الفصل الثامن: أحكام الحضانة

الفصل الثامن

أحكام الحضانة

تناول الفقهاء الحقوق المرتبطة بالأبناء الذين وقع الانفصال بين آبائهم وأمهاتهم إما بالطلاق أو الفسخ عند حديثهم عن مسائل الحضانة، باعتبار أن أهم حق للولد الذي انفصل أبوه عن أمه أن يبقى في حضانة أمه إلى أن يشب، فيختار اليقاء مع أحدهما.

ومن التعاريف التي عرفت بها الحضانة:

1 ـ هي حفظ الولد في مبيته ومؤنة طعامه ولباسه ومضجعه وتنظيف جسمه([1]).

2 ـ هي حفظ من لا يستقل بأموره، وتربيته بما يصلحه([2]).

3 ـ حفظ من لا يستقل بأمره وتربيته ووقايته عما يهلكه([3]).

أما علاقة المعنى اللغوي المعنى الاصطلاحي، فهو أن الحضانة في اللغة تستعمل في معنيين: أحدهما جعل الشيء في ناحية يقال: حضن الرجل الشيء أي اعتزله فجعله في ناحية منه، والثاني: الضم إلى الجنب يقال: حضنته واحتضنته إذا ضممته إلى جنبك، والحضن الجنب، فحضانة الأم ولدها هي ضمها إياه إلى جنبها، واعتزالها إياه من أبيه ليكون عندها فتقوم بحفظه وإمساكه([4]).

1 ـ حكم الحضانة

اتفق الفقهاء على وجوب الحضانة، وعللوا ذلك بأن المحضون قد يهلك، أو يتضرر بترك الحفظ، فيجب حفظه عن الهلاك، قال ابن مفلح:(هي واجبة لأنه يهلك بتركه، فوجب حفظه عن الهلاك كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك)([5])، وهذا الوجوب عيني إذا لم يوجد إلا الحاضن، أو وجد ولكن لم يقبل الصبي غيره، وكفائي عند تعدد الحاضن.

وهذا الوجوب يسقط بوجود مانع من الموانع، أو زوال شرط من شروط استحقاقها،وقد تسقط بسبب إسقاط المستحق لها، كما لو أسقط الحاضن حقه ثم عاد وطلبه، لأنه حق يتجدد بتجدد الزمان كالنفقة، وإذا امتنعت الحضانة لمانع ثم زال المانع كأن عقل المجنون، أو تاب الفاسق، أو شفي المريض عاد حق الحضانة، لأن سبيلها قائم وأنها امتنعت لمانع فإذا زال المانع عاد الحق بالسبب السابق الملازم طبقا للقاعدة الفقهية:[إذا زال المانع عاد الممنوع].

وقد فرق المالكية بين زوال الحضانة لعذر اضطراري وبين زوالها لعذر اختياري، لأنها إذا سقطت لعذر اضطراري لا يقدر معه الحاضن على القيام بحال المحضون كمرض الحاضن أو سفر الولي بالمحضون سفر نقلة، أو سفر الحاضنة لأداء فريضة الحج، ثم زال العذر بشفاء الحاضنة من المرض، أو عودة الولي من السفر، أو عودتها من أداء فريضة الحج، عادت الحضانة للحاضن، لأن المانع كان هو العذر الاضطراري وقد زال، وإذا زال المانع عاد الممنوع.

وإذا زالت الحضانة لمانع اختياري كأن تتزوج الحاضنة بأجنبي من المحضون ثم طلقت، أو أسقطت الحاضنة حقها في الحضانة بإرادتها دون عذر، ثم أرادت العود للحضانة، فإنه لا تعود الحضانة بعد زوال المانع بناء على أن الحضانة حق للحاضن، وهو المشهور في المذهب، وقيل: تعود بناء على أن الحضانة حق المحضون.

لكنهم قالوا: إذا كانت الحضانة لا تعود للمطلقة إلا أنه من حق من انتقلت له الحضانة رد المحضون لمن انتقلت عنه الحضانة، فإن كان الرد للأم فلا مقال للأب، لأنه نقل لما هو أفضل، وإن كان الرد لأختها مثلا فللأب المنع من ذلك، فمعنى أن الحضانة لا تعود، أي لا تجبر من انتقلت لها الحضانة على رد المحضون، ولها الرد باختيارها([6]).

حكم تخيير المحضون بعد انتهاء مدة الحضانة

اتفق الفقهاء على أن الحضانة على الصغار تبدأ منذ الولادة، واختلفوا في الوقت الذي تنتهي فيه حضانة النساء على الصغار حال افتراق الزوجين، وما يكون بعد انتهائها على الأقوال التالية:

القول الأول: لا يخير المحضون مطلقا، بل ينتقل مباشرة إلى من يحضنه من الذكور، وهو قول المالكية والحنفية، وقد استدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ ظاهر الحديث، ووجه الاستدلال أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت أحق به)، ولو خير الطفل لم تكن هي أحق به إلا إذا اختارها، كما أن الأب لا يكون أحق به إلا إذا اختاره، فإن قدر: أنت أحق به إن اختارك، قدر ذلك في جانب الأب، والنبـي صلى الله عليه وآله وسلم جعلها أحق به مطلقا عند المنازعة.

2 ـ أن أحاديث التخيـير مطلقة لا تقيـيد فيها، وأنتم لا تقولون بها على إطلاقها، بل قيدتم التخيـير بالسبع، فما فوقها، وليس في شيء من الأحاديث ما يدل على ذلك، ونحن نقول: إذا صار للغلام اختيار معتبر، خير بـين أبويه، وإنما يعتبره اختياره إذا اعتبر قوله، وذلك بعد البلوغ، وليس تقيـيدكم وقت التخيـير بالسبع أولى من تقيـيدنا بالبلوغ، بل الترجيح من جانبنا، لأنه حينئذ يعتبر قوله ويدل عليه قولها: وقد سقاني من بئر أبـي عنبة، وهي على أميال من المدينة، وغير البالغ لا يتأتى منه عادة أن يحمل الماء من هذه المسافة ويستقي من البئر.

3 ـ أنه إن سلمنا أنه ليس في الحديث ما يدل على البلوغ، فليس فيه ما ينفيه، والواقعة واقعة عين، وليس عن الشارع نص عام في تخيـير من هو دون البلوغ حتى يجب المصير إليه، سلمنا أن فيه ما ينفي البلوغ، فمن أين فيه ما يقتضي التقيـيد بسبع كما ذكر المخالفون.

وقد اختلف أصحاب هذا القول في الوقت الذي تنتهي فيه الحضانة على رأيين:

الرأي الأول: وهو قول الحنفية، فقد نصوا على أن حضانة النساء على الذكر تظل حتى يستغني عن رعاية النساء له فيأكل وحده، ويشرب وحده، ويلبس وحده، وقدر ذلك بسبع سنين – وبه يفتى – لأن الغالب الاستغناء عن الحضانة في هذه السن، وقيل تسع سنين.

وتظل الحضانة على الأنثى قائمة حتى تبلغ بالحيض أو الاحتلام أو السن، وهذا كما في ظاهر الرواية إن كانت الحاضنة الأم أو الجدة، أما غير الأم والجدة فإنهن أحق بالصغيرة حتى تشتهى، وقدر بتسع سنين وبه يفتى.

وعن محمد أن الحكم في الأم والجدة كالحكم في غيرهما، فتنتهي حضانة النساء مطلقا – أما أو غيرها – على الصغيرة عند بلوغها حد الاشتهاء الذي قدر بتسع سنين، والفتوى على رواية محمد لكثرة الفساد. فإذا انقضت حضانة النساء فلا يخير المحضون ذكرا كان أو أنثى بل يضم إلى الأب، لأنه لقصور عقله يختار من عنده اللعب، وتظل ولاية الأب على الصغير والصغيرة إلى البلوغ، فإذا بلغ الغلام مستغنيا برأيه مأمونا عليه فيخير حينئذ بين المقام مع وليه، أو مع حاضنته، أو الانفراد بنفسه، وكذلك الأنثى إن كانت ثيبا أو كانت بكرا طاعنة في السن ولها رأي، فإنها تخير كما يخير الغلام. وإن كان الغلام أو الثيب أو البكر الطاعنة في السن غير مأمون عليهم لو انفردوا بأنفسهم بقيت ولاية الأب عليهم، كما تبقى الولاية على البكر إذا كانت حديثة السن، وكذلك الحكم بالنسبة للمعتوه تبقى ولاية الأب عليه إلى أن يعقل([7]).

الرأي الثاني: وهو للمالكية، فقد نصوا على أن حضانة النساء على الذكر تستمر إلى بلوغه وتنقطع حضانته بالبلوغ ولو مريضا أو مجنونا على المشهور، وفي المدونة:(لت: كم يترك الغلام في حضانة الأم في قول مالك؟ قال: قال مالك: حتى يحتلم، ثم يذهب الغلام حيث شاء. قلت: فإن احتاج الأب إلى الأدب أن يؤدب ابنه؟ قال: قال مالك: يؤدبه بالنهار ويبعثه إلى الكتاب وينقلب إلى أمه بالليل في حضانتها، ويؤدبه عند أمه ويتعاهده عند أمه ولا يفرق بينها وبينه إلا أن تتزوج)([8])

أما الحضانة بالنسبة للأنثى فتستمر إلى زواجها ودخول الزوج بها، وقال ابن شعبان من المالكية: أمد الحضانة على الذكر حتى يبلغ عاقلا غير زمن، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن العادة جرت بأن الأب يتصرف في المعاش، والخروج، ولقاء الناس، والأم في خدرها مقصورة في بـيتها، فالبنت عندها أصون وأحفظ بلا شك، وعينها عليها دائما بخلاف الأب، فإنه في غالب الأوقات غائب عن البـيت، أو في مظنة ذلك، فجعلها عند أمها أصون لها وأحفظ.

2 ـ أن كل مفسدة يعرض وجودها عند الأم، فإنها تعرض أو أكثر منها عند الأب، فإنه إذا تركها في البـيت وحدها لم يأمن عليها، وإن ترك عندها امرأته أو غيرها، فالأم أشفق عليها وأصون لها من الأجنبـية.

3 ـ أنها محتاجة إلى تعلم ما يصلح للنساء من الغزل والقيام بمصالح البـيت، وهذا إنما تقوم به النساء لا الرجال، فهي أحوج إلى أمها لتعلمها ما يصلح للمرأة، وفي دفعها إلى أبـيها تعطيل هذه المصلحة، وإسلامها إلى امرأة أجنبـية تعلمها ذلك، وترديدها بـين الأم وبـينه، وفي ذلك تمرين لها على البروز والخروج، فمصلحة البنت والأم والأب أن تكون عند أمها، وهذا القول هو الذي لا نختار سواه.

القول الثاني: تخيير المحضون إذا بلغ سن التمييز([9])، وقد أجابوا علىما أورده أصحاب القول الأول بالوجوه التالية:

1 ـ أن لفظ الحديث أنه خير غلاما بـين أبويه، وحقيقة الغلام من لم يبلغ، فحمله على البالغ إخراج له عن حقيقته إلى مجازه بغير موجب، ولا قرينة صارفة.

2 ـ أن البالغ لا حصانة عليه، فكيف يصح أن يخير ابن أربعين سنة بـين أبوين؟ هذا من الممتنع شرعا وعادة، فلا يجوز حمل الحديث عليه.

3 ـ أنه لم يفهم أحد من السامعين أنهم تنازعوا في رجل كبـير بالغ عاقل، وأنه خير بـين أبويه، ولا يسبق إلى هذا فهم أحد البتة، ولو فرض تخيـيره، لكان بـين ثلاثة أشياء: الأبوين، والانفراد بنفسه.

4 ـ أنه لا يعقل في العادة ولا العرف ولا الشرع أن تنازع الأبوان في رجل كبـير بالغ عاقل، كما لا يعقل في الشرع تخيـير من هذه حاله بـين أبويه.

5 ـ أن في بعض ألفاظ الحديث أن الولد كان صغيرا لم يبلغ، وهو حديث رافع بن سنان، وفيه: فجاء ابن لها صغير لم يبلغ، فأجلس النبـي صلى الله عليه وآله وسلم الأب ها هنا، والأم ها هنا ثم خيره.

وقد اختلف أ صحاب هذا القول في كيفية التخيير على رأيين([10]):

الرأي الأول: التفريق بين الذكر والأنثى في التخيير، وهو قول أحمد([11])، وبيان ذلك كما يلي:

الذكر: يكون عند حاضنته حتى يبلغ سن السابعة فإن اتفق أبواه بعد ذلك أن يكون عند أحدهما جاز، لأن الحق في حضانته إليهما، وإن تنازعا خيره الحاكم بينهما فكان مع من اختار منهما، التخيير إنما يكون مع السلامة من فساد، فإن علم أنه يختار أحدهما ليمكنه من فساد ويكره الآخر للتأديب لم يعمل بمقتضى شهوته، لأن ذلك إضاعة له. ويكون الغلام عند من يختار فإن عاد فاختار الآخر نقل إليه، وإن عاد فاختار الأول رد إليه هكذا أبدا، لأن هذا اختيار تشه، وقد يشتهي أحدهما في وقت دون آخر فاتبع بما يشتهيه، فإن لم يختر أحدهما أو اختارهما معا أقرع بينهما، لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، ثم إن اختار غير من قدم بالقرعة رد إليه، ولا يخير إذا كان أحد أبويه ليس من أهل الحضانة، لأن من ليس أهلا للحضانة وجوده كعدمه. وإلا اختار أباه ثم زال عقله رد إلى الأم لحاجته إلى من يتعهده كالصغير وبطل اختياره، لأنه لا حكم لكلامه.

الأنثى: إذا بلغت سبع سنين لا تخير، وإنما تكون عند الأب وجوبا إلى البلوغ، وبعد البلوغ تكون عنده أيضا إلى الزفاف وجوبا، ولو تبرعت الأم بحضانتها، لأن الغرض من الحضانة الحفظ، والأب أحفظ لها، وإنما تخطب منه، فوجب أن تكون تحت نظره ليؤمن عليها من دخول الفساد لكونها معرضة للآفات لا يؤمن عليها للانخداع لغرتها، والمعتوه ولو أنثى يكون عند أمه ولو بعد البلوغ لحاجته إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنساء أعرف بذلك.

ومن الأدلة التي استدلوا بها على ذلك([12]):

1 ـ ما ورد في الحديث عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به([13]).

2 ـ الآثار الواردة عن الصحابة، ومنها ما روي عن عبد الرحمن بن غنم، قال: اختصم إلى عمر في غلام، فقال: هو مع أمه حتى يعرب عنه لسانه ليختار، وعن الوليد بن مسلم، قال: اختصموا إلى عمر في يتيم فخيره، فاختار أمه على عمه، فقال عمر: إن لطف أمك خير من خصب عمك، وعن عمارة بن رويبة، أنه تخاصمت فيه أمه وعمه إلى علي بن أبـي طالب، قال: فخيرني علي ثلاثا، كلهن أختار أمي، ومعي أخ لي صغير، فقال علي: هذا إذا بلغ مبلغ هذا خير، وعن هلال بن أبـي ميمونة قال: شهدت أبا هريرة خير غلاما بـين أبـيه وأمه، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير غلاما بـين أبـيه وأمه([14]).

3 ـ أن هذا في غاية في العدل الممكن، فإن الأم إنما قدمت في حال الصغر لحاجة الولد إلى التربـية والحمل والرضاع والمداراة التي لا تتهيأ لغير النساء، وإلا فالأم أحد الأبوين، فكيف تقدم عليه؟ فإذا بلغ الغلام حدا يعرب فيه عن نفسه، ويستغني عن الحمل والوضع وما تعانيه النساء، تساوى الأبوان، وزال السبب الموجب لتقديم الأم، والأبوان متساويان فيه، فلا يقدم أحدهما إلا بمرجح، والمرجح إما من خارج، وهو القرعة. وإما من جهة الولد، وهو اختياره، وقد جاءت السنة بهذا وهذا، وقد جمعهما حديث أبـي هريرة، فاعتبرناهما جميعا، ولم ندفع أحدهما بالآخر. وقدمنا ما قدمه النبـي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرنا ما أخره، فقدم التخيـير([15]).

4 ـ أنه إذا مال إلى أحد أبويه دل على أنه أرفق به وأشفق.

5 ـ أن ذلك مقيد بالسبع لأنها أول حال أمر الشرع فيها بمخاطبته بالصلاة، بخلاف الأم فإنها قدمت في حال الصغر لحاجته ومباشرة خدمته لأنها أعرف بذلك.

6 ـ إنما قدم التخيـير، لاتفاق ألفاظ الحديث عليه، وعمل الخلفاء به، وأما القرعة، فبعض الرواة ذكرها في الحديث، وبعضهم لم يذكرها، وإنما كانت في بعض طرق أبـي هريرة وحده، فقدم التخيـير عليها، فإذا تعذر القضاء بالتخيـير، تعينت القرعة طريقا للترجيح إذ لم يبق سواها.

7 ـ أن القرعة إنما يصار إليها إذا تساوت الحقوق من كل وجه، ولم يبق مرجح سواها، وهكذا فعلنا ها هنا قدمنا أحدهما بالاختيار، فإن لم يختر السنة، لكان من أحسن الأحكام، وأعدلها، وأقطعها للنزاع بتراضي المتنازعين.

8 ـ أن الحديث الذي استدلوا به ضعفه ابن المنذر وغيره، وضعف يحيـى بن سعيد والثوري عبد الحميد بن جعفر، وقد اختلف فيه، فروي أن المخير كان بنتا، وروي أنه كان ابنا، قال ابن الجوزي: ورواية من روى أنه كان غلاما أصح([16]).

9 ـ أنه لو سلم بأنه كان أنثى، فأنتم لا تقولون به، فإن فيه أن أحدهما كان مسلما، والآخر كافرا، فكيف تحتجون بما لا تقولون به، وفي الحديث أن الطفل كان فطيما، وهذا قطعا دون السبع، والظاهر أنه دون الخمس، وأنتم لا تخيرون من له دون السبع، فظهر أنه لا يمكنكم الاستدلال بحديث رافع هذا على كل تقدير.

10 ـ أن من الأحكام ما يكفي فيها وصف الذكورة، أو وصف الأنوثة قطعا، ومنها ما لا يكفي فيه، بل يعتبر فيه إما هذا وإما هذا، فيلغى الوصف في كل حكم تعلق بالنوع الإنسان المشترك بـين الأفراد، ويعتبر وصف الذكورة في كل موضع كان له تأثير فيه، كالشهادة والميراث، والولاية في النكاح. ويعتبر وصف الأنوثة في كل موضع يختص بالإناث، أو يقدر من فيه على الذكور، كالحضانة، إذا استوى في الدرجة الذكر والأنثى، قدمت الأنثى.

11 ـ أن التخيـير هنا تخيـير شهوة، لا تخيـير رأي ومصلحة، ولهذا إذا اختار غير من اختاره أولا، نقل إليه، فلو خيرت البنت، أفضى ذلك إلى أن تكون عند الأب تارة، وعند الأم أخرى. فإنها كلما شاءت الانتقال، أجيبت إليه، وذلك عكس ما شرع للإناث من لزوم البـيوت، وعدم البروز، ولزوم الخدور وراء الأستار، فلا يليق بها أن تمكن من خلاف ذلك. وإذا كان هذا الوصف معتبرا قد شهد له الشرع بالاعتبار لم يمكن إلغاؤه.

12 ـ أن ذلك يفضي إلى ألا يبقى الأب موكلا بحفظها، ولا الأم لتنقلها بـينهما، وقد عرف بالعادة أن ما يتناوب الناس على حفظه، ويتواكلون فيه، فهو آيل إلى ضياع، ومن الأمثال السائرة: لا يصلح القدر بـين طباخين.

13 ـ أن العادة شاهدة بأن اختيار أحدهما يضعف رغبة الآخر فيه بالإحسان إليه وصيانته، فإذا اختار أحدهما، ثم انتقل إلى الآخر لم يبق أحدهما تام الرغبة في حفظه والإحسان إليه.

14 ـ أن البنت تحتاج من الحفظ والصيانة فوق ما يحتاج إليه الصبـي، ولهذا شرع في حق الإناث من الستر والخفر ما لم يشرع مثله للذكور في اللباس وإرخاء الذيل شبرا أو أكثر، وجمع نفسها في الركوع والسجود دون التجافي، ولا ترفع صوتها بقراءة القرآن، ولا ترمل في الطواف، ولا تتجرد في الإحرام عن المخيط، ولا تكشف رأسها، ولا تسافر وحدها هذا كله مع كبرها ومعرفتها، فكيف إذا كانت في سن الصغر، وضعف العقل الذي يقبل الانخداع ولا ريب أن ترددها بـين الأبوين مما يعود على المقصود بالإبطال، أو يخل به، أو ينقصه لأنها لا تستقر في مكان معين، فكان الأصلح لها أن تجعل عند أحد الأبوين من غير تخيـير.

15 ـ أن الرجال أغير على البنات من النساء، فلا تستوي غيرة الرجل على ابنته، وغيرة الأم أبدا، وكم من أم تساعد ابنتها على ما تهواه، ويحملها على ذلك ضعف عقلها، وسرعة انخداعها، وضعف داعي الغيرة في طبعها، بخلاف الأب، ولهذا المعنى وغيره جعل الشارع تزويجها إلى أبـيها دون أمها، ولم يجعل لأمها ولاية على ابنتها مطلقا، فكان من محاسن الشريعة أن تكون عند أمها ما دامت محتاجة إلى الحضانة والتربـية، فإذا بلغت حدا تشتهى فيه، وتصلح للرجال، فمن محاسن الشريعة أن تكون عند من هو أغير عليها، وأحرص على مصلحتها، وأصون لها من الأم.

الرأي الثاني: تستمر الحضانة على المحضون حتى التمييز ذكرا كان المحضون أو أنثى، فإذا بلغ حد التمييز – وقدر بسبع سنين أو ثمان غالبا – فإنه يخير بين أبيه وأمه، فإن اختار أحدهما دفع إليه، وإذا عاد واختار الثاني نقل إليه، وهكذا كلما تغير اختياره، لأنه قد يتغير حال الحاضن، أو يتغير رأي المحضون فيه بعد الاختيار، إلا إن كثر ذلك منه بحيث يظن أن سببه قلة تمييزه، فإنه يجعل عند الأم ويلغى اختياره. وإن امتنع المحضون عن الاختيار فالأم أولى، لأنها أشفق، واستصحابا لما كان، وهو قول الشافعية.

فإن اختارهما معا أقرع بينهما، وإن امتنع المختار من كفالته كفله الآخر، فإن رجع الممتنع منهما أعيد التخيير، وإن امتنعا وبعدهما مستحقان للحضانة كجد وجدة خير بينهما، وإلا أجبر عليها من تلزمه نفقته، وتظل الولاية عليه لمن بقي عنده إلى البلوغ.

فإن بلغ، فإن كان غلاما وبلغ رشيدا ولي أمر نفسه لاستغنائه عمن يكفله فلا يجبر على الإقامة عند أحد أبويه، والأولى أن لا يفارقهما ليبرهما، وإن كان أنثى، فإن بلغت رشيدة فالأولى أن تكون عند أحدهما حتى تتزوج إن كانا مفترقين، وبينهما إن كانا مجتمعين، لأنه أبعد عن التهمة، ولها أن تسكن حيث شاءت ولو بأجرة، هذا إذا لم تكن ريبة، فإن كانت هناك ريبة فللأم إسكانها معها، وكذا للولي من العصبة إسكانها معه إذا كان محرما لها، فإن لم يكن محرما لها فيسكنها في موضع لائق بها ويلاحظها دفعا لعار النسب. وإن بلغت غير رشيدة ففيها التفصيل الذي قيل في الغلام، أما المجنون والمعتوه فلا يخير وتظل الحضانة عليه لأمه إلى الإفاقة، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ عن رافع بن سنان أنه تنازع هو وأم في ابنتهما، وأن النبـي صلى الله عليه وآله وسلم أقعده ناحية، وأقعد المرأة ناحية، وأقعد الصبـية بـينما، وقال: (ادعواها)، فمالت إلى أمها فقال النبـي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم اهدها)، فمالت إلى أبـيها فأخذها([17]).

2 ـ أن الآثار المتقدمة حجة في تخيـير الأنثى، لأن كون الطفل ذكرا لا تأثير له في الحكم، بل هي كالذكر في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس). وفي قوله: (من أعتق شركا له في عبد).

3 ـ حديث الحضانة أولى بعدم اشتراط الذكورية فيه، لأن لفظ الصبـي ليس من كلام الشارع، إنما الصحابـي حكى القصة، وأنها كانت في صبـي، فإذا نقح المناط تبـين أنه لا تأثير، لكونه ذكرا.

القول الثالث: أن المحضون أحق بنفسه إذا بلغ بدون تفريق بين الذكر والأنثى، وهو مذهب ابن حزم، قال: (وإذا بلغ الولد أو الابنة عاقلين، فهما أملك بأنفسهما، ويسكنان أينما أحبا، فإن لم يؤمنا على معصية من شرب خمر، أو تبرج، أو تخليط، فللأب أو غيره من العصبة، أو للحاكم، أو للجيران أن يمنعاهما من ذلك، ويسكناهما حيث يشرفان على أمورهما) ([18])

أما السن التي يبقى فيها مع أمه فقد نص ابن حزم على أن لأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض، أو الاحتلام، أو الإنبات مع التمييز، وصحة الجسم، سواء كانت أمة أو حرة، تزوجت أو لم تتزوج، رحل الأب عن ذلك البلد أو لم يرحل، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله تعالى: { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } (الأنعام:164)

2 ـ تصويبه صلى الله عليه وآله وسلم قول سلمان: (أعط كل ذي حق حقه) ([19])

3 ـ أنه لا دليل على التفريق بين الذكر والأنثى في ذلك، قال ابن حزم: (ولا معنى للفرق بين الذكر والأنثى في ذلك، ولا لمراعاة زواج الابنة ؛ لأنه شرع لم يأذن به الله تعالى، وقد تزوج وهي في المهد وقد لا تتزوج وهي بنت تسعين سنة. ورب بكر أصلح وأنظر من ذوات الأزواج وبضرورة الحس يدري كل أحد أن الزواج لم يزدها عقلا لم يكن ولا صلاحا لم يكن)([20])

4 ـ أنه إذا ظهر في سلوك الذكر أو الأنثى تخليط أو معصية فالمنع من ذلك واجب لقول الله تعالى { كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ }(النساء:135)، وقوله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }(المائدة:2)، وقوله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ}(آل عمران:104)

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى مصلحة الولد كما في كل مسائل الحضانة، وعلى ذلك تدل الروايات النصية المختلفة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة، فليس في النصوص ما ذكره أكثر الفقهاء من أحكام الحضانة وقيودها في هذه المسألة وأكثر مسائل الحضانة.

 وعلى ذلك أيضا يدل الخلاف الفقهي في هذه المسألة، فقد اختلف الفقهاء بحسب اختلاف المصالح والمفاسد التي تنجر عن الأحوال المختلفة، ومن الخطأ نصرة الآراء هنا لأدلتها، فهي تكاد تتكافأ، ويمكن توجيه القوي منها لينسجم مع غيره، ومن الخطأ الأكبر نصرة الآراء هنا باعتبار مذاهبها، فالمذاهب ليست نصوصا قطعية يحرم تجاوزها.

انطلاقا من هذا نرى أن لولي الأمر أو من يكون ثقة من جماعة المسلمين النظر في كل حالة والحكم عليها بما يناسبها من هذه الأقوال الواردة في المسألة، وقد قال ابن القيم بعد أن أورد الأدلة الكثيرة على نصرة مذهب أحمد في المسألة:(فمن قدمناه بتخيـير أو قرعة أو بنفسه، فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد، ولو كانت الأم أصوم من الأب وأغير منه قدمت عليه، ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار الصبـي في هذه الحالة، فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك، لم يلتفت إلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له وأخير)([21])

واستدل لذلك بالنصوص الشرعية الكثيرة الدالة على هذا ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر وفرقوا بـينهم في المضاجع). والله تعالى يقول: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} وقال الحسن: علموهم وأدبوهم وفقهوهم.

قال ابن القيم:(فإذا كانت الأم تتركه في المكتب، وتعلمه القرآن والصبـي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه، وأبوه يمكنه من ذلك، فإنه أحق به بلا تخيـير، ولا قرعة، وكذلك العكس، ومتى أخل أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصبـي وعطله، والآخر مراع له، فهو أحق وأولى به)([22])

واستدل لذلك بأن هذا الحق ليس من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم، والنكاح، والولاء، سواء كان الوارث فاسقا أو صالحا، بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها من القدرة على الواجب والعلم به، وفعله بحسب الإمكان، فلو قدر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته، ولا تقوم بها وأمها أقوام بمصلحتها من تلك الضرة، فالحضانة هنا للأم قطعا، وسنرى أدلة أخرى لهذا في المواضع المختلفة من هذا الفصل.

2 ـ حق الأم في الحضانة

اتفق الفقهاء على أن الأم أحق بحضانة ولدها من أبيه، وقد نقل ابن قدامة عدم الخلاف في المسألة، فقال:(الزوجين إذا افترقا، ولهما ولد طفل أو معتوه، فأمه أولى الناس بكفالته إذا كملت الشرائط فيها، ذكرا كان أو أنثى، وهذا قول يحيى الأنصاري، والزهري، والثوري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحدا خالفهم)([23])

بل قد نقل الإجماع على ذلك، قال ابن المنذر:(أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد أن الأم أحق به مالم تنكح)([24])، وقال ابن عبد البر: (لا أعلم خلافا بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة إذا لم تتزوج أنها أحق بولدها من أبيه ما دام طفلا صغيرا لايميز شيئا إذا كان عندها في حرز وكفاية ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج)

ومن الأدلة التي استدلوا بها على ذلك:

1 ـ ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(أنت أحق به ما لم تنكحي)([25])، قال الصنعاني:(الحديث دليل على أن الأم أحق بحضانة ولدها إذا أراد الأب انتزاعه منها، وقد ذكرت هذه المرأة صفات اختصت بها تقتضي استحقاقها وأولويتها بحضانة ولدها، وأقرها صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، وحكم لها، ففيه تنبيه على المعنى المقتضي للحكم، وأن العلل والمعاني المعتبرة في إثبات الأحكام مستقرة في الفطر السليمة)([26])

2 ـ عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك([27])، قال ابن حزم:(فهذا نص جلي على إيجاب الحضانة ؛ لأنها صحبة)

3 ـ أنها أقرب إليه، وأشفق عليه، ولا يشاركها في القرب إلا أبوه، وليس له مثل شفقتها، ولا يتولى الحضانة بنفسه، وإنما يدفعه إلى امرأته، وأمه أولى به من امرأة أبيه؛ لأنه في بطنها ثم في حجرها مدة الرضاع بنص قول الله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ }(البقرة:233)

واختلف الفقهاء بعد هذا الاتفاق في كون الحضانة حق لها أم واجب عليها؟ وينبني على ذلك التساؤل حق من له الحضانة في التنازل عنها، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: لكل من الحاضن والمحضون حق في الحضانة، فهي حق الحاضن بمعنى أنه لو امتنع عن الحضانة لا يجبر عليها، لأنها غير واجبة عليه، ولو أسقط حقه فيها سقط، وإذا أراد العود وكان أهلا لها عاد إليه حقه وهو قول الجمهور([28])، لأنه حق يتجدد بتجدد الزمان.

وهي حق المحضون بمعنى أنه لو لم يقبل المحضون غير أمه أو لم يوجد غيرها، أو لم يكن للأب ولا للصغير مال، تعينت الأم للحضانة وتجبر عليها، قال الزيلعي:(لا تجبر الأم على الحضانة في الصحيح لاحتمال عجزها، وهذا لأن شفقتها حاملة على الحضانة، ولا تصبر عنه غالبا إلا عن عجز فلا معنى للإيجاب لوجود الحمل بدونه فلا تجبر عليه، وقال في النهاية إلا أن يكون للولد ذو رحم محرم غير الأم فحينئذ تجبر على حضانته كي لا يضيع بخلاف الأب، حيث يجبر على أخذه إذا امتنع بعد الاستغناء عن الأم، لأن نفقته واجبة عليه)([29])

ومن آثار هذا القول ما نقله السيوطي نقلا عن المحاملي: (الأم أولى بالحضانة، إلا في صور: إذا امتنع كل من الأبوين من كفالته، فإنه يلزم به الأب. وإذا كان الأب حرا أو مسلما، أو مأمونا، وهي بخلاف ذلك، أو يريد سفر نقلة، أو تزوجت، أو إذا كانت الأم مجنونة، أو لا لبن لها، أو امتنعت من إرضاعه، أو عمياء كما بحثه ابن الرفعة أو بها برص أو جذام كما أفتى به جماعة)([30])

القول الثاني: إنها حق للمحضون نفسه، فلذلك كان للقاضي أن يجبر الحاضنة، وهو قول للحنابلة والمالكية([31]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى المسألة من ناحيتين:

ناحية حاجة الولد: فإن كانت حاجة الولد إلى الأم شديدة، بحيث لا يغني عنها غيرها، فإن الأرجح هو وجوب ذلك عليها، وتجبر عليه إلا أن يقوم بها من الموانع ما يعزلها عن ذلك، ولعل هذه الناحية لا خلاف فيها بين العلماء.

ناحية قدرة الأم: فيكون للأم الحق في رفض الحضانة، إن أدى ذلك إلى ضرر بها، كأن يحول مثلا بينها وبين الزواج مع حاجتها إليه، فإن هذا عذر يسمح للمرأة بترك ولدها لمن يحضنه كما سنرى في مراتب الحواضن، خاصة إن كانت فقيرة أو لم يكن هناك من يتولاها، ولأجل هذه الناحية رجح ابن القيم أن الحضانة حق لها، فقال: (والصحيح أن الحضانة حق لها، وعليها إذا احتاج الطفل إليها، ولم يوجد غيرها، وإن اتفقت هي، وولي الطفل على نقلها إليه جاز، والمقصود أن في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت أحق به)، دليلا على أن الحضانة حق لها)([32])

3 ـ موانع حضانة الأم

من الموانع التي ذكرها الفقهاء للحضانة مطلقا، وحضانة الأم خصوصا:

المانع الأول: زواج الأم الحاضنة:

اختلف الفقهاء في سقوط الحضانة بالزواج على الأقوال التالية([33]):

القول الأول: سقوطها بالزواج مطلقا، سواء كان المحضون ذكرا، أو أنثى،وهو قول الشافعي، ومالك، وأبـي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، وقضى به شريح([34])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره.

2 ـ أن ما استدل به أصحاب القول الثاني من حديث أنس غير صحيح لأن النبـي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم المدينة كان لأنس من العمر عشر سنين، فكان عند أمه، فلما تزوجت أبا طلحة لم يأت أحد من أقارب أنس ينازعها في ولدها ويقول؛ قد تزوجت فلا حضانة لك، وأنا أطلب انتزاعه منك، ولا ريب أنه لا يحرم على المرأة المزوجة حضانة ابنها إذا اتفقت هي والزوج وأقارب الطفل على ذلك، ولا ريب أنه لا يجب، بل لا يجوز أن يفرق بـين الأم وولدها إذا تزوجت من غير أن يخاصمها من له الحضانة، ويطلب انتزاع الولد.

وقد اختلف أصحاب هذا القول في الوقت الذي تسقط فيه حضانتها على رأيين:

الرأي الأول: من حين العقد، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة.

الرأي الثاني: بالدخول، وهو قول المالكية، ففي المدونة (قيل لمالك: متى يؤخذ من أمه أحين عقد نكاحها أو حين يدخل بها زوجها؟ قال: بل حين يدخل بها زوجها ولا يؤخذ منها الولد قبل ذلك)([35])، واستثنى المالكية حالات لا يسقط فيها حق الحاضنة بتزوجها من أجنبي من المحضون وهي([36]):

1 ـ أن يعلم من له حق الحضانة بعدها بدخول زوجها بها، وسقوط حقها في الحضانة ويسكت – بعد علمه بذلك بلا عذر – سنة فلا تسقط حضانتها حينئذ.

2 ـ ألا يقبل المحضون غير مستحقة الحضانة أما أو غيرها – فلا تسقط بدخول الزوج بها في هذه الحالة.

3 ـ ألا تقبل المرضعة أن ترضعه عند بدل أمه الذي انتقلت له الحضانة بسبب تزوج الأم.

4 ـ ألا يكون للولد حاضن غير الحاضنة التي دخل الزوج بها، أو يكون له حاضن غيرها ولكنه غير مأمون، أو عاجز عن القيام بمصالح المحضون.

5 ـ ألا تكون الحاضنة التي تزوجت بأجنبي وصية على المحضون، وذلك في رواية عند المالكية، وفي رواية أخرى عندهم لا يشترط ذلك.

القول الثاني: أنها لا تسقط بالتزويج مطلقا، ولا فرق في الحضانة بـين الأيم وذوات الزوج، وحكي هذا المذهب عن الحسن البصري، وهو قول ابن حزم، قال ابن حزم: (إنه لا يسقط حق الأم في الحضانة بزواجها إذا كانت مأمونة وكان الذي تزوجها مأمونا)([37])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أنه في يدها ؛ لأنه في بطنها ثم في حجرها مدة الرضاع بنص قول الله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ }(البقرة:233)فلا يجوز نقله أو نقلها عن موضع جعلهما الله تعالى فيه بغير نص.

2 ـ عن أنس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بـيدي، وانطلق بـي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله؛ إن أنسا غلام كيس، فليخدمك. قال: فخدمته في السفر والحضر وذكر الخبر قال ابن حزم: (فهذا أنس في حضانة أمه، ولها زوج وهو أبو طلحة بعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)

3 ـ أن أم سلمة لما تزوجت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تسقط كفالتها لابنها، بل استمرت على حضانتها.

4 ـ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها وهي مزوجة بجعفر([38]).

5 ـ أنه لم يأت نص صحيح قط بأن الأم إن تزوجت يسقط حقها في الحضانة([39])، قال ابن حزم في حديث الأنصارية الذي استدل به المخالفون: (هذا مرسل وفيه مجهول، ومثل هذا لا يحتج به)،وقال في حديث عبد الله بن عمر: (وهذه صحيفة لا يحتج بها، وقد ذكرنا في كتابنا الموسوم بالإعراب وفي كتاب الإيصال ما تركوا فيه رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولم يعيبوه إلا بأنه صحيفة)([40])

6 ـ أنه لا فرق في النظر والحياطة بين الربيب زوج الأم والربيبة زوجة الأب، بل في الأغلب الربيب أشفق، وأقل ضررا من الربيبة، وإنما يراعى في كل ذلك الدين، ثم صلاح الدنيا فقط.

القول الثالث: أن الطفل إن كان بنتا لم تسقط الحضانة بنكاح أمها، وإن كان ذكرا سقط، وهي إحدى الروايتين عن أحمد، قال: إذا تزوجت الأم وابنها صغير، أخذ منها. قيل له: والجارية مثل الصبـي قال: لا، الجارية تكون مع أمها إلى سبع سنين([41])، واستدلوا على ذلك بقصة ابنة حمزة([42]).

القول الرابع: أنها إذا تزوجت بنسب من الطفل لم تسقط حضانتها، وهو قول الحنفية والمالكية وبعض الروايات عند الحنابلة.

وقد استدلوا على ذلك بما روي عن أبـي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار، فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد، فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبـيها، فأنكح الآخر، فجاءت إلى النبـي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: أنكحني أبـي رجلا لا أريده، وترك عم ولدي، فيؤخذ مني ولدي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أباها، فقال: (أنكحت فلانا فلانة)قال: نعم، قال: (أنت الذي لا نكاح لك، اذهبـي فانكحي عم ولدك)([43])، فلم ينكر أخذ الولد منها لما تزوجت، بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة، ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح، وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل.

وقد دل على ذلك ما ورد في حديث ابنة حمزة، حيث قال جعفر: أنا أحق بها ؛ ابنة عمي، وعندي خالتها، وإنما الخالة أم. وقال علي: أنا أحق بها وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فأنا أحق بها. وقال زيد: أنا أحق بها، خرجت إليها وسافرت وقدمت بها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكر شيئا، وقال: أما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها، وإنما الخالة بمنزلة الأم ([44]).

قال ابن العربي:(أما إن تزوجت، وكان زوجها أجنبيا فلا حضانة لها ؛ لأن الأم تسقط حضانتها بالزوج الأجنبي، فكيف بأختها وبأمها والبدل عنها، فإن كان وليا لم تسقط حضانتها كما لم تسقط حضانة زوج جعفر ؛ لكون جعفر وليا لابنة حمزة وهي بنوة العم، وذكر ابن أبي خيثمة أن زيد بن حارثة كان وصي حمزة فتكون الخالة على هذا أحق من الوصي، ويكون ابن العم إذا كان زوجا غير قاطع للخالة في الحضانة وإن لم يكن محرما لها)([45])

وقد اختلف أصحاب هذا القول في نوع القرابة التي تربط الزوج بالطفل على الآراء التالية:

الرأي الأول: أن المشترط أن يكون الزوج نسيبا للطفل فقط، وهو ظاهر قول الحنابلة.

الرأي الثاني: أنه يشترط أن يكون مع ذلك ذا رحم محرم، وهو قول أصحاب أبـي حنيفة.

الرأي الثالث: أنه يشترط أن يكون بـين الزوج وبـين الطفل إيلاد، بأن يكون جدا للطفل، وهذا قول للمالكية، وبعض أصحاب أحمد.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى مصلحة الولد، فإن كانت مصلحته مرتبطة ببقائه مع أمه، لشفقة زوجها، أو لتوفر المرافق التي يحتاج الابن في تنشئته تنشئة صالحة، مقارنة مع ما يتوفر لغيرها، فإن الأرجح هو بقاؤه مع أمه في هذه الحالة، فهي أصلح لحضانته من غيرها، ولا عبرة بأن يكون قريبا أو أجنبيا، لأن العبرة بالصلاح والشفقة، وعليه تحمل الأحاديث السابقة.

ومن المصالح المعتبرة في هذا القول أنه يتيح للمرأة الزواج بعد فراقها لزوجها، لأنها قد تمتنع منه مع حاجتها إليه خوفا من أن يسلب منها ولدها، فلذلك إن علمت بأن زواجها لا يضرها وإنما يضرها الزوج الذي ترضاه أو تختاره لنفسها، فإن هذا يدعوها إلى النظر في زواجها إلى مصلحة ولدها كنظرها إلى مصلحتها.

استحقاق الزوجة للحضانة بعد الطلاق

اختلف الفقهاء القائلون بسقوط الحضانة عن المرأة بزواجها فيما لو طلقت من زواجها، هل تعود الحضانة إليها أم لا على قولين:

القول الأول: إن حق الحضانة يعود بطلاق المنكوحة من أجنبي، وهو قول الجمهور، قال الكاساني:(لو مات عنها زوجها أو أبانها عاد حقها في الحضانة ؛ لأن المانع قد زال فيزول المنع ويعود حقها وتكون هي أولى ممن هي أبعد منها كما كانت)، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما لم تنكحي)، للتعليل أي حقك من الحضانة معلل بنكاحك، فإذا زالت العلة زال المعلول.

2 ـ أن المقتضي لحقها من الحضانة هو قرابتها الخاصة، وإنما عارضها مانع النكاح لما يوجبه من إضاعة الطفل، واشتغالها بحقوق الزوج الأجنبـي منه عن مصالحه، ولما فيه من تغذيته وتربـيته في نعمة غير أقاربه، وعليهم في ذلك منة وغضاضة، فإذا انقطع النكاح بموت، أو فرقة، زال المانع، والمقتضى قائم، فترتب عليه أثره، وهكذا كل من قام به من أهل الحضانة مانع منها، ككفر، أو رق، أو فسق، أو بدو، فإنه لا حضانة له، فإن زالت الموانع، عاد حقهم، فهكذا النكاح والفرقة.

وقد اختلف أصحاب هذا القول في الوقت الذي يعود إليها فيه حقها على رأيين:

الرأي الأول: يعود حقها فور الطلاق، سواء أكان بائنا أم رجعيا دون انتظار انتهاء العدة وذلك لزوال المانع، وهو قول الحنابلة وهو المذهب عند الشافعية، لأنه قد عزلها عن فراشه، ولم يبق لها عليه قسم، ولا لها به شغل، والعلة التي سقطت الحضانة لأجلها قد زالت بالطلاق([46]).

الرأي الثاني: أن حق الحضانة يعود فور الطلاق البائن، أما الطلاق الرجعي، فلا يعود حق الحضانة بعده إلا بعد انتهاء العدة، وهو قول الحنفية والمزني من الشافعية، لأن الرجعية زوجة في عامة الأحكام، فإنه يثبت بـينهما التوارث والنفقة، ويصح منها الظهار والإيلاء، ويحرم أن ينكح عليها أختها، أو عمتها، أو خالتها، أو أربعا سواها، وهي زوجة، فلذلك لا تعود إليها الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي حتى تنقضي العدة، فتبـين حينئذ([47]).

القول الثاني: إذا تزوجت ودخل بها، لم يعد حقها من الحضانة، وإن طلقت، وهو المشهور في المذهب المالكي، وهذا بناء على أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما لم تنكحي)، للتوقيت أي؛ حقك من الحضانة موقت إلى حين نكاحك، فإذا نكحت، انقضى وقت الحضانة، فلا تعود بعد انقضاء وقتها، كما لو انقضى وقتها ببلوغ الطفل واستغنائه عنها.

وفي المدونة:(قلت لمالك: إذا تزوجت وهو صغير يرضع أو فوق ذلك فأخذه أبوه أو أولياؤه، ثم مات عنها زوجها أو طلقها أيرد إلى أمه؟، قال: لا، ثم قال لي مالك أرأيت إن تزوجت ثانية أيؤخذ منها ثم إن طلقها زوجها أيرد إليها أيضا الثالثة ليس هذا بشيء إذا سلمته مرة فلا حق لها فيه)([48])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن حقها في حال القول بعدم استحقاقها الحضانة لأجل زواجها، أن هذا الحق يعود إليها بمجرد تطليقها سواء كان الطلاق رجعيا أم بائنا، لانتفاء العلة، والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما، ثم ما الفرق بين المطلقة من زوجها، والمطلقة من غيره، ولماذا تحضن الأولى وتحرم الثانية؟

المانع الثاني: انتقال الحاضن

اختلف الفقهاء في حكم انتقال الحاضن أو الولي إلى مكان آخر على الأقوال التالية:

القول الأول: التفريق بين سفر الحاضنة، أو الولي للنقلة والانقطاع والسكنى في مكان آخر، وبين السفر لحاجة كالتجارة والزيارة، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، فإن كان سفر أحدهما للنقلة والانقطاع سقطت حضانة الأم، بخلاف سفرها للحاجة والضرورة، فإن الولد يظل مع المقيم منهما حتى يعود المسافر، وسواء أكان السفر طويلا أم قصيرا، ومثله ما لو كان الطريق أو المكان المنتقل إليه غير آمن في سفر النقلة والانقطاع، وقد خالف في ذلك المالكية([49])، فقد نصوا على أنه لا تسقط حضانة الأم في هذه الحالة، وتأخذه معها إن سافرت، ويبقى معها إن سافر الأب، مهما اختلفت مسافة السفر([50]).

وقد ذهبوا إلى أنها في سفر الانقطاع تنتقل لمن هو أولى بالحضانة بعدها بشرط أن يكون الطريق آمنا، والمكان المنتقل إليه مأمونا بالنسبة للصغير، والأب هو الأولى بالمحضون سواء أكان هو المقيم أم المنتقل، لأن الأب في العادة هو الذي يقوم بتأديب الصغير، وحفظ نسبه، فإذا لم يكن الولد في بلد الأب ضاع، لكن الحنابلة قيدوا أولوية الأب بعدم قصده من ذلك مضارة الأم وانتزاع الولد منها، فإذا أراد ذلك لم يجب إليه، بل يعمل ما فيه مصلحة الولد.

وقد اختلفوا في تحديد مسافة السفر على الآراء التالية:

الرأي الأول: بستة برد فأكثر على المعتمد، أو مسافة بريدين على قول، وهو تحديد المالكية.

الرأي الثاني: أنه لا فرق بين السفر الطويل والقصير،وهو الأصح عند الشافعية.

الرأي الثالث:التحديد بمسافة القصر، وهو الصحيح عند الحنابلة، وقول عند الشافعية.

الرأي الرابع: أنه إذا كان بين البلدين قرب بحيث يراهم الأب كل يوم ويرونه فتكون الأم على حضانتها، وهو المنصوص عن الإمام أحمد.

القول الثاني: استمرار الحضانة فيما لو كان البلد قريبا بحيث يمكن لأبيه رؤيته والعودة في نهاره على ألا يكون المكان الذي انتقلت إليه أقل حالا من المكان الذي تقيم فيه([51])، وهو قول الحنفية([52])، وقد نصوا على أنه يجوز لها الخروج بالمحضون إلى بلد آخر ولو كان بعيدا بالشروط التالية:

1 ـ أن يكون البلد الذي انتقلت إليه وطنها.

2 ـ أن يكون الزوج قد عقد نكاحه عليها في هذا البلد.

3 ـ ألا يكون المكان الذي انتقلت إليه دار حرب إذا كان الزوج مسلما أو ذميا.

ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن المانع من السفر هو ضرر التفريق بين الأب وبين ولده، وقد رضي به لوجود دليل الرضا وهو التزوج بها في بلدها.

2 ـ أن من تزوج امرأة في بلدها فالظاهر أنه يقيم فيه، والولد من ثمرات النكاح فكان راضيا بحضانة الولد في ذلك البلد، فكان راضيا بالتفريق، ولهذا فإنه ليس لها أن تنتقل بولدها إلى بلدها إذا لم يكن عقد النكاح قد وقع فيه، ولا أن تنتقل إلى البلد الذي وقع فيه عقد النكاح إذا لم يكن بلدها([53]).

3 ـ أن اشتراط ألا يكون المكان حربيا إذا كان الزوج مسلما أو ذميا لما في ذلك من إضرار بالصبي لأنه يتخلق بأخلاق الكفار.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ـ مثلما ذكرنا سابقا ـ النظر في مصلحة الولد من الإقامة أو الانتقال، لأن من منع الانتقال نظر إلى مصلحة والده بأن يراه ولا ينقطع عنه، ونرى أن هذه المصحة مع أهميتها لا تعدل مصلحة الابن، فالحضانة شرعت أساسا من أجله، ولا ينبغي إفساد حياة ولد من أجل والده.

فلذلك يتوقف الإفتاء في هذه المسألة على معرفة مكان السفر، والطريق إليه، ونوع الحياة التي سينتقل إليها هذا الولد، وتوفر المرافق الضرورية لتنشئته نشأة صحية صحيحة، ودرجة صلاح الأم التي تريد أن تنتقل به، وهكذا، وعلى أساس ذلك يمكن ترجيح القول بالجواز وعدمه.

وقد يقال بأن هذا يستدعي بأن يصير المفتي محققا، ويخرج عن دوره المعلق عليه، والجواب عن ذلك أن الأخطار التي تنجر عن التسرع في الإفتاء في مثل هذه المسائل أعظم من أن تحصر، ولذلك توكل هذه المسائل للقضاء الشرعي للتحقيق فيها.

أما عن الأدلة على هذا فهو ما ذكرنا سابقا من أن مبنى هذا الأمر على المصالح الشرعية، ودليلها هو الأدلة العامة الكثيرة، أما الأدلة الخاصة، فليس في المسألة أي دليل يمكن الجزم به، وقد قال ابن القيم: (وهذه أقوال كلها كما ترى لا يقوم عليها دليل يسكن القلب إليه، فالصواب النظر والاحتياط للطفل في الأصلح له والأنفع من الإقامة أو النقلة، فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ، روعي، ولا تأثير لإقامة ولا نقلة، هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة الآخرة، وانتزاع الولد منه، فإن أراد ذلك، لم يجب إليه)([54])

4 ـ مراتب من تثبت له الحضانة بعد الأم

اختلفت المذاهب الفقهية في ترتيب مستحقي الحضانة بعد الأم، ومن يقدم عند الاستواء في الاستحقاق، بما يعسر ضبطه، وسنسرد هنا ترتيب المذاهب الفقهية للمستحقين:

مذهب الحنفية:

من النساء: نص الحنفية([55]) على أن أم الأم تلي الأم في الحضانة إذا سقطت حضانة الأم لمانع، ثم أم الأب وإن علت، ثم الأخت لأبوين، ثم الأخت لأم، ثم الأخت لأب، ثم بنت الأخت لأبوين، ثم لأم، ثم الخالات لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، ثم بنت الأخت لأب، وتأخيرها عن الخالات هو الصحيح، ثم بنات الأخ لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، ثم العمات لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، ثم خالة الأم، ثم خالة الأب، ثم عمات الأمهات والآباء.

من الرجال: يقدم العصبات من الرجال بترتيب الإرث، فيقدم الأب، ثم الجد، ثم الأخ الشقيق، ثم لأب، ثم بنوه كذلك، ثم العم، ثم بنوه، وإذا اجتمعوا قدم الأورع ثم الأسن، ثم إذا لم يكن عصبة انتقل حق الحضانة لذوي الأرحام الذكور إذا كانوا من المحارم، فيقدم الجد لأم، ثم يقدم الأخ لأم، ثم لابنه، ثم للعم لأم، ثم للخال لأبوين، ثم للخال لأم، فإن تساووا فأصلحهم، ثم أورعهم ثم أكبرهم.

مذهب المالكية:

من النساء: الأحق بالحضانة([56]) بعد الأم أم الأم، ثم جدة الأم، وتقدم من كانت من جهة الأم على من كانت من جهة الأب، ثم خالة المحضون الشقيقة، ثم التي للأم، ثم التي للأب، ثم خالة الأم الشقيقة، ثم التي للأم، ثم التي للأب، ثم عمة الأم، ثم الجدة لأب، وتشمل أم الأب وأم أمه وأم أبيه وتقدم القربى على البعدى، ثم بعد الجدة من جهة الأب تكون الحضانة للأب، ثم أخت المحضون الشقيقة، ثم التي للأم، ثم التي للأب، ثم العمة، ثم عمة الأب على الترتيب المذكور، ثم خالة الأب، واختلفوا في تقديم بنت الأخ أو بنت الأخت أو تقديم الأكفأ منهن وهو أظهر الأقوال.

من الرجال: الوصي، ثم الأخ، ثم الجد من جهة الأب، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم، ثم المولى الأعلى، وهو المعتق، ثم المولى الأسفل وهو المعتق، واختلف في حضانة الجد لأم، فمنع ذلك ابن رشد، واختار اللخمي أن له حقا في الحضانة، ومرتبته تكون بعد مرتبة الجد لأب. ويقدم عند التساوي الأكثر صيانة وشفقة، ثم الأكبر سنا عند التساوي في ذلك، ثم القرعة عند التساوي في كل شيء.

مذهب الشافعية:

من النساء: الأحق بالحضانة([57]) بعد الأم البنت، ثم أمهات الأم اللاتي يدلين بإناث وارثات تقدم القربى فالقربى، ثم الصحيح بعد ذلك – على الجديد – تنتقل الحضانة إلى أم الأب، ثم أمهاتها المدليات بإناث وارثات، ثم أم أبي الأب، ثم أمهاتها المدليات بإناث وارثات، ثم أم أبي الجد ثم أمهاتها المدليات بإناث وارثات، وتقدم من كل ذلك القربى فالقربى، ثم الأخت الشقيقة ثم التي لأب – على الأصح – ثم التي لأم، ثم لخالة بهذا الترتيب على الأصح، ثم بنت الأخت، ثم بنت الأخ، ثم العمة من الأب والأم، ثم العمة من الأب، ثم العمة من الأم. وعلى القديم يقدم الأخوات والخالات على أمهات الأب والجد، والأصح إثبات حق الحضانة للإناث غير المحارم كبنت الخالة، وبنت العمة، وبنت الخال، وبنت العم لشفقتهن بالقرابة وهدايتهن إلى التربية بالأنوثة، ومقابل الأصح لا حق لهن في الحضانة.

من الرجال: وتثبت لكل محرم وارث على ترتيب الإرث عند الاجتماع، فيقدم أب، ثم جد وإن علا، ثم أخ شقيق، ثم لأب، وهكذا كترتيب ولاية النكاح، كما تثبت الحضانة لغير المحرم إن كان وارثا كابن العم، وهذا على الصحيح لوفور شفقته بالولاية، ومقابل الصحيح لا حضانة له لفقد المحرمية. فإن فقد الذكر الإرث والمحرمية معا كابن الخال وابن العمة، أو فقد الإرث فقط مع بقاء المحرمية كالخال وأبي الأم، فلا حضانة لهم في الأصح، ومقابل الأصح لهم الحضانة لشفقتهم بالقرابة.

اجتماع المستحقين من الرجال والنساء: إذا اجتمع للمحضون مستحقون من الذكور والإناث قدمت الأم، ثم أمهات الأم المدليات بإناث، ثم الأب، وقيل تقدم الخالة والأخت من الأم على الأب، ويقدم الأصل على الحاشية مطلقا ذكرا كان أو أنثى، كالأخ والأخت لقوة الأصول، فإن فقد الأصل وهناك حواش فالأصح أن يقدم من الحواشي الأقرب فالأقرب كالإرث ذكرا كان أو أنثى، وإن استووا وفيهم ذكر وأنثى، فالأنثى مقدمة على الذكر. وإن استوى اثنان من كل وجه كأخوين وأختين، وخالتين، أقرع بينهما قطعا للنزاع. ومقابل الأصح أن نساء القرابة وإن بعدن أحق بالحضانة من الذكور وإن كانوا عصبات، لأنهن أصلح للحضانة.

مذهب الحنابلة:

من النساء: الأحق بالحضانة([58]) بعد الأم أمهاتها القربى فالقربى، ثم الأب، ثم أمهات الأب القربى فالقربى، ثم الجد، ثم أمهات الجد القربى فالقربى، ثم الأخت لأبوين، ثم الأخت لأم، ثم لأب، ثم الخالة لأبوين، ثم الخالة لأم، ثم الخالة لأب، ثم العمة لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، ثم خالة أمه كذلك، ثم خالة أبيه، ثم عمة أبيه، ثم بنات إخوته وبنات أخواته، ثم بنات أعمامه وبنات عماته، ثم بنات أعمام أبيه وبنات عمات أبيه، تقدم من كل ذلك من كانت لأبوين ثم من كانت لأم، ثم من كانت لأب.

وهناك روايات أخرى عن الإمام أحمد، فعنه أن أم الأب وأمهاتها مقدمات على أم الأم، وعلى هذه الرواية يكون الأب أولى بالتقديم، فيكون الأب بعد الأم ثم أمهاته،كما حكي عن أحمد أن الأخت من الأم والخالة أحق من الأب، فتكون الأخت من الأبوين أحق منه ومن جميع العصبات([59]).

من الرجال: فأولاهم الأب، ثم الجد، أبو الأب وإن علا، ثم الأخ من الأبوين، ثم الأخ من الأب، ثم بنوهم وإن نزلوا على ترتيب الميراث، ثم العمومة، ثم بنوهم كذلك، ثم عمومة الأب، ثم بنوهم. وإن اجتمع شخصان أو أكثر من أهل الحضانة وتساووا، كأخوين شقيقين قدم المستحق منهم بالقرعة، وإذا لم يكن للحاضن أحد ممن ذكر انتقلت الحضانة لذوي الأرحام في أحد الوجهين وهو الأولى، لأن لهم رحما وقرابة يرثون بها عند عدم من هو أولى، فيقدم أبو أم، ثم أمهاته، ثم أخ من أم، ثم خال، ثم حاكم يسلمه إلى من يحضنه من المسلمين. وفي الوجه الآخر لا حق لذوي الأرحام من الرجال وينتقل الأمر للحاكم. وفي كل موطن اجتمع فيه أخ وأخت، أو عم وعمة، أو ابن أخ وبنت أخ، أو ابن أخت وبنت أخت قدمت الأنثى على من في درجتها من الذكور، لأن الأنوثة هنا مع التساوي توجب الرجحان.

فإن كان المحضون أنثى فالحضانة عليها للعصبة من محارمها ولو برضاع ونحوه كمصاهرة، وهذا متى بلغت الأنثى المحضونة سبعا، فلا حضانة عليها بعد السبع لابن العم ونحوه إن لم يكن محرما لها برضاع أو مصاهرة.

مذهب الظاهرية:

نص ابن حزم([60]) على أنه إن كانت الأم مأمونة في دينها والأب كذلك، فهي أحق من الأب، ثم الجدة كالأم، فإن لم تكن مأمونة – لا الأم، ولا الجدة في دينها – أو تزوجت غير مأمون في دينه، وكان الأب مأمونا فالأب أولى، ثم الجد، فإن لم يكن أحد ممن ذكرنا مأمونا في دينه، وكان للصغير أو الصغيرة أخ مأمون في دينه، أو أخت مأمونة في دينها، فالمأمون أولى، وهكذا في الأقارب بعد الإخوة. فإن كان اثنان من الإخوة أو الأخوات، أو الأقارب مأمونين في دينهما مستويين في ذلك. فإن كان أحدهما أحوط للصغير في دنياه فهو أولى، فإن كان أحدهما أحوط في دينه والآخر أحوط في دنياه، فالحضانة لذي الدين، فإن استوى الأخوات أو الإخوة في كل ذلك، أو الأقارب، فإن تراضوا في أن يكون الصغير أو الصغيرة عند كل واحد منهم مدة فذلك لهم، فإن كان في ذلك ضرر على الصغير أو الصغيرة، فإن كان تقدم كونه عند أحدهم لم يزل عن يده، فإن أبوا فالقرعة.

والأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض، أو الاحتلام، أو الإنبات مع التمييز، وصحة الجسم – سواء كانت أمة أو حرة، تزوجت أو لم تتزوج، رحل الأب عن ذلك البلد أو لم يرحل – والجدة أم.

مذهب الإمامية:

وقد نصوا([61]) على أن الأم أحق بالولد مدة الرضاع وهي حولان، ذكرا كان أو أنثى، إذا كانت حرة مسلمة، ولا حضانة للأمة ولا للكافرة مع المسلم. فإذا فصل فالوالد أحق بالذكر، والأم أحق بالأنثى حتى تبلغ سبع سنين، وقيل: تسعا، وقيل: الأم أحق بها ما لم تتزوج، والأول أظهر، ثم يكون الأب أحق بها، ولو تزوجت الأم، سقطت حضانتها عن الذكر والأنثى، وكان الأب أحق بهما، ولو مات، كانت الأم أحق بهما من الوصي. وكذا لو كان الأب مملوكا أو كافرا، كانت الأم الحرة أحق به، وإن تزوجت فلو أعتق كان حكمه حكم الحر.

فإن فقد الأبوان، فالحضانة لأب الأب ؛ فإن عدم، قيل: كانت الحضانة للأقارب، وترتبوا ترتيب الإرث، وفيه تردد، وعلى هذا القول إذا اجتمعت أخت لأب وأخت لأم، كانت الحضانة للأخت من الأب، نظرا إلى كثرة النصيب في الإرث والإشكال في أصل الاستحقاق، وفي الترجيح تردد، ومنشؤه تساويهما في الدرجة، ومثله في أم الأم مع أم الأب، وإذا اجتمعت عمة وخالة، فهما سواء، وإذا وجد جماعة متساوون في الدرجة، كالعمة والخالة، أقرع بينهم.

مذهب الزيدية:

من النساء([62]): الأم الحرة إذا كانت جامعة للشروط فهي أولى بولدها الصغير، والحاضنة أولى بالطفلة من زوجها حتى تصلح للاستمتاع، ومتى صلحت وطلبها سلمت إليه حيث أمن عليها من فرط شهوته، وليس للزوج نقلها حتى تبلغ ولا شيء عليه من أجرة الحضانة، والولد ذكرا كان أو أنثى أولى بحفظ أبويه من أبويهما إذا شاخا ولو لم يكونا عاجزين.

ثم تنتقل الحضانة من الأم إذا كان ثمة مسقط إلى أمهاتها من قبل الأم على الترتيب ؛ أقربهن فأقربهن، فأمها أولى من جدتها، ثم جدتها أولى ممن فوقها، ثم التي فوقها كذلك وإن علون ولا حضانة لغيرهن مع وجودهن وعدم المسقط لحق الحضانة فيهن من النكاح وغيره، ثم إذا لم يبق للولد من يستحق الحضانة من الأمهات لعدمهن أو لعروض مانع أو امتنعت الموجودة منهن كان الأب الحر المؤمن أولى بحضانة ولده ذكرا كان أو أنثى حرا أم عبدا وأجرة حضانته على سيده، ثم الخالات أولى من سائر القرابات بعد الأب والأمهات ثم أمهات الأب من الطرفين وإن علون، وأولاهن الجدة أم الأب ثم أمهاتها وإن علون، ثم الجدات أمهات الأجداد من الأب على الترتيب الأول فالأول، وتقدم أمهات الأب على أمهات أب الأب وسواء كانت أمهات الأب من قبل أبيه أم من قبل أمه، ثم أمهات أب الأم ثم الأخوات ثم بنات الخالات ثم بنات الأخوات ثم بنات الإخوة ثم العمات ثم بناتهن ثم بنات العم ثم عمات الأب ثم بناتهن ثم بنات أعمام الأب، وهن آخر الدرج في باب الحضانة من النساء.

ولا ولاية لبنات بنات الخالات وبنات بنات الأخوات وبنات بنات الإخوة وبنات بنات العمات وبنات بنات العم وبنات بنات عمات الأب وبنات بنات أعمام الأب.

ويقدم ذو السببين من هذه الأصناف المتقدمة على من أدلى بسبب واحد إلى المولود: فالخالة لأب وأم أولى من الخالة لأحدهما، والأخت لأب وأم أولى من الأخت لأحدهما، والعمة لأب وأم أولى من العمة لأحدهما، وكذا بناتهن على هذا الترتيب، ثم ذو الأم فالأخت لأم أولى من الأخت لأب، وكذا سائرهن على هذا الترتيب: أما إذا كان للصبي أختان أو نحوهما مستويتان في الاستحقاق كانت حضانتهما بالمهايأة إلا أن تضر بالصبي المهايأة عين الحاكم من يقوم به منهما.

والنساء أولى بالحضانة على هذا الترتيب إذا كن فوارغ من الأزواج فإن لم توجد فيهن فارغة رجع إليهن على هذا الترتيب مزوجات

من الرجال: إن عدم الحواضن من النساء وقت الحاجة للطفل، يتولى الحضانة الأقرب فالأقرب من العصبة المحارم فهم أولى بالذكر والأنثى فالجد أب الأب أولى من الأخ لأب وأم والأخ لأب وأم أولى من الأخ لأب والعم لأب وأم أولى من العم لأب.

فإذا لم يوجد عصبة محرم فالأقرب ثم الأقرب من ذوي الرحم المحارم فالأخ لأم أولى من الجد أبي الأم وأولى من الخال، والخال لأب وأم أولى من الخال لأم أو لأب، فإذا عدم المحارم من العصبات وذوي الأرحام فالأولى بالذكر عصبة غير محرم الأقرب فالأقرب، وهم بنو العم وإن نزلوا ثم بنو أعمام الأب وإن نزلوا ثم بنو أعمام الجد وإن نزلوا، أما الأنثى فلا حضانة تجب لهم فيها بل هم وسائر المسلمين على سواء في حقها فينصب الإمام أو الحاكم من يحضنها.

فإذا عدمت العصبات المحارم وغير المحارم وذوو الأرحام المحارم انتقلت الحضانة إلى من وجد من ذوي رحم غير محرم فيقدم ابن الخال وابن الخالة على بني العمة، فهم أولى بالذكر دون الأنثى كالعصبات غير المحارم، وإذا غاب وقت حاجة الطفل من هو أولى انتقلت الحضانة إلى من يليه من الحاضرين حتى يحضر لئلا يضيع الصبي ثم إلى ذي الولاية كالإمام والحاكم.

مذهب الإباضية:

نصوا([63]) على أنه تقدم الأم ثم الجدة وإن بعدت ثم الخالة، قيل: ثم أم الأب، ثم الأب، ثم الأخت، ثم العمة، ثم ابنة الأخ، ثم ابنة الأخت، ثم الأخ، ثم الوصي ثم العصبة، وإذا تعدد أهل درجة بدئ بالأكبر سنا، ويقدم الشقيق فالأبوي فالأمي، فإذا استووا من كل وجه اعتبر مزيد الشفقة.

5 ـ حق أقارب الأم في حضانة ولدها ومراتبهم في الحضانة

اختلف الفقهاء في علة تقديم الأم في الحضانة، هل سببه كون جهتها مقدمة على جهة الأبوة في الحضانة، فقدمت لأجل الأمومة، أو قدمت على الأب، لكون النساء أقوم بمقاصد الحضانة والتربـية من الذكور، فيكون تقديمها لأجل الأنوثة([64]).

وبناء على خلافهم فيه حصل الخلاف الذي رأيناه في مراتب الورثة، ويمكن حصر الخلاف في اتجاهين وجدا في المذاهب الفقهية المختلفة، ويظهر أثر هذا الخلاف في تقديم نساء العصبة على أقارب الأم أو بالعكس، كأم الأم، وأم الأب، والأخت من الأب، والأخت من الأم، والخالة، والعمة، وخالة الأم، وخالة الأب، ومن يدلي من الخالات والعمات بأم، ومن يدلي منهن بأب، ففي ذلك قولان للفقهاء:

القول الأول: تقديم أقارب الأم على أقارب الأب وهو قول الحنفية ورواية عن أحمد، ويوجد بعض أمثلته في المذاهب المختلفة كما رأينا عند سرد الآرء الفقهية([65])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن النبـي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها، وقال: (الخالة أم)([66])، وفي رواية:(الخالة بمنزلة الأم)كان لها عمة وهي صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة، وكانت إذ ذاك موجودة في المدينة، فإنها هاجرت، وشهدت الخندق، وبقيت إلى خلافة عمر، فقدم النبـي صلى الله عليه وآله وسلم الخالة عليها، وهذا يدل على تقديم من في جهة الأم على من في جهة الأب، قال ابن حجر:(لخالة بمنزلة الأم أي في هذا الحكم الخاص لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد لما دل عليه السياق.. ويؤخذ منه أن الخالة في الحضانة مقدمة على العمة، لأن صفية بنت عبد المطلب كانت قوما حينئذ، وإذا قدمت على العمة مع كونها أقرب العصبات من النساء، فهي مقدمة على غيرها، ويؤخذ منه تقديم أقارب الأم على أقارب الأب)([67])

2 ـ أن الخالة تدلي بالأم، والعمة تدلي بالأب، فكما قدمت الأم على الأب، قدم من يدلي بها، ويزيده بـيانا كون الخالة أما كما قال النبـي صلى الله عليه وآله وسلم، فالعمة بمنزلة الأب، وعن زياد قال: إني لأعلم بما صنع عمر جعل العمة بمنزلة الأب والخالة بمنزلة الأم، وعن الحسن عن عمر قال: للعمة الثلثان وللخالة الثلث([68])، وقد كان مسروق ينزل العمة بمنزلة الأب إذا لم يكن أب، والخالة بمنزلة الأم إذا لم تكن أم([69]).

القول الثاني: تقديم أقارب الأب، وهو رواية عند الحنابلة، وقد اختاره ابن تيمية([70]) وابن القيم، وعلى هذا فأم الأب مقدمة على أم الأم، والأخت من الأب أحق من الأخت من الأم وأحق من الخالة، وخالة الأب أحق من خالة الأم، فأقارب الأب من الرجال مقدمون على أقارب الأم، والأخ لأب أحق من الأخ للأم، والعم أولى من الخال، وقد وضعوا لذلك أصلا مطرد منضبطا، وهو أنه إن اتفقت القرابة والدرجة واحدة قدمت الأنثى على الذكر، فتقدم الأخت على الأخ، والعمة على العم، والخالة على الخال، والجدة على الجدة، وأصله تقديم الأم على الأب، وإن اختلفت القرابة، قدمت قرابة الأب على قرابة الأم، فتقدم الأخت للأب على الأخت للأم، والعمة على الخالة، وعمة الأب على خالته، وهكذا، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن الأم إنما قدمت لكونها أنثى لا لتقديم جهتها، إذ لو كانت جهتها راجحة لترجح رجالها ونساؤها على الرجال والنساء من جهة الأب، ولما لم يترجح رجالها اتفاقا فكذلك النساء.

2 ـ أن أصول الشرع وقواعده شاهدة بتقديم أقارب الأب في الميراث، وولاية النكاح، وولاية الموت وغير ذلك، ولم يعهد في الشرع تقديم قرابة الأم على قرابة الأب في حكم من الأحكام، فمن قدمها في الحضانة، فقد خرج عن موجب الدليل.

3 ـ أن الأم إنما قدمت لأن النساء أرفق بالطفل، وأخبر بتربـيته، وأصبر على ذلك، وعلى هذا فالجدة أم الأب أولى من أم الأم، والأخت للأب أولى من الأخت للأم، والعمة أولى من الخالة.

4 ـ أن هذا هو الذي قضى به سيد قضاة الإسلام شريح، فعن سعيد بن الحارث قال: اختصم عم وخال إلى شريح في طفل، فقضى به للعم، فقال الخال: أنا أنفق عليه من مالي، فدفعه إليه شريح.

5 ـ أنه لم يقدم الأم على الأب لقوة الأمومة، وتقديم هذه الجهة، بل لكونها أنثى، فإذا وجد عمة وخالة، فالمعنى الذي قدمت له الأم موجود فيها، وامتازت العمة بأنها تدلي بأقوى القرابتين، وهي قرابة الأب.

6 ـ أن حديث ابنة حمزة إنما يصح الاستدلال به، فيما لو كانت صفية قد نازعت معهم، وطلبت الحضانة، فلم يقض لها بها بعد طلبها، وقدم عليها الخالة، هذا إذا كانت لم تمنع منها لعجزها عنها، فإنها توفيت سنة عشرين عن ثلاثة وسبعين سنة، فيكون لها وقت هذه الحكومة بضع وخمسون سنة، فيحتمل أنها تركتها لعجزها عنها، ولم تطلبها مع قدرتها، والحضانة حق للمرأة، فإذا تركتها، انتقلت إلى غيرها.

7 ـ تناقض من لم يلتزموا هذه القواعد المضبوطة، وقد ذكر ابن القيم من أمثلة هذا التناقض تقديم الشافعي في الجديد الخالة على العمة مع تقديمه الأخت للأب على الأخت للأم، وطرد قياسه في تقديم أم الأم على أم الأب، فوجب تقديم الأخت للأم، والخالة على الأخت للأب والعمة، وكذلك من قدم من أصحاب أحمد الخالة على العمة، وقدم الأخت للأب على الأخت للأم، كقول القاضي وأصحابه([71]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في هذه المسألة وكل المسائل المتعلقة بالترتيب بين من يتولى الحضانة هو النظر إلى مصلحة الولد وتقديمها على كل اعتبار، فلذلك نرى أنه بدل ذكر التقديم والتأخير بين من يتولى ومن لا يتولى أن نضع الضوابط التي يربى فيها المحضون في أحسن الأحوال، بحيث ينتفي التنازع نفيا كليا، لأن سبب ترتيب الفقهاء بين مراتب من يتولى الحضانة هو درء مفسدة النزاع، وسنشير هنا باختصار إلى بعض الضوابط، ونشير في شروط الحاضن إلى الضوابط المتعلقة بأهلية الحاضن، وهذه الضوابط هي:

1 ـ مراعاة رغبة الحاضن، فإن كان الحاضن مثلا راغبا في الحضانة لكونه عقيما، أو لقلة أولاده، أو لرغبة منه في ذلك، فإنه أولى من غيره من الأقارب إن لم تكن لهم رغبة في الحضانة، أو كانت رغبتهم فيها قليلة.

2 ـ مراعاة ظروفه المعيشية وتوفر المرافق اللازمة للمحضون من مسكن ومدرسة ونحوها، فيقدم من حاله هذه على من يسكن في البادية مثلا، ويخشى على الولد من أن أن يحرم من حقه في التعليم، ولا يشترط توفر المرافق الكمالية، التي قد يكون خطرها على التنشئة الصحيحة أكثر من منفعتها.

3 ـ النظر في سيرة الحاضن وقدرته على تربية المحضون تربية سليمة صحيحة، فلهذا يحرم من هذا الحق من يتوسم فيه عدم القدرة على التربية، وقد يستدل على هذا بالطريقة التي يربي بها أولاده مثلا.

4 ـ توفر الأهلية في الحاضن من جميع جوانبها، وهو ما سنراه في شروط الحاضن.

وما ذكرناه من تقديم الضوابط على تقديم القرابة، هو الأصل الشرعي في جميع الولايات، بخلاف ما ذكره الفقهاء ممن سبق ذكرهم من مراعاة الترتيب على أساس الإرث، لأنه لا علاقة بين الحضانة والإرث حتى يقاس عليها، وقد قال العز بن عبد السلام مبينا المراتب التي راعاها الشرع في الولايات المختلفة:(والضابط في الولايات كلها أنا لا نقدم فيها إلا أقوم الناس بجلب مصالحها ودرء مفاسدها، فيقدم في الصلاة الأقوم بأركانها وشرائطها، على الأقوم بسننها وآدابها، فيقدم في الإقامة الفقيه على القارئ، والأفقه على الأقرأ ؛ لأن الفقيه أعرف باختلال الأركان والشرائط، وبما يطرأ على الصلاة من المفسدات، وكذلك يقدم الورع على غيره، لأن ورعه يحثه على إكمال الشرائط والسنن والأركان، أما غسل الموتى وتكفينهم وحملهم ودفنهم فيقدم فيه الأقارب لأن حنوهم على ميتهم يحملهم على أكمل القيام بمقاصد هذه الواجبات وكذلك يقدم الآباء على الأولاد، لأن حنو الآباء أكمل من حنو الأولاد. وكذلك تقدم الأمهات على الآباء في الحضانة لمعرفتهن بها وفرط حنوهن على الأطفال، وإذا استوى النساء في درجات الحضانة فقد يقرع بينهن وقد يتخير والقرعة أولى. ويقدم الآباء على الأمهات في النظر في مصالح أموال المجانين والأطفال. وفي التأديب وارتياد الحرف والصناعات، لأنهم أقوم بذلك وأعرف به من الأمهات)([72])

ولكنا مع ذلك نرى أن حق القرابة مقدم على غيرها، فهو حق لا يمكن جحوده، ولكنه لا ينبغي أن يطغى على حق الولد في التنشئة السليمة، ولذلك نعجب أن يقول بعض الفقهاء:(اشترط في البدائع في العصبة اتحاد الدين حتى لو كان للصبي اليهودي أخوان أحدهما مسلم يدفع لليهودي لأنه عصبته لا للمسلم)([73])، فهذا بعد عظيم عن المقاصد الشرعية، فكيف تقدم العصبة على الإسلام.

6 ـ شروط الحاضن

الحضانة من الولايات، والغرض منها صيانة المحضون ورعايته، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان الحاضن أهلا لذلك، ولهذا يشترط الفقهاء شروطا خاصة لا تثبت الحضانة إلا لمن توفرت فيه، وقد اختلف الفقهاء في اعتبار بعض هذه الشروط، وسنذكرها هنا مع ما جرى فيها من خلاف:

الأهلية العقلية والصحية:

نص الفقهاء على أنه لا تثبت الحضانة لطفل ولا لمجنون، أو معتوه، لأن هؤلاء عاجزون عن إدارة أمورهم وفي حاجة لمن يحضنهم، فلا توكل إليهم حضانة غيرهم، ففي أسنى المطالب عند ذكر شروط الحاضنة:(أن تكون عاقلة فتسقط حضانتها بالجنون، ولو متقطعا ؛ لأنها ولاية، وليست المجنونة من أهلها ؛ ولأنه لا يتأتى منها الحفظ، والتعهد بل هي في نفسها محتاجة إلى من يحضنها، لا بجنون يقع نادرا قصيرا زمنه، كيوم في سنتين،فلا تسقط حضانتها به كمرض يطرأ ويزول)([74])، ونص المالكية على أن جنون الحاضن في بعض الأوقات بحيث يخاف رعب الولد حين نزوله وضيعته مانع([75])، ونص الحنابلة على أنه لا حضانة لمجنون ولو غير مطبق ولا لمعتوه ولا لطفل، لأنهم يحتاجون لمن يحضنهم([76]).

بالإضافة إلى الأهلية العقلية المتحققة بالبلوغ والعقل، اشترط الفقهاء الأهلية الصحية، فلذلك اعتبروا من موانع الحضانة الأمراض المعدية والمنفرة، وذلك بألا يكون بالحاضن مرض معد، أو منفر يتعدى ضرره إلى المحضون، كالجذام، والبرص وشبه ذلك من كل ما يتعدى ضرره إلى المحضون، قال في أسنى المطالب:(وتسقط بالمرض الدائم كالسل، والفالج إن عاق ألمه عن نظر المخدوم بالحضانة، وهو المحضون بأن كانت بحيث يشغلها ألمه عن كفالته، وتدبير أمره، أو عن حركة من يباشرها، فتسقط في حقه دون من يدبر الأمور بنظره ويباشرها غيره)([77])

وقال الخرشي عند قول خليل:[وعدم كجذام مضر]: (يعني ومما يشترط في الحاضن أن يكون سالما من البرص المضر بالمحضون، وأن يكون سالما من الجذام المضر بالمحضون فخفيفهما لا يمنع وبعبارة: أدخلت الكاف البرص المضر والجرب الدامي والحكة وذكر صاحب اللباب ما يفيد أن المراد بقوله كجذام جميع العاهات التي يخشى حدوث مثلها بالولد، وظاهر قوله وعدم كجذام يشمل ما إذا كان بالمحضون ذلك أيضا إذ قد يحصل بانضمامهما زيادة في جذام المحضون وبرصه)([78])

ومما تتحقق به الأهلية أيضا القدرة على القيام بشأن المحضون، فلا حضانة لمن كان عاجزا عن ذلك لكبر سن، أو مرض يعوق عن ذلك، أو عاهة كالعمى والخرس والصمم، أو كانت الحاضنة تخرج كثيرا لعمل أو غيره وتترك الولد ضائعا، فكل هؤلاء لا حضانة لهم إلا إذا كان لديهم من يعنى بالمحضون، ويقوم على شؤونه، فحينئذ لا تسقط حضانتهم.

وفي المنتقى:(إذا لم تكن في حرز، أو كانت غير مأمونة، أو تضعف عنه، أو سفيهة، أو سقيمة، أو ضعيفة، أو مسنة فلا حضانة لها حرة كانت أو غيرها، قاله مالك في الموازية، ووجه ذلك أن الحضانة إنما هي للرفق بالصغير فإذا عجزت عن القيام به، عدم الرفق وكان في مقامه عندها تضييع له)([79])، في الفتاوى الهندية:(ولا حضانة لمن تخرج كل وقت وتترك البنت ضائعة)([80])

ومما يمكن إلحاقه بهذا النوع من الأهلية الإقامة المناسبة للحاضن، وذلك بألا تقيم الحاضنة بالمحضون في بيت من يبغض المحضون ويكرهه.

الأهلية الدينية والخلقية

وتتحقق هذه الأهلية بما يلي:

إسلام الحاضن:

اختلف الفقهاء في اعتبار هذا الشرط على قولين:

القول الأول: عدم اعتبار هذا الشرط، وهو قول المالكية في المشهور عندهم، وعند الحنفية بالنسبة للحاضنة الأنثى، فلا يشترط الإسلام إلا أن تكون المرأة مرتدة، قال الكاساني في شروط الحاضنة:(عدم ردتها حتى لو ارتدت عن الإسلام بطل حقها في الحضانة ؛ لأن المرتدة تحبس فيتضرر به الصبي، ولو تابت وأسلمت يعود حقها لزوال المانع)([81])، أما غير المسلمة كتابية كانت أو مجوسية فهي كالمسلمة في ثبوت حق الحضانة، وذلك بشرط أن لا يعقل المحضون الدين، أو يخشى أن يألف الكفر، فإنه حينئذ ينزع منها ويضم إلى أناس من المسلمين([82]).

أما عند المالكية فإنه ولو خيف عليه لا ينزع منها، وإنما تضم الحاضنة لجيران مسلمين ليكونوا رقباء عليها، ففي المدونة:(قلت: أرأيت إن طلقها زوجها وهو مسلم وهي نصرانية أو يهودية ومعها أولاد صغار، من أحق بولدها؟ قال: هي أحق بولدها وهي كالمسلمة في ولدها إلا أن يخاف عليها إن بلغت منهم جارية أن لا يكونوا في حرز، قلت: هذه تسقيهم الخمر وتغذيهم بلحوم الخنازير فلم جعلتها في ولدها بمنزلة المسلمة؟ قال: قد كانت عنده قبل أن يفارقها وهي تغذيهم إن أحبت بلحوم الخنازير وبالخمر، ولكن إن أرادت أن تفعل شيئا من ذلك منعت من ذلك ولا ينزع الولد منها، وإن خافوا أن تفعل ضمت إلى ناس من المسلمين لئلا تفعله)([83])

ومن الأدلة التي استند لها اصحاب هذا القول:

1 ـ عن رافع بن سنان، أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبـي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم أو يشبهه، وقال رافع: ابنتي، فقال النبـي صلى الله عليه وآله وسلم:اقعد ناحية، وقال لها: اقعدي ناحية، وقال لهما: ادعواها، فمالت الصبـية إلى أمها، فقال النبـي صلى الله عليه وآله وسلم:اللهم اهدها، فمالت إلى أبـيها فأخذها([84]).

2 ـ أن الحضانة لأمرين؛ الرضاع، وخدمة الطفل، وكلاهما يجوز من الكافرة.

القول الثاني: لا حضانة لكافر على مسلم، وهو قول الجمهور، ومن الأدلة على ذلك([85]):

1 ـ أن الحاضن حريص على تربـية الطفل على دينه، وأن ينشأ عليه، ويتربى عليه، فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه، وقد يغيره عن فطرة الله التي فطر عليها عباده، فلا يراجعها أبدا، كما قال النبـي صلى الله عليه وآله وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه)([86])، فلا يؤمن تهويد الحاضن وتنصيره للطفل المسلم.

2 ـ أن الله تعالى قطع الموالاة بـين المسلمين والكفار، وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم من بعض، والحضانة من أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله بـين الفريقين.

3 ـ أن الحديث الذي استدلوا به من رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي، وقد ضعفه يحيـى بن سعيد القطان، وكان سفيان الثوري يحمل عليه، وضعف ابن المنذر الحديث، وضعفه غيره، وقد اضطرب في القصة، فروى أن المخير كان بنتا، وروى أنه كان ابنا([87]).

4 ـ أن الحديث قد يحتج به على صحة مذهب من اشترط الإسلام، فإن الصبـية لما مالت إلى أمها دعا النبـي صلى الله عليه وآله وسلم لها بالهداية، فمالت إلى أبـيها، وهذا يدل على أن كونها مع الكافر خلاف هدى الله الذي أراده من عباده، ولو استقر جعلها مع أمها، لكان فيها حجة، بل أبطله الله سبحانه بدعوة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

5 ـ أن القائلين بهذا يقولون: لا حضانة للفاسق، فأي فسق أكبر من الكفر، وأين الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر.

القول الثالث: إجازة حضانة الكافرة في فترة الرضاعة وما بعدها بقليل، وهو قول الظاهرية قال ابن حزم: (الأم الكافرة أحق بالصغيرين مدة الرضاع، فإذا بلغا من السن والاستغناء مبلغ الفهم، فلا حضانة لكافرة ولا لفاسقة)واستدل لذلك بقوله تعالى:{ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } (الأنفال:75)، قال:(فأما الأم فإنه في يدها ؛ لأنه في بطنها ثم في حجرها مدة الرضاع بنص قول الله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } (البقرة: 233)فلا يجوز نقله أو نقلها عن موضع جعلهما الله تعالى فيه بغير نص)([88])

وقد أنكر ابن حزم على من تعدى هذه المدة، من أصحاب القول الأول، وقال مفرقا بين قوله وقولهم (أما مدة الرضاع فلا نبالي عن ذلك لقول الله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ }(البقرة: 233)ولأن الصغيرين في هذه السن ومن زاد عليها – بعام أو عامين – لا فهم لهما، ولا معرفة بما يشاهدان، فلا ضرر عليهما في ذلك)([89])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث من تحديد فترة الحضانة بفترة حاجة الولد للرضاعة وما بعدها بقليل، أما إذا بدأ الولد في القدرة على التمييز والفهم، فإنه لا يصح ائتمان الكافرة على مسلم بأي حال من الأحوال.

وقد أنكر ابن حزم إنكارا شديدا على من ذهب إلى ذلك من أصحاب القول الأول، فقال:(فمن ترك الصغير والصغيرة حيث يدربان على سماع الكفر، ويتمرنان على جحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى ترك الصلاة، والأكل في رمضان، وشرب الخمر والأنس إليها حتى يسهل عليهما شرائع الكفر، أو على صحبة من لا خير فيه، والانهماك على البلاء، فقد عاون على الإثم والعدوان، ولم يعاون على البر والتقوى، ولم يقم بالقسط، ولا ترك ظاهر الإثم وباطنه، وهذا حرام ومعصية، ومن أزالهما عن المكان الذي فيه ما ذكرنا إلى حيث يدربان على الصلاة والصوم، وتعلم القرآن، وشرائع الإسلام، والمعرفة بنبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتنفير عن الخمر والفواحش فقد عاون على البر والتقوى، ولم يعاون على الإثم والعدوان، وترك ظاهر الإثم وباطنه، وأدى الفرض في ذلك)([90])

أمانة الحاضن:

نص أكثر الفقهاء على اشتراط الأمانة في الحاضن، فلا حضانة لفاسق([91])، لأن الفاسق لا يؤتمن، والمراد به الفسق الذي يضيع المحضون به، كالاشتهار بالشرب، والسرقة، والزنى واللهو المحرم، أما مستور الحال فتثبت له الحضانة.

قال الشافعي في التعبير عن هذا الشرط:(إذا كان من ينازع في الولد أم أو قرابة غير ثقة فلا حق له في الولد، وهي كمن لم يكن في هذه الحال، وأقرب الناس به أحق بالمنازعة كأن أمه كانت غير ثقة وأمها ثقة، فالحق لأمها ما كانت البنت غير ثقة، ولو صلح حال البنت رجعت على حقها في الولد كما تنكح فلا يكون لها فيهم حق وتئيم فترجع على حقها فيهم، وهكذا إن كان الأب غير ثقة كان أبوه يقوم مقامه وأخوه وذو قرابته فإذا صلحت حاله رجع إلى حقه في الولد فعلى هذا الباب كله وقياسه)([92])

وهذا يؤيد ما ذكر سابقا من أن العبرة في الترتيب في الحضانة يرجع للأمانة والدين والقيام بشؤون المحضون قبل القرابة النسبية.

وقد عبر السرخسي عن بعض تفاصيل هذا الشرط بقوله: (فإن كان أخوها، أو عمها مفسدا مخوفا لم يخل بينه وبينها؛ لأن ضمها إليه لدفع الفتنة فإذا كان سببا للفتنة لم يكن له حق ضمها إليه بل يجعل هو كالمعدوم فتكون ولاية النظر بعد ذلك إلى القاضي ينظر امرأة من المسلمين ثقة فيضعها عندها وكما يثبت للقاضي ولاية النظر في مالها عند عجزها عن ذلك، فكذلك في حق نفسها، فإن كانت البكر قد دخلت في السن فاجتمع لها رأيها وعقلها وأخوها أو عمها مخوف عليها فلها أن تنزل حيث شاءت في مكان لا يخاف عليها ؛ لأن الضم كان لخوف الفتنة بسبب الانخداع وفرط الشبق وقد زال ذلك حين دخلت في السن واجتمع لها رأيها وعقلها ([93])

ولعل أكبر من تشدد في اعتبار هذا الشرط ابن حزم فقد قال بمنع الأم نفسها من الحضانة إن لم تكن أمينة على ولدها، قال في ذلك: (إن لم تكن الأم مأمونة في دينها ودنياها نظر للصغير أو الصغيرة بالأحوط في دينهما ثم دنياهما، فحيثما كانت الحياطة لهما في كلا الوجهين وجبت هنالك عند الأب، أو الأخ، أو الأخت، أو العمة، أو الخالة، أو العم، أو الخال – وذو الرحم أولى من غيرهم بكل حال، والدين مغلب على الدنيا)([94])

ولعله لم يخالف في اعتبار هذا الشرط، ويتشدد في المخالفة غير ابن القيم، فقد قال ابن المفلح: (وقال الأصحاب: ولا حضانة لفاسق، وخالف صاحب الهدي ([95])

ويقصد بذلك ابن القيم فقد أنكر على اشتراطها، وبرر ذلك بالواقع الذي يقضي بالقول بخلاف هذا الشرط، وقد مر معنا أمثلة كثيرة عن اعتباره للواقع وخاصة في أمثال هذه المسائل، فقال: (واشتراطها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتد العنت، ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بـينهم لا يتعرض لهم أحد في الدنيا، مع كونهم الأكثرين. ومتى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسر واستمرار العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح)([96])

ومما استدل به لذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنع، ولا أحد من الصحابة فاسقا من تربـية ابنه وحصانته له، ولا من تزويجه موليته، والعادة شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق، فإنه يحتاط لابنته، ولا يضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، وإن قدر خلاف ذلك، فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد، والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبـيعي، ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة، وولاية النكاح، لكان بـيان هذا للأمة من أهم الأمور، واعتناء الأمة بنقله، وتوارث العمل به مقدما على كثير مما نقلوه، وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضيـيعه واتصال العمل بخلافه. ولو كان الفسق ينافي الحضانة، لكان من زنى أو شرب خمرا، أو أتى كبـيرة، فرق بـينه وبـين أولاده الصغار، والتمس لهم غيره.

ونرى أن الأرجح اعتبار هذا الشرط في حال كون المحضون صاحب أقارب ممن يسعهم حضانته، فيقدم الأعدل فالأعدل بغض النظر عن قرابتهم منه، فيقدم العم على الجد، أو الأخ لأم على الأخ الشقيق أو الخال على الأخ إن كانوا متصفين بالعدالة وغيرهم يتصف بالفسق، أما إن كان محدود القرابة، وليس فيهم من يتصف بالعدالة، فإن الضرورة تدعو إلى عدم اعتبار هذا الشرط إلا إذا تضرر المحضون، فيلزم اعتباره، ولو بأن يحضنه فرد من أفراد المسلمين لا قرابة تربطه به.

وليست هناك صعوبة شديدة في تطبيق هذا الشرط، لأن المراد بعدم العدالة الفسق الظاهر كشرب الخمر وارتكاب الفواحش أما مستور الحال، فيضم إلى العدل من باب الضرورة كما سبق بيان علل ذلك.

رشد الحاضن:

وقد اعتبر المالكية والشافعية هذ الشرط، فلا حضانة عندهم لسفيه مبذر لئلا يتلف مال المحضون.

قال خليل عند ذكره لشروط الحاضن: (ورشد، وخرج بذلك السفيه قال اللخمي: وهذا إذا كان سفيها في عقله ذا طيش وقلة ضبط لا يحسن القيام بالمحضون ولا أدبه، أو كان سفيها في المال يبذر ما يقبضه قبل انقضاء الأمد، وأما إن كان سفيها مولى عليه ذا صيانة وقيام بالمحضون فلا يسقط حقه من الحضانة، وذكر المتيطي اختلاف الفقهاء في السفيهة، فقيل لها الحضانة وقيل لا حضانة لها)([97])

وقد ذكر ابن عرفة استمرار الخلاف بين متأخري المالكية في اعتبار هذا الشرط، فقال: نزلت ببلد باجة فكتب قاضيها لقاضي الجماعة يومئذ بتونس وهو ابن عبد السلام فكتب إليه بأن لا حضانة لها فرفع المحكوم عليه أمره إلى سلطانها الأمير أبي يحيى بن الأمير أبي زكريا فأمر باجتماع فقهاء الوقت مع القاضي المذكور لينظروا في ذلك فاجتمعوا بالقصبة. وكان من جملتهم ابن هارون والأجمي قاضي الأنكحة حينئذ بتونس فأفتى القاضيان وبعض أهل المجلس بأن لا حضانة لها وأفتى ابن هارون وبعض أهل المجلس بأن لها الحضانة، ورفع ذلك إلى السلطان المذكور فخرج الأمر بالعمل بفتوى ابن هارون وأمر قاضي الجماعة بأن يكتب بذلك إلى قاضي باجة ففعل وهو الصواب، وهو ظاهر عموم الروايات في المدونة وغيرها([98]).

ونرى أن الأرجح في هذا اعتبار هذا الشرط كما ذكرنا في العدالة إذا كان المحضون ذا مال وخيف عليه من السفيه أن يفسد ماله، لكن إن لم يكن له غير هذا السفيه، فإنه يمكن تفادي سفهه بالحجر عليه في التصرف في مال المحضون، وليس ذلك بعسير في عصرنا، فيمكن أن يحفظ مال الابن في أي بنك، ويمنع السفيه من التصرف في ماله إلا بقدر الضرورة.

الأهلية الشرعية:

ونقصد بها محرمية الحاضن للمحضون، وذلك يختلف حكمه بحسب الحاضن رجلا كان أو امرأة، كما يلي:

بالنسبة للرجل:

وهو أن يكون محرما للمحضون إذا كانت المحضونة أنثى مشتهاة فلا حضانة لابن العم لأنه ليس محرما، ولأنه يجوز له نكاحها فلا يؤتمن عليها، فإن كانت المحضونة صغيرة لا تشتهى، ولا يخشى عليها فلا تسقط حضانة ابن عمها، وإذا لم يكن للمشتهاة غير ابن العم، وضعت عند أمينة يختارها ابن العم، كما يقول الشافعية والحنابلة، أو يختارها القاضي كما يقول الحنفية إذا لم يكن ابن عمها أصلح لها، وإلا أبقاها القاضي عنده، وعند المالكية يسقط حق الحضانة لغير المحرم.

ونرى في هذا اعتبار هذا الشرط إلا إذا كان للحاضن الأجنبي من يتولى أمر المحضون، قال الخرشي:(الحاضن إذا كان ذكرا فإنه يشترط في حقه أن يكون له أهل يتولون المحضون من سرية أو زوجة أو مستأجرة أو متبرعة بذلك لأن الذكر لا يصير على ما تصير عليه النساء من أحوال الأطفال.. ويشترط في الحاضن الذكر إن كانت المحضونة أنثى تطيق الوطء أن يكون محرما لها ولو في زمن الحضانة بأن يتزوج أم المحضونة في زمن إطاقتها، وإلا فلا حضانة له في زمنها ولو كان مأمونا ذا أهل عند مالك، وأجازه أصبغ ذكره في الذخيرة)([99])

وما ذكره مالك من التشديد في هذا هو الصحيح، وله قيمته الواقعية، وقد دلت السنة على ذلك، فالنبـي صلى الله عليه وآله وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها وإن كانت ذات زوج، لأن البنت تحرم على الزوج تحريم الجمع بـين المرأة وخالتها، وقد نبه النبـي صلى الله عليه وآله وسلم على هذا بعينه في حديث داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله، وقال فيه: (وأنت يا جعفر أولى بها: تحتك خالتها، ولا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها)([100])

قال ابن القيم:(وليس عن النبـي صلى الله عليه وآله وسلم نص يقتضي أن يكون الحاضن ذا رحم تحرم عليه البنت على التأبـيد حتى يعترض به على هذا المسلك،بل هذا مما لا تأباه قواعد الفقه وأصول الشريعة، فإن الخالة ما دامت في عصمة الحاضن، فبنت أختها محرمة عليه، فإذا فارقها، فهي مع خالتها، فلا محذور في ذلك أصلا)([101])

ثم ذكر المفاسد المترتبة عن اشتراط المحرمية المؤبدة بقوله:(ولا ريب أن القول بهذا أخير وأصلح للبنت من رفعها إلى الحاكم يدفعها إلى أجنبـي تكون عنده، إذ الحاكم غير متصد للحضانة بنفسه، فهل يشك أحد أن ما حكم به النبـي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الواقعة هو عين المصلحة والحكمة والعدل، وغاية الاحتياط للبنت والنظر لها، وأن كل حكم خالفه لا ينفك عن جور أو فساد لا تأتي به الشريعة، فلا إشكال في حكمه صلى الله عليه وآله وسلم، والإشكال كل الإشكال فيما خالفه)([102])

بالنسبة للمرأة:

وذلك بأن تكون الحاضنة ذات رحم محرم من المحضون كأمه وأخته([103])، فلا حضانة لبنات العم والعمة، والخال والخالة، وهذا عند الحنفية والمالكية وليس هذا شرطا عند الشافعية والحنابلة، وصرح الشافعية بأنه لا تثبت الحضانة لبنت العم على الذكر المشتهى، وهو قول الحنفية([104]).

7 ـ آثار الحضانة

حق الحاضنة في أجرة الحضانة:

اختلف الفقهاء في حق الحاضن في أجرة الحضانة على قولين:

القول الأول: أن الحاضنة لها الحق في طلب أجرة على الحضانة، سواء أكانت الحاضنة أما أم غيرها، وهو قول جمهور الفقهاء، وسنذكر هنا آراء هذه المذاهب التفصيلية لكيفية تنفيذ هذا الحكم:

مذهب الحنفية([105]):

نص الحنفية على أن أجرة الحضانة ثابتة للحاضنة، سواء كانت أماً أو غيرها، وهي غير أجرة الرضاع، وغير نفقة الولد، فيجب على الأب، أو من تجب عليه النفقة ثلاثة أجور: أجرة الرضاع، وأجرة الحضانة، ونفقة الولد، فإذا كان للولد المحضون مال أخذه من ماله، وإلا فعلى من تجب عليه نفقته.

وإذا كان للحاضنة مسكن يسكن الولد تبعاً لها، فلذلك لا يقدر لها أجرة مسكن، وإن لم يكن لها مسكن([106]) قدر لها أجرة مسكن، لأنها مضطرة إلى إيوائه، وإذا احتاج الصغير إلى خادم، فإنه يقضى له به على أبيه الموسر.

وإنما تثبت أجرة الحضانة للأم إذا لم تكن الزوجية قائمة، أو لم تكن معتدة، فإن كانت زوجة أو معتدة لأب الطفل فإنه لا حق لها في أجرة الرضاع، ولا في أجرة الحضانة، ولا تجب الأجرة على أبيه إلا إذا كان الطفل فقيراً لا مال له، وإلا فمن ماله.

وهذا كله إذا لم يوجد متبرع يتبرع بحضانته مجاناً، فإن وجد متبرع، وكان أجنبياً عن الصغير، وكان للصغير مال، فإنه لا يعطى للأجنبي، ولكن يعطى لمن هو أهل للحضانة بأجرة المثل من ماله. أما إن كان المتبرع من أقارب الصغير، كالعمة مثلاً فإن الأم في هذه الحالة تخير بين إمساكه مجاناً، وبين أخذه منها وإعطائه لعمته لتحضنه مجاناً، إلا إذا كان الأب موسراً، ولا مال للصغير فإن الأم أوى بحضانته بالأجرة.

أما إذا كان الأب معسراً، والصغير موسر، أو كان الأب موسراً، والصغير موسر، فإنه يعطى لعمته مجاناً، وذلك لأن نفقة أمه في هذه الحالة تكون من مال الصغير، وهو ضرر عليه، كما لا يخفى.

مذهب الشافعية:

نص الشافعية([107]) على أن أجرة الحضانة ثابتة للحاضن حتى الأم، وهي غير أجرة الرضاع، فإذا كانت الأم هي المرضعة وطلبت الأجرة على الرضاع والحضانة أجيبت، ثم إن كان للصغير مال كانت الأجرة في ماله، وإلا فعلى الأب، أو من تلزمه نفقته، ويقدر لها كفايتها بحسب حاله.

مذهب الحنابلة:

نص الحنابلة([108]) على أن للحاضنة طلب أجرة الحضانة، والأم أحق بحضانته ولو وجدت متبرعة تحضنه مجاناً، ولكن لا تجبر الأم على حضانة طفلها، وإذا استؤجرت امرأة للرضاع والحضانة لزماها بالعقد، وإن ذكر في العقد الرضاع لزمتها الحضانة تبعاً، وإن استؤجرت للحضانة لم يلزمها الرضاع، وإذا امتنعت الأم سقط حقها، وانتقل إلى غيرها.

القول الثاني: انه ليس لها الحق في طلب اجرة الرضاعة، وهو قول المالكية والظاهرية، بل لها الحق في نفقة ولدها فقط، وفيما يلي تفصيل المذاهب في ذلك:

مذهب المالكية:

نص المالكية([109]) على أنه ليس للحاضن أجرة على الحضانة، سواء كانت أماً أو غيرها، بقطع النظر عن الحاضنة، فإنها إذا كانت فقيرة ولولدها المحضون مال فإنه ينفق عليها من مال ولدها لفقرها إلا للحضانة، أما الولد المحضون فله على أبيه النفقة والكسوة والغطاء والفرش، والحاضنة تقبضه منه وتنفقه عليه، وليس له أن يقول لها: أرسليه ليأكل عندي ثم يعود.

وتقدر النفقة على والده باجتهاد الحاكم حسب ما يراه مناسباً لحاله، كأن يقدر له شهرياً، أو كل جمعة، أو نحو ذلك، مما ذكر في باب النفقة، والصحيح عندهم أن تقدير السكنى يتوقف على اجتهاد الحاكم، فينظر إلى حال الزوجين، فإن كانت موسرة، فلا سكنى لها على الأب، وإن كانت معسرة وجب عليه لها السكنى([110]).

مذهب الظاهرية:

نص ابن حزم([111]) على أن المرأة إن كانت في غير عصمة زوجها، وكانت منفسخة النكاح بعد صحته بغير طلاق أو طلقها طلاقا رجعيا، وهو رضيع فلها في كل ذلك على والده النفقة والكسوة بالمعروف فقط، وهو للمطلقة مدة عدتها، فإن كان فقيرا كلفت إرضاع الولد ولا شيء لها على الأب الفقير، فإن غاب وله مال أتبع بالنفقة والكسوة متى قدر عليه أو على مال له، ومثله ما لو امتنع وله مال لقوله تعالى: { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}(البقرة:233)

فإن كانت مطلقة ثلاثا، أو أتمت عدة الطلاق الرجعي بوضعه، فليس لها على أبيه إثر طلاقه لها ثلاثا، أو آخر ثلاث، أو إثر تمام عدتها من الطلاق الرجعي إلا أجرة الرضاع فقط لقول الله تعالى: { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ }(الطلاق:6)

فإن رضيت هي بأجرة مثلها، فإن الأب يجبر على ذلك، ولا يلتفت إلى قوله: أنا أجد من يرضعه بأقل أو بلا أجرة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى}(الطلاق:6)فأوجب الله تعالى لهن الأجرة، إلا مع التعاسر، والتعاسر في لغة العرب فعل من فاعلين، فإذا قنعت هي بأجرتها التي أوجبها الله تعالى لها بالمعروف؟ فلم تعاسره، وإذا لم تعاسره: فهي على حقها في الأجرة المؤتمرة بالمعروف.

فإن لم ترض هي إلا بأكثر من أجرة مثلها وأبى الأب إلا أجرة مثلها، فللأب حينئذ أن يسترضع لولده غيرها بأجرة مثلها، أو بأقل، أو بلا أجرة إن وجد، فإن لم يقبل غير ثديها، أو لا يجد الأب إلا من لبنها مضر بالرضيع، أو من تضيعه، أو كان الأب لا مال له: فتجبر الأم حينئذ على إرضاعه، وتجبر هي والوالد حينئذ على أجرة مثلها، إن كان له مال، وإلا فلا شيء عليه لقوله تعالى: { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}(البقرة:233)

وهذا كله واجب عندهم على الوالد في الرضاع من أجرة أو كسوة أو نفقة سواء كان للرضيع مال أو لم يكن، صغيرة كانت أو لم تكن، زوجها أبوها أو لم يفعل بخلاف النفقة على الفطيم أو الفطيمة.

فإن مات الأب فكل ما ذكرنا أنه يجب على الوالد من نفقة أو كسوة أو أجرة فهو على وارث الرضيع إن كان له وارث على عددهم، لا على قدر مواريثهم منه لو مات والأم من جملتهم إن كانت ترثه إن مات، سواء كان للرضيع أو الرضيعة مال أو لم يكن – بخلاف نفقتهما وكسوتهما بعد الفطام لقول الله تعالى: { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}(البقرة:233)

فإن ماتت، أو مرضت، أو أضر به لبنها، أو كانت لا لبن لها، ولا مال لها: فإرضاعه على بيت المال – فإن منع فعلى الجيران: يجبرهم الحاكم على ذلك.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن حكمها يختلف بحسب حال الحاضن والمحضون والملزم بأجرة الحضانة، وبيان ذلك أنه إن كانت الحاضن ميسورة الحال، ولم تكن بحاجة شديدة إلى المال، وكان زوجها في نفس الوقت فقيرا أو غير قادر على دفع أجرة لها، وكان المحضون ممن لا ترهق حضانته إرهاقا شديدا بحيث يحبس الحاضن عن القيام بشؤونه، فإن الأرجح في هذه الحالة هو القول الثاني لعدم حاجة الحاضن إلى الجرة، وتضرر المحضون بدفعها.

أما إن كانت الحاضن محتاجة أو فقيرة، أو قد حبست نفسها على المحضون، وكان في طاقة الزوج دفع أجرة لها، فإن الأرجح في هذا هو وجوب دفع هذه الأجرة، وتتناسب قيمتها بحسب حاله يسرا وعسرا.

أما في الحالة العادية، فإن الواجب على الموسر دفع الأجرة بخلاف المعسر إلا إذا اشتدت حاجة الحاضن، فيجب على المعسر التكلف لدفع أجرة لها، باعتبار الحاضن محبوسة على مصالح ولده، وقد تنشغل بذلك الحبس عن التسبب في أسباب الرزق، فيجب لها لذلك ما يكفيها عن الانشغال به.

علاقة المحضون بغير الحاضن

اتفق الفقهاء على أن لكل من أبوي المحضون إذا افترقا حق رؤيته وزيارته، وتعهده بما يحتاج إليه، وللمذاهب في ذلك تفاصيل مختلفة لا نرى تناقضها، وهي لا تفرق في أكثر التفاصيل بين الذكر والأنثى، وتفرق في بعضها الآخر، وسنذكر بعض التفاصيل المتعلقة بالجانبين:

إن كان المحضون أنثى:

من الأمور التي ذكرها الفقهاء، وهي متعلقة بالمحضون إن كانت أنثى:

1 ـ أنها تكون عند حاضنها سواء كان أما أو أبا ليلا ونهارا، لأن تأديبها وتعليمها يكون داخل البيت ولا حاجة بها إلى الإخراج.

2 ـ أنه لا يمنع أحد الأبوين من زيارتها عند الآخر، لأن المنع من ذلك فيه حمل على قطيعة الرحم، بشرط أن لا يطيل الزائر المقام، لأن الأم بالبينونة صارت أجنبية، والورع إذا زارت الأم ابنتها أن تتحرى أوقات خروج أبيها، وهذا الحق يثبت حتى مع غير الوالد، قال الباجي:(إذا كانت الصبية عند جدتها لم يمنع رسول عمتها من زيارتها وعيادتها، ولا يمنع عمتها أن تأتيها، قال مالك في العتبية، ووجه ذلك أن للعمة حقا في مطالعة حالها ومعرفة مجاري أمورها وصحتها وسقمها وما تباشر من عملها للرحم التي بينهما فلها من ذلك ما لا يدخل به مضرة من كثرة ملازمتها)([112])

3 ـ إذا لم يأذن زوج الأم بدخول الأب أخرجتها إليه ليراها، ويتفقد أحوالها، وإذا بخل الأب بدخول الأم إلى منزله أخرجها إليها لتراها، وله منع البنت من زيارة أمها إذا خشي الضرر حفظا لها، وقد حدد الشافعية الزيارة بكونها مرة كل يومين فأكثر لا في كل يوم، ولا بأس أن يزورها كل يوم إذا كان البيت قريبا، وعند الحنابلة تكون الزيارة على ما جرت به العادة كاليوم في الأسبوع.

قال ابن قدامة مبينا علل ذلك: (إذا كانت الجارية عند الأم أو عند الأب، فإنها تكون عنده ليلا ونهارا ؛ لأن تأديبها وتخريجها في جوف البيت، من تعليمها الغزل والطبخ وغيرهما، ولا حاجة بها إلى الإخراج منه، ولا يمنع أحدهما من زيارتها عند الآخر، من غير أن يخلو الزوج بأمها، ولا يطيل، ولا يتبسط ؛ لأن الفرقة بينهما تمنع تبسط أحدهما في منزل الآخر وإن مرضت، فالأم أحق بتمريضها في بيتها)([113])

وقد تشدد بعض الفقهاء في ذلك، فقال:(ولا يمنعه زيارتها لئلا يكلفها الخروج لزيارته، إلا أن يكون أنثى فله منعها زيارتها لتألف الصيانة وعدم البروز، والأم أولى منها بالخروج لزيارتها والزيارة في الأيام مرة على العادة لا كل يوم، وإذا زارت لا يمنعها الدخول لبيته ويخلي لها الحجرة فإن كان البيت ضيقا خرج ولا تطيل المكث في بيته، وعدم منعها الدخول لازم كما صرح به الماوردي فقال يلزم الأب أن يمكنها من الدخول ولا يولهها على ولدها للنهي عنه وفي كلام غيره ما يفهم عدم الوجوب وبه أفتى ابن الصلاح)([114])

إن كان المحضون ذكرا:

من الأمور التي ذكرها الفقهاء، وهي متعلقة بالمحضون إن كان ذكرا:

1 ـ إن كان عند أبيه كان عنده ليلا ونهارا، ولا يمنعه من زيارة أمه، لأن المنع من ذلك إغراء بالعقوق وقطع الرحم، ولا يكلف الأم الخروج لزيارته، والولد أولى منها بالخروج.

2 ـ لو أرادت الأم زيارته فلا يمنعها الأب من ذلك، لما في ذلك من قطع الرحم، لكن لا تطيل المكث، وإن بخل الأب بدخولها إلى منزله أخرجه إليها، والزيارة تكون مرة كل يومين فأكثر، فإن كان منزل الأم قريبا فلا بأس أن يزورها الابن كل يوم، كما قاله الماوردي من الشافعية أما الحنابلة فكما سبق تكون الزيارة كل أسبوع.

3 ـ إن كان المحضون الذكر عند أمه كان عندها ليلا، وعند الأب نهارا لتعليمه وتأديبه، فقد نص المالكية على أنه إن كان المحضون عند الأم فلا تمنعه من الذهاب إلى أبيه يتعهده ويعلمه، ثم يأوي إلى أمه يبيت عندها، قال الباجي:(إذا كان الابن في حضانة أمه لم يمنع الاختلاف إلى أبيه يعلمه، ويأوي إلى الأم رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون، ووجه ذلك أن الابن محتاج إلى أن يعلمه أبوه ويؤدبه ويسلمه إلى من يعلمه القرآن والكتابة والصنائع والتصرف وتلك معان إنما تستفاد من الأب فكان الأب أولى بالابن في الأوقات التي يحتاج فيها إلى التعلم، وذلك لا يمنع الحضانة ؛ لأن الحضانة تختص بالمبيت ومباشرة عمل الطعام وغسل الثياب وتهيئة المضجع والملبس والعون على ذلك كله والمطالعة لمن يباشره وتنظيف الجسم وغير ذلك من المعاني التي تختص مباشرتها بالنساء ولا يستغني الصغير عن من يتولى ذلك له ؛ فكان كل واحد من الأبوين أحق مما إليه منافع الصبي والقيام بأمره)([115])، وإن كان عند الأب فلها الحق في رؤيته كل يوم في بيتها لتفقد حاله. ولو كانت متزوجة من أجنبي من المحضون فلا يمنعها زوجها من دخول ولدها في بيتها، ويقضى لها بذلك إن منعها.

4 ـ إن مرض الولد كانت الأم أحق بالتمريض في بيت الأب إن كان عنده ورضي بذلك، وإلا ففي بيتها يكون التمريض، وهذا كما يقول الشافعية وعند الحنابلة يكون التمريض في بيتها ويزوره الأب إن كان التمريض عند الأم مع الاحتراز من الخلوة.


([1]) شرح حدود ابن عرفة: 230.

([2]) أسنى المطالب: 3/447.

([3]) سبل السلام: 3/227.

([4]) المبسوط:4/40، وانظر: مواهب الجليل: 4/215.

([5]) المبدع: 8/230، وانظر: المغني: 8/190.

([6]) انظر: الشرح الكبير: 2/532، ولهذه المسألة مزيد تفصيل في محلها من هذا الفصل.

([7]) انظر: الهداية: 2/38، بدائع الصنائع: 4/42.

([8]) المدونة: 2/258..

([9]) اختلف القائلون بالتخيير في سن التمييز على قولين هما:

القول الأول: أنه يخير لخمس، حكاه إسحاق بن راهويه، ويحتج لهؤلاء بأن الخمس هي السن التي يصح فيها سماع الصبـي، ويمكن أن يعقل فيها، وقد قال محمود بن لبـيد: عقلت عن النبـي صلى الله عليه وآله وسلم مجة مجها في في وأنا ابن خمس سنين.

القول الثاني: أنه إنما يخير لسبع، وهو قول الشافعي، وأحمد وإسحاق ، واحتج لهذا القول بأن التخيـير يستدعي التميـيز والفهم، ولا ضابط له في الأطفال، فضبط بمظنته وهي السبع، فإنها أول سن التميـيز، ولهذا جعلها النبـي صلى الله عليه وآله وسلم حدا للوقت الذي يؤمر فيه الصبـي بالصلاة.

([10]) انظر: المبدع: 8/238، كشاف القناع: 5/501، المغني: 8/192.

([11]) فإن كان ذكرا، وهو دون السبع، فأمه أحق بحضانته من غير تخيـير، وإن كان له سبع، ففيه ثلاث روايات:

الرواية الأولى: أنه يخير، وهي الصحيحة المشهورة من مذهبه، وهي اختيار أصحابه، فإن لم يختر واحدا منهما، أقرع بـينهما، وكان لمن قرع، وإذا اختار أحدهما، ثم عاد فاختار الآخر، نقل إليه، وهكذا أبدا.

الرواية الثانية: أن الأب أحق به من غير تخيـير.

الرواية الثالثة: أن الأم أحق به كما قبل السبع.

 أما إذا كان أنثى، فإن كان لها دون سبع سنين، فأمها أحق بها من غير تخيـير، وإن بلغت سبعا، فالمشهور من مذهبه، أم الأم أحق بها إلى تسع سنين، فإذا بلغت تسعا، فالأب أحق بها من غير تخيـير، وعنه أن الأم أحق بها حتى تبلغ، ولو تزوجت الأم. وعنه أنها تخير بعد السبع كالغلام، انظر: المغني: 8/192.

([12]) انظر: زاد المعاد: 5/468.

([13]) الحاكم: 4/108، الدارمي: 2/223، البيهقي: 8/3، النسائي: 3/382.

([14]) الترمذي: 3/638، البيهقي: 8/3، ابن ماجة: 2/787، أحمد: 5/49.

([15]) زاد المعاد: 5/468.

([16]) ونص الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم خير غلاما بين أبيه المسلم وأمه المشركة فمال إلى الأم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:« اللهم اهده »فمال إلى الأب، قال ابن حجر: رواه أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجة والحاكم والدارقطني من حديث رافع بن سنان وفي سنده اختلاف كثير وألفاظ مختلفة ورجح بن القطان رواية عبد الحميد بن جعفر وقال بن المنذر لا يثبته أهل النقل وفي إسناده مقال.، انظر: تلخيص الحبير: 4/11.

([17]) أحمد (5/446) وأبو داود (2244) والنسائي في الكبرى تحفة الأشراف (3594)

([18]) المحلى:10/157.

([19]) أبو يعلى فى «مسنده 2/193-194 رقم898» ، والطبرانى فى «المعجم الكبير 22/92-93 رقم285»

([20]) المحلى:10/157.

([21]) زاد المعاد: 5/475.

([22]) زاد المعاد: 5/475.

([23]) المغني: 8/190.

([24]) نقلا عن: القرطبي: 3/164.

([25]) الحاكم: 2/225، البيهقي: 8/4، الدارقطني: 3/304 أبو داود: 2/283، أحمد: 2/182.

([26]) سبل السلام: 3/227.

([27]) البخاري 13/4 و 5 و 6 ، ومسلم رقم (2548)

([28]) وقد خالف المالكية في عودة الحق بعد الإسقاط، فعندهم إذا أسقط الحاضن حقه في الحضانة دون عذر بعد وجوبها سقط حقه ولا يعود إليه الحق بعد ذلك لو أراد، ومقابل المشهور يعود إليه حقه بناء على أنها حق المحضون.

([29]) تبيين الحقائق: 3/46.

([30]) الأشباه والنظائر: 483.

([31]) كما ذكره ابن القيم، انظر: زاد المعاد: 5/452، الفروع: 6/517.

([32]) زاد المعاد: 5/452.

([33]) انظر الأقوال في المسألة في: زاد المعاد: 5/452.

([34]) المغني: 8/194.

([35]) المدونة: 2/252.

([36]) انظر: حاشية الدسوقي: 2/526، الفواكه الدواني: 2/65، الشرح الكبير: 2/530.

([37]) المحلى: 10/143.

([38]) البخاري: 2/960، مسلم: 2/1071، ابن خزيمة: 1/28، ابن حبان: 11/229، الحاكم: 3/130، الدارمي: 2/468، البيهقي: 4/64، ابو داود: 2/284، النسائي: 4/86.

([39]) قال ابن القيم ردا على ما أورده ابن حزم في نقده للحديثين: » وهذان الاعتراضان ضعيفان، فقد بـينا احتجاج الأئمة بعمرو في تصحيحهم حديثه، وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجل قول ابن حزم، وقول البخاري، وأحمد، وابن المديني، والحميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم، لم يلتفت إلى سواهم، وأما حديث أبـي سلمة هذا، فإن أبا سلمة من كبار التابعين، وقد حكى القصة عن الأنصارية، ولا ينكر لقاؤه لها، فلا يتحقق الإرسال، ولو تحقق، فمرسل جيد، له شواهد مرفوعة وموقوفة، وليس الاعتماد عليه وحده.

وعنى بالمجهول الرجل الصالح الذي شهد له أبو الزبـير بالصلاح، ولا ريب أن هذه الشهادة لاتعرف به، ولكن المجهول إذا عدله الراوي عنه الثقة ثبتت عدالته وإن كان واحدا على أصح القولين، فإن التعديل من باب الإخبار والحكم لا من باب الشهادة، ولا سيما التعديل في الرواية، فإنه يكتفى فيه بالواحدة، ولا يزيد على أصل نصاب الرواية» زاد المعاد: 5/456.

([40]) المحلى: 10/144.

([41]) وعلى هذه الرواية: فهل تكون عندها إلى سبع سنين أو إلى أن تبلغ؟ على روايتين. قال ابن أبـي موسى؛ وعن أحمد، أن الأم أحق بخضانة البنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ، انظر: المغني: 8/194، المبدع: 3/100 المحرر: 2/120.

([42]) اختلف الفقهاء في الاستدلال بقصة ابنة حمزة على الفهوم التالية:

1.أن النكاح لا يسقط الحضانة.

2.أن المحضونة إذا كانت بنتا، فنكاح أمها لا يسقط حضانتها. ويسقطها إذا كان ذكرا.

3.أن الزوج إذا كان نسيبا من الطفل، لم تسقط حضانتها، وإلا سقطت.

([43]) مصنف عبد الرزاق: 6/147.

([44])البخارى (2/960، رقم 2552) ، والترمذى (4/313، رقم 1904)

([45]) أحكام القرآن لابن العربي: 1/359.

([46]) المنثور في القواعد الفقهية: 2/180.

([47]) درر الحكام: 1/411، المنثور في القواعد الفقهية: 2/180.

([48]) المدونة: 2/252.

([49]) انظر: حاشية الدسوقي: 2/531، التاج والإكليل: 3/519، القوانين الفقهية: 149.

([50]) وقيل: لا تأخذ الولد معها إلا إذا كان السفر قريبا كبريد، فإن بعد فلا تأخذه، وإن كانت حضانتها باقية.

([51]) هذا إذا كانت الحاضنة هي الأم، فإن كانت غيرها فلا يجوز لها الخروج بالصغير إلى أي مكان إلا بإذن الأب، لعدم العقد بينهما.

([52]) انظر: بدائع الصنائع: 4/44.

([53]) واعتبر أبو يوسف مكان العقد فقط.

([54]) زاد المعاد: 5/463.

([55]) حاشية ابن عابدين: 3/563، الدر المختار: 3/563.

([56]) حاشية الدسوقي: 2/527، التاج والإكليل: 4/215، حاشية العدوي: 2/170.

([57]) مغني المحتاج: 3/435، المهذب: 2/190.

([58]) دليل الطالب: 288، الإنصاف للمرداوي: 9/420، منار السبيل: 2/482..

([59]) المغني: 8/197، وسنذكر أدلة هذ الرواية في محلها من هذا الفصل.

([60]) المحلى:10/143.

([61]) شرائع الإسلام:2/291.

([62]) التاج المذهب:2/269.

([63]) شرح النيل:7/108.

([64]) هذا الخلاف مبني على اعتبار أقارب الأم من الرجال لهم مدخل في الحضانة، وفي ذلك وجهان في مذهب أحمد والشافعي. أحدهما: أنه لا حضانة إلا لرجل من العصبة محرم، أو لامرأة وارثة، أو مدلية بعصبة، أو وارث، والثاني: أن لهم الحضانة والتفريع على هذا الوجه، وهو قول أبـي حنيفة.

([65]) ومن ذلك أن مالكا لما قدم أم الأم على أم الأب، قدم الخالة بعدها على الأب وأمه، واختلف أصحابه في تقديم خالة الخالة على هؤلاء، على وجهين، أحدهما تقديم خالة الخالة على الأب نفسه، وعلى أمه،وحجة هذا القول: أن كلتيهما تدليان بالأم المقدمة على الأب، فتقدمان عليه.

([66]) البخاري: 2/960، الترمذي: 4/313، الحاكم: 3/130، الدارمي: 2/475، البيهقي: 6/213، أبو داود: 2/284، النسائي: 5/169.

([67]) فتح الباري: 7/506.

([68]) ابن أبي شيبة: 6/248.

([69]) الدارمي: 2/475.

([70]) وقد ضبط ابن تيمية مراتب الورثة بقوله:» أقرب ما يضبط به باب الحضانة أن يقال: لما كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة والتربـية والملاطفة كان أحق الناس بها أقومهم بهذه الصفات وهم أقاربه يقدم منهم أقربهم إليه وأقومهم بصفات الحضانة. فإن اجتمع منهم اثنان فصاعدا، فإن استوت درجتهم قدم الأنثى على الذكر، فتقدم الأم على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال، والعمة على العم، والأخت على الأخ.

     فإن كانا ذكرين أو انثيـين، قدم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما، وإن اختلفت درجتهما من الطفل، فإن كانوا من جهة واحدة، قدم الأقرب إليه، فتقدم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجد والجدة، والجد أبو الأم على الأخ للأم، هذا هو الصحيح لأن جهة الأبوة والأمومة في الحضانة أقوى من الحضانة أقوى من جهة الأخوة فيها«.

([71]) ما ذكره ابن القيم من كون هذا من التناقض لا يصح لأنهم وضعوا لذلك ضوابط خاصة تجمع بين الحضانة والإرث، وهذا الضابط هو أن الاعتبار في الحضانة بالولادة المتحققة وهي الأمومة، ثم الولادة الظاهرة وهي الأبوة، ثم الميراث. قال: ولذلك تقدم الأخت من الأب على الأخت من الأم، وعلى الخالة، لأنها أقوى إرثا منهما.

 قال: ثم الإدلاء، فتقدم الخالة على العمة لأن الخالة تدلي بالأم، والعمة تدلي بالأب، فذكر أربع أسباب للحضانة مرتبة: الأمومة، ثم بعدها الأبوة، ثم بعدها الميراث، ثم الإدلاء، وقد ضبطه في المغني بضابط آخر، انظر: المغني:8/197.

([72]) بتصرف من: قواعد الأحكام: 1/75.

([73]) حاشية ابن عابدين: 3/564.

([74]) أسنى المطالب: 3/448.

([75]) التاج والإكليل: 5/597.

([76]) كشاف القناع: 5/498.

([77]) أسنى المطالب: 3/448.

([78]) الخرشي: 4/212، وانظر: التاج والإكليل: 5/597.

([79]) المنتقى: 6/187.

([80]) الفتاوى الهندية: 1/542.

([81]) بدائع الصنائع: 4/42..

([82]) انظر: تبيين الحقائق: 3/49.

([83]) المدونة: 2/260.

([84]) أحمد (5/446) وأبو داود (2244) والنسائي في الكبرى تحفة الأشراف (3594)

([85]) انظر: زاد المعاد: 5/461.

([86]) البخاري: 1/465، مسلم: 4/2048، ابن حبان: 1/336، الترمذي: 4/447، البيهقي: 6/202، أبو داود: 4/229، الموطأ: 1/241.

([87]) انظر هامش تخريج الحديث.

([88]) المحلى: 10/144.

([89]) المحلى: 10/145.

([90]) المحلى: 10/145.

([91]) انظر: دليل الطالب: 287، الفروع: 5/467، الروض المربع: 3/249، كشاف القناع: 5/498، المهذب: 2/169، الإقناع للشربيني: 2/491، الشرح الكبير: 2/528.

([92]) الأم: 5/100.

([93]) المبسوط:5/212، وانظر: تحفة المحتاج:8/358، الفروع:5/616.

([94]) المحلى:10/143.

([95]) الفروع: 5/467.

([96]) زاد المعاد: 5/461.

([97]) انظر: حاشية الدسوقي: 3/301، الشرح الكبير: 3/292.

([98]) شرح ميارة:1/273.

([99]) الخرشي: 4/213.

([100])أبو داود (2/224، رقم 2065) ، والبيهقى (7/166، رقم 13726)

([101]) زاد المعاد: 5/489.

([102]) زاد المعاد: 5/489.

([103]) انظر: كشاف القناع: 5/497، حاشية البجيرمي: 4/123، روضة الطالبين: 9/110، مغني المحتاج:3/454، حاشية ابن عابدين: 3/564..

([104]) حاشية ابن عابدين: 3/594.

([105]) انظر: البحر الرائق: 4/181، حاشية ابن عابدين: 3/557، الدر المختار: 3/561، بدائع الصنائع: 4/41.

([106]) اختلف فقهاء الحنفية في وجوب أجر المسكن للحاضنة إذا لم تكن في مسكن الأب، فقال بعضهم: على الأب سكنى الحاضنة وهو المختار عند نجم الأئمة، وبمثله قال أبو حفص فقد سئل عمن لها إمساك الولد وليس لها مسكن مع الولد فقال: على الأب سكناهما جميعا، واستظهر الخير الرملي اللزوم على من تلزمه نفقته. وقال آخرون: تجب أجرة السكن للحاضنة إن كان للصبي مال، وإلا فعلى من تجب نفقته. ونقل ابن عابدين عن البحر أنه لا تجب في الحضانة أجرة المسكن، ورجح ذلك في النهر، لأن وجوب الأجر (أي أجر الحضانة)لا يستلزم وجوب المسكن واختاره ابن وهبان والطرسوسي.

وقد وفق ابن عابدين بين هذه الأقوال بقوله: والحاصل أن الأوجه لزوم أجرة المسكن على من لزمه نفقة المحضون، فإن السكن من النفقة، لكن هذا إذا لم يكن لها مسكن، أما لو كان لها مسكن يمكنها أن تحضن فيه الولد ويسكن تبعا لها فلا تجب الأجرة لعدم احتياجه إليه«، ثم قال تعقيبا على توفيقه:» فينبغي أن يكون هذا توفيقا بين القولين، ولا يخفى أن هذا هو الأرفق للجانبين فليكن عليه العمل » انظر: حاشية ابن عابدين: 3/562.

([107]) انظر: المهذب: 401، روضة الطالبين: 9/105.

([108]) انظر: المبدع: 8/221، المحرر في الفقه: 2/119.

([109]) انظر: حاشية الدسوقي: 2/533، التاج والإكليل: 4/214، الشرح الكبير: 2/526.

([110]) اتفق المالكية على أن ما يخص المحضون من أجرة المسكن فهو على الأب، واختلفوا فيما يخص الحاضنة من أجرة المسكن. ومذهب المدونة الذي عليه الفتوى أن أجرة المسكن على الأب للمحضون والحاضنة معا. وقيل: تؤدي الحاضنة حصتها من الكراء. وقيل: تكون الأجرة على قدر الرءوس فقد يكون المحضون متعددا. وقيل: للحاضنة السكنى بالاجتهاد، أي على قدر ما يجتهد الحاكم، انظر: حاشية الدسوقي: 2/532.

([111]) انظر: المحلى: 10/172.

([112]) المنتقى: 6/186.

([113]) المغني: 8/193.

([114]) شرح البهجة: 4/407.

([115]) المنتقى: 6/186.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *