الفصل الثالث: من يقع عليها الطلاق

الفصل الثالث

من يقع عليها الطلاق

نتناول في هذا الفصل الركن الثاني من أركان الطلاق، وهو المحل الذي يقع عليه الطلاق، وهو أيضا يحتاج إلى ضبط وحصر حتى يتقيد الطلاق في أضيق الأطر، وقد رأينا أن هذه التقييد يستلزم ثلاثة شروط خصصنا كل شرط منها بمبحث خاص، وهي:

1 ـ أن تكون المطلقة زوجة ثابتة الزوجية، وقد يستغرب أن يعتبر هذا شرطا، ولكن ما سنذكره يزيل الغرابة، فمن الفقهاء من يوقع الطلاق ولو على الأجنبية، فتبين من زوجها يوم يدخل بها.

2 ـ أن تكون معينة بأي نوع من أنواع التعيين التي تدل على أنها مقصودة بالذات.

3 ـ أن يتم طلاقها بالصفة السنية، لا البدعية.

وهذه الضوابط الثلاثة التي سنتناولها في هذا الفصل تحمي مراعاتها من أن يقع الطلاق على من لم تقصد، ويضيق أبوابا من الطلاق فتحها الناس على أنفسهم، وأعانهم عليها بعض الفقهاء.

أولا ـ ثبوت الزوجية

ونقصد به أن المرأة التي يصح إيقاع الطلاق عليها ينبغي أن تكون زوجة له، وقد عقد عليها بالفعل عقدا شرعيا معتبرا، وقد اختلف الفقهاء في هذا اختلافا شديدا سنخصه بالتفصيل في هذا المبحث:

1 ـ حكم طلاق غير الزوجة

اتفق الفقهاء على أنه لا يقع الطلاق على المرأة الأجنبية إن كان تنجيزا، وقد نقل الإجماع على ذلك([1])، وهو ظاهر، أما إن كان تعليقا بالنكاح كأن يقول: إن نكحت فلانة، فهي طالق ففيه ثلاث أقوال([2]):

القول الأول: عدم وقوع الطلاق مطلقا، وقد روي هذا عن ابن عباس، وبه قال سعيد ابن المسيب، وعطاء، والحسن، وعروة، وجابر بن زيد، وسوار والقاضي، والشافعي وأبو ثور، وابن المنذر، ورواية عن أحمد([3])، وهو قول الإمامية والظاهرية، ورواه الترمذي عن علي، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين، وشريح، وغير واحد من فقهاء التابعين، ورواه البخاري عن اثنين وعشرين صحابيا([4])، قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قال الله تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:49) ([5])، وهي آية المسألة، وقد استدل بها الخلف والسلف، قال ابن جريج: بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول: إن طلق ما لم ينكح فهو جائز؟ فقال ابن عباس: (أخطأ في هذا إن الله تعالى يقول: { إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } ولم يقل إذا طلقتم المؤمنات، ثم نكحتموهن)([6])

2 ـ وقد ذكر ابن كثير من استدل من السلف بالآية، فقال:(وقد استدل ابن عباس ما وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعلي بن الحسين زين العابدين وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح، لأن الله تعالى قال:{ إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله([7])وذكر ابن الجوزي استمرار الخلف في الاستدلال بالآية، فقال:(واستدل أصحابنا بهذه الآية لأنه جعل الطلاق بعد النكاح، وقال سماك بن الفضل النكاح عقدة والطلاق يحلها فكيف يحل عقدة لم تعقد، فجعل بهذه الكلمة قاضيا على صنعاء)([8])

3 ـ قال الله تعالى:{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }(الطلاق:1) قال الشافعي بعد سرده لهذه الآيات: (لم أعلم مخالفا في أن أحكام الله تعالى في الطلاق والظهار والإيلاء لا تقع إلا على زوجة ثابتة النكاح يحل للزوج جماعها) ([9])

4 ـ ورود الأحاديث التي يقوي بعضها بعضا، والتي تدل بمجموعها على عدم صحة الطلاق قبل الزواج، قال ابن الجوزي:(لنا ستة أحاديث ([10])، ومن هذه الأحاديث وأقواها قوله صلى الله عليه وآله وسلم (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا طلاق لابن آدم فيما لا يملك) ([11])، قال البيهقي: أصح حديث فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال الترمذي: هو أحسن شيء روي في هذا الباب، قال البيهقي: قال البخاري: أصح شيء فيه وأشهره حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده([12]).

ومن تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم وإن عينها)([13])

ومنها ما روي عن أبي ثعلبة الخشني قال قال لي عم لي: اعمل عملا حتى أزوجك ابنتي، فقلت: إن تزوجتها فهي طالق ثلاثا، ثم بدا لي أن أتزوجها، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لي: تزوجها فإنه لا طلاق إلا بعد نكاح، فتزوجتها فولدت لي أسعدا وسعيدا، ومثله ما روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي عرضت على قرابة لي أتزوجها فقلت: هي طالق ثلاثا إن تزوجتها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:هل كان قبل ذلك من ملك قال: لا قال: لا بأس فتزوجها([14]).

ومنها ما روي عن ابن عمر قال عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق،قال:(طلق ما لا يملك([15])

ومنها ما روي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا بعد ملك) ([16])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(ليس على رجل طلاق فيما لا يملك ([17])

5 ـ ورود الآثار الكثيرة من السلف على القول بذلك، ويدل على أن هذا القول هو المفتى به في عهد السلف ما روي عن المنذر ابن علي بن أبي الحكم أن بن أخيه خطب بنت عمه، فتشاجروا في بعض الأمر فقال الفتى: هي طالق إن نكحتها حتى آكل الغضيض، [قال: والغضيض طلع النخل الذكر]، ثم ندموا على ما كان من الأمر، فقال المنذر: أنا آتيكم بالبيان من ذلك، فانطلق إلى سعيد بن المسيب فذكر له، فقال ابن المسيب: ليس عليه شيء، طلق ما لم يملك قال: ثم إني سألت عروة بن الزبير فقال مثل ذلك، ثم سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن فقال مثل ذلك، ثم سألت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال مثل ذلك، ثم سألت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم سألت عمر بن عبدا لعزيز فقال: هل سألت أحدا قلت: نعم، فسماهم قال: ثم رجعت إلى القوم فأخبرتهم([18]).

6 ـ أن ما روي من السلف من ثبوت الطلاق محمول عل الكراهة، كما سئل القاسم وسالم عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق قالا: هي كما قال، وعن أبي أسامة عن عمر بن حمزة أنه سأل سالما والقاسم وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعبد الله بن عبد الرحمن عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق البتة فقالوا كلهم: لا يتزوجها، قال ابن حجر:(وهو محمول على الكراهة دون التحريم، لما أخرجه إسماعيل القاضي في أحكام القرآن أن القاسم سئل عن ذلك فكرهه، فهذا طريق التوفيق بين ما نقل عنه من ذلك) ([19])

7 ـ أن القائل إن تزوجت فلانة فهي طالق مطلق لأجنبية، وهو محال حين الطلاق، والمتجدد هو نكاحها والنكاح لا يكون طلاقا، فعلم أنه لو طلقت، فإنما يكون ذلك استنادا إلى الطلاق المتقدم معلقا، وهي إذ ذاك أجنبية الصفة لا يجعله متكلما بالطلاق عند وجودها، فإنه عند وجودها مختار للنكاح غير للطلاق فلا يصح كما لو قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت وهي زوجته تطلق بغير خلاف.

8 ـ عدم صحة القياس على نذر العتق، وذلك من وجوه:

الوجه الأول: أن العتق له قوة وسراية ولا يعتمد نفوذ الملك لأنه ينفذ في ملك ويصح أن يكون الملك سببا لزواله بالعتق عقلا وشرعا.

الوجه الثاني: أن العتق ومثله النذر قربة محبوبة لله تعالى، والتوسل إليه بكل وسيلة مفضية إلى محبوبه، بخلاف الطلاق فإنه مبغض إلى الله وهو أبغض الحلال إليه ولم يجعل ملك البضع بالنكاح سببا لإزالته.

الوجه الثالث: أن تعليق العتق بالملك من باب نذر القرب والطاعات والتبرر، كقوله: إن آتاني الله من فضله لأتصدقن بكذا وكذا، فإذا وجد الشرط لزمه ما علقه به من المقصودة بخلاف تعليق الطلاق على الزواج.

القول الثاني: وقوع الطلاق مطلقا، وهو قول النخعي والشعبي ومجاهد وعمر بن عبد العزيز، وقول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر ومحمد، فلم يفرقوا بين من عم أو خص، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قال الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:49)، وقد استدلوا بالآية من وجهين:

الوجه الأول: نفي صحة الاستدلال بالآية على صحة القول الأول، قال ابن التين:(احتجاج البخاري بهذه الآية على عدم الوقوع لا دلالة فيه(وقال ابن المنير:(ليس فيها دليل، لأنها إخبار عن صورة وقع فيه الطلاق بعد النكاح، ولا حصر هناك، وليس في السياق ما يقتضيه) ([20])

الوجه الثاني: الاستدلال بالآية على وقوع الطلاق، قال الجصاص في بيان وجه الاستدلال:(دلالتها ظاهرة في صحة هذا القول من قائله ولزوم حكمه عند وجود النكاح، لأنها حكمت بصحة وقوع الطلاق بعد النكاح، ومن قال لأجنبية: إذا تزوجتك فأنت طالق فهو مطلق بعد النكاح، فوجب بظاهر الآية إيقاع طلاقه وإثبات حكم لفظه، وهذا القول هو الصحيح)([21])

2 ـ قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }(المائدة:1)،فقد اقتضى ظاهر الآية إلزام كل عاقد موجب عقده ومقتضاه، فلما كان هذا القائل عاقدا على نفسه إيقاع طلاق بعد النكاح وجب أن يلزمه حكمه، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(المسلمون عند شروطهم)([22])، فقد أوجب ذلك أن كل من شرط على نفسه شرطا ألزم حكمه عند وجود شرطه.

3 ـ أن النصوص الواردة في الباب محمولة على نفي التخيير، لا على عدم وقوع الطلاق، وهذا الحمل مأثور عن السلف كالشعبي والزهري وغيرهما، فعن هشام بن سعد أنه قال لابن شهاب، وهو يذاكره هذا النحو من الطلاق:(ألم يبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك)، فقال ابن شهاب: بلى قد قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن أنزلتموه على خلاف ما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،إنما هو أن يذكر الرجل للرجل المرأة، فيقال له تزوجها، فيقول: هي طالق ألبتة فهذا ليس بشيء، فأما من قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق ألبتة، فإنما طلقها حين تزوجها، أو قال هي حرة إن اشتريتها، فإنما أعتقها حين اشتراها.

وروي عن الزهري كذلك في قول عائشة،:(لا طلاق إلا بعد نكاح) قال الزهري: وإنما تعني بذلك الرجل يقال له نزوجك فلانة، فيقول هي طالق، فأما إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لزمه الطلاق، قال في الدراية:(وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي والنخعي والزهري وسالم والقاسم وعمر بن عبد العزيز ومكحول والأسود وأبي بكر بن حزم وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبد الله بن عبد الرحمن في رجل قال إن تزوجت فلانة فهي طالق هو كما قال)([23])

4 ـ رواية ذلك عن السلف، فقد رووا أن عمر قال في رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق قال: هو كما قال، ورووا أن رجلا خطب امرأة فقال هي علي كظهر أمي إن تزوجتها فأمره عمر أن يتزوجها ولا يقربها حتى يكفر كفارة الظهار، ورووا عن الأسود أنه قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها ناسيا فأتى ابن مسعود فذكر ذلك له فألزمه الطلاق([24]).

5 ـ اتفاق العلماء على أن النذر لا يصح إلا في ملك، واعتبار أن من قال:(إن رزقني الله ألف درهم فلله علي أن أتصدق بمائة منها) أنه ناذر في ملكه من حيث أضافه إليه وإن لم يكن مالكا في الحال، فكذلك الطلاق إذا أضافه إلى الملك كان مطلقا.

6 ـ اتفاق العلماء على أن من قال لجاريته: (إن ولدت ولدا فهو حر) فحملت بعد ذلك وولدت أنه يعتق وإن لم يكن مالكا في حال القول؛ لأن الولد مضاف إلى الأم التي هو مالكها، كذلك إذا أضاف الطلاق إلى التزوج.

7 ـ أنه لا يخلو العاقد لهذا القول من أن يكون مطلقا في حال العقد، أو في حال الإضافة ووجود الشرط، فلما اتفق الجميع على أن من قال لامرأته: إذا بنت مني وصرت أجنبية فأنت طالق أنه موقع للطلاق في حال الإضافة، لا في حال القول، وأنه بمنزلة من أبان امرأته، ثم قال لها: أنت طالق، فسقط حكم لفظه، ولم يعتبر حال العقد مع وجود النكاح فيها، صح أن الاعتبار بحال الإضافة دون حال العقد، فإن القائل للأجنبية: إذا تزوجتك فأنت طالق موقع للطلاق بعد الملك.

القول الثالث: التفريق بين التخصيص والتعميم، فيقع الطلاق بالتخصيص ولا يقع بالتعميم، فمن حلف بطلاق من يتزوج إن لم يسم قبيلة أو يعين امرأة أنه لا شيء عليه، إلا إذا سد على نفسه باب الاستمتاع فلا يلزمه شيء، أما إذا لم يسد على نفسه باب الاستمتاع فإنه يلزمه ذلك([25])، وهو مذهب مالك، وبه قال النخعي والشعبي والأوزاعي، وقد استدلوا على ذلك زيادة على ما سبق ذكره من أدلة القول الثاني مارواه مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول فيمن قال: كل امرأة أنكحها فهي طالق أنه إذا لم يسم قبيلة أو امرأة بعينها فلا شيء عليه قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، فهو الذي تدل عليه النصوص، وتقتضيه المقاصد الشرعية من تضييق باب الطلاق ومنع التلاعب به، وفيما ذكرنا من أدلة القول ما يكفي للدلالة على هذا.

2 ـ طلاق الزوجة من زواج فاسد

اتفق الفقهاء على أنه لا يقع الطلاق في نكاح باطل إجماعا، كنكاح خامسة وأخت على أختها([26])، واختلفوا في النكاح الفاسد المختلف فيه على قولين:

القول الأول([27]): أن التفريق في النكاح الفاسد إما أن يكون بتفريق القاضي أو بمتاركة الزوج، وهو قول الحنفية والشافعية، وأن هذا التفريق ليس بطلاق.

وقد نص الحنفية على أنه لا يتحقق الطلاق في النكاح الفاسد، بل هو متاركة فيه ولا تحقق للمتاركة إلا بالقول إن كانت مدخولا بها، كقوله: تاركتك أو تاركتها أو خليت سبيلك أو خليت سبيلها أو خليتها.

أما غير المدخول بها فتتحقق المتاركة بالقول وبالترك عند بعضهم وهو تركها على قصد أن لا يعود إليها، وعند البعض لا تكون المتاركة إلا بالقول فيهما حتى لو تركها ومضى على عدتها سنون لم يكن لها أن تتزوج بآخر، وإنكار الزوج النكاح إن كان بحضرتها فهو متاركة وإلا فلا كإنكار الوكيل الوكالة.

أما علم غير المتاركة بالمتاركة، فقد اختلف فيه، فقيل إنه شرط لصحة المتاركة حتى لو لم يعلمها لا تنقضي عدتها، وقيل: إن علم المرأة في المتاركة ليس

واختلفوا في ثبوت المتاركة من المرأة فقيل:إن المتاركة لا تكون من المرأة أصلا كما قيده الزيلعي بالزوج، وقيل: إن لكل واحد منهما أن يستبد بفسخه قبل الدخول وبعده، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن وقوع الطلاق يختص بنكاح صحيح.

2 ـ أنه ليس بطلاق حقيقة إنما هو فسخ.

وقد كان هذا القول من الطرق التي تحلل بها المرأة إلى زوجها، وذلك بالبحث في مفسد من مفسدات الزواج على مذهب من المذاهب، ثم الحكم بعدم وقوع الطلاق لذلك، وكمثال على الفتاوى في ذلك ما سئل شهاب الدين الرملي عما لو طلقها ثلاثا، ثم اتفقا على عدم شرط من شروط النكاح ولم يقبل إقرارهما، فإذا قبلها الحاكم وحكم بفساد العقد هل تحل للزوج بلا محلل أو لا؟ فأجاب بأنه يحل لمطلقها نكاحها بلا محلل لوجود الحكم بفساد النكاح فيترتب عليه جميع مقتضاه ([28]).

القول الثاني: وقوع الطلاق في النكاح الفاسد المختلف فيه، وهو قول المالكية والحنابلة، فقد سئل ابن القاسم:طلق قبل أن يفسخ نكاحه، أيقع طلاقه عليها، وهو إنما هو نكاح لا يقر على حال؟ فقال: لم أسمع من مالك فيه شيئا وأرى أنه لا يقع طلاقه لأن الفسخ فيه يكون طلاقا قال: وذلك إن كان ذلك النكاح حراما ليس مما اختلف الناس فيه، فأما ما اختلف الناس فيه حتى يأخذ به قوم ويكرهه قوم فإن المطلق يلزمه ما طلق فيه وقد فسرت هذا قبل ذلك ويكون الفسخ فيه عندي تطليقة([29])

وقد بين الشيخ عليش وجه استدلال من قال بوقوع الطلاق، فقال إجابة على سؤال نصه:(أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا مختلفا فيه في المذهب أو غيره بالبينونة، والرجعة، ثم بعد ذلك أوقع الثلاث فهل يلحق به نظرا للمخالف كمن طلق في نكاح مختلف فيه، ويكون محل قولهم البائن لا يرتدف عليه غيره إذا كان متفقا عليه أو لا؟)

فأجاب:(نعم يلحق به نظرا للمخالف واستحسانا، واحتياطا للفروج إذا كان الإرداف في العدة)([30])

وقد نص الحنابلة على أنه لا يكون الطلاق في نكاح مختلف فيه بدعيا في حيض، فيجوز فيه ولا يسمى طلاق بدعة؛ لأن الفاسد لا تجوز استدامته كابتدائه. ([31])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على ما سبق ذكره من تضييق دائرة الطلاق ما أمكن، ولأن الزوجة من زواج فاسدة لا تعتبر زوجة حقيقية، لأن الزوجة الحقيقية هي التي تستقر معاشرتها مع زوجها، ولا تطلق إلا برغبته أو بأسباب التفريق المشروعة، وليس في الزواج الفاسد كل ذلك، فهو تفريق بغير رغبته ولا رغبة زوجته، فلذلك كان الأصلح لهما عدم اعتبار ذلك التفريق طلاقا حتى إذا ما صححا العقد وتزوجا زواجا صحيحا خلت ذمتهما من أي طلقة.

3 ـ إضافة الطلاق إلى بعض أجزاء المرأة

تكلم الفقهاء في تبعيض الطلاق وتجزئته من ناحيتين:

الناحية الأولى: إذا طلق جزءا من طلقة، وسنعرض لها في محلها الخاص من صيغة الطلاق.

الناحية الثانية: إذا طلق جزءا منها، وهو الذي سنتحدث عنه هنا لعلاقته بالزوجة،لأن السؤال الذي يرد بعد معرفة ثبوت الزوجية هو هل الزوجية تتعلق بجميع المرأة أم أنه يصح تعليقها على بعض أجزائها.

وقد اتفق الفقهاء هنا على أنه إن أضاف الطلاق إلى الريق والدمع والعرق والحمل لم تطلق، قال ابن قدامة:(لا نعلم فيه خلافا)؛ ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن هذه ليست من جسمها وإنما الريق والدمع والعرق فضلات تخرج من جسمها فهو كلبنها.

2 ـ أن الحمل مودع فيها، وليس جزءا منها، كما قال الله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُون}(الأنعام:98) قيل: مستودع في بطن الأم.

وقد اختلفوا فيما لو طلق الزوج من المرأة جزءا من أجزائها الثابتة، على قولين:

القول الأول: يقع بذلك الطلاق، سواء كان ما طلقه جزءا شائعا كنصفها أو سدسها أو جزءا من ألف جزء منها أو جزءا معينا كيدها أو رأسها أو أصبعها،وهو قول الحسن ومذهب الشافعي وأبي ثور وابن القاسم صاحب مالك([32]).

ففي المدونة أرأيت الرجل إن قال: لامرأته يدك طالق أو رجلك طالق أو إصبعك طالق؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا، وأرى أنه إذا طلق يدا أو رجلا أو ما أشبه ذلك فهي طالق كلها وكذلك الحرية([33])

وفي الأم، قال الشافعي: وإذا قال الرجل لامرأته بدنك أو رأسك أو فرجك أو رجلك أو يدك أو سمى عضوا من جسدها أو إصبعها أو طرفا ما كان منها طالق فهي طالق، ولو قال لها بعضك طالق أو جزء منك طالق أو سمى جزءا من ألف جزء طالقا كانت طالقا والطلاق لا يتبعض وإذا قال لها أنت طالق نصف أو ثلث أو ربع تطليقة أو جزءا من ألف جزء كانت طالقا والطلاق لا يتبعض([34]).

ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن ذلك على سيل الاحتياط، قال العز بن عبد السلام:(إذا طلق من امرأته جزءا معينا أو شائعا سرى الطلاق إلى بقيتها احتياطا للأبضاع بخلاف الأوقاف والصدقات، فإن التصرف فيها مقصور على محله) ([35])

2 ـ أنه أضاف الطلاق إلى جزء ثابت استباحه بعقد النكاح فأشبه الجزء الشائع والأعضاء الخمسة.

3 ـ أنه أضاف الطلاق إلى جزء مستمتع به منها بعقد النكاح، فيقع الطلاق كالوجه والرأس.

4 ـ أن مبنى الطلاق على الغلبة والسراية فإذا أوقعه على جزء منها، يسري إلى جميعها كالجزء الشائع، وبه فارق النكاح فإنه غير مبني على السراية ولهذا لا تصح إضافته إلى جزء شائع.

5 ـ أن الحل والحرمة إذا اجتمعا في المحل يترجح جانب الحرمة في الابتداء والانتهاء، والدليل عليه أنه لو قال لها: أنت طالق شهرا، يقع مؤبدا ولو قال: تزوجتك شهرا، لم يصح النكاح فيجعل ذكر جزء منها كذكر جزء من الزمان في الفصلين.

6 ـ أنها جملة لا تتبعض في الحل والحرمة وجد فيها ما يقتضي التحريم والإباحة فغلب فيها حكم التحريم كما لو اشترك مسلم ومجوسي في قتل صيد.

7 ـ أن قياسهم لا يصح، لأنه الشعر والظفر ليس بثابت فإنهما يزولان ويخرج غيرهما ولا ينقض مسهما الطهارة.

القول الثاني: أنه إن أضافه إلى جزء شائع أو واحد من أعضاء خمسة؛ الرأس والوجه والرقبة والظهر والفرج([36]) طلقت، وإن أضافه إلى جزء معين غير هذه الخمسة لم تطلق، وهو قول الحنفية، وقد قيدوا ذلك بما لو قصد بالجزء الكل، قال السرخسي:(لو قال لها: رأسك طالق، كانت طالقا لا بإضافة الطلاق إلى الرأس بعينه، فإنه لو قال: الرأس منك طالق أو وضع يده على رأسها وقال: هذا العضو منك طالق، لا يقع شيء ولكن باعتبار أن الرأس يعبر به عن جميع البدن يقال هؤلاء رءوس القوم، ومع الإضافة إلى الشخص أيضا يعبر به عن جميع البدن يقول الرجل: أمري حسن ما دام رأسك أي ما دمت باقيا([37])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(الطلاق:1)، أمر الله تعالى بتطليق النساء، والنساء جمع المرأة والمرأة اسم لجميع أجزائها، والأمر بتطليق الجملة يكون نهيا عن تطليق جزء منها لا يعبر به عن جميع البدن؛ لأنه ترك لتطليق جملة البدن، والأمر بالفعل نهي عن تركه والمنهي لا يكون مشروعا فلا يصح شرعا.

2 ـ أن الوجه يعبر به عن جميع البدن يقول الرجل لغيره: يا وجه العرب، وكذلك الجسد والبدن والرقبة والعنق يعبر بها عن جميع البدن قال الله تعالى:{ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ }(النساء:92) وقال الله تعالى:{ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين}(الشعراء:4)، وكذلك الروح يعبر بها عن جميع البدن فصار هو بهذا اللفظ مضيفا الطلاق إلى جميعها فكأنه قال: أنت طالق.

3 ـ أن سائر الأعضاء ليست بمحل لإضافة النكاح إليها، فكذلك الطلاق.

4 ـ أن هذه الأعضاء تبع في حكم النكاح والطلاق، ولهذا صح النكاح والطلاق وإن لم يكن لها أصبع، ويبقى بعد فوات الأصبع.

5 ـ أن ذكر التبع، لا يصير الأصل مذكورا وإذا كان تبعا، لا يكون محل الإضافة التصرف إليه، والسراية إنما تتحقق بعد صحة الإضافة، ولذلك فإن وقوع الطلاق بذكر الوجه والرأس ليس بطريق السراية، بل باعتبار دلالتها عن جميع البدن.

6 ـ أنه لا يمكن تصحيح الكلام هنا بطريق الإضمار، وهو أن يقدم الإيقاع على البدن لتصحيح كلامه؛ لأنه لو كان هذا كلاما مستقيما، لصح إضافة النكاح إلى اليد بهذا الطريق.

7 ـ أن المقتضى تبع للمقتضي، وجعل الأصل تبعا للأصبع متعذر فلهذا لا يصح بطريق الاقتضاء.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن الطلاق منصرف إلى الزوجة، وأجزاء الزوجة لا تعبر عنها بالضرورة.

ثانيا ـ تعيين المطلقة

1 ـ طرق تعيين المطلقة

اتفق الفقهاء على اشتراط تعيين المطلقة، وقد اتفقوا على أن طرق التعيين كلها يقع بها الطلاق، وقد خصوا بالتفصيل ثلاثة طرق هي: الإشارة، والوصف، والنية، فأيها قدم جاز، ولعلاقة هذه الطرق ببعضها حالتان:

توافق طرق التعيين:

اتفق الفقهاء على أنه لو عين المطلقة بالإشارة والصفة والنية وقع الطلاق على المعينة، كأن قال لزوجته التي اسمها ليلى مشيرا إليها: يا ليلى، أنت طالق، قاصدا طلاقها، فإنها تطلق بالاتفاق، لتمام التعيين بذلك.

فإن أشار إلى واحدة من نسائه دون أن يصفها بوصف، ولم ينو غيرها، وقال لها: أنت طالق، وقع الطلاق عليها، لأن الإشارة كافية للتعيين.

ومثل ذلك ما لو وصفها بوصفها دون إشارة ودون قصد غيرها، فإنها تطلق أيضا، كما إذا قال: ليلى طالق.

ومثل ذلك ما لو نوى واحدة من نسائه، ولم يشر إليها ولم يصفها، كما إذا قال: إحدى نسائي طالق، ونوى واحدة منهن، فإنها تطلق دون غيرها، وكذلك لو قال: امرأتي طالق، وليس له غير زوجة واحدة، فإنها تطلق.

تعارض طرق التعيين:

ولها صور كثيرة، مثل أن ينوي خلاف ما يتلفظ، أو يشير خلاف ما يصف، كأن يشير إلى واحدة من نسائه، ويسمي غيرها، ومثال ذلك أن يقول لإحدى زوجاته واسمها سلمى: أنت يا ليلى طالق، وكانت الأخرى اسمها ليلى، وسنذكر هنا آراء المذاهب الفقهية في المسألة لكثرة التفاصيل بين المذاهب المختلفة، ثم نعقبها ببيان الأقوال العامة في المسألة:

مذهب الحنفية:

نص الحنفية([38]) على أنه لو قال: يا زينب، فأجابته عمرة؛ فقال: أنت طالق ثلاثا طلقت التي أجابته، لأنه أتبع الإيقاع الجواب فيصير مخاطبا للمجيبة، وإن قال: أردت زينب قلنا تطلق زينب بقصده، ولكنه لا يصدق في صرف الكلام عن ظاهره فتطلق عمرة أيضا بالظاهر كما لو قال: زينب طالق، وله امرأة معروفة بهذا الاسم تطلق، فإن قال: لي امرأة أخرى بهذا الاسم تزوجتها سرا، وإياها عنيت قلنا تطلق تلك بنيته، والمعروفة بالظاهر.

ولو قال: يا زينب أنت طالق ولم يجبه أحد طلقت زينب؛ لأنه أتبع الإيقاع النداء فيكون خطابا للمنادى وهي زينب.

وإن قال لامرأته يشير إليها: يا زينب أنت طالق فإذا هي عمرة طلقت عمرة، إن كانت امرأته، وإن لم تكن امرأته، لم تطلق زينب؛ لأن التعريف بالإشارة أبلغ من التعريف بالاسم، فإن التعريف بالإشارة يقطع الشركة من كل وجه، وبالاسم لا، فكان هذا أقوى، ولا يظهر الضعيف في مقابلة القوي؛ فكان هو مخاطبا بالإيقاع لمن أشار إليها خاصة.

وإن قال: يا زينب أنت طالق، ولم يشر إلى شيء غير أنه رأى شخصا فظنها زينب، وهي غيرها طلقت زينب في القضاء؛ لأنه بنى الإيقاع على التعريف بالاسم هنا فإنما يقع على المسماة، ولا معتبر بظنه؛ لأن التعريف لا يحصل به في الظاهر، والقاضي مأمور باتباع الظاهر، فأما فيما بينه وبين الله تعالى لا تطلق هي ولا الأخرى؛ لأنه عناها بقلبه، والله تعالى مطلع على ما في ضميره فيمنع ذلك الإيقاع على زينب التي لم يعنها بقلبه، وعلى التي عناها بقلبه؛ لأنه لم يخاطبها بلسانه حين أتبع الخطاب النداء.

مذهب الشافعية:

نص الشافعية على طلاق المجيبة في الأصح، أما المناداة فلم تطلق، وفي قول آخر لم تطلقا، ولو قال الرجل لزوجته وأجنبية معها: إحداكما طالق، ثم قال: قصدت الأجنبية، قبل قوله في الأصح لدى الشافعية، لاحتمال كلامه ذلك ولكون الأجنبية من حيث الجملة قابلة – أي للطلاق – فتقدم النية، وفي قول آخر تطلق زوجته، لأنها محل الطلاق دون الثانية، فلا يصرف قوله إلى قصده، للقاعدة الفقهية الكلية: إعمال الكلام أولى من إهماله، فإن لم يكن له قصد أصلا، طلقت زوجته قولا واحدا للقاعدة السابقة، فلو قال لزوجته ورجل: أحدكما طالق، وقصد الرجل، بطل قصده، وطلقت زوجته، لأن الرجل ليس محل الطلاق أصلا. ولو قال لإحدى زوجتيه: إحداكما طالق إن فعلت كذا، ثم فعل المحلوف عليه بعد موت إحداهما، تعينت الثانية الحية للطلاق، طلقت([39]).

مذهب المالكية:

نص المالكية على لو كان له زوجتان: سلمى وعمرة، فدعا سلمى فأجابته عمرة، فظنها سلمى فطلقها، طلقت سلمى ديانة وقضاء عند المالكية للقصد، أما عمرة فتطلق قضاء لا ديانة لعدم القصد، ففي المدونة، سئل ابن القاسم:(أرأيت لو أن رجلا قال: حكمة طالق، وامرأته تسمى حكمة وله جارية يقال لها حكمة؟ قال: لم أرد امرأتي وإنما أردت جاريتي حكمة، فقال: سمعت مالكا وسألناه عن الرجل يحلف للسلطان بطلاق امرأته طائعا فيقول امرأتي طالق إن كان كذا وكذا لأمر يكذب فيه، ثم يأتي مستفتيا ويزعم أنه إنما أراد بذلك امرأة كانت له قبل ذلك وأنه إنما ألغز على السلطان في ذلك، قال مالك: لا أرى أن ذلك ينفعه وأرى امرأته طالقا وإن جاء مستفتيا فأما مسألتك إن كان على قوله بينة لم ينفعه قوله إنما أراد جاريته، وإن لم تكن عليه بينة، وإنما جاء مستفتيا لم أرها مثل مسألة مالك ولم أر عليه في امرأته طلاقا؛ لأن هذا سمى حكمة، وإنما أراد جاريته وليست عليه بينة ولم يقل امرأتي([40])

تعيين المطلقة بالنية:

اختلف الفقهاء في أثر النية في تعيين المطلقة، وذلك عند احتمال وجود غيرها، وعند احتمال خطئه دون تعمده، ومن الأمثلة التي ضربها الفقهاء لذلك([41]):

المثال الأول:

ما لو كانت لرجل امرأتان، فدعا إحداهما فأجابته، فقال: أنت طالق، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: تطلق المجيبة وحدها؛ لأنها مخاطبة بالطلاق، فطلقت، كما لو لم ينو غيرها، ولا تطلق المنوية؛ لأنه لم يخاطبها بالطلاق، ولم تعترف بطلاقها، وهو قول الشافعية والحنفية.

وقد نص الحنفية على أن هذا يعتبر في القضاء، أما فيما بينه وبين الله تعالى فإنما يقع على التي نوى، وقد نصوا على أنه لو قال لزوجته: أنت فلانة فقالت: الأخرى: نعم، فقال: إذن أنت طالق لا تطلق، أما لو أجابها بقوله: عليك الطلاق أو لك اعتبرت النية، ولو كان له امرأتان اسمهما واحد ونكاح إحداهما فاسد فقال: فلانة طالق وقال: عنيت التي نكاحها فاسد لا يصدق في القضاء([42]).

القول الثاني: ينظر إلى نيته في هذه الحالة، فإن لم تكن له نية، أو نوى المجيبة وحدها، طلقت وحدها؛ لأنها المطلقة دون غيرها، أما إن قال: ما خاطبت بقولي: أنت طالق، إلا الزوجة الأخرى، وكانت حاضرة، فإنها تطلق وحدها إلا إذا قال: علمت أن المجيبة هي الزوجة الأولى، فخاطبتها بالطلاق، وأردت طلاق ثانية، فإنهما تطلقان معا، باتفاق الفقهاء.

أما إن قال: ظننت المجيبة الزوجة الأولى فطلقتها، فقد اختلف الفقهاء في المطلقة منهما على الأقوال التالية:

القول الأول: تطلق الأولى والثانية، وهو قول النخعي، وقتادة، والأوزاعي، وأصحاب الرأي، ورواية عن أحمد،لأنه خاطبها بالطلاق، وهي محل له، فطلقت، كما لو قصدها.

القول الثاني: لا تطلق إلا التي نوى، وهو قول الحسن، والزهري، وأبي عبيد، ورواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بأنه لم يقصدها بالطلاق، فلم تطلق، كما لو أراد أن يقول: أنت طاهر. فسبق لسانه، فقال: أنت طالق.

المثال الثاني:

لو لقي أجنبية، ظنها زوجته، فقال: يا فلانة أنت طالق، يقصد زوجته، فإذا هي أجنبية،وقد اختلف الفقهاء في حصول الطلاق لزوجته بهذا القول على قولين:

القول الأول: طلقت زوجته، وهو قول الجمهور، لأنه قصد زوجته بلفظ الطلاق، فطلقت، كما لو قال: علمت أنها أجنبية، وأردت طلاق زوجتي.

أما إن قال لها: أنت طالق، ولم يذكر اسم زوجته، فإن ذلك يحتمل أنه قصد امرأته بلفظ الطلاق، واحتمل أن لا تطلق؛ لأنه لم يخاطبها بالطلاق، ولا ذكر اسمها معه، وإن علمها أجنبية، وأراد بالطلاق زوجته، طلقت. وإن لم يردها بالطلاق، لم تطلق.

القول الثاني: لا تطلق؛ لأنه خاطب بالطلاق غيرها، فلم يقع، كما لو علم أنها أجنبية، فقال: أنت طالق، وهو قول الشافعية.

المثال الثالث:

نص الفقهاء على أنه إن أشار إلى زوجته الأولى، فقال: يا فلانة، أنت طالق، ونيته طلاق الثانية، فسبق لسانه إلى نداء الأولى، طلقت الأولى وحدها؛ لأنه لم يرد بلفظه إلا طلاقها، وإنما سبق لسانه إلى غير ما أراده، فأشبه ما لو أراد أن يقول: أنت طاهر، فسبق لسانه إلى أنت طالق.

أما إن أتى باللفظ مع علمه أن المشار إليها الزوجة الثانية، فإنهما تطلقان معا، الثانية بالإشارة إليها، وإضافة الطلاق إليها، والأولى بنيته، وبلفظه بها، وإن ظن أن المشار إليها الثانية، طلقت، واختلف في تطليق الثانية كما سبق بيانه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اعتبار النية واللفظ جميعا، وأن تطابق النية اللفظ، كما سنشرح ذلك بتفصيل عند الحديث عن صيغ الطلاق.

ونرى أنه لا يصح التفريق في هذا بين وقوع الطلاق قضاء دون وقوعه ديانة، لأن الغرض من الحكم القضائي هو تقرير وتطبيق الناحية التعبدية لا التعارض بينه وبينها، والأصل في القضاء في مثل هذه الأحوال التي قد تنهار بسببها البيوت الحرص على استمرار العلاقة لا البحث عن أي سبيل لقطعها.

فكيف يقبل أن تطلق امرأتان في لحظة واحدة لأن إحداهما قصدت بالنية، والأخرى لم تفعل شيئا إلا أنها سارعت لإجابة زوجها مع أنه دعا ضرتها، مع التعليل بأن ذلك أتبع لإيقاع الجواب، فيصير مخاطبا للمجيبة، ومن أدرانا بحال الزوج حينذاك، وهل سمع حقيقة الجواب أم أن ما هو فيه جعله غافلا حتى على من أجابته؟

ومثل ذلك ما قالوا بأنه لو قال لامرأته يشير إليها: يا زينب أنت طالق فإذا هي عمرة طلقت عمرة، فأي ذنب تطلق به عمرة؟ وهي لم تقصد في القلب، ولم يتلفظ باسمها باللسان، ولعل زوجها أعماه حاله عن تثبيت النظر إليها، وهكذا يقال في كل المسائل الأخرى، وأن العبرة من كل ذلك هو نيته بدون تفريق بين الديانة والقضاء، وأن المرجع في ذلك كله قول الزوج، فهو أعلم بمراد نفسه، وقد قال الله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}(الأحزاب:5)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فالعبرة بالنية قبل أن تكون بالوصف أو بالإشارة، وقد سبق ذكر حديث خيثمة بن عبد الرحمن قال: قالت امرأة لزوجها: سمني؟ فسماها الظبية، قالت: ما قلت شيئا؟ قال: فهات ما أسميك به؟ قالت: سمني خلية طالق، قال: فأنت خلية طالق، فأتت عمر فقالت: إن زوجي طلقني؟ فجاء زوجها فقص عليه القصة؟ فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها.

فإنه لا فرق بين الحالتين، لأن عمرة التي ذكرها الفقهاء قد تريد أن تطلق من زوجها فتحتال على ذلك بإجابة زوجها بدل ضرتها.

الجمع بين زوجته وأجنبية:

اتفق الفقهاء على أنه لو قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق. أو قال لحماته: ابنتك طالق، ولها بنت سوى امرأته، أو كان اسم زوجته زينب، فقال: زينب طالق، طلقت زوجته؛ لأنه لا يملك طلاق غيرها.

أما إن قال: أردت الأجنبية، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على الأقوال التالية:

القول الأول: لم يصدق، وهو قول أحمد، فقد نص في رجل تزوج امرأة، فقال لحماته: ابنتك طالق. وقال: أردت ابنتك الأخرى، التي ليست بزوجتي، فقال: يحنث، ولا يقبل منه.

وهذا في الحكم، فأما فيما بينه وبين الله تعالى، فيدين فيه، فمتى علم من نفسه أنه أراد الأجنبية، لم تطلق زوجته؛ لأن اللفظ محتمل له، وإن كان غير مقيد، ولو كانت ثم قرينة دالة على إرادته الأجنبية، مثل أن يدفع بيمينه ظلما، أو يتخلص بها من مكروه، قبل قوله في الحكم؛ لوجود الدليل الصارف إليها، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أنه لا يحتمل غير امرأته على وجه صحيح، فلم يقبل تفسيره بها، كما لو فسر كلامه بما لا يحتمله.

2 ـ أن ما ذكروه من الفرق لا يصح، فإن (إحداكما) ليس بصريح في واحدة منهما، إنما يتناول واحدة لا بعينها، وزينب يتناول واحدة لا بعينها، ثم تعينت الزوجة لكونها محل الطلاق، وخطاب غيرها به عبث، كما إذا قال: إحداكما طالق، ثم لو تناولها بصريحه لكنه صرفه عنها دليل، فصار ظاهرا في غيرها.

3 ـ أنه لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمتلاعنين:(أحدكما كاذب) لم ينصرف إلا إلى الكاذب منهما وحده، ولما قال حسان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا سفيان: فشركما لخيركما الفداء لم ينصرف شرهما إلا إلى أبي سفيان وحده، وخيرهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحده.

القول الثاني: يقبل هاهنا، ولا يقبل فيما إذا قال: زينب طالق، وقال: أردت أجنبية اسمها زينب، وهو قول الشافعي، لأن زينب لا يتناول الأجنبية بصريحه، بل من جهة الدليل، وقد عارضه دليل آخر وهو أنه لا يطلق غير زوجته أظهر، فصار اللفظ في زوجته أظهر، فلم يقبل خلافه، أما إذا قال: إحداهما. فإنه يتناول الأجنبية بصريحه.

القول الثالث: يقبل في الجميع، وهو قول الحنفية وأبي ثور، لأنه فسر كلامه بما يحتمله.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة مثلما ذكرنا سابقا أن العبرة بالنية واللفظ جميعا، وأن اللفظ لابد أن يكون متوافقا مع النية.

2 ـ حكم التشريك في الطلاق

اتفق الفقهاء على وقوع طلاق من جمع بين زوجاته في صيغة الطلاق دون تحديد واحدة معينة، واختلفوا في اعتبار عدد الطلقات، وفي كيفية التعامل مع أنواع صيغ التشريك في الطلاق، وسنذكر هنا آراء المذاهب الفقهية في ذلك مع بيان أن للمسألة علاقة بصيغ الطلاق من جهة، وبحكم الطلاق الثلاث من جهة أخرى، وسنعرض لهما في الفصل الخاص بالصيغة:

مذهب المالكية:

اختلف المالكية في بعض صيغ التشريك على رأيين:

الرأي الأول: إذا قال لزوجاته الأربع شركت بينكن في طلقة، فإن كل واحدة تطلق عليه طلقة، وإن قال شركت بينكن في تطليقتين طلقت كل واحدة منهن طلقتين، وإن قال شركت بينكن في ثلاث تطليقات طلقت كل واحدة منهن ثلاث تطليقات، وهو قول سحنون([43]).

الرأي الثاني: أنه إذا قال لزوجاته الأربع بينكن طلقة واحدة أو طلقتان أو ثلاث تطليقات وقع على كل واحدة طلقة واحدة، لأنه قد ناب كل واحدة ربع طلقة أو نصف طلقة أو ثلاثة أرباع طلقة فكملت عليها، لأن الكسر في الطلاق حكمه التكميل، وإذا قال لهن: بينكن خمس تطليقات أو ست تطليقات أو سبع تطليقات أو ثمان تطليقات فإنه يقع على كل واحدة منهن طلقتان وإن قال لهن: بينكن تسع تطليقات إلى أكثر فإنه يقع على كل واحدة منهن ثلاث تطليقات،وهو قول جمهور المالكية([44]).

مذهب الحنفية:

نص الحنفية على أنه لو قال لأربع نسوة: بينكن طلقة طلقت كل واحدة منهن واحدة، وكذا لو قال بينكن طلقتان، أو ثلاث، أو أربع إلا إذا نوى أن كل طلقة بينهن جميعا فتقع على كل واحدة منهن ثلاث إلا في التطليقتين، فتقع على كل واحدة منهن ثنتان، ولو قال بينكن خمس تطليقات ولا نية له طلقت كل واحدة منهن طلقتين، وكذا ما زاد إلى ثمان تطليقات، فإن زاد على الثمان فكل واحدة منهن طالق ثلاثا.

ولو قال: فلانة طالق ثلاثا وفلانة معها، أو قال أشركت فلانة معها في الطلاق طلقتا ثلاثا ثلاثا، ولو قال: لأربع أنتن طوالق ثلاث طلقت كل واحدة ثلاثا([45]).

مذهب الشافعية:

نص الشافعية على أنه لو قال لأربع: أوقعت عليكن أو بينكن طلقة أو طلقتين أو ثلاثا أو أربعا وقع على كل منهن طلقة، لأن كلا يصيبها عند التوزيع واحدة أو بعضها فتكمل، فإن قصد توزيع كل طلقة عليهن وقع على كل منهن في ثنتين ثنتان وفي ثلاث وأربع ثلاث عملا بقصده، بخلاف ما لو أطلق لبعده عن الفهم، ولو قال خمسا أو ستا أو سبعا أو ثمانيا فطلقتان ما لم يرد التوزيع أو تسعا فثلاث مطلقا.

فإن قال: أردت بينكن أو عليكن لم يقبل ظاهرا في الأصح، لأنه خلاف ظاهر اللفظ من اقتضاء الشركة، أما باطنا فيدين والثاني يقبل لاحتمال بينكن لما أراده بخلاف عليكن فلا يقبل إرادة بعضهن به جزما.

ولو أوقع بينهن ثلاثا ثم قال أردت اثنتين على هذه وقسمت الأخرى على الباقيات قبل، وعليه لو أوقع بين أربع أربعا، ثم قال أردت على ثنتين طلقتين طلقتين دون الأخريين لحق الأوليين طلقتان طلقتان عملا بإقراره، ولحق الأخريين طلقة طلقة لئلا يتعطل الطلاق في بعضهن.

ولو قال أوقعت بينكن سدس طلقة وربع طلقة وثلث طلقة طلقن ثلاثا لأن تغاير الأجزاء وعطفها مشعر بقسمة كل جزء بينهن([46])

ولو طلقها ثم قال للأخرى أشركتك معها، أو جعلتك شريكتها، أو أنت مثلها، أو كهي، فإن نوى بذلك طلاقها المنجز طلقت وإلا فلا تطلق لاحتمال قصده أن الأولى لا تطلق حتى تدخل الأخرى ولم يقبل منه؛ لأنه رجوع عن التعليق الأول، وإن قال: أردت إذا دخلت الأولى طلقت الثانية قبل وطلقتا بدخولها، أو أردت تعليق طلاق الثانية بدخولها نفسها كما في الأولى قبل وتعلق طلاق كل منهما بدخول نفسها، وإن أطلق فالظاهر حمله على هذا الأخير.

ولو طلق رجل زوجته، وقال رجل آخر ذلك لامرأته، كقوله: أشركتك مع مطلقة هذا الرجل أو جعلتك شريكتها، فإن نوى طلاقها طلقت وإلا فلا؛ لأنه كناية وإن أشركها مع ثلاث طلقهن هو أو غيره ونوى وأراد أنها شريكة كل منهن طلقت ثلاثا، أو أنها مثل إحداهن طلقت واحدة، وكذا إن أطلق نية الطلاق ولم ينو واحدة ولا عددا لأن جعلها كإحداهن أسبق إلى الفهم وأظهر من تقدير توزيع كل طلقة، وإن أشركها مع امرأة طلقها هو أو غيره ثلاثا ونوى الشركة في عدد الطلاق طلقت طلقتين؛ لأنه أشركها معها في ثلاث فيخصها طلقة ونصف وتكمل، وقيل واحدة؛ لأنها المتيقنة، وقيل ثلاث لأنه أشركها معها في كل طلقة. أما إذا لم ينو ذلك فيقع واحدة كما جزم به صاحب الأنوار، ولو أوقع بين ثلاث طلقة ثم أشرك الرابعة معهن وقع على الثلاث طلقة طلقة، وعلى الرابعة طلقتان، إذ يخصها بالشركة طلقة ونصف.

ولو طلق إحدى نسائه الثلاث ثلاثا ثم قال للثانية: أشركتك معها ثم للثالثة أشركتك مع الثانية طلقت الثانية طلقتين؛ لأن حصتها من الأولى طلقة ونصف، والثالثة طلقة؛ لأن حصتها من الثانية طلقة.

وهذا كله فيما إذا علم طلاق التي شوركت، فإن لم يعلم كما لو قال: طلقت امرأتي مثل ما طلق زيد، وهو لا يدري كم طلق زيد ونوى عدد طلاق زيد، فمقتضى كلام الرافعي أنه لا يقع قاله الزركشي، ومراده العدد لا أصل الطلاق([47]).

مذهب الحنابلة:

اختلف الحنابلة فيما لو قال لزوجاته الأربع: أوقعت عليكن طلقة، أو اثنتين، أو ثلاثا، أو أربعا هل تقع لكل واحدة طلقة أم يبن جميعا على رأيين:

الرأي الأول: وقع بكل واحدة طلقة، هذا المذهب، وعليه أكثر الحنابلة.

الرأي الثاني: إذا قال: أوقعت بينكن ثلاثا بن منه، واختاره أبو بكر، والقاضي، قال في الرعاية الصغرى: وعنه: إن أوقع ثنتين وقع ثنتان، وإن أوقع ثلاثا أو أربعا فثلاث، قال ابن عبدوس في تذكرته: والأقوى يقع ثلاثة في غير الأولى.

وبناء على هذا الاختلاف وقع اختلافهم في سائر الصيغ، فلو قال: أوقعت بينكن خمسا، فعلى الأول: يقع بكل واحدة طلقتان كذا لو أوقع ستا أو سبعا، أو ثمانيا، وعلى الثانية: يقع ثلاث، وإن أوقع تسعا فأزيد فثلاث على كلا الروايتين.

أما لو قال: أوقعت بينكن طلقة وطلقة وطلقة، فثلاث على كلا الروايتين على الصحيح من المذهب، وقيل: واحدة على الرواية الأولى([48]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اعتبار قصد الزوج في طلاقه، فإن قصد طلاق الجميع طلق الجميع، ولكن بشرط تحقق جميع الضوابط التي رجحناها في هذا الكتاب، فإن كانت إحداهن حائضا مثلا، فإنه لا يشملها الطلاق، أو طلق واحدة مثلا برضى، وطلق الأخريات بعدها وهو في حالة غضب، لم يقع طلاقهن.

ولا يستعصي علينا تصور ذلك، فإنه قد يطلق واحدة منهن مثلا لرغبته في طلاقها، فيلمنه على ذلك ويعاتبنه فيه، أو يعاتبه أجنبي، فيغضب، ويرمي الطلاق على سائر أزواجه، فإن الطلاق في هذه الصورة لا يقع لأن الدافع له غضب الزوج لا الرغبة في الطلاق، وهكذا في سائر الضوابط.

أما التفاصيل التي ذكرها الفقهاء هنا، فلا حاجة لها إذا قلنا بأن الطلاق الثلاث في مجلس واحد لا يقع إلا طلقة واحدة، وهو الأرجح الذي تدل عليه الأدلة الكثيرة كما سنرى في صيغة الطلاق، وهو الأوفق كذلك بالمقاصد الشرعية من تشريع العدة والرجعة والعدد في الطلاق، وسنرى تفاصيل ذلك في محالها.

3 ـ نسيان المطلقة المعينة

فقد يطلق رجل ما امرأة من زوجاته، ثم ينسى من وقع عليها الطلاق، وقد اختلف الفقهاء في التعامل مع هذه الحالة على الأقوال التالية([49]):

القول الأول: أنه يعين في المبهمة، ويقف في حق المنسية عن الجميع، فينفق عليهن ويكسوهن، ويعتزلهن إلى أن يفرق بينهما الموت أو يتذكر، ولا يقرع بينهن، وإذا كان الطلاق لواحدة لا بعينها ولا نواها، فإنه يختار صرف الطلاق إلى أيتهن شاء، وإن كان الطلاق لواحدة بعينها ونسيها، فإنه يتوقف فيهما حتى يتذكر، وهو قول أبي حنيفة([50]) والشافعي، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن التحريم قد حصل في واحدة لا بعينها، فكان له تعيينها باختياره، كما لو أسلم الحربي وتحته خمس نسوة، أو أختان: اختار.

2 ـ أن المنسية والمشتبهة يجوز أن تذكر، وتعلم عينها بزوال، الاشتباه؛ فلهذا لم يملك صرف الطلاق فيها إلى من أراد، بخلاف المبهمة فإنه لا يرجى ذلك فيها.

3 ـ التحريم هاهنا حكم تعلق بفرد لا بعينه من جملة، فكان المرجع في تعيينه إلى المكلف، كما لو باع قفيزا من صبرة.

4 ـ لما كان له تعيين المطلقة في الابتداء، كان له تعيينها في ثاني الحال.

القول الثاني: يقع الطلاق على الجميع، وهو قول المالكية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن الحكم إنما عم احتياطا للفروج ودليل مشروعية هذا الاحتياط كل دليل دل على وجوب توقي الشبهات([51]).

2 ـ أن مفهوم أحد الأمور قدر مشترك بينها لصدقه على كل واحد منها والصادق على عدد وأفراد مشترك فيه بين تلك الأفراد([52]).

3 ـ أن الطلاق تحريم لأنه رافع لموجب النكاح والنكاح للإباحة ورافع الإباحة محرم، فالطلاق محرم.

4 ـ أن تحريم المشترك يلزم منه تحريم جميع الجزئيات، فيحرمن كلهن بالطلاق.

5 ـ أنه لا يصح قياس هذه المسألة على خصال الكفارة، لأن إيجاب إحدى الخصال إيجاب للمشترك ووجوب المشترك يخرج المكلف عن عهدته بفرد إجماعا، وأما الطلاق في هذه الصورة فهو تحريم لمشترك فيعم أفراده وأفراده هم النسوة فيعمهن الطلاق([53]).

6 ـ أن عمر بن عبد العزيز قضى به في رجل من أهل البادية كان يسقي على مائه، فأقبلت ناقة له فنظر إليها من بعيد فقال: إحدى امرأتيه طالق ألبتة إن لم تكن فلانة الناقة له، فأقبلت ناقة غير تلك الناقة فقدم الأعرابي المدينة فدخل على أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو عامل لعمر بن عبد العزيز على المدينة وعمر يومئذ الخليفة فقص عليه قضيته فأشكل عليه القضاء فيها، فكتب إلى عمر في ذلك، فكتب إليه عمر إن كان نوى واحدة منهما حين حلف فهو ما نوى وإلا نطلقهما عليه جميعا([54]).

القول الثالث: أنه لا يقع الطلاق بواحدة منهن وهو قول الإمامية كما سنرى ذلك في محله؛ لكن ابن القيم قال:(ولا يعرف له قائل) ([55])، واستدل له بأن النكاح ثابت بيقين، وكل واحدة منهن مشكوك فيها: هل هي المطلقة أم لا؟ فلا تطلق بالشك، ولا يمكن إيقاع الطلاق بواحدة غير معينة، وليس البعض أولى بأن يوقع عليها الطلاق من البعض.

القول الرابع: استعمال القرعة لتعيين المطلقة المنسية، أو اختيار إحدى النساء للتطليق([56])، وهو قول أحمد واختيار ابن تيمية وابن القيم([57])، فقد روي عن أحمد في رجل له أربع نسوة طلق إحداهن، ولم تكن له نية في واحدة بعينها: يقرع بينهن فأيتهن أصابتها القرعة فهي المطلقة، وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ثم نسيها، قال: والقرعة سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جاء بها القرآن، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ حديث عمران بن حصين في عتق الأعبد الستة، فإن تصرفه في الجميع لما كان باطلا، جعل كأنه أعتق ثلثا منهم غير معين، فعينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرعة، والطلاق كالعتاق في هذا، لأن كل واحد منهما إزالة ملك مبني على التغليب والسراية، فإذا اشتبه المملوك في كل منهما بغيره: لم يجعل التعيين إلى اختيار المالك.

2 ـ أن الحقوق إذا تساوت على وجه لا يمكن التمييز بينها إلا بالقرعة صح استعمالها فيها، مثلما لو أراد أن يسافر بإحدى نسائه، أو إذا تساوى المدعيان في الحضور عند الحاكم، وكذلك الأولياء في النكاح إذا تساووا في الدرجة وتشاحوا في العقد.

3 ـ أن الله تعالى القرعة طريقا إلى الحكم الشرعي في كتابه، وفعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر بها، وحكم بها علي بن أبي طالب في المسألة بعينها.

4 ـ قال وكيع: سمعت عبد الله قال: سألت أبا جعفر عن رجل له أربع نسوة، فطلق إحداهن، لا يدري أيتهن طلق، فقال: علي يقرع بينهن.

5 ـ أن تعيين المكلف تابع لاختياره وإرادته، وتعين القرعة إلى الله تعالى، والعبد يفعل القرعة وهو ينتظر ما يعينه له القضاء والقدر، شاء أم أبى.

6 ـ أن التعيين إذا لم يكن لنا سبيل إليه بالشرع فوض إلى القضاء والقدر، وصار الحكم به شرعيا قدريا: شرعيا في فعل القرعة، وقدريا: فيما تخرج به، وذلك إلى الله، لا إلى المكلف.قال ابن القيم:(فلا أحسن من هذا ولا أبلغ في موافقته شرع الله وقدره)

7 ـ أنه قد وقع الشك في سبب الحل، فلا يرفع التحريم الأصلي إلا بالنكاح، ثم وقع في عين غير معينة، ومعنا أصل الحل المستصحب، فلا يمكن تعميم التحريم، ولا إلغاؤه بالكلية، ولم يبق طريق إلى تعيين محله إلا بالقرعة، فتعينت طريقا.

8 ـ أن الطلاق قد وقع على واحدة منهن معينة؛ لامتناع وقوعه في غير معين، فلم يملك المطلق صرفه إلى أيتهن شاء، لكن التعيين غير معلوم لنا، وهو معلوم عند الله، وليس لنا طريق إلى معرفته، فتعينت القرعة.

9 ـ أن التعيين بالقرعة تعيين بسبب قد نصبه الله ورسوله سببا للتعيين عند عدم غيره، والتعيين بالاختيار تعيين بلا سبب، حيث انتفت أسباب التعيين وعلاماته. ولا يخفى أن التعيين بالسبب الذي نصبه الشرع له أولى من التعين الذي لا سبب له.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة القول بعدم وقوع الطلاق للجميع، وهو القول الثالث، بناء على ما ذكرناه من قاعدة التضييق في الطلاق.

طلاق المبهمات عند موت إحداهن:

اختلف الفقهاء فيما لو طلق إحدى زوجتيه لا بعينها، ثم ماتت إحداهما، على قولين:

القول الأول: لم يتعين الطلاق في الباقية وأقرع بين الميتة والحية، وهو قول الحنابلة، واستدلوا على ذلك بأنه لا يملك التعيين باختياره، وإنما يملك الإقراع، ولم يفت محله، فإنه يخرج المطلقة، فيتبين وقوع الطلاق من حين التطليق، لا من حين الإقراع.

القول الثاني: يتعين الطلاق في الباقية، وهو قول الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنه مخير في التعيين، ولم يبق من يصح إيقاع الطلاق عليها إلا الحية، ومن خير بين أمرين ففاته أحدهما: تعين الآخر.

2 ـ أنه لا يصح أن يبتدئ في الميتة الطلاق، فلا يصح أن يعينه فيها بالقرعة، كالأجنبية.

القول الثالث: لا يتعين فيها، وله تعيينه في الميتة، وهو قول الشافعية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثالث، فهو أوفق الأقوال مع مقصد الشريعة من تضييق دائرة الطلاق.

موت المطلق قبل تعيين مطلقته:

وهي مسألة تتعلق بالميراث لا بالحياة الزوجية، وقد اختلف الفقهاء فيها على قولين([58]):

القول الأول: يقسم الميراث بين الجميع، وهو قول الحنفية، واستدلوا على ذلك بأنهما قد تساويا في سبب الاستحقاق، لأن حجة كل واحدة منهما كحجة الأخرى، فوجب أن يتساويا في الإرث، كما لو أقامت كل واحدة منهما البينة بالزوجية.

القول الثاني: يوقف ميراث الزوجات حتى يصطلحن عليه، وهو قول الشافعية، وهو مذهب الشافعية في معظم المسائل التي لا يستبين فيها وجه الحق.

القول الثالث: إذا طلق إحدى نسائه، ومات قبل البيان، فإن الورثة يقرعون بينهن، فمن وقعت عليها القرعة لم ترث، وهو قول الحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن القرعة تخلص من المفاسد التي تلزم من القولين السابقين، فإن لازم القول الأول توريث من يعلم أنها أجنبية، لأنها مطلقة في حال الصحة ثلاثا، ولازم القول الثاني وقف المال، وتعريضه للفساد والهلاك، وعدم الانتفاع به، وإن كان حيوانا فربما كانت مئونته تزيد على أضعاف قيمته، وهذا لا مصلحة فيه، ثم إنهن إذا علمن أن المال يهلك إن لم يصطلحن عليه كان ذلك إلجاء لهن إلى إعطاء غير المستحقة.

2 ـ أنه بما أن المستحقة للميراث إحداهما دون الأخرى، فوجب أن يقرع بينهما كما يقرع بين العبيد إذا أعتقهم في المرض، وبين الزوجات إذا أراد السفر بإحداهن.

3 ـ أن الحاكم إنما نصب لفصل الأحكام، لا لوقفها وجعلها معلقة، فتوريث الجميع على ما فيه أقرب للمصلحة من حبس المال وتعريضه للتلف، مع حاجة مستحقيه إليه.

4 ـ أن الأصل العام في الشريعة عدم وقف القضايا على اصطلاح المتخاصمين، بل يشير عليهما بالصلح، فإن لم يصطلحا فصل الخصومة، وبهذا تقوم مصلحة الناس.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول لأن تعيين المطلقة إنما يكون بيد الزوج، والزوج قد مات، فكيف تحرم حقها الثابت بالأدلة القطعية بمجرد توهم أن الزوج طلقها من غير بينة تثبت ذلك.

ثالثا ـ الصفة البدعية للطلاق وأحكامها

معظم أحكام الطلاق السني والبدعي مرتبطة بمن يقع عليها الطلاق، فلذلك سنتكلم عنها في هذا المبحث، وبعضها الآخر متعلقة بالصيغة، وسنتكلم عنها في محلها من الجزء الخاص بالصيغة.

1 ـ تقسيم الطلاق إلى سني وبدعي

اتفق الفقهاء على تقسيم الطلاق من حيث وصفه الشرعي إلى سني وبدعي، والسني والبدعي لا يراد بهما هنا ما يراد بهما في سائر الإطلاقات الشرعية، فإن السني هنا هو ما وافق السنة في طريقة إيقاعه، لا أنه سنة، لما تقدم من النصوص المنفرة من الطلاق، وأنه أبغض الحلال إلى الله تعالى، أما البدعي، فهو ما خالف السنة في ذلك([59]).

وقد استند العلماء في تحديد صفات الطلاق السني والبدعي إلى الأدلة التالية:

1 ـ قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(الطلاق:1)، وقد فسر ابن مسعود ذلك بأن يطلقها في طهر لا جماع فيه، ومثله عن ابن عباس.

2 ـ ما رواه ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء ([60])، وقد جاء في بعض الروايات بلفظ السنة، فقد وردت بلفظ (يا ابن عمر ما هكذا أمر الله، أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء) ([61])

قال ابن عبد البر:(هذا حديث مجتمع على صحته من جهة النقل، ولم يختلف أيضا في ألفاظه عن نافع، وقد رواه عنه جماعة أصحابه كما رواه مالك سواء ([62])، وقد كان لاختلاف رواية الحديث أثرها في الخلاف الفقهي في هذه المسائل كما سنرى، قال ابن القيم:(ففى تعدد الحيض والطهر ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها من رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار وغيرهم والذين زادوا قد حفظوا ما لم يحفظه هؤلاء، ولو قدر التعارض فالزائدون أكثر وأثبت في ابن عمر وأخص به فرواياتهم أولى لأن نافعا مولاه أعلم الناس بحديثه وسالم ابنه كذلك وعبد الله بن دينار من أثبت الناس فيه وأرواهم عنه فكيف يقدم اختصار أبي الزبير ويونس بن جبير على هؤلاء([63])

3 ـ وما ورد عن عبد الله بن مسعود أنه قال: طلاق السنة تطليقة وهي طاهر في غير جماع، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة([64]).

4 ـ عن عكرمة أنه سمع بن عباس يقول:(الطلاق على أربعة وجوه: وجهان حلال ووجهان حرام، فأما الحلال فإن يطلقها طاهرا جماع أو يطلقها حاملا مستبينا حملها، وأما الحرام فإن يطلقها حائضا، أو يطلقها حين يجامعها لا يدري اشتمل الرحم على ولد أم لا)([65])

5 ـ عن علي قال:(ما طلق رجل طلاق السنة فيندم أبدا)([66])

طرق تصنيف الطلاق السني والبدعي:

قبل أن نعرض للأحكام المتعلقة بمن يقع عليها الطلاق، لا بأس أن ننظرة نظرة مجملة للطرق الفقهية في أقسام الطلاق السني والبدعي، ومواقفها العامة من هذين النوعين من أنواع الطلاق، لعلاقتها بما سنتكلم عنه من الأحكام([67]):

طريقة الحنفية:

قسم الحنفية الطلاق إلى سني وبدعي، وقسموا السني إلى قسمين: حسن وأحسن، وذلك يختلف عندهم بحسب كون الزوجة مدخولا بها، كما يلي:

أما بالنسبة للمدخول أو المختلى بها، فالأحسن عندهم: أن يوقع المطلق على زوجته طلقة واحدة رجعية في طهر لم يطأها فيه، ولا في حيض أو نفاس قبله، ولم يطأها غيره فيه بشبهة أيضا، فإن زنت في حيضها ثم طهرت، فطلقها لم يكن بدعيا.

وأما الحسن: فأن يطلقها واحدة رجعية في طهر لم يطأها فيه ولا في حيض أو نفاس قبله، ثم يطلقها طلقتين أخريين في طهرين آخرين دون وطء، هذا إن كانت من أهل الحيض، وإلا طلقها ثلاث طلقات في ثلاثة أشهر، كمن بلغت بالسن ولم تر الحيض.

أما غير المدخول أو المختلى بها، فالحسن: أن يطلقها واحدة فقط، ولا حرج أن يكون ذلك في حيض أو غيره، ولا يضر أن طلاقها يكون بائنا؛ لأنه لا يكون إلا كذلك.

وما سوى هذه الأنواع فبدعي عندهم، كأن يطلقها مرتين أو ثلاثا في طهر واحد معا أو متفرقات، أو يطلقها في الحيض أو النفاس، أو يطلقها في طهر مسها فيه، أو في طهر مسها في الحيض قبله. فإن طلقها في الحيض، ثم طلقها في الطهر الذي بعده، كان الثاني بدعيا أيضا؛ لأنهما بمثابة طهر واحد، وعليه أن ينتظر حيضها الثاني، فإذا طهرت منه طلقها إن شاء، ويكون سنيا عند ذلك، ولو طلقها في الحيض، ثم ارتجعت، ثم طلقها في الطهر الذي بعده كان بدعيا في الأرجح، وهو ظاهر المذهب، وقال القدوري: يكون سنيا.

وهذا كله ما لم تكن حاملا، أو صغيرة دون سن الحيض، أو آيسة، فإن كانت كذلك كان طلاقها سنيا، سواء مسها أم لم يمسها؛ لأنها في طهر مستمر، ولكن لا يزيد على واحدة، فإن زاد كان بدعيا.

واستثنى الحنفية من البدعي عامة: الخلع، والطلاق على مال، والتفريق للعلة، فإنه لا يكون بدعيا ولو كان في الحيض، لما فيه من الضرورة، وكذلك تخييرها في الحيض سواء اختارت نفسها في الحيض أم بعده وكذلك اختيارها نفسها في الحيض، سواء أخيرها في الحيض أم قبله، فإنه لا يكون بدعيا لأنه ليس من فعله المحض.

طريقة الجمهور:

قسم جمهور الفقهاء الطلاق من حيث وصفه الشرعي إلى سني وبدعي، ولم يذكروا للسني تقسيما، فهو عندهم قسم واحد، إلا أن بعض الشافعية قسموا الطلاق إلى سني وبدعي، وما ليس سنيا ولا بدعيا، وهو ما استثناه الحنفية من البدعي كما تقدم.

والسني عند الجمهور هو ما يشمل الحسن والأحسن عند الحنفية معا، والبدعي هو ما يقابل البدعي عند الحنفية، إلا أنهم خالفوهم في أمور منها:

  • أن الطلاق الثلاث في ثلاث حيضات سني عند الحنفية، وهو بدعي عند الجمهور.
  • أن الطلاق ثلاثا في طهر واحد لم يصبها فيه، فإنه سني عند الشافعية أيضا، وهو رواية عند الحنابلة، اختارها الخرقي. وذهب المالكية إلى أنه محرم كما عند الحنفية، وهو رواية ثانية عند الحنابلة.

أما مذهب الظاهرية، فقد نص ابن حزم على قول المذهب في قوله:(من أراد طلاق امرأة له قد وطئها لم يحل له أن يطلقها في حيضتها، ولا في طهر وطئها فيه. فإن طلقها طلقة أو طلقتين في طهر وطئها فيه، أو في حيضتها: لم ينفذ ذلك الطلاق وهي امرأته كما كانت، إلا أن يطلقها كذلك ثالثة أو ثلاثة مجموعة فيلزم، فإن طلقها في طهر لم يطأها فيه فهو طلاق سنة لازم – كيفما أوقعه – إن شاء طلقة واحدة، وإن شاء طلقتين مجموعتين، وإن شاء ثلاثا مجموعة. فإن كانت حاملا منه أو من غيره: فله أن يطلقها حاملا وهو لازم، ولو إثر وطئه إياها فإن كان لم يطأها قط فله أن يطلقها في حال طهرها وفي حال حيضتها – إن شاء – واحدة، وإن شاء اثنتين وإن شاء ثلاثا. فإن كانت لم تحض قط، أو قد انقطع حيضها طلقها أيضا كما قلنا في الحامل متى شاء ([68])

طريقة الإمامية:

قسموا الطلاق إلى نوعين: بدعي وسنّي.

الطلاق البدعي: وهو الباطل، فيدخل فيه المطلّقة ثلاثا باعتبار بطلان الثلاث، ويشمل ما كان صحيحا عند الجمهور كطلاق الحائض وشبهه وإن كان حراما عندهم، وما كان صحيحاً غير حرام كطلاق الكناية، وما كان غير صحيح وحرام كفاقد الشرط عندهم([69]).

الطلاق السني: ويُطلّق الطلاق السني المنسوب إلى السنة على كل طلاق جائز شرعا، والمراد به الجائز بالمعنى الأعم، وهو ما قابل الحرام، ويقال له: طلاق السنة بالمعنى الأعم، ويقابله البدعي([70])، ويقسمونه إلى قسمين:

الطلاق البائن: وهو كل طلاق لا يكون للزوج المراجعة فيه إلا بعقد جديد ومهر مستأنف، أو بعد أن تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، والبائن على ضروب أربعة: طلاق غير المدخول بها، وطلاق العدة، والخلع، والمبارأة (والتطليقة الثالثة بعد كل تطليقتين من أي طلاق كان)([71])

وقد ذكر صاحب الجواهر أن الطلاق البائن ستة اقسام وهي: طلاق الغير مدخول بها، وطلاق اليائسة، وطلاق الصغيرة، وطلاق المختلعة، وطلاق المبارأة، وطلاق المطلّقة ثلاثا بينهما رجعتان([72]).

الطلاق الرجعي: كل طلاق يكون له المراجعة بغير تجديد عقد، وقد عرّفه صاحب المسالك بقوله: (ما كان قابلا للرجوع فيه شرعا وإن لم يحصل الرجوع، وذلك ما عدا الأقسام الستّة، ومنه طلاق المختلعة بعد رجوعها في البذل فيكون طلاقها تارة من أقسام البائن،، وتارة من أقسام الرجعي)([73]).. والطلاق الرجعي ينقسم الى قسمين:

الطلاق العدي: ما يرجع فيه، ويواقع، ثمّ يطلّق فهذه تحرم في التاسعة تحريما مؤبّدا وما عداه تحرم في كلّ ثالثة حتّى تنكح غيره([74]).

الطلاق غير العدي: وهو أن يترك العدة تنتهي فيعقد على الزوجة من جديد باختيارها، وهو طلاق السنّة، أو الطلاق السنّي([75]).

2 ـ أثر الطلاق في الحيض

اتفق الفقهاء على أن إيقاع الطلاق في فترة الحيض حرام([76])، وهو أحد أقسام الطلاق البدعي لنهي الشارع عنه، لما مر من حديث ابن عمر ولمخالفته قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(الطلاق:1)، أي في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة، وزمن الحيض لا يحسب من العدة، ولأن في إيقاع الطلاق في زمن الحيض ضررا بالمرأة لتطويل العدة عليها حيث إن بقية الحيض لا تحسب منها، وقد نقل العلماء الإجماع على ذلك قال ابن تيمية:(إن الطلاق في الحيض محرم بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإنه لا يعلم في تحريمه نزاع، وهو طلاق بدعة)([77])، واختلفوا في وقوعه وعدم وقوعه على قولين:

القول الأول: وقوع الطلاق، وهو ما عليه جماهير العلماء([78])، حتى قال ابن عبد البر: (وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار وجمهور علماء المسلمين وإن كان الطلاق عند جميعهم في الحيض بدعة غير سنة، فهو لازم عند جميعهم ولا مخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال والجهل، فإنهم يقولون: إن الطلاق لغير السنة غير واقع ولا لازم، وروي مثل ذلك عن بعض التابعين، وهو شذوذ لم يعرج عليه أهل العلم من أهل الفقه والأثر في شيء من أمصار المسلمين لما ذكرنا) ([79])، ومن أدلتهم على ذلك:

1 ـ قول الله تعالى:{ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ }(الطلاق:1)، فسرها ابن عبد البر بقوله:(يريد أنه عصى ربه، وفارق امرأته) ([80])

2 ـ أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تحيض وتطهر، ثم تحيض وتطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله تعالى بها أن يطلق لها النساء، وقد استدل بهذا الحديث من وجوه:

الوجه الأول: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن عمر بمراجعة امرأته إذ طلقها حائضا، والمراجعة لا تكون إلا بعد لزوم الطلاق، ولو لم يكن الطلاق في الحيض واقعا ولا لازما ما قال له راجعها، لأنه محال أن يقال لرجل امرأته في عصمته لم يفارقها راجعها، بدليل قول الله تعالى في المطلقات:{ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا } (البقرة:228) ولم يقل هذا في الزوجات اللاتي لم يلحقهن الطلاق([81]).

الوجه الثاني: أن ابن عمر الذي عرضت له القضية احتسب بذلك الطلاق، وأفتى بذلك وهو ممن لا يدفع علمه بقصة نفسه، قال نافع بعد روايته للحديث:(وكان عبد الله ابن عمر إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم: إذا أنت طلقت امرأتك وهي حائض مرة أو مرتين، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بهذا، وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك([82])، وعن ابن جريج أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: نعم([83]).

3 ـ أن ما رواه الشعبي عن ابن عمر من عدم الاعتداد بها، فهو مؤول، وأن معناه: لا يعتد بتلك الحيضة في العدة، ولم يرد لا يعتد بتلك التطليقة، وقد روي عنه ذلك منصوصا كما رواه شريك عن جابر عن عامر في رجل طلق امرأته وهي حائض، فقال: يقع عليه الطلاق ولا يعتد بتلك الحيضة.

4 ـ لو جاز أن تكون الطلقة الواحدة في الحيض لا يعتد بها لكانت الثلاث أيضا لا يعتد بها، وهذا ما لا إشكال فيه عند كل ذي فهم، لأن كليهما طلاق بدعي.

5 ـ أن الطلاق ليس من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى فلا تقع إلا على حسب سنتها، وإنما هو زوال عصمة فيها حق لآدمي فكيفما أوقعه وقع، فإن أوقعه لسنة هدي ولم يأثم، وإن أوقعه على غير ذلك أثم ولزمه ذلك.

6 ـ أنه محال أن يلزم المطيع ولا يلزم العاصي، ولو لزم المطيع الموقع له إلا على سنته ولم يلزم العاصي لكان العاصي أخف حالا من المطيع.

القول الثاني: عدم وقوع الطلاق، وهو قول الإمامية، وقد نسبه ابن تيمية لطاوس، وعكرمة، وخلاس، وعمر، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة. وأهل الظاهر: كداود، وأصحابه وطائفة من أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد، ويروى عن أبي جعفر الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وغيرهما من أهل البيت، وهو قول ابن حزم كما مر ذكر تفاصيل مذهبه في ذلك، وقد انتصر له ابن القيم وابن تيمية في محال مختلفة من كتبهما، وسنسوق هنا ما ذكره هؤلاء الفقهاء الثلاثة من أدلة([84]):

1 ـ قوله تعالى في غير الموطوءة: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:49)

2 ـ قوله تعالى: { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}(البقرة:236)، قال ابن حزم:(فأباح عز وجل طلاق التي لم تمس بالوطء، ولم يحد في طلاقها وقتا، ولا عددا، فوجب من ذلك أن هذا حكمها وإن دخل بها، وطال مكثها معه، لأنه لم يمسها)

3 ـ قوله تعالى في الموطوءة: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}(الطلاق:1) قال ابن حزم:(والعدة لا تكون من الطلاق إلا في موطوءة فعلمنا الله عز وجل كيف يكون طلاق الموطوءة، وأخبرنا أن تلك حدود الله، وأن من تعداها ظالم لنفسه. فصح أن من ظلم وتعدى حدود الله – عز وجل – ففعله باطل مردود، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)([85])، فصح أن الطلاق المذكور لا يكون إلا للعدة كما أمر الله عز وجل.

4 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد)،وفي لفظ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، والرد فعل بمعنى المفعول أي فهو مردود، وعبر عن المفعول بالمصدر مبالغة حتى كأنه نفس الرد، وهو تصريح بإبطال كل عمل على خلاف أمره ورده وعدم اعتباره في حكمه المقبول، فالمطلق في الحيض قد طلق طلاقا ليس عليه أمر الشارع فيكون مردودا فلو صح ولزم لكان مقبولا منه وهو خلاف النص.

5 ـ أن دعوى الإجماع في المسألة لا تصح، قال ابن حزم راد على على دعوى الإجماع: (ثم اختلف الناس في الطلاق في الحيض إن طلق الرجل كذلك، أو في طهر وطئها فيه، هل يلزم ذلك الطلاق أم لا؟ ادعى بعض القائلين بهذا أنه إجماع؟ وقد كذب مدعي ذلك، لأن الخلاف في ذلك موجود، وحتى لو لم يبلغنا لكان القاطع – على جميع أهل الإسلام – بما لا يقين عنده به، ولا بلغه عن جميعهم -: كاذبا على جميعهم)، قال ابن حزم:(والعجب من جرأة من ادعى الإجماع على خلاف هذا – وهو لا يجد فيما يوافق قوله في إمضاء الطلاق في الحيض، أو في طهر جامعها فيه كلمة عن أحد من الصحابة غير رواية عن ابن عمر قد عارضها ما هو أحسن منها عن ابن عمر، وروايتين ساقطتين عن عثمان، وزيد بن ثابت)

6 ـ رواية ذلك عن السلف، وممن نقل عنهم ابن حزم القول بذلك ابن عباس، وقد مر معنا قوله سابقا، قال ابن حزم:(ومن المحال أن يخبر ابن عباس عما هو جائز بأنه حرام)، وروى عن ابن عمر أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتد لذلك، وروى عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض؟ قال: لا يعتد بها.

7 ـ أن وصف العقد المحرم بالصحة إما أن يعلم بنص من الشارع أو من قياسه أو من توارد عرفه في محال حكمه بالصحة أو من إجماع الأمة، وليس في هذه المسألة شيء من ذلك، بل نصوص الشرع تقتضي رده وبطلانه وكذلك قياس الشريعة،واستقراء موارد عرف الشرع في مجال الحكم بالصحة إنما يقتضي البطلان في العقد المحرم لا الصحة، وكذلك الإجماع فإن الأمة لم تجمع قط على صحة شيء حرمه الله ورسوله لا في هذه المسئلة ولا في غيرها فالحكم بالصحة فيها لا يستند إلى دليل.

8 ـ أن للشارع في الطلاق المباح حكمان: أحدهما إباحته والإذن فيه، والثاني جعله سببا للتخلص من الزوجة، فإذا لم يكن الطلاق مأذونا فيه انتفى الحكم الأول وهو الإباحة، فما الموجب لبقاء الحكم الثاني، وقد ارتفع سببه؟ مع العلم أن بقاء الحكم بدون سببه ممتنع.

9 ـ أن دعوى أن الطلاق المحرم سبب لذلك، فليس في لفظ الشارع ما يدل عليه، وليس هناك ما يستدل به على الصحة والفساد إلا موافقة الأمر والإذن وعدم موافقتهما، فإن حكم بالصحة مع مخالفة أمر الشارع وإباحته لم يبق طريق إلى معرفة الصحيح من الفاسد، إذ لم يأت من الشرع إخبار بأن هذا صحيح وهذا فاسد غير الإباحة والتحريم، فإذا جوز ثبوت الصحة مع التحريم فبأي شيء به بعد ذلك على فساد العقد وبطلانه.

10 ـ مخالفته للقياس، لأن الطلاق لما كان منقسما إلى حلال وحرام، فإن قياس قواعد الشرع أن حرامه باطل غير معتد به كالنكاح وسائر العقود التي تنقسم إلى حلال وحرام، ولا ينقض ذلك الظهار لأنه لا يكون قط إلا حراما، فهو منكر من القول وزور، ولا شبه له بالطلاق.

11 ـ أن قواعد الشريعة تنص على أن النهي يقتضي التحريم فكذلك يقتضي الفساد وليس هناك ما يستدل به على فساد العقد إلا النهي عنه، لأنه إذا صحح استوى هو والحلال في الحكم الشرعي وهو الصحة، وإنما يفترقان في موجب ذلك من الإثم والذم ومعلوم أن الحلال المأذون فيه لا يساوي المحرم الممنوع منه أبدا، فالمحرم إنما حرم لئلا ينفذ ولا يصح فإذا نفذ وصح وترتب عليه حكم الصحيح كان ذلك عائدا على مقتضى النهي بالابطال.

12 ـ أن هذا الطلاق منع منه الشارع وحجر على العبد في اتباعه فكما أفاد منعه وحجره عدم جواز الإيقاع أفاد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للحجر فائدة، لأن فائدة الحجر عدم صحة ما حجر على المكلف فيه، وقد ضرب لابن القيم مثالا لذلك بما لو أن الزوج أذن لرجل بطريق الوكالة أن يطلق امرأته طلاقا معينا فطلق غير ما أذن له فيه، فإنم ذلك لا ينفذ لعدم إذنه، فالله تعالى إنما أذن للعبد في الطلاق المباح، ولم يأذن له في المحرم، فكيف يصحح ما لم يأذن به ويقع ويجعل من صحيح أحكام الشرع.

13 ـ أن الشارع جعل للمكلف مباشرة الأسباب، أما أحكامها المترتبة عليها فليست له وإنما هي إلى الشارع، فإذا كان السبب محرما كان ممنوعا منه ولم ينصبه الشارع مقتضيا لآثار السبب المأذون فيه، والحكم ليس للمكلف حتى يكون إيقاعه إليه غير مأذون فيه، ولا نصبه الشارع لترتب الآثار عليه فترتيبها عليه إنما هو بالقياس على السبب المباح المأذون فيه، وهو قياس في غاية الفساد إذ هو قياس أحد النقيضين على الآخر في التسوية بينهما في الحكم ولا يخفى فساده.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة القول الثاني، والذي لا يوقع الطلاق، بناء على مراعاة مصلحة الحفاظ على الأسرة، وبناء على السماحة والرحمة للزوجين جميعا، فلا يقع طلاقه لزوجته، وهو ما يضيق دائرة الطلاق، ويضعها في إطار محدود، فلذلك كان هذا القول أولى وأنسب وأرفق بالناس وأقرب للسنة، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما.

ولا بأس من أن نذكر هنا بعض النواحي المقاصدية التي أرادها ونظر من خلالها أصحاب القول الثاني لهذه المسألة، فمن المقاصد التي ذكرها ابن القيم:

1 ـ أنه لو كان الطلاق نافذا في الحيض لكان الأمر بالمراجعة والتطليق بعده تكثيرا من الطلاق البغيض إلى الله وتقليلا لما بقي من عدده الذي يتمكن من المراجعة معه، ومعلوم أنه لا مصلحة في ذلك.

2 ـ أن مفسدة الطلاق الواقع في الحيض لو كان واقعا لا يرتفع بالرجعة والطلاق بعدها، بل إنما يرتفع بالرجعة المستمرة التي تلم شعث النكاح وترقع خرقه، فأما رجعة يعقبها طلاق، فلا تزيل مفسدة الطلاق الأول لو كان واقعا.

3 ـ أن الشارع إنما حرمه ونهى عنه لأجل المفسدة التي تنشأ من وقوعه لأن ما نهى عنه الشرع وحرمه لا يكون قط إلا مشتملا عن مفسدة خالصة أو راجحة فنهى عنه قصدا لإعدام تلك المفسدة، فلو حكم بصحته ونفوذه لكان ذلك تحصيلا للمفسدة التي قصد الشارع إعدامها وإثباتا لها.

4 ـ أن ما حرمه الله تعالى من العقود فهو مطلوب الإعدام بكل طريق حتى يجعل وجوده كعدمه في حكم الشرع، ولهذا كان ممنوعا من فعله باطلا في حكم الشرع والباطل شرعا كالمعدوم، ومعلوم أن هذا هو مقصود الشارع مما حرمه ونهى عنه، فالحكم ببطلان ما حرمه ومنع منه أدنى إلى تحصيل هذا المطلوب وأقرب بخلاف ما إذا صحح فإنه يثبت له حكم الوجود.

5 ـ أن صحة العقد هي عبارة عن ترتب أثره المقصود للمكلف عليه، وهذا الترتب نعمة من الشارع أنعم بها على العبد وجعل له طريقا إلى حصولها بمباشرة الأسباب التي أذن له فيها، فإذا كان السبب محرما منهيا عنه كانت مباشرته معصية، فكيف تكون المعصية سببا لترتب النعمة التي قصد المكلف حصولها؟

حكم إجبار من طلق امرأته في الحيض والنفاس على مراجعتها:

اختلف الفقهاء فيمن طلق زوجته وهي حائض أو نفساء، هل يجبر على رجعتها أم لا على الأقوال التالية:

القول الأول: يؤمر برجعتها إذا طلقها حائضا، ولا يجبر على ذلك، هو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل وأبي ثور والطبري.

القول الثاني: كل من طلق امرأته حائضا أجبر على رجعتها، وإن طلقها نفساء لم يجبر على رجعتها، وهو مذهب داود بن علي.

القول الثالث: يجبر على مراجعتها إذا طلقها في الحيض أو في النفاس، وهو قول المالكية، واستدلوا بما يقتضيه الأمر من وجوب الائتمار واستعمال المأمور ما أمر به حتى يخرجه عن جبر الوجوب، ولم يستدلوا بغير هذا، قال ابن عبد البر: (ولا دليل ههنا على ذلك والله أعلم.) ([86])، وقد اختلف قول المالكية في الوقت الذي تتم فيه الرجعة على رأيين:

الرأي الأول: يجبر على الرجعة أبدا ما لم تخرج من عدتها سواء أدرك ذلك في تلك الحيضة التي طلق فيها أو الطهر الذي بعده أو الحيضة الثانية أو الطهر بعدها ما لم تنقض العدة، وهو قول مالك وأكثر أصحابه.

الرأي الثاني: يجبر على الرجعة ما لم تطهر وحتى تحيض ثم تطهر فإذا صارت في الحال التي أباح له النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلاقها لم يجبر على رجعتها، وهو قول أشهب بن عبدالعزيز.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة في هذه الحالة بالإضافة إلى ما سبق ذكره في الترجيح السابق أن الأولى هو القول الأول لما يفضي عليه القول الثاني من تكثير عدد الطلقات، وبالتالي قد يؤدي إلى البينونة الكبرى، وهو ما لم يقصده الشارع بتعديد فرص الطلاق، ولهذا كان الأولى إما القول بعدم وقوع الطلاق كما ذكرنا ذلك سابقا، أو القول بعدم إجباره على الرجعة، أما القول بوقوع الطلاق مع وجوب الرجعة ففيه تناقض واضح ومفسدة عظيمة، وقد قال ابن رشد مع مالكيته:(من قال بوقوع الطلاق وجبره على الرجعة فقد تناقض، فتدبر ذلك)([87])

3 ـ حكم الطلاق في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلق فيها

اختلف الفقهاء([88]) في جواز طلاقها في الطهر التالي للحيضة التي طلق فيها على قولين:

القول الأول: يجوز طلاقها في الطهر التالي لتلك الحيضة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى، ومن أدلتهم على ذلك:

1 ـ أن في بعض طرق حديث ابن عمر في الصحيح:(ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا(وفي لفظ:(ثم ليطلقها طاهرا من غير جماع قبل عدتها(وفي لفظ)فإذا طهرت فليطلقها لطهرها(قال فراجعها ثم طلقها لطهرها، وفي حديث أبي الزبير قال:(إذا طهرت فليطلق أو ليمسك)وكل هذه الألفاظ في الصحيح.

2 ـ أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده وكما يجوز أيضا طلاقها فيه لو لم يتقدم طلاق في الحيض.

القول الثاني: المنع حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى تلك الحيضة، ثم تطهر كما أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مذهب بعض المالكية ورواية عن أحمد، ومن أدلتهم على ذلك:

1 ـ أمره صلى الله عليه وآله وسلم لابن عمر بإمساكها حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر.

2 ـ أن الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء لأنه المبتغى من النكاح، ولا يحصل الوطء إلا في الطهر، فإذا وطئها حرم طلاقها فيه حتى تحيض، ثم تطهر فاعتبرنا مظنه الوطء ومحله ولم يجعله محلا للطلاق.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة والأوفق بالمقاصد الشرعية من حيث تضييق دائرة الطلاق هو القول الثاني الذي دل عليه الحديث، أما رعاية هذا القول للمقاصد الشرعية، فمن وجوه متعددة ذكرها وانتصر لها ابن القيم، ومنها:

1 ـ أنه لو طلقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة فإن الله تعالى إنما شرع الرجعة لإمساك المرأة وإيوائها ولم شعث النكاح وقطع سبب الفرقة، ولهذا سماه إمساكا فأمره الشارع أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر لتكون الرجعة للامساك لا للطلاق.

2 ـ أن من مقاصد تحريم الطلاق في الحيض عدم إطالة العدة عليها، فلو طلقها عقب الرجعة من غير معاشرة لم تكن قد استفادت بالرجعة فائدة، لأن تلك الحيضة التي طلقت فيها لم تكن تحتسب عليها من العدة وإنما تستقبل العدة من الطهر الذي يليها أو من الحيضة الأخرى على الاختلاف في الأقراء، فإذا طلقها عقب تلك الحيضة كانت في معنى ممن طلقت ثم راجعها ولم يمسها حتى طلقها، فإنها تبنى على عدتها في أحد القولين لأنها لم تنقطع بوطء، فالمعنى المقصود إعدامه من تطويل العدة موجود بعينه هنا لم يزل بطلاقها عقب الحيضة، فأراد الشارع قطع حكم الطلاق جملة بالوطء، فاعتبر الطهر الذي هو موضع الوطء فإذا وطىء حرم طلاقها حتى تحيض ثم تطهر.

3 ـ أنها ربما كانت حاملا وهو لا يشعر، لأن الحامل قد ترى الدم أثناء حملها، فأراد الشارع أن يستبرئها بعد تلك الحيضة بطهر تام، ثم بحيض تام فحينئذ تعلم هل هي حامل أو حائل، فإنه ربما يمسكها إذا علم أنها حامل منه، وربما تكف هي عن الرغبة في الطلاق إذا علمت أنها حامل،وربما يزول الشر الموجب للطلاق بظهور الحمل، فأراد الشارع تحيق علمها بذلك نظرا للزوجين ومراعاة لمصلحتهما، وحسما لباب الندم وهذا من أحسن محاسن الشريعة.

الطهر الذي يقع فيه الطلاق السني:

اختلف العلماء في الطهر الذي يقع فيه الطلاق السني على الأقوال التالية([89]):

القول الأول: انقطاع الدم، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد، لأن الحائض إذا انقطع دمها صارت كالجنب يحرم عليها ما يحرم عليه ويصح منها ما يصح منه ومعلوم أن المرأة الجنب لا يحرم طلاقها.

القول الثاني: التطهر بالغسل أو ما يقوم مقامه من التيمم، وهو رواية عن أحمد، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ ما رواه نافع عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة، فانطلق عمر فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:مر عبد الله فليراجعها فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسها حتي يطلقها فإن شاء أن يمسكها فليمسكها، فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) وهذا على شرط الصحيحين وهو مفسر لقوله: فإذا طهرت، فيجب حمله عليه.

2 ـ أنها لو كانت كالجنب لحل وطؤها.

القول الثالث: إن طهرت لأكثر الحيض حل طلاقها بانقطاع الدم، وإن طهرت لدون أكثره لم يحل طلاقها حتى تصير في حكم الطاهرات بأحد ثلاثة أشياء إما أن تغتسل، وإما أن تتيمم عند العجز وتصلي، وإما أن يخرج عنها وقت صلاة لأنه متى وجد أحد هذه الأشياء حكمنا بانقطاع حيضها، وهو مذهب الحنفية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة للاعتبارات السابقة الأخذ بالقول الثاني، لأن اغتسالها وتطهرها قد يصرف الزوج عن طلاقها، فقد تدعوه رغبته فيها لإمساكها، خاصة بعد اغتسالها، فإذا ما عاشرها حرم عليه طلاقها شهرا كاملا بعد ذلك، وقد يغير الله في ذلك الشهر من حال إلى حال.

ففي هذا القول مصلحة كبيرة من حيث تضييق وقت الطلاق، وهو ما قد يضيق الطلاق نفسه.

ثم إن المرأة بعد طهرها وقبل تطهرها قد لا تتغير حالتها النفسية مع زوجها لوجود أثر الحيضة فيها، فإذا ما تطهرت واغتسلت كان ذلك طهرا لنفسها قد يدعوها إلى ما يصرف عن زوجها التفكير في طلاقها.

وزيادة على ذلك كله تصريح الحديث بذلك في بعض رواياته،هو تفسير لقوله (فإذا طهرت)([90])

4 ـ أحكام الطلاق في الطهر الذي مسها فيه

أثر الطلاق في طهر مسها فيه:

والخلاف في المسألة مثلما ذكرنا سابقا في طلاق الحائض، وتكاد تتفق على نفس الأدلة، وسنذكر هنا بعض النقول عن أصحاب الأقوال للدلالة على ذلك:

القول الأول: وقوع الطلاق في هذه الحالة، وهو قول الجمهور، وقد ذكرنا أن هناك من ادعى الإجماع في المسألة، أما أقوال الأئمة في ذلك، ففي المدونة) قلت: هل كان مالك يكره أن يطلق الرجل امرأته في طهر قد جامعها فيه أم لا؟ قال: نعم كان يكرهه ويقول: إن طلقها فيه فقد لزمه([91])، وقال الشافعي:(ولو طلقها طاهرا بعد جماع أحببت أن يرتجعها ثم يمهل ليطلق كما أمر وإن كانت في طهر بعد جماع فإنها تعتد به ([92])

القول الثاني: عدم وقوع الطلاق في هذه الحالة، وهو قول من ذكرنا سابقا يتزعمهم ابن حزم وابن تيمية ابن القيم، قال ابن حزم:(فإن طلقها طلقة أو طلقتين في طهر وطئها فيه، أو في حيضتها: لم ينفذ ذلك الطلاق وهي امرأته كما كانت، إلا أن يطلقها كذلك ثالثة أو ثلاثة مجموعة فيلزم)، وقال ابن تيمية:(الطلاق في زمن الحيض محرم لاقتضاء النهي الفساد، ولأنه خلاف ما أمر الله به وإن طلقها في طهر أصابها فيه حرم ولا يقع)([93])

حكم الرجعة من الطلاق في الطهر الذي مسها فيه:

اتفق الفقهاء([94]) على أن من طلق زوجته في الطهر الذي مسها فيه قد ارتكب بذلك حراما، وهو طلاق بدعة، واختلفوا هل يجب عليه مراجعتها أم لا على قولين:

القول الأول: لا يجب عليه مراجعتها، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر وابن قدامة، قال ابن عبدالبر:(أجمعوا على أن الرجعة لا تجب في هذه الصورة)، ولكن هذا الإجماع ليس ثابتا، ومن الأدلة على هذا القول:

1 ـ عدم صحة القياس على الأمر بالرجعة في الطلاق من الحيض، لأن زمن الطهر وقت للوطء والطلاق وزمن الحيض ليس وقتا لواحد منهما، فظهر الفرق بينهما فلا يلزم من الأمر بالرجعة في غير زمن الطلاق الأمر بها في زمنه.

2 ـ أن المعنى الذي وجبت لأجله الرجعة إذا طلقها حائضا منتف في صورة الطلاق في الطهر الذي مسها فيه، فإنه إنما حرم طلاقها في زمن الحيض لتطويل العدة عليها فإنها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءا اتفاقا، فتحتاج إلى استئناف ثلاثة قروء كوامل، أما الطهر فإنها تعتد بما بقي منه قرءا ولو كان لحظة، فلا حاجة بها إلى أن يراجعها، فإن من قال الأقراء الأطهار كانت أول عدتها عنده عقب طلاقها، ومن قال هي الحيض استأنف بها بعد الطهر وهو لو راجعها، ثم أراد أن يطلقها لم يطلقها إلا في طهر فلا فائدة في الرجعة، وهذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين.

القول الثاني: وجوب الرجعة في هذا الطلاق، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد كما ذكر ابن القيم، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يطلقها إذا شاء قبل أن يمسها،وقال: (فتلك العدة التي أمر بها الله أن تطلق النساء)، وهذا ظاهر في التحريم.

2 ـ أنه طلاق محرم فتجب الرجعة فيه كما تجب في الطلاق في زمن الحيض، ولأن زمن الطهر متى اتصل به المسيس صار كزمن الحيض في تحريم الطلاق، ولا فرق بينهما.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة مثلما ذكرنا سابقا هو عدم القول بالرجعة ـ إن قلنا بوقوع الطلاق ـ حتى لا تكثر عدد الطلقات، لأن الشرع قصد أمرين: تضييق الطلاق، وتقليل عدد الطلقات في حال عدم وجود مسلك له، حتى لا تنقطع علاقة الزوجية بالكلية.

حكم العدة في الطهر الذي مسها فيه:

اختلف الفقهاء القائلون بإيقاع الطلاق البدعي في بداية عدة من طلقها في طهر مسها فيه على قولين:

القول الأول: لو بقي من الطهر لحظة حسبت لها قرءا، وإن كان قد جامع فيه، باعتبار الأقراء الأطهار، وهو مذهب الإمام أحمد والشافعي ومالك وأصحابهم، ومن أدلتهم على ذلك:

1 ـ أنه إنما حرم الطلاق في زمن الحيض دفعا لضرر تطويل العدة عليها، فلو لم تحتسب ببقية الطهر قرءا كان الطلاق في زمن الطهر أضر بها وأطول عليها.

2 ـ لم يحرم الطلاق في الطهر لأجل التطويل الموجود في الحيض، ولكنه حرم لكونها مرتابة فلعلها قد حملت من ذلك الوطء، فيشتد ندمه إذا تحقق الحمل ويكثر الضرر، فإذا أراد أن يطلقها طلقها طاهرا من غير جماع، لأنهما قد تيقنا عدم الريبة، وأما إذا ظهر الحمل فقد دخل على بصيرة وأقدم على فراقها حاملا.

القول الثاني: أن العدة إنما يكون استقبالها من طهر لم يمسها فيه، إن دل على أنها بالاطهار، وهو قول أبي عبيد، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوى بينهما في المنع من الطلاق فيهما، وأخبر أن العدة التي أمر بها الله أن يطلق لها النساء هي من وقت الطهر الذي لم يمسها فيه، فمن أين لنا أن الطهر الذي مسها فيه هو أول العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء.

2 ـ أنه كما لا تكون عدتها متصلة بالحيضة التي طلق فيها ينبغي أن لا تكون متصلة بالطهر الذي مسها فيه، وكما لا تحتسب ببقية الحيضة لا تحتسب ببقية هذا الطهر الممسوسة فيه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة والأوفق بمقاصد الشريعة من ترك مدة كافية للعدة لتكون فرصة للمراجعة، هو الأخذ بالقول الثاني، ولا حرج في طول مدة العدة للزوجة بسبب ذلك، لأن ذلك قد يكون في مصلحة بيت الزوجية، أو في مصلحة الزوجة نفسها، ثم ما هو ضررها من طول العدة وزوجها مكلف برعايتها من كل النواحي.

وقد أشار ابن القيم إلى بعض النواحي المقاصدية في هذا، فذكر بأن الشارع إنما جعل استقبال عدة المطلقة من طهر لم يمسها فيه ليكون المطلق على بصيرة من أمره والمطلقة على بصيرة من عدتها أنها بالإقراء، فأما إذا مسها في الطهر ثم طلقها، فإنه لا يدري أحاملا هي أم حائلا، ولم تدر المرأة أعدتها بالحمل أم بالأقراء؟فكان الضرر عليهما في هذا الطلاق أشد من الضرر في طللاقها وهي حائض،فلا تحتسب ببقية ذلك الطهر قرءا كما لم يحتسب الشارع به في جواز إيقاع الطلاق فيه.

5 ـ حكم طلاق الحامل

اتفق الفقهاء على وقوع طلاق الحامل حتى من قال بعدم وقوع الطلاق البدعي لعدم بدعية هذا الطلاق، قال ابن تيمية:(أما طلاق السنة أن يطلقها في طهر لا يمسها فيه، أو يطلقها حاملا قد استبان حملها؛ فإن طلقها في الحيض؛ أو بعد ما وطئها وقبل أن يستبين حملها له: فهو طلاق بدعة) ([95])

وقد اختلف العلماء في حكم طلاق الحامل هل هو سني أم بدعي على قولين:

القول الأول: أن طلاقها سني، وهو قول جمهور العلماء، قال ابن عبدالبر:(لا خلاف بين العلماء أن الحامل طلاقها للسنة) ([96])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ ما ورد في الرواية الأخرى عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:(مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا، أو حاملا)

2 ـ أنه إذا لم يكن طلاقها سنيا كان بدعيا بالضرورة، لأن القسمة منحصرة بينهما.

3 ـ أن المرأة لها حالتان أحدهما أن تكون حائلا فلا تطلق إلا في طهر لم يمسها فيه، أو أن تكون حاملا فيجوز طلاقها، والفرق بين الحامل وغيرها في الطلاق إنما هو بسبب الحمل وعدمه، لا بسبب حيض ولا طهر، ولهذا يجوز طلاق الحامل بعد المسيس دون الحائل.

4 ـ أن حيض الحامل ـ في حال اعتبار حيضها ـ ليس له تأثير في العدة لا في تطويلها ولا تخفيفها إذا عدتها بوضع الحمل.

القول الثاني: أن طلاق الحامل ليس بسني ولا بدعي([97])، وهو قول الشافعية، قال الشافعي: ولو لم يدخل بها أو دخل بها وكانت حاملا أو لا تحيض من صغر أو كبر، فقال: أنت طالق ثلاثا للسنة أو البدعة طلقت مكانها؛ لأنها لا سنة في طلاقها ولا بدعة(وإنما يثبت لها ذلك من جهة العدد لامن جهة الوقت، والذي اقتضى هذا القول هو الجمع بين دليلين يحتملان كلا النوعين:

الدليل الأول: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما أباح طلاقها في طهر لم يمسها فيه، فإذا مسها في الطهر وحملت واستمر حملها استمر المنع من الطلاق، فكيف يبيحه تجدد ظهور الحمل،فهذا الدليبل يقتضي بدعية طلاق الحامل.

الدليل الثاني: أن المعنى الذي لأجله حرم الطلاق بعد المسيس معدوم عند ظهور الحمل، لأن المطلق عند ظهور الحمل قد دخل على بصيرة، فلا يخاف ظهور أمر يتجدد به الندم، وليست المرأة مرتابة لعدم اشتباه الأمر عليها، بخلاف طلاقها مع الشك في حملها، وهذا الدليل يقتضي سنية طلاق الحامل.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة بناء على ما ورد من نصوص، وما انتفى من محاذير سنية طلاق الحامل ونفوذه، لطول فترة الحمل، وهي كافية للرجعة إن أراداها.

ومن جهة ثانية، يكون طلاق الزوج بعد ثبوت حمل زوجته دليلا على عدم رغبته في الاستمرار بالزواج بها، وقد أشار إلى هذه الناحية السرخسي بقوله:(وإذا أراد أن يطلق امرأته وهي حامل طلقها واحدة متى شاء حتى أنه لا بأس بأن يطلقها عقيب الجماع، لأن كراهة الإيقاع عقيب الجماع لاشتباه أمر العدة عليها، وخوف الندم إذا ظهر بها حبل، وذلك غير موجود هنا، ولأن الحبل يزيد في رغبته فيها فيكون إيقاع الطلاق بعد ظهوره دليل عدم موافقة الأخلاق)([98])

وقد بين في الفروق سر الفرق بين التطليق بعد جماع الحامل والآيس والصغيرة دون غيرهما بقوله:(يجوز أن يطلق الحامل والآيسة والصغيرة عقيب جماعه، ولا يجوز أن يطلق ذوات الحيض في طهر قد جامعها فيه، والفرق أن الوطء في الآيسة، والصغيرة والحامل لا يفيد حبلا، فأمن الندم عقيب الوطء، لحدوث الحبل، فجاز له أن يطلقها كما لو مضت حيضة في ذوات الأقراء، وأما في ذوات الأقراء فلم يوجد ما يؤمن معه وجود الحبل من الوطء، فلم يؤمن الندم، فلا ينبغي له أن يطلقها، لقوله تعالى: { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا }(الطلاق:1)) ([99])

ولكن مع ذلك فإن دائرة الطلاق، وإن توسعت من جهة الوقت، فإنها تضيق من جهة العدد، لأنه لا يصح تطليقها إلا مرة واحدة طول فترة الحمل، وقد سئل ابن القاسم: (أرأيت الحامل إذا أراد زوجها أن يطلقها ثلاثا كيف يطلقها؟ قال: قال مالك: لا يطلقها ثلاثا ولكن يطلقها واحدة متى شاء ويمهلها حتى تضع جميع ما في بطنها..وقد قال مالك في طلاق الحامل للسنة أن يطلقها واحدة ثم يدعها حتى تضع حملا قال ذلك عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وغيرهما وقاله ابن المسيب وربيعة والزهري) ([100])

أما لو أراد أن يضيق على نفسه فيجمع الطلقات جميعا، فإن لذلك حكمه الشرعي الذي سنراه في صيغة الطلاق.


([1])   انظر: سبل السلام:3/179.

([2])   المدونة:2/71، الأم: 5/268، المصنف لابن أبي شيبة:4/20  مشكل الآثار: 1/131، المحلى 9/199، المغني: 9/415، أنوار البروق: 1/101، التاج والإكليل: 5/339، بدائع الصنائع: 3/138، شرائع الإسلام:3/5، تبيين الحقائق: 2/232.

([3])   إذا قال: إن اشتريت هذا الغلام فهو حر. فاشتراه عتق، وإن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق. فهذا غير الطلاق، هذا حق لله تعالى، والطلاق يمين، ليس هو لله تعالى، ولا فيه قربة إلى الله تعالى، انظر: المبدع:7/324.

([4])   انظر: فتح الباري:9/381.

([5])   اختلف الفقهاء في الاستدلال بهذه الآية، فكل حملها على مراده، قال الجصاص:« تنازع أهل العلم في دلالة هذه الآية في صحة إيقاع طلاق المرأة بشرط التزويج، وهو أن يقول: » إن تزوجت امرأة فهي طالق «، فقال قائلون: قد اقتضت الآية إلغاء هذا القول وإسقاط حكمه ; إذ كانت موجبة لصحة الطلاق بعد النكاح، وهذا القائل مطلق قبل النكاح، وقال آخرون: دلالتها ظاهرة في صحة هذا القول من قائله ولزوم حكمه عند وجود النكاح ; لأنها حكمت بصحة وقوع الطلاق بعد النكاح، ومن قال لأجنبية: إذا تزوجتك فأنت طالق، فهو مطلق بعد النكاح ; فوجب بظاهر الآية إيقاع طلاقه وإثبات حكم لفظه. انظر: أحكام القرآن للجصاص:5/232.

([6])   انظر: المحلى:10/207.

([7])   ابن كثير:3/499.

([8])   زاد المسير:6/402.

([9])   الأم:5/268.

([10])   التحقيق في أحاديث الخلاف:2/289.

([11])   قال الترمذي: هذا حديث حسن، الترمذي: 3/486، الحاكم: 2/222، أحمد: 2/190.

([12])   انظر: فتح الباري:9/381.

([13])   الدارقطني: 4/17، وقال: يزيد بن عياض ضعيف، انظر: الحقيق في أحاديث الخلاف: 12/290.

([14])   الدارقطني:4/19، وانظر: التحقيق في أحاديث الخلاف:2/290.

([15])   الدارقطني: 4/16.

([16])   رواه أبو يعلى وصححه الحاكم وهو معلول، وأخرج ابن ماجه عن المسور بن مخرمة مثله وإسناده حسن لكنه معلول أيضا، قال الحاكم: أنا متعجب من الشيخين كيف أهملاه، لقد صح على شرطهما من حديث ابن عمر وعائشة وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر، وهو معلول بما قاله الدارقطني: الصحيح مرسل ليس فيه جابر،  قال يحيى بن معين: لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم »لا طلاق قبل نكاح «، وقال ابن عبد البر:» روي من وجوه إلا إنها عند أهل العلم بالحديث معلولة «، سبل السلام:3/179.

([17])   أحمد: 2/189.

([18])   فتح الباري:9/384.

([19])   فتح الباري:9/384.

([20])   فتح الباري:9/384.

([21])   أحكام القرآن للجصاص: 5/232.

([22])   أخرجه الطبرانى (4/275، رقم 4404). قال الهيثمى (4/205): فيه حكيم بن جبير، وهو متروك، وقال أبو زرعة: محله الصدق إن شاء الله. وأخرجه أيضا: الإسماعيلى (3/749)، وابن عدى (6/42 ترجمة 1586 قيس بن الربيع)

([23])   الدراية:2/72.

([24])   انظر هذه الآثار بأسانيدها وتخريجها في أحكام القرآن للجصاص:5/235.

([25])   وهو أن يقول مثلا: إن تزوجت امرأة من قبيلة كذا،  أو يضيف ذلك إلى بلد فيقول:: إن تزوجت امرأة من مصر أو تزوجت امرأة بالشام، أو يضيف ذلك إلى زمن لا يستوعب عمره أو أكثر مثل أن يقول: إن تزوجت هذا العام أو هذه العشرة الأعوام فمثل هذا يلزمه ; لأنه لم يسد على نفسه باب الاستمتاع.

([26])   كشاف القناع:5/237.

([27])   تيببن الحقائق:2/153، الفتاوى الهندية:1/330، الجوهرة النيرة:2/78.

([28])   فتاوى الرملي:3/176.

([29])   المدونة:2/121.

([30])   فتح العلي المالك:2/9.

([31])   مطالب أولي النهى:5/327.

([32])   اختلف المالكية في الشعر، والكلام على قولين:

القول الأول: تعليق الطلاق أو العتق بالشعر غير لازم وكذلك الكلام،، وكذلك من قال سعالك علي حرام، وهو قول سحنون ورواه ابن المواز عن ابن عبد الحكم، لأنه مما لا تحله الحياة.

القول الثاني:  أنه لازم، وقد روي عن أشهب، لأنه مما يقع به الالتذاذ على وجه الاستمتاع،  فأشبه الوجه، واليدين، انظر: المنتقى:4/6، قال ابن العربي:» فأما إذا قال لها: كلامك طالق ; فلا إشكال فيه، فإن الكلام حرام سماعه، فهو من محللات النكاح فيلحقه الطلاق« أحكام القرآن لابن العربي:1/651.

واختلفوا في إضافة الطلاق إلى الروح، وهو نفس الخلاف عند الشافعية، قال ابن العربي:» وأما الروح والحياة فليس للنكاح فيهما متعلق، فوجه وقوع الطلاق بتعليقه عليهما خفي، وهو أن بدنها الذي فيه المتاع لا قوام له إلا بالروح والحياة. وهو باطن فيها ; فكأنه قال لها: باطنك طالق، فيسري الطلاق إلى ظاهرها فإنه إذا تعلق الطلاق بشيء منها سرى إلى الباقي» أحكام القرآن:1/651.

([33])   المدونة:2/69.

([34])   الأم:5/200.

([35])   قواعد الأحكام:2/90.

([36])   لو أضاف الطلاق إلى دبرها لا يقع ; لأن الدبر لا يعبر به عن جميع البدن بخلاف الفرج، بدائع الصنائع:3/144.

([37])   المبسوط:6/89.

([38])   انظر: المبسوط: 6/121.

([39])   مغني المحتاج:3/304.

([40])   المدونة:2/291.

([41])   المغني:7/304.

([42])   فتح القدير:4/3.

([43])   قد جعل بعضهم كلام سحنون خلافا للأول وبعضهم موافقا وكأنه قال: وطلقة في أربع قال لهن بينكن ما لم يشرك فإن شرك طلقن ثلاثا ثلاثا وعلى أنه خلاف يكون المعول عليه الأول ومسألة التشريك الآتية  تدل على أنه مقابل وكلام المؤلف في التوضيح يستشعر منه أنه مرتضيه لأنه قال ونسبها ابن الحاجب لسحنون لاحتمال أنه لا يوافق عليه ابن القاس، الخرشي:4/52.

([44])   الخرشي:4/52.

([45])   مجمع الأنهر:1/389.

([46])   نهاية المحتاج:6/464..

([47])   مغني المحتاج:4/485.

([48])   الإنصاف:9/17.

([49])   الطرق الحكمية:252.

([50])   وللحنفية قول آخر هو أنه إذا طلق امرأة من نسائه لا بعينها، فإنه لا يحال بينه وبينهن، وله أن يطأ أيتهن شاء، فإذا وطئ انصرف الطلاق إلى الأخرى، واختاره ابن أبي هريرة من الشافعية.

([51])   هذا هو الدليل الأصلي للمسألة عند المالكية، ولكن القرافي ذكر لها الأدلة التالية، وقال بعد ذكرها منبها على عدم إيراد من سبقه على دليل ذلك:«فإذا قيل لهم: ما الدليل على مشروعية هذا الاحتياط في الشرع لم يجدوه وأما مع ذكر هذه القواعد فتصير هذه المسألة ضرورية بحيث يتعين الحق فيها تعينا ضروريا»، وقد تعقبه ابن الشاط بالرد على ما ذكره من قواعد، وقالبعدها:« والجواب الصحيح ما أجاب به الأكابر وهو أن الحكم إنما عم احتياطا للفروج ودليل مشروعية هذا الاحتياط كل دليل دل على وجوب توقي الشبهات.»أنوار البروق:1/157.

([52])   هذه هي القاعدة الأساسية التي اعتمد عليها القرافي، وقد تعقبها ابن الشاط بقوله:« ليس الأمور هو القدر المشترك بل أحد الأمور واحد غير معين منها، ولذلك صدق على كل واحد منها، وقوله والصادق على عدد وأفراد مشترك فيه بين تلك الأفراد إن أراد بذلك الحقيقة الكلية فليس أحد الأمور هو الحقيقة الكلية وإن أراد أن لفظ أحد الأمور يختص به معين من تلك الأمور فذلك صحيح ولا يحصل ذلك مقصوده.» أنوار البروق:1/157.

([53])   أنوار البروق:1/157.

([54])   المدونة: 2/70.

([55])   الطرق الحكمية:253.

([56])   اتفق الفقهاء القائلون بالقرعة على أن المطلقة بالقرعة إذا تزوجت لا يقبل قوله بأن المطلقة كانت غيرها، لما فيه من إبطال حق الزوج، حتى لو أقام بينة على أن المطلقة غيرها، لأن القرعة تصيب طريقا إلى وقوع الطلاق فيمن أصابتها، ولو كانت غير المطلقة في نفس الأمر، فالقرعة فرقت بينهما، وتأكدت الفرقة بتزويجها.

واتفقوا كذلك فيما إذا كانت القرعة بحكم الحاكم، فإن حكمه يجري مجرى التفريق بينهما فلا يقبل قوله بأن المطلقة غيرها، واختلفوا فيما لو لم تتزوج على قولين:

 القول الأول: تعود إليه من حين وقعت عليها القرعة، ويقع الطلاق بالمذكورة، وقد نص عليه أحمد، لأن القرعة إنما كانت لأجل الاشتباه، وقد زال بالتذكر.

القول الثاني: أنها لا ترد إليه بعد انقضاء عدتها وملكها نفسها، إلا أن تصدقه، ولهذا لو قال بعد انقضاء عدتها: كنت راجعتك قبل انقضاء العدة، لم تقبل منه إلا ببينة أو تصديقها، ولو قال ذلك والعدة باقية، قبل منه لأنه يملك إنشاء الرجعة، وهو اختيار ابن القيم، انظر: الطرق الحكمية:264.

([57])   قال ابن القيم:وبالجملة: فالقرعة طريق شرعي، شرعه الله ورسوله للتمييز عند الاشتباه، فسلوكه أولى من غيره من الطرق، الطرق الحكمية:261.

([58])   الطرق الحكمية:262.

([59])   انظر: القرطبي:3/132.

([60])   للحديث روايات مختلفة سنعرض لما تمس إليه الحاجة منها في أثناء هذا المبحث، انظر هذه الروايات في: البخاري: 5/2011، مسلم: 2/1095، المنتقى: 1/183، مسند أبي عوانة: 3/144، الدارمي: 2/213، البيهقي: 7/323، الدارقطني:4/6، مسند الشافعي: 101، أبو داود: 2/25، النسائي: 3/339، ابن ماجة: 1/651، الموطأ:2/576، أحمد: 2/61، مسند ابن الجعد: 409..

([61])   مجمع الزوائد:4/136.

([62])   التمهيد:15/51.

([63])   حاشية ابن القيم:6/174.

([64])   كتاب الآثار لأبي يوسف:129.

([65])   البيهقي: 7/325.

([66])   البيهقي: 7/325.

([67])   انظر: المغني: 7/278، بدائع الصنائع: 3/88، الفتاوى الكبرى: 3/225، الفروع: 5/274، فتح القدير: 3/483، التاج والإكليل: 5/302، أسنى المطالب: 3/263.

([68])   المحلى:9/365.

([69])  كاشف الغطاء، أنوار الفقاهة – كتاب الطلاق، ص 21.

([70])  الشهيد الثاني، الروضة البهية، ج6 ص33..

([71])  ابن زهرة، غنية النزوع، ص373..

([72])  النجفي، جواهر الكلام، ج32ص120 -121..

([73])  النجفي، جواهر الكلام، ج32، ص120 -121.

([74])  الخوانساري، جامع المدارك، ج4، ص518.

([75])  الصدر، ما وراء الفقه، ج6، ص310..

([76])   وهو نفس حكمهم في النفاس، والاختلاف نفسه جار فيه، فلذلك لم نذكر النفاس كل مرة بجنب الحيض، قال ابن عبد البر: » الحائض  والنفساء لا يجوز طلاق  واحدة منهما حتى تطهر، فإن طلقها زوجها في دم حيض أو دم نفاس طلقة أو طلقتين لزمه ذلك«التمهيد:15/68.

([77])   الفتاوى الكبرى:3/247.

([78])   انظر: القرطبي: 18/152، الجصاص: 3/99، المبدع:7/250، الإنصاف للمرداوي:8/448، روضة الطالبين: 8/7، المجموع: 2/386، شرح فتح القدير: 6/460، الفواكه الدواني: 2/33 وغيرها.

([79])   التمهيد:15/58.

([80])   التمهيد:15/59.

([81])   التمهيد:15/58.

([82])   التمهيد: 15/64.

([83])   مسند الشافعي: 193، اختلاف الحديث: 261.

([84])   حاشية ابن القيم على سن أبي داود: 6/166 فما بعدها، المحلى:9/365، وانظر: زاد المعاد: 5/218، 5/634، شرح العمدة: 1/514، مجموع الفتاوى: 33/82، 3/31، 29/378.

([85])   أخرجه أبو داود (4/200، رقم 4606)

([86])   التمهيد: 15/67.

([87])   بداية المجتهد:2/49.

([88])   حاشية ابن القيم: 6/174.

([89])   حاشية ابن القيم: 6/177.

([90])   انظر: نيل الأوطار:6/255.

([91])   المدونة:2/3.

([92])   الأم:8/295.

([93])   الفتاوى الكبرى:5/490.

([94])   حاشية بان القيم: 6/ 177.

([95])   الفتاوى الكبرى:3/247.

([96])   التمهيد:15/80.

([97])   ذكره ابن القيم في: حاشيةابن القيم على سن أبي داود  6/17، وابن تيمية في الفتاوى الكبرى: 3/277.

([98])   المبسوط:6/10.

([99])   الفروق:1/160.

([100])   المدونة:2/4..

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *