورة ـ:(إن الله (جل ثناؤه) بفضل نعمته، أثاب الناس على الأعمال أضعافها ومن على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم، ووفر عليهم أعمالهم. فقال: { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } (الطور:21)، فكما من على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل كان أن من عليهم بأن يكتب عليهم عمل البر في الحج: وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى)

وقد أجاب ابن عبد البر على الاعتراض الذي طرحه، وهو (ما معنى الـحج بالصغير، وهو عندكم غير مـجزىء عنه من حجة الإسلام إذا بلغ، ولـيس مـمن تـجري له وعلـيه؟)، فقال:(أما جري القلـم له بالعمل الصالـح فغير مستنكر أن يكتب للصبـي درجة وحسنة فـي الآخرة بصلاته وزكاته وحجه وسائر أعمال البر التـي يعملها علـى سنتها، تفضلا من الله عز وجل علـيه، كما تفضل علـى الـميت بأن يؤجر بصدقة الـحي عنه، ويلـحقه ثواب ما لـم يقصده، ولـم يعمله، مثل الدعاء له، والصلاة علـيه، ونـحو ذلك. ألا ترى أنهم أجمعوا علـى أن أمروا الصبـي إذا عقل الصلاة بأن يصلـي، وقد صلـى رسول الله بأنس والـيتـيم معه، والعجوز من ورائهما. وأكثر السلف علـى ايجاب الزكاة فـي أموال الـيتامى، ويستـحيل أن لا يؤجروا علـى ذلك، وكذلك وصاياهم إذا عقلوا. وللذي يقوم بذلك عنهم أجر، كما للذي يحجبهم أجر، فضلا من الله ونعمة، فلأي شيء يحرم الصغير التعرض لفضل الله؟)([100])

وقد اختلف الفقهاء في بعض المسائل المتعلقة بحج الصبي، والتي سنعرض لها في هذا المطلب([101]):

إجزاء حج الصبي عن حجة الإسلام:

اختلف الفقهاء في إجزاء حج الصبي عن حجة الإسلام على قولين:

القول الأول: أن الصبي إذا حج قبل بلوغه، أجزأه ذلك من حجة الإسلام، ولم يكن عليه أن يحج بعد ذلك بعد بلوغه، وقد ذكره أبو جعفر الطحاوي فـي (شرح معانـي الآثار) من غير أن يسميه، قال:(ذهب قوم إلـى أن الصبـي إذ حج قبل بلوغه أجزأه من حجة الإسلام، ولـم يكن علـيه أن يحج بعد بلوغه)، ومن الأدلة على ذلك:

1. عن ابن عباس أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صبي: هل لهذا من حج؟ قال: نعم، ولك أجر([102]).

2. أنه لا يصح قياس الحج على الصلاة في الإجزاء ـ كما فعل المخالفون ـ لأن الله تعالى إنما أوجب الحج على من وجد إليه سبيلا، ولم يوجبه على غيره، فكان من لم يجد سبيلا إلى الحج، فلا حج عليه، كالصبي الذي لم يبلغ.

3. أن الفقهاء قد أجمعوا أن من لم يجد سبيلا إلى الحج، فحمل على نفسه ومشى حتى حج، أن ذلك يجزيه، وإن وجد إليه سبيلا بعد ذلك، لم يجب عليه أن يحج ثانية، للحجة التي قد كان حجها قبل وجوده السبيل. فكان النظر – على ذلك – أن يكون كذلك الصبي إذا حج قبل البلوغ، ففعل ما لم يجب عليه، أجزاه ذلك، ولم يجب عليه أن يحج ثانية بعد البلوغ.

القول الثاني: لا يجزيه من حجة الإسلام، وعليه بعد بلوغه حجة أخرى، وهو قول جماهير الفقهاء، بل حكي الإجماع على ذلك، قال ابن المنذر:(أجمع أهل العلم، إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بقوله خلافا على أن الصبي إذا حج في حال صغره، والعبد إذا حج في حال رقه، ثم بلغ الصبي وعتق العبد، أن عليهما حجة الإسلام، إذا وجدا إليهما سبيلا)، ثم ذكر من القائلين بهذا:(كذلك قال ابن عباس، وعطاء، والحسن، والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. قال الترمذي: وقد أجمع أهل العلم عليه)، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين عهدا، أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما مملوك حج به أهله، فمات، أجزأت عنه، فإن أعتق، فعليه الحج)([103])

2. أن الحج عبادة بدنية، فعلها قبل وقت وجوبها، فلم يمنع ذلك وجوبها عليه في وقتها، كما لو صلى قبل الوقت، وكما لو صلى، ثم بلغ في الوقت.

3. أن الحديث الذي استدل به المخالفون إنما فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن للصبي حجا، كما أن له صلاة، وليست تلك الصلاة بفريضة عليه. فكذلك أيضا قد يجوز أن يكون له حج، وليس ذلك الحج بفريضة عليه.

4. أن هذا الحديث إنما هو حجة على من زعم أنه لا حج للصبي، فأما من يقول: إن له حجا، وإنه غير فريضة، فلم يخالف شيئا من هذا الحديث، وإنما خالف تأويل مخالفة خاصة.

5. أن ابن عباس الذي روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال بأنه لا يجزيه بعد بلوغه من حجة الإسلام، والأصل أن من روى حديثا فهو أعلم بتأويله، فعن أبي السفر، قال: سمعت ابن عباس يقول:(يا أيها الناس، أسمعوني ما تقولون، ولا تخرجوا، تقولون قال ابن عباس أيما غلام حج به أهله، فمات، فقد قضى حجة الإسلام، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات، فقد قضى حجة الإسلام، فإن أعتق فعليه الحج)، وعن يونس بن عبيد صاحب الحلي، قال: سألت ابن عباس عن المملوك إذا حج ثم عتق بعد ذلك؟ قال: عليه الحج أيضا، وعن الصبي يحج ثم يحتلم، قال: يحج أيضا.

6. قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(رفع القلم عن ثلاثة، عن الصغير حتى يكبر)، فثبت أن القلم عن الصبي مرفوع، ثبت أن الحج عليه غير مكتوب.

7. أن الإجماع منعقد على أن الصبي لو دخل في وقت صلاة فصلاها، ثم بلغ بعد ذلك في وقتها أن عليه أن يعيدها، وهو في حكم من لم يصلها، فلما ثبت ذلك من اتفاقهم، ثبت أن الحج كذلك، وأنه إذا بلغ وقد حج قبل ذلك، أنه في حكم من لم يحج، وعليه أن يحج بعد ذلك.

8. أن ما استدل به المخالفون من الذي لا يجد السبيل، إنما سقط الفرض عنه لعدم الوصول إلى البيت، فإذا مشى فصار إلى البيت، فقد بلغ البيت، وصار من الواجدين للسبيل، فوجب الحج عليه لذلك، فلذلك قلنا إنه أجزأه حجة، ولأنه صار بعد بلوغه البيت، كمن كان منزله هنالك، فعليه الحج. وأما الصبي ففرض الحج غير واجب عليه، قبل وصوله إلى البيت، وبعد وصوله إليه، لرفع القلم عنه فإذا بلغ بعد ذلك، فحينئذ وجب عليه فرض الحج. فلذلك قلنا: إن ما قد كان حجه قبل بلوغه، لا يجزيه، وأن عليه أن يستأنف الحج بعد بلوغه، كمن لم يكن حج قبل ذلك.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، بناء على أن الحج يختلف عن الصلاة والصوم، فأسرار مقاصده لا يفقهها إلا من من بلغ عمرا يسمح له بذلك.

زيادة على أنه فرض مرة واحدة في العمر، بخلاف العبادات الأخرى التي تتكرر بدورات منتظمة.

البلوغ حال الإحرام:

اتفق الفقهاء على أنه إذا بلغ الصبي فأحرم ووقف بعرفة، وأتم المناسك، أجزأه عن حجة الإسلام، قال ابن قدامة:(لا نعلم فيه خلافا) والدليل على ذلك أنه لم يفته شيء من أركان الحج، ولا فعل شيئا منه قبل وجوبه.

أما إن بلغ وهو محرم، فقد اختلف الفقهاء في إجزاء حجه عن حجة الإسلام على الأقوال التالية:

القول الأول: أجزأه عن حجة الإسلام، وهو قول ابن عباس، والشافعي، وإسحاق، ومن الأدلة على ذلك:

1. أنه أدرك الوقوف حرا بالغا فأجزأه، كما لو أحرم تلك الساعة.

2. أنه جائز لكل من نوى باهلاله الإحرام، أن يصرفه إلـى ما شاء من حج أو عمرة، وذلك لحديث علـي، إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أقبل من الـيمن، مهلا بالـحج (بم أهللت)؟ قال: قلت لبـيك اللهم، باهلال كاهلال النبـي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنـي أهللت بالـحج، وسقت الهدي ولـم ينكر علـيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالته، ولا أمره بتـجديد نـية لافراد أو قران، أو متعة.

القول الثاني: لا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام، وهو قول مالك، واختاره ابن المنذر، ومن الأدلة على ذلك: أن الله تعالى أمر كل من دخـل فـي حج أو عمرة بإتمام ما دخـل فـيه، لقوله: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } (البقرة:196)، ومن رفض إحرامه، لم يتم حجه، ولا عمرته.

القول الثالث: أن الصبي إن جدد إحراما بعد أن احتلم قبل الوقوف، أجزأه، وإلا فلا، وهو قول الحنفية، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن إحرامه لم ينعقد واجبا، فلا يجزئ عن الواجب، كما لو بقي على حاله.

2. أن الـحج الذي كان فـيه لـمَّا لـم يكن يجزي عنه، ولـم يكن الفرض لازمًا له حين أحرم به، ثم لزمه حين بلغ، استـحال أن يشتغل عن فرض قد تعين علـيه بنافلة، ويعطل فرضه، كمن دخـل فـي نافلة واقـيمت علـيه الـمكتوبة، وخشي فوتها، قطع النافلة ودخـل الـمكتوبة.

3. أنه احتاج إلـى الإحرام، لأن الـحج مفتقر إلـى النـية، لأن النـية والإحرام من فرائضه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على كونه كان بالغا أثناء الوقوف بعرفة، ولم يكن اعتبا ر إحرامه لغوا، زيادة على أن التكاليف الكثيرة للحج، وكثرة الحجيج يستدعي التيسير في هذا الجانب.

إحرام الصبي:

اتفق الفقهاء على أن الصبي إن كان مميزا أحرم بإذن وليه، واختلفوا فيما لو كان غير مميز على قولين:

القول الأول: أحرم عنه وليه؛ فيصير محرما بذلك، وقد روي عن عطاء، والنخعي، وهو قول مالك، والشافعي، ومن الأدلة على ذلك:

1. ما روى ابن عباس قال: رفعت امرأة صبيا، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر)

2. عن السائب بن يزيد، قال: حج بي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا ابن سبع سنين.

3. أن أبا حنيفة قال: يجتنب ما يجتنبه المحرم. ومن اجتنب ما يجتنبه المحرم كان إحرامه صحيحا.

4. أن النذر لا يجب به شيء، بخلاف هذه المسألة.

القول الثاني: لا ينعقد إحرام الصبي، ولا يصير محرما بإحرام وليه، وهو قول أبي حنيفة، ومن الأدلة على ذلك: أن الإحرام سبب يلزم به حكم، فلم يصح من الصبي، كالنذر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة من باب التيسير ورفع الحرج، وهو ناحية ملحوظة في فقه العبادات القول الأول.

أفعال الحج:

تنقسم أفعال الصبي في الحج إلى قسمين([104]):

ما يمكنه أن يفعله بنفسه: وذلك كالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، ونحوهما، وقد اتفق الفقهاء على أنه يلزمه فعله، ولا ينوب غيره عنه فيه.

ويدخل في هذا النوع الإحرام، فإن الصبي يجرد كما يجرد الكبير، وقد روي عن عائشة ا أنها كانت تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم.

ما لا يمكنه أن يفعله بنفسه: وذلك لعجزه عنه، وقد اتفق الفقهاء على أن الولي يقوم بذلك نيابة عنه، قال ابن المنذر:(كل من حفظت عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي، كان ابن عمر يفعل ذلك. وبه قال عطاء، والزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق)

وقد روي عن ابن عمر: أنه كان يحج صبيانه وهم صغار، فمن استطاع منهم أن يرمي رمى، ومن لم يستطع أن يرمي رمى عنه.

 وروى عن أبي إسحاق، أن أبا بكر طاف بابن الزبير في خرقة.

وقال جابر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجاجا، ومعنا النساء والصبيان، فأحرمنا عن الصبيان)([105])، فقال:(فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم)، وفي رواية الترمذي، قال:(فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان)

 وقد نص بعض الفقهاء على أنه يستحب إشراك الصبي في هذا النوع من الأفعال، قال القاضي:(إن أمكنه أن يناول النائب الحصى ناوله، وإن لم يمكنه استحب أن يوضع الحصى في يده فيرمي عنه، وإن وضعها في يد الصغير، ورمى بها، فجعل يده كالآلة، فحسن. ولا يجوز أن يرمي عنه إلا من قد رمى عن نفسه ؛ لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه)

ومثل ذلك في الطواف، فإنه إن أمكنه المشي مشى، وإلا طيف به محمولا أو راكبا، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن أبا بكر طاف بابن الزبير في خرقة.

2. أن الطواف بالكبير محمولا لعذر يجوز، فالصغير أولى.

وقد نص الفقهاء هنا على عدم اشتراط إحرام الحامل، وعدم اشتراط إسقاط الفرض عن نفسه، أو عدم إسقاطه، لأن الطواف للمحمول لا للحامل، ولذلك أجازوا أن يطوف راكبا.

واشترطوا فيمن يطوف بالصبي أن ينوي الطواف عن الصبي، فإن لم ينو لم يجزئه ؛ لأنه لما لم تعتبر النية من الصبي اعتبرت من غيره، كما في الإحرام.

نفقة الحج:

اختلف الفقهاء في المال الذي تجب فيه نفقة، هل هو مال الصبي أو مال وليه على قولين:

القول الأول: ما زاد على نفقة الحضر، فيجب في مال الولي ؛ وهو قول القاضي، واختاره أبو الخطاب، ومن الأدلة على ذلك: أنه كلفه ذلك، ولا حاجة به إليه.

القول الثاني: أن النفقة كلها على الصبي، وهو قول ثان للحنابلة، لأن الحج له، فنفقته عليه، ومن الأدلة على ذلك:

1. قياسا له على البالغ.

2. أن فيه مصلحة له بتحصيل الثواب له، ويتمرن عليه، فصار كأجر المعلم والطبيب.

الترجيح:

 نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول، بناء على الحرص على مال الصبي، خاصة مع اتفاق أكثر الفقهاء على أنه لا يغنيه عن حجة الإسلام، وقد اختار هذا القول ابن ابن قدامة، قال مستدلا لذلك:(فإن الحج لا يجب في العمر إلا مرة. ويحتمل أن لا يجب، فلا يجوز تكليفه بذل ماله من غير حاجة إليه للتمرن عليه)([106])

لزوم الفدية:

اختلف الفقهاء فيما لو وقع الصبي في محظور من محظورات الإحرام، هل تجب عليه الفدية أم لا على الأقوال التالية:

القول الأول: ما أصاب الصبـي من صيد أو لباس أو طيب فدي عنه، وهو قول مالك والشافعي.

القول الثاني: لا جزاء علـيه ولا فدية، وهو قول أبي حنيفة.

القول الثالث: وهي التفريق بين ما يعتبر فيه السهو، وما لا يعتبر، وهو قول الحنابلة، وذلك كما يلي:

ما يعتبر فيه السهو: وذلك مثل اللباس والطيب، فقد نصوا على أنه لا فدية على الصبي فيه؛ لأن عمده خطأ.

ما لا يعتبر فيه السهو: وذلك مثل الصيد، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، وقد نصوا على أن عليه فيه الفدية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أن حج الصبي يكاد يكون من باب التمرين على الحج، وليس حجا كاملا، فلذلك يتساهل فيه، وأسهل الأقوال هنا هو القول الثاني.

ما يلزمه من الفدية:

اختلف الفقهاء في المال الذي تلزم منه الفدية، هل هو مال الصبي أو مال وليه على قولين:

القول الأول: في ماله ؛ لأنها وجبت بجنايته، أشبهت الجناية على الآدمي. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن جنايات الصبيان لازمة لهم في أموالهم.

القول الثاني: على الولي، وهو قول مالك ؛ لأنه حصل بعقده أو إذنه، فكان عليه، كنفقة حجه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ما ذكرناه سابقا من أنه لا يكلف الصبي في الحج بأي نفقة، باعتبار حجه لا يغنيه عن حجة الإسلام، زيادة على ما ذكرنا في الترجيح السابق من أنه لا يجب عليه شيء من الفدية على حسب ما ذهب إليه الحنفية.

 لزوم القضاء:

اختلف الفقهاء فيما لو وقع الصبي فيما يفسد حجه، هل يجب عليه قضاؤه أم لا على قولين كلاهما مما ذهب إليه الحنابلة:

القول الأول: لا يجب عليه قضاؤه، لئلا تجب عبادة بدنية على من ليس من أهل التكليف.

القول الثاني: يجب عليه قضاؤه، لأنه إفساد غير موجب للفدية، فأوجب القضاء.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على أن الحج ليس واجبا عليه، فهو كحج التطوع، والمتطوع أمير نفسه.

زيادة على ما يؤدي إليه القول بلزوم القضاء من التكاليف الشاقة التي لم يفرضها الشرع، خاصة وأن بناء الحج على التيسير لربطه بالاستطاعة.


([1]) إحياء علوم الدين: 2/256.

([2])  رواه مسلم.

([3]) إحياء علوم الدين: 1/152.

([4])  رواه أبو داود والترمذي والحاكم.

([5]) روضة المحبين: 419.

([6]) روضة المحبين:405.

([7]) إحياء علوم الدين: 4/299.

([8]) إحياء علوم الدين: 4/299.

([9])  رواه مسلم.

([10])  رواه البخاري: 8/131.

([11]) إحياء علوم الدين: 2/256.

([12]) رواه البخاري: 5/140.

([13]) اختلف المفسرون في هذه الآية والتي بعدها هي اعتراض بين أثناء وصية لقمان u، أو هي مما أوصى به لقمان u ابنه؛ أخبر الله به عنه؛ أي قال لقمان لابنه:( لا تشرك بالله ولا تطع في الشرك والديك، فإن الله وصى بهما في طاعتهما مما لا يكون شركا ومعصية لله تعالى ) وكلا المعنيين محتمل، وإن كان الكثير من المفسرين رجحوا كونها من غير كلام لقمان u بناء على أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص، ولا نرى تعارضا بين نزولها في شأن سعد وبين اعتبار هذا الكلام من كلام لقمان u.

([14]) إحياء علوم الدين: 4/72.

([15])  رواه ابن جرير.

([16])  رواه النسائي.

([17]) إحياء علوم الدين: 4/84.

([18])  رواه  الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب.

([19]) إحياء علوم الدين: 4/100.

([20]) انظر: إحياء علوم الدين: 4/89.

([21]) انظر: د. محمد عز الدين توفيق، فضيلة الشكر..العملة النادرة في هذا العصر، مجلة البيان: 114، ص:68.

([22])  رواه البخاري.

([23])  رواه ابن السني بإسناد صحيح .

([24])  رواه ابن السني .

([25])  رواه ابن السني.

([26])  رواه ابن السني.

([27])  رواه مسلم.

([28])  رواه أبو داود.

([29])  رواه ابن السني.

([30])  رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

([31])  رواه  ابن السني.

([32])  رواه الترمذي.

([33])  رواه أبو داود (4020) والترمذي (1767)

([34])  رواه ابن السني (272)، وقال الحافظ ابن حجر: إسناد الحديث حسن.

([35])  رواه ابن السني.

([36])  رواه ابن السني.

([37])  رواه أبو داود (30)، والترمذي (7)، وابن ماجه (300)

([38]) الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي.

([39])  رواه مسلم.

([40])  رواه  مسلم.

([41])  رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

([42]) إحياء علوم الدين: 4/70.

([43]) إحياء علوم الدين: 4/71.

([44]) إحياء علوم الدين: 4/73.

([45])  رواه الحكيم الترمذي.

([46]) أصل الكبد من قولك: كبد الرجل كبداً فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المكابدة وأصله كبده إذا أصاب كبده.

([47]) في ظلال القرآن: 6/3910.

([48]) في ظلال القرآن: 6/3910.

([49]) التفسير الكبير: 31/167.

([50]) تفسير ابن كثير: 1/551.

([51]) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.

([52])  رواه البخاري.

([53])  رواه البخاري.

([54])  رواه البخاري ومسلم.

([55]) هذا قول ثعلب، وقد خالفه آخرون منهم الجرجاني، انظر: القرطبي: 20/108.

([56])  رواه الحاكم عن.

([57])  رواه الديلمي.

([58]) نوادر الأصول: 2/221.

([59]) انظر: الفخر الرازي: 25/64.

([60])  رواه الشافعي والبيهقي.

([61]) رواه أحمد.

([62])  رواه البخاري ومسلم.

([63])  رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم.

([64]) المغني: 9/23.

([65]) المغني: 9/23.

([66]) المغني: 9/23.

([67]) الجصاص: 4/139.

([68])  رواه الترمذي .

([69])رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة.

([70]) المجموع: 3/11.

([71]) المجموع: 3/11.

([72]) رواه البخاري ومسلم.

([73]) ذكر ابن قدامة أن الدافع إليه ما روي أن أحمد قد نقل عنه في ابن أربع عشرة: إذا ترك الصلاة يعيد، وقد أول ابن قدامة هذه الرواية على أن أحمد، رحمه الله أمر بذلك على طريق الاحتياط. المغني: 1/357.

([74])  رواه ابن حبان، والحاكم، والبيهقي.

([75]) رواه البخاري والنسائي بنحوه.

([76])  رواه الطبراني.

([77])  رواه ابن ماجه، وقال بن الجوزي إنه حديث لا يصح ورواه البزار من حديث بن مسعود وقال ليس له أصل من حديثه وله طريق أخرى  واهية، انظر: تلخيص الحبير: 4/188.

([78]) ابن كثير:3/294.

([79]) رواه أحمد، وابن عساكر، وفي إسناد أحمد كامل بن العلاء وفيه مقال معروف.

([80])  رواه البخاري ومسلم.

([81]) رواه الجماعة.

([82]) رواه أحمد.

([83])  رواه البخاري والنسائي بنحوه.

([84]) رواهما الأثرم في سننه.

([85]) وقد رد على هذا بأن العدالة نقيض الفسق وهو غير فاسق لأن الفسق فرع تعلق الطلب ولا تعلق وانتفاء كون صلاته واجبة عليه لا يستلزم عدم صحة إمامته.

([86]) وقد رد على هذا بأن عمرو بن سلمة صحابي مشهور، قال في التقريب: صحابي صغير نزل بالبصرة وقد روى ما يدل على أنه وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما تقدم.

([87]) رواه أحمد.

([88])  رواه أبو داود.

([89]) رواه الجماعة إلا ابن ماجه.

([90])  رواه البخاري.

([91])  رواه البخاري.

([92]) المجموع:6/254.

([93]) قال الشوكاني:( هذا الحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير وقال أخرجه المرهبي عن ابن عباس )

([94])  رواه البخاري:2/3، وأبو داود رقم (337)

([95]) قال القاضي:( المذهب عندي، رواية واحدة: أن الصلاة والصوم لا تجب حتى يبلغ، وما قاله أحمد في من ترك الصلاة يقضيها. نحمله على الاستحباب )

([96])  رواه أبو نعيم في المعرفة والديلمي.

([97]) التمهيد: 1/101.

([98]) شرح معاني الآثار: 2/257.

([99]) التمهيد: 1/101.

([100]) التمهيد: 1/103.

([101]) من مراجع هذا المطلب: التمهيد: 1/101، المجموع: 7/30، شرح الزرقاني: 2/523، مواهب الجليل: 2/478، شرح النووي على مسلم: 9/99.

([102])  رواه مسلم، ابن خزيمة، البيهقي، وغيرهم.

([103]) ذكره ابن قدامة، وقال:( رواه سعيد، في ( سننه)، والشافعي، في ( مسنده)، عن ابن عباس من قوله ) انظر: المغني: 3/104.

([104]) المغني:3/108.

([105]) رواه سعيد، في سننه وابن ماجه.

([106]) المغني:3/108.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *