الفصل الأول: نبذة تاريخية عن جمعية العلماء والطرق الصوفية

الفصل الأول

نبذة تاريخية عن جمعية العلماء والطرق الصوفية

مع الشهرة التي حظيت بها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومثلها الطرق الصوفية، ومع كثرة البحوث المعرفة بهما والمؤرخة لهما إلا أن المنهج العلمي يتطلب منا التقديم بالتعريف بكليهما، وذلك لسببين:

الأول: أن هذا من ضروريات المنهج العلمي، فالتصديقات فرع عن التصورات، والحكم على الشيء فرع عن تصوره.

الثاني: أن التعاريف والتواريخ المرتبطة بالجمعية قد تختلف من جهة إلى أخرى، وقد تتدخل في بعضها الذاتية والأحكام الجزافية، وهذا يقتضي منا التحقيق للوصول إلى الحقيقة بعيدا عن التقليد.

وبناء على هذا قسمنا هذا الفصل إلى مبحثين:

المبحث الأول: نبذة تاريخية عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

المبحث الثاني: نبذة تاريخية عن الطرق الصوفية المعاصرة لجمعية العلماء.

المبحث الأول

نبذة تاريخية عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

تعتبر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من أكثر الجمعيات الدينية والثقافية الجزائرية شهرة، ذلك أن سمعتها في تاريخ الإصلاح والثقافة تعدت الجزائر لتشمل العالم كله.

ولذلك أسباب كثيرة لعل أهمها هو اجتماع الكثير من العمالقة الكبار في الفكر والأدب والنشاط في وقت واحد، وفي جمعية واحدة.

ومنها الأهداف الكثيرة التي حملتها الجمعية في ظل واقع استعماري مليء بأصناف المعوقات والمثبطات.

ومنها الأعمال الكثيرة التي استطاعت أن تقوم بها – بغض النظر عن المواقف حولها – إلا أنه لا يمكن لأحد من الناس أن ينكرها، وكيف ينكرها، ونحن لا نزال نرى آثارها في الواقع الجزائري إلى الآن.

وأسباب كثيرة أخرى جعلت من جمعية العلماء عند الكثير من الباحثين أكبر حركة إصلاحية عرفتها الجزائر في تاريخها الحديث.

انطلاقا من هذا نحاول في هذا المبحث أن نتعرف على تاريخها، والعوامل المؤثرة فيه، والتي أتاحت لها كل ذلك التأثير، وقد قسمنا المبحث إلى ثلاثة مطالب بحسب المراحل التي مرت بها:

المطلب الأول: المرحلة التأسيسية للجمعية

المطلب الثاني: جمعية العلماء في عهد ابن باديس وأهم منجزاتها

المطلب الثالث: جمعية العلماء في عهد الإبراهيمي وأهم منجزاتها

المطلب الرابع: دور الشيخ العربي التبسي في جمعية العلماء

أما ما يرتبط بتوجهها الفكري، ومشاريعها الإصلاحية، ووسائلها في تحقيقها، فسنتحدث عنها بتفصيل في فصل خاص في الباب الثاني من هذه الرسالة.

المطلب الأول: المرحلة التأسيسية للجمعية

تعتبر المرحلة التأسيسية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين من أدق مراحلها التاريخية حساسية، باعتبار الظروف الاستعمارية التي كانت تمر بها الجزائر حينئذ، وباعتبار الواقع الديني الذي كان يشكل فيه المحافظون نسبة أكبر بكثير من نسبة الإصلاحين، وباعتبارات أخرى كثيرة.

ومع ذلك، فلم يكن تأسيسها عجيبا، فقد كانت هناك عوامل كثيرة خففت من وطأة تلك الظروف القاسية، وقد أشار إلى بعض تلك العوامل الشيخ الإبراهيمي، الذي عزاها إلى أربعة عوامل([1]):

أولها: آثار دعوة الإمام محمد عبده التي تأثر بها المصلحون الجزائريون، وكذا مؤلفات تلميذه الشيخ رشيد رضا التي كان لها الأثر القوي في إذكاء الحركة الإصلاحية في الجزائر، ومن ثم توحيد جهودهم تحت جمعية واحدة.

ثانيها: الثورة التعليمية التي أحدثها الشيخ عبد الحميد ابن باديس بدروسه حيث كون عقولهم وشحذ عزائمهم وربى نفوسهم على وجه تتشوف به إلى كل دعوة تغيير في المستقبل بقائد الدين وشعار الإصلاح.

ثالثها: التطور الفكري الذي طرأ على عقول الناس من مخلفات وآثار الحرب العالمية الأولى.

رابعها: رجوع طائفة من المثقفين الجزائريين الذين كانوا يعيشون في المشرق العربي ولا سيما في الحجاز والشام والذين من أبرزهم الإبراهيمي والعقبي.

وقد وقعت في التأريخ لهذه الفترة خصوصا كثير من الخلافات بين المؤرخين للجمعية سواء كانوا من الموالين لها، أو من المناوئين، وهي مهمة جدا من حيث دورها في إعطائنا الصورة للوضع حينذاك، وخاصة ما يرتبط منه بالتعامل بين الجمعية والطرق الصوفية.

وانطلاقا من هذا، فسنبحث في هذه الفترة خصوصا انطلاقا من وجهات النظر المختلفة محترمين لها جميعا، تاركين الحكم بعد ذلك للقارئ، أو للباحث المنصف لمزيد من البحث للاطلاع على الحقيقة من جميع جوانبها.

ونحب أن ننبه هنا إلى أننا لن نطرق في هذا المطلب الخلاف الذي حصل بين الجمعية والطرق الصوفية في مرحلتها التأسيسية لأننا سنذكره بتفصيل من وجهات النظر المختلفة مع نتائجه وأسبابه في الفصل التالي لهذا الفصل.

ولهذا سنكتفي بالحديث عن ثلاثة أمور:

الأول: المؤسس الحقيقي للجمعية

الثاني: جلسات التأسيس، وكيف تمت.

الثالث: قانون الجمعية.

أولا ــ مؤسس الجمعية:

اختلف المؤرخون للجمعية حول البداية الحقيقية للتفكير في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وبناء على ذلك اختلفوا في المؤسس الحقيقي لها([2])، ونحب أن نطرح هنا هذا الخلاف، لغايتين:

الأولى: ما نراه من ضرورة مراجعة الأحداث التاريخية، وعدم التسليم لكل ما يذكره المؤرخون، وكأنه حقيقة مقدسة لا يجوز المساس بها، وخاصة إذا استلم زمام كتابة التاريخ طرف واحد له صلة بالجهة التي يكتب عنها.

ثانيا: ــ أن الحكم على ما حصل بين الجمعية والطرق الصوفية من أحداث وتأثير يرجع بدرجة كبيرة إلى البداية التأسيسية للجمعية، ولهذا فإنه من المهم التعرف على المؤسس الحقيقي ودوافعه.

انطلاقا من هذا نذكر أهم الشخصيات التي دار الجدل حول كونها مؤسسة للجمعية، وهي – كما نرى – أربع شخصيات، كل شخصية منها تمثل توجها فكريا وإصلاحيا خاصا، سنعرفه في في هذه الرسالة عند عرض التوجهات الفكرية لجمعية العلماء.

1 ــ أحمد توفيق المدني:

يعتبر (أحمد توفيق المدني) ([3]) من الشخصيات المهمة التي ظهرت إبان تأسيس جمعية العلماء، وكان لها دور بارز فيها، وهو يمثل شخصية الإداري المحنك الناجح الذي يستطيع أن يتأقلم مع كل التوجهات، ولذلك اعتبره البعض مؤسسا حقيقيا للجمعية، بل كان هو نفسه يقول بذلك، ويرى أنه صاحب الفكرة([4]).

ويرجع تاريخ نشأة الجمعية على حسب هذا المصدر إلى التقاء مجموعة من العلماء([5]) بنادي الترقي لمناقشة الأوضاع التي آلت إليها الجزائر خاصة بعد الاحتفالات المئوية، وكذلك دراسة موضوع تأسيس حركة تمثل الشعب الجزائري، ولكن لا تكون في الإطار السياسي، فاهتدوا في الأخير إلى تكوين جمعية إسلامية تجمع شمل العلماء، وغايتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكانت مبادرة العاصمي بأن يطلق عليها اسم (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)([6])

وقامت هذه الجماعة بتشكيل لجنة تحضيرية لتأسيس جمعية العلماء، وكان منهم – على حسب رواية المدني: محمد بن المرابط، ومحمود بن ونيش، ومحمد الزميرلي، والحاج ماماد المانصالي، ومحمد بن الباي، ومحمد علي عباس التركي، وقدور بن مراد الرودوسي، ومحمد بن الحفاف، بالإضافة إلى العاصمي، وعمر إسماعيل، وعبابسة، والمدني، وخرجوا بالقرارات التالية:

• السير إلى الأمام دون تردد وتواني إلى أن تجتمع هذه الجمعية.

• أن النادي سيكون مقرها الرسمي إلى أن تقيم الجمعية لنفسها مقرا خاصا.

• أن رجال النادي وراء الفكرة أدبيا وماديا وقانونيا([7]).

ويذكر المدني بأن الأعضاء المجتمعين كلفوه بتحضير (قانون أساسي للجمعية)، وأنه تمكن خلال ثلاثة أيام من إعداد مشروع القانون فوافق عليه أعضاء النادي([8]).

وبعد مراسلة أعضاء النادي الاجتماع كان أول إجتماع يوم 05 ماي 1931م في نادي الترقي.

ولعل ما يؤيد هذا الرأي أن نادي الترقي الذي كان الحاضن الأكبر لجمعية العلماء بدأ نشاطه، بل تأسس عند عودة أحمد توفيق المدني إلى الجزائر أثناء صيف سنة 1926.

وقد وصف أحمد توفيق المدني كيفية التأسيس، فذكر أنه أثناء حفل عشاء أقيم بمنزل السيد محمد بن المرابط -أكبر التجار الجزائريين- على شرفه بعودته إلى الجزائر، وضم هذا الحفل 32 رجلا من أعيان الجزائر وفضلائها، وأخذ الحديث مجراه حول وضعية الجزائر وحول حاضرها ومستقبلها، وقام السيد الحاج ماماد المانصالي، وشكر المدني بخطبه الواعظة الهادفة في حفل التكريم، وكذا جمعية الشبيبة وما أثاره في نفوس الجزائريين، واقترح على المدني بأن يكمل عمله بإنشاء جمعية أو ناد على أن يعينوه ويؤيدوه، وصادق جمع كبير على ماقاله المانصالي، فاقترح المدني إنشاء ناد ضخم كبير يقع في أحسن حي، ويؤثث أحسن تأثيث يلم الشمل، وفيه يجمع الناس كل يوم، وفي هذا النادي تتكون الأفكار وتظهر الآراء وتناقش المشاريع وتبدو الحركات الصالحة، فمن أراد النهضة الاقتصادية وجد حوله رجال الاقتصاد، ومن أراد الإصلاح الاجتماعي وجد من يبحث في الإصلاح، إلى غير ذلك من مواضيع النهضة والحياة.

فرد عليه السيد يوسف بن المرابط بأن الفكرة حسنة جدا لكنها مثل كل الأفكار تطفو على السطح حينا ثم ترسب ولا يبقى لها من أثر فما كان على المدني إلا أن قال: (إن الفكرة سهلة التنفيذ وقريبة الإدراك، ويلزمها ثلاثة أمور: المال وعندكم والحمد لله، والرجال وأنتم عصبة قوية من الرجال، والعزيمة وفيكم العزيمة الصادقة، فلو أردتم ولو عزمتم لكان لكم النادي في أقرب وقت)

وهنا أخذ الحاضرون يتناقشون وطال الحديث وتشعبت وتشاكست الآراء وتصادمت الغايات إلى أن هدأت الثائرة وخفت الحدة بعد ساعة فقال المدني: (الآن حسب رأيي عليكم أن تجربوا ليتكلف ثلاثة منكم بالبحث عن محل لائق محترم وفسيح وليتعهد جماعة منكم أو كلكم ببذل المال الكافي من أجل الإيجار والتأثيث ودفع التكاليف الأولى ثم لتعينّ لجنة لتحرير قانون أساسي يعرض على الاجتماع العام عند عقده)([9])

وهكذا تأسس النادي، وكان خير مثال على الإصلاح الشامل الذي استطاع أن يجمع الجزائريين بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم الفكرية، ولو أن الأمر استمر على ذلك النهج لكان واقع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مختلفا كثيرا عن الواقع الذي آلت إليه، والذي أدخلها في صراعات داخلية كثيرة شغلتها عن دورها الإصلاحي الأساسي الذي هو الحفاظ على الهوية، والوقوف في وجه المستعمر.

2 ــ عبد الحميد بن باديس:

لاشك في اعتبار الشيخ عبد الحميد بن باديس هو صاحب الفكرة الحقيقي عند أكثر المؤرخين، وخاصة من الموالين للجمعية، أو من الذين اقتصروا في مصادرهم على ما تورده الجمعية متلقين له تلقي المسلِّم.

ولعل خير من دافع عن هذا الرأي وأكده (محمد خير الدين)، وهو من أشد المقربين إلى الشيخين عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي([10])، فهو ينفي بقوة أن تكون فكرة تأسيس الجمعية لغير عبد الحميد بن باديس حيث يذكر أنه هو والشيخ مبارك الميلي كانا حاضرين حين دعا ابن باديس محمد عبابسة بقسنطينة، وأوكل إليه مهمة الدعوة إلى تأسيس جمعية العلماء المسلمين بالعاصمة مع مراعاة العناصر التي لا تثير أسماؤها الشبهات والشكوك لدى الإدارة الفرنسية أو مخاوف أصحاب الزوايا، وأن يوجه الدعوات إلى العلماء بنادي الترقي مع الحرص أن يكون ذلك سرا حتى يكتب للموضوع النجاح.

وحسب خير الدين فإن محمد عبابسة وجه الدعوة لكل من عمر بن إسماعيل الدلسي والشيخ محمد العاصمي، وأحمد توفيق المدني الذي كان صديقا لمبارك الميلي.

كما يذكر أن ابن باديس أفضى لهم بالسر وطلب كتمانه، كما أخبرهم بأنه لن يحضر الاجتماع في يومه الأول حتى يستدعى رسميا لحضور الاجتماع العام، وكان هدفه تجنب ردود فعل الإدارة وأصحاب الزوايا الذين يتحرجون بكل عمل يقوم به عبد الحميد ابن باديس([11]).

بل يذكر محمد خير الدين التحضيرات التي قام بها عبد الحميد بن باديس قبل التأسيس، وأهمها الاجتماع الذي دعا إليه عام 1928، وكانت الدعوة موجهه إلى العلماء والطلاب العائدين من جامع الزيتونة والمشرق العربي الذين تفرس فيهم الشيخ المؤهلات العلمية والعملية والقدرة القوية والاستعداد التام للعمل في إنجاز هذا المشروع.

وكان الاجتماع – كما يرويه الشيخ محمد خير الدين([12]) – في مكتب ابن باديس المجاور لمسجد الأربعين شريفا بقسنطينة، حيث ساد الحماس الفياض والعزيمة الصادقة في العلماء والطلاب، وأبدوا فيه الاستعداد لبداية عهد التضحية في سبيل الله ودينه والنهوض بالوطن، وافتتح ابن باديس الجلسة بخطبة عرض فيها على وجه الإجمال والإيجاز، خطوات فرنسا في طمس دين ولغة وهوية وقومية وشخصية الجزائريين، وذكرهم بتلك القوانين الجائرة التي تدرج المستعمر الفرنسي في إصدارها، حنكة منه في طور التغيير واقتلاع الجذور، وامتصاصا لردود الفعل المنتظرة من جراء كل قانون ابتداءًا من قانون تقسيم الجزائر وإلحاقها بالعمالات الفرنسية.. وذكر الشيخ العلماء بتلك المجاعة والجفاف التي عانت الجزائر منها سنة 1879 واستغلتها فرنسا في استمالة وتحويل المسلمين عن دينهم إلى الديانة النصرانية بقيادة الزعيم الروحي للمبشرين (الكاردينال لافيجري)

ويذكر خير الدين أن العلماء أجابوا كلهم باستعدادهم التام وشوقهم للتضحية في سبيل دينهم ووطنهم، وعرض الرئيس في الاجتماع خطة العمل الإدارية والعملية مسلطا الضوء فيها على وسائل وجبهات التضحية التي تفرضها الظروف والأحوال في الغالب، ونص على الدروس والوعظ لعامة المسلمين والكتابة في الصحف والمجلات للتوعية، وإنشاء النوادي للاجتماعات، وإلقاء الخطب والمحاضرات والاعتماد على الكشافة الإسلامية لعنصر الشباب، وتنمية روح النضال في الجزائريين، وهذه الوسائل هي عين الوسائل المعلن عنها بعد تأسيس الجمعية رسميا ما يؤكد قدم فكرة التأسيس للجمعية قبل موعدها الرسمي([13]).

ومن المؤيدين لهذا الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، بل إنه ذكر تاريخا أسبق من التاريخ الذي ذكره محمد خير الدين، ولا بأس أن ننقل بتصرف بعض ما ذكره هنا لنرى من خلاله الدوافع الحقيقية لتأسيس الجمعية، قال: (كنا نؤدّي فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي، ونخرج إلى منزلي، فنسمر مع الشيخ ابن باديس، منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح، ثم نفترق إلى الليلة الثانية، إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها بالمدينة المنوّرة.. كانت هذه الأسمار المتواصلة كلها تدبيرًا للوسائل التي تنهض بها الجزائر، ووضع البرامج المفصّلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صورًا ذهنية تتراءى في مخيلتينا، وصحبها من حسن النيّة وتوفيق الله ما حقّقها في الخارج بعد بضع عشرة سنة، وأشهد الله على أن تلك الليالي من سنة 1913 ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا في سنة 1931)([14])

ثم يذكر الشيخ محمد البشير الإبراهيمي كيف رجع الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى الجزائر، والخطوات التي قام بها لتنفيذ ما اتفقا عليه، فقال: (وشرع الشيخ بعد رجوعه من أول يوم في تنفيذ الخطوة الأولى من البرنامج الذي اتفقنا عليه، ففتح صفوفًا لتعليم العلم، واحتكر مسجدًا جامعًا من مساجد قسنطينة لإلقاء دروس التفسير، وكان إمامًا فيه، دقيق الفهم لأسرار كتاب الله، فما كاد يشرع في ذلك ويتسامع الناس به حتى انهال عليه طلاب العلم من الجبال والسهول إلى أن ضاقت بهم المدينة، وأعانه على تنظيمهم وإيوائهم وإطعام المحاويج منهم جماعة من أهل الخير ومحبّي العلم، فقويت بهم عزيمته)([15])

 ثم يذكر الثمار التي جناها الشيخ عبد الحميد بن باديس بعد سنوات من ذلك الجهد التعليمي والتربوي، والذي كان نواة لتحقيق ما اتفقا عليه، فقال: (ورأيت بعيني النتائج التي حصل عليها أبناء الشعب الجزائري في بضع سنوات من تعليم ابن باديس، واعتقدت من ذلك اليوم أن هذه الحركة العلمية المباركة لها ما بعدها، وأن هذه الخطوة المسدّدة التي خطاها ابن باديس هي حجر الأساس في نهضة عربية في الجزائر، وأن هذه المجموعة من التلاميذ التي تناهز الألف هي الكتيبة الأولى من جند الجزائر، ولمست بيدي آثار الإخلاص في أعمال الرجال، ورأيت شبانًا ممن تخرّجوا على يد هذا الرجل وقد أصبحوا ينظمون الشعر العربي بلغة فصيحة وتركيب عربي حرّ، ومعان بليغة، وموضوعات منتزعة من صميم حياة الأمّة، وأوصاف رائعة في المجتمع الجزائري، وتشريح لأدوائه، ورأيت جماعة أخرى من أولئك التلامذة وقد أصبحوا يحبرون المقالات البديعة في الصحف، فلا يقصرون عن أمثالهم من إخوانهم في الشرق العربي، وآخرون يعتلون المنابر فيحاضرون في الموضوعات الدينية والاجتماعية، فيرتجلون القول المؤثّر، والوصف الجامع، ويصفون الدواء الشافي بالقول البليغ)([16])

ثم يذكر مؤازرته لابن باديس في التحضير لتأسيس الجمعية، فقال: (وحللت بلدي وبدأت من أول يوم في العمل الذي يؤازر عمل أخي ابن باديس… بدأت أولًا بعقد الندوات العلمية للطلبة، والدروس الدينية للجماعات القليلة، فلما تهيّأت الفرصة انتقلت إلى إلقاء الدروس المنظّمة للتلامذة الملازمين، ثم تدرّجت لإلقاء المحاضرات التاريخية والعلمية على الجماهير الحاشدة في المدن العامرة والقرى الآهلة، وإلقاء دروس في الوعظ والإرشاد الديني كل جمعة في بلد، ثم لما تمّ استعداد الجمهور الذي هزّته صيحاتي إلى العلم، أسّست مدرسة صغيرة لتنشئة طائفة من الشبان نشأة خاصة وتمرينهم على الخطابة والكتابة وقيادة الجماهير بعد تزويدهم بالغذاء الضروري من العلم)([17])

بهذا التأريخ الذي ذكره الإبراهيمي يتبين لنا أن التاريخ الحقيقي لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين انطلق من الفترة التي كان فيها ابن باديس والإبراهيمي بأرض الحجاز، وكان للفكرة ما بعدها من الجهد العام والخاص لتوفير الأرضية الصالحة لاستقبال الجمعية ورعايتها.

وهذا لا يعني أننا نرجح أن ابن باديس والإبراهيمي هما المؤسسان الحقيقيان للجمعية، وإنما نرجح أن هناك شعورا بين طبقات من المثقفين الجزائريين من أصحاب الاتجاه الإسلامي بضرورة تنظيم أنفسهم مثلما حصل بين تيارات أخرى في الجزائر.. أو مثلما حصل خارج الجزائر من تنظيمات إسلامية.

3 ــ الطيب العقبي:

يعتبر الطيب العقبي من أكثر الأعضاء البارزين في الجمعية قبل تأسيسها، بما كان يملكه من قدرات خطابية عالية، وبما كان يملكه من شخصية قوية استطاع بها أن يقتحم محال كان من الصعب على العلماء اقتحامها، وهو يمثل – كما سنرى في محله – شخصية الداعية النجدي الوهابي، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، في مقابل ابن باديس الذي كان يمثل دور محمد عبده ورشيد رضا وغيرهم من أصحاب المدرسة التنويرية.

وقد أشار إلى هذا مالك بن نبي عندما ذكر عن نفسه تأثره الشديد بالشيخ العقبي وتفضيله عليه في شبابه على الشيخ عبد الحميد بن باديس، فقال: (كان الشيخ العقبي يبدو في ناظري بدويا بينما يبدو الشيخ ابن باديس بلديا، وحين بدأت فيما بعد معركة الإصلاح وكنت أحد المشتركين فيها، بقيت أحمل في أعماقي شيئا من التحفظ تجاه ابن باديس وبعض الأسى لكون الشيخ العقبي لا يقود تلك الحركة ولا يرأس جمعية العلماء)([18])

وإلى اعتبار الطيب العقبي هو المؤسس الحقيقي للجمعية ذهب بعض الباحثين في تاريخ الجمعية([19])، ولعل ما يدل لهذا الرأى الوجيه الدور الكبير الذي لعبه الشيخ العقبي في نادي الترقي قبل تأسيس الجمعية.

فقد ذكر المؤرخون للنادي وللجمعية التغيير الذي أحدثه الطيب العقبي للنادي بعد انتقاله إليه بدعوة من أعضاء هيئة النادي التي أعجبت بفصاحته الراقية في اللغة العربية على اثر تأبينية ناصر الدين ديني([20]) ببوسعادة([21]).

بعد هذا التف أعيان الجزائر المصلحون حوله وأكرموه وجعلوا له مرتبا من صندوق النادي يكفيه، ثم اشتروا له دارا حسنة في حي (سانتوجين)([22])

في هذه الأجواء بدأ العقبي نشاطه بنادي الترقي، وقد قدرت محاضراته الأسبوعية فيه بأكثر من خمس محاضرات، هذا علاوة عن الحلقات والندوات التي كان يعقدها من حين لآخر مع جماعة النادي وبعض الأعيان من مختلف الولايات الأخرى وكلها تعالج الطرح الجديد للإصلاح ([23]).

وقد لقيت دعوة العقبي الإصلاحية الإقبال الكبير وعمرت دروسه بالمؤمنين بها، كما استقطبت حركته عنصر الشباب وكذلك عمال الميناء الذين واضبوا على الاستماع إليه وأصبحوا الجند الواقي لحركته حتى أسماهم العقبي بـ (الجيش الأزرق)([24])

بل حتى الحركة الكشفية استطاع العقبي أن يستقطبها من خلال تدعيمه وتوجيهاته لها، ومن خلال توافد شبابها على نادي الترقي، وقد ذكر محمد بوراس زعيم الكشافة الإسلامية أنه كانت له علاقة بالعقبي، وكان من مناصريه سواء بالنادي أو بالخارج، واتضح ذلك في حضور بوراس لنشاطات العقبي سنة 1936م أثناء تحضيراته للمؤتمر الإسلامي([25]).

وقد ذكر مالك بن نبي تأثير العقبي على العاصمة، فقال: (… حتى وصلنا تحت لافتة (نادي الترقي) وربما كانت أول لافتة بالخط العربي في العاصمة كما قال له الدليل أنه من مريدي العقبي في هذا النادي حيث يعطي درسه كل مساء… ولم تكن ظاهرة التغير التي شهدتها العاصمة على وجه رجل الشارع وفي هيئته وكلامه وفي هذه اللافتة المكتوبة بالخط العريض، لم تكن تعني لي إلا شيئا واحدا هو أن موجة الإصلاح قد وصلت إلى هنا)([26])

4 ــ عمر إسماعيل:

قد يستغرب البعض طرح اسم (عمر إسماعيل)([27])هنا، خاصة وهو اسم غير معروف للكثير، ولكنا مع ذلك نطرحه باعتبارين:

الأول: أنه – مع كونه محسوبا على الجناح الصوفي – تولى مناصب حساسة في إدارة الجمعية في أول تأسيسها، فقد ترأس اللجنة التأسيسية، وترأس لجنة العمل الدائم في السنة الأولى من تأسيس الجمعية، وكان يمكن لو استمر في هذه الوظائف الخطيرة أن يحمي الجمعية من كثير من التقلبات التي حصلت فيها، فقد كان يجمع بين التوجه الصوفي والتوجه الإصلاحي، وبالتالي كان أكثر أعضاء الجمعية قدرة على استيعاب كل أطياف التوجهات الفكرية الجزائرية.

الثاني: أن هناك من الباحثين المحترمين وشهود العيان من أخبر بهذا، بل صار يطالب به، فقد نشرت جريدة ليبرتي (Liberté) الصادرة باللغة الفرنسية، في عدديها الصادرين يومي الجمعة 4 والسبت 5 ماي 2012، وكذلك يومي الجمعة 11 والسبت 12 ماي 2012، مقالا في حلقتين من تأليف الكاتب (عبد الحكيم مزياني)، الذي يشغل منصب نائب رئيس مؤسسة القصبة.

والمقال عبارة عن تغطية للنشاط الذي نظمه المقهى الأدبي لمؤسسة قصبة الجزائر، الذي عقد بمناسبة إحياء الذكرى الواحدة والثمانين لتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد كان عنوان المقال (تكريم القصبة لجمعية العلماء ومؤسسها الشيخ عمر إسماعيل)

ولم يكن هذا العنوان خطأ من الكاتب أو الناشر، وإنما هو عنوان مقصود، وقد ذكر فيه إجماع الشهود من أصدقاء وأقارب (عمر إسماعيل)على أن فكرة تأسيس الجمعية تعود لعمر إسماعيل مشددين على ضرورة استعادة حقوقه التاريخية.

وقد ذهب الكاتب إلى أكثر من ذلك حين ذكر أن الإدارة الاستعمارية تعمدت إبعاد العناصر الصوفية، وقربت الإصلاحيين من ذوي التوجه السلفي لتمنحهم تسيير مراكز العبادة تطبيقا لقانون 1905 الذي يفصل بين الدين والدولة، منحازة بذلك لجانب الجناح الإصلاحي على حساب الجناح الصوفي في الجمعية.

ونحن مع احترامنا لهذا الرأي إلا أنا لا نرى ما ذكره من الأدلة كافيا، بل القضية تحتاج إلى المزيد من البحث والأدلة بعيدا عن التحيز والتعصب.

ونأسف في نفس الوقت كثيرا لما قوبل به هذا الرأي المحترم الوجيه من طرف جمعية العلماء الجديدة، فقد حملت في موقعها على الإنترنت حملة شنيعة على الكاتب وعلى الجمعية، وعنونت حملتها بعنوان (ماذا وراء محاولة اختطاف جمعية العلماء؟!)([28]) وهو ناشئ للأسف من النظرة التقديسية للتاريخ، والتي لا تتيح لنا مراجعة الحقائق بعيدا عن كل تعصب.

وكل ما ذكره الكاتب من أدلة هو مجموعة خطابات تعودنا عليها لا تحمل أي طابع علمي، فهو ينتقل ــ مثلا ــ من مناقشة الفكرة إلى الحديث عن صاحبها، فيقول: (الاستغراب يأتي من كون أن الحقيقة التي يعرفها العرب والعجم، ويعتقد بصحتها جل المؤرخين لحركة الإصلاح الوطني وتاريخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، هي أن الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس – عليه رحمة الله- هو مؤسس جمعية العلماء المسلمين، فهل يكفي مقال لكاتب لامع وصحفي مخضرم ومقتدر في القضايا الثقافية ينصب اهتمامه -حسب ما قرأنا له- على شؤون الفن والسينما، والقضايا الأدبية أن يقلب حقائق معروفة وموثقة منذ 80 سنة؟!)

وهو – ثانيا- يرجع في مصادره إلى المصادر التي لا يمكن الاعتماد عليها وحدها، باعتبارها طرفا من الأطراف، فهو يذكر مثلا (الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الرئيس الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومذكرات الشيخ محمد خير الدين، أحد مؤسسي جمعية العلماء وأعضائها القياديين، والدكتور أبو القاسم سعد الله، المؤرخ الجزائري المعروف، وكل هؤلاء مشهود لهم باستقامتهم الدينية، وأمانتهم العلمية، وسعة إطلاعهم على قضايا وخفايا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)

ونحن لا ننكر هنا ما ذكره هذا الكاتب، وما ذكرته تلك المصادر، ولكنا في نفس الوقت لا نستطيع أن ننكر ما ذكره غيرهم، ولذلك نرى أن المنهج العلمي يجعلنا نحترم كل الآراء، ولا نقدس أحدا منها مهما كان، ولا نعتبر من خالفنا مختطفا مهما كانت صفته، ما دام يعتمد في ذلك على المنهج العلمي.

ثانيا ــ جلسات التأسيس:

بغض النظر عن صاحب الفكرة فإنه بعد أقل من سنة على مرور الاحتفالات المئوية للاستعمار الفرنسي، والتي كانت بمثابة الشرارة التي ساعدت في إخراج الفكرة إلى الوجود([29])، عقدت الجلسة التمهيدية لوضع أسس وهيئات الجمعية صبيحة يوم الثلاثاء على الساعة الثامنة صباحا الموافق لـ 5 مـاي 1931 م.

وقد حضر حفل التأسيس 702 عالما وطالب علم من مختلف أنحاء القطر الجزائري بدعوة من اللجنة التأسيسية، وعلى رأسها عمر إسماعيل، وكان الاجتماع يهدف إلى وضع القانون الأساسي للجمعية، فعينوا للرئاسة المؤقتة أبا يعلي الزواوي، وللكتابة محمد الأمين العمودي الذي تلى القانون فأقرته الجمعية بالإجماع.

وفي المساء من نفس اليوم أعيد الاجتماع لانتخاب الهيئات الإدارية، طبقا للقسم الثالث والفصل السابع من القانون الأساسي وقد اعتمدت طريقة الاقتراع لاختيار الأعضاء وهم: عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، والطيب العقبي، ومحمد الأمين العمودي، ومبارك الميلي، وابراهيم بيوض، ومولود الحافظي، ومولاي بن شريف، والطيب المهاجي، والسعيد الياجوري، وحسن الطرابلسي، وعبد القادر القاسمي، ومحمد الفضيل الورتيلاني، وحددت لهؤلاء مهمة اختيار المهام فيما بينهم.

وتم سن القانون الأساسي للجمعية وانتخاب الهيئة الإدارية وانتخب ابن باديس غيابيا([30]) للرئاسة والإبراهيمي نائب له وللكتابة العامة محمد الأمين العمودي ولمساعدته العقبي والأمانة المالية للميلي والأستاذ إبراهيم بيوض مساعد له([31]).

وقد ضمت الجمعية في عضويتها اتجاهات مختلفة كان بعضها إصلاحيا مجددا، وكان البعض الآخر يمثل المحافظين (كان رؤساء زوايا 06 طرق صوفية هامة في البلاد أعضاء مساعدين في المجلس الإداري للجمعية)

يقول الإبراهيمي: (فانتخب المجلس الإداري من رجال أكفاء جمعتهم وحدة المشرب ووحدة الفكرة)([32])

وفي اليوم الثاني الموافق لـ 06 مــاي 1931م عقدت الهيئة الإدارية أول جلسة بنادي الترقي برئاسة محمد البشير الإبراهيمي، وقد حضر الاجتماع كل الأعضاء ما عدا الأستاذين، عبد الحميد بن باديس، وحسن الطرابلسي، وتم خلال الجلسة إعادة النظر في القانون الأساسي، وأقر بالإجماع، وقرر ترجمته للغة الفرنسية للمصادقة عليه([33])، وفي اليوم الثالث عقدت الهيئة الإدارية بحضور عبد الحميد بن باديس، وعرضت عليه لائحة الأعمال السابقة([34]).

ثالثا ــ قانون الجمعية:

لقد ذكرنا أن هناك اختلافا في واضع قانون الجمعية، فالكثير يذكر أنّه من انجاز الإبراهيمي بطلب من ابن باديس، أما أحمد توفيق المدني فيذكر في مذكراته بأنّه هو من كّلف شخصيا بوضع هذا القانون، وبطلب من أعضاء نادي الترقي، ويقول في ذلك: (كلفتني الجماعة بإيجاد قانون أساسي بسيط للجمعية، أعرضه عليهم بعد أيام)، ثم يضيف: (أما أنا، فقد اعتكفت في مكتبتي ثلاثة أيام سطرت فيها للجمعية قانوﻧﻬا الأساسي بما لا يخرج عن نطاق القوانين المعروفة الأخرى)([35])

بغض النظر عمن كتب القانون، فقد تمت صياغته تبعًا لنظام وقواعد الجمعيات المبينة بالقانون الفرنسي المؤرخ بأول جويلية سنة 1901 م، وقد كان مقسما إلى 5 أقسام و23 فصلا، حدّد في القسم الأول اسم الجمعية ومقرها، أما القسم الثاني فحدّدت مقاصد هذه الجمعية وغاياﺗﻬا وأهدافها، والقسم الثالث تطرق إلى أعضاء الجمعية، والقسم الرابع تطرق إلى مالية الجمعية وكيفية إدارﺗﻬا، أما القسم الأخير فوضّح فيه الاجتماعات الإدارية والعامة، وكيفية تسييرها([36]).

وقد وصف الشيخ الإبراهيمي هذا القانون، وكيف سهر على إنجازه وتأثيره على أعضاء الجمعية وغيرهم بعد تقديمه لهم، فقال: (كلّفني إخواني أعضاء المجلس الإداري في أول جلسة أن أضع للجمعية لائحة داخلية نشرح أعمالها كما هي في أذهاننا لا كما تتصوّرها الحكومة وأعوانها المضلّلون منا، فانتبذت ناحية ووصلت طرفي ليلة في سبكها وترتيبها، فجاءت في مائة وسبع وأربعين مادة، وتلوتها على المجلس لمناقشتها في ثماني جلسات من أربعة أيام، وكان يحضر الجلسات طائفة كبيرة من المحامين والصحافيين العرب المثقفين بالفرنسية، فأعلنوا في نهاية عرض اللائحة إيمانهم بأن العربية أوسع اللغات، وأنها أصلح لغة لصوغ القوانين ومرافعات المحامين، وكأنما دخلوا في الإسلام من ذلك اليوم، وخطب الرئيس عند تمام مناقشة اللائحة وإقرارها بالإجماع خطبة مؤثّرة أطراني فيها بما أبكاني من الخجل، وكان مما قال: عجبت لشعب أنجب مثل فلان أن يضلّ في دين أو يخزى في دنيا، أو يذلّ لاستعمار. ثم خاطبني بقوله: وري بك زناد هذه الجمعية)([37])

المطلب الثاني: جمعية العلماء في عهد ابن باديس وأهم منجزاتها:

يذكر تلميذ ابن باديس الشيخ محمد الطاهر فضلاء محاولات الاستعمار الفرنسي الساعية لنزع الرئاسة عن ابن باديس، وما قام به في هذا الصديد من إغراءات، وكيف قاوم ابن باديس كل تلك الإغراءات بقوة وشجاعة([38])، فذكر أنه بعد تأسيس الجمعية رسمياً، وبروز خطها الإصلاحي الجهادي، استدعى الوالي العام (ميرانت) بقسنطينة الشيخ ابن باديس ووالده مصطفى بن باديس، وعرض على الشيخ أن يختار لنفسه أية وظيفة يرغب فيها (مفتي أكبر.. أو قاضي قضاة مثلا) على شرط واحد هو أن يتخلى عن رئاسة جمعية العلماء، قائلا له: (يا شيخ اترك عنك هذا العارـ اخرج من هذه الحشومة، ودع هذه الجماعة المسكينة التي جمعها عدو فرنسا بالنادي، فليس هؤلاء الرجال رجالك، وليست هذه الحثالة من الطلبة ممن يفتخر العالم بالانتساب لهم، أو أن يكون رئيسًا عليهم) وأمام هذا الاقتراح تأجج شعور الإمام ضد الوالي، وحاول الرد عليه، لولا وقوف والده وبكائه وإلحاحه عليه بقبول العرض بسبب أن الأسرة مقبلة على الإفلاس وأنه بقبوله تعلن الحكومة الفرنسية استعدادها لعملية الإنقاذ، بإضافة مساعدة مالية قصد تحسين الأوضاع الفلاحية والاقتصادية.

واقتضت حكمة الإمام ابن باديس، أن طلب فرصة قصيرة للتفكير والاستخارة حتى الصباح الموالي.. وخرج الإمام دار الولاية العامة، متأثرًا منفعلاً باكيًا مدركًا السر الإلهي في يتم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منذ صباه الأول، يقول: (اليوم فقط عرفت السر، وعرفت معه كيف يكون الابتلاء بالنعمة وبالنقمة معًا، وبالخير والشر معًا وصدق الله القائل: (وَنَبلُوكُم بِالشَرِّ والخَيرِ فِتْنَة وَإلَيْنَا تُرجَعُونَ)

وفي اليوم الموال كتب ابن باديس جوابه إلى ميرانت قال له فيه: (اقتل أسيرك يا ميرانت، أما أنا فمانع جاري! اقتل يا ميرانت مصطفى بن باديس، واقتل معه عبد الحميد بن باديس، واقض على كل أسرة ابن باديس، إن منحك الله هذه القدرة، ولكنك لن تصل ابدًا إلى قتل جمعية العلماء بيدي، لأن جمعية العلماء ليست جمعية عبد الحميد بن باديس، وإنما هي جمعية الأمة الجزائرية المسلمة، وما أنا فيها إلا واحد، أتصرف باسم الأمة كلها. ومحال أن أتصرف تصرفًا أو أقف موقفًا يكون فيه قتل الجمعية على يدي. أقول هذا، وحسبي الله ونعم الوكيل)([39])

ونحن لا ننكر هذه الرواية، ولكنا في نفس الوقت نرى أن الاستعمار الذي أباد ملايين الجزائريين، واستطاع بحيله ومكره أن يغتال من يشاء وكيف يشاء لم يكن محتاجا إلى أي إغراء ليحقق مقاصده ما دامت لديه تلك الأسلحة التي أباد بها الملايين.

بالإضافة إلى هذا، فإن جمعية العلماء كانت بحاجة إلى رجال أقوياء لتولي تلك المناصب الرفيعة، وكان يمكن حينها من باب الحنكة والسياسة أن يقبل بها ابن باديس، ثم يفوض رئاسة الجمعية لأي عضو من أعضاء الجمعية المقتدرين وما أكثرهم، وبالتالي تكسب الجمعية طابعا رسميا بالإضافة إلى طابعها الحر.

لكن مع ذلك، فإن الرواية التي ذكرها فضلاء ترسم صورة لشخصية ابن باديس القوية، والتي استطاعت أن تجعل من الجمعية في فترة رئاسته لها جمعية لها سمعتها في الجزائر جميعا، بل وصلت سمعتها إلى غيرها من البلاد العربية.

بالإضافة إلى هذه الصورة الممتلئة بالقوة نجد صورة أخرى ممتلئة بالتسامح وضحها في خطبة له قالها بعد انتخابه رئيسا للجمعية، ومما جاء فيها: (إخواني، كنت أعد نفسي ملكاً للجزائر أما اليوم فقد زدتم في عنقي ملكية أخرى، فاللهَ أسأل أن يقدرني على القيام بالحق الواجب.. إخواني إنني أراكم في علمكم واستقامة تفكيركم لم تنتخبوني لشخصي، وإنما أردتم أن تشيروا بانتخابي إلى وصفين عرف بهما أخوكم الضعيف هذا: الأول إنني قَصَرْتُ وقتي على التعليم فلا شغل لي سواه فأردتم أن ترمزوا إلى تكريم التعليم إظهاراً لمقصد من أعظم مقاصد الجمعية وحثاً لجميع الأعضاء على العناية به كل بجهده، الثاني: أن هذا العبد له فكرة معروفة، وهو لن يحيد عنها ولكنها يبلغها بالتي هي أحسن، فمن قبلها فهو أخ في الله، ومن ردها فهو أخ في الله، فالأخوّة في الله فوق ما يقبل وما يرد، فأردتم أن ترمزوا بانتخابي إلى هذا الأصل، وهو أن الاختلاف في الشيء الخاص لا يمس روح الأخوة في الأمر العام)([40])

انطلاقا من هاتين الصفتين في شخصية ابن باديس نحاول في هذا المطلب أن نذكر ثلاث مواقف مهمة للجمعية في عهده([41])، كنمــــــــــــــــــــــــــاذج عن أنــــــــــــــــواع الحركة التي كانت تتحرك بها الجمعية([42])، باعتبار أن الكثير من المؤرخين يعرضها باعتبارات من الإنجازات الكبرى إما للجمعية جميعا، أو لابن باديس خصوصا، ونحب أن نعرضها هنا كما هي، وبوجهات النظر المختلفة:

أما أولهما، فيتعلق بعلاقة الجمعية مع الطرق الصوفية.

وأما الثاني، فيتعلق بالمطالب السياسية للجزائريين، وهي تتعامل في هذا الحالة مع المستعمر الفرنسي.

وأما الثالث، فيتعلق برفض الجمعية لبرقية التأييد لفرنسا في حربها مع ألمانيا.

وسنذكر الكثير من المنجزات والمواقف الأخرى في الميادين المختلفة عند الحديث عن مشروع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الإصلاحي في الباب الثاني من هذه الرسالة.

أولا ــ استبعاد المحافظين من الجمعية:

لقد كان من أولى منجزات الفترة التي ولي فيها ابن باديس قيادة جمعية العلماء استبعاد المحافظين من الجمعية، والذين يشملون خصوصا على رجال الطرق الصوفية، والذين كانوا يشكلون جزءا مهما من الجمعية عند تأسيسها.

وبما أنا سنذكر هذا الموقف ونتائجه وأسبابه بتفصيل في الفصل التالي لهذا الفصل عند ذكر العلاقة الرسمية بين الجمعية والطرق الصوفية، فإنا سنكتفي هنا بسرد الحادثة كما ذكرها محمد الصالح آيت علجت فقد ذكر مختصرا ما حدث في ذلك اليوم وأسبابه، فقال: (كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تضم اتجاهين في تشكيلتها: المحافظون والإصلاحيون، فالمحافظون هم المنتمون إلى شيوخ الزوايا والمرابطين والعلماء الذين لم يتأثروا بالحركة النجدية الوهابية التي كان للكثير من علماء الاتجاه الإصلاحي اتصالٌ بها حين وجودهم في الحجاز كالشيوخ السادة: ابن باديس والعقبي والإبراهيمي، زعماء حركة التجديد الذي لم يقبله العلماء المحافظون، فكانت بين الاتجاهين هجومات متبادلة عبر التجمعات والندوات وفي الصحف. وبإنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931، التزم الفريقان بالكف عن النزاع والمجادلة في المسائل الخلافية وإحلال الوئام والصفاء اللذان لم يستمرا أكثر من سنة لتعود تلك الصراعات المذهبية والخوض في الجزئيات والبحث عن الأسباب المثيرة للجدل بين الفريقين، ما جعل الخلاف بينهما يستفحل، ويليه استدعاء الشيخ عبد الحميد بن باديس للشرطة للتدخل على أثر الانقسام العلني الذي حدث في جلسة الجمعية بتاريخ 24 – 05 – 1932، ليخرج المحافظون (الطرقيون) على أثر هذا الاجتماع من الجمعية)([43])  

وقد اعتبر الشيخ الإبراهيمي بأن هذا الانشقاق الذي حصل في أوساط الجمعية تمحيصا لها من رجال الطرق الصوفية الذين أرادوا اختراقها، فقال: (ولما جاء أجل الانتخاب للدورة الثانية هجم العليويون ومن شايعهم على ضلالهم تلك الهجمة الفاشلة بعد مكائد دبروها، وغايتهم استخلاص الجمعية من أيدي المصلحين، وجعلها طرقية عليوية واستخدامهم هذا الاسم الجليل في مقاصدهم الخاطئة كما هي عادتهم في إِلباس باطلهم لباس الحق، ووقف المصلحون لتلك الهجمة وقفة حازمة أنقذت الجمعية من السقوط ومحصتها من كل مذبذب الرأي مضطرب المبدأ، وتألف المجلس الإداري من زعماء الإصلاح وصفوة أنصاره، ورأى الناس عجيب صنع الله في نصر الحق على الباطل)([44])

وقد كان لهذه الحادثة تأثيرها الكبير على العلاقة بين الجمعية والطرق الصوفية – كما سنرى ذلك في الفصل الثالث من هذا الباب – ومما زاد في آثارها سوءا استدعاء ابن باديس للشرطة عند وقوع الهرج في نادي الترقي للمحافظة على الأمن، وقد انتقد في ذلك نقدا لاذعا وليم على استدعاء الشرطة (الفرنسية طبعا) لفض تنازع العلماء، لكن ابن باديس دافع عن الشرطة بحرارة([45]).

وكان من ضمن ما قال في دفاعه: (ارتباط الجزائر بفرنسا اليوم صار من الأمور الضرورية عند جميع الطبقات فلا يفكر الناس اليوم إلا في الدائرة الفرنسية، ولا يعلقون آمالهم إلا على فرنسا مثل سائر أبنائها ورغبتهم الوحيدة كلهم هي أن يكونوا مثل جميع أبناء الراية المثلثة في الحقوق كما هم مثلهم في الواجبات، وهم إلى هذا كله يشعرون بما يأتيهم من دولتهم مما يشكرونه، ومما قد ينتقدونه، وقد كنا نؤكد لهم هذا التعلق ونبين لهم فوائده ونبين لهم في المناسبات أن فرنسا العظيمة لا بد أن تعطيهم يوما- ولا يكون بعيداً- جميع ما لهم من حقوق وكنا لا نرى منهم لهذا إلا قبولا حسنا وآمالاً طيبة)([46])

وقد دافع سعد الله عن هذا الموقف الحرج الذي وقع فيه ابن باديس والجمعية، فقال: (ومن هنا يتضح أن موقف العلماء لم يكن سهلا، فقد كانوا يمشون على البيض كما يقول المثل الأجنبي، فهم من جهة كانوا يريدون تحقيق مبادئهم وأهدافهم بأية وسيلة مشروعة، ومن جهة أخرى كانوا واقعين تحت طائلة إجراءات استثنائية مستعدة لعرقلة سيرهم، بل وضعهم في قفص الاتهام، لذلك كانوا يناورون ما وسعتهم الحيلة والمناورة ويجاملون ولكنهم لا يتنازلون عن مبادئهم، ومن أجل ذلك اصطدموا مرات بالإدارة)([47])

ولسنا ندري ما هي الضرورة الداعية لاستعداء المستعمر على علماء أو طلبة علم وقع الخلاف بينهم، وكان يمكن أن يرفعوه بالحكمة واللين من غير أن يشوهوا سمعتهم بتدخل الشرطة الاستعمارية، بل بدعوتها للتدخل؟

هذا بعض ما حصل في ذلك اليوم التاريخي الذي صارت فيه الجمعية شيئا واحدا، وتمثل طرفا واحدا بعد أن كانت تمثل الجزائر جميعا، وسنعود إلى تفاصيل الحادثة كما يراها الطرفان، وخلفياتها ونتائجها في الفصل التالي لهذا الفصل باعتبارها حادثة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الجمعية والطرق الصوفية.

ثانيا ــ حضور المؤتمر الإسلامي:

يعتبر حضور الجمعية في عهد ابن باديس للمؤتمر الإسلامي في شهر جوان 1936 من أهم الأنشطة السياسية التي قامت بها الجمعية، والتي لقيت في نفس الوقت جدلا في مدى جدواها وتأثيرها.

وقصة هذا المؤتمر – باختصار – هي أنه في عام 1936م لوّحت فرنسا للجزائريين بمشروع (بلوم- فيوليت)([48]) الذي ينتقد السياسة الفرنسية السابقة، وفي مقترحات المشروع: إصلاح مستوى التعليم، تأمين نفس الحقوق التي للفرنسيين لبعض الجزائريين، إلغاء المحاكم الخاصة بالجزائريين.

وقد وقف الجزائريون مواقف مختلفة متباينة من هذا المشروع:

فبينما عارض المستوطنون معارضة شديدة هذه الإصلاحات، بل رفضوا مجرد التفكير في منح الشعب الجزائري أبسط الحقوق، ذهب أعضاء النخبة الجزائرية في اتجاه المطالبة بالمساواة في بعض الحقوق (كالتمثيل والانتخاب)

وفي مقابل هؤلاء تحفظ أعضاء حزب النجم على سياسة الجبهة الشعبية، وأبدوا مخاوفهم من نتائجها على مستقبل الجزائر([49]).

بين هذه المواقف رأت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن تقف موقفا وسطا، فلم تجار السلطة في مزاعمها، وفي نفس الوقت لم ترفض التعامل معها، وبناء على هذا دعت إلى انعقاد هذا المؤتمر([50])، لجمع كلمة الأمة وتوحيد صفوفها حول المسألة الوطنية، والتصدي لما يخطط له المحتلون، ويقوم به بعض الجزائريين تنفيذا لمخططات السلطة من ترويج لسياسة التغريب، ونشر أفكار الاندماج، والتساهل في شأن الذاتية([51]).

بعد هذا عقد المؤتمر الإسلامي بباريس، واجتمع هناك العلماء (الإبراهيمي، ابن باديس، والطيب العقبي) برجال دولة فرنسا، وبالصحافة الفرنسية، وبرجال نجم شمال إفريقيا، وكانت هذه فرصة للعلماء لإطلاع الساسة الفرنسيين على ما يجري بالجزائر.

وكان غالبية من حضر المؤتمر من دعاة الاندماج وأنصار مشروع (بلوم فيوليت)، ولذلك رأى المناصرون لحضور الجمعية لهذا المؤتمر أنه كان له أثر فعال في تعطيل الاندماج وإبراز الذاتية الإسلامية العربية الجزائرية، حيث جاء في مطالب المؤتمر ما يلي([52]):

1 ــ رفع جميع الأوضاع الخاصة مثل المتصرفيات ومجالس (الكريمينال)([53]) والمعاملات الخاصة مثل الانديجينه وأعطيات الجندية وزيادة مدة الخدمة العسكرية، والبرنامج الخاص بالتعلّم في المكاتب الابتدائية وغيرها، وحرمان عمّال الجزائر من كثير مما يتمتع به العمّال الفرنسيون.

2 ــ تسوية نواب الجزائريين بالنّواب الفرنسيين في جميع المجالس، مع توحيد النيابة البرلمانية بكلا المجلسين بحيث يشارك في انتخاب النوّاب البرلمانيين مشاركة فعلية جميع سكّان الجزائر على اختلاف أجناسهم وعقائدهم مع بقاء المسلمين على جميع ذاتياتهم الإسلامية.

3 ــ اعتبار اللغة العربية رسمية مثل اللغة الفرنسية، وتكتب بها مع الفرنسية جميع المناشير الرسمية، وتعامل صحافتها مثل الصحافة الفرنسية، وتعطى الحرية في تعليمها في المدارس الحرة مثل اللغة الفرنسية.

4- تسليم المساجد للمسلمين مع تعيين مقدار من ميزانية الجزائر لها يتناسب مع أوقافها. وتتولّى أمرها جمعيات دينية مؤسسة على منوال القوانين المتعلقة بفصل الدين عن الحكومة.

5 ــ تأسيس كلية لتعليم الدين ولسانه العربي لتخريج موظفي المساجد من أئمة وخطباء ومدرسين ومؤذنين وقيّمين وغيرهم.

6 ــ تنظيم القضاء بوضع مجلة أحكام شرعية على يد هيئة إسلامية، يكون انتخابها تحت إشراف الجمعيات الدينية، وإدخال إصلاحات على المدارس التي يتخرّج منها رجال القضاء، منها تدريس تلك المجلة والتحقق بالعلوم الشرعية الإسلامية، وطبع التعليم بطابعها لتكوين رجال يكونون من أصدق الممثلين لها.

وقد ذكر حمزة بوكوشة أنه عند مقابلة ابن باديس لوزير الحربية الفرنسي آنذاك، وتصريحه له بأنه لا يمكنه أن يوافق على إعطاء المسلمين الجزائريين النيابة في البرلمان مع محافظتهم على الشريعة الإسلامية في الحقوق الشخصية، وقال لهم: (إن فرنسا معها مدافع)، فقال له عبد الحميد: (والجزائر معها الله)([54])

وكتب عبد الحميد حينها مقالاً في الشهاب وصف فيه تلك المقابلات ختمه بذكر أهم نتيجتين تمخض عنها، وهي:

1 – أن الوفد أدى مطالب مؤتمر الأمة الجزائرية المسلمة بصدق وأمانة وشرف.

2 – أن فرنسا بحكومتها وأحزابها وصحافتها عرفت أن وراء البحر أمة جزائرية إسلامية تطالب فرنسا بحقوقها وتحافط تمام المحافظة على شخصيتها ومقومات شخصيتها([55]).

رغم عدم نجاح المؤتمر في تحقيق مطالبه إلا أنّ الجمعية ظلت حريصة عليه، وقد كان من أوائل ما أصيبت به الجمعية من الخيبة بعد الخيبة التي رجعت بها من المؤتمر هو ذلك الموقف الذي وقفه (ابن جلول) بسبب حادثة مقتل مفتي الجزائر (محمود بن دالي)([56])، المعروف بكحول، الذي كان ضمن وفد المؤتمر إلى فرنسا، وقد اتهم في قتله الشيخ الطيب العقبي.

ولم يكتف ابن جلول بخروجه من المؤتمر، بل ذهب بعيدا في خصومته للجمعية، إذ التجأ إلى الطرق الصوفية وأقام لهم في قسنطينة حفلا كبيرا.

ولما جاءت سنة 1937م كان المؤتمر الإسلامي ما زال متماسكا، رغم الحملة التي شنّت عليه من طرف ابن جلول ومن معه، وبقيت مطالب المؤتمر الأولى كما هي لم تتغيّر، وأضيف إليها مطالب أخرى، ولكنّ شيئا من هذا كلّه لم يتحقّق، فعقد اجتماع اللجنة التنفيذية للمؤتمر سنة 1937م، وتمخّض هذا الاجتماع عن قرارات مهمة منها: استقالة جميع النواب المسلمين وعدم مشاركتهم في المجالس المنتخبة اعتبارا من تاريخ الاجتماع، كما جدّدت اللجنة مطالبتها بحرية تعليم اللغة العربية وإيجاد المدارس الكافية للتعليم العام، والحرية المطلقة للوعظ والإرشاد، والتعليم في سائر المساجد.

وتكوّن وفد ضمّ الشيخ ابن باديس وفرحات عباس للذهاب إلى فرنسا، لعرض هذه المطالب على الحكومة الفرنسية، لكن فرنسا أجابت بالرفض، عندها أضربت الجمعية وصحفها عن الاهتمام بهذا المؤتمر، حيث لم تحقق من ورائه أي شيء.

وقد كانت هذه الأحداث محل مناقشة كثيرة بين مؤيد لهذا العمل الذي قامت به الجمعية، ورافض له يعتبر أن آثاره السلبية أخطر بكثير من آثاره الإيجابية، ولغل خير من يمثل هذا التوجه هو الأستاذ الكبير مالك بن نبي، الذي انتقد بشدة ما آلت إليه الأمور في المؤتمر الجزائري، وانتقد سير الجمعية مع القافلة السياسية.

ومهمة هذا النقد هو ما أبرزه من تصوير للواقع الجزائري في تلك الفترة، والذي صار (أكثر جدباً وأفشى قحطاً، لم تبق فيه تلك الرابطة التي كان المرء يشعر بها بين القلوب والعقول المجتمعة حول قضية في جو يضفي عليها القداسة… بل هذه القضية نفسها أصبحت كأنها ذابت وتبخرت في طوفان من كلام، إذ أصبح كل مقهى سوق عكاظ، وكل مائدة فيها أصبحت منصة يخطب من حولها بما شاء ولمن شاء وكيفما شاء)([57])

ويعزو ابن نبي سبب هذا التحول إلى تسليم (القيادة (المعمَّمة) زمام الأمر للقيادة (المطربشة([58])، حتى على رأس المؤتمر الجزائري الإسلامي، الذي ذهب أول ضحية لهذا التسليم، وبدأ ظهور (الجبهة الشعبية) بفرنسا يضيف مفعوله الخاص إلى الانهيار الذي حدث بالجزائر، فأصبح كل جزائري ذا اهتمام سياسي يعلن عضويته في الحزب الاشتراكي الفرنسي، حتى بعض هيئة أركان حزب الإصلاح) ([59])

ويذكر بقاء تأثير هذا الحدث على الجزائريين لعقود، فيقول: (وإنني لأرى، وأنا أحرر هذه السطور بعد مضي ثلث قرن، نتائج هذا الانحراف في المظاهرة الطلابية التي تمر هذه اللحظة في الشارع تحت نافذتي، منادية بسقوط شخصية عربية أعلنت اليوم استقالتها من الحكم بعد الهزيمة النكراء، بينما لم أر همة هذا الشباب تتحرك قبل أسبوع لينادي بسقوط (موشي دايان).. إن هذا الظرف يكشف عن ظاهرة الفرار من الواجب بالتظاهر والمظاهرات، تلك الظاهرة التي لم تكن بعد نتائجها واضحة في الميدان السياسي ولكنها أصبحت في منتهى الوضوح في الحقل النفسي)([60])

ويذكر مالك بن نبي أن الشيخ العربي التبسي، وهو من شيوخ الجمعية، كان يدافع عن ابن جلول باعتباره زعيماً سياسياً لا بد منه (وكان الرجل (بن جلول) يقوم علانية بدور من ينقض الغزل كلما غزله الشعب منذ ربع قرن)([61])

 والخلاصة التي يصل إليها مالك هي أن العلماء وهم الأمناء على مصلحة الشعب سلموا الأمانة لغيرهم، سلموها لمن يضعها تحت قدميه لتكون سلماً يصعد عليه للمناصب السياسية، سلموها للجناح القومي البرجوازي (فرحات عباس وأمثاله) الذي تقبلها منهم بكل سرور!

ويعتقد مالك أن العلماء لم يكن في استطاعتهم مواجهة هذا التيار لأنهم لا يشعرون به([62]) (ولأنهم لم يكونوا على جانب من الخبرة بوسائل الاستعمار في مجال الصراع الفكري حتى يفطنوا إلى هذا الانحراف، وربما كان هذا سبب فتور علاقاتي بهم خاصة مع الشيخ العربي التبسي)([63])

ويرى مالك أن الحركة الإصلاحية كان عليها أن تتعالى على أوحال السياسة والمطامع الانتخابية وأن من أسباب انجرارهم لهذه الأحوال هو شعورهم بمركب النقص إزاء قادة السياسة([64]).

وقد صدقت فراسة مالك بن نبي في ابن جلول، فقد كتب بعدئذ الشيخ الإبراهيمي يقول: (ولكن الرجل – ابن جلول- تملّكه الغرور، وتكشف عن خِلال كلها غميزة في وطنيّة السياسيّ، وكان أقوى الأسباب في سقوطه اصطدامه بجمعية العلماء، وهي التي كونته وأذاعت اسمه، وعبّدت له الطريق إلى النيابات، فأرادت الجمعية أن تستصلحه فلم ينصلح، فنبذت إليه على سواء)([65])

وما ذكره مالك بن نبي حول انزلاق الجزائر إلى أوحال التهريج السياسي عاد الإبراهيمي عام 1954 ليقر به وينتقده، يقول في ذلك: (وكأن الحكومة الاستعمارية التي تدرس نفسية الشعوب عرفت مواطن الضعف في النفسيّة الجزائرية، فرأت أن الانتخابات هي الفتنة الكبرى للزعماء وأتباعهم، فنَصَبَتها صنماً يصطرعون حوله، والغالب على الشعوب البدائيّة في السياسة أن تكون على بقيّة من وثنيّة، أصنامها الشخصيات، فيكون إحساسها تبعاً لإحساسهم ولو إلى الضياع والشر، وهذه هي الحالة السائدة في شرقنا)([66])

ونرى أن ما حدث للجمعية وما ذكره مالك بن نبي من آثار هو نفس ما تقع فيه حركات الإسلام السياسي حين تنصرف عن مهمتها الأساسية في تشكيل الأمة وتحصينها إلى ما يسميه مالك بن نبي بالزردات([67]) السياسية التي لا تقل خطرا عن الزردات الصوفية.

ثالثا ــ رفض برقية التأييد لفرنسا:

وقصتها كما يذكرها حمزة بوكوشة([68]) هي أنه سنة 1937 ظن الناسُ أن الحرب بين فرنسا وألمانيا على الأبواب، فبعثت جمعية الميعاد الخيري (هيئة متكونة من الأغوات والقياد)، وبعثت جماعة اتحاد الزوايا وغيرها من الهيئات برقية ولاء وتأييد للحكومة الفرنسية، وشذت جمعية العلماء عن ذلك، فكبر ذاك على الفرنسيين.

فطلبوا من الشيخ الطيب العقبي أن ترسل جمعية العلماء برقية ولاء ليُظهر المسلمون الجزائريون مظهر اتحاد ووفاق في موالاة فرنسا، فعرض القضية على الشيخ عبد الحميد بن باديس، فقال: (سينعقد الاجتماع العام للجمعية في هذه الأيام، وطبعاً يتقدم ذلك اجتماع المجلس الإدراي، وسأضع هذا الاقتراح في اجتماعه ليقول الأعضاء الإداريون كلمتهم)

وفي الاجتماع الإداري في 23 سبتمبر 1938 طرح عبد الحميد القضية بهدوء، وطلب من الأعضاء إبداء آرائهم، فكانت غالبية الآراء ضد كتابة البرقية، واستصوب العقبي إرسالها، وقال في تبريره لذلك: (الحرب على الأبواب، وإرسال البرقية يخفف من حدة الفرنسيين، فتسلم مدارسنا ونوادينا ومشاريعنا الخيرية، ونبقى على اتصال بأمتنا ولو في زمن الحرب)، وأخذ يدافع عن نظريته، فعارضه كثير من الأعضاء، وعبد الحميد معتصم بالسكوت.

ولما طالت المناقشة طلب عبد الحميد من الأعضاء التصويت برفع الأيدي، فكانت النتيجة أربعة أصوات منهم العقبي يقولون بإرسالها، واثني عشر يقولون بعدم إرسالها، واحتفظ عبد الحميد بصوته، ولما انتهت المناقشة حمد الله وأثنى عليه، وكان مما قاله: (لو كانت أغلبيتكم تؤيد إرسال البرقية ما كنتم ترونني في مجلسكم هذا بعد اليوم)

وانتقلت القضية من الاجتماع الإداري الخاص بالأعضاء الإداريين إلى الاجتماع العام الذي تحضره الجماهير، فقال عبد الحميد على رؤوس الملأ: (أقول صراحة – واجتماعنا هذا لا يخلو من جواسيس رسميين أو غير رسميين- إني لن أمضي البرقية ولن أرسلها ولو قطعوا رأسي، وماذا تستطيع فرنسا أن تعمل؟ إن لنا حياتين حياة مادية وحياة أدبية روحية، فتستطيع القضاء على حياتنا المادية بقتلنا ونفينا وسجننا وتشريدنا، ولن تستطيع القضاء على عقيدتنا وسمعتنا وشرفنا فتحشرنا في زمرة المتملقين، إننا قررنا السكوت)

وقد برر هذا الموقف بأن الحرب بين فرنسا وألمانيا (حقد الاستعمار بعضه على بعض، ورغبة بعضه في إثارة مستعبدي بعضه عليه، واستمالتهم إلى نفسه، لأنّ تلك الأمم المستضعفة، هي مادة حياته وأساس قوته، فهو يتقاتل من أجلها تنافسا عليها، لا رحمة بها، وإن تظاهر بالعطف والشفقة)([69])

وقد نتج عن هذه الحادثة آثار سلبية كثيرة على الجمعية، كان أولها استعفاء الشيخ الطيب العقبي من العضوية الإدارية لجمعية العلماء، واضطرار الجمعية إلى توقيف جريدة البصائر لكي لا ترغم على نشر ما لا ترضاه، فأعاد العقبي إصدار جريدته (الإصلاح) في 28 ديسمبر 1939 والتي استمرت إلى العدد 73 الصادر في 3مارس 1948.

المطلب الثالث: جمعية العلماء في عهد الإبراهيمي:

بعد وفاة ابن باديس لم يكن هناك شخص أولى وأقدر من الإبراهيمي على تولى ذلك المنصب الحساس، زيادة على أن القانون الأساسي للجمعية يقضي بتولية النائب في حالة وفاة الرئيس([70]).

وقد كان الإبراهيمي في تلك الأثناء منفيا بآفلو([71])، ولم ترفع عليه الإقامة الجبرية إلا سنة 1943، فانتخب كرئيس للجمعية غيابيا، وظل يشغل هذا المنصب إلى غاية اندلاع الثورة، رغم بعده عن الساحة.

ويمكن من خلال استقراء الأحداث والمواقف التي وقفتها الجمعية في عهد إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى (1939- 1944):

مع قيام الحرب العالمية الثانية، طالبت فرنسا كافة الهيئات الجزائرية بتأييد موقف فرنسا، لكن الجمعية رفضت، وكانت المواجهة مع السلطة الفرنسية مباشرة، ولهذا أصدرت السلطات قرارًا بإلغاء الجمعية عام 1940، وتوفي ابن باديس في نفس العام، وخلفه محمد البشير الإبراهيمي في رئاسة الجمعية، ولكنه اعتقل وعُذِّب في عام 1941، ثم قامت سلطات الاحتلال بنفيه إلى الصحراء، وفي عام 1946 عادت الجمعية إلى النشاط بعد الإفراج عن رئيسها.

وتتميز هذه الفترة بتجمد نشاط الجمعية فيها مثل سائر الأحزاب الجزائرية نتيجة الحرب العالمية الثانية، حيث خضعت إلى الأحكام العرفية.

ونحب أن ننقل هنا بتصرف تصوير الشيخ الإبراهيمي لتلك الفترة وما حصل فيها من أحداث، لأنها – بالإضافة إلى تصويرها الواقع الجزائري في ذلك الحين بدقة – تصور كذلك الفكر الثوري الذي كان يحمله الإبراهيمي، وكان يقود الجمعية على أساسه.

يقول ذاكرا الفترة التي كان فيها في الغرب الجزائري: (بلغت إدارة الجمعية وهي في مستهل حياتها من النظام والقوة مبلغًا قويًّا بديعًا فأصبحنا لا نتعب إلّا في التنقل والحديث، أما الحكومة الاستعمارية فإننا بنينا أمرنا من أول خطوة على الاستخفاف بها وبقوانينها، وقد كنا نعلن في جرائدنا كل أسبوع بأن القوانين الظالمة لا تستحق الاحترام من الرجال الأحرار، ونحن أحرار فلتفعل فرنسا ما شاءت، وكان هذا الكلام ومثله أنكى عليها من وقع السهام لأنها لم تألف سماعه، وقد اطمأنت إلى أن الشعب الجزائري قد مات كما صرح بذلك أحد ساستها الكبار في خطبة ألقاها على ممثلي الأمم في المهرجان الذي أقامته في عيدها المئوي لاحتلال الجزائر، وكان مما قال: (لا تظنوا أن هذه المهرجانات من أجل بلوغنا مائة سنة في هذا الوطن، فقد أقام الرومان قبلنا فيه ثلاثة قرون، ومع ذلك خرجوا منه، ألا فلتعلموا أن مغزى هذه المهرجانات هو تشييع جنازة الإسلام بهذه الديار)([72])

ثم يذكر تأثير ذلك السلوك الثوري عليه وعلى الجمعية، فيقول: (ولما ضاقت فرنسا ذرعًا بأعمالي ونفد صبرها على التحديات الصارخة لها، وأيقنت أن عاقبة سكوتها عنا هو زوال نفوذها وخاتمة استعمارها، اغتنمت فرصة نشوب الحرب العالمية الثانية، وأصدر رئيس وزرائها إذ ذاك “دالاديى” (Daladier) قرارًا يقضي بإبعادي إلى الصحراء الوهرانية إبعادًا عسكريًا لا هوادة فيه، لأن في بقائي طليقًا حرًا خطرًا على الدولة، كما هي عبارته في حيثيات القرار، ووكل تنفيذ قراره للسلطة العسكرية فنقلوني للمنفى في عاشر أفريل سنة 1940، وبعد استقراري في المنفى بأسبوع تلقيت الخبر بموت الشيخ عبد الحميد بن باديس- رحمه الله- بداره في قسنطينة بسرطان في الأمعاء، كان يحس به من سنوات ويمنعه انهماكه في التعليم وخدمة الشعب من التفكير فيه وعلاجه، وقد شيع جنازته عشرات الألوف من الأمة رغمًا عن قسوة الأحكام العسكرية وقت الحرب)([73])

ثم يذكر انتخاب الجمعية له بإجماع، فيقول: (واجتمع المجلس الإداري للجمعية ورؤساء الشُّعَب يوم موته وانتخبوني رئيسًا لجمعية العلماء بالاجماع، وأبلغوني الخبر وأنا في المنفى فأصبحت أدير الجمعية وأصرف أعمالها من المنفى بالرسائل المتبادلة بيني وبين اخواني بواسطة رسل ثقات) ([74])

المرحلة الثانية (1944-1956):

وتعتبر فترة نشاط واسع بالنسبة للجمعية، وخاصة في نشر رسالتها التعليمية من خلال مدارسها، ومساجدها رغم احتياجها للمال.

وقد ذكر الشيخ الإبراهيمي منجزاته فيها، فقال: (بقيت في المنفى ثلاث سنين تقريبًا، ولما أطلق سراحي من المنفى أول سنة ثلاث وأربعين كانت فاتحة أعمالي تنشيط حركة إنشاء المدارس، فأنشأت في سنة واحدة ثلاثًا وسبعين مدرسة في مدن وقرى القطر كله، كلها بأموال الأمة وأيديها، واخترت لتصميمها مهندسًا عربيّا مسلمًا فجاءت كلها على طراز واحد لتشهد للأجيال القادمة أنها نتاج فكرة واحدة) ([75])

ويذكر النشاط الكبير الذي بذلته الجمعية في بناء المدارس في ذلك الوقت، فقال: (وتهافتت الأمة على بذل الأموال لتشييد المدارس حتى أربت على الأربعمائة مدرسة، ولم أتخل بعد رئاستي للجمعية وخروجي من المنفى عن دروسي العلمية للطلبة وللعامة)([76])

ثم يذكر موقف المستعمر من هذا النشاط، فيقول: (ولما رأت فرنسا أن عقابها لي بالتغريب ثلاث سنوات لم يكف لكسر شوكتي، وأنني عدت من المنفى أمضى لسانًا وقلبًا وعزيمة مما كنت، وأن الحركة التي أقودها لم تزدد إلّا اتساعًا ورسوخًا، انتهزت فرصة نهاية الحرب ودبرت للجزائر ثورة مفتعلة فقتلت من الشعب الجزائري المسلم ستين ألفًا، وساقت إلى المعتقلات سبعين ألفًا معظمهم من أتباع جمعية العلماء، وألقت بي في السجن العسكري المضيق تمهيدًا لمحاكمتي بتهمة التدبير لتلك الثورة، فلبثت في السجن سنة إلّا قليل، ثم أخرجوني بدعوى صدور عفو عام على مدبري الثورة ومجرميها وكان من “زملائي” في السجن الدكتور شريف سعدان- رحمه الله-، والصيدلي فرحات عباس والمحامي شريف حاج سعيد وغيرهم)([77])

ثم يذكر النشاط المتزايد الذي قام به بعد خروجه من السجن، فقال: (ولما خرجت من السجن عدت إلى أعمالي أقوى عزيمة مما كنت، وأصلب عودًا وأقوى عنادًا، وعادت المدارس التي عطلتها الحكومة زمن الحرب، وأحييت جميع الاجتماعات التي كانت معطلة بسبب الحرب، ومنها الاجتماع السنوي العام، وأحييت جريدة (البصائر) التي عطلناها من أول الحرب باختيارنا باتفاق بيني وبين ابن باديس لحكمة، وهي أننا لا نستطيع تحت القوانين الحربية أن نكتب ما نريد، ولا يرضى لنا ديننا، وهمتنا، وشرف العلم، وسمعة الجمعية في العالم، أن نكتب حرفًا مما يراد منا، فحكمنا عليها بالتعطيل وقلنا: بيدي لا بيد عمرو، وحسنًا فعلنا، كذلك عطلنا مجلة (الشهاب) الناشرة لأفكار الجمعية)([78])

ويذكر الإبراهيمي النشاطات الكثيرة التي كان يقوم بها في الجمعية، فيقول: (كنت أقوم للجمعية بكل واجباتها، وأقوم للجريدة بكل شيء حتى تصحيح النماذج، وأكتب الافتتاحيات بقلمي، وقد تمر الليالي ذوات العدد من غير أن أطعم النوم، وقد أقطع الألف ميل بالسيارة في الليلة الواحدة، وما من مدرسة تفتح إلّا وأحضر افتتاحها وأخطب فيه، وما من عداوة تقع بين قبيلتين أو فردين إلّا وأحضر بنفسي وأبرم الصلح بينهما، وأرغم الاستعمار الذي من همه بث الفتن، وإغراء العداوة والبغضاء بين الناس، فكنت معطلًا لتدبيراته في جميع الميادين)([79])

ثم يذكر النشاط المتزايد الذي قام به في مجال التعليم، فيقول: (بلغ عدد المدارس الابتدائية العربية أربعمائة وزيادة، وبلغ عدد تلامذتها إلى اليوم الذي سافرت فيه إلى الشرق مئات الآلاف بين بنين وبنات، وبلغ عدد معلميها ألفًا وبضع مئات، وبلغت ميزانيتها الخاصة (وهي فرع من الميزانية العامة لجمعية العلماء) مائة مليون فرنك وزيادة إلى نهاية خروجي من الجزائر سنة 1952. ولما بلغ عدد المتخرجين من مدارسنا بالشهادة الابتدائية عشرات الآلاف، وجدت نفسي أمام معضلة يتعسر حلها، ذلك أن حاملي هذه الشهادة ذاقوا حلاوة العلم فطلبوا المزيد، وأرهقوني من أمري عسرًا، وألحوا عليَّ أن أتقدم بهم خطوة إلى الأمام، وحرام علي- على حد تعبيرهم- أن أقف بهم دون غاياته، فكان واجبًا علي أن أخطو بهم إلى التعليم الثانوي، وأهبت بالأمة أن تعينني بقوة أبلغ بها غرض أبنائها، فاستجابت فكان ذلك مشجعًا على إنشاء معهد ثانوي بمدينة قسنطينة نسبناه إلى إمام النهضة ابن باديس..، وكانت نيتي معقودة على إنشاء معهدين ثانويين آخرين، أحدهما بمدينة الجزائر، والثاني بمدينة تلمسان، وقد بلغ تلامذة المعهد الباديسي في السنة الأولى ألفًا أو يزيدون، وكلهم منتخبون من مدارسنا الابتدائية من جميع القطر) ([80])

هذه هي الأحداث كما صورها الإبراهيمي بنفسه، وهي في مجملها تدل على الاهتمام المتزايد في عهده بالمجال التربوي والتعليمي وتأسيس المدارس.

ويضم إلى هذا جهوده السياسية الكثيرة، ومن أهمها محاولة جمع الأحزاب والشخصيات الوطنية في (هيئة أحباب البيان)، وقد خرج من تلك المحاولات أكثر اقتناعا بفساد أغلب تلك الأحزاب وتناحرها على المناصب والألقاب([81]).

ومن الأعمال السياسية التي قامت بها جمعية العلماء في عهده أنّها كانت وراء تشكيل اتحاد أحزاب الشمال الإفريقي، الذي شارك فيه من الجزائر: حزبُ البيان الجزائري، وحزبُ حركة انتصار الحريات الديمقراطية، ومن المغرب: حزبُ الاستقلال، وحزب الإصلاح، وحزبُ الشورى والاستقلال، وحزب الوحدة، ومن تونس: الحزبُ الحرّ الدستوري الجديد، والحزب الدستوري التونسي([82]).

وأسوأ ما حصل في هذه الفترة – وهو ما كان مقدمة لانتهاء نشاط الجمعية – هو سفر كل من رئيس الجمعية البشير الإبراهيمي، ونائبه أحمد المدني إلى مصر في عام 1951، واستقرارهما بها منذ عام 1952، وإن كان عذرهما هو حشد التأييد السياسي والمادي القضية الجزائرية، وخشية الاعتقال عند العودة، ونجاحهما في المشاركة في تأسيس مكتب المغرب العربي بالقاهرة، وافتتاح إذاعة صوت الجزائر من الإذاعة المصرية، وقد كان أول صوت يصدر من هذه الإذاعة صوت البشير الإبراهيمي مناديًا الثوار: (لا نسمع عنكم أنكم تراجعتم، أو تخاذلتم)([83])

المطلب الرابع: دور الشيخ العربي التبسي في جمعية العلماء

من الشخصيات المهمة التي كان لها الدور الكبير في الجمعية ابتداء من تأسيسها، وانتهاء بحلها الشيخ العربي التبسي، ولهذا لا يمكننا أن نؤرخ للجمعية دون أن نمر عليه، وعلى منجزاته فيها.

وبما أن رسالة دكتوراه أستاذي الفاضل الدكتور أحمد عيساوي مرتبطة بالشيخ العربي التبسي، بالإضافة إلى ما جمعه من آثاره، بالإضافة إلى كونه ابن بلده، ويعرف الكثير من العلاقات المرتبطة به، فسيكون مرجعي في هذا المطلب ما كتبه في رسالته حوله، لا باعتباره مرجعا فقط، بل باعتباره مصدرا أيضا، فقد تسنى له أن يلتقي بالكثير من معارف الشيخ الذين وفروا له من الشهادات ما يمكن الاستئناس به والاستفادة منه.

ومن خلال ما ذكره الدكتور عيساوي عنه، يمكن تقسيم مراحل علاقة الشيخ العربي التبسي بالجمعية إلى أربعة مراحل:

1 ــ قبل تأسيس الجمعية:

ذكر الدكتور أحمد أن علاقة الشيخ العربي بالجمعية كانت علاقة مبكرة ابتدأت من عضويته في جماعة الرواد (1928-1931) الذين ذكرهم الشيخ محمد خير الدين في مذكراته، فقال: (.. اجتماع الرواد، في عام 1928م تحقق عزم ابن باديس ووجه دعوته إلى الطلاب العائدين من جامع الزيتونة والمشرق العربي، الذين رأى فيهم مقدرة واستعدادا للعمل في سبيل الدين والوطن.. وقد لبى دعوته: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشيخ مبارك بن محمد الميلي والشيخ الطيب العقبي والشيخ العربي التبسي والشيخ السعيد الزاهري، وكاتب هذه المذكرات الشيخ محمد بن خير الدين)([84])

وقد عرض الشيخ ابن باديس خطته على هذه الجماعة، وهي – كما يلخصها الدكتور عيساوي-:

1 – تكوين لجنة منكم للتسيير والتنفيذ.

2 – الشروع فورا في إنشاء المدارس الحرة لتعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية.

3 – الالتزام بإلقاء دروس الوعظ لعامة المسلمين في المسـاجد الحرة، والجولان في كافة أنحاء الوطن لتبليغ الدعوة الإصلاحية لجميع الناس.

4 – الكتابة في الصحف، والمجلات لتوعية طبقات الشعب.

5 – إنشاء النوادي العربية للاجتماعات، وإلقاء الخطب والمحاضرات.

6 – إنشاء فرق الكشافة الإسلامية للشباب في كافة أنحاء البلاد.

7 – العمل على إذكاء روح النضال في أوساط الشعب لتحرير البلاد من العبودية والحكم الأجنبي، لأن مبدأنا الذي يجب أن نسير عليه هو اتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([85]).

بعد ذلك عين ابن باديس جماعة الرواد، وحدد لهم أماكن نشـاطهم.. وجعل نشـاط الشيخ العربي التبسي لإلقاء الدروس بتبسة وما جاورها.

2 ــ عند تأسيس الجمعية:

حيث أنه كان من الحضور في جلسـات الاجتماع التأسـيسي لجمعية العلماء المسـلمين الجزائريين المنعقد بنادي الترقي بالجزائر العاصمة يوم الثلاثاء 05/05/1931م الموافق 17/ذي الحجة/ 1349هـ([86]).

وقد ذكر الدكتور أحمد عيساوي السبب في عدم ترشيح الشيخ العربي التبسي نفسه لعضوية المجلس الإداري لجمعية العلماء في جلستها التأسيسية ناقلا ذلك عن أقرب تلامذته ومساعديه([87])، وهي:

1 – رغبته في إفساح الفرصة للعلماء الآخرين.

2 – زهده في طلب المناصب.

3 – تفويت الفرصة على الأعداء، والمتربصين بنجاح تأسيس الجمعية.

3 ــ مرحلة العضوية في المجلس الإداري لجمعية العلماء

وهي تمتد من سنة 1932 إلى سنة 1956، وتبدأ من ترشيح الشيخ العربي نفسه لعضوية المجلس الإداري للجمعية بطلب من العلماء الحاضرين في جلساتها المنعقدة يومي الاثنين والثلاثاء 18/19/محرم 1350هـ27/28/09/1932م، وانتخب الشيخ في عضوية المجلس الإداري للجمعية في عامها الثاني للمرة الأولى التي يترشـح فيها، وعين نائبا للكاتب العام محمد الأمين العمودي([88]).

وقد ذكر الدكتور أحمد عيساوي أن الشيخ العربي التبسي كان يرشـح نفسه لعضوية المجلس الإداري لجمعية العلماء كل سـنة إلى أن انتخب كاتبا عاما للجمعية في جلساتها الاعتيادية أيام الأحد والاثنين 11/12/رجب/ 1355هـ 27/28/09/ 1936م، بعد أن حـاز على 178 صوتا من المصوتين كبقية زملائه الأعلام المترشحين وهم: ابن باديس والإبراهيمي والعقبي والميلي([89]).

وقد ظل الشيخ العربي – كما يذكر الدكتور أحمد عيساوي- يشـغل منصب الكاتب العام للجمعية إلى أواخر شهر سبتمبر 1946م تاريخ انعقاد الجلسة العادية للجمعية، حيث تم تجديد المجلس الإداري للجمعية وفيه نال منصب نائب الرئيس، وفي فترة جمود نشـاط الجمعية أثناء الحرب العالمية الثانية كان الشيخ مبارك الميلي يشغل منصب نائب الرئيس، وقد أقعده المرضه العضال، فنابه في مهامه ([90]).

وقد تعمق في هذه المرحلة (1939-1945) – كما يذكر الدكتور أحمد عيساوي- نشاط الشيخ في مجالات الجهاد السياسي بالإضافة إلى اضطلاعه أيضا بالعمل الدعوي والإصلاحي والتعليمي.

ومن نشاطاته التي غطتها تقاريـر الإدارة الاستعمارية (S. L.N. A ) كراسة المطالب التي تقدمت بها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين للحلفاء، حيث يورد التقرير

أنه (اجتمع العلماء بقسنطينة يوم 07/07/1944م برئاسة الشيخ العربي التبسي في غياب الإبراهيمي الذي كان معتقلا في آفلو، رغم قرار الحظر الصادر عن الحـاكـم العـام بسـبب ظروف الحرب العالمية الثانية الاستثنائية، وكان موضوع الاجتماع منصبا حـول العراقيل الإدارية التي تعترض رجال الجمعية ومؤسساتها، واقترح تقديم كراسة المطالب إلى الحكومة الفرنسية حول القضايا الرئيسية التالية:

1 – المساجد وموظفوها وأوقافها.

2 – التعليم العربي ومدارسه ومعلموه.

3 – القضاء الإسلامي وتعليمه ورجاله..)([91])

بعد هذا ترقى الشيخ العربي إلى منصب نائب رئيس الجمعية وذلك عند انعقاد اجتماع أعضاء الجمعية في دورتهم العادية أيام بقسنطينة في 27/28/29/سبتمبر/1946م، حيث انتخبوا مجلسـا إداريا جديدا للجمعية.

وقد ظل الشيخ العربي في هذا المنصب إلى أن رحل البشير الإبراهيمي إلى المشرق العربي يوم 07/03/1952م ([92]).

4 ــ مرحلة الرئاسة الفعلية لجمعية العلماء:

وهي تمتد من (1952-1956)، وقد ذكر الدكتور أحمد عيساوي أن الشيخ العربي ظل يشغل منصب نائب رئيس الجمعية حتى بعد جلستها الإدارية المنعقدة بالجزائر العاصمة أيام27/28/29/سبتمبر1954م لاعتبارات إصلاحية لها صلة بتماسك الجمعية أثناء غيابه في موسم الحج إلى غاية حل الجمعية.

وذكر أن الشيخ تحمل في هذه المرحلة بالذات ما تنوء الجبال بحمله، وذلك باعتراف كل رجال الجمعية بما فيهم الشيخ البشير الإبراهيمي نفسه، إلى أن أوصل الجمعية إلى حل نفسها يوم 07/01/1956م كي لا تتورط مع الإدارة الاستعمارية في الدخول في المفاوضات والطروحات الاستسلامية([93]).

ومن الملاحظات التي أوردها الدكتور أحمد عيساوي حول هذه المرحلة([94]):

1 – وضوح وثبات إطاره المرجعي في كافة مراحله الدعوية والإصلاحية.

2 – وضوح خطه، وممارساته، وغاياته، وأهدافه.

3 – تنوع أساليبه، وممارساته، ووسائله.

4 – استمراره بين خطي التربية والتعليم من جهة، والعمل في إطار جمعية العلماء من جهة أخرى.

5 – تطوير آلياته وتقنياته الدعوية والإصلاحية حسب ماتقتضيه كل مرحلة.

6 – عزوفه عن الترشح للمناصب الدنيوية، وتجنبه المنافسة فيما لايرضي الله تعالى.

7 – صدقه، وإخلاصه، وتقواه، ووفاؤه لرسالة الإسلام، التي تفانى في خدمتها إلى يوم استشهاده.

8 – حزمه، وانضباطه المهني.

9 – تفانيه في خدمة الإسلام، والجزائر، والشعب الجزائري.

المبحث الثاني

نبذة تاريخية عن الطرق الصوفية المعاصرة لجمعية العلماء

تعتبر الطرق الصوفية – بغض النظر عن توجهاتها الفكرية والسلوكية المختلفة- من أهم مكونات المجتمع الجزائري لفترة طويلة من الزمن، فالمؤرخون يتفقون على أنها بدأت في الانتشار في الجزائر، وكسب نفوذ اجتماعي لها فيها، بل أحيانا تعدى إلى النفوذ السياسي ابتداءا من القرن السادس عشر، ثم أخذت تنمو وتتسع حتى انتشرت على نطاق واسع في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والربع الأول من القرن التاسع عشر([95]).

وهي بذلك تشكل جزءا مهما من تاريخ الجزائر الديني والثقافي والاجتماعي، بل والسياسي، ولهذا نجد المستعمر الفرنسي قد أولاها أهمية كبرى، فأرشيفه يحتوي على تفاصيل كثيرة عن أعدادها وزواياها ومشايخها، بل حتى توجهاتها الروحية والفكرية.

وبما أن دراستنا هذه مرتبطة خصوصا بالتعامل بين الطرق الصوفية وجمعية العلماء، فإننا سنكتفي بالتعريف بالطرق الكبرى([96]) التي حصل بينها وبين الجمعية أي نوع من أنواع التعامل الذي سنراه في الفصول القادمة.

والثاني أننا سنقتصر من التأريخ لهذه الطرق بما يرتبط بتلك الفترة إلا إذا دعت الحاجة إلى الرجوع للأحداث السابقة أو التالية.

وقبل أن نبحث في تاريخ هذه الطرق في تلك الفترة نحب أن ننبه هنا إلى أمرين:

الأول: أنه من الصعب ضبط العلاقة بين أي طريقة صوفية وأي دولة من الدول، ذلك أن الطرق الصوفية لا تعترف بالحدود الجغرافية، فلهذا، قد نجد بعض مشايخ الطرق من خارج الجزائر، بينما لهم تواجد فاعل في الجزائر، ويتدخلون بمواقفهم أو آرائهم فيما يحصل فيها من أحداث([97])، ولهذا سنستند عند الحديث عن المناقشات الفكرية بين الجمعية والطرق الصوفية إلى مشايخ من خارج الجزائر، باعتبار أن امتدادهم الروحي والفكري يسري إلى الطرق الموجودة في الجزائر([98]).

ولعل نفس الأمر يقال بالنسبة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد تبنت هي أيضا جماعة من العلماء من خارج الجزائر، وضمتهم إلى الجمعية([99]).

الثاني: أنا لا نتحدث هنا عن التفاصيل المرتبطة بالتوجه الروحي والفكري للطرق الصوفية، لأنا سنتحدث عنه بتفصيل عند ذكر الاتجاه الفكري للطرق الصوفية، بالإضافة إلى ذكره في الباب المخصص لجوانب الخلاف بين الجمعية والطرق الصوفية.

ولهذا سيقصر حديثنا في هذا المبحث عند كل طريقة على أمرين:

1 – التعريف المختصر بمؤسس الطريقة وشيوخها الكبار، وخاصة من الذين سيرد لهم ذكر في الرسالة، أو كانت لهم علاقة مع جمعية العلماء.

2 – تاريخ الطريقة في الجزائر، ومواطن انتشارها، وما يتبع ذلك من البحث عن عوامل الانتشار ونحوها.

أما علاقة هذه الطرق بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتي هي الهدف الأساسي من البحث، فسنتعرف عليها بتفصيل في الفصل التالي لهذا الفصل.

بعد هذه المقدمات والتنبيهات، فإننا – باستقراء الطرق التي تتوفر فيها الخصائص التي ذكرناها – نجد أنها أربعة طرق كبرى، وهي بحسب تسلسلها التاريخي (القادرية، والرحمانية، والتيجانية، والعلاوية)، وقد خصصنا كل واحدة منها بمطلب خاص.

ثم أضفنا مطلبا بذكر طرق أخرى كانت لها بعض العلاقة مع الجمعية، وهي مع ذلك أقل شأنا من هذه الطرق الكبرى، وقد اكتفينا فيها بتعريف موجز عنها.

المطلب الأول: الطريقة القادرية

تعد الطريقة القادرية من أقدم الطرق الصوفية التي دخلت إلى الجزائر عن طريق بجاية، ثم انتشرت في الغرب الجزائري والجنوب الغربي من الصحراء وباقي مناطق الجزائر وغرب تونس.

وفروعها كانت موجودة في مختلف المدن ولها زوايا وأضرحة ومساجد في الجزائر وتلمسان وغيرها، ولها أوقاف كثيرة، كانت ترسل مع الحجاج إلى الزاوية الأم في بغداد، وبقي الحال كذلك في العهد الفرنسي ولكن في ظل إجراءات مغايرة متضمنة قيودا عديدة.

وتعتبر القادرية أساس ومنطلق كل الطرق الصوفية في الجزائر، فالمدينية (نسبة إلى أبي مدين شعيب بن الحسين) تفرعت عن القادرية، وتفرعت عن المدينية الطريقة الشاذلية، وعن الشاذلية تفرعت طرق كثيرة كالدرقاوية والجزولية واليوسيفية والعيساوية والشيخية والطيبية والحنصالية، وإن كانت الشاذلية قد تفرعت عن القادرية إلا أنها أخذت منحى صوفيا يختلف عن المنحى الصوفي القادري([100]).

ويقدر الفرنسيون عدد أتباع الطريقة القادرية في الجزائر سنة 1882 بـ (14.574) إخوانيا، 268 مقدما، 29 زاوية.

وفي سنة 1897 بــ 24.578 إخوانيا، 558 مقدما، 33 زاوية، ومن ضمن الإخوان هناك 2.695 إمرأة أو خونية.

وفي سنة 1906 قدر عددهم بـ 25.000 إخوانيا (منهم 2.800 من النساء) و33 زاوية([101]).

وقد كان لهذه الطريقة تاريخ مشرف في الجزائر، فهي من أوائل الطرق التي قاومت الاستعمار الفرنسي بقيادة شيخها الكبير الأمير عبد القادر، وكان لها في نفس الوقت علاقة طيبة مع جمعية العلماء، وخاصة في منطقة الوادي التي كانت تتزعم في ذلك الحين هذه الطريقة.

بناء على هذا سنتحدث في هذا المطلب عن كبار مشايخ هذه الطريقة في الجزائر، وبعض فروعها فيها، وبعض الأحداث التاريخية التي كان لها علاقة بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقبل ذلك نتحدث باختصار عن مؤسس الطريقة الشيخ عبد القادر الجيلاني.

أولا ــ مؤسس الطريقة القادرية:

مؤسس الطريقة القادرية هو الشيخ عبد القادر أبو محمد محي الدين بن أبي صالح عبد الله، وقيل ابن أبي موسى جنكي دوست الجيلاني، نسبة إلى مدينة جيلان (وراء طبرستان)، ولد بجيلان عام 1077م وجاء إلى بغداد عام 488 هـ / 1095م حيث درس الفقه الحنبلي، ويقال أنه لم يهتم بالصوفية حتى حضر مجلس الشيخ أبو الخير حمد الدباسي.

في عام 521 هـ 1127م أي عندما جاوز الخمسين من العمر أصبح من أشهر علماء بغداد في الفقه الحنبلي، ثم لبس لباس الصوفية وبنى لنفسه مدرسة عام 528 هـ / 1135م، لم ينضم أحد إلى طريقته خلال حياته، وبعد وفاته بدأ الناس يسيرون على نهجه، وقد أخذ المريدون بنشر الطريقة فكان لها مواقع كثيرة في العالم الإسلامي ومنه شمال إفريقيا، توفي الشيخ عبد القادر سنة 561 هـ ودفن في مدرسته ببغداد([102]).

ثانيا ــ شيوخ الطريقة في الجزائر:

من أهم شيوخ وأعلام الطريقة القادرية بالجزائر:

1 ـــ الشيخ محمد الهاشمي بن إبراهيم:

يعتبر الشيخ محمد الهاشمي الشريف بن إبراهيم بن أحمد الذي ولد سنة 1853م في نفطة بتونس([103]) من أكثر مشايخ الطريقة القادرية نشاطا، وقد تلقى تعليمه الديني على يد والده الذي كان شيخ الطريقة القادرية على منطقة الجريد التونسي، وبتوجيه منه انتقل إلى ناحية الوادي وأسس بها زاوية قادرية، واستمر في نضاله إلى أن توفي عام 1923م وهو دفين مدينة البياضة بالوادي.

وقد واجه في بداية تأسيسه للطريقة منافسة شديدة مع الزاوية التيجانية المجاورة له في البياضة، وكانت السلطات الفرنسية تزكي هذا التنافس، بل تثير النعرات والفتن بين الطريقتين – كما ذكرنا سابقا- ضمن سياية (فرّق تسد)

2 ـــ الشيخ عبد العزيز بن الهاشمي:

وقد خلف والده في مشيخة الطريقة القادرية بعد وفاة أخيه، بعد أن توفر فيه الشرط الذي شرطه والده، فقد حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم التحق بجامع الزيتونة بتونس، وكان أول الناجحين ضمن أقرانه وإخوانه إذ تحصل على شهادة التطويع في حياة والده بامتياز، وبذلك أصبح المؤهل الوحيد لمشيخة الزاوية باعتباره المتخرج الأول من جامع الزيتونة.

وقد تم الإجماع على أن يتولى مشيخة الزاوية القادرية في سوف مع ملحقاتها في كل من تقرت وبسكرة وسكيكدة والجزائر العاصمة، كما يقوم بالإشراف على شؤون العائلة وعلى إخوانه الذين يزاولون تعليمهم بجامع الزيتونة بالإضافة إلى العمل المستمر في تطوير أملاك الزاوية وخاصة في غابات النخيل، واستثمار تجارة التمور المزدهرة والمربحة عبر مناطق الجنوب حتى أصبح الشيخ عبد العزيز يعرف بـ (ملك التمور)، وهذا ما أثار غيظ المحتكرين الأجانب الذين عزموا على إبعاده من هذا الميدان والسطو وحدهم على تجارة التمور واحتكارها لأنفسهم، وهذا ما تم لهم فعلا فيما بعد.

وقد سارت حياة الشيخ بصورة عادية لمدة 12 سنة، ولكنه بعد أن قام بأداء فريضة الحج سنة 1936، عاد إلى الجزائر أخذ يقترب من أفكار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي طفحت على سطح الأحداث الجزائرية خاصة بعد انعقاد المؤتمر الإسلامي الجزائري العام في شهر جوان 1936، وذهاب الوفد الإسلامي بمطالب الأمة الجزائرية إلى باريس لعرضها على الحكومة الفرنسية، وما تلا ذلك من أحداث([104]).

وبناء على هذا راسل الشيخ عبد الحميد بن باديس في شهر أكتوبر 1937 ببرقية يفصح له فيها عن رغبته في الانخراط في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين([105])، فبادر الشيخ عبد الحميد بن باديس بالإسراع في الرد عليه بالمثل معينا إياه عضوا فاعلا في مكتب الجمعية مكلفا بمناطق وادي سوف وما جاورها.

نتيجة لهذا التحول وجدت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نفسها بوادي سوف تنتشر انتشارا واسعا نتيجة السعي المكثف من طرف الشيخ عبد العزيز الشريف، والذي تمثل في تحويل جزء من زاوية عميش إلى مدرسة عصرية على طراز مدارس جمعية العلماء المسلمين([106]).

وقد انتدب للتدريس فيها الشيخين عبد القادر الياجوري والشيخ علي بن سعد خران([107])، كما قام الشيخ عبد العزيز الشريف بفتح مدرسة بالوادي وانتدب لها من الشيوخ ما يحولها إلى معهد إسلامي يتوفر على الشروط الضرورية، وعلى إثر هذه المساعي التعليمية طالبت الإدارة الفرنسية من الشيخ عبد العزيز الشريف رخصة التعليم، فرد عليها الشيخ بأن الزاوية تقوم بدور التعليم من قديم الزمان بدون رخصة([108]).

وقد تدعمت الصلة بين الشيخ عبد العزيز وجمعية العلماء بعد حضوره المؤتمر السنوي العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي بدأ أعماله يوم 24 سبتمبر 1937 بنادي الترقي بالعاصمة، حيث قدم الشيخ ابن باديس بعض كبار الرجال الذين لهم أكبر الأثر في بعث النهضة الجزائرية من جمعية العلماء، وذكر منهم الشيخ الفضيل الورتلاني والشيخ سعيد صالحي، ثم تقدم هو بنفسه، وألقى خطابه الرسمي مقترحا أن يسمى هذا الاجتماع بعيد النهضة الجزائرية، ثم طلب إلى زميله الطيب العقبي أن يقدم الشيخ عبد العزيز بن الشيخ الهاشمي إلى الحاضرين، وكان لهذا التقديم مغزاه العميق، فقد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يدرك الشدة التي كان يحملها العقبي على الطرقيين.

ثم أحيلت الكلمة إلى الشيخ عبد العزيز الذي أبدى تأسفه لتأخره عن الانضواء تحت لواء الجمعية، ووعد بأنه سيبذل كل مجهوداته في خدمة الإصلاح وتبرع لهم بمبلغ خمسة وعشرين ألف فرنك، وهو مبلغ هام في ذلك الوقت.

بعدها رتب الشيخ عبد العزيز زيارة لوفد من جمعية العلماء بقيادة الشيخ عبد الحميد بن بادسي إلى الوادي في شهر ديسمبر 1937 م([109]).

وفي أواخر جانفي 1938 م أعد الشيخ عبد العزيز الشريف زيارة للشيخ الفضيل الورتلاني إلى وادي سوف، وهذا ردا على الزيارة التي قام بها الشيخ محمد الحافظ التيجاني المصري قصد إلقاء دروس بمنطقة سوف بدعوة من شيوخ الطريقة التيجانية كرد فعل على زيارة وفد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين للمنطقة، وقد كانت الزيارة التي قام بها الشيخ الورتلاني بعد زيارته لبسكرة، حيث كانت يوم الثلاثاء 23 ذي القعدة 1356 ه / 25 جانفي 1938 م، ليبقى مدة يومين في ضيافة الشيخ عبد العزيز الشريف([110]).

وقد كان الشيخ الورتلاني يتقد حماسا بمواقفه الصريحة ونقده اللاذع، فكان لهذه الزيارة الصدى الواسع عند الناس لما طرحته من مواضيع ساخنة أغضبت الحاكم العام الفرنسي الذي بدأ يترصد خطوات الشيخ عبد العزيز.

و رغم ملاحظات السلطات المحلية، فإن الشيخ عبد العزيز لم يتوقف عن نشاطه، بل واصل مشروعه التعليمي، ولم يعترف بمرسوم 10 أكتوبر 1892 واعتمد بمرسوم 8 مارس 1938 الذي يراقب التعليم في المدارس القرآنية، لأن الشيخ يعتقد أن التعليم في الزوايا غير مراقب.

وقد كان هذا السلوك بالإضافة إلى مواقف أخرى كثيرة جعلت من الإدارة الفرنسية تشيد في ضغوطها عليه، وقد كان

وقد اشتد هذا الصراع خلال زيارة مدير الشؤون الأهلية وأقاليم الجنوب (لويس مييو) للوادي، حيث صرح له الشيخ عبد العزيز الشريف بموقفه المعارض لمرسوم 08 مارس 1938 ويفصح عن الحالة الاقتصادية السيئة التي يعيشها أهالي المنطقة([111]).

ومن مواقف أسرة الهاشمي الشريف الكبرى بعد هذه المواقف وقوفهم لصالح الثورة التحريرية وتزويدها بما تحتاجه من ثروة وما قام به أحد أبناء القادرية يعد إثباتا على نضالها إذ تبرع بقصر الباي بتونس الذي اشتراه عام 1946 للثورة التحريرية ورفع فيه علم الجزائر ونصبت فيه أول حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية([112]).

و استمر الشيخ في تدعيم الثورة حتى تحصلت الجزائر على استقلالها غير أن الشيخ لم يرجع إلى الجزائر، بل بقي بتونس، ولازم داره ولم يقم بأي عمل سياسي أو ثقافي يذكر، وكانت وفاته في تونس سنة 1965.

القاضي شعيب بن علي:

هو الشيخ الفقيه أبو بكر شعيب بن علي بن فضل الله بن محمد بن عبد الله الجليلي، ولد بتلمسان وحفظ القرآن الكريم وشرع في طلب العلم على يد علماء تلمسان منهم: أحمد المختار بن البشير، محمد بن دحمان العبادي، بن عبد الله بن العيدوني، وهو الذي لازمه طويلا واشتد ساعده به، كما روى عن ابن الحفاف وعبد الكبير الكتاني، وكان من أتباع الطريقة القادرية التي أخذها عن الشيخ بن سليمان.

بالإضافة إلى هذا، فقد درس بالمدرسة الشرعية الفرنسية، وتولى الإمامة ثم القضاء، برع في الفقه والتصوف ونظم الشعر، تولى القضاء لمدة أربعين سنة من 1869 إلى 1909، وقد مثَّل الجزائر في مؤتمر المستشرقين باستوكهولم عام 1889م.

توفي بتلمسان سنة 1928م، ودفن بضريح سيدي أبي مدين بالعباد. تاركا خلفه عــدة رسائل في التوحيد وقصائد منها: (الرمز الكفيل في عقائد أهل الدليل)، شرحه محمد بن عبد الرحمن الديسي، وقرظه الشيخ محمد عبده، و(المعلومات الحسان في مصنوعات تلمسان)، و(زهرة الريحان في علم الألحان)، وغيرها([113]).

المطلب الثاني: الطريقة الرحمانية

تعتبر الطريقة الرحمانية من أوسع الطرق انتشارًا في عموم الجزائر إبان القرن التاسع عشر؛ حيث كانت تستحوذ وحدها على أكثر من 50% من عدد الزوايا في الجزائر، وحسب إحصائية عام 1892 للمستشرق (رين) بلغ عدد زوايا الطريقة الرحمانية 177 زاوية، وأتباعها 156214 خونيا([114]).

وتنتشر هذه الزوايا خصوصا في الشرق والوسط والجنوب حتى في تونس، ومن هذه الزوايا (زاوية صدوق، برج بن عزوز، طولقة، أولاد جلال، خنقة سيدي ناجي، قسنطينة)([115])

ومن أهم مراكز الطريقة في العهد العثماني الأخير: الحامّة قرب العاصمة، وآيت إسماعيل ببلاد القبائل، وزاوية صدوق بناحية سطيف، وقسنطينة، والبرج قرب طولقة، وأولاد جلال، وخنقة سيدي ناجي، ووادي سـوف، وتقع المراكز الأربعة الأخيرة بالواحات([116]).

ويذكر للطريقة الرحمانية التي صعدت سلطتها في منطقة الشرق الجزائري وخاصة الريف القسنطيني، يذكر لها أنها قامت بدور محوري في نشر التضامن بين سكان المنطقة ونشر العلم والتآخي([117]).

وقد كانت هذه الطريقة محل احترام من بعض مشايخ الجمعية، وخصوصا الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي كانت له علاقة مع بعض مشايخها كما سنرى.

ولكن ذلك ليس عاما، فقد شن عليها الشيخ مبارك الميلي في كتابه (رسالة الشرك ومظاهره) حملة شعواء خاصة على فرعها في الزاوية الحملاوية.

انطلاقا من هذا، فسنتحدث في هدا المطلب باختصار عن مؤسس الطريقة، وكبار مشايخها في الجزائر إبان العهد الاستعماري.

أولا ــ مؤسس الطريقة:

مُؤسِّسُ الطريقة هو محمد بن عبد الرحمان القشتولي الجرجري الأزهري([118])، المولود حوالي سنة 1720م في قبيلة آيت إسماعيل التي كانت جزءًا من حلف قشتولة في قبائل جرجرة، الواقعة على بعد 15 كلم، شرق ذراع الميزان.

ويلقب بـ (الزواوي) نسبة إلى بلاد زواوة التي نشأ بها، كما يلقب بالأزهري نسبةً إلى أزهر مصر حيث جاوره مدة طويلةً من سني حياته.

زاول دراسته الأولى في مسقط رأسه، ثم واصل تعلمه في الجزائر العاصمة، في عام 1739م توجه لأداء فريضة الحج، وفي عودته استقر بالجامع الأزهر فترة طويلة مترددًا على العلماء وشيوخ التصوف كمحمد بن سالم الحفناوي، حيث أصبح محمد بن عبد الرحمان مريدًا وتلميذًا له حيث أدخله الطريقة الخلوتية.

وبعد غياب طويل دام أكثر من ثلاثين سنة عاد إلى الجزائر بعدما تلقى الأمر من شيخه في مصر محمّد بن سالم الحفناوي الخلوتيّ (ت 1181 هـ) بالعودة إلى بلده ونشر الطريقة الخلوتية،وكان ذلك سنة 1177هـ = 1758م.

التزم التلميذُ أمرَ شيخِه وعاد إلى موطنه الجزائر حيث أسس زاوية بمسقط رأسه (آيت إسماعيل) وشرع في الوعظ والتعليم، وقد التف حوله جموع الناس من سكان جرجرة المستقلين عن السلطة العثمانية([119]).

انتقل إلى الحامة إحدى ضواحي العاصمة، ومن المحتمل أنه فعل ذلك فرارًا من خصومه المرابطين الذين عادوه لما حققه من نجاح هدد نفوذهم في المنطقة، أو لأنه تأكد من رسوخ تعاليمه وانتشارها في المنطقة فرأى أن يستقر بالقرب من العاصمة ليوسع دائرة دعوته، أسس في الحامة زاوية وأخذ في نشر تعاليم الطريقة الخلوتية، ولكن سرعان ما أثار سخط المرابطين والعلماء للأسباب التالية:

1 – ابن عبد الرحمان من أبناء الريف، لذا لابد أن يلقى معارضة من أهل الحضر المرابطين والعلماء خوفًا على نفوذهم.

2 – خوف الأتراك منه لأن قبيلته تنتمي إلى حلف قشتولة وبالتالي فهي لا تخضع لحكمهم بل معادية لهم، ولهذا الغرض أثار الأتراك العلماء والمرابطين ضده.

3 – دعوته الدينية تبعث على إحيـاء الوحدة الروحية والوطنية التي طالما عمل الأتراك من أجل عدم تحققها طوال حكمهم حتى لا تكون خطرًا على سلطانهم([120]).

رأى ابن عبد الرحمان أن الحكمة تقتضي منه العودة إلى مسقط رأسه فعاد سريعًا إلى زاويته ببلدة آيت إسماعيل، وبعد ستة أشهر من عودته جمع مريديه وأخبرهم بقرب أجله وعين من يخلفه في منصبه وهو علي بن عيسى المغربي([121]).

لم يحصر ابن عبد الرحمان نشاطه في نشر دعوته الدينية الصوفية على منطقة القبائل والعاصمة فحسب، وإنما مدّ نشاطه أيضًا إلى إقليم الشرق الجزائري حيث قام بتعيين خليفة له من أبناء قسنطينة وهو مصطفى بن عبد الرحمان بن الباش تارزي الكرغلي، فقام هذا الأخير بنشر تعاليم الطريقة في الإقليم الشرقي حيث نصّب عدة مقاديم أشهرهم الشيخ محمد بن عزوز في واحة البرج قرب بلدة طولقة([122]).

بعد وفاته (1208هـ/1793م) ازدادت الطريقة نجاحًا واتسعت دائرة نفوذها مما زاد في هياج الأتراك وحنقهم، لذا فقد قاموا بمحاولة لوضع حد لتدفق الزوار من كل مكان على الزاوية الأم بآيت إسماعيل فدفعوا بثلاث مجموعات استطاعت إحداها نقل جثمانه إلى الحامة حيث دفن في احتفال مهيب، ثم بنوا عليه مسجدًا وقبة، على أن سكان قرية آيت إسماعيل حينما تحققوا أن الجثة لم تفارق قبرها الأصلي – وكانوا قد نبشوا القبر – اعتقدوا أن جثة شيخهم قد ازدوجت ومنذ ذلك الحين لُقب محمد بن عبد الرحمان بـ (بو قبرين)([123])

وقد استطاع خليفته – علي بن عيسى – الذي بقي مدة 43 عامًا في منصبه 1208هـ /1251هـ أن يدير الزاوية الأم بكل حكمة ونجاح، مما أكسب الطريقة انتشارًا واتساعًا في النفوذ سواء في وسط البلاد أو في شرقها وجنوبها، إلا أن موته أفقد إدارة الزاوية الالتحام والوحدة حيث إن خلفاءه لم يستطيعوا بسط هيمنتهم على مقاديم الزوايا البعيدة التي أعلنت استقلالها عن الزاوية الأم، وذلك نتيجة لضعف شخصية هؤلاء الخلفاء من جهة، وسياسة الاحتلال الفرنسي التي عملت على تمزيق وحدتها من جهة أخرى([124]).

ثانيا ــ شيوخ الطريقة الرحمانية وأعلامها:

اشتهرت الطريقة الرحمانية بكثرة مشايخها وعلمائها، وسنحاول هنا أن نذكر – باختصار – بعضهم:

الشيخ عبد الرحمن باش تارزي:

ويعتبر من أشهر رجال الطريقة الرحمانية، وناشرها بالناحية الشرقية من الجزائر، وهو مؤسس أسرة باش تارزي العلمية الطرقية المجاهدة الشهيرة بالشرق الجزائري، وقد وصف بكونه أحد أركان التصوف علما وعملا وزهدا وتحقيقا ورئاسة وجلالة، كان وحيد دهره علما وحكمة واتقانا وإصلاحا.

تفقه على المذهب الحنفي، وألمّ بالمذهب المالكي، وسلك التصوف على يدي الشيخ الأزهري، ومن مؤلفاته: (عمدة المريد في بيان الطريقة)، و(غنية المريد في شرح كلمة التوحيد)، و(المنظومة الرحمانية).. وغيرها من المؤلفات والرسائل.

وقد تخرج على يديه جمع كبير من التلاميذ منهم: الشيخ محمد بن عزوز البرجي ناشر الطريق في الجنوب الجزائري، والشيخ محمد بن الحبيب القسنطيني، والشيخ محمد السياري القسنطيني.

توفي الشيخ باش تارزي عام 1807م، بقسنطينة ودفن بها([125]).

الشيخ مصطفى بن عبد الرحمن باش تارزي:

بعد وفاة الشيخ عبد الرحمن خلفه ابنه العلاّمة الشيخ مصطفى بن عبد الرحمن باش تارزي (ت 1836م). وهو من كبار رجال الطريقة الرحمانية، وشارح (المنظومة الرحمانية) لوالده الشيخ عبد الرحمن باش تارزي. ومما جاء في وصفه: (هو الشيخ الإمام العلامة نخبة الفضلاء وواسطة عقد النبلاء وواحد العلماء الأعلام…) تولى الفتوى الحنفية ثم القضاء، ثم الخطابة بجامع سوق الغزل ثم بجامع القصبة ثم بالكتاني.

ومن آثاره العلمية: (المنح الربانية في بيان المنظومة الرحمانية)، و(رسالة تحفة الناظرين) في الوقف… وغيرها من المؤلفات. توفي الشيخ مصطفى عام 1836م بقسنطينة ودفن في المقبرة العليا بسوق الغزل، ويسمى الممر باسمه (ممر باش تارزي)

وجاء بعده ابنه الشيخ محمود. ثم خلفه ابن عمه الشيخ محمد بن محمد بن عبد الرحمن، ثم جاء بعده الشيخ الحاج السعيد بن أحمد باش تارزي (ت 1911م). وخلفه على رئاسة الزاوية الحاج أحمد باش تارزي (ت 1917م). ويتولى مشيختها حاليا الأستاذ الفاضل محمد الشريف باش تارزي من سلالة العلامة الشيخ عبد الرحمن باش تارزي([126]).

ونحب أن نذكر هنا بمناسبة علاقة جمعية العلماء بالطريقة الرحمانية أن الشيخ عبد الحميد ابن باديس قد اشرف على تصحيح الطبعة الثانية لـ (المنظومة الرحمانية في الأسباب الشرعية المتعلقة بالطريقة الخلوتية) التي ألفها الشيخ عبد الرحمن باش تارزي.

وقد قال الشيخ عبد الحميد في آخر تصحيحه للطبعة: (ندبني الشيخ المذكور مصطفى باش تارزي إلى إعانته على نشر المنظومة الرحمانية بالوقوف على تصحيحها فلبيت طلبه راجيا من وراء ذلك أن يتذكر الإخوان ما عليهم في هذا الطريق الشرعي من الأدب العملي والعلمي، ويعلموا أنهم لا يكفيهم في ترقية نفوسهم مجرد الانتساب الإسمي، فيدعوهم ذلك إلى العلـم والتعلم اللذين لا سعادة في الدارين بدونهما ولا تقدم، فيفقهوا حينئذ حقيقة الدين وينتفعوا بنصائح المرشدين، ويكونوا يوم ذلك إن شاء الله تعالى من المهتدين، والله المسؤول أن يهب التوفيق والنفع والثواب لكل ساع في خير المسلمين آمين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) ([127])

و تحت عنوان خاتمة الطبع بقلم المصحح، قال الشيخ عبد الحميد بن باديس: (الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والآل والصحابة أجمعين وجميع التابعين بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد تم طبع المنظومة الرحمانية ذات الأسرار الربانية الجامعة لأصول الطريقة الخلوتية، وآداب التربية الشرعية الدالة على علم ناظمها وبركته بما نفع الله بها من أتباعه وتلامذته، حتى نفدت طبعتها الأولى مع شرحها، فكثرت الرغبات، وتوالت الطلبات في إعادة طبعها لتعميم نفعها، فقام بذلك على نفقته العالم البركة الخير الثقة شيخ شيوخ الطريقة الخلوتية بقسنطينة اليوم المتحلى من أخلاق أسلافه بالنفائس الغالية السوم الشيخ سيدي مصطفى ابن الشيخ سيدي محمود ابن الشيخ سيدي الحاج محمد ابن الشيخ سيدي محمود ابن الشيخ الأكبر سيدي الحاج عبد الرحمن باش تارزي زاده الله من بره وتوفيقه وسدده في سلوك طريقه بمنه آمين.

و لنحل هذه الخاتمة بكلمات وجيزة في ترجمته فنقول: لا زال هذا الرجل معروفا من شبابه بجمال العفة، وحسن السمت، ومكارم الأخلاق، والحياء التام، والتواضع الفطري مع جميع الناس.

اعتنى بتربيته أبوه الشيخ سيدي محمود، ثم ابن عم جده الشيخ سيدي الحاج السعيد، فحفظ القرآن الكريم، وقرأ العلم وتأدب بآداب الطريق وشبّ على الأخلاق الكريمة اللائقة بمثله، في كرم مجده وشريف تربيته، وما هو مترشح له من الجلوس على سجادة الطريق، وتهذيب الإخوان حتى نال بذلك المنزلة الرفيعة من قلوب عارفيه عموما، وأهل الطريقة خصوصا.

و في رجـب عام 1329 هـ ولي خطـة الخطابة والإمامة بالجامع الأخضر الحنفي، بعد وفاة الشيخ سيدي السعيد الذي كان إماما خطيبا بالجامع الكتاني الحنفي.

و في شوال 1335 هـ جلس على سجادة الطريقة الخلوتية بعد وفاة عمه الشيخ البركة سيدي الحاج أحمد عليه الرحمة والرضوان، وله في الإذن بتلقين ذكر الطريقة الخلوتية إجازتان تتصلان بالقطب الأكبر والغوث الأشهر الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمن القشطولي الأزهري دفين الجزائر، الذي أتى بالطريقة الخلوتية إلى وطن الجزائر من ديار مصر)([128])

ونحب أن نذكر هنا كذلك أن الزاوية الرحمانية التي أسسها الشيخ باش تارزي في قسنطينة كانت مركزا لاجتماع علماء الحنفية والأتراك منهم خصوصا، ومقرا لنشر الطريقة الرحمانية لدى قسنطينة والضواحي، كما كانت حلقة وصل بين بلاد القبائل والزوايا الجنوبية، ونشرت الطريقة بالشرق الجزائري.

وكان للزاوية فروع ومقدمون، وحسب إحصاء (ديبون وكوبولاني) فإن أتباع الزاوية بلغوا في آخر القرن التاسع عشر: أكثر من عشرة آلاف مريد، ولها ثماني زوايا، ووكيل واحد و25 أستاذا، وشيخ واحد و85 مقدما، و104 من الشواش، ومعظم هؤلاء الإخوان كانوا في إقليم قسنطينة. وبعضهم كان في إقليم الجزائر.

وقد ساهمت الزواية في ثورة الرحمانيين سنة 1864م، حيث هاجم أتباعها قوات الجنرال (بريڤو) حاكم مقاطعة قسنطينة بالوادي الكبير، واستمرت الثورة إلى غاية 1865. كما شاركت في ثورة التحرير الكبرى عن طريق أبناء الأسرة الذين التحق عدد كبير منهم بالثورة([129]).

الشيخ محمّد بن أبي القاسم:

هو مؤسّس زاوية الهامل، ولد في 1823م ببادية الحامديّة، بولاية الجلفة، رحل في طلب العلم إلى جبال القبائل، فحلَّ بزاوية سيّدي أبي داود بتاسلينت ناحية أقبو، وأخذ من شيخها أحمد بن أبي داود، علوم الفقه، والنحو، وعلم الكلام والفلك، والفرائض، والمنطق.

وفي عام 1844م جلس للتدريس بالهامل، فتوافد عليه الطلاب من المناطق المجاورة، وفي هذه الفترة ذهب لزيارة الأمير عبد القادر، الذي كان غير بعيد عن البيرين، بجبل البيضاء، وفي نيّته أن يكون مجاهدا في صفوف جيش الأمير، غير أنّه طلب منه أن يبقى مدرّسا، ومن هنا توطّدت العلاقة، فكانت بينهما مراسلات من الجزائر ومن الشام، وما تزال بالزاوية قطع من أسلحة أهداها الأمير للشيخ محمّد بن أبي القاسم، وازدادت العلاقة بعائلة الأمير متانة بتعاقب شيوخ الزاوية.

وقد تتلمذ في التصوف على يدي الشيخ المختار بن عبد الرّحمن بن خليفة الجلاّلي، فلازمه من بداية سنة 1273هـ إلى أول سنة 1278هـ، حيث أَذِن له في إعطاء ورد الطريقة الرحمانية، وخلفه على رأس زاويته قريبا من سنة.

عاد بعدها إلى الهامل فبنى زاويته التي كانت من أهم زوايا العلم في الجزائر بالإضافة إلى دورها التربوي والروحي والاجتماعي والذي لا يزال قائما إلى الآن.

وقد كان لهذه الزاوية علاقة طيبة بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد حاضر فيها الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ محمّد البشير الإبراهيمي، وأحمد توفيق المدني، والشيخ إبراهيم بيوض، وغيرهم ممّا يطول عدّهم([130]).

السيدة زينب بن محمد بن أبي القاسم:

ولدت في بلدة الهامل، عام (1287هـ/1872م). حفظت القرآن الكريم، وتفقّهت على يد والدها. تولت إدارة الزاوية بعد وفاة مؤسسها، فأحسنت تسييرها. كتب عنها بعض المستشرقين الذين رأوا فيها مثالا للمرأة العربية المسلمة التي أثبتت جدارتها في حسن الإدارة والسياسة، ولا سيما في تلك الفترة التي كانت المرأة في المجتمعات الإسلامية محجرا عليها. توفيت رحمها الله في الزاوية بتاريخ: (1323هـ/1905م) ودفنت بجنب والدها([131]).

الشيخ محمد بن الحاج محمد بن أبي القاسم:

ولد في بلدة الهامل، عام 1859م أخذ عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي، والشيخ عاشور الخنقي، والشيخ محمد المكي بن عزوز، وغيرهم من العلماء. درّس بالزاوية، وتولّى مشيختها بعد وفاة ابنة عمّه السيدة زينب عام 1905م، فنهض بها نهضة علميّة استرعت اهتمام العلماء في المشرق والمغرب، فكاتبوه وزاروه، واستجازوه وأجازوه، وكوّن علاقات علميّة وأدبيّة واسعة في شتى الأقطار الإسلاميّة، توفّي عام 1913م في الزاوية ودفن فيها. من تآليفه (الزهر الباسم) وهو مطبوع، و(المطلب الأسنى) وهو مطبوع، و(تحفة الأفاضل) ورسائل أخرى مخطوطة([132]).

الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي:

ولد سنة 1270 هـ- 1854م بقرية الديس، وتوفي عام 1339 هـ- 1921م، تلقي المبادئ العلمية على يد الشيخ ابن أبي القاسم بن إبراهيم، ثم انتقل إلى زاوية الشيخ السعيد بن أبي داود، وأخذ عن رجالها الفقه والنحو والتوحيد والفلك، ثم عاد إلى قريته ولازم حفظ المتون بها فحفظ نحو الخمسين متنا، ومنها قصد زاوية الشيخ سيدي محمد بن أبي القاسم بالهامل، فأخذ فيها علوم التفسير والحديث والتصوف وبعض علوم العربية، ولقنه الأستاذ الأكبر الورد وكلفه لما رأى فيه من النبوغ بمجاورة الزاوية لإفادة الطلبة بمعلوماته وللاستفادة من العلماء الوافدين على الزاوية في ذلك العهد.

كان شغوفا بالمجالس العلمية والبحوث، وقد أقر له بالرسوخ في العلم من عاصره من أفاضل العلماء كالشيخ محمد المكي بن عزوز، والشيخ أحمد الأمين، والشيخ عبد الحي الكتاني، وكان الشيخ الحفناوي يلقبه بـ (الشمس)

من مؤلفاته: (فوز الغانم، في شرح ورد الشيخ سيدي محمد بن أبي القاسم)، و(الزهرة المقتطفة)، و(عقد الجيد)، ومنظومة في العقائد وشرحها بشرح سماه (الموجز المفيد))، و(المشرب الراوي على منظومة الشبراوي في النحو)، و(سلم الوصول)، و(وهو نظم الورقات في الأصول)، وشرحه بشرح سماه (النصح المبذول)، و(توهين القول المتين، في الرد على الشماخي الإباضي)، وغيرها من المؤلفات([133]).

الشيخ أبو القاسم الحفناوي:

مفتي المالكية بالجزائر، ولد بقرية الديس سنة 1269 هـ- 1852م، تعلم على يد والده بمسقط رأسه ثم توجه إلى زاوية طولقة، ثم زاوية ابن أبي داود وأكمل تعليمه العالي بزاوية الهامل، ثم توجه إلى العاصمة سنة 1301 هـ- 1883م، وتولى الكتابة بجريدة المبشر إلى أن توقفت سنة 1344 هـ- 1927م، كما تولى التدريس بالجامع الكبير بالعاصمة منذ سنة 1315 هـ- 1897م، عين للفتوى سنة 1927.

كان واسع المعارف جماعا للكتب والوثائق، وهو صاحب الكتاب الشهير (تعريف الخلف برجال السلف)، توفي بمسقط رأسه سنة 1360 هـ- 1943م([134]).

محمد بن عزوز البرجي:

يعتبر محمد بن عزوز البرجي (برج طولقة) شيخ الطريقة الرحمانية الذي ورث عن شيخه مصطفى بن محمد باش تارزي الذي لم يكن مقدما للرحمانية في الجنوب فقط، ولكن في الجريد التونسي أيضا، كما أنه ولشهرته وكثرة أتباعه أصبح وكأنه مؤسس لطريقة جديدة تسمى العزوزية – الرحمانية، كما كان احتلال فرنسا لبسكرة وتطور أحداث الجزائر وتونس سببا آخر في تفريعات الطريقة الرحمانية، فعند احتلال بسكرة (1843-1844م) هاجر مصطفى بن محمد بن عزوز إلى نفطة وأسس بها زاوية رحمانية أصبحت ذات شهرة واسعة سيما قبل احتلال تونس سنة 1881م، حيث كان ولاء شيوخ الطريقة في فروع (طولقة، أولاد جلال، الأوراس، خنقة سيدي ناجي، الهامل، وادي سوف) لمصطفى بن محمد بن عزوز.

وزاوية نفطة التي أنشأها مصطفى بن عزوز والتي انفصلت عن الطريقة الرحمانية بالجزائر، أنشأها لنشر الطريقة بتونس، وقد كان صاحب شخصية جذابة بما له من فصاحة وبيان وتمكن في العلم وذوق صوفي وصدق في ممارسة الشعائر.

ومن تلامذة بن عزوز عبد الحفيظ الخنقي مقدم الرحمانية في خنقة سيدي ناجي ونواحيها، عمل على نشر التعليم والأذكار الصوفية، وبقي على ولائه لفرع الرحمانية بنفطة العزوزية، وكان لمصطفى بن عزوز أولاد منهم من بقي في الجزائر ومنهم من انتقل إلى تونس وأنشأ بها زوايا، وهم: الحفناوي الذي خلفه على زاوية نفطة، ومحمد الذي أسس زاوية بالقيروان، والمكي الذي اشتهر بالعلم والورع حيث هاجر إلى المشرق وعمل في نطاق الجامعة الإسلامية، وكان المكي قد تزوج من نواحي بوسعادة.

وكان أبناء عبد الحفيظ الخنقي على صلة بزاوية نفطة الرحمانية، حتى أن الأذكار هنا وهناك واحدة، وكانت فرنسا تشجع على التفرق بين الزوايا والشيوخ لأجل تسهيل التحكم فيها.

وترجع شهرة زاوية نفطة إلى كونها أصبحت مدرسة للتعليم بالإضافة إلى الدور الديني والاجتماعي، وكان رجالها يكملون تعليمهم بجامع الزيتونة، ويتولون الوظائف الدينية كالقضاء والتعليم، ومنهم الجزائريان المكي بن عزوز والخضر بن الحسين، وذهب إلى هذه الزاوية عدد من طلبة الجزائر للدراسة مثل عاشور الخنقي، كما هرب إليها بعض الثوار أمثال ناصر بن شهرة وشريف ورقلة ونزل فيها محي الدين بن الأمير عبد القادر سنة (1870-1871م) حين عاد إلى الجهاد، فأهل بسكرة وتبسة والوادي وتقرت كانوا يقصدون زاوية نفطة للتعلم والتصوف معا.

وبعد ثورة 1871م اضطهدت الطريقة الرحمانية، وهُدمت زواياها الواقعة في المناطق الثائرة وتفرعت إلى فروع وفقدت مركزيتها بعد هدم زاوية (صدوق) التي تزعمها الشيخ الحداد ونفي زعمائها إلى خارج الجزائر.

كما تذكر بعض المصادر أن الجنوب بصفة عامة كان تحت تأثير الزاوية العزوزية خصوصا عن طريق خريجيها أمثال مولود الزريبي المدرس بزاوية الهامل، وسيدي حامد العبيدي النفطي مدرس التجويد والقراءات، أو عن طريق معاهدها وزواياها المنتشرة في القطرين مثل زوايا طولقة والهامل والخنقة ووادي سوف([135]).

الشيخ محمد المكي بن عزوز:

كان قاضياً وفقيهاً، باحثاً بالإضافة إلى توجهه الصوفي الرحماني المختلف فيه، وقد هاجر أبوه من الجزائر لاجئا إلى تونس، ولد في مدينة نفطة بأرض الجريد في الجنوب التونسي سنة 1270 هـ، وتعلم بتونس، وولي الإفتاء بنفطة سنة 1297 هـ ثم قضاءها، وفي سنة 1313 هـ رحل إلى الآستانة إسطنبول، فتولى بها تدريس الحديث في دار الفنون ومدرسة الواعظين، واستمر إلى أن توفي بها.

من مؤلفاته (رسالة في أصول الحديث)، و(مغانم السعادة في فضل الإفادة على العبادة)، و(نظم الجغرافية التي لا تتحول بمغالبة الدول)، و(تعديل الحركة في عمران المملكة)، و(عمدة الإثبات في رجال الحديث)، و(إرشاد الحيران في خلاف القالون لعثمان في القراءةـ الجوهر المرتب في العمل بالربع المجيب)، و(إسعاف الإخوان في جواب السؤال الوارد من داغستان)، و(أصول الطرق وفروعها وسلاسلها)، و(إقناع العاتب في آفات المكاتب)، و(انتهاز الفرصة في مذاكرة متفنن قفصة)، و(الأجوبة المكية عن الأسئلة الحجازية)، وغيرها.

و لما توفي رثاه الشيخ الطيب العقبي بقصيدة تشمل على خمسين بيتا قدم لها بقوله: (وهذه قصيدة قلتها بالمدينة المنورة أرثي بها العلامة الشيخ محمد المكي بن عزوز دفين دار السعادة لما بلغني خبر وفاته، وكان مما يعز علي كثيرا لما بيني وبينه من المؤانسة وعظيم الوداد، ولم أرث أحدا قبله فهي أول مرثية لي، قال في مطلعها:

هي الدار في أحداثها تتجرم
 
سرور فأحزان فعرس فمأتم
 

إلى أن يقول:

بكت سنة من بعده وتألمت
 
فقد كان إن مست لها يتألم
 

و يختمها بقوله:

عليك سلام الله حيا وميتا
 
فآخر عهدي أنني بك مغرم
 

وقد وقع الخلاف في انتسابه للطريقة الرحمانية، بل للتصوف أصلا، فبينما يذكر باحثو الطريقة الرحمانية أنه كان صوفيا رحمانيا، وأنه ظل على هذا طول حياته، ومما يدل على هذا كتابه (السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني) يرد فيه على من أنكر كرامات الشيخ الشهير عبدالقادر الجيلاني وما نُسب إليه من خرافات، وقد تهجم فيه على دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وجوّز الاستغاثة بالأموات([136]).

وله – بالإضافة إلى هذا- منظومة سماها (وسيلة الأمان في مناقب الشيخ علي بن عثمان)، مطلعها:

حمدا لباسط الأنام في الورى
 
ما دامت الأشراف في الدنيا ترى
 

إلى أن يقول:

كشيخنا طود الأسانيد علي
 
هو ابن عثمان زكي العمل
 
محي طريق: جده التهامي
 
صلى عليه خالق الأنام
 

كما أنه قام بالرد على الشيخ رشيد رضا لما أنكر كرامات الأولياء ومما جاء في رده قوله: (أنتم تعلمون أن الكرامة ثابتة عند أهل السنة قاطبة حتى الإسفرايني والقشيري المروي عنهما البحث في شأن الكرامة ما أنكراها، وإنما قالا أنها لا تبلغ مبلغ المعجـزة، وبعضهم اشترط أن لا تتوالى ولا تترادف ترادفا يجعلها عادة وفيه نظر، وكلاهما الآن في جواز وقوعها إمكانا وسنة لا في عوارضها، وإرشاداتكم على طريقة السلف الصالحين في الاعتقاد، وهل نطـق بذلك أحد من أهل القرون الثلاثة؟ فتأملوا المسألة فإن خطرها كبير، والماديون والطبيعيون بالمرصاد، فإذا سمعوا علماء الملة يقولون بعدم خرق العادة، فيا بشراهم يبنون على هذا الأساس الموهوم ما شاءوا لأن مذاهبهم انعزال الخالق جل جلاله عن التصرف في العالم استغناء بالطبيعة، أعاذنا الله وإياكم من الضلالة وبالله التوفيق)

في مقابل هذا الرأي نجد من ينكر هذا ([137])، بل يعتبر الشيخ وهابيا سلفيا، ويذكر قصة لذلك، وهي أنه لما كتب كتابه (السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني)والذي اعترض فيه على من أنكر كرامات الشيخ عبدالقادر الجيلاني حرص على توزيع كتابه هذا في أنحاء البلاد الإسلامية، فوقعت نسخة منه بيد علامة العراق الشيخ السلفي محمود شكري الألوسي الذي بادر بعد قراءته للكتاب إلى مناصحة صاحبه بإرسال خطاب وعظي رفيق، دون أن يكتب اسمه عليه، مرفقٌ به أحد كتب علماء الدعوة السلفية.

ويذكرون أن هذه الهدية قد أثرت فيه، حيث تغيرت أحواله بعد انتقاله من تونس إلى الأستانة بتركيا.

ويذكرون أن جمال القاسمي كتب رسالة إلى الألوسي – ولم يدرِ برسالة الألوسي السابقة لابن عزوز – يقول فيها: (إن حضرة العالم النحرير، سليل العلماء الأفاضل السيد محمد المكي بن عزوز التونسي نزيل الأستانة كان من أشداء المتعصبين للجهميين والقبوريين، ثم بصّره الله تعالى الحق فاعتنقه، وأصبح يدافع عنه)([138])، ثم ذكر بتفصيل قصة تحوله إلى المذهب السلفي.

فأجاب الألوسي على رسالة القاسمي السابقة يذكر فيها رسالته له: (سرّني ما كان من المراسلة بين السيد محمد المكي وبين السلفيين في دمشق. وهذا الرجل أعرفه منذ عدة سنين ؛ فإن كتابه (السيف الرباني) لما طُبع في حضرة تونس أرسل منه لنقيب بغداد عدداً كثيراً من نسخه، فأعطاني النقيب يومئذ نسخة منه، فطالعتها فرأيت الرجل من الأفاضل، غير أنه لم يقف على الحقائق، فلذلك استحكمت الخرافات في ذهنه فتكلم على السلفيين، وصحح بعض الأكاذيب التي يتعلق بها مبتدعة الصوفية، وغير ذلك من تجويز الاستغاثة، والتوسل بغير الله، وإثبات التصرف لمن يعتقد فيهم الولاية، والاستدلال بهذيان ابن دحلان ونحوه… كما ترى بعضاً من ذلك في الورقة المنقولة عن كتابه. فأرسلت له كتاب “منهاج التأسيس” مع التتمة المسماة “بفتح الرحمن”، وذلك سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف، وكان إذ ذاك في تونس لم يهاجر بعد، ولم أعلمه بالمرسل، ويخطر لي أني كتبت له كتاباً أيضاً التمست منه أن يطالع الكتاب كله مع التمسك بالإنصاف، ولم أذكر أسمي ولا ختمته بختمي، وأرسلت كل ذلك إليه مع البريد الإنكليزي. وبعد ذلك بمدة هاجر إلى القسطنطينية، وكان يجتمع كثيراً مع ابن العم علي أفندي ويسأله عن كتب الشيخين ويتشوق إليها.. وقد اجتمع به ابن العم في هذا السفر الأخير وأخبرني عنه أنه الآن تمذهب بمذهب السلف قولاً وفعلاً وأصبح يجادل أعداءه، ويخاصم عنه. ولم يزل يتحفني بسلامه، ويتفضل علي بالتفاته)([139])

ويذكرون أن ابن عزوز – بعد هدايته للسلفية – كتب رسالة إلى الشيخ الكويتي عبدالعزيز الرشيد صاحب مجلة (الكويت) قال فيها: (دخل علي السرور ما الله به عليم في التعرف بكم وظفري بصاحب مثلكم، وذلك أن قلبي موجع من غربة العلم والدين وأهله وقلة أنصاره. وإيضاح هذا: أني لست أعني بالدين الدين الذي قنع به أكثر طلبة العصر والمنتسبين إلى العلم في الشرق والغرب من كل مذهب من مذاهب أهل السنة.

سارت مشرِّقة وسرت مغرباً  شتان بين مُشــرِّق ومغرِّب

ولكني أعني بالعلم والدين علم السنة، وما الدين إلا اتباعها وإيثارها على عصارات الآراء وهجومة المتفقهة، وما التوحيد إلا توحيد السلف الصالح، وأما غيره فأشبه بالضلالات وزلقات الهفوات.. ومن اللطائف أن في الشهر الأول والثاني من انفتاح البصيرة، ألقي إلي في مبشرة منامية قوله تعالى {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] والحاصل فما ذكر لكم من تلك المناقب لم ألبس منها ثوباً قط، وإنما أنا محب لأهلها، وذاب عنهم، وناصر لهم، ولعله يشملني حديث (المرء مع من أحب)([140]) فمن وصفني بما زاد على ذلك، فقد استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم)([141])

الشيخ عبد الكريم بن التارزي:

هو الشيخ عبد الكريم بن التارزي بن محمد بن عزوز البرجي (ت بعد 1344 هـ – 1926م)، من الأسرة العزوزية الشهيرة بالجنوب الجزائري والجنوب التونسي، وقد كان عالما فاضلا فقيها محدثا صوفيا، ولد بنفطة وأخذ العلم عن والده العالم الفاضل الولي الكامل الشيخ التارزي بن عزوز، وعن الشيخ محمد المكي بن عزوز، وعن شيوخ زاوية نفطة وتولى التدريس بها فترة، قرظ كتاب (السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني)، سنة 1309 هـ.

انتقل مع والده إلى المدينة المنورة، وأخذ عن شيوخها منهم: الشيخ محمد بن سليمان حسب الله (ت 1335 هـ)، تولى التدريس بالحرم المدني في بداية القرن العشرين، كان على علاقة علمية متينة مع الأسرة القاسمية، أجاز أيضا الشيخ مصطفى القاسمي في جميع تآليف الشيخ يوسف النبهاني، وفي إعطاء ورد الطريقة الرحمانية، وذلك في صفر 1343 هـ= 1925م. توفي بعد 1344 هـ = 1926م.

الشيخ الطاهر العبيدي:

هو الطاهر بن علي بن أبي القاسم بن العبيدي([142]) (1885- 1968م) أحد علماء وادي سوف المشهورين، بل أحد كبار علماء الجزائر، ومن علماء الطريقة الرحمانية، وله فيها رسالة منظومة في الدعوة إلى الطريقة العزوزية الرحمانية المعروفة بـ (النصيحة العزوزية في نصرة الأولياء والصوفية)،

يقول في مطلعها([143]):

إن ترد عزة وفضل مزيه
 
فتلق الطريقة العزوزية
 

بالإضافة إلى منظومة أخرى بعنوان (نصيحة الشباب المريحة للسحب والضباب)، و(منظومة جريان المدد في الاعتصام برجال السند) في 856 بيت، و(رسالة الستر)، و(رسالة في الرد على الطبيعيين)، و(رفع الإبهام عن مسائل الصيام)، وتفسيره للقرآن الكريم الذي كتب منه بعض تلامذته اجزاء لا تزال مخطوطة في كراريس، والكثير من الفتاوي والبحوث الاصولية لكنها مع الأسف مبعثرة عند تلامذته وحفدته والكثير منها ضاع.

ولد بمدينة الوادي، وتعلم بكتاتيبها، ثم أخذ عن عبد الرحمن العمودي ومحمد العربي بن موسى، أجازه الشيخ محمد المكي بن عزوز من الآستانة، انتقل إلى جامع الزيتونة بتونس ومكث فيه ثلاث سنوات، رجع إلى بلاده واستقر بتقرت أين تولى التدريس بالجامع الكبير بها لسنوات طويلة، وكان يتنقل هنا وهناك في زوايا وادي ريغ وطولقة والهامل وغيرها، واعظا ومدرسا، تخرج عليه المئات من طلبة العلم الشريف.

و من ابرز العلماء الذين أخذ عنهم من الجامع الأعظم الإمام محمد بن الطاهر بن عاشور، والعلامة محمد الخضر حسين، والشيخ أحمد بن مراد والشيخ حسن بن يوسف، وفضيلة الأستاذ محمد النجار، والشيخ أحمد البنزرتي والأستاذ الكبير صالح الهواري، والشيخ خليفة بن عروس، والشيخ بن محمود، والشيخ النخلي وغيرهم مكن الشيوخ.

و يعتبر الشيخ العبيدي عالم منطقة ورقلة وفقيهها المجتهد ومثقفها الأكبر لا يشاركه في ذلك مشاركة طيلة ستين سنة، وفي خلال هذه المدة استطاع أن يفسر القرآن الكريم، وفي العاشر من محرم سنة 1353 هـ الموافق ل 17 ابريل 1934 هـ ختم تفسيره للقرآن الكريم، وعاشت تقرت مهرجانا عظيما بالمناسبة.

و قد ذكر الدكتور سعد الله أنه كان بين الشيخ العبيدي صحبة مع الشيخ عبد الحميد بن باديس أيام طلبه للعلم بالزيتونة، يقول في ذلك: (و هناك أوجه شبه واختلاف بين ابن باديس والشيخ العبيدي، من ذلك صداقتهما أيام الطلب في تونس، وهو ما يشير اليه ابن باديس في رسالته بعبارة (قديم التذكار) رغم أنها عبارة غير صريحة في هذا المعنى)([144])

وقد ذكر الدكتور عبد الله حمادي في كتابه (دراسات في الأدب العربي القديم) رسائل من الشيخ عبد الحميد بن باديس إلى الشيخ الطاهر العبيدي([145])، وهي رسائل خطيرة في موضوعها، وربما تكون محل شك في صحتها، وسنتعرض لها بتفصيل في الفصل التالي لهذا الفصل عند الحديث عن العلاقة بين الجمعية والطرق الصوفية.

وما يهمنا منها هنا هو ذلك الثناء الذي أثنى به ابن باديس على الشيخ الطاهر العبيدي فمما جاء فيها قوله: (إلى حضرة علم العلم والفضل، ومعلم الكرم والنبل، التقي الطاهر، الأثواب السري البارع للأدب، مستحق الشكر منا بما له علينا من سابق الأيدي العلامة الشيخ سيدي أبي الطيب الطاهر العبيدي، أدامه الله بدرا طالعا في هالة درسه، وغيثا هامعا في ربع العلم، من بعد طمسه حتى وحشة قطره بأنسه، ويحقق من بساتين تلاميذه ثمرات غرسه آمين) ([146])

المطلب الثالث: الطريقة التيجانية

هي طريقة صوفية ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر على يد مؤسسها الشيخ أحمد التيجاني المكنى بابي العباس أحمد محمد التيجاني الشريف، وقد تواجدت مراكزها في الجزائر في العهد العثماني في: عين ماضي وتيماسين والأغواط وتوقرت وورقلة ووادي سوف([147]).

أولا ــ مؤسس الطريقة:

تنسب التيجانية إلى صاحبها الشيخ أبي العباس احمد بن محمد التيجاني الحسيني، ولد سنة 1737م، بدائرة عين ماضي بولاية الاغواط الجزائرية، لقب بالتيجاني نسبة للقبيلة التي تنتمي لها والدته وأخواله (بنو توجين)، نشأ في بيت صلاح وتقوى ووسط عائلي محافظ، حفظ القرآن الكريم برواية نافع عن أستاذه أبي عبد الله محمد بن حمو التيجاني المضاوي وعمره لم يتعد سبع سنوات، ثم اشتغل بطلب العلوم الأصولية والفرعية حتى تفرس فيها على يد الأستاذ الخبير والمرشد البصير الشيخ البركة المبروك ابن أبي عافية التيجاني المضاوي([148]).

وبعد وفاة والده غادر عين ماضي وراح يتنقل بين مناطق عدة منها (بوسمغول-توات-لبيض سيد الشيخ-تلمسان…) وفيها كان يتصل بالعلماء والفقهاء يأخذ عنهم ويستفيد منهم ثم انتقل إلى المغرب الأقصى ونزل بمدينة فاس، التي كانت ولا تزال حاضرة العلم، وهناك التقى بأعلام التصوف، فاجتمع بهم وتحاور معهم واخذ عنهم تعاليم التصوف ومبادئ التربية الروحية.

وكان من أول أساتذته الشيخ أحمد بن حسان القادري من مدينة فاس ثم تتلمذ على يد الشيخ مولاي الطيب الوزاني شيخ الطريقة الطيبية، وقد دام مكوث الشيخ التيجاني بمدينة فاس حوالي 18سنة كان خلالها يدرس ويتفقه في شتى العلوم الدينية والشرعية([149]).

وفي سنة 1773م بدأ الشيخ التيجاني في رحلته إلى الحج مواصلا تتبعه للطرق الصوفية، ولما بلغ قرية آيت إسماعيل ببلاد القبائل نزل عند الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأزهري وأخذ عنه الطريقة الرحمانية الخلوتية، ثم واصل رحلته إلى أن بلغ مقصده في شهر يناير سنة 1188هـ/1774م، هناك اتصل بشيخ هندي يدعى أحمد بن عبد الله وهو صوفي ورع وتقي زاهد فجالسه مدة شهرين أثنائها توفي الشيخ الهندي، وخلف للتيجاني عمله ومعارفه في الطريقة الصوفية.

وفي رحلة العودة مر التيجاني بالقاهرة وهناك التقى الشيخ محمد الخيضري الذي فوضه لنشر تعاليم الخلواتية في شمال إفريقيا، فانطلق مباشرة إلى مدينة فاس حيث مكث مدة يتعلم ويعلم علوم الدين وأسس الطريقة الصوفية الخلواتية، ثم انتقل إلى مدينة تلمسان ومنها توجه إلى قصري بوسمغون والشلالة بالصحراء الشرقية وهناك بنى خلوة له وانقطع للعبادة فقضى له الله بالفتح الأكبر، حيث رأى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقظة لا مناما فلقنه الورد الشريف الذي أصبح أسس الطريقة التيجانية ويشتمل على: (مائة من الاستغفار ومائة من الصلاة على النبي المختار صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أمر بتلقينه لكل من طلبه من المسلمين والمسلمات([150]).

مكث الشيخ التيجاني في زاويته بقصر بوسمغون ما يقارب ثمانية عشر سنة داعياً إلى مذهبه، ثم اخذ ينتقل بين المناطق الصحراوية الفاصلة بين توات والسودان الغربي وتونس يدعو إلى الإسلام وينشر تعاليم طريقته الصوفية، فكان كلما نزل بمكان استأنسه أهله أطال المكوث عندهم مربيا ومرشدا ويؤسس هناك زاوية له يعين عليها مقدم يكلفه بتلقين طريقته([151]).

واستمر الشيخ التيجاني ينشر دعوته إلى أن وافته المنية سنة 1815م بمدينة فاس المغربية، وكان قد استقر بها بعد مطاردة باي وهران (محمد الكبير) له واستلائه على قرية عين ماضي، وترك ذخرا كبيرا من المؤلفات الدينية أهمها: (الإرشادات الربانية بالفتوحات الإلهية من فيض الحضرة الأحمدية التيجانية)، وهي شرح لقصيدة الهمزية للبوصيري في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، و(جواهر الحقائق في شرح الصلاة المسماة ياقوتة الحقائق والتعريف بحقيقة سيد الخلائق)

وقد خلف ولدان باران تقيان زاهدان وهما (محمد الكبير) و(محمد الحبيب) الذي واصل نشر مذهب والده وجمع حوله العديد من المريدين والأتباع([152]).

ثانيا ــ مشايخ الطريقة التيجانية:

تشتهر الطريقة التيجانية بكثرة علمائها ومشايخها، وكثرة مؤلفاتهم([153])، ولكن مع ذلك فإنه لاشك أن أكثرهم تأثيرا في التيجانيين الجزائريين إبان عهد الجمعية شخصيتان مهمتان لازال تأثيرهما في الطريقة ساريا، وكلاهما من غير الجزائر، أما أحدهما فمن المغرب، وهو الشيخ أحمد سكيرج العياشي، والثاني هو الشيخ محمد الحافظ، وقد كان لكليهما زيارات للجزائر، وكان لكليهما – كذلك – بعض الردود على الجمعية، وهذه ترجمة مختصرة لهما:

الشيخ أحمد سكيرج العياشي:

هو العلامة، الفقيه، القاضي سيدي أحمد بن الحاج العياشي سكيرج، ولد بفاس سنة 1259هـ، وقرأ القرآن على الفقيه محمد بن الهاشمي الكتامي، ثم التحق بدروس العلم بمسجد القرويين بفاس، برع في الفقه والنحو واللغة والسيرة والحديث والتصوف والأدب والحساب والشعر، تقلد مناصب مختلفة أهمها نظارة الأحباس والقضاء، خاصة بمدينة سطات أخذ الإذن بالأوراد عن محمد قنون بمحراب زاوية التيجاني، وقرأ الفتوحات المكية والإنسان الكامل، كانت بمراكش سنة 1363هـ، ويعتبر من أكثر أتباع التيجاني كتابة وتأليفا إذ بلغت مؤلفاته أكثر من مائتي تأليف غالبها في الطريقة التيجانية، وفي مدح المصطفى عليه الصلاة والسلام في قصائد تناهز إحداها العشرين ألف بيت.

من أهم مؤلفاته: كشف الحجاب عمن تلاقى مع التيجاني من الأصحاب، ورفع النقاب (في أربع مجلدات)، وتطييب النفوس بما كتبته من بعض الدروس والطروس، والكوكب الوهاج، والذخيرة للآخرة (ديوان قصائد تقارب السبعين في مدح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) (تجاوز 2000 بيت)، والقصيدة الكافية بتضمين الهمزية في كاملية كافية (456 بيتا)، والوصية الشافية (وهي منظومة طويلة في الحكم والعلوم) (أبياتها 3042)، والذهب الخالص في محاذاة كبرى الخصائص (وهو نظم الخصائص الكبرى للحافظ جلال الدين السيوطي، في نحو 19150 بيتا، وقف في نظمها عشية يوم الخميس 22 رجب 1363 وتوفي بعد ذلك رحمه الله بشهر، وقد أتم نظمها أخوه الفقيه سيدي محمد سكيرج رحمه الله([154]).

الشيخ محمد الحافظ التيجاني:

هو الشيخ محمد الحافظ بن عبد اللطيف بن سالم التيجاني المصري المالكي الحسيني([155])، ولد عام 1315هـ في ربيعٍ الثاني، في بلدة (كفر قورص) مركز (أشمون) بـ (المنوفية) في مصر، قرأ القرآن الكريم، واللغة، والتفسير، والفقه، والحديث، والأصول… وغيرها، على كبار علماء عصره، وصحب الكثيرين من العلماء، وكان يلازم العالمَ حتى يحصل على كل ما معه من العلم، ويدخل مكتبته فلا يخرج منها إلا بعد أن يقرأ جميع ما فيها مما لم يَسبق له قراءته.

وقد كان له دور كبير في توضيح الحقائق الصوفية وتقريبها بالإضافة إلى دفاعه الشديد عن كل ما ينسب للطريقة التيجانية، ولذلك سنستعين بردوده وتوضيحاته في بعض مناقشات الجمعية مع الطرق الصوفية.

ولقد كان للشيخ علاقة طيبة بجماعة الإخوان المسلمين في بادئ الأمر، فإنه كان يرى أن تكون هناك دعوة عامة للإسلام بصرف النظر عن الدعوات الخاصة، وكانت للأستاذ حسن البنا صلة قوية بالشيخ من قبل أن يبدأ نشاط الجماعة، ثم قامت الجماعة وأنشئت، وكان الشيخ يرى أن لا تشتغل الجماعة بالسياسة الحزبية، بل تدعو للعمل بالكتاب والسنة بين جماهير الأمة، وتترك كلًّا على مذهبه السياسي الذي يعتنقه، فإذا اقتنعت جماهير الأمة برأي وانضمت إليه، فإنهم في الانتخابات سينتخبون الأقرب للعمل بمبادئهم من نفس حزبهم السياسي. وبالتدريج سيكون في المجلس النيابي أعضاء من جميع الأحزاب، إما من الجماعة، أو من المقتنعين برأيها، أو من مؤيديها، وهكذا سيأتي اليوم الذي يصبح فيه أغلبية النواب من سائر الِأحزاب من أنصار الجماعة، وسيأتي اليوم الذي يطلب فيه البرلمان العمل بالكتاب والسنة، ويضع التشريعات اللازمة لذلك.

بالإضافة إلى هذا، فقد كان الشيخ أحد القادة في ثورة سنة 1919م في مصر ضد الإنجليز، وحاربهم بشدة، وكان من قواد إحدى المعارك في أسيوط ضدهم، وقد قبض عليه الإنجليز وأودعوه أحد السجون.

من مؤلفاته: ترتيب وتقريب (مسند الإمام أحمد)، وترتيب (ذخائر المواريث) للنابلسي، وترتيب تخريج أحاديث (الإحياء) على حروف المعجم، وأمام كل حديث تعليق السيد مرتضى الزبيدي، وتخريج أحاديث (جواهر المعاني)، وتخريج أحاديث كتاب (اللمع) لأبي نصر الطوسي، وتحقيق الأحاديث الضعيفة في (سنن الترمذي)، و(أهل الحق العارفون بالله السادة الصوفية)، و(سلطان الدولة التيجانية بغرب إفريقيا: الحاج عمر بن سعيد الفوتي، وجهاده مع الكفار)، و(علماء التزكية هم أعلم الناس بالكتاب والسنة والصحبة الروحية لرسول الله r)، وهو عبارة عن ثلاث رسائل في الرد على المنكرين على أهل الحق، و(رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليقظة)، و(الإنصاف في رد الإنكار على الطريق)، و(التعليق على الإفادة الأحمدية)، و(قصد السبيل في الطريقة التيجانية)، و(أصفى مناهل الصفاء في مشرب خاتم الأولياء)، و(فصل المقال فيما يرفع الإذن في الحال)، و(شروط الطريقة التيجانية)، و(مجموع الأوراد في الطريقة التيجانية)، و(الإسراء يقظة بالروح والجسد)، و(التوفيق بين الطوائف الإسلامية المعاصرة في الأصول)، ومعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ([156])

توفي منتصف ليلة الاثنين 29 جمادى الآخر 1398هـ، الموافق 5 يونيه سنة 1879م.

المطلب الرابع: الطريقة العلاوية

وهي من أشهر الطرق الصوفية الجزائرية المعاصرة، ومن أكثرها علاقة مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بل يكاد يحصر التعامل بين الجمعية والطرق الصوفية في هذه الطريقة، ولهذا سنرجع إليها كثيرا عند مناقشة المسائل المختلفة.

وسنتحدث هنا باختصار عن مؤسس الطريقة وكبار مشايخها ممن كانت لهم علاقة بالجمعية، أما التفاصيل المرتبطة بتوجهها الفكري والسلوكي ومواقفها المختلفة، فسنتحدث عنها بتفصيل في أكثر المحال في هذه الرسالة.

أولا ــ مؤسس الطريقة:

هو الشيخ أبو العباس أحمد بن مصطفى بن عليوة المعروف بالعلاوي المستغانمي([157]) مولدا ونشأة، ولد بمستغانم عام 1869، وتوفي بها سنة 1934، تعلم مبادئ الكتابة والقرآن الكريم على يد والده الحاج مصطفى الذي كان معلما للقرآن الكريم، فانتهى به الحفظ إلى سورة الرحمن، ثم اضطر إلى ممارسة التجارة ليعول عائلته خاصة بعد وفاة والده، وهو في سن مبكرة, إلا أن ذلك لم يمنعه من الانكباب على ملازمة الدروس ليلا رفقة جماعة من الطلبة في الفقه، والتوحيد، والتفسير على يد جماعة من مشايخ المدينة، إلى أن التقى بأستاذه الروحي الشيخ سيدي محمد بن الحبيب البوزيدي، فلازمه إلى أن وافته المنية سنة 1909، وكان قد قضى في صحبته نحو خمس عشرة سنة، فبويع بعده بالخلافة على رأس الطريقة الدرقاوية بمستغانم ونواحيها، حوالي عام 1909، وخلال بداية العقد الثاني من القرن العشرين، أسس الطريقة العلاوية، معلنا بذلك عن ميلاد طريقة روحية جديدة في أساليبها.

وقد اشترى ابن عليوة مطبعة للزاوية، وأسس صحفا كانت تنشر نشاطه كما كانت ترافع عن الزاوية ضد مخالفيها ومن أشهر صحفه أسبوعية (لسان الدين) و(البلاغ الجزائري)، حيث كان لهما آراء صريحة لتأييد الجامعة الإسلامية واليقظة الوطنية، وقد وقفت ضد الاندماج وأنصاره وضد التجنيس ودافعت بشدة عن اللغة العربية.

وقد عمل الشيخ على إبراز الزاوية في شكل يتلاءم ومستجدات العصر الحديث مع الحفاظ على دورها التربوي الروحي، فسارع إلى بناء زاوية جديدة تجمع جملة من المرافق من أجل تبليغ رسالته التربوية والاجتماعية كأقسام الدراسة والمطبعة والمخبزة، واستقطب إليها نخبة من العلماء في التفسير، والحديث، وأحكام الفقه، واللغة العربية.

من مؤلفاته: الرسالة العلاوية في البعض من المسائل الشرعية، ومبادئ التأييد في بعض ما يحتاج إليه المريد، وقواعد الإسلام بالفرنسية، ونقد وردود ورسـائـل، ورسالة الناصر معروف في الذب عن مجد التصوف، والقول المقبول فيما تتوصل إليه العقول، والقول المعتمد في مشروعية الذكر بالإسم المفرد، وأعذب المناهل في الأجوبة والرسائل، ورسالة القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف، ومنهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ويتضمن كتبا ثلاثة هي: 1) النموذج الفريد المشير لخاص التوحيد، 2) لباب العلم في سورة (والنجم)، 3) مفتاح علوم السر، في تفسير سورة (والعصر)، والبحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور (جزآن)، والمواد الغيثية الناشئة عن الحكم الغوثية (جزآن)، والمنح القدوسية في شرح المرشد المعين بطريق الصوفية، والنور الضاوي في حكم ومناجاة الشيخ العلاوي، ودوحة الأسرار في معنى الصلاة على النبي المختار، ونور الأثمد في سنة وضع اليد على اليد في الصلاة، ومنهاج التصوف والتعرف إلى حقيقة التصوف، ومعراج السالكين ونهاية الواصلين، ومفتاح الشهود في مظاهر الوجود، والأبحاث العلاوية في الفلسفة الإسلامية، ومظهر البينات في التمهيد بالمقدمات.

ثانيا ــ مشايخ الطريقة العلاوية:

مع أن الطريقة العلاوية من الطرق المعاصرة إلا أنها بسبب انتشارها الواسع في كثير من الدول العربية وغيرها حظيت بالكثير من الباحثين والمثقفين بالإضافة إلى مشايخ الطريقة الذين خلفوا الشيخ العلاوي.

وسنذكر هنا باختصار بعض النماذج عن الشخصيات الكبرى في الطريقة العلاوية.

الحاج عدة بن تونس:

هو الشيخ عدة بن تونس ابن (بن عودة) ولد بحي تجديت بمدينة مستغانم (الجزائر) عام 1898، تعلم وسلك في شبابه بالزاوية العلاوية الكبرى، على يد الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي، الذي أذن له في الرحيل إلى جامع الزيتونة، فمكث هناك نحو العامين ثم عاد إلى مستغانم فلازم شيخه ملازمة مكنته من المعرفة التامة بأحوال الشـــيخ العلاوي ونشاطه الديني والروحي حتى وفاته عام 1934 بعد أن أوصى بالخلافة ورعاية شؤون الزاوية الكبرى للشيخ عدة بن تونس، فقام بمهام الطريقة العلاوية وفق المنهج الذي رسمه أستاذه أحسن قيام، حيث عمل على نشر الطريق والدعوة إلى الله، وأنشأ عددا من الزوايا في الجــــــزائر وخارجــــها، مـن أجــل الـتـربــيــة والــتــعـــلــيـم، والتوجـيـــــــــــه والإرشاد، رغم الظروف القاسية التي شلت كل نشاط ديني واجتماعي، أثناء الحرب العالمية وبعدها.

من أهم ما قام من أعمال إصداره عدة جرائد منها: جريدة لسان الدين الثانية من 1937 إلى 1939 (حيث أصدرت جريدة لسان الدين الأولى في عهد الشيخ العلاوي)، ومجلة المرشد الشهرية باللغتين (العربية والفرنسية) من 1946 إلى 1952 للدفاع عن تعاليم الإسلام، وتبليغ مبادئه لغير المسلمين إلى جانب مجلة أحباب الإسلام الناطقة بالفرنسية التي أسسها لنفس الغرض.

إلى جانب ذلك قام الشيخ بإنشاء مؤسسة لإعادة تأهيل الشباب المنحرفين (1940) تحتوي على أربع ورشات للتكوين: الميكانيكا، النجارة، الطباعة والمخبزة.

من مؤلفات الشيخ: الروضة السنية في المآثر العلاوية، وتنبيه القراء إلى كفاح مجلة المرشد الغراء،و هي مجموع مقالاته الصحفية صدرت تحت هذا العنوان، والدرة البهية في أوراد وسند الطريقة العلاوية، ووقاية الذاكرين من غواية الغافلين، ومجالس التذكير في تهذيب الروح وتربية الضمير، وفك العقال عن تصرف الأفعال.

وقد أسهم في نشر معظم التراث المخطوط الذي خلفه الشيخ العلاوي، وأشرف بـنـفـسه عــلى تـحـقـيـقـه وطبعه.

ومن الجمعيات التي أسسها الشيخ: (جمعية الشبيبة العلاوية)، و(جمعية التنوير)، و(جمعية أحباب الإسلام) التي تنشط حتى اليوم بأروبا.

توفي سنة 1952 وهو في الرابعة والخمسين، وعهد بالخلافة لولده الشيخ بن تونس محمد المهدي([158]).

الشيخ محمد بن خليفة المدنى:

ولد الشيخ محمد المدني بن خليفة بن حسين بن الحاج عمر خلف الله بقصيبة المديوني ولاية المنستير عام 1888 ميلادية, درس في جامع الزيتونة، ومن مشايخه فيها الشيخ محمد بن يوسف وشيخ الإسلام المالكي بلحسن النجار والعلامة محمد طاهر بن عاشور.

عندما حلّ الشيخ ابن عليوة بتونس ليطبع له كتاب (المنح القدسية في شيخ المرشد المعين بالطريقة الصوفية) أعجب به الشيخ (محمد بن خليفة المدني، وأصرّ أن يسافر مع شيخه إلى الجزائر، وهناك تفانى في خدمته وقرّبه وأدناه، حتى صار من أعزّ الخواص وقد اقتضى نظره إلى أن يوجهه إلى نشر الطريقة في 11 ذي الحجة 1329هـ، وبقي في خدمة شيخه نحو ثلاث سنوات استكتبه فيها لتأليف رسائله، ثم أجازه في تلقين الورد العام والاسم الخاص والمفرد، وتلقين أسرار التوحيد وأذنه في نشر الطريقة بالقطر التونسي.

وقد ذكر الشيخ المدني صحبته للشيخ ابن عليوة، فقال: (أما إجتماعنا بالأستاذ رضي الله عنه وأرضاه فقد كان في أول زيارة تشرفت به حاضرة تونس في سنة 1328 هجرة من بعث على أكمل وصف, وكنت أظن أن الأستاذ كغيره من مشائخ زماننا المدعين، ولكن ما لبثت بعد إستماع تذكيره ولطيف تعبيره وصولة كلامه وسطوة معانيه وأفهامه أن قلت كما قال ابن عبد السلام مع الشاذلي: (هذا الكلام قريب العهد من رب العالمين)، فعند ذلك تشرفت بالتسليم عليه والمثول بين يديه, فلقنني ورد طريقته العام بطريق المصافحة, ثم لقنني الإسم المفرد وأذنني في ذكره بكيفية خاصة بعد أن أدخلني الخلوة, ولكن ما لبثت في الذكر زمنا يسيرا حتى فتح الله على عين قلبي فحصلت على الفتح المبين ببركة الاستاذ رضي الله عنه والمنة لله, وقد بقيت في خدمته بعد الذكر نحو الثلاث سنين متفرقة منها سنة متصلة استكتبني في تلك المدة لتآليفه ورسائله, فكنت أستفيد منه في كل وقت وحين من أسرار التوحيد ودقائق تفسيره في القرآن العظيم ورقائق شرحه للحديث الشريف, وما سمعت منه مدة إقامتي عنده كلمة إلا فيما يعود بالنفع ظاهرا وباطنا, ثم أجازني في تلقين الورد العام والاسم المفرد الخاص لمن فيه أهلية للمزيد وتلقي أسرار التوحيد ففتح الله على كثير من الفقراء ببركة إذنه المبارك والله يزيدنا من فضله فإن الفضل بيده يؤتيه من يشاء من عباده وهو على كل شيء قدير)

وقد امتثل الشيخ للإذن ونشر الطريق في عدة بقاع، وقضى 49 سنة في التذكير إلى أن توفي بأحد مستشفيات سوسة، وذلك في 14 ماي 1959 م([159]).

خاتمة الفصل

من النتائج المهمة التي يمكننا استخلاصها من هذا الفصل:

1 ــ أن تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يعتبر من من أدق المنجزات التاريخية في الجزائر، باعتبار الظروف الاستعمارية التي كانت تمر بها الجزائر حينئذ، وباعتبار الواقع الديني الذي كان يشكل فيه المحافظون نسبة أكبر بكثير من نسبة الإصلاحين، وباعتبارات أخرى كثيرة، ومع ذلك، فقد كانت هناك عوامل كثيرة ساعدت على تأسيسها من آثار دعوة الإمام محمد عبده التي تأثر بها المصلحون الجزائريون، ومنها الثورة التعليمية التي أحدثها الشيخ عبد الحميد ابن باديس بدروسه، ومنها التطور الفكري الطي مان من مخلفات وآثار الحرب العالمية الأولى، ومنها رجوع طائفة من المثقفين الجزائريين الذين كانوا يعيشون في المشرق العربي ولا سيما في الحجاز والشام والذين من أبرزهم الإبراهيمي والعقبي.

2 ــ أن المؤرخين للجمعية اختلفوا حول البداية الحقيقية للتفكير في تأسيسها، وبناء على ذلك اختلفوا في المؤسس الحقيقي لها، ولو أن أكثرهم يميل إلى اعتبار الشيخ ابن باديس هو أول من فكر في ذلك، وأسس له.

3 ــ من أهم منجزات المرحلة الباديسية، وهي الفترة التي ولي فيها ابن باديس قيادة جمعية العلماء استبعاد المحافظين من الجمعية، والذين يشملون خصوصا على رجال الطرق الصوفية، والذين كانوا يشكلون جزءا مهما من الجمعية عند تأسيسها.

4 ــ يعتبر حضور الجمعية في عهد ابن باديس للمؤتمر الإسلامي في شهر جوان 1936 من أهم الأنشطة السياسية التي قامت بها الجمعية، والتي لقيت في نفس الوقت جدلا في مدى جدواها وتأثيرها.

5 ــ بعد وفاة ابن باديس تولى الإبراهيمي رئاسة الجمعية بناء على أن القانون الأساسي للجمعية يقضي بتولية النائب في حالة وفاة الرئيس، وقد اشتد الصراع في عهده بينه وبين رجال الطرق الصوفية، بالإضافة إلى مساهمته في بناء المدارس.

6 ــ يعتبر الشيخ العربي التبسي من الشخصيات المهمة التي كان لها الدور الكبير في الجمعية ابتداء من تأسيسها، وانتهاء بحلها، وقد تولى الرئاسة الفعلية لجمعية العلماء من (1952-1956)، وقد تحمل في هذه المرحلة ما تنوء الجبال بحمله، وذلك باعتراف كل رجال الجمعية بما فيهم الشيخ البشير الإبراهيمي نفسه، إلى أن أوصل الجمعية إلى حل نفسها يوم 07/01/1956م كي لا تتورط مع الإدارة الاستعمارية في الدخول في المفاوضات والطروحات الاستسلامية([160]).

7 ــ تشكل الطرق الصوفية جزءا مهما من تاريخ الجزائر الديني والثقافي والاجتماعي، بل والسياسي، ولهذا نجد المستعمر الفرنسي قد أولاها أهمية كبرى، فأرشيفه يحتوي على تفاصيل كثيرة عن أعدادها وزواياها ومشايخها، بل حتى توجهاتها الروحية والفكرية.

8 ــ أن هناك أربعة طرق كبرى، هي (القادرية، والرحمانية، والتيجانية، والعلاوية) كان لها دور فاعل في التاريخ السياسي والثقافي الجزائري، وكان لها جميعا صلات خاصة مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

9 ــ أن الطريقة العلاوية من أشهر الطرق الصوفية الجزائرية المعاصرة، ومن أكثرها علاقة مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بل يكاد يحصر التعامل بين الجمعية والطرق الصوفية في هذه الطريقة.


([1])  سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المنعقد بمركزها العام، نادي الترقي بالجزائر، دار الكتب، 1982 ، ص46، وما بعدها، وانظر: آثار الإبراهيمي: 1/181.

([2])  لعل من أسباب الخلاف في هذا أن النداء الذي نشرته الشهاب في شهر فيفري 1931 (إلى كافة الشعب الجزائري)، والذي  جاء فيه : (هل من حازم يوفق لتأسيس جمعية العلماء فينال جائزة مالية مع تخليد اسمه )، لم يذكر فيه اسم الداعي، بل اكتفت جريدة الشهاب بقولها (والداعي إلى إعادة بحث هذا الموضوع الهام هو أحد الفضلاء الممتازين )

([3])  أحمد توفيق المدني (1899- 1984) من مواليد مدينة تونس وهو من عائلة جزائرية، زعيم سياسي قدير درس بالزيتونة وشارك في النضال الوطني بتونس ضمن الحزب الدستوري، سجن عدة مرات، له عدة مؤلفات منها كتاب الجزائر 1931، وكتاب هذه هي الجزائر 1957، وكتاب حياة كفاح في ثلاثة أجزاء ،عرف بنشاطه السياسي والصحافي انظر في ترجمته: محمد الطاهر العدواني، مجلة التاريخ، العدد 18( م.و.ف. م، الجزائر،1985) ص169.

([4])  أحمد توفيق المدني، حياة كفاح، ج 2،، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،الجزائر، 1977، ص 174.175.

([5])  وهم: محمد العاصمي ومحمد عبابسة وعمر إسماعيل.

([6])  المدني، حياة كفاح، ج2، ص  ص.175. 176.

([7])  المدني، حياة كفاح، ج2، ص 177.

([8])  أحمد الخطيب: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983، ص 107.

([9])  أحمد توفيق المدني، مذكرات حياة كفاح 1925/1954م، ج2 ( ش. و. ن. ت، الجزائر 1977) ص111.

([10])  لقد كان الإمام ابن باديس يعتز كثيرا بالشيخ خير الدين، فأثناء تجديد المجلس الإداري عام 1938 م، وأثناء التعريف بأعضائها قال: (و ثالثهم الشيخ محمد خير الدين عميد الحركة الإصلاحية في بسكرة وضواحيها وهو- من بين إخوانه – ممتاز بحسن التدبير التجاري والفلاحي، الذي قلّ أن لا يعود عليه بالأرباح لكنه كثيرا ما ترك ذلك في سبيل خدمة الجمعية بذلك التدبير، وهو مراقب الجمعية العام) (محمد خير الدين، المذكرات،ص 294. أنظر أيضا: عبد الحميد بن باديس: (المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين) ،جريدة البصائر، العدد 28 ،137 أكتوبر 1938 ،ص2)، ومثله الشيخ الإبراهيمي الرجل الثاني، فقد كان يعتمد عليه كثيرا، وكان ينشد دائما قوله:

الدين خير كله وأنا أرى =من خير هذا الدين (خير الدين)

(محمد خير الدين:المصدر نفسه، ص 231)

([11])  رابح تركي، المرجع السابق : ص 66 – 67.

([12])  مذكرات الشيخ محمد خير الدين: 1/83.

([13])  مذكرات الشيخ محمد خير الدين: 1/83.

([14])  آثار الإبراهيمي: (5/278.

([15])  آثار الإبراهيمي: (5/279)

([16])  آثار الإبراهيمي: (5/279)

([17])  آثار الإبراهيمي: (5/279)

([18])  مالك بن نبي، مذكرات شاهد للقرن، دار الفكر، دمشق، سورية، 1984، 132.

([19])  انظر: أحمد مريوش ;الشيخ الطيب العقبي ودوره في الحركة الوطنية الجزائرية، مطبعة دار هومة الجزائر،2007، ص 143.

([20])  إتيان دينيه (1861/1929) ولد بباريس، والداه محاميان، وهو رسام فرنسي مشهور أعلن إسلامه بالجزائر وأتخذ اسم ناصر الدين سنة 1927م برع في التصوير وله لوحات معروفة، ألف بالفرنسية كتاب محمد بالاشتراك مع سليمان الجزائري وحلاه برسوم من ريشته، له بالفرنسية : حياة الصحراء ،أشعة من نور الإسلام، توفي بفرنسا بنوبة قلبية وأوصى بنقل جثمانه إلى بوسعادة للمزيد أنظر : سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج8، ص 415.

([21])  مريوش، الطيب العقبي، ص.ص.124. 125.

([22])  ) محمد علي دبوز، نهضة الجزائر وثورتها المباركة، ج2،ط1( المطبعة العربية، الجزائر، 1971) ص 115.

([23])  مريوش، الطيب العقبي، ص.ص 129. 130.

([24])  عرف محمد الطاهر فضلاء هذا الجيش بأنه: منظمة تشبه الفدائيين مكونة من الشباب المصلحين المتأثرين بالحركة الإصلاحية الجديدة والمبهورين بشخصية الطيب العقبي، تأثروا بدروسه ومحاضراته واهتدوا إلى الإقلاع عن الدنايا والتكفير عن السيئات بالرجوع إلى الله والاهتداء بهديه، ثم استعمال العنف أحيانا للدفاع عن الحركة الإصلاحية ومحركها الشيخ الطيب العقبي وكانوا حرسا له أينما كان وحيثما حل. انظر: محمد الطاهر فضلاء، الطيب العقبي رائد الإصلاح الديني بالجزائر ( م. و. ف. م، الجزائر، 1985) ص57، وقد ذكر لي الدكتور أحمد عيساوي أن هذا غير صحيح.

([25])  انظر : مريوش، الطيب العقبي، ص132.

([26])  بن نبي، مذكرات شاهد للقرن – الطالب – ص256.

([27])  عمر إسماعيل : أحد أعيان العاصمة وأثريائها قام بدور كبير في تأسيس نادي الترقي ماديا، تولى رئاسة اللجنة الدائمة التي وضعت لتأسيس الجمعية وساعده في ذلك محمد المهدي (كاتب)، وآيت سي أحمد عبد العزيز (أمين المال)، ومحمد الزمرلي والحاج عمر العنق (عضوان) (انظر: مريوش، الطيب العقبي، ص 144)

([28])  انظر: الموقع الرسمي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين على الرابط التالي (http://www.oulama.dz/)

([29])  الشهاب ،ج 5، م7، المطبعة الجزائرية الإسلامية قسنطينة، محرم 1350هـ، ص 341.

([30])  يفسر المؤرخون للجمعية سر تغيب ابن باديس عن الاجتماع هو أنه رأى في غيابه حكمة لتدعيم الجمعية وأن غيابه كان بأمر من المجتمعين حتى لا تتفطن الإدارة لأبعاد جمعية العلماء (مريوش، الطيب العقبي، ص 145)، وهذا ما أكده محمد بن خير الدين الذي يذكر أن ابن باديس ذكر له أنه لن يلبي دعوة الاجتماع، ولن يحضر في يومه الأول حتى يقرر المجتمعون استدعاءه بصفة رسمية، فيكون بذلك مدعوا لا داعيا، وبذلك يتجنب ما يكون من ردود فعل تقوم بها السلطة الفرنسية في البلاد وأصحاب الزوايا ومن سار في ركابها، وبهذا الرأي السديد نجحت الخطة (محمد خير الدين، مذكرات، ج1، ط1( مؤسسة الضحى، الجزائر ،2002) ص89)

([31])  عبد الكريم بو صفصاف، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلاقاتها بالحركات الجزائرية الأخرى (1931 – 1945)، المؤسسة الوطنية للكتاب،الجزائر، ص101-102.

([32])  آثار الإبراهيمي، ج5، ص281.

([33])  وأهم ما جاء فيه في القسم الأول والفصل الأول: (أنه تأسست بالجزائر جمعية ثقافية تحت اسم (جمعية العلماء المسلمين)، مركزها نادي الترقي. كما نص القانون في نفس الفصل، وفي الفصل الثالث أنه لا يسوغ للجمعية الخوض في المسائل السياسية، وكان هذا المبدأ كضمان أول وشرط أساسي لكي توافق الحكومة الاستعمارية لقيام هذه الجمعيـة (الفضيل الورتيلاني، الجزائر الثائرة، دار الهدى- عين مليلة، الجزائر، ص149)، كما حدد القانون أهداف الجمعية في الفصل الرابع، ولكي تباشر الجمعية في أعمالها وتحقق مقاصدها، كان لا بد لها من ترخيص من طرف الإدارة الفرنسية، وتم تقديم طلب الموافقة على تأسيس الجمعية نظرا لضمها أعضاء مصلحين ورجال دين، وبفضل هذه المرونة والتكتيك سارعت الإدارة الفرنسية للاعتراف بها والموافقة على قادتها في مدة وجيزة لا تتعدى 15 يوما (أبوالقاسم سعد الله: الحركة الوطنية 1930-1945 ،ط2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ج3 ،ص83)

([34])  الشهاب ،ص341..

([35])  انظر : أحمد توفيق المدني :حياة كفاح، مذكرات، في الجزائر 1954-1925 )، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1988، ص177-178.

([36])  انظر : علي حشلاف، المرجع السابق، ص12.

([37])  آثار الإبراهيمي: 5/281.

([38])  انظر: محمد الطاهر فضلاء : دعائم النهضة الوطنية الجزائرية، ط1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر 1968 م، ص : 102-104.

([39])  محمد الطاهر فضلاء : دعائم النهضة الوطنية الجزائرية، ص 102-104.

([40])  الشهاب : ج6، م7، غرة صفر 1350هـ جوان 1931.

([41])  من أهم ما يذكره المؤرخون للجمعية عند ذكرهم لمنجزات الجمعية في عهد ابن باديس:

–    دوره في إخماد نار الفتنة بين اليهود والمسلمين (فاجعة قسنطينة) صيف 1934 م.

–    الدعوة إلى عقد مؤتمر إسلامي والمساهمة فيه شهر جوان 1936 م.

–    مشاركته ضمن وفد المؤتمر إلى باريس في شهر جويلية 1936 م.

–    موقفه السّياسيّ من وعود حكومة فرنسا.

–    محاورة لجنة البحث في البرلمان الفرنسي في شهر أبريل 1937 م.

–    دعوة النواب إلى مقاطعة المجالس النيابية في شهر أوت عام 1937 م.

–    نداءه لمقاطعة الاحتفالات القرنية لاحتلال مدينة قسنطينة خريف 1937 م.

–    موقفه من قانون 8 مارس 1938 م.

–    موقفه من إرسال برقية التضامن مع فرنسا ضد التهديد الألماني.

–    مقاومة سياسة الاندماج والتجنيس.

–    الوقوف في وجه المحاولات الهادفة إلى زعزعة الوحدة الوطنية.

([42])  وهذا لا يعني اختزال المنجزات في هذا، فالجمعية في هذه الفترة كانت في أنشط عهودها، فقد قامت بالتعريف بمبادئها من خلال صحفها، وتأسيس عدد من المدارس والمساجد، كما قامت بإنجاز ثقافي امتد إلى فرنسا من خلال جهود الفضيل الورثلاني للجالية العمالية الجزائرية بتلقين أبنائها مبادئ القراءة، والكتابة بالعربية، ومبادئ الدين الإسلامي، وتاريخ الإسلام، وجغرافية الجزائر، حتى يرتبط الصغار الجزائريون في المهجر بالحضارة العربية الإسلامية، وبوطنهم الأصلي الجزائر.. وغيرها كثير.

.

([43])  آيت علجت، محمد الصالح : الشيخ المولود الحافظي حياته وآثاره، تقديم الدكتور محمد الشريف قاهر، الجزائر، منشورات دار الكتب، 1998، ص 63-75.

([44])  آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (1/ 188)

([45])  انظر: الشهاب: ج 8، م 8، ص 401 – 409 غرة ربيع الأول 1351ه – أوت 1632م، وانظر: آثار ابن باديس: 4/321.

([46])  الشهاب: ج 8، م 8، ص 401 – 409 غرة ربيع الأول 1351ه – أوت 1632م، وانظر: آثار ابن باديس: 4/321.

([47])  سعد الله، الحركة الوطنية: 3/93.

([48])  بلوم هو رئيس الوزراء في حكومة الجبهة الشعبية و(فيوليت) كان حاكمًا للجزائر في العشرينات، وقد عين في هذه الحكومة مختصًا بالشؤون الجزائرية.

([49])  ينظر ابن باديس حياته وآثاره 3 : 370..

([50])  وقد  ذكر أحمد ابن ذياب وحمزة بوكوشة أن صاحب الفكرة في الأصل هو الأمين العمودي الذي أشار ﺑﻬا على ابن باديس، وطلب منه أن تكون الدعوة صادرة باسمه انظر: أحمد ابن ذياب (جوانب نضالية من حياة الشهيد محمد الأمين العمودي)، مجلة الثقافة، السنة الخامسة عشر، عدد 86، مارس أفريل 1985، ص235، وانظر: حمزة بوكوشة : مجلة الثقافة، عدد 06، جانفي 1972، ص 59.

([51])  انظر: آثار الإمام 4 : 118..

([52])  آثار الإبراهيمي: (1/256) وما بعدها، وانظر: حمزة بوكوشة : مجلة الثقافة، عدد 06، جانفي 1972، ص 59.

([53])  كلمة فرنسية معناها الجرائم، الجنايات.

([54])  مع ذكر ابن باديس للقائه مع وزير الحربية إلا أنه لم يذكر هذا (انظر: آثار ابن باديس: 3/340)، وانظر: حمزة بوكوشة : مجلة الثقافة، عدد 06، جانفي 1972، ص 61.

([55])  آثار ابن باديس: 3/340.

([56])  وقد أثرت هذه الحادثة كثيرا في مسيرة الجمعية، ولعلها من الآثار السلبية لدخول المؤتمر، وقصتها هي أن رجلا معروفا بالإجرام يقال له عكاشة، نفذ جريمته يوم 2أوت 1936م بقتل المفتي في الوقت الذي كان فيه العقبي وسائر ممثلي المؤتمر مجتمعين بالملعب البلدي[20أوت حاليا] يشرحون للأمة المطالب التي تقدموا بها إلى الحكومة الفرنسية، فلما ألقي عليه القبض ادعى الجاني أنه تسلم من العقبي خنجرا من صنع بوسعادة ومبلغ 30000فرنكا، فاعتقل العقبي ورفيق له وزج بهما في السجن، وأغلق نادي الترقي، وضيق على أعضاء الجمعية في العاصمة، واحتشدت الجماهير وتجمعت تلقائيا احتجاجا على اعتقال الشيخ وصاحبه فكادت تحدث فتنة عمياء لولا أن توجه إليهم ابن باديس والإبراهيمي بأن يقابلوا الصدمة بالصبر والتزام الهدوء والسكينة، فقضى الشيخ في السجن سبعة أيام، ثم تراجع عكاشة عن تصريحاته بعد ذلك وأنكر أن تكون له علاقة بالعقبي وصاحبه، فأفرج عنهما بصفة مؤقتة، ووضعا تحت المراقبة مع إمكانية التوقيف عند الضرورة، ثم لم يُفصل في القضية إلا بعد ثلاث سنوات، حيث حكم ببراءة العقبي وصاحبه بتاريخ 28 جوان 1939، ويرى البعض أن الحادثة قد أثرت كثيرا على العقبي ومواقفه، ولعلها من أسباب استقالته بعد ذلك من الجمعية، لكن الإبراهيمي يذهب إلى عكس ذلك، فيقول في (الآثار (1/279): (ومن آثار هذه الحادثة على الأستاذ العقبي أنها طارت باسمه كل مطار ووسعت له دائرة الشهرة حتى فيما وراء البحار، وكان يوم اعتقاله يوما اجتمعت فيه القلوب على الألم والامتعاض، وكان يوم خروجه يوما اجتمعت فيه النفوس على الابتهاج والسرور) (انظر: الحادثة بتفصيل في: أحمد حماني، صراع بين السنة والبدعة، ج2، ص177)

([57])  مذكرات شاهد القرن، ص 384.

([58])  (المطربشة) كناية عن الزعماء السياسيين خريجي الجامعات، وهذه المصطلحات كانت قد ظهرت في مصر أثناء الصراع بين قيادات الأخوان المسلمين أصحاب العمائم الأزهريين وبين خريجي الجامعات من (الأفندية) كما كانوا يسمون.

([59])  مذكرات شاهد القرن، ص 384.

([60])  مذكرات شاهد القرن، ص 384.

([61])  مذكرات (386)، وانظر: د. محمد العبدة، مالك بن نبي وجمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين، مقال بموقع ابن باديس على هذا الرابط: (http://www.binbadis.net)

([62])  مذكرات (386).

([63])  مذكرات (386).

([64])  مذكرات (386).

([65])  آثار الإبراهيمي: 5/132.

([66])  الآثار الكاملة 3/69.

([67])  يسمى هكذا النذر الذي يقام كل سنة قبل قيام الحركة الإصلاحية في المدن الجزائرية، انظر حديث مالك بن نبي عن هذا في (مذكرات شاهد القرن)، ص 386.

([68])  انظر: حمزة بوكوشة : مجلة الثقافة، عدد 06، جانفي 1972، ص 60، وما بعدها.

([69])  البصائر، العدد 165، 22 ربيع الأول، 1358هـ ـ 12 مايو، 1939م.

([70])  وقد ذكرت بعض المصادر أنه عند وفاة ابن باديس حضر ممثل الوالي العام الفرنسي الكومندان شال، واقترح عليهم تعيين العقبي مقابل تقديم العون، بالرغم من أ ن هذا الأخير قد استقال من عضوية الجمعية منذ سبتمبر 1938، بسبب الخلاف الذي وقع بينه وبين ابن باديس نتيجة رسالة الولاء والتأييد التي كان سيبعثها العقبي للحكومة الفرنسية في حرﺑﻬا ضد ألمانيا.

(CH-R-Ageron:.Histoire de L’Algérie Contemporaine, Op-Cit, p 579.(

([71])  يذكر المناصرون للإبراهيم في سبب اعتقاله أن فرنسا عرضت عليه في بداية الحرب العالمية الثانية أن يقبل بمنصب شيخ الإسلام في الجزائر إن هو قال أو كتب ما يؤيّدها في حربها ضد ألمانيا، فرفض ذلك بإباء وشموخ، فكان أن نفي إلى الصحراء. (انظر: الدكتور عبد العزيز الصغير الدخان، جمعية العلماء ـ ابن باديس ـ البشير الإبراهيمي: المصابيح المشرقة في ليل مظلم طويل، على موقعه بالانترنت (http://dr-dakhane.com/main/textshow-27.html))

([72])  آثار الإبراهيمي: (5/284)

([73])  آثار الإبراهيمي: (5/284)

([74])  آثار الإبراهيمي: (5/284)

([75])  آثار الإبراهيمي: (5/285)

([76])  آثار الإبراهيمي: (5/285)

([77])  آثار الإبراهيمي: (5/285)

([78])  آثار الإبراهيمي: (5/285)

([79])  آثار الإبراهيمي: (5/285)

([80])  آثار الإبراهيمي: (5/285)

([81])  انظر: آثار الإبراهيمي 2/257. وقد كتب هذا الكلام بالبصائر، العدد 52، 11 أكتوبر 1948..

([82])  انظر: عبد العزيز الصغير دخان، جمعية العلماء ـ ابن باديس ـ البشير الإبراهيمي: المصابيح المشرقة في ليل مظلم طويل، على هذا الموقع: (http://dr-dakhane.com/main/textshow-27.html)، ولم أجد الكتاب مع أهميته مطبوعا.

([83])  المصدر السابق.

([84])  محمد خير الدين . المذكرات . ج 1 . ص 83، نقلا عن الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص120.

([85])  محمد خير الدين . المذكرات . ج 1 . ص  83 ..  122، نقلا عن الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص121.

([86])  محمد البشير الإبراهيمي . الجلســة التمهيدية لجمعية العلمـاء . مجلة الشـهاب . ج 6 . المجلد 7 . قسـنطينة غـرة صفــر 1350هـ . الموافق لـ جوان 1931م . ص 341 ..

([87])  ذكر الدكتور أحمد عيساوي أنه استفاد ذلك من حوار مع الشيخ العيد والشيخ عيسى سلطاني بالقرب من منزلهما بتبسة شهر جوان 1991م، نقلا عن: الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص122.

([88])  محمد خير الدين . المذكرات . ج 1 . ص 111 .. 119، نقلا عن الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص122.

([89])  اجتماع الجمعية . جريدة البصائر . السلسلة الأولى . السنة الأولى . عدد 37 . الجمعة 16/رجب/1355هـ الموافق 02/         10/1936م . ص 1 . 5 . 8، نقلا عن الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص124.

([90])  الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص123..

([91])  الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص124.

([92])  الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص124.

([93])  الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص124.

([94])  الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص125.

([95])  فيلالي مختار الطاهر، نشأة المرابطين والطرق الصوفية وأثرهما في الجزائر خلال العهد العثماني، دار الفن القرافيكي، باتنة، ط1، ص34.

([96])  ناهز عدد الطرق الصوفية في الجزائر ستة وعشرين طريقة، منها أربعة أنشئت في العهد الاستعماري كالسنوسية والعليوية، والباقي كان موجودا منذ العهد العثماني، وبعضها مؤسس بالجزائر كالرحمانية والتيجانية، والبعض الآخر في المغرب كالطيبية والعيسوية والدرقاوية، ومنها ما هو مؤسس في المشرق كالقادرية، وأهم الطرق الصوفية التي ذاع صيتها في الجزائر : القادرية، الشاذلية، الدرقاوية، الرحمانية، التيجانية، السنوسية (مقلاتي عبد الله : الطرق الصوفية في الجزائر أمام جدلية فاعلية حضورها الاجتماعي والسياسي، الموقف من الاحتلال الفرنسي نموذجا، الملتقى الدولي الحادي عشر (التصوف في الإسلام والتحديات المعاصرة)، جامعة أدرار، أيام 09/10/11 نوفمبر 2008، ص 511)

([97])  وكمثال على ذلك الشيخ عبد الحي الكتاني المغربي، فقد كانت له صلات كبيرة بالطرق الصوفية الجزائرية إلى درجة أن جمعية العلماء شنت حملة شديدة عليه، وكان على رأسها البشير الإبراهيمي في مقال مطول له بعنوان (أفي كل حي… عبد الحي)، وقد كتبه بمناسبة مؤتمر الزوايا، الذي قاده الشيخ عبد الحي الكتاني. (انظر: آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (3/ 391)

([98])  وفي هذا يقول الباحث عبد القادر خليفي: (الطرق الصوفية ظاهرة إسلامية لا تعترف بالحدود السياسية بين الدول والشعوب ولا بالقوميات والإثنيات، وهي أوسع مجالا من الوطنية الضيقة، بل هي أفسح ميدان يعبر فيه المريد عن شجونه ويتحرر بها من خصوصياته الضيقة في سبيل خصوصيات جماعية هادفة، إذ من أهدافها الجمع لا الفرقة والألفة لا التشرذم، والطرق الصوفية هي إحدى عوامل التوحد بين الشعوب المغاربية التي لن تتأثر بالمسارات السياسية والتغيرات الآنية) انظر: عبد القادر خليفي : الشيخية والقادرية بين الجنوب الغربي الجزائري وشرقي المغرب، الملتقى الدولي الحادي عشر (التصوف في الإسلام والتحديات المعاصرة)، جامعة أدرار، أيام 09/10/11 نوفمبر 2008، ص 533.

([99])  قرر المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في اجتماعه يوم 4 أكتوبر 1951 منح لقب “الرئيس الشرفي” لهذه الجمعية لبعض العلماء الأجانب الذين يشتركون معها في الفكر والمنهج والهدف، وهم: محمد بهجت البيطار (سوريا)، محمد تقي الدين الهلالي (العراق)، محمد عبد اللطيف دراز (مصر)، محمد أمين الحسيني (فلسطين)، محمد بن العربي العلوي (المغرب)، عبد القادر المغربي (سوريا)، عبد العزيز جعيط (تونس)، مسعود الندوي (باكستان)، أحمد بن محمد التيجاني (المغرب)، محمد نصيف (الحجاز).

ووكل المجلس إلى رئيسه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي تنفيذ هذا القرار بمراسلة هؤلاء العلماء لإبلاغهم به. وتمثل هذه الخطوة إستراتيجية جديدة لتوسيع نشاطها خارج البلاد وكسب منابر جديدة للتعريف بأعمالها، واستقطاب شخصيات علمية مشهورة لمناصرة دعوتها، وفك الحصار الذي فرضته عليها سلطة الاحتلال الفرنسية. (انظر: أ.د مولود عويمر، الشيخ محمد بهجت البيطار وصلته بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مقال منشور بـ (رابطة أدباء الشام على هذا الموقع الالكتروني(http://www.odabasham.net/show.php?sid=52591)

([100])  خير الدين شترة، الصلات الروحية بين الطرق الصوفية في المغرب العربي (الجزائر وتونس أنوذجا)، الملتقى الدولي الحادي عشر (التصوف في الإسلام والتحديات المعاصرة)، جامعة أدرار، أيام 09/10/11 نوفمبر 2008، ص 405.

([101])  أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج. 4،  ص  58.

([102])  ممدوح الزوبي : الطرق الصوفية، ظروف النشأة وطبيعة الدور، الأهالي للتوزيع، دمشق، ط1، 2004م، ص 111، 112.

([103])  معظم زوايا الشرق الجزائري والجنوب ذات صلة بزاوية نفطة والكاف القادريتين، ومؤسس زاوية نفطة هو أبو بكر بن أحمد الشريف، وهو تلميذ الشيخ المنزلي (نسبة إلى منزل بوزلفة بتونس) وقد تطورت الزواية بفضل جهود الشيخ إبراهيم بن أحمد الشريف النفطي حتى قال بعضهم أن تأثيره سنة 1897م وصل إلى غدامس وغات والجزائر وعين صالح وتوات وتيديكلت وله أتباع في بلاد الطوارق وعلى رأسهم الشيخ عابدين، وكان هذا الأخير هو مقدم الشيخ محمد بن إبراهيم وقد ترك إبراهيم أولادا تقاسموا برَكة والدهم على النحو الآتي: الأكبر منهم وهو محمد تولى الزاوية الأم بنفطة وأسس الهاشمي زاوية في عميش بوادي سوف وأصبح نائبا لأخيه، ونشط الهاشمي في تجنيد الأتباع ونشر الطريقة إلى أقصى الجنوب وربط علاقات مع السودان وغات. انظر: موسى بن موسى، الحركة الإصلاحية بوادي سوف نشأتها وتطورها (1900-1930)، رسالة ماجستير، 2005، ص100.

([104])  انظر: موسى بن موسى، الحركة الإصلاحية بوادي سوف نشأتها وتطورها (1900-1930)، رسالة ماجستير، 2005، ص106.

([105])  عمار هلال : أبحاث ودر سات في تاريخ الجز المعاصرة (1830 – 1962)، ديوان المطبوعات الجامعية، 1995، ، ص 321.

([106])  عمار هلال : أبحاث ودراسات، ص 326.

([107])  انظر: محمد الصالح بكوش: (الشيخ علي بن سعد خيران القماري)، الندوة الفكرية الثالثة للشيخ عبد القادر الياجوري، الجمعية الثقافية للمركز الثقافي بقمار، الوادي، أيام 04 -5-6 جوان 2002، ص2.

([108])  وقد ذكر الشيخ عبد الحميد بن باديس هذا في مقاله السابق: البصائر : عدد 123، السنة الثالثة، الجمعة 24 جمادي الثانية 1357 ه – 22 جوليت 1938م.

([109])  عمار هلال : أبحاث ودراسات، ص 326.

([110])  أحمد صاري : عبد العزيز الهاشمي والإصلاح، ص 569.

([111])  أحمد صاري : عبد العزيز الهاشمي والإصلاح، ص 569.

([112])  عميراوي احميده، رسالة الطريقة القادرية في الجزائر، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عين مليلة، 2003، ص  68.

([113])  انظر: مركز القاسمي للأبحاث والدراسات الصوفية على هذا الرابط: (http://kacimisoufisme.org)

([114])  صلاح مؤيد العقبي، الزوايا والطرق الصوفية بالجزائر تاريخها ونشاطها، بيروت، لبنان، دار البراق، 2002م، ص158.

([115])  صلاح مؤيد العقبي، الطرق الصوفية والزوايا، ص162، وانظر: أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، 1/515.

([116])  فيلالي مختار الطاهر: نشأة المرابطين والطرق الصوفية وأثرهما في الجزائر خلال العهد العثماني، ص 44، 45، وعبد الباقي مفتاح: أضواء على الطريقة الرحمانية الخلوتية، الوليد للنشر، الوادي، طبعة 2004، ص 61، 62، 63، ص 144، 167، 232.

([117])  محمد الأمين بلغيث : السلطة في الجزائر وتونس في القرن 17م من خلال تاريخ العدواني، الندوة الفكرية الخامسة للشيخ محمد العدواني، الزقم / الوادي / 01، 02، 03 نوفمبر 2000م، ص 6، 7.

([118])  استفدنا هذه الترجمة من عدة مصادر أبرزها ما كتبه الحفناوي في كتاب (تعريف الخلف برجال السلف، مطبعة بيير فونتانة الشرقية في الجزائر/1324هـ – 1906م، ص(450) وما بعدها)، بالإضافة إلى مقاليْن للأستاذ عبد المنعم القاسمي عن الطريقة الرحمانية ومؤسسها (كلاهما منشور على موقعه المشار إليه آنفًا)، فضلًا عن مقال ثالث بعنوان (تعريف الطريقة الرحمانيّة الخلوتيّة والزاويّة القاسميّة) من إعداد محمّد فؤاد، منشور على مدونة (دار الخليل القاسمي للنشر والتوزيع)ن بالإضافة إلى ترجمة وافية في (عبد الباقي مفتاح، أضواء على الطريقة الرحمانية، ص63-76)

([119])  فيلالي مختار الطاهر: نشأة المرابطين والطرق الصوفية وأثرهما في الجزائر خلال العهد العثماني، ص 40، وعبد الباقي مفتاح: أضواء على الطريقة الرحمانية الخلوتية، ومحمد نسيب: زوايا العلم والقرآن بالجزائر، دار الفكر، الجزائر، ص 151.

([120])  فيلالي مختار الطاهر: نشأة المرابطين والطرق الصوفية وأثرهما في الجزائر خلال العهد العثماني، ص 41، 42..

([121])  فيلالي مختار الطاهر: نشأة المرابطين والطرق الصوفية وأثرهما في الجزائر خلال العهد العثماني،، ص 43.

([122])  فيلالي مختار الطاهر: نشأة المرابطين والطرق الصوفية وأثرهما في الجزائر خلال العهد العثماني، ص 43، وعبد الباقي مفتاح: أضواء على الطريقة الرحمانية الخلوتية، ص 98، 118، 146.

([123])  فيلالي مختار الطاهر: نشأة المرابطين والطرق الصوفية وأثرهما في الجزائر خلال العهد العثماني، ص 43، 44، وعبد الباقي مفتاح، أضواء على الطريقة الرحمانية الخلوتية، ص 62.

([124])  فيلالي مختار الطاهر: نشأة المرابطين والطرق الصوفية وأثرهما في الجزائر خلال العهد العثماني، ص 44، وعبد الباقي مفتاح، أضواء على الطريقة الرحمانية الخلوتية، ص 74.

([125])  انظر: عبد المنعم القاسمي الحسني، (زاوية الشيخ عبد الرحمن باش تارزي بقسنطينة: معقل العلم والقضاء والطريقة والجهاد)، مقال منشور بجريدة الشروق اليومي : 25 – 08 – 2010.

([126])  انظر: الشيخ عبد القادر عثماني، الطريقة الخلوتية الرحمانية طريقة قرآن وعلم وجهاد، د.ط،.ت، ص4.

([127])  نقلا عن: الشيخ عبد القادر عثماني، الطريقة الخلوتية الرحمانية طريقة قرآن وعلم وجهاد، د.ط،.ت، ص5.

([128])  انظر: الشيخ عبد القادر عثماني، الطريقة الخلوتية الرحمانية طريقة قرآن وعلم وجهاد، د.ط،.ت، ص5.

([129])  انظر: عبد المنعم القاسمي الحسني، (زاوية الشيخ عبد الرحمن باش تارزي بقسنطينة: معقل العلم والقضاء والطريقة والجهاد)، مقال منشور بجريدة الشروق اليومي : 25 – 08 – 2010.

([130])  انظر ترجمته المفصلة في: الشيخ محمد بن محمد القاسمي: الزهر الباسم في ترجمة الشيخ سيدي محمد بن أبي القاسم، المطبعة الرسمية، تونس، ط1، 1308هـ.

([131])  انظر ترجمتها المفصلة في: لالا زينب القاسمية ودور الطريقة الرحمانية في المقاومة الشعبية والثورة التحريرية الكبرى، على هذا الموقع: (http://ouledsidi.com)

([132])  انظر في ترجمته الشيخ أبو القاسم الحفناوي في كتابه (تعريف الخلف برجال السلف)، ص336.

([133]) . انظر في ترجمته الشيخ أبو القاسم الحفناوي في كتابه (تعريف الخلف برجال السلف)، ص399.

([134])  الزير سيف الإسلام؛ تاريخ الصحافة في الجزائر، ج5، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1985، ص؛144

([135])  خير الدين شترة، الصلات الروحية بين الطرق الصوفية في المغرب العربي (الجزائر وتونس أنوذجا)، الملتقى الدولي الحادي عشر (التصوف في الإسلام والتحديات المعاصرة)، جامعة أدرار، أيام 09/10/11 نوفمبر 2008، ص 408.

([136])  انظر: المكي بن عزوز، السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني، دط.دت. ص 35.

([137])  انظر: مجلة الكويت، الجزء 10 العدد الأول، ورسالة : المكي بن عزوز – حياته وآثاره، للأستاذ على الرضا الحسيني.

([138])انظر: الرسائل المتبادلة بين القاسمي والألوسي، للأستاذ محمد العجمي، ص 101-110.

([139])  المرجع السابق، ص 113-115.

([140])  صحيح البخاري (8/ 48)

([141])  مجلة الكويت، الجزء 10 العدد الأول، ورسالة : المكي بن عزوز – حياته وآثاره، للأستاذ على الرضا الحسيني.

([142])  انظر في ترجمته الدكتور سعد الله، تجارب في الأدب والرحلة، ص 100، ومقال بعنوان (العلامة الشيخ الطاهر العبيدي الفقيه الصوفي) منشورة بجريدة العقيدة عدد 76 : الأربعاء 1 شعبان 1412 هـ / الموافق ل 8 فيفري 1992 م بقلم الاستاذ أحمد بن السائح، ومحاضرة مطبوعة بعنوان : ” الشيخ العبيدي بمناسبة يوم العلم ” ألقيت يوم الجمعة 14 افريل 1983 م بالمسجد الكبير بتقرت، من إعداد حفيده ( ابن بنته) الأستاذ سليماني عبد السلام.

([143])  انظر: الشيخ عبد القادر عثماني، الطريقة الخلوتية الرحمانية طريقة قرآن وعلم وجهاد، د.ط،.ت، ص6.

([144])  تجارب في الأدب والرحلة، ص 101.

([145])  انظر: الشيخ عبد القادر عثماني، الطريقة الخلوتية الرحمانية طريقة قرآن وعلم وجهاد، د.ط،.ت، ص6.

([146])  انظر: الشيخ عبد القادر عثماني، الطريقة الخلوتية الرحمانية طريقة قرآن وعلم وجهاد، ص6.

([147])  فيلالي مختار الطاهر : نشأة المرابطين والطرق الصوفية وأثرهما في الجزائر خلال العهد العثماني، ص 51.

([148])  سالم الحبيب التيجاني، نبذة عن حياة الشيخ سيدي احمد التيجاني، 1999م، ص ص2-3.

([149])  صلاح مؤيد العقبي، الزوايا والطرق الصوفية بالجزائر تاريخها ونشاطها، بيروت، لبنان، دار البراق، 2002م، ص175.

([150])  عبد الله الحاج مكي التيجاني، اليواقيت والجواهر المضيئة، مخطوط بمكتبة الشيخ محمد السالم المغيلي، الحي الغربي، ادرار، ص11.

([151])  عمار هلال، الموسوعة التاريخية للشباب (الطرق الصوفية ونشر الإسلام والثقافة العربية في غرب إفريقيا السمراء)، ط1، الجزائر، منشورات وزارة السياحية والثقافة، مديرية الدراسات التاريخية وإحياء التراث، 1984م، ص112.

([152])  صلاح مؤيد العقبي، المرجع السابق، ص178.

([153])  من العلماء الذين يعتبرهم التيجانيوون من أتباع الطريقة: الشيخ محمد بن احمد بن محمد حمدان لونيسي شيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ عبد القادر بن الشيخ عبد الله الملقب بالمجار، والشاعر محمد العيد آل خليفة، وغيرهم كثير (انظر: كتاب (دليلُ الحَـائِر إلى صور ومواقف من جهاد التيجانيين في الجزائر) للباحث في الطرق الصوفية: الأستاذ ديدي السعيد)

([154])  انظر ترجمته وجميع كتبه في موقعه على الإنترنت: (http://www.cheikh-skiredj.com)

([155])  انظر ترجمته في: لمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، موسوعة أعلام الفكر الإسلامي، دار السلام، ص(928 – 929)

([156])  سنن الترمذي (5/ 26)

([157])  انظر ترجمته المفصلة في موقع (جمعية الشيخ العلاوي للتربية والثقافة الصوفية) على هذا الرابط (http://ar.asso-alawi.org)

([158])  انظر ترجمته المفصلة عنه في كتاب: (الشيخ سيدى عدة بن تونس عبر مؤلفاته ومآثره وشهادات حية لمجموعة من الكتاب والشخصيات الادارية، وبعض معاصريه من الاتباع والمحبين)، نشر جمعية الشيخ العلاوي للتربية والثقافة الصوفية.

([159])  انظر ترجمته المفصلة في الموقع الرسمي للطريقة المدنية على هذا الرابط: (http://www.madaniyya.com)

([160])  الدكتور أحمد عيساوي، جهود الشيخ العربي التبسي الإصلاحية، ص124.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *