الفصل الثالث: وسائل التعامل بين الجمعية والطرق الصوفية

الفصل الثالث

وسائل التعامل بين الجمعية والطرق الصوفية

مع التضييق الشديد الذي كان يمارسه الاستعمار على الشعب الجزائري بطبقاته جميعا إلا أنا نجده قد وضع كثيرا من الفسحة للجمعية وللطرق الصوفية لنشاطهما، وخاصة ما كان منه داخليا فيما بينهما.

وهذا ما أتاح لكل الطرفين أن يتحرك بحرية أكبر على المستويات المختلفة، والذي تجلي في استعمالهما لكل الوسائل في ذلك الحين.

أما ما قد يتوهمه البعض تضييقا، فلا نراه كذلك، لأن الذي يريد أن يضيق يقطع المدد من أصله، خاصة إن كان جهما غليظا مثل الاستعمار الفرنسي، أما أن يغلق صحيفة في الصباح، ثم تخرج هي نفسها بعنوان مخالف في المساء، فلا نعتبره تضييقا، بل نراه نوعا من الإشهار المجاني، لأن الشعب الجزائري كان يبغض المستعمر، وكان بالتالي يبغض كل من يتوهم أنه يبغض الاستعمار.

ونحن لا نقول هذا تحكما، وإنما نقوله عن دراية وخبرة، فأكثر تلك الصحف وأكثر تلك التنقلات لم تساهم لا في تثقيف الجزائري، ولا في تربيته، ولا في تعليمه، ولا في توعيته، بل الكثير منها ما علمه إلا لغة الإقصاء للآخر، ولغة الغلو والتشدد التي لم ننل من ثمارها بعده الاستقلال سوى الفرقة التي مكنت للعلمانيين واللادينيين ليوجهوا المجتمع.

بناء على هذا، ومحاولة لإثباته، سندرس في هذا الفصل الوسائل التي استعملها كلا الطرفين في التعامل مع الآخر ومواجهته.

وقد قسمنا الفصل – على حسب عنوانه- إلى مبحثين:

المبحث الأول: وسائل تعامل الجمعية مع الطرق الصوفية

المبحث الثاني: وسائل تعامل الطرق الصوفية مع الجمعية

المبحث الأول: وسائل تعامل الجمعية مع الطرق الصوفية

اختلف خبراء الاتصال والعلاقات العامة في تقسيم وسائل الاتصال، فمنهم من قسمها إلى مجموعتين رئيسيتين([1]):

 الأولى: ويسمونها (مجموعة الكلمات المكتوبة)، ويمثلون لها بالصحف والمجلات والنشرات والكتب والملصقات بأنواعها.

الثانية: ويطلقون عليها (مجموعة الكلمات المنطوقة)، وتتضمن الراديو والتلفزيون، والمسرح، والمحاضرة وغيرها.

بينما يقسمها فريق آخر إلى الأقسام التالية:

1 ــ وسائل مقروءة: كالصحف والمجلات، والكتب.

2 ــ وسائل سمعية: كالإذاعة.

3 ــ وسائل بصرية: كاللوحة الفنية.

4 ــ وسائل سمعية بصرية: كالمسرح والسينما والتلفزيون.

5 ــ وسائل شخصية: كالمقابلة الحوارية.

ويصنف المفكر الأمريكي(مارشال ماكلوهان) وسائل الاتصال إلى قسمين([2]):

وسائل باردة: مثل، السينما والتلفزيون، ويعرفها بانها الوسائل التي لا تحافظ على التوازن في استخدام الحواس،بل تركز على حاسة واحدة(السمع،البصر).كما أنها تقدم المضمون الإعلامي جاهزاً الى حد ما مما يقلل من حاجة الإنسان للخيال.

وسائل ساخنة: مثل الصحافة والكتب والإذاعة، ويعرفها بأنها الوسائل التي تحافظ على التوازن بين الحواس،وتحتاج لقدر كبير من الخيال.فالمحاضرة(مثلا) تسمح بمساهمة أقل من الندوة أو الملتقى أو الحوار أو الحديث.

بناء على هذه التقسيمات، وبناء على ما أتيح للجمعية من وسائل في ذلك الحين، فقد آثرنا أن لا نراعي بدقة ما ذكر من هذه التقسيمات، وإنما قسمناها بحسب الوسائل، لا بحسب نوعها، أو نوع تأثيرها، ويمكن للقارئ أن يضم ما شاء لما شاء، فلا مشاحة في التصنيفات.

وقد رأينا من خلال استقراء وسائل الجمعية التي استعملتها في التعامل مع الطرق الصوفية أنها ثلاثة أنواع:

النوع الأول: هو حركات وتنقلات وتجمعات الجمعية لأجل توعية المجتمع بمواقفها من الطرق الصوفية.

النوع الثاني: هو ما أصدرته الجمعية من صحف سواء كانت رسمية، أو كانت تابعة للشخصيات المؤسسة للجمعية، أو التي لها علاقة بها، ولهذا، فلم نكتف عند الحديث عن صحف الجمعية بالصحف الرسمية، أو الصحف التي تلت التأسيس، بل تناولنا الصحف جميعا، باعتبارها كانت تهدف إلى هدف واحد.

النوع الثالث: هو ما ألفته الجمعية من كتب ورسائل ترتبط بتعاملها مع الطرق الصوفية.

وقد خصصنا كل نوع منها بمطلب خاص.

المطلب الأول: التنقلات والتجمعات

من أهم الوسائل التي استعملتها الجمعية في تحقيق أهدافها الإصلاحية، وخاصة هدفها الأكبر مواجهة الطرق الصوفية هو ما كان يقوم به أعضاؤها من تنقلات إلى المناطق المختلفة سواء لأجل إحياء مناسبات معينة، واستثمارها، أو لغير ذلك.

ومنها كذلك إقامة أعضاء الجمعية لتجمعات حركية محدودة، يمكن أن تعتبر كنوع من التنطيمات التي تخدم الأهداف الإصلاحية.

وقد كان لكلا الوسيلتين تأثيره الكبير في نشر الدعوة الإصلاحية على ربوع كثيرة من الجزائر، خاصة إذا علمنا أن نسبة الأمية، ونسبة الفقر، المتضخمتين لا تتيحان لأكثر الناس الاطلاع على ما تكتبه الجمعية في صحفها أو رسائلها.

بالإضافة إلى ما لهذا النوع من الوسائل، والتي ذكرنا أن المفكر الأمريكي (مارشال ماكلوهان) يطلق عليها (الوسائل الباردة)، ويذكر أن أهميتها تكمن في تقديم المضمون الإعلامي جاهزاً الى حد كبير مما يقلل من حاجة الإنسان للخيال، بالإضافة إلى ما فيها من دور تفاعلي يتيح للجماهير فهم الرسائل الإعلامية التي تريد الجمعية إرسالها بكل سهولة.

بناء على هذا سنحاول في هذا المطلب أن نذكر استخدام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هاتين الوسيلتين في تعاملها مع الطرق الصوفية.

أولا ــ التنقلات:

نريد بـ (التنقلات) تلك الحركة التي يقوم بها أعضاء الجمعية داخل الجزائر أو خارجها إذا ما اقتضى الحال لخدمة الأهداف الإصلاحية.

ومن خلال دراسة ما قام به أعضاء الجمعية سواء كانوا فرادى أو على شكل جماعات إلى المناطق الجزائرية المختلفة، فإنه يمكن أن نقسمها إلى قسمين:

1 ــ تنقلات عامة، لا علاقة لها بأي مناسبة.

2 ــ تنقلات ترتبط بمناسبات خاصة كالمولد النبوي الشريف، أو غيره.

وسنتحدث عن كلا القسمين في العنوانين التاليين:

1 ــ تنقلات عامة:

لقد كان التنقل سمة بارزة في أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، سواء كان تنقلهم خارج الجزائر للتعلم أو للسياحة، أو داخل الجزائر، لأجل أسباب كثيرة أهمها الدوافع الإصلاحية.

وقد ذكر الشيخ عبد الحميد بن باديس في خطاب له ألقاه في الاجتماع العام الذي عقدته الجمعية في سبتمبر 1933م النشاط المرتبط بهذا الجانب([3])، فقال: (أوفدت الجمعية من رجالها للوعظ والإرشاد وفودا لبلدان القطر في العمالات الثلاث، وقامت تلك الوفود بمهمتها خير قيام، وكانت تتلقى من رجال الحكومة كما تتلقى من الأمة بكل إكرام)([4])

ولكنه ذكر في نفس الوقت بعض العراقيل التي كانت تصادفها، وهي ذلك التضييق الذي صدر من الإدارة الفرنسية بمنع أعضاء الجمعية من الوعظ والإرشاد بالمساجد، والذي (كان شطر بلاء وعناء على الجمعية ورجال مجلس إدارتها فمن تنمر وجره إلى إلصاق تهم، إلى خلق عراقيل إلى استثمار ذمم. ومن وعد وترغيب إلى وعيد وترهيب)([5])

ثم ذكر ثبات رجال الجمعية رغم هذه العراقيل الإدارية، والتي – شجعها رجال الطرق الصوفية كما عرفنا سابقا- فقال: (هذا والجمعية ورجال مجلس إدارتها ثابتون ثبوت الجبال ثقة من أنفسهم بأنهم دعاة حق وقصاد خير وعمال لصالح هذا الوطن بأمته وحكومته وجميع ساكنيه فانسلخت هذه السنة وأعمال الجمعية هي هذه؛ ما قام به وفودها من وعظ وإرشاد – وما قام به رجالها من تعليم في عدة بلدان – وما نشره كتابها في جريدة الجمعية – جريدة السنة النبوية المحمدية التي لقيت – بحمد الله من المسلمين غاية الإقبال – هذا كله قام به رجال الجمعية ولا غرابة أن يقوموا به فهم من أهل العلم وما أهل العلم إلا الذين ينشرون العلم بدروسهم ومحاضراتهم وخطبهم ومنشوراتهم)([6])

ومثل ذلك ما ذكره الشيخ العربي التبسي – باعتباره الكاتب العام لجمعية العلماء المسلمين – في تقريره الذي نشره عن الجلسة العادية للمجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في جريدة البصائر([7])، فقد ذكر أن (المجلس الإداري للجمعية قرر في جلسته الإدارية المنعقدة في 15/رجب/1355هـ إيفاد وفود إلى البلدان التي ستذكر فيما بعد للقيام بهمة الوعظ والإرشاد، ولدعوة الأمة إلى تعليم أبنائها، بإنشاء المكاتب والمدارس لمقاومة الأمية، وتبليغ الدين الإسلامي تبليغا علميا.. وقد جعل يوم 15/اكتوبر/1936م موعد اجتماع أعضاء الوفد ببلدة (برج أم نائل) لتكون مبدأ رحلتهم، ومنها يتوجهون إلى (تيزي وزو)، ومنها إلى (ميشلي)، و(ذراع الميزان)، و(الأربعاء) وغيرها من البلدان)

ثم ختم التقرير بقوله: (وبما أن هؤلاء المشايخ موفدون من جمعية العلماء، وهم من أعضائها وقد ذهبوا لخدمة الدين الإسلامي والمسلمين. فإننا نرجو من إخواننا أهل البلدان المذكورة أن يستمعوا إلى نصائحهم، وأن يعملوا بوصاياهم التي يبلغونها باسم الدين الإسلامي)

بناء على هذا، سنحاول هنا، وباختصار أن نذكر بعض النماذج عن تنقلات أعضاء الجمعية، والمواضيع التي كانت تطرح فيها، وعلاقتها بالطرق الصوفية، وقد نعرف من خلال ذلك سر تأييد الطرق الصوفية لقرار المنع الذي استهجنه ابن باديس والجمعية، واعتبروا الطرق على أساسه موالية للاستعمار.

النموذج الأول:

وهو حول تنقل الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي كان من أكثر أعضاء الجمعية نشاطا في هذه الناحية، ولكنا سنكتفي في هذا النموذج على تنقله في الغرب الجزائري، لنعرف ما كان يدور في تلك اللقاءات الجماهيرية للجمعية مع المجتمع.

وقد نقلت وصف هذه الحركة الدعوية من شاهد عيان عرف نفسه بقوله([8]): (محمد الصغير الشافعي مول السهول، كان عمري 22 سنة، وبإذن من والدي رافقت الشيخ البشير الإبراهيمي في جولته لعمالة وهران سنة 1934 من أجل تأسيس لجان الجمعية ونشر الفكرة الإصلاحية)

ثم تحدث عن زياراتهم إلى سيدي بلعباس، ثم وهران، ثم المحمدية، ثم غليزان ثم مستغانم، ولم يظفروا في هذه المحال جميعا بأي نتيجة، وهو يدل على استعصاء المناطق الغربية على الجمعية بسبب انتشار الطرق الصوفية.

ثم ذكر تنقلهم إلى غليزان، وهناك استطاعوا أن يلتقوا باثنين من التلمسانيين (محمد الصغير بن شنهو وبوعبد الله، كاتب الضبط بالعدالة)، وقد اقترحا على الشيخ الإبراهيمي أن يلقي محاضرة في ناديهما، لكن المفاجأة أن النادي كان ينتمي للزاوية العلاوية، ومع ذلك لم يمنع هذا النادي – رغم انتمائه للطريقة العلاوية – الشيخ من إلقاء محاضرته، فحدد موعد المحاضرة بعد يومين على الساعة العاشرة صباحا، وكان موضوعه التوسل، ولأجل ذلك لقي إقبالا من رجال الطرق الصوفية.

ويذكر الشاهد أنه عندما اقترب موعد المحاضرة أمر الشيخ أن نذهب إلى أحد التجار بغليزان اسمه (ولى الميزابي) لكي يبعث لنا عشرة من الرجال الأقوياء الأشداء يلتفون حوله أثناء المحاضرة ويكونون سندا له عند الحاجة.

كان في إمكان الشيخ – خاصة في موضوع مثل هذا – أن يتناوله كما تناوله الشيخ ابن باديس، كما ذكرنا ذلك سابقا، خاصة في حضور رجال الطرق الصوفية، لكن الشيخ الإبراهيمي – كما يذكر الشاهد – افتتح درسه بقوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)} [يس: 20، 21]، ثم بدأ يشرحها، فقام إليه أحدهم من تلمسان، وأوقفه قال له: ما جئت لأسمع حماقاتك؛ ثم قال: ها هو أحد شيوخنا يطرح عليك سؤالين فأجبه، فقام هذا الأخير وسأله: إن كان يعترف بدور العلويين؟ وهل يؤمن بالتوسل والوسيلة؟

فأجابه الإبراهيمي – كما يذكر الشاهد- بقوله: (إن الإنسان يتوسل إلى الله بعمله الصالح)([9])، وذكر قصة النفر الثلاثة الذين أغلق عليهم في الغار([10])، وبدأ كل واحد منهم يتوسل بعمله الصالح، وهو في هذا ينقل لهم نفس ما يقوله الاتجاه السلفي المحافظ من قصر التوسل على مثل هذه المعاني.

وقد أثارت إجابته – كما يذكر الشاهد- سخط الحاضرين، حيث (بدأ الغليان والتشويش والهرج والمرج، وكان من بين الحاضرين شرطي يهودي فقام وقال للناس: (من أراد أن يستمع للشيخ فليجلس ومن أراد التشويش فعشرة أيام حبس)

عندها – كما يذكر الشاهد- قام السيد برّاقي (مستشار بلدي من غليزان) وأوقف الحوار وقال للحاضرين: (من لا تهمه المحاضرة فعليه بالخروج)، ثم اتجه إلى الشيخ الإبراهيمي ليشجعه وتلا الآية الكريمة: { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى } [يس: 20]، ثم قال له: إن هذا الرجل الذي جاء يسعى لمدينة غليزان هو أنت!.. وتتابعت المحاضرة، وبعد نهايتها دعانا السيد قاسم سعادة للعشاء، وسررنا بذلك، ثم ركبنا القطار المتجه نحو تلمسان من العاصمة ليلا)([11])

هذه هي الشهادة، ولسنا ندري السبب الذي من أجله ضيع الإبراهيمي تلك الفرصة التي أتيحت له للقاء أهل غليزان وللقاء من يطلق عليهم الطرقيين بعد ذلك الجهد الذي بذله في مناطق كثيرة من الغرب الجزائري، ومنع منها جميعا.

كان في إمكانه – إن استعمل أسلوب الحكمة – أن يجر الطرقيين وغير الطرقيين إلى الخط الإصلاحي من غير أن يصطدم معهم، خاصة في قضية خلافية، ابن باديس ينتصر للصوفية فيها.

ولسنا ندري فوق ذلك كيف يذكر حديث النفر الثلاثة الذي يورده الاتجاه السلفي المتشدد عند بيان موقفه من التوسل مع عدم صراحة النص فيه، ويترك الحديث الصريح والصحيح في التوسل والذي سبق ذكره.

إن النتيجة التي نخلص إليها من هذا التصرف، وما نتج عنه أنه كان في أعضاء الجمعية رجال كانوا – مع علمهم وفقههم – تنقصهم الحكمة والمقاصدية التي طالما تغنوا بها، وتصوروا أنها حكر عليهم.

النموذج الثاني:

وهو حول تنقل الشيخ العربي التبسي الى خنشلة، ولا نفتقر في هذا النموذج إلى شاهد قد يغفل عن بعض الأحداث، أو قد يدخل في الأحداث بعض تفسيراته وتحليلاته، بل إنا ننقل الشهادة من صاحب القضية نفسه، وهو الشيخ العربي التبسي.

بدأ الشيخ العربي التبسي شهادته بقوله: (شاء الله أن أهبط بلدة خنشلة في صيف هذا العام، وشاء أن أتخذها محل إقامة خمسا وعشرين ليلة، وقدر لي أن اجتمعت أثناء هذه الليالي بأقوام يمثلون أغلب طبقاتها، واستطلعت آراء عقلائها ومفكريها في حالتنا الدينية وما أصابها من تدهور)([12])

هذا ما ذكره الشيخ العربي التبسي حول هؤلاء العقلاء والمفكرين الذين التقى بهم والذين أشاد بهم كل هده الإشادة، وكان من المتوقع أن يتحدث مع هؤلاء في قضايا تهم الأمة جميعا، وتوحد صفها وتجمع كلمتها، لكن الأمر لم يكن كذلك، فقد غلبت الجزئية في حديثهم وبحثهم على المقاصدية، كما غلبت الطائفية المذهبية على الوحدة الإسلامية.

يقول الشيخ العربي التبسي: (وكانت نتيجة البحث مع العقلاء الذين حفظهم الله من بدعة الطرقيين استحسان الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه سلف الأمة، وإلى ترك ما أحدثه المحدثون، وهذه الظاهرة الدينية من أفهم الأدلة على أن أمتنا سدد الله خطى علمائها والعاملين لخير مفتها من الأمم التي أشربت حث دينها المحفوظ) ([13])

ثم ذكر الشيخ بعض ما كان يدور في تلك المجالس من أحاديث، وجله حول التهوين من شأن شيوخ الصوفية، بل اعتبارهم كرجال الدين المسيحي، يقول الشيخ: (وكنت أفضي إلى من أجتمع به بما يتطلبه منا دين لا ببوية ولا قساوسة ولا رهبان ولا كهنوتية فيه، وأجد من فضلائها وأهل الروية والثقافة العلمية بتلك البلدة الإسلامية رجالا يقدرون الدين حق قدره ويعلمون أنه دين رب العالمين، لا صنع رجال يصرفونه كيف شاءوا وشاءت مآربهم) ([14])

وقد ذكرنا عند حديثنا عن الشيخ المربي الجهد الكبير الذي بذلته الجمعية للتهوين من شأن مشايخ الصوفية، بل من شأن مشايخ العلم الذين يخالفونها، وقد عرفنا نتيجة ذلك في مستقبل الجزائر القريب من خروج الأمر من أيدي أصحاب العمائم إلى أيدي أصحاب الطرابيش، في الوقت الذي كان يستطيع أي شيخ صوفي أن يجيش الجيوش ليقتحم بهم ما يشاء.

وكشأن أصحاب الاتجاه السلفي لا يمكنهم أن يحلوا محلا دون أن يحدث الشقاق فيه، وهذا ما حصل، وقد قدم له الشيخ العربي التبسي بقوله: (. وقد منيت دعوة رجال الإصلاح الديني كما في كل مبدأ صحيح قبلها بأقوام يناهضون الحق بسلاح الأوهام ويعادون أهله، لا لأنهم شاقوا معصوما أو حاربوا صحيحا بل لأنهم سفهوا عوائد وطرحوا مألوفا تبين أنه لم يأت من طريق التوفيق)([15])

ثم ذكر كيف التقى برجلين من أهل خنشلة من أتباع الطرق الصوفية، فقال: (وفي بلدة خنشلة لسانان من ألسنة فلول الطرائق وخزائن الأخبار المحرفة والأقاويل المضطربة- وقد حدثت عن هذين الأخوين في النسب والجهل بما يأتيان به من تنفير الناس من دعوة المصلحين والتقول عليهم بما يذكر بالقصص الإسرائيلي، فحاولت أن أجتمع بهما اجتماعا يمكنني من مفاوضتهما) ([16])

وهكذا تيسر الأمر للشيخ العربي التبسي أن يلتقي بهذين الطرقيين، وهي مناسبة عظيمة لرأب الصدع، وتوحيد الصف، لكن الشيخ العربي – للأسف – كشأن التيار السلفي عموما لا يحلو له الحديث إلا في المختلف فيه، فقد ذكر الموضوع الذي تحدث معهما فيه، فقال: (فجمع الله بيننا أمام قهوة عربية، فجاذبتهما الحديث في شؤون، منها إعطاء العهود الموجودة بيننا من رؤساء الطرائق،وتحديد الأذكار للأمة على هذا الوجه بدعة لا يعرفها السلف، ولا يقبلها الشرع، فزعما أن هذه العهود وما لف لفها قد نقلت عن الحسن البصري) ([17])

وصدقا في ذلك، فهناك روايات تدل على هذا يتناقلها الصوفية، وهي صحيحة عندهم([18])، لكن الشيخ – كالتيار السلفي – لا يؤمن إلا بالأحاديث التي تمر على غرباله الخاص، أما ما يورده سائر الأمة من الأحاديث، فهي عنده إما منكرة أو شاذة، لأن راويها لا يتوافق مع هذا التيار الذي لا يريد أن يحتكر الدين فقط، بل يريد أن يحتكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضا.

وقد ذكر الشيخ إجابته لهما، فقال: (فأجبتهما بأن من نقل هذا عنه أراه قد كذب عليه)([19])

هكذا بكل بساطة، ومن غير بحث، ومن غير تعليل حكم بالكذب، وهذا ما ذكرناه من تسرع رجال الجمعية في إطلاق الأحكام، ثم ذكر أن (مسألة كمسألة العهود وتحديد الأذكار ووضع الطرائق للأمم ليس بسر من الأسرار حتى يمتاز بها الحسن، ومحال أن يفعل شيئا لم يتلقه عمن قبله ولو فعله من قبله- والمسألة لها خطرها- لنقلت شائعة ذائعة كما هي الآن وهذه الكتب الصحاح التي غيرت رجالها وفحصت أخبارها لا يوجد فيها ما يصلح أن يكون دليلا أو شبه دليل)([20])

لكي ندرك قيمة هذه المناقشات لابد أن نستحضر دائما ما ذكرناه حول الواقع الجزائري الخطير في عهد الاستعمار، وهل كان يسمح لهذه القضايا الفرعية أن تطرح في ذلك الحين، وهل كان من المقاصدية أن تكمم أفواه أولئك الذاكرين الذين لقنوا المستعمر أروع دروس التضحية والفداء، بفضل ما تحدثه تلك الأوراد في قلوبهم من قوة إيمانية.

ويواصل الشيخ حديثه بما تعودنا سماعه م رجال الجمعية من كونهم دائما هم المنتصرون في مناقشاتهم مع المخالف، فقال: (فلما سدت في وجوههما مناهج التضليل انقلبا إلى السباب والفضاضة والفحش والإذاية، فأعرضت عنهما ومررت بكلامهما مر الكرام، ووعدت الحاضرين بالكتابة في بدعة الطرائق في الإسلام)([21])

هذا هو النموذج الثاني، وهو يدل على المواضيع التي كان يحلو لأعضاء الجمعية إيرادها، ونحب قبل أن نترك هذا النموذج أن نذكر بأن هذا العملاق من عمالقة جمعية العلماء، ونتيجة ما جبل عليه من تسامح ومحبة وسلام لم يفت بما أفتى به جماهير العلماء – حتى ابن تيمية نفسه – من كفر من سب الله أو سب رسوله، بل اعتذر له وبرر له سلوكه، كما ذكرنا ذلك سابقا.

بل إنه – على حسب ما نعرفه من هذا التيار السلفي- يفضل ذلك الذي سب الله وسب رسوله على ذلك الذي يحمل مسبحة ويأتي بالأوراد، لأن الأول أخطأ، والثاني ابتدع، والمخطئ أهون حالا من المبتدع.. ثم نتساءل بعد هذا: أين ذهب رجال الدين بعد استقلال الجزائر، وقد قتلناهم بأيدينا؟

النموذج الثالث:

وهو حول تنقل الشيخ مبارك الميلي إلى ميلة ونواحيها سنة 1933، والذي نقلته صحيفة (الشريعة النبوية) بتفاصيله([22])، ونحن نتعجب من سر ذكر تلك التفاصيل الكثيرة في صحيفة رسمية قليلة الصفحات، كان يمكن أن تستغل فيما يفيد القارئ، ولكنا نجد فيها مثل هذا الكلام الكثير الذي ينبئ عن نفسية معينة: (حل الأستاذ مبارك الميلي ببلدة القرارم قادما من الميلية بعد صلة الرحم صباح يوم الأربعاء عاشر ربيع الآخر, وبنزوله من السيارة تسابق الناس إلى لقائه فتلقوه بوجوه ضاحكة مستبشرة وقلوب تحمل في سويدائها إيمانا صادقا وعطفا زائدا نحو العلماء العاملين. وقصد الكل محل آل بوزيان المعد لنزول الوافدين, وما إن انتشر خبر قدومه حتى أسرع أهل البلدة للترحيب به وفي مقدمتهم بعض العلماء الذين كانوا هنا منهم الشيخ بلقاسم السوفي المتطوع بجامع الزيتونة)([23])

وحتى تكتمل الصورة جيدا، فقد كان الشيخ مبارك الميلي حينها لا يتجاوز عمره 37 سنة، لكن المشايخ من كل حدب وصوب يسرعون إليه كما يحلو للصحيفة أن تصور، حتى أنها وصفت ذلك اليوم بكونه (يوما عزيز الوجود)

بعد هذه الملاحظة التي رأينا ضرورة ذكرها اجتمع الجمع، بعد صلاة العشاء في المسجد الجامع، وبعد الصلاة تحلق الجمع حول هذا الشيخ المصلح الفتي، وكانت فرصة عظيمة له لينشر الفكر الإصلاحي، فانتهز الشيخ الفرصة، وتحدث في وقت كانت الأعين – كما تصف الصحيفة- إليه ناظرة, (فأبان للسامعين قسمه تعالى بما ذكر في هذه السورة وما يستنتجه العقل السليم من بلاغة القرآن العظيم, وأن الله تعالى يقسم بما يريد من مخلوقاته لينبهنا إلى ما في المقسم به من علامات ناطقة بجلال قدرته, هذا بخلاف المخلوق فإنه لا يجوز له شرعا أن يقسم بمخلوق مثله. ومعلوم أن المقسم بالكسر بقسمه قد عظم المقسم به, والتعظيم لا ينبغي أن يكون إلا لله)([24])

إذن الموضوع واضح، وهو الشرك ومظاهر الشرك..

وفي الغد ألقى درسا آخر بعد صلاة الظهر في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الممتحنة: 12] بمثل الأسلوب الذي سار عليه في الدرس الأول.

قد يستغرب القارئ اختياره لهذه الآية في جو هيئ له خصيصا لينشر الفكر الإصلاحي الذي جاءت به الجمعية، خاصة وأن الإقبال عليه كان عظيما كما تذكر الصحيفة.

ولكن الاستغراب يزول إذا علم أنه – كما تذكر الصحيفة- (بين للحاضرين معنى المبايعة ومبايعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنات, وأن مبايعة النساء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تكون لأحد, فتلقى الحضور هاته النصائح بارتياح عظيم, مما يدل على أن العقول قابلة لتلقي النور الإلهي)([25])

وقد يستغرب القارئ الذي لا يعرف معنى المبايعة والعهد عند الصوفية حديثه هذا، ولكن الاستغراب يزول بشرح الصحيفة لما ذكره الشيخ الميلي، وهو (أن هذه الآية خلاف ما يفهمه الجهال من أهل هذا الزمان الذين يستبيحون مبايعة النساء بما يعطونهن من الأوراد, ويستندون في هذا إلى هذه الآية الكريمة. والحقيقة أنهم لم يعرفوا من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا)([26])

وقد مر معنا المراد ببيعة الصوفية وأنها تشمل الأذكار الكثيرة، والالتزام الديني والأخلاقي ونحوها.

ولسنا ندري السر في بذل كل هذه الجهود، وتجنيدها من أجل أن يقول للنساء: لا تعاهدوا المشايخ على الذكر وعلى الالتزام.

ولكن هذا هو منهج السلف كما تفهمه الجمعية، وكما يفهمه التيار السلفي الاستئصالي.

2 ــ تنقلات مناسباتية:

كما حاولنا من خلال النماذج السابقة أن نتعرف على أنواع المواضيع التي كان يتطرق لها أعضاء الجمعية، وصلتها بالطرق الصوفية، فسنذكر هنا التنقلات المرتبطة بالمناسبات الدينية.

وقد كان اهتمام الجمعية بهذه المناسبات وخصوصا مناسبة المولد النبوي الشريف مثار سخط لدى التيار السلفي الحديث، والذي يرى أن إحياء هذه المناسبات بدعة ضلالة.

ولذلك فقد تعامل مع علماء الجمعية بنفس المعاملة التي تعاملوا بها مع الطرق الصوفية، فاتهموهم بالبدعة لأجل هذا.

ولكن السؤال ليس هو عن الإحياء، فقد كان معروفا متعودا عليه من طرف المجتمع الجزائري، وإنما عن كيفية الإحياء وصيغتها الجديدة التي جاءت بها الجمعية، ونحب قبل أن نعرض المنهج الإحيائي الجديد الذي جاءت به الجمعية أن نذكر الطريقة البدعية التي كان يحيي بها أهل عنابة المولد، وقد نشرت الشريعة رسالة تذكر كيف كان أهل عنابة يحيون مناسبة المولد، ونصها: (قد اعتاد الناس في هذا الشهر أن يحتفلوا بذكرى المولد النبوي الشريف تذكارا وموعظة وإحياء لشيء من سند سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعالمه ومآثره وإظهارا لأخلاقه الكريمة لقصد بعث الناس وحملهم على التأسي والاقتداء بسيرته الفاضلة الحميدة الجميلة.. غير أننا نلاحظ على أكثر هاته الاحتفالات بأنها تقتصر على سرد قصائد في مدحه عليه وآله الصلاة والسلام وسرد قصة مولده وذكر أناشيد بنغمات وأصوات شجية كل بلد على قدر ذوقه ومبلغه في صناعة الألحان والنغمات)([27])

ولسنا ندري ما العيب في هذا، وهل الناس في الاحتفالات يحتاجون إلى الترويح المفرح لهم بمثل هذه الأناشيد، أم يحتاجون إلى الخطب والمحاضرات، والتي يمكن أن يسمعوها في أي وقت آخر.

ولكن مع ذلك قد تكون المحاضرات والخطب أجدى في واقع يسيطر عليه الاستعمار وتوابعه، وهذا ما لاحظته الجمعية، وكان لها أن تنجح فيه لو أنها عرفت كيف تستعمله.

وحتى ندرك مدى نجاحها فيه نحب أن ننقل خطبتين ألقيتا في تلك المناسبة لنعرف ما الذي استبدلت به تلك القصائد في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلا الخطبتين نشرتا في جريدة الشريعة.

الخطبة الأولى:

وهي الخطبة التي ألقاها – كما تذكر صحيفة الشريعة النبوية – الكاتب الأديب السيد حامد الأرقش، وسننقلها كما هي من دون أي تصرف لنعرف محتواها وأسلوبها، ونترك للقارئ بعد ذلك الحكم في أيهما أفضل: قصائد مدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم هذه الخطبة العصماء.

قال هذا الكاتب الأديب– يخاطب ابن باديس، والجموع الغفيرة التي حضرت الحفل-: (سيدي الأستاذ، سادتي، باسم الشباب البوني وجمعيتنا دعوناكم وقبلتم ضيافتنا فأشكركم كثيرا من صميم الفؤاد إذ لبيتم دعوتنا تاركين أشغالكم غير مبالين بالتعب ووعثاء السفر ولا ألسنة الوشاة وفي الحقيقة ما هذه التلبية وهذه الأتعاب إلا تنفيذا لبرنامج عملكم الصالح الذي أخذتم على عاتقكم إسداءه لأبناء جنسكم المتخبطين في دياجي الجهالة وتحت سيطرة كهنوت خئون انتفاعي غايته التضليل والغش.. حياتكم أيها الأستاذ كلها جهاد ولكن بسلاح سلمي علمي تحت سماء الصراحة وضوء الهداية، البدع أحاطت بنا إحاطة السوار بالمعصم فقيدتنا، فحطموها ويد الله معكم وعينه ترعاكم, إن بارقة الأمل لاحت رغم المشاغبات ولم تبق إلا عشية أو ضحاها حتى تعم الأمة بكل ما تحويه من سعادة حقيقة.

إن جمعيتنا أسست لمحاربة البدع والأضاليل وما أرى إن شاء الله إلا سعيها مكللا بالنجاح وعنوان ذلك وجود أمثالكم بيننا أرجوكم أن تسعفونا بوصاياكم النيرة فإنكم كالشمس ونحن هلال نقتبس نوركم الذي فيه بذور الحياة.

إن الشباب المتعلم باللغة الفرنسوية سرت فيه الروح التي أنتم ساعون في بثها, فغايتكم وغايتها صارت واحدة وإن الحوادث والحقائق المنطقية وحدت الصفوف بالأمس كان هذا الشباب كغريب عن وسطكم أما الآن فلا وإننا نشاهد هذه الحركة هنا وقد شاهدناها أخيرا في قسنطينة حقيقة تلمس باليد.

إن جو اليوم غير جو الأمس وفكر اليوم غير فكر الأمس وإن لاحت بارقة الحياة في أمة فإنها لا ترد كيفما كانت الحوادث.. وفي الختام أقول لكم: وفقتم وأيدتم آمنين)([28])

الخطبة الثانية:

وهذه الخطبة ألقاها – كما تذكر جريدة الشريعة النبوية – المعلم الناصح الشيخ محمد نمر، وهذا نصها – بعد الحمد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – من غير تقطيع: (وبعد فمرحبا بك يا أستاذنا المبرور والذائد عن حمى شريعتنا المنصور, ثم ها أنا أقدم لك عبارات الترحيب والتهنية بلسان مجموع الأمة البونية ونشكرك على إجابة دعوتنا ومساعدتك على مرغوبنا كما نعرب عن إخلاص مودتنا لكم وتأييدنا ولا منة لنا عليكم في ذلك إن كان حب العلم والعلماء من واجبات ديننا ويا ليتنا جميعا عرفنا ما للعلماء علينا من واجبات فاتبعناهم وأيدناهم ونصرناهم على ذوي الأغراض السفلة والمشاغبات ولكنا ويا للأسف يجدر بنا أن ينشد في حقنا ما قاله شاعر العراق: 

إذا ما رأينا واحدا قام بانيا
 
هناك, رأينا خلفه ألف هادم
 

أيها السادة إنني أعرفكم بمبدإ جمعيتنا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وما قدمته من الأعمال الخالصة لأمتنا وللدين والوطن سعيا وراء لم شعث المسلمين وابتغاء وجه الله الكريم.

تكونت حركة الإصلاح فينا على يد علمائنا العاملين المخلصين فألفوا الجمعية السالفة الذكر وعلى رأسها الأستاذ باديس. ما ذا قام المصلحون به, وما الشؤون التي يدعوننا إليها, وما الأعمال التي خدمت الأمة الجمعية بها؟ قام المصلحون من علمائنا في زمان تفرقت فيه أهواؤنا وتشتت آراؤنا وخيم الجهل على ربوعنا وتركنا العمل بما شرعه الله لنا في السنة والكتاب وتعددت المعبودات وإن شئتم فقولوا الأرباب. يدعوننا إلى التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا والعمل بشريعة الإسلام النقية الموجودة في ضمنهما يدعوننا إلى نبذ العوائد والخرافات الملصقة بالدين التي ما أنزل الله بها من سلطان يدعوننا إلى عبادة الله وحده والتمسك بحبله والاعتماد عليه في شؤوننا الدينية والدنيوية, قاموا قومة رجل واحد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يوجهون أغراضنا ويلفتوننا نحو تعاليم ديننا الراقية النبيلة يصرخون فينا أن اعتمدوا على الله واستعينوا بالله واسألوا الله وتوكلوا عليه في جلب المصالح ودفع المضار الخ مما يطول شرحه ولا يتسع المقام له, وهنا صاح ذوو الأغراض الشخصية الانتفاعيون من أبناء جنسنا صيحة حمر الوحش وتدرعوا بدروع التمويه وقلب الحقائق وتنوعوا في الاختلاق على العلماء والرمي لهم بما سولت لهم نفوسهم وليت شعري ما حملهم على هذه الأعمال المرذولة التي تهدم الأمة وتبعدها عن الإسلام الصحيح ويبقى الجهل سائدا عليها ولكن لا يخفى على البصير إذا ألقى نظرة على أعمالهم ما يجنون من ورائها وكيف تخفى فائدة استعبادهم للأمة وما يأخذونه منها باسم الزردة والوعدة والزيارة!. أما الجمعية فإن مبدأها إحياء السنة وإماتة البدعة والعمل على الرجوع بالأمة إلى ما كان عليه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه والاتحاد والإخاء وعدم التفريق في الدين والتخلق بأخلاق خاتم المرسلين، وهي تحارب كل ما ذكرنا من البدع والخرافات وما لم نذكره مما يشوه سمعة الإسلام والمسلمين وأخيرا نسأل الله الكبير المتعال أن يوفقنا وإياكم في الأقوال والأعمال وينصر العلماء العاملين المخلصين بجاه سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آله وأصحابه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين)([29])

هذه نماذج عن الخطب التي كانت تلقى في مناسبة المولد النبوي الشريف، وهي المناسبة التي اتفقت الأمة على اعتبارها رمزا للوحدة الإسلامية، ونترك للباحثين النفسانيين والاجتماعيين تحليلهما ليعرفوا من خلالها نوع الشخصيات التي بنتها الجمعية، ونوع المجتمع الذي سعت إلى تأسيسه على أنقاض المجتمع الطرقي الذي استطاعت أن تهدمه.

ثانيا ــ التجمعات:

وهي من الوسائل الهامة التي استطاعت الجمعية من خلالها أن تبلغ رسالتها الإصلاحية إلى عدد كبير من الجزائريين، ذلك أن تأثير التجمعات والتنظيمات يجعل من كل فرد من الجمعية طاقة كبرى تتحرك بانتظام لهدف واحد.

وقد ذكر المؤرخون للجمعية ورجالها مدى اهتمام كل فرد منهم بهذه التجمعات، فابن باديس – مثلا- كان يركز على الشباب، فيجتمع بهم ويلقي في أنديتهم ومراكز تجمعاتهم المحاضرات الدينية التاريخية والاجتماعية والوطنية.. كما كان يدعوهم إلى تكتيل قواهم ويحثهم على الاستقلال بمؤسساتهم عن التجمعات الفرنسية في الميادين الرياضية والفنون المسرحية والموسيقية والكشافة)([30])

وقد استجاب مثلا لدعوة شباب جمعية بجاية للرياضة وألقى في ناديها محاضرة بث فيها روح الوعي، ورغب الحاضرين في استغلال النوادي الرياضية لخدمة الأمة([31])

كما كان يجتهد في تحصينهم بإنشاء الجمعيات الفنية والرياضية، ومنها (جمعية الشباب الفني) التي تأسست عام (1936) وهدفها إحياء الفنون الإسلامية والاقتباس من الغرب الفن التمثيلي لخدمة الإصلاح الإسلامي، وقد اختبر رئيسا شرفيا لها وكان من نشاطها التمثيلي (الدعوة إلى الأخلاق العالية وكبح شهوات النفس وتجنب الأمراض الفتاكة كالخمر والميسر والقمار والتزوج بالأجنبيات)([32])

وهكذا نجد الشيخ الطيب العقبي يؤسس تجمعات في كل المناطق التي ينزل فيها، وقد ورد في مكاتبة نشرت لأديب في جرائد تونس ـ جريدة لسان الشعب 1927 ـ قام برحلة إلى بسكرة فسجل ما يلي: (في بسكرة جماعة إصلاحية قوية على رأسها الأستاذ الطيب العقبي … وأهم ما ترمي إليه هاته الجمعية القضاء على الخرافات القديمة والتنقيص مما يعلمه الناس عن الطرق والزوايا للقضاء عليها بعد ذلك بتاتا، وهو أمر تعهد به العقبي الذي لا يترك فرصة تمر بدون أن يكون فيها خطيبا لا فرق عنده أكان ذلك في طريق، أو مقهى، أو حانوت عطار، وقد اشتهر الأستاذ بفكرته وهو فخور بها يسمع الناس يسبونه ولا يتحرك ويأتيه البريد بالمكاتيب ـ أي الرسائل ـ المملوءة بشتمه فيضحك منها ويعطيها لمن بجانبه ويقول: (انظر في أي شيء يضيعون أوقاتهم)، وله في طريق داره ضريح صغير في مقبرة قديمة رأى الناس يعبدونه فهدمه ثلاث مرات، ولكنهم في كل مرة يجددون بناءه بعد أن يزودوا الأستاذ بجانب من الدعاء وأخيرا تركوه وصمموا على عدم تجديده إلا إذا انتقم لنفسه من عدوه وهم منتظرون.. ولقد التفت حول هذا الرجل المصلح نخبة مهمة من أبناء البلاد كونوا نهضة لا يستهان بها وهي تعمل بكل مجهودها في إنارة الطريق إلى الأفكار القديمة التي استولت عليها وأفسدتها من حيث لا تشعر)([33])

وكتب الزاهري عن إحدى جولات العقبي رفقة إخوانه من العلماء والأدباء في منطقة بسكرة تحت عنوان: (وفد الشعراء يزور طولقة، فرفار، البرج) في جريدة البرق يقول: (وبعد الفراغ من مأدبة الغداء شرع الأستاذ الطيب العقبي يدعو الناس إلى النجاة ويهديهم إلى سبيل الرشاد ويجاهد الذين يجعلون لله أندادا ويدعون مع الله آلهة كثيرة بالقرآن جهادا كبيرا، ومضى العقبي في هذا الموضوع وتغلغل فيه بشدة كأنه التيار الجارف الذي جرف طرق القوم وخرافاتهم، أو كأنه إعصار فيه نار تأكل ضلالات المشركين أكلا لما، فلم يبق في مجلسه ذلك أحدا إلى وخضع لكتاب الله وسلم لله ورسوله تسليما ولم يخرجوا من هناك حتى عادوا لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى الله ورسوله)([34])

وقال في مجلس آخر جمعهم بالشيخ السعدوني الذي قال قولا شنيعا: (ولم يتكلم الشيخ السعدوني وجعلنا نتباحث معه في حركة الإصلاح وفي المصلحين وفي أعداء الإصلاح المفسدين فاعترف بأنه قال: (الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ضلال مبين وشقاوة وخسارة سرمدية اليوم وقبل اليوم)، وقال: (إنه لا يزال مصرا على هذا القول وقد بين لنا مراده بتأويل لم نستطع أن نفهمه وقد هجم عليه العقبي هجوم المحق على الباطل فتركه حائرا مبهتا، وكان هذا الموقف الذي وقفه الأستاذ العقبي موقف جد، موقف صراحة، موقف من لا يخاف في الله لومة لائم، موقف من يجاهد الخرافيين بالقرآن جهادا كبيرا، بتلك الفصاحة العربية التي لم تكن لغير العقبي، فإنه أحاط بالسعدوني من كل جانب يحتج بالقرآن، ولم يكن للسعدوني من حجة، وأخيرا عجز عن كل شيء واعترف بأنه لا يستطيع أن ينتصر علينا بلسانه، ولكنه سيكتب في الجرائد، وقد قرعه العقبي على طعنه في ابن تيمية تقريعا حلوا ومرا) ([35])

المطلب الثاني: الصحافة المكتوبة

بالإضافة إلى ما ذكرناه من الحركات والنشاطات التي كانت تقوم بها الجمعية في أداء رسالتها الدعوية على المنهج الذي ارتضته لنفسها، كانت هناك وسيلة أخرى تستعملها لتعبر بها عن فكرها الإصلاحي، وهي وسيلة الصحافة المكتوبة، التي كانت في ذلك الحين تعتبر من أكثر الوسائل تطورا.

ومن خلال دراسة ما وصل إلينا من صحف الجمعية يمكننا بسهولة أن ندرك علاقتها الكبرى بالطرق الصوفية، وكأن الكثير منها لم يوضع إلا لأجل مواجهة ما تسميه بـ (بدعة الطرائق)، وسنرى بعض النماذج عن ذلك.

ولكنا قبل ذلك نحب أن ننبه إلى أن الكثير من الباحثين عندما يصور إغلاق المستعمر الفرنسي لبعض الصحف يصورها، وكأن تلك الصحف تمس بالسيادة الفرنسية، أو تتعرض لحقوق الجزائريين، والأمر لم يكن كذلك بتاتا للأسف، فقد كانت ممارسات تلك الصحف في محاربة السلم الاجتماعي، يجعلها تتعرض للإغلاق في أي نظام يحترم نفسه.

ونحن لا ندافع عن المستعمر هنا، فقد عرفنا ظلمه وإجحافة، ولكنا نتأسف لبعض تلك الصحف التي تركت قضايا الأمة الكبرى لتنشر بدلها الضغائن والأحقاد، وتناقش في الحرية الدينية التي هي أبسط أنوع الحريات في جميع المجتمعات الإنسانية، وليتها ناقشتها بعلم، إذن لهان الأمر، ولكنها تناقشها بعنف وغلظة وتحريض.

انطلاقا من هذا سنحاول في هذا المطلب أن نذكر الصحف التي أسستها الجمعية أو أسسها أعضاؤها، قبل التأسيس أو بعده، وقد كنا نود تقسيمها إلى صحف رسمية، وصحف شخصية، لكنا وجدنا عدم جدوى هذا من الناحية التي نريد أن نبحث فيها، باعتبار أن بعض الصحف يملكها أفراد متعددون، وصحف أخرى لا ندري أصحابها بالضبط، أو اختلف في أصحابها والمؤسسين لها، والتحقيق في ذلك يبعدنا عن الهدف الذي نهدف إليه من خلال طرح الموضوع في هذا المحل.

بالإضافة إلى ذلك، فإنه يمكن اعتبار الصحف الشخصية نوعا من الصحف الرسمية، لأن المواقف في الجميع واحدة، والخلاف لا يعدو في اسم المؤسسة التي صدرت الصحيفة باسمها.

ولهذا رأينا بدل ذلك أن نقسمها تقسيما آخر يعتمد السرد التاريخي حتى نرى مسيرة هذه الصحف من أجل خدمة أهداف الجمعية، وحتى نتصور الواقع بجميع ملابساته.

بناء على هذا، فسنذكر هنا الصحف الصادرة في ذلك الحين على حسب التسلسل التاريخي، مركزين على ما لها من علاقة بالطرق الصوفية، ولذلك لن نذكر صحف أبي اليقظان([36])، ولا بعض صحف الأمين العمودي أو الزاهري، لأنا لم نر لها علاقة بموضوعنا.

1 ــ المنتقد:

أصدرها الشيخ عبد الحميد ابن باديس في 03 جويلية 1925 م الموافق لـ 11 ذي الحجة سنة 1343 هـ بمدينة قسنطينة تحت شعار (الحق فوق كل أحد، والوطن قبل كل شيء)

ولعل أحسن من أرخ لهذه الصحيفة، وبين الدوافع لها هو مؤسسها ابن باديس، فقد كتب في (الشهاب) في أفريل 1935م، أي بعد فترة قصيرة من تأسيسها وتعطيها يقول: (في يوم النحر من ذي الحجة خاتمة شهور عام ثلاثة وأربعين وثلاثمائة وألف برزت جريدة (المنتقد) تحمل فكرة الإصلاح الديني) ([37])

ثم بين مراده منه بقوله: (بتنزيه الإسلام عما أحدثه فيه المبتدعون وحرفه الجاهلون. وبيانه كما جاء في القرآن العظيم والسنة المطهرة وعمل به السلف الصالحون) ([38])

وهي بهذا تصب في الهدف الذي ذكرنا، وهو نصرة المذهب السلفي، والرد على من يسميهم الإصلاحيون مبتدعة، وهم ليسوا سوى أصحاب الطرق الصوفية.

والذين أشار إليهم بقوله في افتتاحيتها: (ونحارب على الخصوص البدع التي أدخلت على الدين الذي هو قوام الإخلاص فأفسدته. وعاد وبال ذلك الفساد علينا وتأخرنا من حيث يكون تقدمنا وسقطنا بما لا نرتفع إلا به، لما شوهناه بإدخال ما هو ضده عليه)([39])

بعد بيانه الأهداف الإصلاحية المحصورة في مقاومة البدعة، بين الأهداف السياسية، فقال: (برزت جريدة (المنتقد) تحمل هذا وتلفت الجزائريين المسلمين إلى حقيقة وضعيتهم بين الأمم بأنهم أمة لها قوميتها ولغتها ودينها وتاريخها، فهي بذلك أمة تامة الأهمية لا ينقصها شيء من مقومات الأمم. وأنهم إلى ذلك مرتبطون بأمة عظيمة ذات تاريخ مجيد ومدنية راقية وحكومة منظمة، وأن عليهم أن يراعوا هذا كله في حياتهم فيحترموا قوميتم ولغتهم ودينهم وتاريخهم والأمة التي هم مرتبطون بها والحكومة التي هم مسيرون بقوانينها) ([40])

وهذا الذي ذكره ابن باديس هو الذي نص عليه في افتتاحيتها، وهي أول افتتاحية يكتبها ابن باديس، فقد جاء فيها قوله: (نحن قوم مسلمون جزائريون، في نطاق مستعمرات الجمهورية الفرنسوية) ([41])

ثم بين مستلزمات كون الجزائر مسلمة، فقال: (فلأننا مسلمون نعمل على المحافطة على تقاليد ديننا التي تدعو إلى كل كمال إنساني، ونحرص على الأخوة والسلام بين شعوب البشر وفي المحافطة على هذه التقاليد المحافظة على أهم مقومات قوميتنا وأعطم أسباب سعادتنا وهنائنا، لأننا نعلم أنه لا يقدر الناس أن يعيشوا بلا دين، وأن الدين قوة عظيمة لا يستهان بها، وأن الحكومة التي تتجاهل دين الشعب تسيء في سياسته وتجلب عليه وعليها الأضرار والأتعاب.. لا نعني بهذا أننا نخلط بين الدين والسياسة في جميع شؤوننا، ولا أن يتداخل رجال الدين في سياستنا، وإنما نعني اعتبار الدين قواما لنا، ومهيعا شرعيا لسلوكنا، ونظاما محكما نعمل عليه في حياتنا، وقوة معنوية نلتجيء إليها في تهذيب أخلاقنا) ([42])

وبين مستلزمات كونها تابعة لفرنسا، فقال: (ولأننا مستعمرة من مستعمرات الجمهورية الفرنسيوية نسعى لربط أواصر المودة بيننا وبين الأمة الفرنسوية وتحسين العلائق بين الأمتين المرتبطتين بروابط المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة من الجانبين، تلك الروابط التي ظهرت دلائلها وثمراتها في غير ما موطن من مواطن الحرب والسلم) ([43])

ثم ذكرت ما قدمته الجزائر لفرنسا في مقابل ما قدمته فرنسا للجزائر، فقال: (إن الأمة الجزائرية قامت بواجبها نحو فرنسا في أيام عسرها ويسرها، ومع الأسف لم نر الجزائر نالت على ذلك ما يصلح أن يكون جزاءها، فنحن ندعو فرنسا إلى ما تقتضيه مبادئها الثلاثة التاريخية “الحرية والمساواة والأخوة” من رفع مستوانا العلمي والأدبي بتعميم التعليم كل ممت الحديث، وتشريكنا تشريكا صحيحا سياسيا واقتصاديا في إدارة شؤون وطننا الجزائري، إن لفرنسا ما يناهز القرن في الجزائر ولا أحد ينكر ما لها من الأيادي في نشر الأمن وعمارة الأرض وجميع وجوه الرقي الاقتصادي، غير أنها ويا للأسف ليست لها تلك الأيادي ولا نصفها في تحسين حال الأهالي العلمي والأدبي، مع أن الذي يناسب سمعة فرنسا ومبادئها ويصدق ما ينادي به خطباؤها ويكون أجمع للقلوب عليها هو أن تعنى بالعباد كما تعنى بالبلاد) ([44])

بل إن ابن باديس كتب في هذه المقدمة يذكر أن حاجة الجزائريين إلى فرنسا ضرورة حيوية، فقال: (إن الأمة الجزائرية أمة ضعيفة ومتأخرة فترى من ضرورتها الحيوية أن تكون في كنف أمة قوية عادلة متمدنة لترقيها في سلم المدينة والعمران وترى هذا في فرنسا التي ربطتها بها روابط المصلحة والوداد، فنحن نخدم للتفاهم بين الأمتين ونشرح للحكومة رغائب الشعب الجزائري ونطالبها بصدق وصراحة بحقوقه لديها ولا نرفع مطالبنا أبدا إلا إليها، ولا نستعين عليها إلا بالمنصفين من أبنائها، وفي جدنا وإخلاصنا وشرف الشعب الفرنسوي وحريته ما يقرب كل أمل بعيد) ([45])

هذا ما كتبه ابن باديس في أول افتتاحية كتبها، وإنما ذكرنا نص كلامه بطوله، لأنا وجدنا للأسف الكثير من الباحثين يقتطع من كلام ابن باديس أو غيره ما يتناسب مع ما يريد أن يفرضه على القارئ من أفكار، ولكنه إن جاء لأصحاب الطرق الصوفية وما يكتبونه ضخم الهزيل، وعظم الحقير.

والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا استعمل ابن باديس – ومثله الجمعية – تلك اللغة الدبلوماسية الذكية مع المستعمر ليحققوا ما يريدون من أهداف، ولم يستعملوا نفس تلك اللغة مع إخوان لهم لم يطلبوا منهم إلا أن يكفوا سبابهم عنهم، وكان في إمكانهم أن يحققوا بذلك من الأهداف أضعاف ما يريدون تحقيقه من المستعمر؟

بعد هذا التوضيح لأهداف الصحيفة من خلال كلام مؤسسها، ذكر ابن باديس كيف بدأت الصحيفة تستقطب الإصلاحيين وتجمعهم، وهو ما يبين أثرها وأثر الصحف في تجميع الإصلاحيين بعد ذلك في مؤسسة الجمعية، فقال: (ثم ما كاد يبرز العدد الثاني منها حتى ظهر في الجزائر كتابه لم يجدوا مجالا لأقلامهم قبلها فانضموا إلى تحريرها وأوجدوا بهيئتهم أول حزب المصلحين)([46])

ثم ذكر ما حصل للجريدة من تعطيل، فقال: مضت الجريدة على خطتها حتى سقطت في الميدان بقرار التعطيل بعد ما برز منها (18) ثمانية عشر عددا كانت في بنيان النهضة ثمانية عشر سندا)([47])

2 ــ الشهاب

بعد تعطيل المنتقد، وفي نفس السنة (أي في سنة 1925م) أصدر الشيخ عبد الحميد بن باديس جريدة (الشهاب) وكانت في أول الأمر أسبوعية، ثم تحولت في فبراير من سنة 1929 م إلى مجلة شهرية، تحتوي افتتاحية، ومقالات وفتاوى وقصصا وأخبارا وطرائف وتراجم وغير ذلك، وكان في السنوات الأولى يكتب معظم مقالاتها بنفسه، ويوزعها أيضا بنفسه، وقد استمرت في الصدور إلى الحرب العالمية الثانية فتوقفت في سبتمبر 1939م([48]).

أما علاقتها بالطرق الصوفية، وحربها لها، فلا يحتاج إلى أي دليل، ذلك أن الشيخ ابن باديس نفسه صرح بدورها في هذا المجال، حيث نشر بعد ما يقرب من عشر سنوات من تأسيسها([49]) يقول: (وبعد فإن مجلة (الشهاب) تفخر بأنها أنشئت للحركة الإصلاحية ورافقتها في جميع مراحلها وأنها هاجمت البدع في معاقلها وواثبت الخرافات في أيام عزها واشتدادها، وساورت الأباطيل على احتفالها واستعدادها لم تهن لها عزيمة في موقف من المواقف التي تخور فيها العزائم وترجف الأفئدة، ولم يكتب لها قلم في ميدان من الميادين التي تنعقد فيها الألسنة وتجبل القرائح)([50])

وقد ذكر ابن باديس بعض النماذج عن البدع التي كانت تحاريها الشهاب في هذا المجال، ونجاحها فيها، فقال: (نشرنا في جزء ربيع الثاني من العام الماضي الفتوى التي أصدرها عشرون عالما من علماء طرابلس الغرب في وجوب إلغاء ما يستعمله أصحاب الطرق من المشي على الفحم المصهور وابتلاع العقارب والأفاعي والحشرات السامة وطعن أجسادهم وثقبها بالآلات الحادة. وقدموا في ذلك مطلبا لحكومة البلاد وعملت على تنفيذه، ثم اطلعنا على عريضة مؤرخة بربيع الأول من العام الماضي قدمها نحو الثلاثين عالما من علماء المغرب الأقصى من مدرسين بجامع القرويين وغيرهم إلى جلالة مولانا السلطان (سيدي محمد) أيده الله يشتكون إليه ما كان من مخالفة ما تقدم من أمره بمنع بدع كل الطوائف المبتدعة كطائفة العيسيوية وغيرهم، ويرغبون من جلالته إصدار أوامره بزجر المجرمين المخالفين فصوت العلماء بالإصلاح الإسلامي والحمد لله قد ارتفع من مصر وطرابلس والجزائر والغرب الأقصى وما بقي ساكنا إلا جامع الزيتونة، فلا تسمع له همسا)([51])

وهو نجاح يستحق الاحترام من زاويتين:

الأول: هو كون ما ذكر من البدع والمنكرات من المتفق عليه بين الأمة جميعا، ولا يخالف فيه أحد، لا صوفي ولا سلفي.

والثاني: هو أن اللغة التي استعملت في المحاربة لغة علمية، وهي فتاوى العلماء.

وهذا ما يريده الصوفية أنفسهم من الجمعية: أن يتحاوروا حوارا علميا، لا حوار سخرية وسباب، وأن يكون الإنكار في حال تحققه في المتفق عليه لا في المختلف فيه.

ولكن الشهاب لم تسر على هذا الخط في جميع القضايا، فقد عرفنا من قبل كيف لم يرض الشيخ العقبي إلا أن يكتب فيها بالطريقة التي يريد، لا بالطريقة التي طلب منه الشيخ ابن باديس.

لكن ابن باديس شعر بأنه وقف بين مفسدتين: مفسدة كف بعض الأقلام المهمة في الكتابة في صحيفته كالشيخ الطيب العقبي، ومفسدة اشتداد الشقاق بينه وبين الطرق الصوفية، فاختار أهون المفسدتين في تصوره، وهو أولئك الكتاب الغلاظ الشداد، وقد سبق ذكر تفاصيل ذلك سابقا.

وقد ذكر الإبراهيمي تأثيرها مقارنا بينها وبين (المنتقد)، فقال: (ورأى المرحوم عبد الحميد بن باديس أنه لا بدّ من جريدة تظاهر الفكرة وتخدمها، فأنشأ جريدة (المنتقد) وهي أول جريدة إصلاحية بالشمال الأفريقي، فكانت أرفع صوتا وأفعل وسيلة لنشر الإصلاح الديني، فارتاع لها الاستعمار الفرنسي وعطّلها في مدة قريبة بما يملك من قوانين، فأصدر المرحوم جريدة أخرى باسم (الشهاب) كانت أسدّ رماية، وأوسع خطى من سابقتها، وسكت عنها الاستعمار فنقلها صاحبها من جريدة إلى مجلة، طال عمرها بضع عشرة سنة ورافقت سنوات الإرهاص بجمعية العلماء، فسجّلت خطوات الحركة، وكانت لها مواقف رائعة في عدة ميادين، فخدمت العلم والدين والسياسة، وتردّد صداها في المغارب الثلاثة، فتركت في كل قطر أثرًا حميدًا في النفوس، وفضحت الاستعمار الفرنسي فضائح لا ينسى خزيها، وبدروس الأستاذ عبد الحميد بن باديس، ومجلته (الشهاب)، استحقّ لقب (باني النهضة الجزائرية بجميع فروعها)([52])

ولعل أهم ما استطاعت الشهاب أن تقدمه هي كونها البوابة التي فتحت لتأسيس الجمعية، فقد نشر ابن باديس على منبرها سنة 1925م، يدعو إلى ضرورة تشكيل حزب إسلامي إصلاحي يعمل على تطهير الدين مما أدخله عليه الجاهلون من خرافات وضلالات، والعودة به إلى أصوله الصحيحة المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وذلك بعد مرور شهور من احتفال فرنسا بمناسبة مرور قرن كامل على احتلالها الجزائر.

3 ــ الجزائر:

وقد تأسست سنة 1925 من طرف الشيخ السعيد الزاهري، وقد ذكرها ابن باديس في (المنتقد)، وذكر بأنها (جريدة سياسية أدبية أخلاقية اجتماعية تصدر بالجزائر لصاحبها الشاعر الشيخ السعيد الزاهري، جلا علينا العدد الأول منها مقالات بليغة في متانة التعبير وسمو الفكر، ونبالة المقصد، وثقة لبلوغ الغاية، وجدير بها إذا كان السعيد واضعها أن يكون السعد طالعها)([53])

والظاهر أن هذه الصحيفة كانت ذات ميول سياسية أكثر منها دينية، فقد ذكر عنها الدكتور سعد الله، بأنها من أوائل الصحف ذات الاتجاه الوطني الإصلاحي، وقد اتخذت عبارة (الجزائر للجزائريين) شعارا لها([54]).

ولهذا، فإن الباحثين يذكرون أنها امتداد لجريدة الإقدام التي كان يصدرها الأمير خالد باللغتين العربية والفرنسية منذ 1919، فقد جاء في هذه الأخيرة إعلان يبشر بصدور جريدة (الجزائر) جاء فيه: (نستطيع اليوم بكل سرور أن نبشر قرائنا الفطناء، بأن صحيفتهم هذه ستطلع عليهم في العهد القريب باللسانين العربي والفرنسي باسم آخر غير اسم (الإقدام)، فقد اخترنا أن يكون (الجزائر) في حجم بقدر هذا مرتين، ثم تأخذ بعد ذلك في النمو بحسب الظروف إلى أن تصير صحيفة كبرى، ويتكفل بالقلم العربي حضرة صديقنا الشيخ محمد السعيد الزاهري المتطوع بالجامع الأعظم بالزيتونة بتونس، وتكون الجريدة أيضا تحت إشرافه، أما مواضيع الجريدة فستكون مقصورة على ما ينفع الناس)([55])

وقد منعت الصحيفة بعد صدور ثلاثة أعداد منها فقط، ولعل ذلك لما كانت تحمله من حملة المستعمر، فمن جملة ما ورد في العدد الأول قصيدة حارة معبرة منها([56]):

فيا ويح أحرار الجزائر كم وكم
 
يهيج عليهم من هموم بالبال
 
لقد كسر الناس القيود وحطموا
 
ونحن بقينا في قيود وأغلال
 

وفي العدد الثاني نرى الزاهري بكل حماس يهزأ بشعار دولة (المساواة والحرية والعدالة الذي ترفعه فرنسا منذ ثورتها (1789) في قصة بعنوان: (المساواة، فرانسوا الرشيد)، وهي قصة تروي مسيرة طفلين، أحدهما إسباني متجنس بالجنسية الفرنسية، والثاني عربي غير متجنس قد تدرجا في مراحل التعليم تدرجا مماثلا، وأديا نفس الواجبات وعندما أجبرا على الجندية، هناك بدأ يظهر الجور والحيف، حيث درج فرانسوا في المراتب إلى أن أصبح صاحب الأمر والنهي، أما الرشيد فراح ضحية المساواة المزعومة([57]).

ومن الذرائع التي استعملتها فرنسا لإيقاف الصحيفة، هو أن المترجم، ترجم عنها كلمة: (نهضة) بكلمة فرنسية معناها: (الثورة) وترجم عنها كلمة (فرنسا الظافرة المنتصرة) بما معناه فرنسا الظالمة الغاصبة([58]).

ولا نعلم لهذه الصحيفة أي علاقة بالطرق الصوفية، فلم يتسن لنا الاطلاع عليها.

4 ــ صدى الصحراء:

وهي من أوائل الصحف التي أسسها الشيخ الطيب العقبي والشيخ أحمد العابد، وهي – كما وصفها الباحثون-جريدة علمية أدبية واجتماعية انتقادية شعارها (العمل لدرء المفسدة قبل جلب المصلحة)

والشعار، والمؤسس يدل على مدى العلاقة التي تربطها بالطرق الصوفية، ولهذا لم تعمر طويلا، فقد أوقفت من طرف إدارة الاستعمار يوم 26 /ديسمبر/ 1926 م([59]).

5 ــ الإصلاح:

وقد حاولت أن تخلف (صدى الصحراء) بعد توقفها، وكانت أسبوعية، ولم يصدر منها سوى بضعة أعداد، ثم توقفت([60]).

6 ــ البرق 

وقد أنشأها عبد المجيد الرحموني في مارس 1927، وهي صحيفة اجتماعية أدبية انتقادية سياسية اقتصادية فكاهية، شعارها (خدمة الوطن والمصلحة العامة واستثمار المال)، وقد كتب فوق عنوانها عبارة: (تسامحوا فيما بينكم، فإنه لا سبيل للاتحاد كالتسامح) بإمضاء الزاهري، وكان التحرير موكل إليه، أما الإدارة والامتياز، فكانت للرحموني محمد عبد المجيد([61]).

وقد بشرت بها جريدة النجاح، فذكرت أنها (جريدة في الصحافة الأسبوعية تبحث في مسائل الترقي والعمران والمصلحة العامة وتمتاز باشتغالها بشؤون الواردات والصادرات من أنواع البضائع. والنتائج الجزائرية)([62])

وكانت في بداية أمرها تطبع في المطبعة الإسلامية في قسنطينة، لكن خلافا وقع بين الزاهري (صاحب الجريدة الحقيقي) وصاحب المطبعة السيد أحمد بوشمال اضطره إلى نقل الجريدة لتطبع في مطبعة النهضة بتونس ابتداء من العدد السابع عشر([63]).

وحسب رواية لمفدي زكريا: أن مديرها حاول طبعها بتونس، وذلك في رسالة مؤرخة بيوم 21 ماي 1927 للأستاذ زين العابدين السنوسي، إلا أنه لم يحصل له الاتفاق على طبعها([64]).

أما توجه هذه الجريدة فقد لخصه محررها في أربعة نقاط هي:

– الاشتغال بالتجارة، وبالأسعار والبورصة.

– أن تكون الجريدة لسان حال الأمة المعبر عن آلامها وآمالها.

– ملاحقة الأشخاص البارزين بالنقد أن أضروا بالمصلحة العامة للأهالي.

– الاعتناء بالأدب([65]).

وقد التف حول هذه الصحيفة مجموعة من الكتاب البارعين المعروفين بنزعتهم الإصلاحية المتحمسة، وأسلوبهم الناري المقذع، على رأسهم محرر الجريدة نفسه، وكان يمضي مقالاته ب (تأبط شرا، رقيب، الراصد، جساس)، ومحمد الأمين العمودي الذي كان يوقع كتاباته ب (سمهري)، وكان بجانبهما مبارك الميلي الذي كان يوقع ب (ببيضاوي)، والشيخ الطيب العقبي الذي كان يوقع بإمضائه الصريح وأحيانا ب (سلفي)،، وكذلك نجد المولود الحافظي الذي كان يمضي باسمه الصريح كذلك.

وقد كانت مقالات الزاهري ومن معه في البرق حادة الأسلوب يهاجم فيها بعنف وبطريقة فيها قليل من السخرية والتهكم، يخص بها أولئك الأفراد الذي كانوا ضد الحركة الإصلاحية، أو من كان يعمل ضد المصلحة العامة، فكان هذا الاتجاه الحاد من الجريدة من أهم أسباب تعطيلها، إذ رفع الدكتور ابن تهامي والمعمر مورينو النائب بالبرلمان ضدها دعوة قضائية متهمين إياها بثلب الأعراض، وجرح كرامة الأفراد بعد أن تناولهما الزاهري منتقدا سعيهما السياسي ضد مصلحة الأهالي المسلمين ([66]).

ولما فشل ابن تهامي وقرينه في تعطيل الجريدة قضائيا بهذه الوسيلة فقط استطاع ابن تهامي أن يقنع الحكومة الحامة للمتحنسين أن تعطل البرق، ولم يسحب منها أكثر من 23 عددا([67]).

7 ــ السنة المحمدية:

وهي صحيفة أسبوعية كانت تصدر بقسنطينة، وهي أول جريدة ناطقة بلسان جمعية العلماء المسلمين، يديرها الشيخ ابن باديس، ويرأس تحريرها عضوان من إدارة الجمعية، عرفا بعدائهما الشديد للطرق الصوفية، وهما الشيخ الطيب العقبي، والشيخ محمد السعيد الزاهري.

وقد تأسست بعد تأسيس الجمعية بسنتين، وبعد حوالي ثماني سنوات من صدور الشهاب”، وكان أول عدد منها في الثامن من ذي الحجة سنة 1351هـ (1933 م)، وسرعان ما أوقفتها الإدارة الاستعمارية بحيث صدر آخر عدد منها في 10 ربيع الأول سنة 1352 هـ الموافق لـ 03 جويلية 1933 م.

وكان شعارها قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] والحديث الشريف: (من رغب عن سنتي فليس مني)([68])

وهما يدلان على نهجها المواجه للطرق الصوفية، لأن السنة في ذلك الحين لم يكن يقصد بها إلا هذا المعنى، بدليل أنها سميت بذلك ردا على الجمعية التي أسسها الطرق الصوفية باسم السنة.

وهذا على الرغم من أن ابن باديس عبر في مقالها الافتتاحي بأن القصد من هذه الجريدة هو: (نشر السنة النبوية المحمدية، وحمايتها من كل ما يمسها بأذية، وخطتنا الأخذ بالثابت عند أهل النقل الموثوق بهم، والاهتداء بفهم الأئمة المعتمد عليهم، ودعوة المسلمين كافة إلى السنة النبوية المحمدية دون تفريق بينهم وغايتها أن المسلمين مهتدين بهدي نبيهم في القوال والأفعال والسير والأحوال حتى يكونوا للناس كما كان هو صلى الله عليه وآله وسلم مثالا أعلى في الكمال)([69])

وقد كان من أبرز كتابها على صفحاتها الأربع([70]) الزاهري، ويكفي اسمه لمعرفة المواضيع التي يحسن الكتابة فيها، كما سنرى عند الحديث عن اساليب الجمعية.

وبناء على هذا، فقد أصدر وزير الداخلية قرارا يقضي بتعطيل جريدة السنة بتاريخ 16 فيفري 1933م([71])، بعد صدور 13 عددا منها.

8 ــ الشريعة المحمدية:

لما عطلت السلطات الاستعمارية جريدة السنة أعادت الجمعية إصدارها باسم (الشريعة المحمدية) في 17 جويلية سنة 1933 م، أي بعد توقيف (السنة المحمدية) بأربعة عشر يوما فقط، ولم يتغير فيها شيء عن سابقتها إلا في الشكل فقد جعلت من الآية: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} [الجاثية: 18] شعارا لها بدلا من الآية: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]

وقد احتفظت بالمواد التي احتوت عليها والخطة التي كانت تتبعها، والكتاب الذين كانوا يحررون فصولها، وبنفس الأسلوب وبالنهج الإصلاحي نفسه، وهي بذلك قد حملت قرار تعطيلها في مقالها الافتتاحي كما عبر عن ذلك الدكتور محمد ناصر([72]).

وفعلا كان تعطيل هذه الجريدة بعد أمد قصير، إذ لم يصدر منها سوى 17 عددا، وقد أوقفتها الإدارة الاستعمارية في 28 أوت سنة 1933 م أي أنها لم تستمر في الحياة سوى أربعين يوما.

9 ــ الصراط السوي:

بعد توقيف صحيفة (الشريعة النبوية) أصدرت الجمعية في 11 سبتمبر 1933 م جريدتها الثالثة تحت اسم (الصراط السوي) محتفظة بشعار سابقتها الشريعة، إلا أنها تم توقيفها هي الأخرى من طرف الإدارة بعد ثلاثة أشهر فقط من صدورها وذلك في شهر يناير سنة 1934 م.

وقد نقلت الشريعة في مقالها الافتتاحي لعددها الأول تصريحا للوالي العام الذي تملص من مسؤولية العراقيل الإدارية، ولعله جعل ذلك تحت ضغط برقيات الاحتجاج والتنديد التي وجهتها جمعية العلماء إلى السلطات الحاكمة المسؤولة في كل من الجزائر وفرنسا من مسلكها المتعسف تجاه جمعية دينية تهذيبية([73]).

وقد علق ابن باديس على هذا التصريح مؤكدا على تصميم الجمعية على الصمود أمام العواصف الإدارية والمضي على خطتها، وغايتها والثبات على المبادئ مهما يكن الثمن، ولكن ما إن صدر العدد 17 حتى عطل، وكان قد سبقه قرار بهذا الشأن من وزارة الداخلية علقت عليه الصراط بأنه: (سيتخذ ضد كل الصحف الحاملة لهذه النزعة (الإصلاحية) أينما وجدت من التراب الجزائري، ومهما يكن صاحب امتيازها، ومهما تكن المطبعة التي تسحب فيها)([74])

10 ــ الجحيم

وهذه الصحيفة تعبر عن مدى الانحطاط الذي وصلت إليه العلاقة بين الجمعية والطرق الصوفية، وقد صدرت في حدود فترة زمنية قصيرة جدا، أي ما بين مارس وماي سنة 1933، وكانت بداية تأسيسها متزامنة مع صحيفة (السنة)([75])

وكانت تصدر سريا في المطبعة الجزائرية بقسنطينة، وتوزع في الجزائر العاصمة كأنها تصدر هناك([76])، أسندت إدارتها إلى الفرنسي الذي أسلم (محمد شريف جوكلاري)([77])، وكان يحررها رفقة الزاهري، ومحمد الأمين العمودي، وحمزة بوكوشة، ومحمد الصالح خبشاش، وعبد الرحمن غريب([78]).

وقد عبرت عن نفسها بأنها: (جريدة مستقلة تدافع عن الشرف والفضيلة)، وكان شعارها (العصا لمن عصى)([79])

ويذكر الباحثون كانت موجهة كرد فعل على هجومات جريدة (المعيار)([80]) التي كانت تهاجم الإصلاحيين، وقد كانت هذه الجريدة أقرب إلى الهجاء منها إلى الأخبار والإفادة العامة([81]).

وكان كتابها يكتبون تحت إمضاءات مستعارة منها: رئيس الزبانية، وهو كاتب الافتتاحيات ومنها: هامان، مسرور، مراقب، شبيب، الراوي، شاعر الزبانية، الفحل، الكواي، فرعون، بودفرة.

ويذكر السائحي عن الشيخ حمزة بوكوشة: أن محمد السعيد الزاهري ومحمد الأمين العمودي ومحمد الصالح خبشاش وحمزة بوكوشة نفسه هم المؤسسون لصحيفة (الجحيم) وخاصة منهم محمد الأمين العمودي ومحمد السعيد الزاهري، وأن هذا الأخير ـ حسب السائحي دائما ـ هو رئيس الزبانية، وأن الفحل وبودفرة هما شخص واحد ألا وهو الشهيد الصحفي المترجم محمد الأمين العمودي.

وقد نشرت صحيفة (الجحيم) للشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشاعر محمد العيد آل خليفة حسب شهادة بوكوشة.

وقد ذكرت في أول أعدادها الدافع الديني لها، فقد كتب (رئيس الزبانية) يقول: (كان سيدنا عبد الله بن عباس ض جالسا في مجلس ينشر العلم، فشتمه أحد الطغمة الرعاع، فسكت عنه ابن عباس، ولم يجبه، ولكن أحد الحاضرين قام إلى هذا الشاتم المعتدي بصفعه وجلد به الأرض، فاستحسن سيدنا عبد الله بن عباس هذا الدفاع وقال: (ليس بعزيز من ليس في قومه سفيه)

ولسنا ندري مدى صحة هذا النص الذي اسنتجوا منه الحكم الشرعي بالتعامل البذيء المخالف، ثم ذكروا المصداق الذي ينطبق عليه الحديث الذي رموا به ابن عباس، وقد عبر عنه هذا الرئيس بقوله: (وقد ظهر في هذه الأيام رهط ينتسبون إلى الجنس البشري وهو يتبرأ منهم. هؤلاء الخنازير اتخذوا الشتم وثلب الأعراض حرفة وقذف أهل العلم والفضل بضاعة روجوها رغم الأزمة التي كسدت بسببها البضائع الأخرى.. وقد أسسوا ورقة عفنة سموها (المعهر)([82]) وهي حقيقة معهر من أقذر وأنجس المعاهر وكتبوا في تلك الورقة ما أطربوا به بعض السفهاء أمثالهم، وما خوفوا به بعض الجبناء، وأيقنوا أن الجو خلا لهم وأن بلاد الجزائر لم يبق فيها إلا من يناصرهم أو يهابهم، وليس فيها من يحاربهم أو يلعنهم أو ينتقدهم وهكذا شأن اللئيم يزيده سكوت خصمه جراءة ولا يقبل إلا اليد التي تصفعه.. وقد أسسنا هذه الجريدة المباركة الطاهرة النقية العفيفة النزيهة لا لغرض سوى الانتقام للفضيلة والدفاع عن الأعراض البريئة وتطهير قطرنا العزيز من الجراثيم الخبيثة التي انبتها فيها الطمع وحب الرئاسة والتكالب على جمع الأموال الطائلة وتحصيل الألقاب الهائلة. وسنذيق أهل الزيغ والكفر والعناد أضعاف ما اعتدوا به على السادة الأبرياء من عباد الله)([83])

11 ــ البــصائر:

وهي رابع صحف جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين الأسبوعيّة، وقد أنشئت بعد تعطيل الإدارة الاستعمارية لثلاث جرائد للجمعية في سنة واحدة – السنة المحمدية (1933-1933) الشريعة المطهرة (1933-1933) الصراط السوي (1933-1934)

وبعد توقف آخر صحيفة رسمية للجمعية، منعت من إصدار أية صحيفة باسمها، وقد دام هذا المنع قرابة السنتين (من يناير سنة 1934 م إلى سبتمبر سنة 1935 م) إلا أنه بعد جهود كبيرة بذلتها الجمعية لأجل الحصول على رخصة من الحكومة الفرنسية بإصدار صحيفة باسم الجمعية، صدرت في 27 سبتمبر 1935 م.

وهي من الصحف التي لم تتعرض لها الإدارة الاستعمارية حيث ظلّت تصدر بانتظام إلى سنة 1939 م، وقد أشرف عليها الشّيخ الطّيّب العقبي من أول عدد لها (27 سبتمبر 1935م) إلى العدد 83 الصادر في (30 سبتمبر 1937 م)، حين تحولت إدارة تحريرها من العـاصمة إلى قسنطينة، وعين المجلس الإداري لجمعيّة العلمـاء الشّيخ مبارك الميلي مديرا ومحررا لها خلفا للشّيخ العقبي إلى أن توقفت بسبب الحرب عند العدد 180 الصادر في 25 أوت 1939 م، حيث قررت الجمعيّة تعطيلها مع إعلان الحرب العالمية الثانية، لئلا تتعرض لضغوط ومساومات الإدارة الاستعمارية التي طلبت منها أن تعلن باسمها وتكتب في صفحاتها، تصريحات ومقالات ضد دول المحور.

وعادت إلى الصدور بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من عام 1947 م إلى غاية 1956م، بإشراف وإدارة رئيس الجمعيّة الثاني الشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي، وقد بدأ صدورها يوم 25 جويلية 1947 م، ولكنها لم تلبث أن توقفت عن الصدور مجددا من طرف المشرفين عليها سنة 1956 م.

وكانت تصدر يوم الجمعة قبل أن تتحول إلى يوم الاثنين، وتحتوي على ثماني صفحات ويكون العنوان دائما أسودا وفي بعض الأحيان أخضرا أو أحمرا، ويكتب فوقه الآية القرآنية: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } [الأنعام: 104] وتحت العنوان نجد هذه العبارة (لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)، ويزخر كل عدد بمجموعة من الصور.

وهي تعد من أهم الجرائد التي أصدرتها الجمعية باعتبار طول المدة التي أتيحت لها، وباعتبار المواضيع التي كانت تناقشها، فقد كانت تناقش جميع القضايا التي تهم الجزائر والعالمين العربي والإسلامي، بالإضافة إلى صراعها مع الطرق الصوفية.

ولا حاجة بنا إلى نقل الشواهد على ذلك، لأن أكثر ما نقلناه من الاقتباسات من الشيخ ابن باديس والإبراهيمي والعربي التبسي وغيرهم منها.

المطلب الثالث: الكتب والرسائل

لم تهتم الجمعية بالتأليف كما اهتمت بالصحافة، وذلك لانشغال أعضائها الشديد بالعمل الإصلاحي، بالإضافة إلى اعتبارها أن منتوج الصحافة أكثر، وأقرب من منتوج الكتب، ولهذا فإن إنتاجها في هذا الجانب محدود جدا لا يكاد يذكر، وسنذكر هنا باختصار بعض ما ألفه أعضاء الجمعية مما سبق الإشارة إلى أكثره:

جواب سؤال عن سوء مقال:

وهي رسالة ألفها الشيخ عبد الحميد بن باديس ردا على أبيات شعرية للشيخ أحمد بن عليوة المستغانمي صاحب الطريقة العلاوية وهي قوله:

إنْ مُتّ بالشَّوْق منكد
 
إن تبق في هجري زائد
 
من هو بالملك موحّد
 
عبس بالقول تساعد
 
ما عذر ينجيك
 
للمولى ندعيك
 
ينظر في أمريك
 
ما نرجوه فيك
 

وقد رُفعتِ هذه الأبياتُ إلى الشيخ عبد الحميد بن باديس بعد نشرها في ديوان ابن عليوة المطبوع في تونس عام 1920م، فكتب الشيخ ابن باديس للردّ عليها هذه الرسالة في مقدّمة وأربعة فصول وخاتمة، حَشَدَ فيها الأدلة من الكتاب والسنّة وآثار السلف، وقد فرغ من تحريرها صبيحة الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة الحرام عام 1340ﻫ الموافق لعام 1922م، وأرسل بها إلى كبار مشايخه بتونس وإلى أفاضل العلماء والمفتين بالجزائر والمغرب، فاطّلعوا عليها وقرّظوها([84]).

ونص السؤال الذي رفع لابن باديس هو (ما قول ساداتنا العلماء ـ رضي الله تعالى عنهم، وأدام النفع بهم ـ في رجلٍ يزعم أنّه قطب الزمان الفرد، وأنّ الكلّ دونه، وأنّه العارف الْمُسَلّك.. إلى غير ذلك من أعلى صفات العارفين، وأسمى درجات الكاملين، ثُمَّ يقول مخاطبًا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بما نصّه: (الأبيات السابقة)، ولَمّا قيل له في هذه الأبيات، قال: أَلسُنُ الْمُحِبِّين أعجمية ! فهل يُعَدُّ خِطابُه هذا سُوء أدب؟ وهل تجوز مخاطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمثله؟ وهل صدور مثله من شأن العارفين الكاملين !؟ وهل يُقبل منه ما اعتذر به من عُجمة ألسن الْمُحبّين؟ أفيدونا مأجورين)

وقد قال محمد الصالح رمضان في مقدمته على الرسالة المحققة، وهو من تلاميذ ابن باديس: (أبعد الطرق عن الإسلام في بلادنا (الطريقة العليوية) التي تدعو إلى الحلول صراحة وتقول بوحدة الوجود التي لا نعرفها. فقد كان (أحمد بن عليوة) قد آلت إليه مشيخة زاوية (درقاوة) بمستغانم بوصيّة من شيخه محمد بن الحبيب البوزيدي المتوفى عام 1909م ولكن الشيخ ابن عليوة كان طموحًا جدًّا فجدّد الطريقة وأدخل على نظامها وطقوسها ودعايتها تغييرًا شاملاً مِمّا جعلها تنتسب إليه بدلاً من نسبتها إلى (الدرقاوي) أو (الشاذلي)، وخرج بها من مستغانم لتنتشر في الآفاق، ونشطت على يده نشاطًا هائلاً، وامتدّت دعوتها باسمها الجديد: (الطريقة العليوية) في الوطن وخارج الوطن)

وقد قدم لها بقوله: (أما بعد- فقد وقفت على سؤالكم وتأملت من جميع فصوله، وأحطت خبرا إن شاء الله- تعالى- بلفظه ومدلوله، وهممت أن لا أجيبكم عنه بحرف واحد، لما أعلم من تصميم أكثر العامة على العناد فيما اعتقدوه من الباطل، وسكوت أكثر الخاصة عن التصريح بالإنكار عليهم، والإرشاد لهم، وتهافت بعض الطلبة القاصرين، على تسويد صحفهم وصحائفهم بشبهات يسمونها بأفواههم دلائل وأجوبة عن متبوعيهم من الجاهلين، يخشونها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة والتأويلات الباطلة الممنوعة، والروايات المدخولة عمن ليس قوله حجة على الناس في الدين وإنما غايته إذا ثبت عنه ذلك وحسن به الظن أن يؤول على وجه صحيح يقبله الشرع. ثم يردون بمثل هذا على الآيات البينة والأحاديث الثابتة وعمل السلف الصالح المشهود لهم بالخيرة على لسان المعصوم. أفمع هؤلاء ينفع الكلام أو يحسن الجواب. لكنني تذكرت ما جاء في وعيد الكاتبين، وفي وعد من بذل الجهد في نصح إخوانه المسلمين، ورجوت أن لا أعدم أنصارا على الحق، وإخوانا متكاتفين في نصرة الدين، من عدول حملة العلم الذين ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فاستخرت الله- تعالى- وحررت لكم هذا الجواب في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، غير قاصد- علم الله- شخص أحد بالتقص، ولا خارج بعون الله- تعالى- عن جادة الفهم من دلالة الظاهر والنص، والله أسأل أن ينفع به المسترشدين ويهدي به في المعاندين ويفت به أعضاء المفسدين آمين)([85])

رسالة بدعة الطرائق في الإسلام:

وهي في أصلها ثلاث مقالات نشرت في مجلة الشهاب الجزائرية التي أنشأها رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله (مج 4 عدد 166، 168 و169 سنة 1347 هـ 9281 م)، ثم جمعها بعد وفاته محمد شايب شريف بالجزائر.

وهي عبارة عن ثلاث مقالات في إبطال بعض ما يتصوره الشيخ العربي التبسي بدعا، وهي ثلاثة أمور:

1- بدعة تحديد الأذكار.

2- بدعة إعطاء العهود للأتباع.

3- وبدعة التصدي للدعوات.

وقد سار في هذه الرسالة على منهج الشاطبي والسلفية المحافظة في استعمال الترك كدليل في الحكم على التعبدات بالبدعة.

وسنناقش ما ذكر في الرسالة من أدلة بتفصيل في محلها من الجزء الثالث من السلسلة.

ونحب أن ننبه هنا إلى أنه أضيف إلى المقالات الثلاث مقالة أخرى بعنوان (إن كنت حاملا فلدي غلاما) نشرتها مجلة الشهاب في عددين (مج 4 عدد 77 1 و78 1 سنة 1347 هـ/92 م) رد فيها على المدعو (ناصر معروف) أحد أنصار الطرقيين الذي كتب مجموعة من المقالات في جريدة البلاغ رد فيها على مقالات الشيخ التبسي (بدعة الطرائق في الإسلام)

وسنعرض لها أيضا في محلها من الباب الرابع بتفصيل.

رسالة الشرك ومظاهره:

وقد ألفها الشيخ مبارك الميلي، وسار فيها – كما ذكرنا سابقا – على منهج الوهابية في الحكم بالشرك الجلي على بعض القضايا المختلف فيها أساسا، أو ما يدخل في ضمن المعاصي والمحرمات، ولا ضمن ما يحكم بكفر فاعله.

ولم يسر في هذه الرسالة – للأسف- على ضوء المنهج العلمي من ذكر أدلة المخالف والرد العلمي عليها، وإنما سار على طريقة الشيخ ابن عبد الوهاب من ذكر بعض النصوص التي نزلت في المشركين ليحملها على المؤمنين، ويضيف إليها بعض الحكايات والقصص التي يتلقاها من العامة.

وبذلك فإن الرسالة رسالة وهابية بامتياز على الرغم من أن الوهابية المعاصرين ينكرون بعض ما فيها، باعتبار الشيخ مبارك الميلي تتلمذ على مشايخ من الأشاعرة، فكان لهم تأثيره فيه، وهو تأثير لا يصل إلى حد إخراجه من المنهج الوهابي في الحكم على مثل تلك القضايا الخطيرة التي حكم بها.

وأخطر ما في الرسالة في تصوري هو إقرار الجمعية لها، لأنها بهذا الإقرار أخرجت الرسالة من كونها آراء شخصية إلى مواقف للجمعية، وهو ما يجعل تصنيفها ضمن الوهابية بسيطا للمخالف، فأفكار الرسالة هي نفس الأفكار التي جاء بها ابن عبد الوهاب، وخالفه فيها غيره من المسلمين.

وقد جاء هذا الإقرار من الجمعية في تقديم الشيخ العربي التبسي لها بتكليف من المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في سنة 1356هـ – 1937م([86]) بما يدل على أنها رسالة رسمية تمثل مواقف الجمعية جميعا على الرغم مما فيها من الشدة والتأثر بالوهابية، فمما جاء في تقديمها قول الشيخ: (أما بعد فإن الدعوة الإصلاحية التي يقوم بها دعاة الإصلاح الإسلامي في العالم الإسلامي عامة وتقوم بها (جمعية العلماء) في القطر الجزائري خاصة، تتلخص في دعوة المسلمين إلى العلم والعمل بكتاب ربهم، وسنة نبيهم، والسير على منهاج سلفهم الصالح في أخلاقهم وعباداتهم القولية والاعتقادية والعملية، وتطبيق ما هم عليه اليوم من عقائد وأعمال وآداب على ما كان في عهد السلف الصالح. فما وافقه عددناه من دين الله، فعملنا به واعتبرنا القائم به قائما بدين الله. ومالم يكن معروفا في عهد الصحابة عددناه ليس من دين الله. ولا علينا فيمن أحدثه أو عمل به. فالدين حجة على كل أحد. وليس عمل أحد حجة على الدين)([87])

وقد ذكر أن الرسالة عرضت على مجلس الجمعية، فوافق على كل ما فيها، فقال: (نهض إلى القيام بهذا الفرض الكفائي الأستاذ المحقق، مؤرخ الجزائر الشيخ مبارك الميلي أمين مال جمعية العلماء، وجمع رسالة تحت عنوان (رسالة الشرك ومظاهره) خدم بها الإسلام، ونصر بها السنة، وقاوم بها العوائد الضالة والخرافات المفسدة للعقول. وعرض هذه الرسالة على مجلس إدارة الجمعية، فتصفحها واستقصى مسائلها، فإذا هي رسالة تعد في أوليات الرسائل، أو الكتب المؤلفة في نصر السنن، وإماتة البدع تقر بها عين السنة والسنيين، وينشرح لها صدور المؤمنين، وتكون نكبة على أولئك الغاشين للإسلام والمسلمين من جهلة المسلمين، ومن أحمرة المستعمرين الذين يجدون من هذه البدع أكبر عون لهم على استعباد الأمم، فيتخذون هذه البدع التي ينسبها البدعيون إلى الدين الإسلامي مخدرا يخدرون به عقول الجماهير. وإذا تخدرت العقول وأصبحت تروج الأوهام وجدت الأجواء التي يرجوها غلاة المستعمرين للأمم المصابة برؤساء دينيين أو دنيويين يغشون أممهم ويتاجرون فيها.. وإن المجلس الإداري لجمعية العلماء يقرر بإجماع أعضائه أحقية ما اشتملت عليه هذه الرسالة العلمية المفيدة، ويوافق مؤلفها على ما فيها، ويدعو المسلمين إلى دراستها، والعمل بما فيها فإنه العمل بالدين)([88])

وقد سقنا فيما سبق بعض الأمثلة على تأثر هذه الرسالة خصوصا بالوهابية، وسنعرض لرد أصحاب الطرق الصوفية على ما جاء فيها في الباب الرابع.

الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير:

وهي رسالة ألفها الشيخ الزاهري، وهي عبارة عن مجموعة مقالات كان قد نشرها في مجلة ((الفتح) في أواخر العشرينات من القرن الماضي، تصدر بعضها افتتاحيات هذه المجلة([89])، ولما قابل الناس هذه المقالات بالاستحسان والرضى، رأى صاحب الفتح (محب الدين الخطيب) نشرها في كتيب صدر عن المطبعة السلفية في القاهرة، وفي مقدمة هذه الطبعة كتب الناشر بأن (هذه الفصول كتبها أخي في الدعوة الأستاذ محمد السعيد الزاهري الجزائري لتنشر في صحيفة الفتح، فرأيتها مثالا صالحا للدعوة للخير، وما يجب أن يكون عليه الداعي من بصيرة وحكمة لذلك استخرت الله عز وجل في إفرادها بهذا الكتاب…)([90])

وبعد عامين من صدور هذه الطبعة، قامت مطبعة الاعتدال بسوريا بإعادة طبع هذه المقالات ثانية([91])، ثم أعاد الزاهري طبعها في كتيب في الجزائر سنة 1932 مع إضافات.

ولما صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى أثنى عليه أمير البيان السيد شكيب أرسلان في رسالة بعث بها إلى صاحبه (مؤلفه) أبدى له فيها إعجابه بفصول هذا الكتاب، وهو ما جعله يستدل به على وجود نهضة أدبية وعلمية في الجزائر، أعمدتها: الزاهري وابن باديس، والعقبي والميلي، كما أثنى عليه بعض محرري الفتح كالأستاذ محمود ياسين الدمشقي، والأستاذة تفيدة علام التي أعجبت كثيرا بفصل (الكتاب الممزق)، واعتبرت مجلة (المجمع العلمي العربي) الكتاب دليلا على وجود نهضة في الأدب العربي، وذكرت مجلة الفتح أن: (فكرة التبشير الإسلامي نشأت مع الفتح الإسلامي جنبا إلى جنب… وجاء اليوم كاتب الجزائر محمد السعيد الزاهري فكساها ثوب العصر الحاضر وخلع عليها أسلوب الرواية الرائع)([92])

وفي الجزائر أثنى عليه الشيخ ابن باديس مبرزا فصوله في شهابه قائلا: (عرفنا الشيخ السعيد الزاهري شاعرا خنذيذا وعرفناه كاتبا رحب البيان، وعرفناه في هذا الكتاب، داعية إسلاميا كبيرا، فقد خاض في مسألة الحجاب والمرأة الجزائرية ومسألة الإسلام والتغريب والشبيبة المتعلمة، فأبان من الحقائق، وأقام من الحجج ما لا يلقاه أشد الخصوم – إذا أنصف – إلا بالإكبار والتسليم، وساق ذلك كله في أسلوب من البلاغة الشبيه بالروائي سهل جذاب، لا تستطيع إذا تناولت أوله أن تتركه قبل أن تأتي على آخره)([93])

المبحث الثاني: وسائل تعامل الطرق الصوفية مع الجمعية

كما أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين استعملت كل الوسائل المتاحة في ذلك الحين لمواجهة الطرق الصوفية فإن الطرق الصوفية لم تقل عنها في ذلك، وخصوصا الطريقة العلاوية التي يجمع كل من ذكرها أو أرخ لها على أنها طريقة عصرية استعملت كل الوسائل والأساليب العصرية.

وبناء على ما سبق ذكره من وسائل، فإنه يمكن تصنيف الوسائل التي استعملها رجال الطرق الصوفية في نشر أفكارهم أو الرد على المخالف في ثلاثة وسائل:

أولا ــ التنقلات والتجمعات.

ثانيا ــ الصحافة المكتوبة

ثالثا ــ الرسائل والكتب

وقد خصصنا كل وسيلة منها بمطلب خاص.

المطلب الأول: التنقلات والتجمعات

عرفنا فيما سبق اهتمام رجال الطرق الصوفية مشايخ ومريدين بالتنقل في المناطق المختلفة عبر ما يسمونة (سياحة)، والتي لم يكن الغرض منها فقط السير التعبدي والتأملي، وإنما كان الغرض منها كذلك نشر الطريقة في المناطق المختلفة.

ويضاف إلى ذلك ما قامت به الطريقة العلاوية من إنشاء بعض الجمعيات التي ساهمت في التعريف بالطريقة ونشرها، بل إن بعضها لا يزال إلى الآن يؤدي دوره في التعريف بالطريقة العلاوية.

وقد بدأ تاريخ الحركة الجمعوية الموازي للعمل الروحي للطريقة العلاوية، منذ أن أسس الشيخ ابن عليوة طريقته الصوفية خلال العقد الأول من القرن العشرين، وقد حاول الشيخ وخلفاؤه إحداث حركة ثقافية اجتماعية من خلال إنشاء عدة جمعيات، كان الهدف المعلن عنها هو (الحفاظ على قيم الدين الحنيف ومكارم الأخلاق، والنصيحة لجميع خلق الله، وتعليم الناشئة والشباب، وإبراز مظاهر التضامن الاجتماعي من خلال الأعمال الخيرية، وتعليم الشباب الذين لم يسعفهم الحظ بعض الحرف، ولتحقيق ذلك أنشئت عدة أقسام ووراشات بمحاذاة الزاوية الكبرى بمستغانم لممارسة هذه النشاطات التي توسعت إلى بقية فروع الجمعية مثل تلمسان وغليزان وتغنيف والمحمدية وغيرها)([94])

وقد تبلورت فكرة تأسيس جمعية السلام في العشرينات وبالضبط سنة 1926 غير أن الشيخ العلاوي استبدلها سنة 1932 بجمعية الوعظ والإرشاد التي توسعت لاستقطاب عدد كبير من العلماء ورجال الدين والأئمة للقيام بدورهم الديني والتوجيهي والإصلاحي، وقد توقف نشاطها بعد وفاة الشيخ سنة 1934م([95]).

غير أن خلفاء الشيخ العلاوي استمروا على منهجه الديني التربوي والاجتماعي، ففي سنة 1934 أسس الشيخ عدة بن تونس (جمعية التذكير العلاوية) ثم (جمعية الشبان العلاويين) سنة 1936 التي توقفت قبيل اندلاع الحرب العالمية سنة 1939.

وبعد نهاية الحرب، ظهرت (جمعية التنوير) سنة 1948، ثم أنشأ الشيخ عدة بن تونس جمعية (أحباب الإسلام) سنة 1950، وكانت لها مجلة تحمل عنوان (مجلة أحباب الإسلام) التي كانت تصدر بمدينة وهران باللغة الفرنسية، دعت في أهم محاورها إلى الحوار بين الأديان، وتحسين صورة الإسلام إلى الرأي العام الغربي على وجه الخصوص،و أهم مآثر هذه الجمعية أنها استطاعت في فترة وجيزة أن تجعل عددا كبيرا من الفرنسيين والأوروبيين القاطنين بالجزائر وخارجها يعتنق الإسلام، وقد توقف نشاط الجمعية إثر اندلاع حرب التحرير الجزائرية.

وقام خليفته الشيخ محمد المهدي بن تونس، بعد استقلال الجزائر بإنشاء جمعية الشبيبة العلاوية سنة 1963.

وفي سنة 1981 أحيا الشيخ خالد عدلان بن تونس جمعية أحباب الإسلام مرة ثانية بالعاصمة الفرنسية باريس، لتعمل على إحياء الحوار البناء، وبعث مجال التعاون بين الإنسانية.

وتعتبر هذه الجمعية من أهم هذه التجمعات التي أنشأها الشيخ عدة بن تونس وقد ذكر من مقاصدها: (التبشير بالدين الإسلامي وبث تعاليمه بين المسلمين وغيرهم من مختلف الأديان والأجناس، وإعطاء صورة صحيحة عن الإسلام وتاريخه المجيد بعد أن شوهه كتاب مغرضون، ولم شعث الأوربيين الذين اعتنقوا الإسلام على يد الطائفة العلاوية ومدهم بأنواع الإرشاد والتوجيه الديني)([96])

وقد تطورت هذه الجمعية وصارت لها هياكلها ونواديها وإصداراتها لتقوم بعملها الدعوي في الخارج وفي الجزائر أيضا، ولا يزال نشاطها إلى الآن.

المطلب الثاني: الصحافة المكتوبة

كما اهتم الإصلاحيون قبل تأسيس الجمعية وبعده بالصحافة نجد رجال الطرق الصوفية كذلك يهتمون بها، ومن أهم الصحف التي أسست في ذلك الحين، وكان لها بعض التعامل السلبي أو الإيجابي مع جمعية العلماء:

1 ــ جريدة النجاح:

وهي من الجرائد المحسوبة على الطرق الصوفية، باعتبار أن مؤسسها هو السيد عبد الحفيظ ابن الهاشمي الذي ينتمي إلى زاوية (سيدي علي بن عمر) الرحمانية المعروفة بالزاوية العثمانية، في طولقة، وهي إحدى أهم الزوايا في الشرق الجزائري([97]).

وقد صدرت بمدينة قسنطينة سنة 1919 م، وتعتبر أول محاولة لظهور صحافة عربية بعد الحرب العالمية الأولى([98]).

والبعض يعتبر أنها مرت بمرحلتين: مرحلة كانت فيها موالية للإصلاحيين، ومرحلة تغيرت فيها عليهم، ويعتبرونها بذلك، وكأنها غيرت مسارها والأمر ليس كذلك، وإنما يرجع الأمر إلى التشدد الذي بلغه سلوك الجمعية مع المخالفين لها، فلما وصل التشدد إلى غايته القصوى، وسيطر على الجمعية المتشددون وحدهم، ولم يبق في الجمعية أي أطراف أخرى، مالت الجريدة إلى الجهة الأخرى.

وحتى نتأكد من صحة هذا نرى أن الجريدة فتحت أبوابها أول الأمر للجمعية وأعضائها، بل ساهمت مساهمات مهمة في الإشهار بها، خاصة مع انتشارها الواسع، فتحت عنوان (جمعية العلماء منة كبرى يجود بها قرن العشرين على الجزائر)كتب مامي إسماعيل يقول: (إذا جاء موسى وألقى العصا، فقد بطل السحر والساحر)([99]) مشبها فيه جمعية العلماء بعصا موسى عليه السلام التي ابتلعت عصي السحرة.

وختم مقاله بدعوة العلماء الى الالتفاف حول المشروع الذي جاء فيه:

1- سن برنامج للتعليم العربي يشمل البنين والبنات.

2-   العمل على نشر التعليم الديني والاهتمام بالتربية والإرشاد.

3-   طبع وتوزيع الخطب على أئمة المساجد.

4-   نشر فتاوى خاصة بالمواد الغذائية حلالها وحرامها ومفيدها ومضرها.

5-   القيام بحملة ضد البدع والخرافات وما علق الإسلام من شوائب.

6-   تكوين هيئة عليا تقترح إنشاء كلية إسلامية متوسطة بين الزيتونة والقرويين يكون مقرها العاصبة.

وختم مقاله بقوله: (هذا أملنا في الجمعية التي نؤيدها بكل قوانا، ونقول من الآن لكل من أراد أن يناهضنا إن في العرين ليوثا، ومن كذب فليجرب والمستقبل كفيل بصحة ما نقول)([100])

وبقيت الجريدة تنشر لعلماء الجمعية سواء مقالاتهم المختلفة والخاصة بهم أو تلك التي تخص جمعية العلماء وتنقلات أعضائها عبر مختلف مناطق البلاد للشرح والتوعية وجلب الأنصار.

ومن ذلك ما كتبته في الصفحة الأولى تحت عنوان (رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في معسكر) قائلة: (قد أستقبل بحفاوة من طرف أعيان المنطقة إذ أقام فيها عدة أيام مطلعا على أحوال الناس وموجها وواعظا)([101])

وقد نشرت الجريدة وبتفصيل اجتماع نادي الترقي الذي تأست فيه جمعية العلماء([102]).

بل إنها كانت تنادي عبر مديرها ورئيس تحريرها منذ العشرينيات بضرورة تأسيس جمعية وطنية تهتم بشؤون الوطن فكتب عبد الحفيظ بن الهاشمي تحت عنوان (قلة المشاريع الوطنية في بلادنا وعدم تأسيس جمعية وطنية)([103]) قائلا: (إن حالة الأمة الجزائرية تستدعي مزيدا من الاهتمام بشؤونها، ولكن أين الرجال الأقوياء؟ حالة الأمة الجزائرية اليوم هي الحالة المؤسف عليها، والتي تهدد بالخطر المبين المقبل، وهي تنبئ بزوال الخصائص الجزائرية الذاتية التي كانت في سالف العصور)

ثم ويواصل مناديا: (يا قلوب فلتقشع منك ظلمات الجبن والرعب، ويا ألسن فلتنطقي بما فيه لهذه الأمة صلاح ونجاح، ويا أفئدة القول الصادق، ويا أيدي جودي بالإسعاف في المسائل الوطنية، ويا أيها النواب مالي أراكم مطأطئ الرؤوس أمام الحوادث والمشاكل السياسية)

بل إنها كانت تنشر لرواد الإصلاح قبل تأسيس جمعية العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي كان يكتب بانتظام في الجريدة لعدة سنوات تارة باسمه وتارة أخرى باسمه المستعار كالعبسي والقسنطيني.

بل إنها فوق ذلك كانت تقدم خدماتها بالمجان للجمعية، حيث كانت تلعب دور المسكن كلما حصلت القطيعة بين الجمعية والإدارة الاستعمارية، وتأسفت عندما منع الطيب العقبي – مع ما كان من شدته وحدته على الطرق الصوفية- من إلقاء محاضرة بالجامع الجديد يوم 3 مارس 1933م من قبل عامل العمالة، وأشادت بالجمع الغفير من الجزائريين الذين تجمعوا أمام الجامع احتجاجا على تصرفات عامل العمالة وساروا في موكب قدرته الجريدة بأكثر من سبة آلاف شخص، كما دعت إلى الهدوء والحل الذي يرضي الجميع (جمعية العلماء والإدارة الاستعمارية) عندما منع وزير الداخلية الفرنسي جريدة الصراط من الصدور يوم 23 ديسمبر 1933م، إذ نشرت احتجاج جمعية العلماء الذي وجهته إلى الأمة، كما نشرت في الوقت نفسه قرار منع جريدة الصراط من الصدور. ووجهت نداء تدعو فيه نبذ الخلاف بين الطرفين المتنازعين بقولها: (إن فكرنا في جمعية العلماء خاص، ونتمنى لو أنها توفقت الجمعية لطريق المفاهمة مع الإدارة وإيجاد حل مرض فان استمرار سوء المفاهمة بين الطرفين تجني الأمة من ورائه أضرارا علمية وخيمة في زمن نحن أحوج الناس فيه إلى نشر العلوم العربية والدينية)([104])

كان هذا هو سلوكها مع الجمعية كما كان سلوك الطرق الصوفية مع الجمعية، فالطرق بطبيعتها المسالمة لا تبدأ بالحرب، ولا بالصراع، ولكن إن تجاوز الأمر حده، فحينذاك يتغير الموقف بالضرورة.

فكيف نتصور بعد تلك الإذية الكبير التي حصلت لرجال الطرق، واستدعيت الشرطة لأجلهم ورموا من طرف الجمعية في عنابة بما رموا به، ولم يكن من هم لصحف الجمعية إلا الثلب فيهم وفي أعراضهم، كيف نتصور أن تبقى الجريدة في موقفها؟

ولهذا، فقد كان من الطبيعي أن تغير موقفها، وقد اعتبرنا ذلك في الباب الأول خسارة للجمعية، لأنها مع قدرتها الدبلوماسية في التعامل مع المستعمر لم تستعمل تلك القدرة في تعاملها مع إخوانها من أصحاب الطرق الصوفية.

والغريب أن محمد ناصر وكثير من الباحثين لا ينحى باللائمة على سلوك الجمعية الاستفزازي، وإنما ينحى باللائمة على الجريدة، فيقول: (جريدة إصلاحية ثم انتفاعية)([105])

ولست أدري ما المنطق الداعي إلى هذا الطرح، أي أن محمد ناصر يعتبرها إصلاحية ما دامت مع الجمعية لكنها إن تحولت لعدم اقتناعها بمنهجها الإصلاحي تتحول إلى انتفاعية.

وقد نتج عن هذا الموقف الذي وقفته الجريدة سجال إعلامي زاد طين الفرقة بين الجمعية والطرق الصوفية بلة، ومن ذلك ما كتبه ابن باديس يقول في مقال في (الشهاب) بعنوان (نحن والنجاح) جاء فيه: (لا نحب أن نعرض لجريدة النجاح فيما اختارته لنفسها من خطتها، فذلك شأنها وإنما نرى من الواجب علينا أن نعرض لها في أشياء نشرتها تتعلق بنا، ولا يخمن ضررها بنا بل يتعدى إلى الحقيقة والوطن)

ومن تلك الأشياء التي نشرتها عنه – كما يذكر – من أنه (حاربه المسلمون ورفعوا من حلقة الدرس الشموع ليصدوه عن التدريس)([106])

وقد رد عليهم ابن باديس بقوله: (فنقول: أنا أشهد الله وملائكته ان المسلمين لم يحاربوني، ولم يصدوني عن التدريس من يوم قدمت الى قسنطينة يوما من الايام، بل كانت وما زالت دروسي معمورة بهم طلبة وعامة، وهي بمد الله في ازدياد عاما بعد عام، أما الذي حاربني وصدني عن التدريس في الجامع الكبير بقسنطينة أول قدومي فهو شخصن واحد فقط لا غير هو الشيخ المولود بن الموهوب)

وقد كانت لهذا تنشر ما يرتبط بالطرق الصوفية من أخبار، كما في حديثها عن جمعية علماء السنة، والتي اهتمت بها كثيرا، ومما كتبته عنها قولها([107]): (قام رجال الغيرة على العلم والدين وعلى رأسهم السيد عمر إسماعيل من أهالي العاصمة فبذلوا مساعيهم الجدية في تأليف جمعية تهذيبية علمية خيرية تحت عنوان علماء السنة، فكللت مساعيهم بالنجاح، وصادف نداؤهم إقبالا عظيما من افراد الأمة فجاءوا إليها أفواجا من عناصر شتى مكونة من هيئات دينية من حضرات العلماء ومن رؤساء الزوايا خصوصا)

وكانت تصف علماء السنة بالفريق العارف المعتدل، في حين تصف جمعية العلماء بالفريق الجاهل. وردت عليها جريدة صدى الصحراء بمقال بعنوان (حول ميكروب النجاح)، جاء فيه: (الوطن على ما ذكرنا، والنجاح وكتابه يدعون الناس إلى اعتناق التصوف والدخول في زمرة الطرقيين)([108])، ثم يقول: (أما تصوفكم الذي تدعون الناس إليه فإنا نجيبكم بكل بساطة بأنه مذهب لا يوافق العمران، مذهب كسل وخمول، مذهب يعمل لفساد المجتمع الإنساني)

2 ــ صحيفة لسان الدين:

وهي من الصحف التابعة للطريقة العلاوية، وقد عرفت أنها: (جريدة دينية سياسية، إخبارية، أسبوعية، أسست لإعلاء كلمة الدين)، وقد صدرت بمدينة الجزائر في أول جانفي 1923، تحت رعاية جماعة من فضلائها.

وقد ذكر محمد ناصر أن صحيفة لسان الدين كانت تمجد الطريقة العليوية، وتبين مشاريعها الخيرية مؤكدة باتجاهها هذا بأن الذي أنشأها إنما هو أحمد بن عليوة الذي كان يطمح إلى ضم الطرق في الجزائر في طريقة واحدة يتولى هو مشيختها([109]).

ويذكر أحمد المجاجي أن أرباب الصحف لم يكونوا يعرفون أنها من آثار العلاويين([110]) لكن إدارتها العلاوية ودفاعها عن الشيخ ابن عليوة كان مؤشرا قوي على مشربها العلاوي، أما غايتها كما وضحها مقالها الافتتاحي فهي: (أن تمكن هذا الدين الحنيف بصفته الخالصة من الشوائب فيما بين الأجانب فضلا عن أبناء الملة)([111])

وقد عنيت الصحيفة بقضايا الإصلاح الاجتماعي ومقاومة الآفات الاجتماعية التي لا يختلف عليها المسلمون مثل: الدعارة وتعاطي الخمور والقمار، ومحاربة ثالوث الفقر والجهل والمرض، ولذلك لم تصرح بانتمائي الطرقي لتصل إلى كل الشرائح الاجتماعية.

لكنها لم تلبث أن توقفت بعد إصدار اثني عشر عددا منها، ولعل ذلك يعود إلى صعوبات الطبع لعدم امتلاكها لمطبعة، حيث كانت في كل أعدادها تنشر إعلانا تبحث فيه عن مطبعة لشرائها.

ولعله يعود إلى منع الحكومة لصدورها، ولعل ذلك المنع يرجع إلى رسالة وجهها الشيخ ابن عليوة إلى الوالي العام لولاية الجزائر يشكو فيها عدم الترخيص لأتباعه بفتح زاوية يجتمعون فيها للذكر والذاكرة رغم مساعي الشيخ وأتباعه الحثيثة لدى الجهات المعنية ولمدة تسعة أشهر ([112]) حتى اضطر إلى اتخاذ مقر الزاوية غير المرخص لها.

3 ــ صحيفة البلاغ الجزائري:

وهي جريدة أسبوعية صدر عددها الأول في 18 جمادى الثانية 1345 الموافق ل 24 ديسمبر 1926 بمستغانم، وقد تعدد مديروها وأصحاب امتيازها فحتى العدد 61 (مارس 1928) كان حدوني محي الدين هو مديرها وصاحب امتيازها، وفي نفس السنة انتقلت إدارتها لوكيل الزاوية عدة بن تونس، العدد: 92 (نوفمبر 1928). ومنذ عام 1930 خلصت للخضر عمروش وأصبح مقرها بمدينة الجزائر العاصمة فكانت تصدر – مثل جريدة المغرب- عشرة آلاف نسخة شهريا في عام 1930 حتى وفاة الشيخ ابن عليوة عام 1934 فوق بجريدته في صف حسن الطرابلسي المنشق على الشيخ الجديد. وقد وصفها المدني بأنها (ذات برنامج ديني إسلامي وطني)([113])

وقد قدمت الصحيفة نفسها في عددها الأول على أنها: (عاملة في خدمة الدين والوطن…غايتها…بذل الجهود في إيضاح المقاصد الدينية، والفوائد الشرعية زيادة على ما ستطرقه من إن شاء الله من الأبحاث الهامة، والنصائح العامة، معتمدة على الله في تحقيق الإنتاج، وتقويم الاعوجاج)([114])

كما قدمت نفسها على أنها صحيفة وسطية ترفض الطعن في أي طبقة من طبقات الأمة وفي أي مذهب من مذاهبها([115]).

وترى أنه من صلاح الأمة وإصلاحها في أن لا يتساهل في تنقيص سلفها وأن لا يمس بسوء أي مذهب من مذاهبها ما داموا متفقين على أركان الإسلا م. منكرة على معارضيها وصمها (تارة بصحيفة الحلوليين وتارة بصحيفة المبشرين، وتارة بورقة المضلين)([116])

المطلب الثالث: الكتب والرسائل

اهتم رجال الطرق الصوفية – على عكس الجمعية – بكتابة الكتب والرسائل أكثر من اهتمامهم بالكتابة الصحفية، ولهذا كثرت مؤلفاتهم وتنوعت حتى أن كتب الشيخ ابن عليوة وحده تفوق ما كتب أعضاء الجمعية جميعا، أما كتب الشيخ سكيرج وغيره من شيوخ التيجانية فهي بالمئات، وهكذا الكتب التي ألفت في مواجهة الوهابية عند ظهورها، كما سنرى ذلك في الفصل الثاني من هذا الباب.

وسنحاول هنا أن نذكر بعض مؤلفات الطريقة العلاوية باعتبار توجهها الخالص لمناقشة الجمعية، وباعتبار أنها مصدرنا الأول في المناقشات بين الجمعية والطرق الصوفية، وسنذكر الكثير من المؤلفات الأخرى في الفصل الثاني عند ذكر المصادر التي رجعت إليها الطرق الصوفية في الرد على الجمعية.

رسالة القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف:

وهي رسالة طبعت على نفقة الفقراء العلاويين، وأشرف على الطبع والتصحيح كل من الحسن بن عبد العزيز، والحاج حسن الطرابلسي، بالمطبعة التونسية عام 1921 في نفس السنة التي كتبت فيها، وكان قد جمعها بمدينة وهران([117]).

وغرض الرسالة – كما جاء في مقدمتها- هو الرد على كتاب (المرآة لإظهار الضلالات) للشيخ عثمان بن المكي، المدرس بجامع الزيتونة([118]).

ومما جاء في مقدمتها قول الشيخ ابن عليوة: (من كاتبه كثير المساوئ عبد ربّه (أحمد بن مصطفى العلوي) منّ الله عليه بالتوفيق والهمّة والمؤمنين إلى أقوم طريق إلى الفقيه المكّي الشيخ سيدي (عثمان ابن المكي) المدرس بمدينة تونس بجامعها الأعظم زاده الله عمرانا على عمران، وطهّره من كلّ متمرّد شيطان، عليكم سلام الله ما كنتم محترمين لأهل نسبة الله {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30] إنّي كنت قد عثرت على رسالة نمقتموها بقلمكم تسمى (المرآة إظهار الضلالات)، فتناولتها بيد الاعتبار لنتصفحها بفؤاد الاستبصار، فعرضني ما فيها ألزمني الفشل وأورثني الكلل فتأسفت بقدر ما استبشرت، لما اشتملت عليه مرآتكم من العضّ وتمزيق العرض، فهي ترمي بشرر كالقصر نحو الذاكرين، وتحطّم بالجهر لحم المؤمنين، وبمناسبة ما اشتملت عليه مرآتكم من الزور، وارتكبتموه فيها من الفجور، فطعنتم في أعراض أهل نسبة الله بكلّ لسان وذكرتموهم بكلّ زور وبهتان، فحركتني الغيرة الإلهيّة والحميّة الإسلاميّة على أن نكاتبكم احتراما للمنتسبين حيث شوهتموهم وانتصارا للذاكرين حيث خذلتموهم)([119])

ثم تناول بتفصيل ما ذكره عثمان بن مكي في (المرآة لإظهار الضلالات) كلمة كلمة وعقب عليها جميعا، والملاحظ في ردوده هو أدبه مع المخالف واحترامه له حتى أنه يدعوه كل حين (سيدي)، والملاحظ كذلك هو كثرة النقول والاقتباسات.

وقد رجعنا إلى هذه الرسالة كثيرا باعتبار أن القضايا التي طرحها عثمان بن مكي وانتقدها على الطرق الصوفية هي نفس ما كان يطرحه رجال الجمعية.

رسالة الناصر معروف في الذب عن مجد التصوف:

وأصلها مقالات نشرت في مجلة البلاغ الجزائري هدفها الدفاع عن التصوف ضد ما نشره جماعة من السلفيين في جريدة (الشهاب) هاجموا فيها التصوف، فقام العلاوي بإيراد الأدلة العقلية والنقلية من الكتاب والسنة ومن علماء يعظمهم السلفية أنفسهم بمشروعية التصوف وسموه ورفعته، وقد كان الإمضاء فيها باسم (الناصر معروف)([120])، وقد جاءت الرسالة في مائة وست وعشرين صفحة ثم أضاف لها تقاريظ للعديد من العلماء الشام.

ومما جاء في مقدمتها قول الشيخ ابن عليوة: (هذا أيها الأخ إننا وأيم الله لممن يغبطكم لمكانكم ومكانتكم وهذا لا يمنعني أن نقول لكم أنه يجدر بكم وأنتم أهل الصلاح والدعاة إلى سبيل الإصلاح أن تكونوا على جانبٍ عظيمٍ من التثبت في النقل ومجانبة أضعف المآخذ، لا سيما وأنتم بصدد إثبات الحجة وتوضيح المحجة كما لا يخفاكم أن الحجة لا تثبت فيما تحاولون إثباته إلا بالمتواتر، والأمر البين الظاهر على أنك لا تنكر أن يوجد بين الناس من يملك حق التمييز بحيث لا ينخدع بنحو خزف المسكوكات ومموهاتها، وأنتم تعرفون أن الناقد بصير خصوصاً في مثل هذا الأمر الخطير الذي ركبتم متن الوصول إليه بدون ما تتخذون للطريق زاداً ولا لأنفسكم عماداً، وهو الأمر الذي دعانا لتسطير هاته الجمل.. قد كنت أيها الأخ وقفت على ما كتبتموه بمجلة الشهاب عدد (174) تلك الكتابة التي أخذت لنا صورة معلوماتكم، والتي لم تكن الغاية منها إلا الحط من شرف القوم الصوفية والتنكيل بكراماتهم لتظهروهم للعموم بالصفة التي ذكرتموها من كون الجنيد وعصابته كانوا أحط مرتبةً عند بعض الأئمة من مرتبة الخوارج فضلاً عن حمقهم والخلل الموجودفي أقاويلهم وأعمالهم هذا ما كنتم تحاولون التعبير عنه وقد أسعفكم الحظ على ذلك فلم يبقَ لكم والحالة هذه إلا أن تسمعوا منا نظير ما سمعناه منكم، أو يسمعه غيركم حتى لا يكون ما قررتموه ضربة لازب يقضي على مجد التصوف من أصله)([121])

رسالة القول المعتمد في مشروعية الذكر بالإسم المفرد:

وهي رسالة جمعها محمد الهاشمي تلميذ الشيخ ابن عليوة، ونشرها بدمشق عدد صفحاتها ثلاث وستين صفحة، منها خمس وعشرون صفحة عبارة عن مقالات نشرت في البلاغ الجزائري([122])، وباقي الصفحات تقريظ العلماء للرسالة.

وقد ذكر الشيخ ابن عليوة دافعه إلى كتابة هذه الرسالة، فقال: (أما بعد أيها الأخ المحترم، فقد كنتُ تشرفتُ بزيارتكم صحبة صديق الجميع حضرة الشيخ……. وبمناسبة ما دار بيننا من الحديث، في تلك السويعات التي رأيتكم فيها موغر الصدر على إخوانكم العلاويين، حسبما لاح لي في ذلك الحين، لا لذنب ارتكبوه سوى أنهم مولعون بإجراء الاسم المفرد على ألسنتهم، وهو قولهم: (الله). فظهر لكم أن ذلك مما يستحق عليه العتاب، أو نقول العقاب، لأنكم قلتم إنهم يلهجون بذكر ذلك الاسم بمناسبة أو غير مناسبة، سواء عليهم في الأزقة، أو غيرها من الأماكن التي لا تليق للذكر، حتى أن أحدهم إذا طرق الباب يقول: (الله)، وإذا ناداه إنسان يقول: (الله)، وإذا قام يقول: (الله)، وإذا جلس يقول: (الله)، إلى غير ذلك مما جرى به الحديث.. ومن جهة أخرى أنكم كنتم ترون أن هذا الاسم، لا يصلح أن يكون ذكرا، ولا هو من أقسام الكلام المفيد، جريا منكم على ما اشترطه النحويون، من لزوم التركيب، في تعريفهم الكلام المفيد، ولما كان لا يسعني حملكم في جميع ذلك إلا على قصد طلب التفاهم، والفحص عن الحق والصواب فيما جاءوا به، هل هو جائز أو لا، ظهر لي أن نواجهكم بهذا المكتوب، عسى أن يحصل به ما هو شفاء للصدور، ودواء للقلوب)([123])

وسنرى الأدلة المذكورة في الرسالة بتفصيل في الفصل الثاني من الباب الرابع.

الشهائد والفتاوى:

وقد جمع هذه الكتاب ردا على رسالة الشيخ عبد الحميد بن باديس (جواب سؤال عن سوء مقال)، وعلى حملة صحيفة (النجاح) على الشيخ ابن عليوة شيخ الطريقة العلاوية.

وهو عبارة عن شهادات بفضل الشيخ ابن عليوة ومكانته، بالإضافة إلى إبرازها لمدى قدرة الشيخ ابن عليوة على تربية أتباعه، وعلى حفظ الأمن وصيانة الأخلاق في مناطق نفوذه ببركة النسبة، مع نفي تهمة البدعة عن الشيخ ابن عليوة وطريقته، وكانت تلك الشهادات لأعيان الطريقة الذين أخبر جلهم أنهم كانوا يبحثون عن شيخ تربية فوجدوا ضالتهم في الشيخ ابن عليوة. فهو بذلك لم يبث فيهم عقيدة جديدة وإنما حقق لهم ما كانوا يتطلعون له من سلوك للوصول إلى المعرفة المنشودة.

وقد تم جمع الشهائد التي صاغ أسئلتها واختار الشخصيات الموجهة لها الأسئلة محمد بن عبد الباري التونسي- الذي توفي قبيل إصدار الكتاب- وكان تسليم الأسئلة يتم باليد، حيث يتلقى حامل الأسئلة الشهادة ليطلع غيره.

وللأسف فإن الكتاب الآن في حكم المفقود، فلم يتسن لي أن أجده، حتى أن المواقع الكثيرة للطريقة العلاوية على الإنترنت دعت القراء للبحث عنه ووضعه على الشبكة كسائر كتب الطريقة العلاوية.

أعذب المناهل في الأجوبة والرسائل

وهو للشيخ (أحمد بن مصطفى العلاوي)، وقد قام بجمعه الشيخ (علي بن محمد الغفاري) وقد ذكر في مقدمته بأنّ الدافع إلى ذلك هو لنشر تراث الأستاذ والعناية به، (خوفا من الضياع وإفادة المنتسبين من الأتباع، وغيرهم من المسلمين، إذ تعكس كثيرا من مواقف الشيـــــــــــخ (العلاوي) في التربية والتوجيه، ومواجهته للمشاكل المعاصرة، كما وتكشف من جهة أخرى عن سعة معارف الشيخ الدينيّة، وتفسيراته العجيبة الصحيحة لكثير من النصوص والنقول بأسلوب رصين محكم وعبارات مركزّة، وأفهام مدعمة بالبراهين والحجج للعديد من أقوال معارضيه التي تتسم بالسطحيّة أحيانا وبعدم الموضوعيّة، حيث إنّ هذه الأسئلة وأجوبتها تمثل ثروّة ثقافيّة متنوعة، جديرة بالمطالعة والدرس، وبخاصّة لأولئك الذين يبحثون عن الحقيقة للوصول إلى طريق الهداية الربانيّة الكفيلة بتحقيق النجاة في الدنيا والآخرة، ولقد أشرف على إصدار هذا الكتاب سيدي (رشيد محمد الهادي ) مدير المطبعة العلاوية الذي لم يبخل بمجهوداته الماديّة والمعنويّة جزاه الله عن الجميع كلّ الخير)([124])

تنبيه القراء إلى كفاح مجلة المرشد الغراء:

وهو للشيخ عدة بن تونس المستغانمي خليفة الشيخ ابن عليوة على الطريقة العلاوية، يضم الكتاب بجزئيه جميع المقالات والدراسات التي نشرها في أعداد مجلة (المرشد) التي كان يصدرها في أواخر الأربعينات، وأوائل الخمسينات باللغتين العربية والفرنسية، تجاوز عددها 230 مقالة، عالج فيها مختلف القضايا الدينية والاجتماعية والثقافية.

وهو مرجع يؤرخ لتلك الفترة، وما كان فيها من صراع بين الجمعية والطرق الصوفية، بالإضافة إلى بيان موقف الطريقة العلاوية من القضايا المختلفة، وقد قام بتحقيقه وتنظيم مواده الأستاذ يحي الطاهر برقة، وجمعه وأشرف على طبعه الحاج محمد الهادي مدير المطبعة العلاوية بمستغانم.

وقاية الذاكرين من غواية الغافلين

وهي رسالة صغيرة للشيخ عدة بن تونس مشحونة بالنصوص القرآنية والآثار النبوية على فضل الذكر والذاكرين؛ ومكانة الذكر من سائر العبادات الأخرى؛ وقد كتبه ردا على ما تورده الجمعية من انتقادات حول أوراد الطريقة العلاوية وغيرها من الطرق الصوفية.

الدرة البهية في أوراد وسند الطريقة العلاوية

ويشتمل على أوراد الطـريـقـة العلاويــة المأخوذة عن الشـيــخ محمد بن الحبيب البوزيدي، منها الأوراد العامة لجميع المريديـن لكل من داوم عليها صباحا ومساء، ومنها الورد الخاص وهو الاسم الأعظم بشروط مقررة؛ ومحل مخصوص، وكيفية من المرشد الخاص، وفي ختامه أرجوزة للشيخ العلاوي تتناول أسماء أهل السلسلة حتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مذيلة بمناجاة للأستاذ العلاوي يستغيث بها برجال الطريق.

خاتمة الفصل

من النتائج المهمة التي يمكننا استخلاصها من هذا الفصل:

1 ــ أنه مع التضييق الشديد الذي كان يمارسه الاستعمار على الشعب الجزائري بطبقاته جميعا إلا أنا نجده قد وضع كثيرا من الفسحة للجمعية وللطرق الصوفية لنشاطهما، وخاصة ما كان منه داخليا فيما بينهما، وهذا ما أتاح لكل الطرفين أن يتحرك بحرية أكبر على المستويات المختلفة، والذي تجلي في استعمالهما لكل الوسائل في ذلك الحين.

2 ــ رأينا من خلال استقراء وسائل الجمعية التي استعملتها في التعامل مع الطرق الصوفية أنها ثلاثة أنواع:

النوع الأول: هو حركات وتنقلات وتجمعات الجمعية لأجل توعية المجتمع بمواقفها من الطرق الصوفية.

النوع الثاني: هو ما أصدرته الجمعية من صحف سواء كانت رسمية، أو كانت تابعة للشخصيات المؤسسة للجمعية، أو التي لها علاقة بها، ولهذا، فلم نكتف عند الحديث عن صحف الجمعية بالصحف الرسمية، أو الصحف التي تلت التأسيس، بل تناولنا الصحف جميعا، باعتبارها كانت تهدف إلى هدف واحد.

النوع الثالث: هو ما ألفته الجمعية من كتب ورسائل ترتبط بتعاملها مع الطرق الصوفية.

3 ــ أن من أهم الوسائل التي استعملتها الجمعية في تحقيق أهدافها الإصلاحية، وخاصة هدفها الأكبر مواجهة الطرق الصوفية هو ما كان يقوم به أعضاؤها من تنقلات إلى المناطق المختلفة سواء لأجل إحياء مناسبات معينة، واستثمارها، أو لغير ذلك، ومنها كذلك إقامة أعضاء الجمعية لتجمعات حركية محدودة، يمكن أن تعتبر كنوع من التنطيمات التي تخدم الأهداف الإصلاحية، وقد كان لكلا الوسيلتين تأثيره الكبير في نشر الدعوة الإصلاحية على ربوع كثيرة من الجزائر، خاصة إذا علمنا أن نسبة الأمية، ونسبة الفقر، المتضخمتين لا تتيحان لأكثر الناس الاطلاع على ما تكتبه الجمعية في صحفها أو رسائلها.

4 ــ من خلال دراسة ما وصل إلينا من صحف الجمعية يمكننا بسهولة أن ندرك علاقتها الكبرى بالطرق الصوفية، وكأن الكثير منها لم يوضع إلا لأجل مواجهة ما تسميه بـ (بدعة الطرائق)، وسنرى بعض النماذج عن ذلك.

5 ــ لم تهتم الجمعية بالتأليف كما اهتمت بالصحافة، وذلك لانشغال أعضائها الشديد بالعمل الإصلاحي، بالإضافة إلى اعتبارها أن منتوج الصحافة أكثر، وأقرب من منتوج الكتب، ولهذا فإن إنتاجها في هذا الجانب محدود جدا لا يكاد يذكر.

6 ــ كما أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين استعملت كل الوسائل المتاحة في ذلك الحين لمواجهة الطرق الصوفية فإن الطرق الصوفية لم تقل عنها في ذلك، وخصوصا الطريقة العلاوية التي يجمع كل من ذكرها أو أرخ لها على أنها طريقة عصرية استعملت كل الوسائل والأساليب العصرية.

7 ــ اهتم رجال الطرق الصوفية مشايخ ومريدين بالتنقل في المناطق المختلفة عبر ما يسمونة (سياحة)، والتي لم يكن الغرض منها فقط السير التعبدي والتأملي، وإنما كان الغرض منها كذلك نشر الطريقة في المناطق المختلفة، ويضاف إلى ذلك ما قامت به الطريقة العلاوية من إنشاء بعض الجمعيات التي ساهمت في التعريف بالطريقة ونشرها، بل إن بعضها لا يزال إلى الآن يؤدي دوره في التعريف بالطريقة العلاوية.

8 ـــ كما اهتم الإصلاحيون قبل تأسيس الجمعية وبعده بالصحافة نجد رجال الطرق الصوفية كذلك يهتمون بها.

9 ــ اهتم رجال الطرق الصوفية – على عكس الجمعية – بكتابة الكتب والرسائل أكثر من اهتمامهم بالكتابة الصحفية، ولهذا كثرت مؤلفاتهم وتنوعت حتى أن كتب الشيخ ابن عليوة وحده تفوق ما كتب أعضاء الجمعية جميعا، أما كتب الشيخ سكيرج وغيره من شيوخ التيجانية فهي بالمئات، وهكذا الكتب التي ألفت في مواجهة الوهابية عند ظهورها.


([1])  انظر: مقال بعنوان: وسـائـل الاتصـــال والإعــلام ودورها في ترقية المجتمع على هذا الرابط: (http://1bac.medharweb.net/modules.php?name=News&file=article&sid=216)

([2])  انظر: مقال بعنوان: تكنولوجية وسائل الأعلام وتأثيرها على المجتمعات (نظرية مارشال ماكلوهان)، على هذا الرابط: (http://kenanaonline.com/users/masscommunication/posts/142661)

([3])  الشهاب: ج 10، م 9، ص 387 – 393 غرة جمادى الأولى 1352ه – سبتمبر 1933م

([4])  آثار ابن باديس (3/ 523)

([5])  آثار ابن باديس (3/ 523)

([6])  آثار ابن باديس (3/ 523)

([7])  نشر: جريدة البصائر، السلسلة الأولى، السنة الأولى، عدد 38، الجمعة 09/10/1936م الموافق 23/رجب/ 1355هـ، ص 3.

([8])  ذكرت هذه الشهادة في كتاب: (مسيرة الحركة الإصلاحية بتلمسان: آثار ومواقف) جمع وإعداد: (خالد مرزوق-المختار بن عامر)، نقلا عن : محمد بدر الدين سيـفي، جهود رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في  خدمة القرآن الكريم تعليما- وعملا –ودعوة، دط، ص27.

([9])  جهود رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في  خدمة القرآن الكريم تعليما- وعملا –ودعوة، ص28.

([10])  نص الحديث كما روي في بعض رواياته هو قوله a: (إن ثلاثة نفر انطلقوا في سفر، فآواهم الليل إلى غار، فوقعت صخرة على باب ذلك الغار، فقال بعضهم لبعض : لستم على الطريق، وقد بليتم بأمر عظيم لا يمكنكم فيه إلا أن تدعوا الذي أبلاكم به أو كلمة نحوها، فلينظر كل رجل منكم أفضل عمل عمله فليذكره ثم ليدعو الله، فقال أحدهم : اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم لم يكن في الأرض أحد أحب إلي منها، فأردتها على نفسها وجعلت لها مئة دينار، فلما جلست منها مجلس الرجل من امرأته، استقبلتها رعدة، وقالت : إني والله ما عملت خطيئة قط وما حملني عليه إلا الجهد، فقمت وقلت : هي لك، اللهم إن كنت تعلم أني إنما قمت عنها التماس مرضاتك ومخافة سخطك، فافرج عنا هذا الحجر، فانحط الحجر حتى رأوا الضوء، وقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان، وكانت لي غنم أرعى قريبا، وإني تباعدت فجئت ذلك ليلة وقد احتبست، فحلبت إناء من لبن، وأتيت أبوي فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما من نومهما، فبات الإناء على يدي حتى استيقظا متى استيقظا اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك التماس مرضاتك ومخافة سخطك، فافرج عنا هذا الحجر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فانقض الحجر حتى رأوا الضوء ورجوا، قال الثالث : اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت رجالا بأجر معلوم، وكان فيهم رجل يعمل عمل رجلين، فلما أعطيتهم أجورهم قال : أعطني عمل رجلين، فقلت : إنما لك عمل رجل، فأبى وتركه عندي وذهب، فلم أزل أعمل له فيه حتى اجتمع ستون من بين ثور وبقرة وعبد وأمة، فجاء بعد حين فقال : يا عبد الله، أما آن لك أن تعطيني أجري ؟ قلت : من أنت ؟ قال : أنا الذي عملت معك عمل رجلين فلم تعطني إلا عمل رجل واحد فتركته، فقلت : هذه ستون من بين ثور وبقرة وعبد وأمة، قال : حبستني ما حبستني وتسخر بي، قلت : هو لك فخذه فأخذه، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك التماس مرضاتك ومخافة سخطك، فافرج عنا هذا الحجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فزال الحجر وانطلقوا يمشون) (انظر: صحيح البخاري (3/ 119)، صحيح مسلم (8/ 89، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، مسند البزار (البحر الزخار )، تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله، مكتبة العلوم والحكم – المدينة المنورة، الطبعة : الأولى،  (8/ 230))

([11])  جهود رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في  خدمة القرآن الكريم تعليما- وعملا –ودعوة، ص29.

([12])  بدعة الطرائق في الإسلام (ص: 5)

([13])  بدعة الطرائق في الإسلام (ص: 5)

([14])  بدعة الطرائق في الإسلام (ص: 6)

([15])  بدعة الطرائق في الإسلام (ص: 6)

([16])  بدعة الطرائق في الإسلام (ص: 6)

([17])  بدعة الطرائق في الإسلام (ص: 6)

([18])  من النصوص التي يستدل بها الصوفية على هذا ما رواه يعلى بن شدّاد قال: حدّثني أبي شدّاد بن أوس ؛ وعبادة بن الصامت حاضر يصدّقه قال: كنّا عند رسول الله a  فقال:((هَلْ فِيكُمْ غَرِيبٌ؟ يعني من أهل الكتاب. فقلنا: لا يا رسول، فأمر بغلق الباب. فقال: إرْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ وَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فرفعنا أيدينا ساعة وقلنا: لا إله إلا الله، ثم وضَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدَه ثم قال: الحَمْدُ للهِ، الَّلهُمَّ بَعَثْتَنِي بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وَأَمَرْتَنِي بِهَا، وَوَعَدْتَنِي عَلَيهَا الجَنَّةَ، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ. ثم قال: أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ) الحديث أخرجه أحمد والطبراني والبزّار. (مسند أحمد بن حنبل (4/ 124)، مسند البزار 18 (7/ 156)، وقد استدل بهذا الصوفية على أنّ في هذا الحديث دليلا لما يفعله الشيوخ من تلقينهم للذكر لجماعة معا.

ويستدلون للتلقين الإفرادي بما روي عن عليّ كرَّم الله وجهه أنه سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: يا رسول الله دلّني على أقرب الطرق إلى الله، وأسهلها على عباده، وأفضلها عنده تعالى، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: عليك بمداومة ذكر الله تعالى سرّاً وجهراً، فقال سيّدنا علي: كلُّ الناس ذاكرون. فخصَّني بشيء؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل ما قلته أنا والنبيّون من قبلي: لا إله إلا الله، ولو أنّ السموات والأرضين في كفّة. ولا إله إلا الله في كفة. لرجحت بهم، ولا تقوم القيامة وعلى وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله، ثم قال سيّدنا علي: فكيف أذكر؟ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: غَمِّضْ عينيكَ. واسمع منّي لا إله إلا الله ثلاث مرّات، ثم قلها ثلاثاً وأنا أسمع، ثم فعل ذلك برفع الصوت. (أخرجه الإمام أحمد، وقال الهيثمي في “مجمع الزوائد” رجاله موثوقون ج1/ص42])

([19])  بدعة الطرائق في الإسلام (ص: 6)

([20])  بدعة الطرائق في الإسلام (ص: 6)

([21])  بدعة الطرائق في الإسلام (ص: 7)

([22])  الشريعة النبوية العدد6، ص5.

([23])  الشريعة النبوية العدد6، ص5.

([24])  الشريعة النبوية العدد6، ص5.

([25])  الشريعة النبوية العدد6، ص5.

([26])  الشريعة النبوية العدد6، ص5.

([27])  جريدة الشريعة النبوية المحمدية (2/ 4)

([28])  جريدة الشريعة النبوية المحمدية (4/ 6)

([29])  جريدة «الشريعة» النبوية المحمدية (5/ 7)

([30])  محمد المنصوري الغسيري، مرحع سابق،ص122.

([31])  البصائر، ع 116: 04 ربيع الثاني 1337/03 جوان 1938.

([32])  د/ عبد الرزاق قسوم، ابن باديس والشباب، مجلة الرسالة (الجزائر) العدد2/3،جمادى الأولى والثانية 1400ه-أفريل ماي 1980م نقلا عن مازن صلاح مطبقاني.، عبد الحميد بن باديس، ص117..

([33])  محمد الجابري، رحلات جزائرية، ص 84.

([34])  البرق، ماي 1927، ص3..

([35])  البرق، ماي 1927، ص3..

([36])  يعتبر الشاعر والأستاذ الكبير أبو اليقظان أحد أكبر أعمدة الصحافة الإصلاحية في الجزائر، وهذا سرد مختصر لهذه الصحف:

 (وادي ميزاب) 119عددا، من 01/10/1926 إلى 18/01/1929م.

 (ميزاب) عدد واحد، 25/01/1930م.

(المغرب) 38 عددا، من 29/05/1930 إلى 09/03/1931م.

(النور) 78 عددا، من 15/09/1931 إلى 02/05/1933م.

(البستان) 10 أعداد، من 27/04/1933 إلى 13/07/1933.

(النبراس) 6 أعداد، من 21/07/1933 إلى 22/08/1933.

(الأمة) 170 عددا، من 08/09/1933 إلى 06/06/1938.

(الفرقان) 6 أعداد، من 08/07/1938 إلى 03/08/1938.

([37])  آثار ابن باديس (4/ 352)

([38])  آثار ابن باديس (4/ 352)

([39])  انظر: آثار ابن باديس (3/ 277)، والمنتقد العدد الأول ص 1ع 1، 2، 3، 4، 5، الخميس 11 ذي الحجة 1343هـ – 2 جويلية 1625م. وقد أمضى هذا المقال بما يلى (النخبة)

([40])  آثار ابن باديس (4/ 352)

([41])  آثار ابن باديس (3/ 277)

([42])  آثار ابن باديس (3/ 277)

([43])  آثار ابن باديس (3/ 278)

([44])  آثار ابن باديس (3/ 279)

([45])  آثار ابن باديس (3/ 279)

([46])  آثار ابن باديس (3/ 279)

([47])  الشهاب: ج 1، م 11، ص 1 – 3 محرم 1345ه – أفريل 1935م.

([48])  آثار ابن باديس (1/ 59)، والعدد الأخير الذي هو عدد سبتمبر لا يوجد منه إلا ملزمة واحدة كتب فيها عبد الحميد مقالا عنوانه (أولو الأمر) تعليقا على مقال كتبه الشيخ الخضر الحسين شيخ الأزهر وصاحب مجلة الهداية الإسلامية.

([49])  الشهاب: ج 9، م 10، ص 370 غرة جمادى الأولى 1353ه – 12 أوت 1934م.

([50])  آثار ابن باديس (4/ 351)

([51])  انظر: البصائر: السنة الأولى العدد الأول الجزائر في يوم الجمعة 26 ذي الحجة 1354هـ الموافق لـ: 20 مارس 1936م، ص1، ع1 و2 و3 ونشر هذا المقال بنفسه في الشهاب، ص 1، م 12، ص 4 – 6 بتاريخ غرة محرم 1355هـ – أفريل 1936م.

([52])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (5/ 144)

([53])  ابن باديس: الجزائر. المنتقد. ع5، س1، 30/07/ 1925. ص 3.

([54])  أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي (1830 – 1954) ج5. ط 1. دار الغرب الإسلامي. بيروت. لبنان. 1998، ص 258.

([55])  صالح خرفي، الأبعاد التاريخية في الشعر الجزائري الحديث، الثقافة، العدد 01، الجزائر: مارس 1971، ص 33.

([56])  انظر نص القصيدة كاملة في: الزاهري محمد الهادي: شعراء الجزائر في العصر الحاضر، ط1، المطبعة التونسية، 1926، ، ج1، ص 68 وما بعدها.

([57])  محمد ناصر: المقالة الصحفية الجزائرية (نشأتها- تطورها- أعلامها) من 1943 إلى 1931، ص 55 .

([58])  الزاهري: في الموقف الحاضر. الشهاب. مج9. ج 9. ص 405.

([59])  مفدي زكريا، تاريخ الصحافة العربية في الجزائر (الجزائر: مؤسسة مفدي زكريا، 2003 )، ص  152.

([60])  مفدي زكريا، المصدر نفسه، ص  153.

([61])  مفدي زكريا، المصدر نفسه، ص  153.

([62])  انظر: النجاح. ع 15.. س1، 40/03/1927، ص 2.

([63])  عبد المجيد الرحموني: إلى القراء. البرق. ع 17. س 1.

([64])  مفدي زكرياء: تاريخ الصحافة العربية في الجزائر. (جمع وتحقيق). أحمد حمدي. مؤسسة مفدي زكرياء. الجزائر. )

. 2003. ص 180.

([65])  الزاهري: الفاتحة. البرق. ع 1. ص 1.

([66])  محمد ناصر: الصحف العربية. مرجع سابق. ص 85، عبد المجيد الرحموني: جريدة البرق والدكتور ابن التهامي! الشهاب. ع 134. ص680.

([67])  محمد ناصر: المرجع السابق. ص 85.

([68])  صحيح البخاري (7/ 2)، صحيح مسلم (4/ 129)

([69])  ابن باديس: بواعثنا. خطتنا. غايتنا. السنة. ع 1، س1، 03/04/1933، ص 8.

([70])  أعادت دار الغرب الإسلامي طبعها وشقيقاتها: الشريعة والصراط في ثمان صفحات بدل الأربع..

([71])  محمد ناصر: الصحف العربية، ص 132.

([72])  محمد ناصر: الصحف العربية، ص 153.

([73])  محمد ناصر: الصحف العربية، ص 181.

([74])  محمد ناصر: الصحف العربية، ص 153.

([75])  رجعنا فيما يتعلق بهذه الصحيفة إلى مقال جيد للكاتب أحمد حمدي بعنوان: (الجحيم: صحيفة هزلية من نوع خاص) موقع فضاء أحمد حمدي، على هذا الرابط (http://www.ahmedhamdi.net/?p=105

([76])  وقد ذكر السائحي تفاصيل مكان وظروف طباعة، فقال: ( إن جريدة الجحيم كانت تطبع في مطبعة بن باديس ليلا بقسنطينة دون علمه. وأن العمال يقومون بذلك خارج أوقات عملهم، وفي سرية تامة لأن الشرط الأساسي بينهم وبين أصحاب الجريدة هو أن لا يعلم الإمام بذلك)

([77])  جوكلاري محمد الشريف: شخصية لها دور بارز في تاريخ الصحافة الوطنية، فهو فرنسي الأصل اعتنق الإسلام في مدينة بسكرة، وصار يسمى بمحمد الشريف، ونظرا لكونه يحمل الجنسية الفرنسية يحق له أن يمنح من قبل السلطات الفرنسية حق امتياز إنشاء  الصحف وفقا لمقتضيات القانون الفرنسي، وبهذه الخاصية نجد اسمه في واجهة العديد من الصحف الإسلامية.

([78])  من الذين واكبوا الحركة الإصلاحية من بداياتها له مقالات في الشهاب والمنتقد وغيرهما من الجرائد الإصلاحية كان يمضي أغلب مقالاته ب ” ع غ ” أو ” غ ” أو ” غريب “..

([79])  سليمان الصيد: محمد السعيد الزاهري. الحلقة الثانية. النصر. ع 4213، 31/05/1987، ص 7.

([80])  المعيار جريدة معبرة عن الاتجاه الطرقي. وهي جريدة نصف شهرية كان يحررها مولود الحافظي بعد انسحابه من الجمعية مع بقية من الطرقيين صدرت في 18/12/1932، واختفت في 23/04/1933، وهي جريدة مناوئة لجمعية العلماء.

([81])  سليمان الصيد: محمد السعيد الزاهري. الحلقة الثانية. النصر. ص 7.

([82])  يريد بذلك صحيفة (المعيار)

([83])  صحيفة (الجحيم) كلمة أولى.. أما بعد، العدد الأول، بتاريخ 30 مارس 1933.

([84])  من الذين قرظوا الرسالة العلامة المفكر محمد النخلي القيرواني، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وأبو محمد بلحسن إبن الشيخ المفتي محمد النجار الذي تولى الإفتاء سنة 1342هـ ومحمد الصادق النيفر وسعد العياض السطايفي المصلح المجدد، ومحمد بن القاضي، والبشير صفر المؤرخ المجدد، وغيرهم كثير..

([85])  آثار ابن باديس (3/ 154)

([86])  نشر هذا المقال في جريدة الشهاب: جريدة الشهاب، السنة الثالثة، عدد 121، الخميس 01/ 12/1927م الموافق 06/ جمادى الآخرة/1346هـ، ص 10 و11 و12 و13.

([87])  رسالة الشرك ومظاهره (ص: 27)

([88])  رسالة الشرك ومظاهره (ص28)

([89])  الزاهري: الإسلام في حاجة إلى دعاية. مصدر سابق. ص 5 وما بعدها.

([90])  نفس المصدر. ص 11.

([91])  خرفي صالح: الأبعاد التاريخية في الشعر الجزائري الحديث. ص 14

([92])  الزاهري: الإسلام في حاجة إلى دعاية. ص7-11.

([93])  ابن باديس: الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير. الشهاب. مج7. ج 12. ديسمبر 1931. ص 793.

([94])  انظر: موقع جمعية الشيخ العلاوي للتربية والثقافة الصوفية على هذا الرابط: (http://www.asso-alawi.org)

([95])  المصدر السابق.

([96])  انظر: عدة بن تونس: تنبيه القراء إلى كفاح مجلة المرشد الغراء، ج1، ص 147.

([97])  أحمد حماني: صراع  بين السنة والبدعة أو القصة الكاملة للسطو بالإمام عبد الحميد بن باديس، ج1، ص 128.

([98])  انظر: محمد ناصر: الصحف العربية الجزائرية من1847-1954م، ص 48

([99])  مامي إسماعيل : جمعية العلماء منة كبرى، النجاح، العدد1229 يوم 9 سبتمبر. 1931 ،ص 1.

([100])  مامي إسماعيل : نفس المرجع والمكان.

([101])  قسم التحرير : رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فى معسكر، النجاح، العدد 1343،يوم 25 جوان 1932،ص1.

([102])  قسم التحرير : القانون الأساسي لجمعية العلماء المطمبن الجزائريين، النجاح، ع 1195 يوم 21 أوت 1931، ص1

([103])  عبد الحفيظ بن الهاشمي : قلة المشاريع الوطنية، النجاح العدد 199 يوم 13 مارس 1925،ص1.

([104])  مامي : دعوة إلى التوفيق، النجام، العدد 1489 يوم 7 جويلية 1933،ص1.

([105])  محمد ناصر ; المقالة الصحفية، المرجع السابق، ص 234.

([106])  ابن باديس، نحن والنجاح، الشهاب، العدد 2، المجلد 1 ،ج 1 يوم 19سبتمبر 1925 ،ص 344.

([107])  قسم التحرير : تأسيس جمعية علماء السنة بالجرائر، النجاح، العدد1380 يوم 28 سبتمبر 1932، ص1

([108])  محمد العزوزي ; حول ميكروب النجاح، صدى الصحراء، العدد10 يوم 8 فيفري 1926،ص2

([109])  انظر: محمد ناصر، الصحف العربية، ص 51.

([110])  الشهائد والفتاوى، ص 58.

([111])  لسان الدين، ع: 1، الجزائر: 2 جانفي 1923.

([112])  أحمد بن مصطفى العلاوي: أعذب المناهل، ص 163، نقلا عن: غزالة بوغانم، الطريقة العلاوية في الجزائر ومكانتها الدينية والاجتماعية 1934 – 1909، ص251.

([113])  انظر: أحمد توفيق المدني: كتاب الجزائر، ص 372.

([114])  أضاميم المد الساري، ج 1، المصدر السابق. ص 56.

([115])  أضاميم المد الساري، ج 1، المصدر السابق. ص 61.

([116])  إرشاد النبيل إلى مقالات الأستاذ الجليل، المصدر السابق. ص 174.

([117])  أحمد بن مصطفى العلاوي : رسالة القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف، المطبعة التونسية، تونس: 1339  ص 76.

([118])  المصدر نفسه. ص 2.

([119])  أحمد بن مصطفى العلاوي : رسالة القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف، المطبعة التونسية، تونس: 1339  ص 7.

([120])  أحمد بن مصطفى العلوي: الناصر معروف في الذب عن مجد التصوف، ط 1، مطبعة التوفيق، دمشق: 1931. ص – ص.3.

([121])  أحمد بن مصطفى العلوي: الناصر معروف في الذب عن مجد التصوف، ص 3.

([122])  المقالات كانت قد نشرت في صحيفة البلاغ الجزائري، الأعداد: 69.

([123])  ابن عليوة، القول المعتمد في مشروعية الذكر بالاسم المفرد ص6.

([124])  نقل الشيخ الطريقة الدرقاوية في الأردن الشيخ أحمد حسن شحاذة الردايدة في كتابه (صفحات مطويّة في التصوّف الإسلاميّ) جزءا كبيرا من هذا الكتاب، ابتداء من صفحة 153.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *