الفصل الثالث: أصول المنهج الإصلاحي

الفصل الثالث

أصول المنهج الإصلاحي

نتناول في هذا الفصل الأصول الكبرى التي يعتمد عليها الغزالي في عمله الإصلاحي، وهي أربعة أصول:

  1. حقائق القرآن الكريم ومقاصده.
  2. السنة النبوية علما وعملا.
  3. التصوف: سلوكا ومعرفة.
  4. أحكام العقل، والانفتاح الثقافي.

وقد خصصنا كل أصل منها بمبحث من المباحث.

أولاـ حقائق القرآن الكريم ومقاصده

لاحظ الغزالي ما آل إليه التعامل مع القرآن الكريم في عصره، وما قبله من العصور، من حصر معانيه في ظواهر التفسير المتلقاة بالنقل، أو المجتهد فيها بالرأي، والتوقف عندها، وعدم الغوص في حقائقه الكبرى التي تشير إليها مبانيه وظواهره.

وقد زاد في عزلة حقائق القرآن عن عامة الأمة ومتطلبات حياتها تلك العلوم الكثيرة المرتبطة به، وهي وإن كانت الضرورة دعت إليها إلا أن زيادة التعمق فيها باعتبارها مقصودة لذاتها جعلها حجابا دون تفهم حقائقه المرتبطة بكل فرد على حدة، وبكل شأن من شؤون الحياة، فأصبح القرآن بذلك كتابا تاريخيا أو أثرا أدبيا لاموجها وهاديا ومربيا.

وقد دعا الغزالي إلى تعامل جديد مع القرآن ا لكريم بدل ذلك يقوم على تدبر آياته واستنباط المعارف الإيمانية منها، وإلى رعاية مقاصد ه وعدم الانشغال عنها بالدراسات المتعلقة به، باعتباره منبع العلوم بظاهره وباطنه، وتصريحاته وإشاراته.

1 ـ العلاقة بين مباني القرآن وحقائقه:

يقسم الغزالي العلوم المرتبطة بالقرآن الكريم إلى قسمين: علوم آلية، يعبر عنها بالصدف، باعتبارها الغشاء الخارجي الذي يحمي الجوهر، ولا يتوصل إلى الجواهر إلا بفتقه، وتلك العلوم هي المواد الأساسية المكونة للتفسير الظاهر.

وهي ـ عند الغزالي ـ خمسة علوم: علم اللغة، وعلم النحو، وعلم القراءات، وعلم مخارج الحروف، وعلم التفسير الظاهر.

والغزالي ينتقد الاقتصار على هذه العلوم باعتبارها مقصودة لذاتها وإهمال معاني القرآن الأساسية التي أنزل من أجلها([1]).

ومن مظاهر هذا الاقتصار ما انتهى إليه جهل طائفة ظنوا أن القرآن هو الحروف وبنوا عليها أنه مخلوق، لأن الحروف والأصوات مخلوقة ([2])، أما التفسير الظاهر فبه ـ كما يرى الغزالي ـ قنع أكثر الخلق (وما أعظم غبنهم وحرمانهم إذ ظنوا أنه لا رتبة وراء رتبتهم)([3])

ولذلك يدعو الغزالي إلى الاقتصاد في هذه العلوم، والاقتصار منها على ما تمس إليه الحاجة، لأن كل ما يطلب لغيره لا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب ويستكثر منه.

و هو يوصي بأن يقتصر من علم اللغة على ما يفهم منه كلام العرب وينطق به، ومن غريبها على غريب القرآن والحديث، دون التعمق في ذلك، ومن النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة، أما التفسير فيكتفى بما يبلغ ضعف القرآن الكريم أو ثلاثة أضعافه، أما ما زاد على ذلك فهو ـ كما يقول الغزالي ـ (استقصاء مستغنى عنه)([4])

وقد دعا بدل ذلك إلى النظر في مقاصد القرآن الكريم وحقائقه الباطنة باعتبارها الجوهر الذي يغطيه الصدف، أو اللباب الذي يحميه القشر.

الرد على المحرمين للتفسير بالرأي:

لكن الغزالي يصطدم في دعوته هذه مع القائلين بتحريم تفسير القرآن بغير ما ورد في التفسير الظاهر المنقول عن الرسول a والسلف من الصحابة وغيرهم، والذين يستدلون ببعض النصوص الشرعية الدالة على تحريم التفسير بالرأي، والتشديد في ذلك كقوله a: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)([5])وقوله: (من قال في القرآن برأيه، فأصاب فقد أخطأ)([6])، ومنها موقف السلف من التشدد في البعد عن هذا الاتجاه، وأقوالهم الكثيرة في ذلك ([7])، وقد رد الغزالي على ذلك بأدلة كثيرة منها:

الدليل الأول:

أن الاعتصام بالنقل وحده لا يكفي، بدليل ما روي من آثار عن اتساع مجال الفهم في القرآن الناتج عن التدبر، ومن الآثار التي ينقلها الغزالي قول علي: (ما أسر إلي رسول الله a شيئا كتمه على الناس إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في كتابه) ([8])، وقوله: (من فهم القرآن فسر به جمل العلم)([9])، وعقب الغزالي على ذلك بقوله: (أشار به إلى أن القرآن الكريم يشير إلى مجامع العلوم كلها)([10])

 وفسر ابن عباس الحكمة في قوله تعالى: {وَمن يؤتَ الْحِكْمَةَ فَقَدُ اوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } (البقرة:269) بالفهم في القرآن ([11])،وقول بن مسعود:(من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن)([12])

الدليل الثاني:

أن النبي a دعا لابن عباس بقوله:(اللهم فقهه في الدين،وعلـمـه التأويل)([13])، والتأويـل هو الرجوع إلى الأصل([14])، وفي(لـسـان العرب):(الأول، الرجوع، آل الشيء يؤول أولا ومآلا:رجع.وأول إليه الشيء رجعه، وأول الكلام وتأوله: دبره وقدره… والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل، ولولاه ما ترك ظاهر اللفظ)([15]).

وقد أشار الجر جاني إلى الفرق بين التفسير والتأويل في قوله: (التأويل في الأصل الترجيع، وفي الشرع صرف الآية عن معناها الظاهر إلى معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذي يراد موافقا بالكتاب والسنة مثل قوله تعالى: { يخرج الحْيَّ مِنَ الْمَيِّتِ } (الأنعام:95)، إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيرا، وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلا)([16])

فالتأويل غير التفسير، ولذلك خص به النبي a ابن عباس، يقول الغزالي: (فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل، فما معنى تخصيصه بذلك؟)([17])

الدليل الثالث:

أن الصحابة والمفسرين اختلفوا في تفسير الكثير من آيات القرآن الكريم، فقالوا فيها أقوالا مختلفة لا يمكن الجمع بينها، ويستحيل سماع جميعها من الرسول a، فتبين بذلك أن كل مفسر قال في المعنى بما رجح له، فقالوا مثلا في الحروف المقطعة في أوائل السور: (إن { ألر } (يوسف: 1) هي حروف من الرحمان، وقيل إن الألف:الله، واللام: لطيف، والراء:رحيم، وقيل غير ذلك والجمع بين الكل غير ممكن، فكيف يكون الكل مسموعا؟)([18]).

الدليل الرابع:

أن الله عز وجل قال: { لعلمه الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } (النساء:83)، فأخبر أن لأهل العلم استنباطا، وهو غير مرتبط بالنقل ([19]).

مفهوم الرأي المذموم:

ونتيجة لهذا، فإن الغزالي يحمل (الرأي) في الحديث على الرأي المذموم وينزله على أحد وجهين:

أ ـ أن يكون للمفسر في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه، وذلك إما مع العلم كاحتجاج المبتدعة لآرائهم مع علمهم أنه ليس ذلك مراد الآية، أو مع الجهل بذلك، بأن يميل إلى الوجه الذي يراه موافقا له، فيكون رأيه هو الذي حمله على ذلك التفسير([20]).

ب ـ أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة (فلا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يتقن التفسير الظاهر فهو كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب، لأن ظاهر التفسير يجري مجرى تعليم اللغة التي لا بد منها للفهم)([21])

العلوم التي يحتاجها المفسر:

ومن العلوم القرآنية الظاهرية التي يشترطها الغزالي تعلمها ومراعاتها:

الإيجاز بالحذف والإضمار:

قد ورد كثيرا في القرآن الكريم، وهو حذف كلمة أو جملة أو حرف لدلالة باقي الكلام عليها، ومن الأمثلة التي يذكرها الغزالي لذلك قوله تعالى: { وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا} (الإسراء:59)، يقول الغزالي: (معنى ذلك: آية مبصرة، فظلموا أنفسهم بقتلها، الناظر إلى ظاهر العربية يظن أن المراد به أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء، ولم يدر كذلك أنهم بماذا ظلموا غيرهم أو أنفسهم)([22])

ومثله قوله تعالى: { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمُ }(البقرة:93) أي حب العجل، ومثله قوله تعالى: { إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} (الإسراء:75) أي ضعف عذاب الأحياء وضعف عذاب الموتى.

المنقول المنقلب:

أي المنقول عن اللفظ الذي ورد به أولا، كقوله تعالى: { وِطُورِ سِينِيَن } (التين:2) أي طور سيناء وقوله تعالى: { سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ } (الصافات:130) أي على إلياس u.

المقدم والمؤخر:

كقوله تعالى: { وَلَوْ لَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وأَجَلٌ مُسَمًّى } (طه:127) معناه لولا الكلمة وأجل مسمى، وقوله تعالى: { يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا } (الأعراف:187) أي يسألونك عنها كأنك حفي بها.

المبهم:

وهو اللفظ المشترك بين معان من كلمة أو حرف، كلفظة القرين، قال الله تعالى: { وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ } (ق:23 ـ 24) أراد به الملك الموكل به، وقال تعالى: { قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَـلٍ بَعِيدِ } (ق: 27) أراد به الشيطان، ولفظ الأمة ورد على ثمانية أوجه، فالأمة هي الجماعة وأتباع الأنبياء والدين والزمان والقامة، وغيرها ([23]).

فهذه العلوم وغيرها يشترط الغزالي سماعها وتعلمها لتجنب التفسير بالرأي المذموم، يقول الغزالي: (كل من اكتفى بفهم ظاهر العربية وبادر إلى تفسير القرآن، ولم يستظهر بالسماع والنقل في هذه الأمور، فهو داخل فيمن فسر القرآن برأيه) ([24])

ضوابط الاستفادة من الحقائق القرآنية:

والنتيجة التي نخلص إليها من علاقة الباطن القرآني بظاهره في رأي الغزالي هي أنه يلزم المتدبر للقرآن والمتفهم له أمران:

توافق العقل والنقل:

أي أن لا يفهم من القرآن الكريم أمرا يخالف العقل أو النصوص الشرعية أو يحمل ألفاظ القرآن ما لا تحتمل (فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل من صاحب الشرع، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله a)([25])

و يضيف: (وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتبديلها على رأيهم)([26])

وهو يشبه من يستجير هذه التأويلات مع علمه بأنها غير مراده بالألفاظ، ويزعم أن قصده منها دعوة الخلق إلى الخالق بمن يستجير وضع الأحاديث على رسول الله aلما هو في نفسه حق ولكن لم ينطق به الشرع)، فذلك ظلم وضلال ودخول في الوعيد المفهوم من قوله a: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) ([27])

بل إنه يرى أن الشر في تأويل هذه الألفاظ أعظم خطرا لأنها مذهبة للثقة في الألفاظ وقاطعة لطريق الاستفادة من القرآن الكريم ([28]).

توافق الظاهر والباطن:

أي أن لا يعتقد أن فهمه واستنباطه هو عين المراد دون غيره، بل يبقي الظاهر على حاله، ويعبر منه إلى الباطن، يقول الغزالي في (مشكاة الأنوار) بعد كلام له في الموازنة بين الظاهر والباطن: (لا تظنن من هذا الأنموذج وطريق ضرب الأمثلة رخصة مني في رفع الظواهر واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا: لم يكن مع موسى نعلان، ولم يسمع الخطاب بقول:اخلع نعليك؛ حاشا لله، فإن إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين، وجهلوا جهلا بالموازنة بينهما، فلم يفهموا وجهه، كما أن إبطال الأسرار مذهب الحشوية([29])، فالذي يجرد الظاهر حشوي، والذي يجرد الباطن باطني، والذي يجمع بينهما كامل)([30])

ولكن هذه الفهوم الراقية العميقة التي يصفها الغزالي لا تنال بمجرد حضور القلب مع القرآن، أو بمجرد التدبر الظاهر لألفاظه، بل بوجود محل مستعد لذلك الفهم، وإنما حرمت العقول والقلوب من إدراك معاني القرآن ـ كما يرى الغزالي ـ بأربعة حجب:

الحجاب الأول: انصراف الهم إلى ظاهر التلاوة بتحقيق مخارج الحروف والتعمق فيها، والتعبد بالألفاظ دون ملاحظة المعاني.

الحجاب الثاني: التقليد، ويعتبره الغزالي الحجاب الأعظم الحائل بين القلب وإدراك الحقائق، فمن جمد على مذهب سمعه بالتقليد، وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع من غير تحقيق وتبصرة، يصير نظره موقوفا على سمعه (فإن لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني حمل عليه شيطان التقليد حملة،وقال:كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك؟)([31])، وهو يحمل هذا المعنى على قول الصوفية كما ينقله: (إن العلم حجاب) مريدين بذلك العلم (العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم)([32])، أما العلم الحقيقي، الذي هو الكشف والمشاهدة بنور البصيرة، فكيف يكون حجابا وهو غاية المطالب؟

الحجاب الثالث: الإصرار على الذنوب، وخاصة الكبر وحب الدنيا، فقد قال تعالى { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } (الأعراف:146)، يقول الغزالي: (وقد شرط الله عز وجل الإنابة في الفهم والتذكير، فقال تعالى: { تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} (ق:8)، وقال: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ } (غافر:13)،وقال: { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } (الزمر:9)، فالذي آثر غرور الدنيا ليس من ذوي الألباب، ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب) ([33])

الحجاب الرابع: الاقتصار على التفسير الظاهر.

2 ـ مراتب العبور إلى حقائق القرآن:

كعادة الغزالي في إعطاء الطرق العملية لتحصيل المعاني الشرعية المجملة، فإنه يصف الطريق الذي به يتدرج قارئ القرآن من الترتيل الظاهرـ الذي حدد آدابه ـ إلى المعاني الباطنة غير المحدودة، وتلك المراتب هي:

استحضار عظمة القرآن:

لما لها من تأثير نفسي على القارئ، لأن عظمة الرسالة بقدر عظمة مرسلها، والقرآن الكريم هو رسالة الله وكلامه إلى عباده، ولو لا لطف الله سبحانه بخلقه في إيصال معاني كلامه الذي هو صفة قديمة قائمة بذاته لما أطاق كلامه شئ ([34]).

وهذا الاستحضار النفسي له عند الغزالي خصوصا، والصوفية عموما، تأثير كبير في تلقي التالي واستعداده للفهوم التي يفيضها الله على عباده العارفين بعظمة كلامــه، وذلك لأن فيها فتحا لمجالات مطلقة للقرآن الكريـم لا يــحـدها التركيب اللغوي المحدود([35]).

استحضار عظمة الله تعالى:

وذلك بأن يعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر، ولهذا كان بعض الصحابة ـ كما ينقل الغزالي ـ إذا نشر المصحف غشي عليه، ويقو ل: (هو كلام ربي، هو كلام ربي)([36])

وطريق ذلك ـ كما يرى الغزالي ـ هو أن يحضر بباله عند بداية التلاوة العرش والكرسي والسماوات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار، ويعلم أن الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد، وأن الكل في قبضته، مترددون بين فضله ورحمته، وبين نقمته وسطوته، إن أنعم فبفضله، وإن عاقب فبعدله ([37]).

وهذا التعظيم التمهيدي هو غاية ـ عند الغزالي ـ في نفس الوقت، لأنه بقدر تعظيمه عند القراءة يكون فهمه عن الله، وبقدر فهمه عن الله تكون معرفته ويزداد تعظيمه.

حضور القلب:

وهو ترك حديث النفس والانشغال بالقرآن عن غيره، وذلك ـ كما يرى الغزالي ـ يتولد عما قبله من التعظيم، فإن المعظم للكلام الذي يقرؤه يسر به ويستأنس ولا ينتقل عنه، زيادة على احتواء القرآن الكريم على كل ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلا له (فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره، وهو في متنزه ومتفرج؟، والذي يتفرج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها)([38])

وهو أيضا مرتبط بمدى علم القارئ بسعة القرآن الكريم التي هي فيض من مصدره الإلهي، فلذلك يقرأ كل مرة كلاما جديدا، ويفهم فهما جديدا، وتفاض على قلبه أحوال جديدة، وذلك كله ناف لصفة التكرار المسببة للغفلة وعدم حضور القلب، وذلك كله لا يكون ـ كما عبر عنه الغزالي في كل مناسبةـ إلا بالجد، وهو التجرد له عند القراءة وانصراف الهم له عن غيره، ويفسر قوله تعالى: { يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } (مريم:12) بالجد والاجتهاد([39]).

التفهم:

وهو المقصود الأصلي من القراءة، وكل ما قبله تمهيد نفسي وعقلي له، لأن القرآن الكريم يحوي ـ كما يعبر الغزالي ـ كل العلوم، ولكنه لا يمنح علومه إلا لمن يتأمله ويفكر فيه، أو كما يقول ابن مسعود:(من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن)([40])

ويضرب الغزالي الأمثلة الكثيرة عن كيفية استنباط الفهوم من القرآن الكريم، فإذا قرأ القارئ قوله تعالى: { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ } (الواقعة:58) يتأمل المني، وهو نطفة متشابهة الأجزاء، ثم ينظر في كيفية انقسامها إلى اللحم والعظم والعروق والعصب، وكيفية تشكل أعضائها بالأشكال المختلفة من الرأس واليد والرجـل والكـتف وغيرهــا، ثم إلى ما ظـهر فيها من الصفات الشريـفة أو الدميمة، ويتأمل هذه العجائب ليرقى منها إلى ما هـو أعـجـب، وهو الصفة التي صدرت منها تلك الأعاجيب (فلا يزال ينظر إلى الصنعة، فيرى الصانع) ([41])

وإذا قرأ أسماء الله تعالى (يتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للموقنين) ([42])

والغزالي ـ كالصوفية جميعا ـ يعتبرون أسماء الله الحسنى المفاتيح التي تفهم بها حقائق الكون وتستكنه أسراره، فلذلك يوليها العناية التامة لتفهم حقائق القرآن الكريم.

وهكذا إذا قرأ القارئ أحوال الأنبياء، وما حصل لهم من أنواع البلاء يستنبط منه صفة الاستغناء لله عز وجل عن الرسل والمرسل إليهم، وأنه لو أهلك جميعهم لم يؤثر ذلك في ملكه شيئا ([43]).

التخصيص:

وهو أن يقدر أنه المخصوص بكل خطاب في القرآن، فإن سمع أمرا أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور، وإن سمع وعدا أو وعيدا فمثل ذلك، (وكيف لا يقدر هذا، والقرآن ما أنزل على رسول الله a لرسول الله a خاصة، بل هو شفاء ورحمة ونور للعالمين) ([44])

ونتيجة ذلك ـ كما يرى الغزالي ـ أن لا تتخذ دراسة القرآن عملا، بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله، ويعمل بمقتضاه، وينقل الغزالي في ذلك عن مالك بن دينار([45]) قوله: (ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟.. إن القرآن ربيع المؤمن، كما أن القرآن ربيع الأرض)([46])

ولا يكون ذلك إلا بالتعامل الجدي مع القرآن الكريم، واعتبار كل ما فيه حكمة وفائدة في حق كل شخص بعينه، فليست قصصه ـ مثلاـ سمرا غير مقصود، وإنما هي عبر وتثبيت لمن تأملها، ولأجل هذا أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة القرآن الكريم باعتبار نزوله غير مختص به a، بل هو متعلق بكل مكلف، فقد قال تعالى: { وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} (البقرة:231)([47])

التأثر:

وهو تفاعل النفس مع القرآن الكريم بحيث يتأثر بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات، فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيرها.

ويذكر الغزالي أمثلة توضيحية لذلك: فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح، وعند ذكر الله تعالى وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعا لجلاله واستشعارا لعظمته، وعند ذكر الكفار وما يستحيل على الله عز وجل يغض صوته وينكسر في باطنه، وعند ذكر الجنة ينبعث بباطنه شوقا إليها، وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفا منها ([48]).

وبذلك يشترك في القراءة اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار، فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ.

وهذا التفاعل الوجداني مع القرآن الكريم هو ما كان عليه رسول الله aوأصحابه، فقد روي أن رسول الله a أمر ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن، فقرأ عليه من سورة النساء إلى قوله تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } (النساء:41)، فالتفت إليه، فرأى عينيه تذرفان بالدمع([49])، ويعلق الغزالي على هذا الحديث بقوله: (وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلية)([50])

الترقي:

وهو عدم التوقف عند حد معين أو مقام مخصوص لا يتجاوزه، فكما أنه في تفهم القرآن يترقى عند كل قراءة إلى فهم جديد ومعان جديد لم تكن تخطر له، فكذلك في علاقته مع القرآن الكريم يترقى إلى أن يستشعر سماعه من الله تعالى، فيرى في الكلام المتكلم، وفي الكلمات الصفات، فلا ينظر إلى نفسه، ولا إلى قراءته، بل يكون مقصور الهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدته عن غيره ([51]).

وهذه الدرجة كما يرى الغزالي هي درجة المقربين، ودونها درجة أصحاب اليمين، وهي أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله عز وجل، فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتملق والضراعة، أو أن يشـهد بقـلبـه كأن الله عز وجل يراه ويخاطبه بألـفاظـه ويناجيه بإنعامه، فمقامه عند ذلك الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم، وما خرج عن هذا يعبر عنه الغزالي بدرجات الغافلين، وهم الذين ليس لهم حظ من القرآن غير ترتيل اللسان ([52]).

التبري:

وهو خاتمة مراتب التدبر المكونة لحقيقته، وفيها يعود العبد إلى أصله بعدما ترقى في معارج العرفان والفهوم، فيستشعر حياء العبودية، فيتبرأ من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بعين التعظيم والرضا، فإذا قرأ آيات الوعد ومدح للصالحين لا يشهد نفسه عند ذلك، بل يشهد الموقنين والصديقين، ويتشوف إلى أن يلحقه الله عز وجل بهم ([53]).

وهذا الشعور، وهو عودة التالي إلى عبوديته، هو الباب الذي منه تلوح أنوار الكشوفات والفهوم، فهي كما يقول الغزالي: (لا تكون إلا بعد التبري عن النفس وعدم الالتفات إليها وإلى هواها) ([54])، فالعبد إذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كانت رؤيته سبب قربه ([55]).

هذه هي المراتب التي يضعها الغزالي للعبور إلى الحقائق القرآنية، وهي ـ كما رأينا ـ تنبع من منهجه الإصلاحي المعتمد على إعطاء الطرق العملية للحقائق التي يتحدث عنها دون الغلو في المسائل النظرية، وذلك ما يتيح للعامة والخاصة ـ على حد سواء ـ الاستفادة من الحقائق التي لا يكفي فيها مجرد الإجمال أو الوعظ.  

3 ـ مقاصد القرآن الكريم:

رأينا في المطلب السابق ضرورة استعمال آلية التدبر بمراتبها المختلفة للوصول إلى حقائق القرآن الكريم، ولكن تلك الحقائق تختلف بحسب مقاصد المتدبرين واهتماماتهم، ولذلك قد توصف بالعمق أحيانا والسطحية أحيانا أخرى، والسبيل الذي يراه الغزالي لتعميق الحقائق القرآنية هو ربطها بمقاصدها، لأن شتات الفروع تتوحد في نقطة المقصد.

وربما يكون للغزالي السبق فيما يسمى ـ اليوم ـ بالتفسير الموضوعي للقرآن الكريم، وذلك أثناء تقسيمه القرآن إلى محاور أساسية تدور عليها آياته، ثم الحديث عن تلك المحاور كما وردت فيه، وقد جمع في كتابه (جواهر القرآن) سبعمائة وثلاث وستين آية تتعلق بالمعرفة الإلهية، وسبعمائة وإحدى وأربعين آية تتعلق بالسلوك لله تعالى، وقد سمى النوع الأول بالجواهر، وسمى النوع الثاني بالدرر، و(الأول علمي، والثاني عملي، وأصل الإيمان العلم والعمل) ([56])

ثم شرح جمل القسم الثاني في كتابه (الأربعين في أصول الدين)وضمه إلى كتابه (جواهر القرآن)، وأجاز كتابته مفردا ([57]).

وهو ينطلق في تحديده لمحاور القرآن ومقاصده من هدف القرآن الكريم الأساسي ـ في رأيه ـ وهو (دعوة العباد إلى الجبار الأعلى رب الآخرة والأولى) ([58])، فالقرآن هو المعرف بالله والداعي له،ولذا يحصر مقاصد القرآن ـ على أساس ذلك ـ في ستة أنواع، ثلاثة هي الأصول المهمة، وثلاثة هي التوابع المتمة، وهذه المقاصد هي:

المقاصد الأصلية:

وهي التي تهدف إليها آيات القرآن الكريم بالدرجة الأولى، وتشمل في رأي الغزالي المعارف الأساسية الدالة على الحقائق الكلية الكبرى، وهي:

معرفة الله تعالى:

فالقرآن الكريم هو الدليل الأكبر على الله، والمعرف الأعظم به، وهو كما يقول الإمام جعفر الصادق ([59]): (والله لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه، ولكنهم لا يبصرون)([60]) والمقاصد القرآنية المتعلقة بالله عند الغزالي هي:

معرفة الذات:

وهي أهم المعارف وأعزها وأضيقها مجالا وأعسرها منالا وأعصاها على الفكر، ولا يحوي القرآن الكريم منها إلا على تلميحات وإشارات ترجع في رأي الغزالي إلى أمرين:

التقديس المطلق:

وهو تنزيه الله تعالى عن كل وصف يدركه الحس، أو يتصوره الخيال، أو يسبق إليه الوهم، أو يختلج به ضمير، أو يقضي به تفكير ([61])، ولذلك عرف الله تعالى ذاته لعباده بقوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }(الشورى:11)، وقوله تعالى: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} (الإخلاص:1 ـ4)

التعظيم المطلق:

وهو امتلاء القلب مهابة لله وشعورا بالعجز والضآلة أمامه، نتيجة لفرط عدم إحاطة العقل بكنه حقيقته ([62])،كما قال تعالى: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الأنعام: 100، 101)

والتفكر في جلال الله وعظمته بالجمع بين هذين الأمرين هو الذي يثمر المعارف ولأحوال الإيمانية، دون التفكر في المتشابه من الصفات، فإنه لا يثمر عند الجمهور من الناس إلا التشبيه والتمثيل، ولهذا لم يرد في الأذكار الشرعية المسنونة عن رسول الله a إلا ما يشير إلى ذلك.

وقد أشار الدهلوي إلى ما ذكره الغزالي، وأيده بأن ما ورد من الأذكار عن رسول اللهa لا يشير إلا للتنزيه والتعظيم فيما يتعلق بذات الله تعالى،يقول الدهلوي: (..ومنها [أي من الأذكار الشرعية] سبحان الله وحقيقته تنزيهه عن الأدناس والعيوب والنقائص، ومنها الحمد لله، وحقيقته إثبات الكمالات والأوصاف التامة له؛ فإذا اجتمعتا في كلمة واحدة كانت أفصح تعبير عن معرفة الإنسان بربه، لأنه لا يستطيع أن يعرفه إلا من صفات ذات يسلب عنها ما نشاهده فينا من النقائص، ويثبت لها ما نشاهده فينا من كمالات من جهة كونه كمالا)([63])

والغزالي ينتقد بشدة المشبهة الذين ينكرون التنزيه المطلق لله عن كل صفات الحوادث (حتى قال بعض الحمقى من العوام:إن هذا وصف لبطيخ هندي لا وصف إله، لظن المسكين أن الجلالة والعظمة في هذه الأعضاء)([64])

ويرد سبب ذلك إلى أن الإنسان لا يعرف إلا نفسه ولا يعظم إلا نفسه، وكل ما لا يساويه في صفاته لا يفهم العظمة فيه، (بل لو كان للذباب عقل، وقيل له: ليس لخالقك جناحان ولا يد ولا رجل ولاطيران، لأنكر ذلك وقال: كيف يكون خالقي أنقص مني؟)([65])

معرفة الصفات:

وهي المجال الفسيح الذي يمكن الاطلاع عليه دون إمكانية الإلمام به، ولذلك كثرت الآيات المشتملة على العلم والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر وغيرها، هي ـ أيضا ـ تستدعي الأمرين السابقين: التنزيه والتعظيم، فإن صفات الله تعالت وتقدست أن تشابه صفاتنا، فلذلك يغلب على هذه المعرفة الإيهام والتشبيه، ولهذا (ينبغي أن تقترن بنفي المشابهة، ونفي أصل المناسبة)([66])

وقد أشار إليه قوله تعالى في: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }(الشورى:11)، ثم عقب ببيان صفتين من صفاته قد توهمان التشبيه هما السمع والبصر، لارتباطهما بالنسبة لنا بالأذن والعين، قال تعالى: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (الشورى:11)

ويرى الغزالي أنه بقدر معرفة المؤمن لصفات الله تعالى وتنزيهها وتعظيمها تكون معرفته بذاته تعالى، فمعرفة الصفات هي مدد معرفة الذات، ولذلك كثرت الأسماء الحسنى الدالة على عظمة صفات الله تعالى.

و هو يرى وجوب القول بتوقيفها بحيث لا نسمي الله إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله، مستدلا على ذلك بقياس مفاده أنه (إذا لم يكن لنا أن نسمي إنسانا، أي نضع له اسما، فكيف نضع لله اسما؟)([67])

أما القول في الصفات فمتسع، لأن الوصف إخبار، ويجوز الإخبار مادام صادقا وحاويا صفات المدح والجلال، (فلا نقول:يا موجود يا محرك يا مسكن، بل نقول: يا مقيل العثرات، يا منزل البركات، ويا ميسر كل عسير، وما يجري مجراه)([68])

معرفة الأفعال:

وهي المجال الأفسح والأيسر لمعرفة الله، فمنها يرقى المتفكر لمعرفة الصفات التي هي المعراج لمعرفة الذات، ولذلك حوى القرآن الكريم (الكثير من آيات الله وأفعاله، كذكر السماوات والكواكب والأرض والجبال والشجر والحيوان والبحار والنبات وإنزال الماء الفرات وسائر أسباب الحياة) ([69])، وقد أمر الله تعالى بالتفكر في هذه المخلوقات، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (آل عمران:190)

وقد انطلق الغزالي من الآيات التي تتحدث عن مخلوقات الله تعالى في كتابه (الحكمة في مخلوقات الله) إلى الحديث عن حكم تلك المخلوقات، بأسلوب يمتزج فيه العلم بالتذكير، وهو أسلوب القرآن الكريم في عد نعم الله على خلقه، وهو يستخدم هذا الأسلوب في (الإحياء) وغيره كلما دعت الضرورة إلى ذلك([70]).

وينبه الغزالي إلى سعة عالم الملكوت والغيب مقارنة بعالم الشهادة، يقول في مشكاة الأنوار: (اعلم أن عالم الشهادة بالإضافة إلى عالم الملكوت كالقشرة بالإضافة إلى اللب، وكالصورة والقالب بالإضافة إلى الروح، وكالظلمة بالإضافة إلى النور، وكالسفل بالإضافة إلى العلو، ولذلك يسمى عالم الملكوت،والعالم العلوي، والعالم الروحاني، والعالم النوراني)([71])

و هو ينبه إلى دور معرفة أفعال الله تعالى، سواء ما ظهر منها في عالم الشهادة،أو ما بطن في عالم الغيب والملكوت، في التحقق بمعرفة الله تعالى بقوله: (ليس من يعلم أنه تعالى عالم قادر على الجملة كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض وخلق الأرواح والأجساد، واطلع على بدائع مملكته وغرائب الصنعة، ممعنا في التفصيل، ومستقصيا دقائق الحكمة، ومستوفيا لطائف التدبير)([72])

السلوك إلى الله تعالى:

وهو الطريق الذي يصفه القرآن الكريم للوصول إلى الله تعالى، ويرى الغزالي اجتماع كل سبل القرآن ومناهجه السلوكية في التبتل ([73])، وهو الانقطاع التام لله تعالى والتفرغ له كما قال تعالى: { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا }(المزمل:8)

وعمدة السلوك القرآني أمران: الملازمة والمخالفة، أما الملازمة فهي الانشغال التام بذكر الله تعالى، وأما المخالفة فهي ترك كل ما يشغل عن الله، ونتيجة هذا السلوك هي بلوغ الفلاح كما قال تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}(الأعلى: 14، 15) ([74])

وقد جمع الغزالي الآيات المرشدة إلى طريق السلوك في كتابه (جواهر القرآن ودرره)، ثم شرح تفاصيلها في (الأربعين في أصول الدين).

معرفة اليوم الآخر:

وهو المصير الذي يلقاه العارفون أو الجاحدون، ويشتمل القرآن منه على ذكر النعيم الذي أعده الله لأوليائه والخزي والعذاب الذي يلقاه المبعدون عنه، وفي هذا القسم ـ كما يرى الغزالي ـ مجال كبير للبحث والنظر باعتباره المصير الذي ينتظر البشرية جميعا، ولذلك أولاه القرآن الكريم العناية الكبرى، ويحصي الغزالي ما ورد فيه من الآيات بأنه ثلث القرآن ([75]).

المقاصد الفرعية:

وهي التي تتفرع عن المقاصد السابقة وتخدمها، وهي ـ عند الغزالي ـ ثلاثة مقاصد هي:

القصص القرآني:

سواء ما تعلق منها بالأنبياء والصالحين، أو ما تعلق بالكفار والمنافقين، وفائدة هذا القسم ـ كما يرى الغزالي ـ هي التشويق والترغيب فيما يتعلق بالمجيبين لدعوة الله السالكين سبيله، والاعتبار والترهيب فيما يتعلق بأحوال الناكلين والناكبين عن الإجابة، وكيفية قمع الله لهم وتنكيله بهم ([76]).

وكأن الغزالي يدعو من خلال هذا القسم إلى استنباط سنن الله في المجتمعات كما ينص عليها القرآن، كما رأينا ـ من قبل ـ دعوته إلى النظر في سنن الله الكونية، فكلاهما ميدان لمعرفة الله وسلوك سبيله، وكلاهما حث القرآن الكريم على النظر فيه والاعتبار به.

البراهين القرآنية:

وهذا القسم يتعرض لمحاجة الكفار ومجادلتهم وإيضاح أباطيلهم وكشفها، وقد حوى القرآن الكريم كما يرى الغزالي على تفنيد ثلاثة أنواع من الأباطيل تعتبر من أصول الضلال الكبرى، وهي:

أ ـ ذكر الله تعالى بما لا يليق به من أن الملائكة بناته، وأن له ولدا وشريكا، وأنه ثالث ثلاثة.

ب ـ ذكر رسول اللهa بأنه ساحر أو كاذب، وإنكار نبوته، وأنه بشر كسائر الخلق فلا يستحق أن يتبع.

ج ـ ذكر اليوم الآخر وجحد البعث والنشور والجنة والنار، وإنكار عاقبة الطاعة والمعصية([77]).

ويرى الغزالي إمكانية الاستغناء ببراهين القرآن العلمية ـ إذا ما تحققت آلية التدبر ـ عن أدلة المتكلمين وبراهينهم، بل يمكن استنباط وجوه الحجج القاطعة التي يمكن الاستدلال بها فيما لم يذكره القرآن الكريم من شبهات([78]).

الأحكام الفقهية:

ويشتمل هذا القسم على الحدود الشرعية التي تنظم أمر المعاش بأسباب الحفظ لوجوده، وأسباب الدفع لمفسداته.

وبالتدبر في هذا القسم يمكن استنباط محاسن الشريعة ومصالحها وحكمها مما لا يوجد مثله في كتب الفقهاء ([79]).

ويبدي الغزالي اهتماما كبيرا ـ في هذا الموضع ـ ببيان مقاصد الشريعة وكلياتها، والتي ترجع إلى تنظيم أمر المعاش في الدنيا حتى يتم أمر التبتل والانقطاع إلى الله تعالى الذي هو المقصد الحقيقي من الوجود الإنساني.

وذلك التنظيم يستدعي أسباب الحفظ لوجود ه، وأسباب الدفع لمفسداته، وكل حدود الشريعة يمكن إرجاعها عند الغزالي إلى هذين القسمين، وهو لهذا يعتبر الفقه من علوم الدنيا فـ (الفقيه هو العالم بقانون السياسة، وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طرق سياسة الخلق وضبطهم لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا)([80])

هذه هي المقاصد الستة التي تدور حولها جميع آيات القرآن الكريم في رأي الغزالي، وهو يدعو من خلال عرضها إلى التفكر فيها واستنباط أصناف العلوم منها، فكل العلوم مغترفة من بحار القرآن الكريم([81]).

ثانيا ـ السنة النبوية علما وعملا

يعتبر الغزالي التزام السنة النبوية الشريفة من أهم أصول منهاجه في الإصلاح الاجتماعي، وذلك لأن دور المجدد أو المصلح ـ كما يتصوره ـ هو إعادة الثقة في النبوة وبما جاءت به علما وفهما وسلوكا.

يقول الغزالي عند بيانه لأسباب خروجه من عزلته: (ثم رأينا فتور الاعتقادات في أصل النبوة، ثم في حقيقة النبوة، ثم في العمل بما شرحته النبوة) ([82])

وقد أجرى استبارا ([83]) لأسباب سريان ذلك الداء في المجتمع الإسلامي، فوجده يكمن في أربع طوائف:الفلاسفة ومبتدعي الصوفية والباطنية والمتعالمين من الناس.

أما المتأثرون بالفلاسفة فأجابوه مبررين انصرافهم عنها بما نقله الغزالي عنهم من قولهم: (لست أفعل هذا تقليدا، ولكني قرأت علم الفلسفة، وأدركت حقيقة النبوة، وأن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة ؛وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقييدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات) ([84])، وأما الباطنية، فيزعمون الاكتفاء بالإمام المعصوم، وأما أدعياء التصوف فيزعمون أنهم قد بلغوا مبلغا ترقى عن الحاجة إلى العبادة، وأما المتعالمون من الناس فقد كان انصرافهم عن الحق مع علمهم به هو الداء الأكبر الذي نشر الانحلال الاجتماعي([85]).

زيادة على ذلك ظهر في عصر الغزالي وقبله من يجيز وضع الحديث والكذب على رسول الله a زاعما أن قصده الإصلاح أو دعوة الخلق إلى الخالق([86]).

انطلاقا من هذا الواقع، اعتبر الغزالي إحياء السنة بكل تفاصيلها ظواهرها وحقائقها، علمها وعملها أساسا لإعادة الثقة في النبوة، وأصلا من أصول منهاجه الإصلاحي، يقول في (الأصل العاشر) من (الأصول الأربعين) الذي خصصه لاتباع السنة: (اعلم أن مفتاح السعادة اتباع السنة والإقتداء برسول الله a في جميع مصادره وموارده وحركاته وسكناته حتى في هـيـئة أكله وقيامه ونومه وكلامه، وفي جميع أمور العادات، فبذلك يحصل الاتباع المطلق قال الله تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران:31)، وقال تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} (الحشر:7)([87])

وبناء على ما أشاعت تلك الطوائف من شبهات أو ما أدخلت في السنة من انحرافات في الفهم أو في التطبيق دعا الغزالي إلى التزام مجموعة من الضوابط العلمية والعملية، تنفي عن السنة تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ([88])، وفي نفس الوقت تكسب الالتزام بالسنة أبعاده التربوية الإصلاحية، وسنتناول في هذا المبحث أهم هذه الضوابط.

1 ـ التثبت من صحة الأحاديث سندا ومتنا:

وذلك حسب الموازين العلمية الدقيقة التي وضعها المحدثون، والتي تشمل السند والمتن جميعا:

السند:

يرى الغزالي قبول أخبار الآحاد، ووجوب التعبد بها كما ذهب إلى ذلك جمهور المسلمين، يقول الغزالي: (والصحيح الذي ذهب إليه الجماهير من سلف الأمة من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين أنه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلا، ولا يجب التعبد به عقلا، وأن التعبد به واقع سمعا) ([89])

وعدم وجوب التعبد به عقلا راجع لاحتمالات الضعف أو الوضع أو النسيان الكثيرة التي تتعلق بالحديث ([90])، أما وجوب التعبد به سمعا، فينقل الغزالي من أدلة ذلك إجماع الصحابة على قبول أخبار الآحاد، وكذلك ما تواتر من إرسال رسول الله a الولاة والرسل إلى البلاد وتكليفه إياهم وتصديقهم فيما نقلوه من الشرع.

وهو يرى وجوب التعبد به، ولو فيما تعم به البلوى ([91])، خلافا لأهل الرأي، وتحليله لأسباب ذلك ينبئ عن فهم عميق لما يجب أن يشاع من العلم، وما يمكن أن يظل متداولا بين الفقهاء والخاصة، ولا ضرر على العوام من جهله، يقول في ذلك: (إن الله تعالى لم يكلف رسوله a إشاعة جميع الأحكام، بل كلفه إشاعة البعض وجوز له رد الخلق إلى خبر الواحد في البعض)([92])

وهذا بناء على قاعدته في صرف العوام عن فروع العلم لتفريغهم لأصوله، وللصناعات التي هم بصددها، وقد قسم ـ انطلاقا من ذلك ـ السمعيات بعد استقرائها إلى أربعة أقسام:

  1. القرآن الكريم، وهو الذي اهتم الشارع بحفظه وإشاعته بالدرجة الأولى حتى ورد النهي عن كتابة الحديث خشية اختلاطه بالقرآن ([93]).
  2. أصول الإسلام الكبرى، كالشهادة والصلاة والزكاة وغيرها، وقد أشاع العلم بها ـ أيضا ـ حتى اشترك في معرفتها العام والخاص.
  3. أصول المعاملات غير الضرورية، كأصل البيع والزواج وغيرها من أنواع العقود، ولم يشارك العوام العلماء في ذلك، بل فرض على العوام فيه القبول من العلماء.
  4. تفاصيل الأصول السابقة، كمعرفة ما يفسد الصلاة والعبادات وينقض الطهارة وآحاد السنن، ولو كانت فيما تعم به البلوى، فلا استحالة فيه، ولا مانع من اقتصار النقل فيه على الآحاد ([94]).

ولكن الغزالي مع قبوله خبر الآحاد يشتد في وجوب نقدها، وتمحيص المقبول من المردود منها، وخاصة الموضوع، فهو ينتقد بشدة الوضاعين أومن يروي عنهم مع العلم بذلك، يقول في الإحياء: (وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال، وفي التشديد في المعاصي، وزعموا أن القصد صحيح، وهو خطأ محض، إذ قال رسول الله a: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)([95]))([96])

ويرد على هذا بأن ما ورد في الآيات والأحاديث الصحيحة غنية، أما تلبيس الشيطان للوضاعين بأن النفوس أرغب في الجديد، وأن الملل يقع بسبب تكرار الأحاديث المشتهرة فـ (هوس، إذ ليس هذا من الأغراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله a وعلى الله تعالى ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة، فلا يقاوم خير هذا شره أصلا) ([97])،ويعقب على ذلك بقوله:(والكذب على رسول الله a من الكبائر التي لا يقاومها شيء) ([98])

ولابد من التفريق ـ هنا ـ بين الكذب على رسول الله a الذي هو من الكبائر، وبين رواية الموضوع مع الجهل بوضعه، فإن ذلك لم يخلو منه حفاظ الحديث والمتفرغون له، فكيف بالعامة وغير المتخصصين من العلماء، وقد أصاب الغزالي من هذا النقد الشيء الكثير ([99]).

و يمكن تقسيم الأحاديث التي وردت في (الإحياء) بحسب قبولها وردها إلى الأقسام الثلاثة التالية:

الأحاديث المقبولة:

وهي الصحيحة بنفسها أو بغيرها، والحسنة بنفسها أو بغيرها ([100])، ومثل هذه الأحاديث نجده يذكرها غالبا عند بيانه للأحكام الشرعية وأدلتها، فمثلا في كتاب (آداب السماع والوجد) من (الإحياء) عند بيان الدليل على إباحة الغناء يرجع إلى الصحيحين وينقل الخلاف في الروايات، يقول بعد بيانه ذلك:(فهذه الأحاديث كلها في الصحيحين، وهو نص صريح في أن الغناء واللعب ليس بحرام)([101])

الأحاديث الضعيفة:

وتشكل نسبة كبيرة من أحاديث (الإحياء) وأغلب مواضعها أبواب الفضائل منه، ويمكن الاعتذار له في روايتها بما يلي:

أ ـ أنه يذكرها استئناسا بعد التقديم لها بالنصوص القرآنية، وإحاطتها بغيرها من الأحاديث المقبولة والآثار عن الصحابة والتابعين، وأخيرا ببيان البرهان العقلي على فضيلة ما يتحدث عنه، وكأنه بذلك يشير إلى قبولها ـ عموما ـ بسبب عدم مصادمتها لنص صريح أو قواعد ثابتة، أو حكم عقلي([102]).

ب ـ أن مراجعة أحاديث (الإحياء) الضعيفة من حيث الأسلوب أو المعنى العام لا تشير إلى أي ركاكة لفظية أو معنوية، على خلاف الأحاديث شديدة الضعف الموجودة في كثير من كتب التذكير والوعظ، بل حتى كتب التفسير والحديث.

ج ـ أن الحديث الضعيف غير محكوم عليه بالرد مطلقا، بل هو موضع احتمال لأنه يمكن أن يكون ذلك الراوي قد صدق في ذلك الحديث، أو يكون ما فيه من إرسال أو انقطاع ([103]) موصول في طرق أخرى، وكثيرا ما نرى المتأخرين يصححون ما ضعفه الأولون، ولهذا فإن كثيرا من الأحاديث التي قال عنها (الحافظ العراقي) ـ مخرج أحاديث (الإحياء) ـ: (لا أصل لها) بين (الزبيدي) ـ شارح (الإحياء) ـ أصلها، وكثيرا من الأحاديث التي حكم العراقي بضعفها بين الزبيدي قبولها من وجه آخر غير الوجه الذي رواها به العراقي.

د ـ أن أكثر العلماء يجيزون الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، وقد اشتهر عن الإمام أحمد قوله: (إذا روينا عن رسول الله a في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي a في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكما ولا يرفعه، تساهلنا في الأسانيد) ([104])

وقال الحافظ (المنذري) في مقدمة كتابه (الترغيب والترهيب):(إن العلماء أساغوا التساهل في أنواع من الترغيب والترهيب،حتى إن كثيرا منهم ذكروا الموضوع ولم يبينوا حاله)([105])

وقال (عبد الرحمان بن مهدي) ([106]): (إذا روينا عن النبي a في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال، وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات والدعوات تساهلنا في الأسانيد)([107])

وقال ابن كثير عن الأحاديث التي يرويها الغزالي بعد ذكره لورود هذا النوع من الأحاديث في الإحياء: (كما يوجد في غيره من كتب الفروع التي يستدل بها على الحلال والحرام، فالكتاب الموضوع للرقائق والترغيب والترهيب أسهل أمرا من غيره)([108])

فهؤلاء كلهم حفاظ للحديث ومتخصصون فيه، ومع ذلك أجازوا الأخذ بالحديث الضعيف، فكيف بالغزالي؟

الأحاديث الموضوعة:

وتشكل نسبة قليلة من (الإحياء)، مع الملاحظة التي أثبتناها من ضرورة مراجعة الزبيدي في شرحه (الإحياء) لأنه بين الأصول التي لم يتنبه لها العراقي، أما الأحاديث الموضوعة ظاهرة الوضع أو التي أجمع العلماء ـ بمدارسهم المختلفة ـ على وضعها فهذه يمكن طرحها من (الإحياء) بالتهذيب ـ وخاصة في النسخ المتبادلة بين العامة ـ فالغزالي أجاز التصرف في كتبه وتصحيح ما فيها، ويمكن الاعتذار للغزالي بأن التمكن من علم الحديث في ذلك العصر يستدعي التفرغ التام، فلم تظهر المراجع الميسرة للبحث والتخريج إلا عند المتأخرين المتفرغين.

وقد كان الغزالي مخيرا بين التفرغ للحديث نقلا وتصحيحا وبين الاهتمام بالجانب الثاني من الحديث، وهو الفهم والبحث عن الحقائق والأسرار، وذلك ما ارتضاه لنفسه وما ارتضاه له من بعده، وقد قال معتذرا عن نفسه:(أنا مزجي البضاعة في الحديث) ([109]).

أما أمر الأحاديث فهين لأن كل مطالع للإحياء ـ في هذا العصر وقبله ـ يجد تخريج الأحاديث أمامه، وبكل سهولة، فالضعيف مبين ضعفه، والموضوع مصرح بوضعه، فانتفى الخطر، ولا معنى للتحذير من (الإحياء) بعد هذا بهذه الحجة.

ب ـ الضبط:

وهو سماع الراوي بالرواية كما يجب، وفهمه لها فهما دقيقا، وحفظه لها حفظا كاملا لا تردد فيه، وثباته على هذا كله من وقت السماع إلى وقت الأداء ([110])، وأهم مرتبة في الضبط هي السماع لتوقف غيرها من المراتب عليها، وقد أصبح في عصر الغزالي ـ كما يعبر عنه ـ مجرد رسوم وضعها المحدثون، (فترى الصبي يحضر في مجلس الشيخ، والحديث يقرأ، والشيخ ينام، والصبي يلعب، ثم يكتب اسم الصبي في السماع؛ فإذا كبر تصدى ليسمع منه، والبالغ الذي يحضر ربما يغفل ولا يسمع ولا يصغي ولا يضبط، وربما يشتغل بحديث أو نسخ، والشيخ الذي يقرأ عليه لو صحف وغير ما يقرأ عليه لم يشعر به، ولم يعرفه) ([111]).

والغزالي يحرم التصريح بهذا النوع من السماع لأنه كذب صريح، ولو جاز ذلك لجاز أن يكتب سماع المجنون والصبي في المهد ([112])، والسبب الذي يراه الغزالي في انتشار هذه الظاهرة هو ما كان للمحدثين من جاه وقبول، (فخاف المساكين أن يشترطوا ذلك، فيقل من يجتمع لذلك في حلقهم فينقص جاههم، وتقل أيضا أحاديثهم التي سمعوها بهذا الشرط)([113])

والسماع الذي يصح ويعتمد في النقل ـ كما يرى الغزالي ـ هو أن يصير (سماعك عن الراوي كسماع من سمع من رسول الله a، وهو أن تصغي لتسمع فتحفظ وتروي كما حفظت، وتحفظ كما سمعت، بحيث لا تغير منه حرفا، ولو غير غيرك منه حرفا، أو أخطأ علمت خطأه)([114])

ويلي السماع الحفظ، وله طريقان:(أن تحفظ بالقلب وتستديمه بالذكر،وهذا هو المقصود الأصلي من الحفظ، أو أن تكتب كما تسمع، وتصحح المكتوب، وتحفظه حتى لا تصل إليه يد من يغيره) ([115])، وهو يستدل لهذا التشدد في الضبط بقوله تعالى: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } (الإسراء:36)

ولكنه مع ذلك، وللضرورة، يرى جواز رواية الأحاديث بالمعنى للعالم بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ، ويستدل على جوازه بالإجماع على جواز شرح الشرع للأعاجم بلسانهم، (فإذا جاز إبدال العربية بعجمية ترادفها فلأن يجوز عربية بعربية ترادفها وتساويها أولى، وكذلك كان سفراء رسول اللهa في البلاد يبلغونهم أوامره بلغتهم)([116])، ولكن ذلك لا يكون إلا فيما لم نتعبد بلفظه كالتكبير والتشهد ونحوها.

2 ـ تفهم المعاني العميقة للأحاديث النبوية:

يرى الغزالي أن العلوم المرتبطة بالحديث الشريف تنقسم إلى قسمين ـ مثلها مثل العلوم المرتبطة بالقرآن الكريم ـ:علوم الصدف، وعلوم الجوهر.

أما علوم الصدف أو القشر، فهي العلوم المرتبطة برواية الحديث وشرحه، (فدرجة الحافظ الناقل كدرجة معلم القرآن الحافظ له، ودرجة من يعرف ظاهر معانيه كدرجة المفسر، ودرجة من يعتني بعلم أسامي الرجال كدرجة أهل النحو واللغة، لأن السند والرواية آلة النقل، وأحوالهم في العدالة شرط لصلاح الآلة للنقل)([117])

وهو ينتقد استغراق محدثي عصره في سماع الأحاديث وجمع الروايات الكثيرة منها، وطلب الأسانيد الغريبة العالية، (فهمة أحدهم أن يدور في البلاد، ويرى الشيوخ ليقول:(أنا أروي عن فلان، ولقد رأيت فلانا، ومعي من الإسناد ما ليس مع غيري)([118])

وكل ذلك مع الغفلة عن طلب المعاني وتفهم الحقائق، فهم كما يعبر الغزالي (كحملة الأسفار، فإنهم لا يصرفون العناية إلى فهم معاني السنة) ([119])

وأما علوم الجوهر واللباب فآليتها التدبر ـ مثلما سبق بيانه عند الحديث عن القرآن الكريم ـ، وثمراتها العلوم والمعارف والفهوم، والأساس النفسي لذلك هو التعظيم بشقيه:

تعظيم الرسول a واعتقاد منزلته وكرامته عند الله تعالى:

تلك الكرامة التي لا يمكن تصورها أو التعبير عنها إلا بما عبر به القرآن الكريم أو رسول اللهa فـ (يستحيل أن يعرف النبي إلا النبي،، وأما من لا نبوة له، فلا يعرف من النبوة إلا اسمها، وأنها خاصية موجودة لإنسان بها يفارق من ليس نبيا، ولكن لا يعرف ماهية تلك الخاصة إلا النبي خاصة) ([120])،ونلاحظ ـ في هذا المجال ـ تركيز الغزالي على خاصية (النبوة)، لأن شرف الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وكرامتهم عند الله والعلوم الوهبية الحاصلة لهم، كلها نتيجة لتك الموهبة العظمى موهبة النبوة، وتفهم هذه الموهبة ـ والتي هي الأساس الأول في التفهم العميق للسنة الشريفة ـ يستدعي السلوك وتطهير القلب أو (التصوف) كما يفهمه الغزالي فمن لم يرزق منه شيء بالذوق، لا يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم ([121]).

تعظيم ما جاء به واعتقاد أنه ليس كلاما أو تصرفا عاديا:

 قد يصدر من أي شخص، بل إن كل كلمة من كلماته بحر من بحار العلم، يقول الغزالي: (إذا فهمت معنى النبوة، فأكثرت النظر في القرآن والأخبار يحصل لك العلم الضروري بكونه على أعلى درجات النبوة) ([122])

وهذا هو الطريق الذي يراه الغزالي سبيلا للإيمان بالنبوة، وبكل ما جاءت به، يقول الغزالي: (فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة، لا من قلب العصا ثعبانا، وشق القمر، فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر ربما ظننت أنه سحر وتخييل) ([123])

انطلاقا من هذا الشعور النفسي بالقيمة الكبرى لرسول اللهa ولكلامه ـ في رأي الغزالي ـ تبدأ الفهوم والمعاني العميقة والأسرار تتنزل على قلوب المهتمين بالسنة المعظمين لها، لأن أكثر المعاني العميقة وهبية لا كسبية، ومحل الكسب منها هو التطهير ورفع الحجب والتعظيم فقط ـ كما سبق بيانه ـ

ولا يشترط في هذه الفهوم إمكانية التعبير عنها أو تحديدها بالألفاظ لأن أكثرها ذوقي و(الذوق كالمشاهدة والأخذ باليد) ([124])، فهو علاقة وجدانية مع الرسول a وكلامه بحيث يظل طالب الفهم يستمد منه كل مرة فوائد تقصر العبارة عنها.

ويشترط الغزالي لصحة الفهم عدم (صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة [لأن]الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع، وبغير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل، اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ)([125])

ومن الأمثلة التي يضربها الغزالي على ذلك تأويل قوله a: (تسحروا، فإن في السحور بركة) ([126]) بحمل السحور على الاستغفار، لأن مورد الحديث يدل على أن المراد بالتسحر طعام السحور، فقد كان a يتناول الطعام ويقول:(تسحروا) ([127])، فمثل هذا التأويل يقول عنه الغزالي: (وكل ذلك حرام وضلالة وإفساد للدين على الخلق، ولم ينقل شئ من ذلك عن الصحابة ولا عن التابعين) ([128])

ويرى الغزالي أن أكثر الأخطاء في الفهم وأشنعها يرجع إلى تبديل معاني الألفاظ الشرعية التي تعارف عليها أهل القرن الأول بغيرها من المعاني حتى أصبحت الألفاظ الشرعية كسوة الانحرافات والبدع والضلالات، وأصبحت السنة بذلك دليلا لتك الانحرافات، يقول الغزالي: (اعلم أن منشأ التباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية تحريف الأسامي المحمودة وتبديلها ونقلها بالأغراض الفاسدة إلى معان غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول)([129])

ومن الألفاظ التي كان لتبديل معانيها أثر سيئ على المجتمع الإسلامي ـ في رأي الغزالي ـ مصطلح (التذكير) و(مجالس الذكر) التي وردت الأحاديث الكثيرة في فضلها كقوله a: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا) ([130])، قيل: وما رياض الجنة؟ قال: (مجالس الذكر) ([131])، حيث نقل معناها إلى (ما ترى أكثر الوعاظ في هذا الزمان يواظبون عليه، وهو القصص والأشعار والشطح والطامات) ([132])، أما معناها في عهد السلف ـ وكنموذج على ذلك ينقله الغزالي من الآثار المنقولة عن الحسن البصري ـ (فكان في الكلام في علم الآخرة والتفكير بالموت والتنبيه على عيوب النفس وآفات الأعمال وخواطر الشيطان ووجه الحذر منها، والتذكير بآلاء الله ونعمه وتقصير العبد في شكره وتعريف حقارة الدنيا وعيوبها وخطر الآخرة وأهوالها) ([133]).

والخلاصة أن تعظيم رسول اللهa واستشعار أهمية وعمق وسعة كل حديث أو سنة تصدر عنه مع المحافظة على ظواهر الألفاظ الشرعية ينتج العلوم الكثيرة والفهوم العميقة، فقد كان aلا ينطق عن الهوى { إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } (النجم:4)

3 ـ تتبع مواضع القدوة من السنن:

يعتبر الغزالي العمل بالسنة وتتبع مواضع القدوة منها الهدف الأصلي والثمرة الأخيرة من طلب علمها، ويحكي في ذلك عن بعض المشايخ أنه حضر مجلس سماع فكان أول حديث روي قوله a: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)([134])، فقام وقال: يكفيني هذا حتى أفرغ منه ثم أسمع غيره([135]).

وهو لذلك يفسر الاتباع المقصود في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (آل عمران:31) بالاتباع المطلق للرسول a في جميع مصادره وموارده وحركاته وسكناته.

ولهذا يذكر في كل باب من أبواب العبادات أو العادات دقائق السنن الواردة فيها (فلا ينبغي أن تتساهل في ذلك، فتقول: هذا مما يتعلق بالعادات، فلا معنى للاتباع فيه، لأن ذلك يغلق عليك بابا عظيما من أبواب السعادة) ([136])

وهو يعتبر الوارث الكامل للنبيa من (اطلع على جميع معاني الشريعة حتى لا يكون بينه وبين النبي a إلا درجة واحدة هي درجة النبوة، وهي الدرجة الفارقة بين الوارث والموروث)([137])

ومع هده الدعوة للالتزام بالسنن يناقش الغزالي الشبه التي يقع فيها الكثير من الحرفيين الذين لا يفرقون بين مواضع القدوة من السنن، وبين ما هو فعل للرسول a خاصة، وليس مقصودا به الاقتداء، ومن تلك الشبه:

  1. الاحتجاج بقوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } (الأحزاب:21)
  2. أن رسول اللهa نبي، وتعظيم النبي واجب، والتأسي به تعظيم.
  3. أنه لو لم يتابع في أفعاله لجاز أن لا يتابع في أقواله، وذلك تصغير لقدره وتنفير للقلوب عنه.
  4. الاحتجاج ببعض الأخبار عن السلف في اقتدائهم بأفعال الرسول a كتقبيل ا بن عمر للحجر الأسود وقوله:(إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولو لا أني رأيت رسول الله a يقبلك ما قبلتك)([138])

ومن الردود التي ذكرها الغزالي، ونستطيع من خلالها تصور موقفه من هيئة الالتزام بالسنة ما يلي:

  1. أن الآية أمرت بالتأسي به a في الفعل الذي أوقعه على ما أوقعه، فإذا فعلنا على قصد الندب ما فعله a بنية الوجوب أو الإباحة لم نكن مقتدين به، كما أنه إذا قصد الندب فأوقعناه واجبا خالفنا التأسي (فلا سبيل إلى التأسي به قبل معرفة قصده، ولا يعرف قصده إلا لقوله أو بقرينة) ([139])
  2. أن تعظيم النبي a بالاقتداء به لا يكون في تلك الأمور، وإنما في طاعته فيما يأمر به، أو ينهى عنه، كما أن تعظيم الملك في الانقياد له، (لا في التربع إذا تربع، ولا في الجلوس على السرير إذا جلس عليه) ([140])، فلو نذر الرسول a أشياء لم يكن تعظيمه في أن تنذرها مثلما نذرها، ولو طلق أو باع أو اشترى لم يكن تعظيمه في التشبه به ([141]).
  3. أن عدم متابعته a في بعض أفعاله لا يعني عدم التعظيم له، ولو كان الأمر كذلك (لكان تركنا للوصال، وتركنا نكاح تسع، بل تركنا دعوى النبوة تصغيرا)([142])
  4. أن الآثار المنقولة عن الصحابة في إقتدائهم بأفعاله a أكثرها متعلق بالشعائر التعبدية كالصلاة والصوم والوضوء والحج غيرها، وقد كان a بين لهم أن شرعهم فيها هو شرعه.

فالالتزام بالسنة إذا ـ كما يتصوره الغزالي ـ هو الاقتداء به a في أوامره ونواهيه، فأما غير ذلك من هيئات مما لم يدل دليل على كونه مقصودا به الاقتداء، فينظر إلى معناه وحقيقته وروحه، والسنة بهذا المفهوم لا تعني النقل الحرفي لما كان عليه a في بيئته وعصره مع تناسي التغيرات البيئية أو الزمنية، واعتبار كل مخالفة لذلك بدعة؛ بل تعني البحث عن المقاصد الكلية والخصائص العامة وتطبيقها في كل مجتمع وكل عصر بحسب الحاجة إلى ذلك.

فالبدعة إذا هي مصادمة السنة ومعارضتها، أما غير ذلك فإن الغزالي لا يعتبرها بدعة، ولو لم تكن في عهده a أو عهد أصحابه، يقول الغزالي عند بيانه لجواز النقط والعلامات بالحمرة وغيرها على المصاحف بعد نقله لكراهية الكثير من العلماء لذلك([143]): (ولا يمنع من ذلك كونه محدثا، كما قيل في إقامة الجماعات في التراويح إنها من محدثات عمر، وإنها بدعة حسنة)([144])، ثم يعقب مقررا: (إنما البدعة المذمومة ما يصادم السنة القديمة أو يكاد يفضي إلى تغييرها).([145])

ومع ذلك فإن الاقتداء به a في ذلك من باب المحبة والشغف بما يحب دون اعتقاده سنة، أو إلزام الناس به من المستحبات المشروعة، وهو ما كان عليه الكثير من الصحابة ([146]).

ثالثا ـ التصوف: سلوكا ومعرفة

يعتبر التصوف من أهم أصول منهج الغزالي الإصلاحي، فهو الاتجاه الذي توجه إليه بعد جولا نه في الطوائف، وسبره لأغوار الفرق، وهو كذلك النتيجة التي خلص بها من فترة عزلته الطويلة، يقول في (المنقذ من الضلال): (وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: أني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق) ([147])

 وهو يقف بالتصوف في وجه التيار العقلي الجارف الذي غلب على المباحث العقدية الكلامية، والتي أحالت الإيمان إلى قضايا عقلية مجردة جافة لا يفهمها العامة، ولا يتأثر لها الخاصة، ويقف به كذلك في وجه العقلية الفقهية التي غلب عليها التفريع والجدل والبحث في ظواهر الشريعة دون الغوص في حقائقها وأسرارها.

وسنتحدث في هذا المبحث عن تصوف الغزالي في جانبيه السلوكي أو المعرفي:

1 ـ السلوك الصوفي:

وهو الطريق الذي يسلكه المريد لطلب المعرفة الإلهية، وقد اختلفت المدارس الصوفية قديما وحديثا في تحديده، وبالرجوع إلى كتب الغزالي نجد نوعين من السلوك:

أ ـ السلوك العام:

و يرى الغزالي فرضيته على كل مكلف،فالتصوف عنده نوعان: عام وخاص، فأما العام فيتعلق بمجموع المكلفين من حيث القيام بأداء الفرائض كما أمر الشارع بها أداء وتحققا، واجتناب النواهي ظواهرها وبواطنها.

و كل ذلك لا يتم إلا بالممارسة الصوفية والتتلمذ على المشايخ، ولهذا اشتهر عن الغزالي ـ كما ينقل المتأخر ون ـ القول بالفرضية العينية للتصوف([148]) وهو كما يظهر من خلال كتبه ورسائله لا يقصد من ذلك إلا هذا الجانب، أما الجوانب الأخرى كالسلوك الخاص أو المعرفة الصوفية، فهي إما ممارسات اجتهادية للخاصة، أو ثمرات وهبات ربانية لا دخل للكسب فيها إلا من جهة الاستعداد لحصولها.

ولذلك نجده يفرق أحيانا بين التصوف والسلوك، فالسلوك (هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف،وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن،والعبد في جميع ذلك مشغول عن ربه إلا أنه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول)([149])

و يسمي السلوك العام بـ (علم المعاملة)، وهو العلم المكمل لعلم الفقه باعتبار الفقه ـ كما أصطلح عليه المتأخر ون ([150]) ـ متعلق بظواهر الأعمال دون بواطنها وحقائقها، وهو يعتب على الفقهاء قصرهم الفقه على تلك الجوانب دون مراعاة مقاصده وحقائقه،يقول في ذلك: (ولو سئل فقيه عن معنى هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا، أو عن التوكل، أو عن وجه الاحتراز عن الرياء لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة، ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شئ منها)([151])

وهو يضرب مثلا على حاجة الفقه إلى هذا العلم التكميلي الفرضي كفرضية الأحكام الفقهية نفسها بالأركان الشرعية التي يقوم عليها بناء الدين، فالفقيه يفتي بصحة الصلاة إذا أتي بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط وإن كان المصلي غافلا في جميع صلاته من أولها إلى آخرها، مع أن هذه الصلاة لا تنفع صاحبها تزكية في الدنيا ولا أجرا في الآخرة (أما الخشوع وإحضار القلب الذي هو عمل الآخرة، وبه ينفع العمل الظاهر فلا يتعرض له الفقيه، ولو تعرض له لكان خارجا عن فنه)([152])

وقد بلغ تحكم الظواهر بالفقهاء إلى درجة التلاعب بالأحكام الشرعية والاحتيال عليها لتحليل الحرام أو تحريم الحلال أو التنصل من الواجبات([153])، وقد نقل الغزالي من ذلك عن بعض الحنفية أنه كان يهب ماله لزوجته آخر الحول ويستو هب مالها إسقاطا للزكاة ([154]).

وقد حاول الغزالي في (إحياء علوم الدين) أن يستدرك حاجة الفقه إلى (علم المعاملة)([155])، فجمع بين الأحكام الفقهية الظاهرة كما تنص عليها كتب الفقه، مع كلام الصوفية في دقائق الآداب الباطنة، كما نص عليها أكابر الصوفية، مثل الجنيد والحارث المحاسبي وأبي طالب المكي وأبي القاسم القشيري وغيرهم.      

وقد كان للغزالي أثر كبير في جمع الكثير من المتفرقات المتعلقة بعلم المعاملة ـ كما يسميه ـ من كلام الصوفية وترتيبها وتحقيق القول فيها بما يغني عن الرجوع لغيره، وقد اعترف هو نفسه بأنه قد سبق في تصنيفه (لعلم المعاملة)، ولكن كتابه يتميز عن غيره بـ (حل ما عقدوه، وكشف ما أجملوه، وترتيب ما بددوه، ونظم ما فرقوه، وإيجاز ما طولوه، وضبط ما قرروه،و حذف ما كرروه، واثبات ما حرروه، وتحقيق أمور غامضة لم يتعرض لها في الكتب أصلا) ([156])

ولذلك فإن توجيه اللوم للغزالي لاعتماده كثيرا على المصادر السابقة عليه كـ (قوت القلوب) لأبي طالب المكي و(الرعاية) للحارث المحاسبي، لا ينفي الآثار التجديدية التي خلفتها كتبه، فقد كان لصورة التصنيف، وبراعة التحقيق، وجودة التلخيص، وسهولة الأسلوب، وغناه بالأمثلة التوضيحية، وربط كل ذلك بالمصادر الأصلية، وما كان عليه السلف الصالح الأثر الكبير في فهم التصوف العملي وسلوك سبيله من لدن عامة الناس وخاصتهم.

وقد نقل الشيخ عبد القادر العيدروس([157]) إجماع العلماء على الثناء على كتب الغزالي، وتأثيرها، فقال: (أجمع العلماء والعارفون بالله على أنه لا شئ أنفع للقلب وأقرب إلى رضا الرب من متابعة حجة الإسلام الغزالي، ومحبة كتبه، فإن كتب الإمام الغزالي لباب الكتاب والسنة، ولباب المعقول والمنقول)([158])

وقد كان ذلك سببا في أن تجتمع الأمة بطوائفها جميعا على الاستفادة منه، فبالإضافة إلى اعتبار الطرق الصوفية للغزالي وكتبه مرجعا في السلوك، نجد الشيعة تهتم بإحياء علوم الدين، بل وتؤيد الكثير مما في ورد فيه بما ورد من الروايات عن أهل بيت النبوة، وقد قام الفيض الكاشاني بذلك أحسن قيامه في كتابه القيم (المحجّة البيضاء)، والذي يعتبر من مراجع الشيعة الكبرى خاصة في العرفان العملي.

ويمكننا انطلاقا من (الإحياء) أن نحصر السلوك الصوفي العام في الميادين التالية:

أداء الشعائر التعبدية بدقائق آدابها وسننها:

والاقتداء في كل ذلك برسول الله a، مع محاولة الغوص لاستنباط حكم ظواهر تلك العبادات باعتبارها رموزا وإشارات إلى معان جليلة يتحقق الإنسان بالقرب من الله ـ الذي هو الغاية الكبرى ـ بقدر علمه بتلك المعاني.

وقد جمع الغزالي في (ربع العبادات) من الإحياء من دقائق الآداب الباطنة لكل العبادات ما فيه الغنية، وقد جعلها بشكل التفاريع الفقهية لتلقى القبول لدى المتعلمين، ويسهل عليهم تحصيلها، ولهذه الآداب تأثير ملحوظ على قرائها، يقول سعيد حوى:(ليحاول أحدنا أن يمسك الجزء الأول من الإحياء..وليقرأ كتاب (تلاوة القرآن) فيه، ثم ليجرب أن يقرأ القرآن بعد ذلك، إنه لاشك سيجد أن حضور قلبه مع القرآن قد اختلف عما كان قبل ذلك)([159])

التزام الآداب الإسلامية في جميع الأحوال:

من أكل وشرب وسفر وتجارة وعزلة وخلطة وزواج وكسب… وغيرها حتى تصير الحياة جميعا منسجمة مع قوله تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } (الأنعام: 162، 163)

وقد وضع الغزالي لأجل هذا الغرض (الربع الثاني) من الإحياء الذي سماه (ربع العادات) متناولا فيه (أسرار المعاملات الجارية بين الخلق وأغوارها ودقائق سننها وخفايا الورع في مجاريها، وذلك مما لا يستغني عنه متدين)([160])

تخلية القلب من كل الآفات:

التي تحول بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وأول ذلك أمراض القلوب، أو كما يسميها الغزالي (المهلكات)، وهي الأخلاق المذمومة التي ورد القرآن الكريم بالدعوة إلى تطهير القلب منها ([161])، وهي أول السير الباطني إلى الله تعالى، لأن القلب المشحون بالغل والحسد والكبر والرياء والعجب والغرور قلب محجوب عن الله بصفات نفسه، ولن يسلك هذا القلب السلوك القويم إلا بعد تخلصه من تلك الآفات.

وقد ذكر الغزالي في (الربع الثالث) من الإحياء هذه المهلكات معرفا بها مفصلا أسبابها، وما ينشأ عنها من مضار مبينا طريق العلاج منها.

تحلية القلب بالأحوال الإيمانية:

والمقامات التي ورد الحث عليها في النصوص الشرعية من التوبة والخوف والرجاء والصبر والشكر وغيرها، وقد خصص الغزالي الربع الأخير من (الإحياء) لذلك مسميا إياه (ربع لمنجيات) ([162])، وهو يدعو من خلاله إلى إنشاء علاقة وجدانية بين العبد وربه تملأ القلب محبة له ورضا عنه وإنابة إليه.

هذه هي الخطوات التي يرى الغزالي وجوب سلوكها للوصول إلى درجة المتقين، وأهلها هم أهل الولاية العامة، أما المقربون والصديقون فلهم ـ زيادة على ما سبق ـ سلوكهم الخاص، فنهاية التقوى بداية القرب.

ب ـ السلوك الخاص:

نجد في كتب الغزالي ـ كما نجد في كتب الصوفية عموما ـ التفريق بين درجات المؤمنين، فهم بين عوام وخواص وخواص الخواص، أو أهل اليمين والمقربين، ولكل درجة من تلك الدرجات فهمها وتوجهها وسلوكها الخاص، فللورع ـ مثلا ـ أربع مراتب:

  1. الورع العام:وهو الذي يشترط في عدالة الشهود، وهو الاحتراز من الحرام الظاهر.
  2. ورع الصالحين:وهو التوقي من الشبهات التي تتقابل فيها الاحتمالات كما قال رسول الله a: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ([163]).
  3. ورع المتقين: وهو ترك الحلال المحض الذي يخـاف منه أداؤه إلى الحرام كما قال a: (لايبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس)([164])
  4. ورع الصديقين: وهو الإعراض عما سوى الله تعالى ([165]).

وللصوم ـ كذلك ـ ثلاث درجات: صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص:

  1. أما صوم العموم فهو كف الجوارح عن الشهوات كما نصت على ذلك كتب الفقه.
  2. وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر وسائر الجوارح عن الآثام.
  3. وأما صوم خصوص الخصوص فهو كما يعبر الغزالي: (صوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية)([166])، ثم يعقب على ذلك بقوله: (ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكرفيما سوى الله تعالى) ([167]).

ونستطيع أن نستنبط من هذا التقسيم رؤية الغزالي للسلوك الخاص، فهو يرى أن خاصة الخاصة أو المقربين مستغرقون في سلوكهم بالله تعالى قاصرون همهم عليه، فلا يحبون إلا الله، ولا يخافون إلا منه، ولا يتوقعون الرزق من غيره ولا ينظرون إلى شئ إلا ويرون الله تعالى فيه، ولذلك لم يفتقروا إلى المجاهدات الكثيرة، ولا إلى تنويع الأوراد لأن وردهم بعد الفرائض واحد وهو (حضور القلب مع الله تعالى في كل حال، فلا يخطر بقلوبهم أمر، ولا يقرع سمعهم قارع، ولا يلوح لأبصارهم لائح إلا كان لهم فيه عبرة وفكر ومزيد)([168])

وهذا التوجه هو الذي يفرق بين العباد والعارفين، فهمة العابد مقصورة على العبادة الظاهرة من صلاة وصيام وأذكار لا شغل له بغيرها، فهو يتردد بين فرائضها ونوافلها في جميع أوقاته ([169])، أما همة العارف فهي التوجه إلى الله تعالى ومراعاة الأنفاس في ذلك ونفي الخواطر حتى لا يكون قلبه إلا مع الله، فسير الأول حسي وسير الثاني معنوي، ومطلوب الأول الحسنات والدرجات ومطلوب الثاني معرفة الله.

وهذا هو الإخلاص الحقيقي الذي يراه الغزالي ـ كما يراه الصوفية جميعا ـ (أما من يعمل لرجاء الجنة وخوف النار فهو مخلص بالإضافة إلى الحظوظ العاجلة، وإلا فهو في طلب حظ البطن والفرج، وإنما المطلوب لذوي الألباب وجه الله تعالى فقط) ([170])

و قد نقل الغزالي ـ هنا ـ حكم القاضي أبي بكر الباقلاني بتكفير من يدعي البراءة من الحظوظ لأن ذلك من صفات الألوهية، وعقب على ذلك بقوله (وما ذكره حق،ولكن القوم إنما أرادوا البراءة عما يسميه الناس حظوظا، وهو الشهوات الموصوفة في الجنة فقط، فأما التلذذ بمجرد المعرفة والمناجاة والنظر إلى وجه الله تعالى فهذا حظ هؤلاء، ولا يعده الناس حظا) ([171])

بعد هذا، فإن القول الشائع بأن طريقة الغزالي في السلوك تعتمد على المجاهدات الحسية بخلاف طريقة أبي الحسن الشاذلي([172]) المعتمدة على السير القلبي وتسميتها بسبب ذلك بطريقة الشكر ([173]) غير مقبول ـ على إطلاقه ـ فقد ذكرنا تمييز الغزالي بين أصناف الناس ودرجاتهم، فللعوام سيرهم الحسي ومجاهداتهم الحسية، وللخواص الذين ترقت نفوسهم وعلت هممهم سيرهم القلبي المعتمد على رفع الهمة عن الأكوان والتوجه بها نحو الله تعالى.

ولكن رفع الهمة ـ مع ذلك ـ يحتاج تحققه إلى المداومة على الأوراد والمحافظة عليها (فلا ينبغي أن يغتر المريد بما سمعه من ذلك، فيدعيه لنفسه، ويفتر عن وظائف عبادته، فذلك علامته أن لا يهجس في قلبه وسواس، ولا يخطر في قلبه معصية)([174])

وقد فصل الغزالي المراتب الأولى للسلوك الخاص المعتمد على الشيخ المرشد والذكر، حيث يلزم الشيخ السالك زاوية ينفرد بها، ويوكل من يقوم له بقدر يسير من القوت الحلال (فإن أصل طريق الدين القوت الحلال)، وعند ذلك يلقنه ذكرا من الأذكار يشتغل به لسانه وقلبه، فيجلس مرددا ـ مثلا ـ (الله، الله)، أو (سبحان الله، سبحان الله) أو ما يراه الشيخ من الكلمات… فلا يزال مواظبا على ذلك حتى تسقط حركة اللسان وتكون الكلمة وكأنها جارية على اللسان من غير تحريك، ثم يسقط الأثر عن اللسان وتبقى صورة اللفظ في القلب، ثم لا يزال كذلك حتى تمحى عن القلب حروف اللفظ وصورته وتبقى حقيقة معناه لازمة للقلب غالبة عليه، ومنتهى ذلك أن يجد قلبه مع الله تعالى دائما، فإذا حصل له ذلك (انكشف له جلال حضرة الربوبية، وتجلى له الحق، وظهر له من لطائف الله تعالى ما لا يجوز أن يوصف، بل لا يحيط به الوصف أصلا)([175])

وبعد خروج السالك من خلوته يحافظ على ورد قلبه الدائم الذي هو الاستغراق في التوجه إلى الله، كما نقل الغزالي عن الشبلي ([176]) قوله لأحد مريديه: (إن كان يخطر بقلبك من الجمعة التي تأتيني فيها إلى الجمعة الأخرى شئ غير الله تعالى فحرام عليك أن تأتيني)([177])

2 ـ المعرفة الصوفية:

ويسميها الغزالي (علم المكاشفة)، ويعرفها بأنها عبارة عن (نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة يرفع الغطاء عن القلب حتى تتضح له جلية الخلق، فتنكشف له حقيقة الأشياء التي كان من قبل يسمع أسماءها، ويتوهم لها معاني مجملة غير متضحة) ([178])

فتحصل له بذلك النور المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله وحكمته في خلق الدنيا والآخرة، ومعنى النبوة والوحي ومعنى الملائكة والشياطين، وكل الحقائق الاعتقادية ([179]).

وهو ـ كما يرى الغزالي ـ علم ذوقي لا يمكن التعبير عنه، وحصوله في القلب يكون بغير استدلال أو تعلم، ولذلك يسميه: (إلهاما)، و(علما لدنيا)([180])، ويقسم العلوم غير الضرورية الحاصلة في القلب باعتبار حاجتها إلى التعلم والاستدلال إلى ثلاثة أقسام:

  1. الإلهام:ويختص بع الأولياء والأصفياء.
  2. الوحي:ويختص به الأنبياء.
  3. التعلم:ويختص بع العلماء.

والقسم الأول والثاني لا يحتاجان إلى تعلم واستدلال بخلاف القسم الثالث([181]).

وهو في مناسبات كثيرة ينبه إلى أن الإلهام أثر للوحي، لا شيء قائم بذاته منفصل عنه، يقول في (الرسالة اللدنية): (الإلهام أثر الوحي؛ فإن الوحي هو تصريح الأمر الغيبي، والإلهام هو تعريضه، والعلم الحاصل عن الوحي يسمى (علما نبويا) والذي يحصل عن الإلهام يسمى (علما لدنيا).. وهو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس، وبين الباري)([182])

وهو يرى أنه لا يجوز للعقل أن ينكر وجود المعرفة الإلهامية، باعتبارها لا تخضع لمقاييسه يقول في (مشكاة الأنوار): (..لا يبعد، أيها المعتكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل، كما لم يبعد كون العقل طورا وراء التمييز والإحساس ينكشف فيه غرائب وعجائب يقصر عنها الإحساس والتمييز)([183])

ويضرب مثالا على ذلك بتذوق الشعر، وكيف أنه يختص به نفر من الناس، مع أنه إدراك من الإدراكات، ويحرم منه آخرون حتى لا تتميز عندهم الألحان الموزونة من المزحفة([184])، ثم كيف عظمت قوة الذوق عند آخرين حتى استخرجوا منها الموسيقى والأغاني([185]).

وما دام أمر جواز وقوعه أو عدمه غير خاضع للعقل، فإن الغزالي يستشهد بالنصوص الشرعية والحكايات الكثيرة الدالة على جواز ذلك ـ باعتبارها أدلة سمعية معتدا بها ـ كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت:69)

يقول الغزالي ـ معقبا على الآية الكريمة ـ: (فكل حكمة تظهر من القلب بالمواظبة على العبادة من غير تعلم، فهو بطريق الكشف والإلهام) ([186])

والأحاديث في ذلك كثيرة، وأما الحكايات الواردة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فلا تعد ولا تحصى، وقد ذكر الغزالي بعضها، وهي بمجموعها تفيد جواز الوقوع.

زيادة على هذه الأدلة العقلية والنقلية السابقة يستدل الغزالي بـ (عجائب الرؤيا الصادقة، فإنه ينكشف بها الغيب، فإذا جاز بها ذلك في النوم، فلا يستحيل أيضا في اليقظة، فلم يفارق النوم اليقظة إلا في ركود الحواس وعدم انشغالها بالمحسوسات)([187])

وهو يستدل بذلك على وجود منفذين للمعرفة: منفذ من الخارج، وهو الحواس ومنفذ إلى العالم الغيبي من داخل القلب وهو الإلهام والنفث في الروع والوحي.

وهو مع قوله بالاشتراك بين الإلهام والوحي في الحصول على العلم من غير استدلال، يستدرك بأن علم الوحي خاص بالرسل ـ عليهم السلام ـ موقوف عليهم (فالولي دون النبي، فكذلك الإلهام دون الوحي، فهو ضعيف بالنسبة للوحي قوي بالإضافة للرؤيا والعلم)([188])

ولذلك فإن الإلهام يأتي تأييدا وتحقيقا وزيادة كشف لما جاء به الوحي، وهو لذلك لا ينقطع ما دامت الرسالة ثابتة مستقرة، يقول الغزالي: (اعلم أن الوحي إذا انقطع، وباب الرسالة إذا انسد، استغنى الناس عن الرسل وإظهار الدعوة بعد تصحيح الحجة وتكميل الدين، أما باب الإلهام فلا ينسد لدوام ضرورة النفوس وحاجتها إلى تأكيد وتجديد وتذكير)([189])

وهو يرى من خلال ذلك ضرورة وجود هؤلاء الملهمين المؤيدين لأن الناس، وإن استغنوا عن الوحي لكمال الدين وتمامه، إلا أنهم محتاجون (إلى التذكير والتنبيه لاستغراقهم في هذه الوساوس وانهماكهم في هذه الشهوات، فالله تعالى أغلق باب الوحي، وهو آية العباد، وفتح باب الإلهام رحمة، وهيأ الأمور، ورتب المراتب ليعلموا أن الله لطيف بعباده يرزق من يشاء بغير حساب)([190])

ومع انتصار الغزالي للإلهام الصوفي واعتباره أرقى درجات الإيمان يعود إلى طبيعته العقلية المنطقية، فيحكم العقل في بعض الأحوال حيث (ينتهي الأمر إلى قرب يكاد أن يتخيل منه طائفة الحلول ([191]) وطائفة الاتحاد ([192]) وطائفة الوصول ([193])وكل ذلك خطأ) ([194])

ونقد الغزالي لهذه الدعاوى نقد علمي منطقي يكشف أن للعقل عنده منزلة يمكن بها الحكم على بعض قضايا المكاشفة([195])، وهو لذلك ينفي عن الصوفية تلك الدعاوى، ويتأول ما ورد منها عنهم، يقول عن أبي يزيد البسطامي:(وقول أبي يزيد إن صح عنه:(سبحاني، ما أعظم شأني) إما أن يكون ذلك جاريا على لسانه في معرض الحكاية عن الله تعالى، وإما أن يكون قد شاهد حظه من صفة القدس فأخبر عن قدس نفسه فقال:سبحاني، ورأى عظم شأنه بالإضافة إلى شأن عموم الخلق فقال: (ما أعظم شأني) ([196])

وهو يحمل كل ذلك منهم على التوسع والتجوز على عادة الشعراء لأجل تحسين موقع الكلام من الأفهام دون إرادة حقيقة اللفظ، وهو يقسم العارفين على هذا الأساس إلى قسمين:

  1. من حصلت لهم هذه الحالة معرفة علمية، فنفوا حقيقة الاتحاد، وإن حصل لهم ذوقه، وهي الحالة التي تسميها الصوفية بـ (البقاء).
  2. من صار لهم ذلك ذوقا وحالا، وانتفت عنهم الكثرة، واستغرقوا بالله تعالى فصاروا كالمبهوتين فيه، فلم يبق فيهم متسع لذكر غير الله، وهؤلاء نطقوا بما نطقوا به في تلك الحال، (وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى، فلما خف عنهم سكرهم، وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد، بل يشبه الاتحاد) ([197])

ولكن الغزالي مع هذا النفي والتأويل يعود لطبيعته الفقهية، فيسد الذرائع حاكما بالتشديد على من يطلق هذه الدعاوى، يقول في (الإحياء):(فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره، وعظم في العوام ضرره، حتى من نطق بشيء منه، فقتله أفضل لدين الله من إحياء عشرة)([198])

من هذا البيان المختصر للتصوف الذي مارسه الغزالي ودعا إليه بشقيه السلوكي والمعرفي نستطيع أن ندرك ونجزم بأن تصوف الغزالي معتمد أساسا على النصوص الشرعية، والتجارب الروحية للمعتد بهم من أئمة هذا الشأن، ولذلك أخذت معظم الطرق الصوفية بمنهجه، وانتشرت بشدة، وكان لها الدور المعروف في نشر الإسلام، أو في الإصلاح الاجتماعي.

رابعا ـ أحكام العقل والانفتاح الثقافي

يعتبر الغزالي من المصلحين الذين جمعوا بين خصائص قد تبدو متناقضة بادئ الرأي، فهو مع توجهه الروحي العالي، واستغراقه الكلي في التصوف وحكمه بعجز العقل وقصوره، نجده يثق في العقل ثقة تكاد تكون مطلقة، بل يعتبره ميزان الله في أرضه([199]).

وفي نفس الوقت الذي نجده يدعو إلى الاعتماد على المصادر الأصلية والعودة إلى ما كان عليه السلف الصالح، نجده يستند إلى تراث الفلاسفة وغيرهم، ويعترف بذلك، ولا يرى بأسا من النقل عنهم، في الحين الذي ينتقدهم بشدة، ويعتبر أفكارهم تهافتا يدعو لنبذه.

وهذا النظر المبدئي الذي يحكم بتناقض الغزالي هو ما دعا ابن رشد إلى قوله: (إنه [أي الغزالي] لم يلزم مذهبا من المذاهب في كتبه، بل هو مع الأشعرية أشعري، ومع الصوفية صوفي، ومع الفلاسفة فيلسوف، وحتى أنه كما قيل:

يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن  وإن لقيت معديا فعدناني)([200])

ونرى أن هذه الأحكام ناتجة عن سوء فهم لمنهج الغزالي، وعدم تكامل صورته الفكرية في أذهان هؤلاء الناقدين.

وسنرى في هذا المبحث أهمية أحكام العقل عند الغزالي، وضرورة استعمالها في كل المعارف، ومن ثم إمكانية الاستفادة من كل تراث ثقافي أجنبي ما دام متلائما معها، وهو ما سيحاول أن يزيل بعض تلك الصورة المتناقضة التي يرسمها له نقاده.

1 ـ أحكام العقل:

يرى الغزالي أن الأحكام العقلية إذا تجردت من سلطة حكم الحس([201])، والوهم ([202]) لا تكاد تخطئ، لأنها فطرة فطر الناس عليها { فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } (الروم:30)، يقول الغزالي معقبا على هذه الآية: (فسمى العقل دينا)([203])

ولكون أحكام العقل المجرد دينا، فإن التناقض بين أحكام العقل وأحكام الشرع مستحيل، بل إن أساس الشرع العقل، (فهو كالأس والشرع كالبناء، ولن يغني أ س ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أ س)([204])

وهو يسمي الشرع ـ بسبب مراعاته الضرورية للأحكام العقلية ـ عقلا، فالشرع عقل من الخارج، والعقل شرع من داخل،وهما متعاضدان بل متحدان([205]).

و بسبب هذا الاتحاد بين أحكام العقل وأحكام الشرع، فإن تمجيد العقل تمجيد للشرع، وإعماله أعمال للشرع، ونبذه نبذ للشرع، لأن كليهما من وضع الله تعالى.

أما ذم الصوفية له فيرد الغزالي سببه إلى أن الناس نقلوا اسم العقل إلى المجادلة والمناظرة بالمناقضات والإلزامات، فاستخدموا العقل في غير ما خلق له،فكان ذم الصوفية منصبا على الاستخدام السيئ لا على المحل، فإن (نور البصيرة [العقل] التي بها يعرف الله تعالى، ويعرف صدق رسله، فكيف يتصور ذمه؟، وقد أثنى الله تعالى عليه؛ وإن ذم فما الذي بعده يحمد؟)([206])

وللتوفيق بين توجهه الصوفي الذي يقول بالكشف، ويرى أن العلوم الوهبية لا تحتاج إلى استدلال، وبالتالي تستغني عن أحكام العقل، أو تخالفه، فإنه يختار من جملة تعاريف العقل الكثيرة التي يرددها أنه (الوصف الذي يفارق الإنسان به سائر البهائم، وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية)([207])

وهو يشبهه بالعين من حيث كونها ذات هيئات وصفات بها استعدت للرؤية، فنسبة هذا المحل إلى العلوم كنسبة العين إلى الرؤية.

وهذا التوفيق يطبقه على جميع ما يتحدث عنه الفلاسفة أو الصوفية من لطائف، كالقلب والروح والنفس، فهي عنده ألفاظ مختلفة لمعنى واحد، هو تلك الغريزة أو اللطيفة التي تعرف بها حقائق الأشياء، يقول الغزالي: (ولأجل اختلاف الأسماء ظن البعض اختلاف المسميات، وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعاني هذه الأسامي، واشتراكها بين مسميات مختلفة)([208])

والغزالي يجعل لهذه اللطيفة التي تتوارد عليها الأسامي المختلفة خمس مراتب تتدرج بحسب عمر الإنسان وطبيعته التي خلقه الله عليها، فهي تبدأ بالحس، ويشترك فيه الإنسان والحيوان، ثم تنشأ قوة الخيال، وهي التي تحفظ ما أوردته الحواس لتعرضه على العقل عند الحاجة إليه، ثم ينشأ إدراك المعاني الخارجة عن الحس والخيال، وهي التي تسمى الأوليات العقلية ([209])، ثم يتم التزاوج بين تلك الأوليات بالتفكر والنظر لاستنتاج المعارف، وتتسلسل تلك الاستنتاجات بحسب قوة العقل إلى ما لانهاية.

وكل هذه المراتب كسبية، وطبيعة الإنسان التي جبل عليها هي التي تحدد مدى استعداده لحصولها، وبعدها تأتي المرتبة الأخيرة من مراتب العقل كما يرى الغزالي، وهي المرتبة التي تتجلى فيها لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملة من معارف ملكوت السماوات والأرض، بل من المعارف الربانية التي يقصر دون إدراكها أو تصورها العقل والفكر، كما يقصر الحس أو الخيال عن إدراك أحكام العقل والفكر([210]).

وهذا العقل هو الذي يتحدث عنه الصوفية ويسميه الغزالي نور البصيرة ([211])، ولهذا فإن جميع الأحكام والعلوم صادرة أو منتقشة في جوهر الإنسان وعقله، وإنما تختلف طريقة ظهورها ومدى وضوحها باختلاف طبائع الناس واستعداداتهم ومجاهداتهم.

أما الخواص فإنهم يتحققون ـ كما يرى الغزالي ـ بتلك المعارف كشفا وعيانا، وغيرهم يعرفها بيانا وبرهانا، مع أن الحقائق واحدة، ولهذا يحتاج غير المكاشف إلى كثرة أدلة ووصف، بخلاف من حصل له ذلك كشفا وذوقا وتحقق به، فإنه يتعجب من الحاجة إلى الدليل والوصف، بل يرى في الوصف إخلالا بحق الموصوف([212]).

ولهذا فإن إقحام الأحكام العقلية المحكومة بالحس والوهم في مجال معرفة الألوهية أو عالم الغيب خطأ فادح وخطر جسيم، لأنه قياس للغائب بالشاهد، وحكم على الله بصفات عباده، يقول الغزالي: (أما ميزان الرأي والقياس، فحاشا لله أن أعتصم به، فذلك ميزان الشيطان، ومن زعم من أصحابي أن ذلك ميزان المعرفة، فأسأل الله تعالى أن يكفي شره عن الدين، فإنه للدين صديق جاهل، وهو شر من عدو عاقل)([213])

وفي غير هذا المجال، ينتصر الغزالي للمنطق، ويعتبره غير غريب عن الإسلام أو الفكر الإسلامي، وليس دخيلا مع الفلسفة كما يتصور البعض، يقول الغزالي:(ولكن المنطق ليس مخصوصا بهم [أي بالفلاسفة]، وإنما هو الأصل الذي نسميه في فن الكلام (كتاب النظر)، وقد نسميه (كتاب الجدل)، وقد نسميه(مدارك العقول)؛ فإذا سمع المتكايس المستضعف اسم (المنطق) ظن أنه فن غريب لا يعرفه المتكلمون، ولا يطلع عليه إلا الفلاسفة)([214])، ومع ذلك فإن المنطق المترجم مع الفلسفة اليونانية نفسه لا يمكن رفضه لأنه لا تعلق له بالدين نفيا أو إثباتا، بل هو النظر في طرق الأدلة والمقاييس، وأن العلم إما تصور أو تصديق، وليس في هذا ما ينبغي إنكاره ([215]).

ولهذا فإن الغزالي ألف في المنطق مجموعة كتب([216])، وأدخل المنطق كتمهيدات لبعض العلوم كعلم الأصول، فقد كان يقدم له قبل الغزالي بمقدمات كلامية كتأسيس فكري لقضايا أصول الفقه وربطها بأصول الدين، فرأى الغزالي أن الأولى ربطها بالمنطق لحاجة علم الأصول لقضايا المنطق، يقول الغزالي عن مقدمة المستصفى: (وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها، فلا ثقة بعلومه أصلا) ([217])،وقد بدأ بهذا الاهتمام بالمنطق عند الغزالي عهد جديد للثقافة الإسلامية، امتزجت فيه بقضايا وأساليب المناطقة([218]).

وقيمة منطق الغزالي ترجع إلى توجيهه الوجهة الإسلامية، وتخليصه من ظلال التصور اليوناني، وتوظيفه توظيفا يتلاءم مع العقائد الإسلامية، كما نجد ذلك في كتابه (معيار العلم) الذي عرض فيه مباحث المنطق عرضا مبسطا مستعملا الأمثلة الفقهية، هادفا من ذلك إلى أمرين:

  1. تفهيم طرق الفكر والنظر باعتبار المنطق بالنسبة إلى أدلة العقول كالعروض بالنسبة إلى الشعر، والنحو بالإضافة إلى الإعراب.
  2. بيان أن النظر في الفقهيات لا يخالف النظر في العقليات في ترتيبه وشروطه، وإنما يخالفه في مآخذ المقدمات فقط ([219]).

ولكن أهم كتاب ألفه فيه، وأشار إليه كثيرا معتبرا إياه الميزان الذي ينفي الخلاف عن الخلق هو (القسطاس المستقيم) الذي وضعه في الأصل ردا على الباطنية.

يقول عنه في المنقذ من الضلال ـ مع التذكير بأنه ألفه في المرحلة الأخيرة من حياته ـ: (أقول:قواعد العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة وما وراء ذلك من التفصيل والتنازع فيه يعرف الحق فيه بالوزن بالقسطاس المستقيم، وهي الموازين ([220])التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وهي خمسة، ذكرتها في كتاب القسطاس المستقيم)([221])

ومع أن تلك الموازين التي وضعها الغزالي مطابقة للموازين المنطقية اليونانية إلا أن للغزالي أهدافا أخرى وراء تلك الصياغة الجديدة لعلم المنطق لعل أهمها تقريب المنطق والاحتجاج له بالأمثلة من القرآن الكريم لصنفين من الناس:

  1. الذين استهوتهم الفلسفة بما فيها من علوم عقلية، فخلطوا بين حقها وباطلها، وظنوا التناقض بين العلوم النقلية والأحكام العقلية.
  2. العلماء النصيين الذين رفضوا المنطق باعتباره فلسفة وعلما غريبين عن الدين.

وذلك زيادة على الغرض الأصلي، وهو مناقشة الباطنية، يقول الغزالي: (لا يتصور أن يفهم ذلك الميزان ثم يخالف فيه أهل التعليم لأني استخرجته من القرآن وتعلمته منه، ولا يخالف فيه أهل المنطق، لأنه موافق لما شرطوه في المنطق غير مخالف له، ولا يخالف فيه المتكلم، لأنه موافق لما يذكره في أدلة النظريات، وبه يعرف الحق في الكلاميات)([222])

وهذا العلم الذي استنبطه الغزالي من القرآن الكريم واعتبره حجة في العلوم كلها، لا يقصره على العلوم الكسبية وحدها، بل يضم إليها الوهبية ـ أيضا ـ (.. فكم من صوفي بقي في خيال واحد عشر سنين إلى أن تخلص منه، ولو كان قد أتقن العلوم [أي موازين العقل] أولا لتخلص منه على البديهة)([223])

وهنا نلاحظ جمع الغزالي في تناسق جميل بين القرآن والعقل والتصوف مما يبرهن على وحدته الفكرية، ولا بأس أن نذكر هنا الموازين التي أولاها الغزالي كل ذلك الاهتمام، ودعا إلى تعلمها من القرآن الكريم:

أ ـ ميزان التعادل:

وله ثلاثة أشكال هي:

الميزان الأكبر:

ومثاله قوله تعالى على لسان إبراهيم u([224]): { فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} (البقرة:258)، وصياغة هذا الميزان هي: كل من يقدر على إطلاع الشمس فهو الإله، فهذا أصل؛ وإلهي هو القادر على الإطلاع، وهذا أصل آخر؛ فلزم من مجموعهما بالضرورة أن إلهي هو الإله([225]).

ويمكن صياغته رمزيا هكذا:أ هي ب، وب هي ج، إذن:أ هي ج ([226]).

الميزان الأوسط:

ومثاله قوله تعالى عن إبراهيم u: { لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} (الأنعام:76)، وصياغة هذا الميزان هي: أن القمر آفل، والإله ليس بآفل ؛ فالقمر ليس بإله([227]).

ويمكن صياغته رمزيا هكذا: أ هي ب، وج ليست ب، إذن:أ ليست ج.

والفرق بين هذا الميزان والميزان الأكبر أن الصفة في الميزان الأكبر عامة تشمل جزئيات الموصوف كلها، بخلاف ما هي عليه في الميزان الأوسط حيث تنحصر في شيئين متباينين كل التباين بحيث ينفي عن أحدهما ما يثبت للآخر([228]).

الميزان الأصغر:

ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} (الأنعام:91)، ووجه الوزن بهذا الميزان هو أن موسى u بشر، وقد أنزل عليه الكتاب، إذن بعض البشر أنزل عليهم الكتاب ([229]).

وصياغته الرمزية هي: ب هي أ، وب هي ج، إذن بعض أ هي ج.

والفرق بين هذا الميزان وما قبله أته يستخدم في التخصيص والتمييز بين الصفات الذاتية التي تشترك فيها عموم جزئيات الجنس والصفات العرضية التي لا يشترك فيها إلا قسم من هذه الجزئيات([230]).

وهذه الموازين الثلاثة المشكلة لميزان التعادل تشبه ما يعبر عنه في المنطق بأشكال قياس أرسطو الاقتراني الثلاثة([231]).

ب ـ ميزان التلازم:

ويعرفه الغزالي بقوله: (هو أن كل ما هو لازم للشيء تابع له في كل حال، فنفي اللازم يوجب بالضرورة نفي الملزوم، ووجود الملزوم يوجب بالضرورة وجود اللازم، أما نفي الملزوم ووجود اللازم فلا نتيجة لهما)([232])

ويضرب له مثالا بقوله تعالى: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (الأنبياء:22)، وصياغة هذا الميزان هي أنه لو كان في السموات والأرض إلهان لفسدتا، فهذا أصل، ومعلوم أنهما لم تفسدا، وهذا أصل آخر؛ فيلزم منهما ضرورة نفي الإلهين، وإثبات الإله الواحد([233]).وهذا الميزان هو المسمى في المنطق بالقياس الشرطي المتصل.

ج ـ ميزان التعاند:

ويعرفه الغزالي بأن (كل ما انحصر في قسمين، فيلزم من ثبوت أحدهما نفي الآخر، ومن نفي أحدهما ثبوت الآخر بشرط أن تكون القسمة منحصرة، لا منتشرة) ([234])

ويمثل له من القرآن الكريم بقوله تعالى: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } (سبأ:24)، ووجه الاستدلال به هو: إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، ومعلوم أننا لسنا في ضلال، والنتيجة هي:أنتم ضالون([235]).

هذه هي الموازين التي دعا الغزالي إلى استعمالها، واستنباط العلوم بواسطتها، وهي ـ كما ذكرنا ـ نفس المقاييس المنطقية، والغزالي يقر بذلك، ولا يرى بأسا به، يقول في (القسطاس المستقيم) بعدما سأله رفيق التعليم عن تلك الموازين: (أما هذه الأسامي فأنا ابتدعتها، وما عندي أني سبقت إلى استخراجها من القرآن؛ وأما أصل الموازين فقد سبقت إلى استخراجها، ولها عند مستخرجيها من المتأخرين أسام سوى ما ذكرتها، وعند بعض الأمم الخالية السابقة على بعثة محمد وعيسى ـ صلوات الله عليهما ـ أسام أخر كانوا قد تعلموها من صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام)([236])

وميزة الغزالي ـ هنا ـ تطبيقه بالنسبة لعلم المنطق ما دعا إليه دوما من ضرورة الرجوع إلى القرآن الكريم واستنباط جميع العلوم منه، ولا بأس من الاستفادة خلال ذلك من تراث الأمم الأخرى وثقافاتها ما دامت لا تصادم العقل الخارجي الذي هو الشرع، ولا العقل الداخلي الذي هو موازين الحق المودعة في فطرة الإنسان، وسنرى ذلك في المطلب التالي.

2 ـ الانفتاح الثقافي:

بعد معرفة الموازين العقلية السابقة، والتمرن عليها، وحصول الملكة فيها، مع تجنيب الأحكام الحسية والوهمية، والاعتصام بالمصادر الشرعية، فإن الغزالي لا يرى بأسا من الانفتاح على كل الثقافات والعلوم، والاحتكاك بها، والتأثير فيها، والتأثر بها، وقد كان يجمع الكثير من تلك الثقافات في عصر الغزالي اسم الفلسفة أو علوم الأوائل ([237])، وكانت المواقف حولها كما يرى الغزالي تتراوح بين ثلاث تيارات:

أ ـ تيار الرفض:

ويرى الرفض الكلي لتلك الثقافات، وتأليب الرأي العام عليها، وتكفير أو تبديع كل من يبحث أو يخوض فيها، فلم تكن علاقة هذا التيار بتلك الثقافات إلا علاقة الحكم المسبق في معظم الأحيان، ولم يكن نقدها إلا نقدا ظاهريا لا يعتمد البرهان العلمي، ولا الحجة المنطقية، لأن المنطق نفسه من الفلسفة([238]).

وقد اعتبر الغزالي هذا التيار سببا لانتشار الأفكار المضللة من الفلسفة وغيرها، وهو يسميهم بالصديق الجاهل ([239])، وهؤلاء مثلا أنكروا كون خسوف القمر عبارة عن انمحاق ضوء القمر بتوسط الأرض بينه وبين الشمس، وأنكروا الهندسة والحساب والمنطق والفلك وغيرها([240])، لأن مصدر ذلك هو الثقافات الأجنبية، مع أنها لا تصادم النصوص الشرعية، يقول الغزالي: (وأعظم ما يفرح به الملحدة أن يصرح ناصر الشرع بأن هذا وأمثاله على خلاف الشرع، فيسهل عليه طريق إبطال الشرع) ([241])، مع أن الشرع لم يتعرض لهذه العلوم نفيا ولا إثباتا، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الشرعية([242]).

وقد انجر عن هذا المنهج نوع من الشعور بالتصادم بين العقل والدين، فإن تلك القضايا من الوضوح والدقة، وبراهينها من الوضوح والقوة بحيث لا يمكن رفضها؛ ورفض العلماء لها بحجة منافاتها للدين كذب عليه، وخدمة للملحدين والمشككين، وهو ما حصل في أوروبا عندما أنكرت الكنيسة الكثير من الكشوف العلمية التي تتنافى مع موروثاتها اليونانية وغيرها، مما أدى إلى النفور من الكنيسة، والتمكين للإلحاد.

ب ـ تيار القبول:

ويرى القبول الكلي لما ورد في تلك الفلسفات والثقافات، وطرح الدين بسببها، والانخداع بمظاهرها، يقول الغزالي معبرا عن هذا التيار في مقدمة (تهافت الفلاسفة): (أما بعد، فإني رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء قد رفضوا وظائف الإسلام، واستحقروا شعائر الدين، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين بفنون من الظنون يتبعون فيها رهطا يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا)([243])

والغزالي ينتقد ذوبان هذا التيار في تلك الثقافات، ويرى أن مصدر ذلك الذوبان لا يرجع إلى تحكيم الموازين العقلية بقدر رجوعه إلى أوهام وخيالات وأسباب النفسية، وهو يعد منها:

  1. إطناب طوائف من متبعيهم في وصف عقولهم ودقة علومهم، وأنهم مع كل ذلك الذكاء منكرون للشرع متنصلون من تكاليفه.
  2. مصادرتهم العامة على مطالبهم المعرفية استدراجا لهم، بحيث أنه إذا ما أوردوا عليهم إشكالا تذرعوا بأن هذه العلوم غامضة، وأنها أعصى العلوم على الأفهام الذكية، ولا يمكن التوصل إلى فهمها إلا بتقديم الرياضيات والمنطق،وهذا كله استدراج نفسي للوصول بهم إلى حالة الانبهار التام المؤدي إلى ا لخضوع الكلي.
  3. الخلط بين العلوم الطبيعية والهندسية والمنطقية مع الآراء الميتافيزيقية، حتى ظن من ينظر في منطقهم فيراه مستحسنا أن سائر علومهم مؤيدة بتلك البراهين.
  4. ما مزجه (إخوان الصفا)([244]) بتصانيفهم المستمدة من الفلسفة اليونانية من الحكم النبوية والكلمات الصوفية استدراجا للعامة إلى مقاصدهم،مع العلم أن انتشار آراء تلك الجمعية في ذلك الحين كان واسعا شاملا كل فئات المجتمع،كما تشير إليه رسائلهم ([245]).

وكل هذه الأسباب التي ذكرها الغزالي وغيرها لذوبان هذا الفريق في تلك الثقافات لا ترجع ـ كما رأينا ـ إلى براهين عقلية، أو حجج منطقية، وإنما هو حالة من الانبهار الساذج، والتأثر العاطفي الذي لا يحكمه العقل، ولا يستند إلى الحجة.

ج ـ تيار الانتقاء:

ولعل أحسن من يمثل هذا التيار هو الغزالي نفسه، فقد وقف من الثقافات الأجنبية فلسفية أو باطنية أو (إخوان الصفا) أو غيرهم موقف المحاور والمهاجم والمتعلم في نفس الوقت.

وقد أثار ذلك الغرابة في كثير من الباحثين، بل حتى من الفلاسفة القدماء كابن رشد الذي يقول عن الغزالي: (أفيجوز لمن استفاد من كتبهم [أي الفلاسفة]وتعاليمهم مقدار ما استفاد هو منها، حتى فاق أهل زمانه، وعظم في ملة الإسلام صيته وذكره أن يقول فيهم هذا القول، وأن يصرح بذمهم على الإطلاق وذم علومهم؟)([246])

وبناء على هذا الأساس قسم الغزالي علوم الفلاسفة إلى ستة أقسام مبينا حكم كل قسم،وهذه الأقسام هي:

العلوم الرياضية:

وتتعلق بعلم الحساب والهندسة، وعلم هيئة العالم، وحكمها كما يقرر الغزالي أنه (لا يتعلق شيء منها بالأمور الدينية،بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجا حدتها بعد فهمها) ([247])

بل إنه يجعلها من الفروض الكفائية ما دام يحتاج إليها ـ كما بينا سابقا ـ ولكنه مع ذلك يحذر من بعض النتائج السلبية المنجرة عن النظر فيها، ولعل أهمها هو اعتقاد أن جميع الآراء الفلسفية من الدقة والوثوق مثل العلوم الرياضية، (فيكفر يالتقليد المحض) ([248])؛ وليس في هذا التحذير من الغزالي إلا تنبيه للسبيل الانتقائي الذي اختاره وبنى عليه مواقفه([249]).

العلوم المنطقية:

وتتعلق بالنظر في طرق الأدلة والمقاييس وشروط مقدمات البرهان وكيفية تركيبها، ولا يتعلق شيء منها بالدين ـ في رأي الغزالي ـ إلا ما حشيت به من أمثلة تتناقض وتتعارض مع الأصول الدينية، ولأجل ذلك ألف الغزالي كتبه المنطقية، كمعيار العلم وغيره، وحشاها بدلا من ذلك بالأمثلة الفقهية.

العلوم الطبيعية:

وتشمل في مدلولها القديم الطب والكيمياء والفلك وغيرها، ويرى الغزالي عدم تعرضها للدين، ولذلك لا ينبغي مخالفتهم في شيء منها إلا بما هدى إليه الدليل العلمي.

ولكنه مع ذلك ينبه إلى قضية مهمة، وكأنه يدعو من خلالها إلى أسلمة هذه العلوم، فهي إلحادية من حيث جعلها الطبيعة فاعلة بذاتها، ولذلك يجب أثناء مطالعة هذه العلوم (أن تعلم أن الطبيعة مسخرة لله تعالى، ولا تعمل بنفسها، بل هي مستعملة من جهة فاطرها، والشمس والقمر والنجوم والطبائع مسخرات بأمره، لا فعل لشيء منها لذاته) ([250])

وكذلك ينتقدهم في حكمهم بأن الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب والمسببات اقتران ضروري لازم، وليس في الإمكان إيجاد السبب دون المسبب، وذلك لما يلزم عنه من إنكار المعجزات أو تأويلها تأويلا يعطل معناها، كما ينقل الغزالي تأويل بعضهم إحياء الموتى بإزالة موت الجهل بحياة العلم، وتأويل تلقف العصا سحر السحرة على إبطال الحجة الإلهية شبهات المنكرين على يد موسى u ([251]).

وقد رد الغزالي على الفلاسفة هذه الجوانب لاعتمادهم فيها على الظن والتخمين دون التحقيق العلمي المبني على الحجة والدليل، ولذلك تكتسب أدلته النقدية لها قوة علمية تنبئ عن مدى اعتماده المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية.

العلوم السياسية:

ويبحث فيها الفلاسفة عن الحكم المصلحية المتعلقة بالأمور الدنيوية، ولا يرى الغزالي لذلك أي تعلق بالدين، بل يمكن الاستفادة من أبحاثهم فيها باعتبارها مستمدة ـ كما يرى ـ من كتب الله المنزلة على الأنبياء، ومن الحكم المأثورة عن سلف الأنبياء ([252])، وهذا الموقف هو الذي أكسب الغزالي فكرا سياسيا متينا يحتاج إلى مزيد دراسة.

العلوم الأخلاقية:

وكلامهم فيها ـ كما يلخصه الغزالي ـ يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها وأجناسها وأنواعها وكيفية معالجتها ومجاهدتها، وهو لا يرى ردها باعتبارها لا تناقض الشرع، بل يرى أن كلامهم فيها مأخوذ من كلام الصوفية والمتألهين ([253]) الذين لم يخلو من وجودهم أي عصر من العصور.

ولذلك فإن الاستفادة منهم تلق لمزيد من التجارب والفوائد التي لم تمنعنا الشريعة من الأخذ بها ([254]).

العلوم الإلهية:

وهي التي انصب عليها نقد الغزالي، لأن أكثر أغاليطهم فيها، وقد كان منهج الغزالي في نقدها يعتمد على بيان مخالفتها للمنطق الذي وضعوه هم بأنفسهم، وفي ذلك تمام الحجة عليهم ببيان تناقضهم.

يقول الغزالي في (التهافت): (ونناظرهم في هذا الكتاب بلغتهم، أعني بعباراتهم في المنطق، ونوضح أن ما شرطوه في صحة مادة القياس في قسم البرهان من المنطق، وما شرطوه في صورته في كتاب القياس.. لم يتمكنوا من الوفاء بشيء منه في علومهم الإلهية)([255])

وقد كان من شدة انتباه الغزالي في هذا الميدان هجره لألفاظ المتكلمين ومناظرته إياهم بأسلوبهم واصطلاحاتهم ومنطقهم.

وهو لم ينقدهم كفيلسوف ([256])، ولم يحكم عليهم بالكفر أو البدعة كفقيه إلا بعد النظر في علاقة آرائهم بما جاءت به الشريعة، لأنها عقل من الخارج، ويستحيل تصادم العقل الخارجي مع العقل الداخلي، ولذلك جمع من أقوالهم في الإلهيات عشرين مسألة، كفرهم في ثلاثة منها، وبدعهم في الباقي، (وأما ما وراء ذلك من نفيهم الصفات، وقولهم: إنه عليم بالذات، وما يجري مجراه، فمذهبهم فيها قريب من مذهب المعتزلة، ولا يجب تكفير المعتزلة بمثل ذلك)([257])

وقد خص كتابه (تهافت الفلاسفة) بنقض تلك المسائل العشرين، ومن استقراء منهجه في النقد يمكن استخراج الكثير من القواعد المهيئة لملكة المناظرة، ولعل ذلك داخل ـ أيضا ـ في قصد الغزالي.

بعد هذا التقسيم لا يرى الغزالي حرجا أن يستفيد اللبيب من كل علومهم ما عدا ما عارض الشرع منها، لأن معرفة الحق مطلب كل عاقل، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.

وهو ينكر على من يرد عليهم بمجرد كونهم فلاسفة، ويشبه ذلك بالذي يسمع من النصراني قول: (لا إله إلا الله عيسى رسول الله) فينكره، ويقول: هذا كلام نصراني، ولا يتوقف ريثما يتأمل أن النصراني كافر باعتبار هذا القول أو باعتبار إنكار نبوة محمد a ([258]).

وبسبب هذا الفكر المتفتح المنتقي استفاد الغزالي من الفلاسفة، وضمن ذلك كتبه بعد مزجه بالنصوص الشرعية، أو بعد أسلمته، وقد لاقى بسبب ذلك النقد اللاذع من كثير من الطاعنين، كقول ابن العربي المالكي: (إن شيخنا هذا [الغزالي] دخل بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج فما قدر) ([259])

وقد حصل له ذلك الاعتراض في حياته، فقال مجيبا: (ولقد اعترض على بعض الكلمات في تصانيفنا في أسرار علوم الدين طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم، ولم تنفتح إلى أقصى غايات المذاهب بصائرهم، وزعمت أن تلك الكلمات من كلمات الأوائل، مع أن بعضها من مولدات الخواطر، ولا يبعد أن يقع الحافر على الحافر، وبعضها يوجد في الكتب الشرعية، وأكثرها موجود معتاد في كتب الصوفية) ([260]).

ثم يعقب على ذلك منكرا: (وهب أنها لا توجد إلا في كتبهم، فإذا كان ذلك الكلام معقولا في نفسه مؤيدا بالبرهان، ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة، فلم ينبغي أن يهجر وينكر؟) ([261])

وقد كان لهذا السلوك العلمي الموضوعي نحو الفلسفة وكل الأفكار الدخيلة أثره الإيجابي، حيث أن حملة الغزالي على الفلسفة ـ كما يشهد الكثير من الباحثين ـ لم تكن إلا المرحلة الأخيرة من النزاع بين الدين والفلسفة، والتي انتهت بفوز الدين وتقلص جميع الحركات التي كانت تأخذ من الفكر اليوناني بطرف كالمعتزلة وغيرهم([262]).

وقد نص على هذا التأثير من معاصري الغزالي ابن العربي في قوله: (.. فانتدبت للرد عليهم [الفلاسفة] بلغتهم ومكافحتهم بسلاحهم والنقض عليهم بأدلتهم أبو حامد الغزالي، فأجاد فيما أفاد، وأبدع في ذلك كما أراد الله وأراد، وبلغ في فضيحتهم المراد، فأفسد قولهم من قولهم وذبح بمداهم) ([263])

 أما كتاب (تهافت التهافت) الذي ألفه بن رشد بعد ذلك، فقد كان مجرد دفاع عن الفلاسفة أكثر منه دفاعا عن الفلسفة، والغزالي نقد الفلسفة كمنهج وفكر، وليس له اهتمام بمن يخوض فيها، فهو يردد دائما: (العاقل يعرف الحق، ثم ينظر في نفس القول، فإن كان حقا قبله سواء كان قائله مبطلا أو محقا، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال) ([264])

 بعد بيان موقف الغزالي العلمي المتحرر من كل قيد سوى القيود التي يفرضها المنهج العلمي نستغرب بعض الكتابات التي ترمي الغزالي بالتعصب في نفس الوقت الذي تصف فيه الفلاسفة الذائبين في أرسطو بالتحرر كقول حسين مروة عنه: (هو الذي سلط سيف الإرهاب الفكري الديني على الفلسفة والفلاسفة، وهو الذي حدد ـ إلى مدى بعيد ـ أشكال النظر الوحيد الجانب إلى هذا التراث في مباحث المتكلمين الأشعريين المتأخرين وغيرهم) ([265])

وهذا القول وأمثاله أحكام غير موضوعية ناتجة عن توجهات فكرية معينة تفتقر إلى الصدق والدليل.

لقد تبين لنا من خلال هذا الفصل الأصول التي يعتمد عليها منهج الغزالي الإصلاحي، وهي أصول متكاملة مترابطة متناسقة، لاتصادم بينها في تصور الغزالي، لأنها نابعة من عين واحدة، ومتوجهة نحو غاية واحدة، ولعل ما يميز الغزالي في علاقته بها هو اهتمامه بمقاصدها وحقائقها دون انشغاله عنها بما أثير حولها من جدل عقيم أو حشو فارغ.

وبعد هذا نتساءل عن الأسس التي يقوم عليها بناء المجتمع الصالح في تصور الغزالي، وهو ما سنراه في الفصل التالي.


([1])  جواهر القرآن ص21.

([2])    إحياء علوم الدين: 1/287.

([3])    المرجع السابق 1/288.

([4])    المرجع السابق  1/288.

([5])    الترمذي، السنن، (أبواب التفسير) 2/157، رقم: 2874.

([6])    المرجع السابق (أبواب التفسير) 2/157، رقم 2875.

([7])    إحياء علوم الدين: 1/288، وانظر في ذلك: بكري الشيخ أمين، التعبير الفني في القرآن، بيروت: دار الشرق ص113.

([8])    إحياء علوم الدين: 1/289.

([9])    المرجع السابق .

([10])    المرجع السابق .

([11])    المرجع السابق 1/290.

([12])    المرجع السابق 1/289.

([13])    أحمد، المسند، (مسند بني هاشم) 2/450، رقم 2393.

([14])    الجرجاني، التعريفات، بيروت: مكتبة لبنان 1978.ص71.

([15])    ابن منظور، لسان العرب 11/32، رقم 6637.

([16])    الجرجاني، التعريفات ص71.

([17])    إحياء علوم الدين: 1/289، وانظر: القرطي، الجامع لأحكام القرآن،ط4، بيروت: دار الكتب العلمية 1988، 1/109.

([18])    المرجع السابق .

([19])    إحياء علوم الدين: 1/289.

([20])    المرجع السابق 1/290.

([21])    المرجع السابق 1/291.

([22])    المرجع السابق .

([23])    المرجع السابق 1/291 ـ 291.

([24])    المرجع السابق .

([25])    المرجع السابق 1/37.

([26])    المرجع السابق .

([27])    البخاري، (كتاب العلم)، 1/200 رقم 1071، ومسلم (المقدمة) 1/10، رقم 5،4.

([28])    إحياء علوم الدين: 1/38.

([29])    لقب أطلق على المحدثين الذين جمدوا على الظاهر في العقيدة، وانطلقوا القول بالتأويل. وهو بالنسبة للعقيدة كالظاهرية بالنسبة للفقه، انظرا: الغزالي، مشكاة الأنوار،(ضمن القصور العوالي)، ص210.

([30])    مشكاة الأنوار ص210.

([31])    إحياء علوم الدين: 1/284.

([32])    المرجع السابق .

([33])    المرجع السابق 1/285.

([34])    المرجع السابق 1/281.

([35])    يقول شهاب الدين السهرودي: (للصوفي بكمال الزهد في الدنيا وتجريد القلب عما سوى الله تعالى مطلع من كل آية، وله بكل مرة في التلاوة مطلع جديد وفهم عتيد، وله بكل فهم عمل جديد) انظر: شهاب الدين السهرودي، عوارف المعارف،(ملحق الإحياء)، 5/50.

([36])    إحياء علوم الدين: 1/281.

([37])    المرجع السابق .

([38])    المرجع السابق 1/282.

([39])    المرجع السابق 1/281.

([40])  المرجع السابق 1/283.

([41])    المرجع السابق .

([42])    المرجع السابق .

([43])    المرجع السابق .

([44])    إحياء علوم الدين: 1/284.

([45])    هو أبو يحي مالك بن دينار من كبار عباد البصرة وصالحيها ، له حكم كثيرة، توفي سنة 131ه، انظر: ابن الجوزي، صفة الصفوة 2/165.

([46])    إحياء علوم الدين: 1/285، وانظر أقوالا له أخرى في ذلك في : ابن الجوزي، صفة الصفوة 2/166،165.

([47])    إحياء علوم الدين: 1/285.

([48])    المرجع السابق .

([49])    الزبيدي، مختصر صحيح البخاري، تحقيق إبراهيم عكاشة، الجزائر: الشركة الجزائرية، (كتاب التفسير)، 2/404 رقم 1733.

([50])    إحياء علوم الدين: 1/286.

([51])    المرجع السابق 1/287.

([52])    المرجع السابق .

([53])    المرجع السابق 1/288.

([54])    المرجع السابق .

([55])    وقد اتفق على هذا المبدأ السلوكي كل الصوفية كما يعبر على ذلك ابن عطاء الله السكندري في حكمة بقول : (أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها)، انظر: عبد المجيد الشرلولي، شرح الحكم العطائية، تحقيق عبد الفتاح البزم،ك1، عين مليلة: دار الهدى 1991،ص45 .

([56])    جواهر القرآن ص85.

([57])    الأربعين في أصول الدين ص6.

([58])    جواهر القرآن ص23.

([59])    هو جعفر بن محمد الباقر (80 ـ 148هـ)،من أئمة آل البيت، كان مشهورا بالعلم والصلاح والتسامح، لقي الاحترام من كل الطوائف سنية وشيعية، انظر : الزركلي، الأعلام 2/26.

([60])    إحياء علوم الدين: 1/287.

([61])    المقصد الأسنى ص55.

([62])    المقصد الأنى ص96.

([63])    الدهولي، حجة الله البالغة، بيروت: دار المعرفة 2/72.

([64])    إحياء علوم الدين: 4/434.

([65])    المرجع السابق .

([66])    المقصد الأسنى ص40.

([67])    نقل الغزالي الخلاف في إطلاق الأسماء والصفات على الله تعالى والواقع بين الأشعري والباقلاني، فالباقلاني يرى جواز ذلك إلا ما منع منه الشرع، أو أشعر بما يستحيل معناه على الله تعالى، وذهب الاشعري إلى القول بتوفيقها، واختار الغزالي التفصيل، انظر: المقصد الأسنى ص164.

([68])    المرجع السابق :ص 167.

([69])    جواهر القرآن ص26.

([70])    انظر على سبيل المثال: إحياء علوم الدين: 4/435 ـ 448.

([71])    مشكاة الأنوار ص191.

([72])    المقصد الأسنى ص43،42.

([73])    التبتل  ـ لغة ـ  يعني الانقطاع ، يقال للعابد إذا ترك كل شيء، وأقل على العبادة قد تبتل، أي قطع كل شيء إلا أمر الله وطاعته، انظر: ابن منظور، لسان العرب 11/42 رقم 6643.

([74])    جواهر القرآن ص28.

([75])    المرجع السابق .

([76])    المرجع السابق ص31.

([77])    المرجع السابق : ص31 ـ 32.

([78])    إحياء علوم الدين: 1/34،33.

([79])    جواهر القرآن ص34.

([80])    إحياء علوم الدين: 1/17.

([81])    وذلك من حيث الجملة لا التفصيل فإن إقحام العلوم في القرآن وتحميل ألفاظه ما لا تحتمل تكلف ممقوت، وصرف لألفاظه وتراكيبه عن مراداتها، انظر: الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، القاهرة: مطبعة المكتبة التجارية 2/81.

([82])    المنقذ من الضلال ص136.

([83])    هو إحدى الأدوات الهامة التي يستخدمها الباحثون في العلوم الاجتماعية، وله تعاريف كثيرة منها: إنه تفاعل لفظي بين فردين في موقف المواجهة، ويحاول أحدهما أن يستشير بعض المعلومات لدى الآخر حول خبراته وآرائه ومعتقداته، انظر: د. محمد شفيق، البحث العلمي،ط1، الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، 1985، ص105.

([84])    المنقذ من الضلال ص137.

([85])    المرجع السابق .

([86])    إحياء علوم الدين: 1/38.

([87])    الأربعين في أصول الدين، ص68.

([88])    جزء من حديث نبوي ذكره ابن القيم، وقواه لتعدد طرقه، انظر: ابن القيم، مفتاح دار السعادة ، بيروت: دار الكتب العلمية، 1/163 ـ 164.

([89])    المستصفى من علم الأصول 1/148. وقد ذهب بعض العلماء، منهم الإمام أحمد والحارث المحاسبي والكرابيسي إلا أنه يفيد القطع ، انظر: الأمدي، الأحكام، مطبعة المعارف 1914م، 1/108.

([90])    علل النووي عدم قطيعة خير الآحاد ولو كان صحيحا بجواز الخطأ والنسيان على الثقة، وغير هذا الرأي لأكثر المحققين، انظر: جلال الدين السيوطي، تدريب الراوي شرح تقريب النواوي،ط، مصر 1307هـ، ص41.

([91])    هو ما يحتاج الناس إلى بيانه، إذا أن ما شأنه كذلك تتوافر الدواعي على نقله بطريق التواتر أو الشهرة، انظر: وهبة الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ط1، دمشق: دار الفكر 1406ه، 1986، 1/470.

([92])    المستصفى من علم الأصول 1/172.

([93])    كقوله a:(لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج)، انظر: مسلم، الجامع الصحيح (الزهد والرقائق)، 4/2298 رقم 5326.

([94])    المستصفى 1/172.

([95])    مسلم، الجامع الصحيح، (الزهد والرقائق) 8/229 رقم 5326.

([96])    إحياء علوم الدين: 3/139.

([97])    المرجع السابق .

([98])    المرجع السابق .

([99])    ذكر ابن كثير بعض الذين شعوا على الغزالي إيراده لبعض الأحاديث المنكرة والغريبة والموضوعة، كأبي الفرج بن الجوزي، وابن الصلاح، والمازري، وقد كان من أشدهم إنكار حتى أنه أراد أن يحرق الإحياء مع بعض المغاربة قائلين: هذا كتاب إحياء علوم دينه، أما ديننا فإحياء علومه كتاب الله وسنة رسوله، انظر: ابن كثير، البداية الونهاية، 12/663 .

([100])    الصحيح بنفسه أو لذاته هو ما اشتمل من صفات القبول على أعلاها، أما الصحيح لغيره فهو ما صحح لأمر اجنبي عنه، (انظر: جمال الدين القاسمي، قواعد التحديث من قبول مصطلح الحديث، دمشق: مطبعة ابن زيدون 1925م ص56) أما الحسن لذاته فهو ماخف ضبط رحاله، وأما الحسن لغيره فهوا ما في إسناد مستور لم تتحقق أهليته، ولا عدم أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ ولا متهما بالكذب، ويكون متنه معضدا بمتابع أو شاهد (الضر: محمد بن إسماعيل الصنعاني، توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ط1، القاهرة، 1/188).

([101])    إحياء علوم الدين: 2/278.

([102])    المشهور أن شروط العمل بالحديث الضعيف ثلاثة وهي: ألا يكون المروي شديد الضعف وأن يندرج تحت أصل كلي ثبت بالكتاب أو السنة الصحيحة. وألا يعارضه دليل أقوى منه. انظر:د. صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه، ط12، بيروت: دار العلم للملايين، 1981، ص212.

([103])    المرسل هو ما سقط من سند الصحابي وسبب ضعفه هو فقد الاتصال في سند (انظر: القاسمي، قواعدي التحديث، ص114)، أما المنقطع فهو الحديث الذي سقط من إسناده رجل، أو ذكر فيه رجل مبهم (انظر: الصنعاني، التوضيح 1/289)

([104])    نقلا عن: الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، حيدر آباد: دائرة المعارف العثمانية، 1357ه، ص133.

([105])    الحافظ المندري، الترغيب والترهيب تحقيق محمد علي قطب،ط1،بيروت: دار القلم 1992م،1/13.

([106])    هو عبد الرحمن بن مهدي البصري اللؤلؤي (135 ـ 198ه)، من كبار حفاظ الحديث، أنه تصانيف. انظر: الزر الكلي، الأعلام 3/339.

([107])    نقلا عن الحاكم النيسابوري، المستدرك، جيدر آ باد: دار المعارف العثمانية.1334ه 1/490.

([108])    ابن كثير، البداية والنهاية 2/663.

([109])    المرجع السابق : 12/663.

([110])    المستصفى 1/165.

([111])    إحياء علوم الدين: 3/397.

([112])    المرجع السابق 3/398.

([113])    المرجع السابق .

([114])    المرجع السابق 3/397.

([115])    المرجع السابق .

([116])    المستصفى 1/169.

([117])    جواهر القرآن ص38.

([118])    إحياء علوم الدين: 3/297.

([119])    المرجع السابق .

([120])    المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ص40.

([121])    المنقذ من الضلال ص128.

([122])    المرجع السابق ص133.

([123])    المرجع السابق .

([124])    المنقذ من الضلال ص134.

([125])    إحياء علوم الدين: 1/37.

([126])    مسلم، الجامع الصحيح (كتاب الصيام) 2/770 رقم 18351.

([127])    إحياء علوم الدين: 1/37.

([128])    المرجع السابق .

([129])   المرجع السابق 1/31 ـ 32 .

([130])    الرتع: الأكل بشره، شبه الخوض في ذكر الله بالرتع في الخصب، انظر: ابن منظور، لسان العرب، 8/112 رقم 5114.

([131])    الترمذي، السنن، (كتاب الدعوات)، 5/2317، رقم 3432.

([132])    إحياء علوم الدين: 1/34.

([133])    المرجع السابق 1/35.

([134])    ابن ماجة، السنن، القاهرة: دار الكتاب المصري،بيروت: دار الكتاب اللبناني،(كتاب الفتن) 2/1316،رقم 3976.

([135])    إحياء علوم الدين: 3/398.

([136])    الأربعين في أصول الدين ص69.

([137])    إحياء علوم الدين: 1/142.

([138])    الزبيدي، مختصر صحيح البخاري، الدزائر: مكتبة الشهابة (كتاب الحجج) 1/184 رقم: 808.

([139])    المستصفى 2/217.

([140])    المرجع السابق 2/218.

([141])    المرجع السابق .

([142])    المرجع السابق .

([143])    من الذين كرهو ذلك إبراهيم النخعي والشعبي، وذلك سدا لذريعة إحداث زيادات في القرآن، باعتبارهم مقاربين لزمن نزوله، أما في العصور التي تلتهم فقد ارتفع الحرج، بل إن من المعاصرين هم من أجاز ذلك للفائدة الرجوة منه ومنهم الحسن البصري، انظر: إحياء علوم الدين: 1/277،276.

([144])    إحياء علوم الدين: 1/276.

([145])    المرجع السابق .

([146])    انظر على سبيل المثال: إحياء علوم الدين: 2/371،370.

([147])    المنقذ من الضلال، ص127.

([148])    نقل ذلك عنه ابن عجيبة الحسني في شرحه للحكم العطائية معللا ذلك بقوله: إذا لا يخلو أحد من عيب أو مرض إلا الأنبياء  ـ عليهم السلام ـ ، ونقل  ـ أيضا ـ  عن أبي الحس الشاذلي في قول المؤيد لرأي الغزالي، وهو:(من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر) انظر: ابن عجيبة، ايقاظ الهمم في شرح الحكم، بيروت: دار الفكر 1/7.

([149])    روضة الطالبين وعمدة السالكين، بيروت: دار النهضة الحديثة ص23.

([150])    اصطلح المتأخرون على تعريف الفقه بأنه (العلم بالأحكام الشرعية العلمية المكتسب منه الأدلة التفصيلية)، فهو مختص في الأحكام العملية فقط في الحين الذي عرفه أبو حنيفة بانه (معرفة النفس ما لهما وما عليها)، وقد أخذ عليه بأنه تعريف عام، ولكن مع ذلك كان هو الفقه المعروف في عصره، انظر: د.وهبة الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي 1/19.

([151])    إحياء علوم الدين: 1/21.

([152])    المرجع السابق 1/18.

([153])    المرجع السابق .

([154])    المرجع السابق .

([155])    ينص الغزالي كثيرا على أن مراده من الإحياء هو جمع كل ما يتعلق بعلم المعاملة، ولذلك يثكر من الوصية به في كل مناسبة تدعو إلى ذلك، كقوله (وهذا الفن من العلم النافع قد جمعناه في كتاب (إحياء علوم الدين)، فإن كانت من أهله فحصله، واعمل به، ثم علمه، وادع اليه)، بداية الهداية (مجموعة منهاج العابدين) مصر: مكتبة الجندي ص229.

([156])    إحياء علوم الدين: 1/3.

([157])    هو عبد القادر بن شيخ (978 ـ 1038ه)، مؤرخ يمني، من كتبه: (النور السافر عن أخبار القرن العاشر) و (تعريف الأحياء بفضائل الأحياء) انظر: الزركلي، الأعلام 2/39.

([158])    عبد القادر العيدروس، تعريف الإحياء بفضائل الإحياء (ملحق الإحياء) 5/5.

([159])    سعيد حوى، تربيتنا الروحية، الجزائر: مكتبة رحاب ص164.

([160])    إحياء علوم الدين: 1/3.

([161])    المرجع السابق 3/79.

([162])    المرجع السابق 1/3.

([163])    الترمذي، السنن، (صفة القيامة) 4/577 رقم: 4080.

([164])    الترمذي، السنن، (صفة القيامة والرقائق والورع) ،ج2 رقم 2451.

([165])    إحياء علوم الدين: 1/19،18.

([166])    المرجع السابق 1/238.

([167])    المرجع السابق .

([168])    المرجع السابق 1/350.

([169])    المرجع السابق 1/348.

([170])    المرجع السابق 4/381.

([171])    المرجع السابق .

([172])    من كبار رجال الطرق الصوفية، إليه تنسب الطريقة الشاذلية المنتشرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، توفي سنة 656هـ انظر: ترجمته بالتفصيل في: ابن عطاء الله الإسكندري، لطائف المنن، تحقيق: عبد الحليم محمود،ط2، بيروت: دار الكاتاب اللبناني 1985.

([173])    عبد العزيز الدباغ، الإبريز، جمع ابن مبارك، القاهرة: مكتبة محمد علي صبيح وأولاده ص211.

([174])    إحياء علوم الدين: 1/350.

([175])    المرجع السابق 3/77.

([176])    هو أبو بكر بن جحدر، صجب الجنيد وأقرانه، وصار أوحد أهل وقته علما وحالا، توفي سنة 334هـ، انظر: الشعراني، الطبقات الكبرى، القاهرة: دار الفكر العربي 1952، ص89.

([177])    إحياء علوم الدين: 1/77.

([178])    إحياء علوم الدين: 1/20 وهو يفرق بين العلم والمعرفة في أن العلم إدراك، والمعرفة تحقق، فرؤية النار مثلا علم ، والصطلاء بها معرفة (انظر: روضة الطالبين ص54)

([179])    المرجع السابق .

([180])    الرسالة اللدنية ص117،116.

([181])    إحياء علوم الدين: 3/19،18.

([182])    الرسالة اللدنية ص116.

([183])    مشكاة الأنوار ص215.

([184])    هي الأوزان الموصوفة بالزحاف، وهو التغير في الأجزاء الثمانية من البيت إذا كان في الصدر أو في الإبتداء، أو في الحشو، انظر: الجرجاني، التعريفات ص127 رقم 856.

([185])    مشكاة الأنوار ص215.

([186])    إحياء علوم الدين: 3/24.

([187])    المرجع السابق 3/25.

([188])    الرسالة اللدنية ص116.

([189])    المرجع السابق ص118.

([190])    المرجع السابق .

([191])    هو النسبة التي بين الجسم ومكانه، كقيام الأعراض بالجواهر، وهو مستحيل عقلا بين كل ما يقول بذاته، انظر: المقصد الأسنى ص150.

([192])    وهو تصيير الذاتين واحدة ولا يكون إلا في الأعداد، انظر: الجرجاني، التعريفات ص26، المقصد الأسنى ص146.

([193])    الوصول الذي يريده الغزالي هنا هو الوصول المكاني، أما المعنى الآخر له، وهو أن ينكشف له جلية الحق، ويصير مستغرقا به لاهمه له في سواه، فهو غاية السلوك الصوفي، المقصد الأسنى 151،150.

([194])    المنقذ من الضلال ص128.

([195])    د. محمود قاسم، دراسات في الفلسفة الإسلامية،ط5، مصر: دار المعارف، 1973، ص59 ـ 60.

([196])    المقصد الأسنى ص49.

([197])    مشكاة الأنوار ص197.

([198])    إحياء علوم الدين: 1/36.

([199])    مشكاة الأنوار ص197.

([200])    ابن رشد، فصل المقال، مصر: دار المعارف، ص53،25.

([201])    الحاكم الحسي: هو الحس المشترك الذي تجتمع فيه الصور الحسية بعد غياب المحسوسات (ولولا ذلك كان من رأى العسل الأبيض، ولم يدرك حلاوته إلا بالذوق، إذا رآه ثانية لا يدرك حلاوته ما لم يذقه كالمرة الأولى) (الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق موريس بويج، بيروت: دار المشرق ص207) وهذا الحاكم يخطئ كثيرا، فلذلك لا يعتمد العقل مطلقا على أحكامه، يقول الغزالي بعد ذكر أمثلة عن أخطاء الحواس: (فهذا وأمثاله يكذبه حاكم القل ويخونه) (معيار العلم،ط2،بيروت:دار الأندلس ص309).

([202])    هو كالحس المشترك إلا أنه يدرك المعاني، كالعداوة التي تدركها الشاة من الذئب، ومخافته لها، والمحبة التي تدركها من أمها وموافقتها لها (تهفات الفلاسفة ص207)، وسبب أخطاءه حكمه لغير المحسوسات بأحكام المحسوسات، كإنكاره شيئا لا يناسب أجسام العالم بانفصال واتصال، ولا يوصف بأنه داخل العالم ولا خارجه (معيار العلم ص32)

([203])    معارج القدس في مدارج معرفة النفس، باتنة: دار الشهاب ص58.

([204])    المرجع السابق ص57.

([205])    المرجع السابق ص58.

([206])    إحياء علوم الدين: 1/89.

([207])    المرجع السابق 1/86.

([208])    المرجع السابق 3/3.

([209])    هي التي لا يفتقر العقل بعد معرفتها إلى دليل لا من حدس أو تجربة أو نحو ذلك، كقولهم الواحد نصف الاثنين، والكل أكبر من الجزء، فإن هذا الحكم لا يتوقف إلا على تصور الطرفين وهو أخص من الضرور (الجرجاني، التعريفات ص53).

([210])    مشكاة الأنوار ص214،213.

([211])    إحياء علوم الدين: 1/89.

([212])    المرجع السابق 4/320.

([213])    القسطاس المستقيم ص41.

([214])    التهافت ص71.

([215])    المنقذ من الضلال ص103،102.

([216])    هي: معيار العلم في فن المنطق، ومحك النظر، والقسطاس المستقيم، وبعض فصول من مقدمة مقاصد الفلاسفة، ومقدمة المستصفى من علم الأصول، ومقدمة الاقتصاد في الإعتقاد.

([217])    المستصفى 1/10.

([218])    د، علي سامي النشار، منهاج البحث عند مفكري الإسلام، القاهرة: دار الفكر العربي 1947،ص130.

([219])    معيار العلم ص59 ـ 60 وسبب الخلاف بين المآخذ الشرعية والمآخذ العقلية أن المقدمات العقلية تؤسس على البديهيات بخلاف المقدمات الفقهية المؤسسة على مسلمات شرعية.

([220])    استنبط الغزالي هذا الاصطلاح من قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:25) ، انظر: القسطاس المستقيم ص43.

([221])    المنقذ من الضلال ص118.

([222])    المرجع السابق .

([223])    ميزان العمل، مصر: مطبعة كردستان 1328ه ص46.

([224])   استدل الغزالي بتلقين الله تعلى إبراهيم عليه السلام الحجة كما قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام:83) فكأنه جاز بذلك الاعتماد على حجته لإقرار الله إياها، انظر: القسطاس المستقيم ص54..

([225])    القسطاس المستقيم ص49.

([226])    انظر: د. محمود قاسم، دراسات في الفلسفة الإسلامية، ط5، مصر: دار المعارف،1973 ص51 ـ 52.

([227])    القسطاس المستقيم ص55.

([228])  انظر: فيكتور سعيد باسيل، منهج البحث عن المعرفة عند الغزالي، بيروت: دار الكتاب اللبناني، ص73.

([229])    القسطاس المستقيم ص59.

([230])    فيكتور سعيد باسيل، منهج البحث عن المعرفة عند الغزالي، ص74.

([231])    د. محمود قاسم، دراسات في الفلسفة الإسلامية، ص51.

([232])    القسطاس المستقيم ص63.

([233])    المرجع السابق ص62.

([234])    المرجع السابق ص66.

([235])    المرجع السابق ص65.

([236])    المرجع السابق، ص67.

([237])    المنقذ من الضلال، ص111.

([238])    وقد ذكر ابن العربي المعاصر للغزالي هذا الصنف بقوله: (وقد جاء الله بطائفة عاصمة تجردت لهم من أعيان الأمة إلا أنهم لم يكلموهم بلغتهم، ولا ردوا عليهم بطريقتهم، وإنما ردوا عليهم وعلى إخوانهم المبتدعة بما ذكره الله في كتابه، وعلمه لنا على لسان رسوله، فلما لم يفهموا تلك الأغراض، ربما استولى على قلوبهم من صد الباطل طفقوا يهزؤون من تلك العبارات، وينسبون قائلا للجهالات)، ابن العربي، العواصم من القواصم ص105 ـ 106.

([239])    المنقذ من الضلال ص114.

([240])    معراج السالكين، (الرسائل الفرائد) ص220 ـ 221.

([241])    تهافت الفلاسفة ص43.

([242])    المنقذ من الضلال ص102.

([243])    تهافت الفلاسفة ص38.

([244])    جمعية سرية ظهرت في القرن الرابع الهجري متخذة الفلسفة منهجا مناوئا للشريعة، وقد نقل التوحيدي ذريعتهم في ذلك، وهي قولهم: (إن الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، لأنها حاوية للحكمة الإعتقادية، ومتى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال)، انظر: أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، بيروت: دار مكتبة الحياة 2/5.

([245])    نقلا عن: د. يوسف فرحات، الفلسفة الإسلامية وأعلامها، جنيف: ترادكسيم، 1986،ص78.

([246])    ابن رشد، تهافت التهافت، تحقيق سليمان دنيا،ط2، القاهرة: دار المعارف 1971، ص43.

([247])    المنقذ من الضلال ص101.

([248])    المرجع السابق .

([249])    وهذا خلافا لما رآه د. محمد عابد الجابري من أن الغزالي لم يكن بريئا في موقفه من الرياضيات، وأن الغرض من ذلك هو التأليب على الباطنية فقط باعتبارهم تبنوا الفيثاغورية، ونزعتها الرياضية أساسا لفلسفتهم الدينية، (محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي،ط3،بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1990 ص491) لأن الغزالي بنى موقفه على اختبار ميداني نص عليه بقوله: (فقل من يخوض فيها (الرياضيات) إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لحام التقوى) انظر: المنقذ من الضلال ص102.

([250])    المنقذ من الضلال ص104.

([251])    تهافت الفلاسفة ص192.

([252])    المنقذ من الضلال ص108.

([253])    التأله: التنسك والتعبد، انظر: ابن منظور، لسان العرب 13 ص467 رقم: 8664.

([254])    المنقذ من الضلال ص109.

([255])    تهافت الفلاسفة ص45.

([256])    لعباس محمود العقاد محاضرة في إثبات القدرات الفلسفية للغزالي بين فيها أن نقده للفلسفة هو من النبوغ الفلسفي الذي لا يرضى بالتقليد، ولذلك فإن نقده للفسفة كان من باب الفلسفة، انظر: عباس محمود العقاد، فلسفة الغزالي ضمن : المجموعة الكاملة لمؤلفاته، ط1،بيروت: دار الكتاب اللبناني 1978م ص461 ـ 472.

([257])    المنقذ من الضلال ص107.

([258])    المرجع السابق ص110.

([259])    ابن العربي، العواصم من القواصم ص7.

([260])    المنقذ من الضلال ص111.

([261])    المرجع السابق .

([262])    محمد الفيومي، الغزالي وعلاقة اليقين بالعقل، ص30.

([263])    ابن العربي، العواصم من القواصم، ص105 ـ 106.

([264])    المنقذ من الضلال، ص110.

([265])    حسين مروة، الترعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية،بيروت دار فارابي 1978، ص53.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *