الفصل الأول: مفاتيح شخصية أبي هريرة

الفصل الأول

مفاتيح شخصية أبي هريرة

حتى نكون صادقين مع أنفسنا، ومع الواقع، وحتى لا نحمل أبا هريرة ما لا يحتمل، فإن شخصية أبي هريرة من خلال الروايات التي حدث بها عن نفسه، ومن خلال ما ذكر المؤرخون عنه، تدل على أنه لم يتتلمذ التلمذة الكافية على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فهو لم يدخل دار زيد بن الأرقم، حيث كان السابقون من الصحابة يتخفون عن أعين المشركين ليتلقوا تلك التربية الخاصة على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهو كذلك لم تشمله تلك الأحكام المتشددة المرتبطة بالصحابة السابقين من وجوب قيام الليل، كما قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المزمل: 20]

وهو كذلك لم توضع على صدره الصخرة التي وضعت على صدر بلال، وهو ينادي بكل شجاعة: أحد أحد.

وهو لم يكو بالحديد كما كوي خباب، ولا سملت عينه كما سملت عين زنيرة، ولا ذاق طعم الحصار الذي حوصر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته الأطهار في الشعب، حتى ماتت خديجة وأبو طالب، بل استشهدا في سبيل الله.

وهو لم يهاجر إلى الحبشة هاربا بدينه كما هرب جعفر بن أبي طالب ومن معه من الصحابة.

وهو ـ عندما ذهب المسلمون إلى المدينة ـ لم يشاركهم في أي غزوة من الغزوات، لا في بدر ولا في أحد ولا في الأحزاب..

هو لم يفعل كل ذلك على الرغم من أنه ـ كما تدل الروايات الكثيرة الصحيحة ـ سمع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلم بالإسلام، ومع ذلك لم يسلم حتى انتشرت بين قبائل العرب انتصارات المسلمين، وصارت لهم الفتوح الكثيرة التي ملأت القلوب طمعا فيهم.

كما أشار إلى ذلك قوله تعالى عند ذكره لموقف المنافقين ومرضى القلوب يوم الأحزاب: {يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 20]، فهذه الآية الكريمة تشير إلى أن كل الجزيرة العربية كانت تسمع أخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع قومه، وتنتظر النتيجة.

وعندما صارت النتيجة في صالح الإسلام، وذلك بعد صلح الحديبية الذي سماه الله فتحا، بل فتحا مبينا، وانتصر المسلمون في خيبر الممتلئة بالثروات، بدأت الوفود تتوافد رغبة ورهبة.. رغبة في أن تنال من تلك المكاسب، ورهبة من أن تصل إليها جيوش المسلمين.

وكان من بين تلك الوفود وفود اليمن.. وكان من بينهم أبو هريرة.

وقد ورد في الروايات الصحيحة ما يدل على أن الأخبار كانت تصله عن غزوات المسلمين مع المشركين، ولكن مع ذلك لم يحضر لنصرة المسلمين، ومنها ما رواه البخاري عن عنبسة بن سعيد: أن أبا هريرة أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسأله – يعني أن يقسم له – فقال بعض بني سعيد بن العاص: لا تعطه، فقال أبو هريرة: (هذا قاتل ابن قوقل) فقال: (واعجبا لو بر تدلى من قدوم الضأل([1]) تنعي على امرءا أكرمه الله بيدي، ومنعه أن يهينني بيده؟)([2])

فهذا الحديث الخطير ينبئ عن معاني كثيرة في شخصية أبي هريرة، وأولها، وأخطرها أنه كان يسمع بالإسلام وبما يتعرض له المسلمون من صنوف الأذى، ولكنه لم يحضر ـ كما فعل الكثير من الصادقين من أمثال أبي ذر وغيره ـ حتى فتحت خيبر، فجاء يطالب بقسمة له فيها.

ومن الملاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يدافع عن أبي هريرة في وجه ذلك الصحابي الذي راح يطعن فيه، كما فعل مع غيره من الصحابة، وهذا له دلالته الخاصة، التي سنعرفها من خلال هذه المفاتيح التي نحاول من خلالها التعرف على شخصية أبي هريرة في جانبها النفسي وأثرها عليها في جانبها الروائي.

ومن أهم ما قد يعذر أبا هريرة في كل ما سنذكره هو قصر المدة التي صحب فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي لم تصل إلى السنتين، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أرسله إلى البحرين بعد فترة وجيزة من صحبته له.

بالإضافة إلى أن فترة صحبته له كانت مزدحمة بالأحداث كفتح مكة والغزوات المختلفة التي تلتها، كحنين وتبوك والطائف وغيرها، بالإضافة إلى حجة الوداع.. وهي جميعا مما لا تتيح له التفرغ والجلوس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثلما كان يجلس السابقون في مكة المكرمة، والذين تفرغ لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تفرغا تاما.

وفترة التلمذة – كما هو معلوم – لها تأثيرها الكبير في شخصية التلميذ، فليس من اكتفى بالمدرسة الابتدائية، كمن أكمل دراسته إلى الجامعة، وما بعد الجامعة، وأبو هريرة لم يكن مستواه الدراسي إلا كتلميذ ابتدائي أمام أولئك الصحابة السابقين الذين سبقوه بمراحل دراسية كثيرة.

ومثل ذلك الأحداث المختلفة الشديدة فإن لها تأثيرها الذي لا ينكره أحد.. بل إن الله تعالى فرق بين المؤمنين الذين أسلموا قبل صلح الحديبية، وبين من أسلموا بعدها، فقال: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الحديد: 10]، وأبو هريرة ـ للأسف ـ لم يحظ بكل ذلك، بل جاء في الفترة التي قوي فيها الإسلام، ثم لم ينل من التلمذة إلا مدة قصيرة جدا، كما سنرى.

بناء على هذا سنتحدث في هذا الفصل عن خصائص شخصية أبي هريرة من الناحية النفسة، ثم عن آثارها عليه في الناحية الروائية.

أولا ـ الجانب النفسي في شخصية أبي هريرة

لعل من أهم المفاتيح الدالة على شخصية أبي هريرة انضمامه لأهل الصفة في المدينة المنورة، على الرغم من كونه في ذلك الحين كان شابا قادرا على العمل، ولكنه آثر أن يظل في ضيافة المسلمين يأكل على موائدهم، ويتزلف إليهم لينال من طعامهم، وقد ظلت معه هذه الخصلة حتى آخر عمره عندما كان يؤثر مائدة معاوية الممتلئة بصنوف الأطعمة على مائدة علي الممتلئة بكل ألوان الزهد والتقشف.

وقد أشار الثعالبي إلى هذه الخصلة فيه، فقال: (كان أبو هريرة على فضله واختصاصه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مزاحا أكولا وكان يدعى الطب، فيقول: (أكل التمر أمان من القولنج، وشرب العسل على الريق أمان من الفالج، وأكل السفرجل يحسن الولد، وأكل الرمان يصلح الكبد، والزبيب يشد العصب، ويذهب الوصب والنصب، والكرفس يقوى المعدة، والقرع يزيد في اللب، ويرق البشرة، وأطيب اللحم الكتف وحواشي فقار العنق والظهر. وكان يديم أكل الهريسة والفالوذج)([3])

وهكذا حدث أبو عثمان النهدي قال: كنا مع أبي هريرة في سفر فحضر الطعام، فبعثنا إلى أبي هريرة وهو يصلي، فجاء الرسول فذكر أنه صائم، فوضع الطعام ليؤكل، وجاء أبو هريرة وقد أكادوا يفرغون، منه فتناول فجعل يأكل، فنظروا إلى الرجل الذي أرسلوه إلى أبي هريرة، فقال: ما تنظرون إلي قد والله أخبرني أنه صائم! قال: صدق. ثم قال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: صوم، شهر الصبر وثلاثة أيام من الشهر صوم الدهر. فأنا صائم في تضعيف الله- عز وجل- ومفطر في تخفيفه([4]).

وقد ذكر أبو هريرة عن نفسه ذلك في روايات كثيرة تستدعي منا مراجعة وتحليلا عميقا لنعرف حقيقته، وحقيقة المجتمع الإسلامي كما كان يراه.

ومن تلك الروايات ما حدث به محمد بن سيرين، قال: كنا عند أبى هريرة، وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط، فقال: بخ بخ أبو هريرة يتمخط فى الكتان، لقد رأيتنى وإنى لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حجرة عائشة مغشيا على، فيجىء الجائى فيضع رجله على عنقى، ويرى أنى مجنون، وما بى من جنون، ما بى إلا الجوع([5]).

وفي رواية عن أبي هريرة قال: أتت علي ثلاثة أيام لم أطعم، فجئت أريد الصفة([6]) فجعلت سقط. فجعل الصبيان يقولون: جن أبو هريرة. قال: فجعلت أناديهم وأقول: بل أنتم المجانين، حتى انتهينا إلى الصفة. فوافقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بقصعتين من ثريد. فدعا عليها أهل الصفة وهم يأكلون منها، فجعلت أتطاول كي يدعوني، حتى قام القوم وليس في القصعة إلا شيء في نواحي القصعة. فجمعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصارت لقمة، فوضعه على أصابعه فقال لي: (كل، بسم الله)، فوالذي نفسي بيده، ما زلت آكل منها حتى شبعت([7]).

فهاتان الروايتان، وغيرها كثير، تصوران المجتمع المسلم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغير الصورة التي صور بها القرآن الكريم مجتمع المدينة، فقد قال تعالى واصفا الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]

وهي كذلك تصطدم مع تلك الروايات الكثيرة التي تصور التضامن الشديد بين المسلمين، ومن بينها هذه الصورة العظيمة التي ذكرها أبو هريرة نفسه، وهي أنّ رجلا أتى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلّا الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من يضمّ- أو يضيف- هذا؟) فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: ما عندنا إلّا قوت صبياني. فقال: هيّئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيّأت طعامها وأصبحت سراجها ونوّمت صبيانها، ثمّ قامت كأنّها تصلح سراجها فأطفأته فجعلا يريانه أنّهما يأكلان فباتا طاويين فلمّا أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (ضحك الله اللّيلة- أو عجب من فعالكما- فأنزل الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9])([8])

ومنها هذه الصورة التي رواها أنس بن مالك، فقال: (لما قدم المهاجرون المدينة نزلوا على الأنصار في دورهم فقالوا: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم نزلنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أبذل في كثير منهم، لقد أشركونا في المهنأ، وكفونا المؤنة، ولقد خشينا أن يكونوا ذهبوا بالأجر كله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم به عليهم) ([9])

ومنها تلك الصورة العظيمة التي رسمت مجتمع الأنصار رسما جميلا حقيقا بذلك الثناء العظيم الذي ذكره الله تعالى، وهي ما روي أن عبد الرحمن بن عوف لما قدم المدينة آخى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين سعد بن الرّبيع الأنصاريّ، فعرض عليه أن يناصفه ماله، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك دلّوني على السّوق…) ([10])

وهذه الصورة الجميلة لا تختص بسعد بن الربيع فقط، بل تضم أيضا عبد الرحمن بن عوف الذي آثر العمل والكسب على أن يظل عبئا على إخوانه من الأنصار.. وهو ما لم يفعله أبو هريرة على الرغم من شبابه، وقوته، وقدرته على العمل، مع أنه هو نفسه من روى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لأن يأخذ أحدكم أحبلا، فيأخذ حزمة من حطب فيبيع فيكفّ اللّه بها وجهه خير من أن يسأل النّاس أعطي أم منع)([11])

ومع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أشاع بين أصحابه حرمة السؤال، والنظر لما في أيدي الناس، بل كان يبايعهم على ذلك.

فعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة)، فقال ثوبان: أنا، فكان لا يسأل أحداً شيئاً([12]).

وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: ألا تبايعون رسول الله، وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ألا تبايعون رسول الله، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ألا تبايعون رسول الله، قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا، وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئاً، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه([13]).

بالإضافة إلى ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن السؤال من هو أشد حاجة من أبي هريرة نفسه، بل راح يبيع له ما عنده حتى يكفه عن سؤال الناس، ففي الحديث الصحيح أنّ رجلا من الأنصار أتى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يسأله، فقال: (أما في بيتك شيء؟) قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء، قال: (ائتني بهما) فأتاه بهما، فأخذهما رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بيده، وقال: (من يشتري هذين؟) قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: (من يزيد على درهم؟). مرّتين أو ثلاثا. قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إيّاه، وأخذ الدّرهمين وأعطاهما الأنصاريّ، وقال: (اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدّوما فأتني به) فأتاه به، فشدّ فيه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عودا بيده ثمّ قال له: (اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينّك خمسة عشر يوما) فذهب الرّجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إنّ المسألة لا تصلح إلّا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع)([14])

فهذه الأحاديث جميعا تشير إلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يتعامل مع أبي هريرة بمثل هذه المعاملة، تأليفا لقلبه، لأنه قدم المدينة بسبب جوعه وفقره، وكان يطلب أن يحصل ما يسدهما، فلذلك تركه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأل المسلمين، واستضافه مع أهل الصفة في المسجد، مع أن الضيافة لا تصح بعد ثلاثة أيام، وكان أول ما طلبه عند حضوره خيبر هو أن يعطيه سهمه فيها.

وهكذا نرى أحاديث أبي هريرة تتناقض تماما مع تلك الصورة الجميلة التي نسمع بها عن مجتمع الصحابة، المجتمع الممتلئ بالإيثار والكرم وكل معاني المروءة.. ويستحيل على مجتمع يتصف بهذا أن يترك امرؤا يصل به الجوع إلى تلك الحالة التي وصفها، ثم لا يدركه.

فنحن هنا بين محذورين كلاهما مر، فإما أن نصدق أبا هريرة، ونكذب تلك الصورة الجميلة التي ذكرها القرآن الكريم، والتي نقرأ عنها في كتب الحديث والسيرة، أو أن نكذب أبا هريرة، وكيف نكذبه، وما ذكره نجده في صحيح البخاري وغيرهما، وفي أعلى درجات الصحة كما يذكرون.

وقد ذكر أبو هريرة دور الجوع في حرصه على العلم، فقال: (كنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ملء بطني)([15])

وقال ـ يصف حادثة من الحوادث ـ: (والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل، فمر أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم، فعرف ما في وجهي وما في نفسي، فقال: (أبا هريرة) قلت له: لبيك يا رسول الله، فقال: (الحق)، واستأذنت فأذن لي؛ فوجدت لبنا في قدح. قال: (من أين لكم هذا اللبن؟) فقالوا: أهداه لنا فلان – أو آل فلان -. قال: (أبا هر) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (إنطلق إلى أهل الصفة فأدعهم لي). قال: – وأهل الصفة أضياف الإسلام، لم يأووا إلى أهل ولا مال، إذا جاءت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هدية أصاب منها وبعث إليهم منها، وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها -. قال: وأحزنني ذلك وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى به بقية يومي وليلتي. وقلت: أنا الرسول، فإذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم؛ وقلت: ما يبقى لي من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد. فانطلقت فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت. ثم قال: (أبا هر، خذ فأعطهم) فأخذت القدح فجعلت أعطيهم، فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد القدح، حتى أتيت على آخرهم، ودفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ القدح فوضعه في يده بقي فيه فضلة ثم رفع رأسه ونظر إلي وتبسم وقال: (أبا هر) قلت: لبيك رسول الله، قال: (بقيت أنا وأنت). فقلت؛ صدقت يا رسول الله، قال: (فاقعد فاشرب) قال: فقعدت فشربت، ثم قال لي: (شرب)، فشربت؛ فما زال يقول لي: (إشرب)، فأشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له في مسلكا قال: (ناولني القدح)، فرددت إليه القدح فشرب من الفضلة([16]).

وقال يصف حادثة أخرى من حوادث جوعه: (كنت من أهل الصفة فظللت صائما فأمسيت وأنا أشتكى بطني، فانطلقت لأقضى حاجتى، فجئت وقد أكل الطعام، وكان أغنياء قريش يبعثون بالطعام لأهل الصفة([17])، وقلت: إلى من أذهب؟ فقيل لى، اذهب إلى عمر بن الخطاب، فأتيته وهو يسبح بعد الصلاة، فانتظرته فلما انصرف دنوت منه، فقلت: أقرئنى ! وما أريد إلا الطعام ! قال: فأقرأني آيات من سورة آل عمران، فلما بلغ أهله دخل وتركني على الباب، فأبطأ فقلت ينزع ثيابه ! ثم يأمر لى بطعام ! فلم أر شيئا) ([18])

وقال في وصف حادثة أخرى: والله الذى لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لاشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذى يخرجون منه من المسجد، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله وما سألته إلا (ليشبعني) – فمر ولم يفعل ثم مر عمر بى فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فلم يفعل)([19])

وفي هذه الأحاديث إهانة كبيرة لكبار الصحابة السابقين، فهو يصور لا مبالاتهم بجوعه وفقره، وحجره المعصب على بطنه، مع كونه من المسلمين الجدد الذين يحرصون على تثبيت الإيمان في قلوبهم بكل ما يتطلبه التثبيت من واجبات.

وقد جر ذلك الاهتمام الشديد من أبي هريرة بحاجاته الشخصية إلى تصنيف الصحابة بحسب اهتمامهم به ـ لا بحسب واقع الحال ـ فقد كان يقول: (ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب – بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – أفضل من جعفر بن أبى طالب)([20])

 وقد ذكر سبب ذلك، فقال: (كنت أستقرئ الرجل الآية – هي معى – كى ينقلب بى فيطعمني، وكان أخير الناس للمسكين – جعفر بن أبى طالب – كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته) ([21])، وقال: (وكنت إذا سألت جعفرا عن آية لم يجبنى حتى يذهب إلى منزله)([22])

وقال: (إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واني كنت ألزمه بشبع بطني حتى لا أكل الخمير ولا ألبس ولا يخدمني فلان وفلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وكنت استقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته..) ([23])

ولو طبقنا المقاييس السلفية على هذه المقولة من أبي هريرة لاعتبرناه مبتدعا، فهم يروون عن الإمام أحمد أنه سئل عن رجل ذكر أنه يحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يفضل بعضهم على بعض، فقال: (السنة أن يفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعلي من الخلفاء) ([24])

وقال ابن كثير مقررا لذلك: (وأفضل الصحابة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء – عليهم السلام -: أبو بكر الصديق ثم من بعده عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب.. ولهذا قال الدارقطني: من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) ([25])

بعد هذا العرض الموجز لبعض النواحي الشخصية المتعلقة بأبي هريرة يمكننا أن نرى صفتين كبيرتين وخطيرتين جعلتاه محط اهتمام من لدن معاوية والفئة الباغية، وهما:

1 ـ مزاحمته لكبار الصحابة، وحرصه على إظهار نفسه أكثر ذكاء وولاء منهم.

2 ـ حرصه على تحقيق أكبر ما استطاع من مكاسب دنيوية.

وقد كان لكلا الصفتين أثره الخطير على الجانب الروائي في شخصيته.

وسنحاول في هذا المبحث أن نذكر أدلة ذلك، كما وردت به الروايات المعتمدة.

1 ـ مزاحمة كبار الصحابة:

لا نحتاج إلى تكلف تحليل أو تأويل حتى نكتشف دعاوى أبي هريرة المتعلقة بصحبته، والتي يزعم فيها أنه نال الحظ الأوفر من القرب والخلة فيها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولعل أكبر ما يدل على ذلك هو تلك العبارات التي يصدر بها أحيانا حديثه، وقد قال فيها ابن قتيبة: (لما سمع علي أبا هريرة يقول: قال خليلي وسمعت خليلي، وكان سيء الرأي فيه، قال: (متى كان خليلك) ([26])

ومما يدل على صحة هذا الخبر عن الإمام علي، وموقفه السلبي منه ما رواه العقيلي عن الوراميني قال: (حدثنا يحيى بن المغيرة قال حدثنا أبو زهير قال حدثنا الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من أحدث حدثا أو آوى محدثا، وذكر الحديث، وذكر في آخره كلاما لأبي هريرة في علي وكلاما لعلي في أبي هريرة، قال أبو زهير: فحدث الأعمش بهذا الحديث وعنده المغيرة بن سعيد فلما بلغ قول أبي هريرة في علي قال: (كذب أبو هريرة)، فلما بلغ قول علي في أبي هريرة قال: (صدق علي)، قال: فقال الأعمش: (صدق علي وكذب أبو هريرة لا، ولكن غضب هذا فقال، وغضب هذا فقاله)([27])

وما لنا نذهب بعيدا، والرواية التي يتشبث بها السلفية في مناقب أبي هريرة أكبر دليل على ذلك، فهم يروونها بفخر، ولا يعملون عقولهم ليعلموا ما تحمله من طعون في كبار الصحابة وصغارهم.

فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: (إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثل حديث أبي هريرة؟ وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا. وكان يشغل إخواني من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة، أعي حين ينسون) ([28])

فهذا الحديث الخطير المتفق على صحته يرويه السلفية في مناقب أبي هريرة، ولو عقلوا لاستدلوا به على مثالبه.. فهو يرسم صورة سيئة للمهاجرين والأنصار، وانشغالهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتجارة والعمل.

وهو يبين في الحديث ـ قصد أو لم يقصد ـ أنه لولاه لضاعت كل تلك التعاليم المقدسة التي كلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغها للأمة.

بل إنه عندما عارضته عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأحاديث، وقالت: إنك لتحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثا ما سمعته منه، قال لها: (يا أمه! طلبتها وشغلك عنها المرآة والمكحلة وما كان يشغلني عنها شيء!) ([29])

بل إنه يصرح بذلك في مواضع أخرى، ومنها ما رواه البخاري عنه، قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إلا الله خالصا من قبل نفسه) ([30])

ففي هذا الحديث يضع أبو هريرة نفسه في المحل الأول من الصحابة الحريصين على تعلم أحكام الدين، مع كونه ـ كما ذكرنا ـ جاء متأخرا جدا، وفي فترة مليئة بالأحداث الخطيرة التي مرت بها الدعوة الإسلامية، والتي دلت الوقائع التاريخية على أن المهاجرين والأنصار كانوا ألصق فيها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ظله.

ولم يكتف أبو هريرة بكل تلك الدعاوى، بل راح يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصه بأسرار كثيرة لا يعلمها باقي الصحابة، وقد عبر عن ذلك بقوله ـ في الحديث الذي رواه البخاري ـ: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين، فأما أحدهما: فبثثته فيكم، وأما الآخر: فلو بثثته قطع هذا البلعوم) ([31])

وورد في روايات أخرى أقل صحة قوله: (لو أنبأتكم بكل ما أعلم لرماني الناس بالخرف، وقالوا أبو هريرة مجنون)، وفى رواية: (لو حدثتكم بكل ما في جوفى لرميتموني بالبعر)، وفي رواية: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة أجربة، فأخرجت منها جرابين، ولو أخرجت الثالث لرجمتموني بالحجارة) ([32])

ولم يكتف بذلك أيضا، بل زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصه بميزة كان يدخرها له من دون الصحابة جميعا، ليحفظ له سنته ما ظهر منها وما بطن، وقد عبر عنها بقوله ـ في تعليل كثرة رواياته ـ: (.. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث يحدثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول. فبسطت نمرة علي، حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك من شيء) ([33])

فهذا الحديث المتفق على صحته لا يقل خطرا عن الأحاديث السابقة، وأول ما يشد الانتباه فيه هو تلك البرودة التي يصور بها أبو هريرة الصحابة، وعدم تجاوبهم مع طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الرغم من ذلك الترغيب العظيم.. ولا ينسى أن يبين أنه وحده الذي بادر لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليفوز بتلك الذاكرة العجيبة التي حرم منها كل الصحابة.

ومثل هذا ذلك الحديث الذي أشاعته الفئة الباغية لتبين أن أبا هريرة هو راوية الإسلام الأكبر، وأنه حظي بدعوة خاصة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليحفظ للأمة أمر دينها، ففي الحديث أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد، ندعو الله ونذكره، إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى جلس إلينا فقال: عودوا للذي كنتم فيه. قال زيد فدعوت أنا وصاحبي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤمّن على دعائنا، ودعا أبو هريرة فقال: إني أسألك مثل ما سأل صاحباي، وأسألك علمًا لا يُنسى،فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي) ([34])

بل إنه يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصه من دون الصحابة، وخصوصا الفقراء منهم، بكيس عجيب من الطعام لا ينفذ، فقد روى الترمذي عنه قوله: (أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتمرات، فقلت: يا رسول الله: ادع الله فيهن بالبركة، فضمهن، ثم دعا لي فيهن بالبركة، وقال: (خذهن واجعلهن في مزودك هذا، أو في هذا المزود، كلما أردت أن تأخذ منه شيئاً، فأدخل فيه يدك، فخذه ولا تنثره نثرا)، وقد ذكر أبو هريرة أنه ظلّ يأكل من ذلك التمر زماناً طويلاً، واستمرّ حتى يوم مقتل عثمان([35]).

بل إنه فوق ذلك كله يدعي أنه صلى الله عليه وآله وسلم خصه بمزايا لم يخص بها أقاربه وعشيرته، فقد روي عنه قوله: قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما، فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلموأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى، فدعوتها فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم اهد أم أبي هريرة)، فخرجت مستبشرا بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشفة قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله، أبشر، قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة. فحمد الله وقال خيرا. قال: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم حبب عبيدك هذا – يعنى أبا هريرة – وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهما المؤمنين)، فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني([36]).

وهذا الحديث العجيب الممتلئ بالدعاوى يتلقاه السلفية بكل سرور، في نفس الوقت الذي يزعمون فيه أن أبا طالب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي قضى حياته كلها دفاعا عنه، ولاقى في ذلك كل الشدائد، لم يحظ بذلك الحنان والعطف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما حظيت أم أبي هريرة، حيث أنه يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا لها بالهداية على رغمها من سبها له صلى الله عليه وآله وسلم، واستجاب الله له، بينما لم يدعو لعمه، أو لم يستجب الله له.

وهو فوق ذلك كله يزعم أنه دعي له بأن يصير محبوبا للمؤمنين، هو وأمه، وأن كل من سمع به أحبه في نفس الوقت الذي ترد فيه الروايات الكثيرة عن ذلك البغض الشديد الذي تعرض له الإمام علي ـ عدو الفئة الباغية الأول ـ حتى قال ابن تيمية مخبرا عن ذلك: (.. أن الله قد أخبر أنه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودا. وهذا وعد منه صادق. ومعلوم أن الله قد جعل للصحابة مودة في قلب كل مسلم، لا سيما الخلفاء – رضي الله عنهم -، لا سيما أبو بكر وعمر ; فإن عامة الصحابة والتابعين كانوا يودونهما، وكانوا خير القرون. ولم يكن كذلك علي، فإن كثيرا من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبونه ويقاتلونه، وأبو بكر وعمر قد أبغضهما وسبهما الرافضة والنصيرية والغالية والإسماعيلية. لكن معلوم أن الذين أحبوا ذينك أفضل وأكثر، وأن الذين أبغضوهما أبعد عن الإسلام وأقل، بخلاف علي، فإن الذين أبغضوه وقاتلوه هم خير من الذين أبغضوا أبا بكر وعمر، بل شيعة عثمان الذين يحبونه ويبغضون عليا، وإن كانوا مبتدعين ظالمين، فشيعة علي الذين يحبونه ويبغضون عثمان أنقص منهم علما ودينا، وأكثر جهلا وظلما. فعلم أن المودة التي جعلت للثلاثة أعظم)([37])

2 ـ حرصه على الدنيا:

وهذا على خلاف الصورة التي كان عليها الصحابة السابقون الكبار الذين وصفهم الله تعالى بكونهم باعوا أنفسهم لله، فلا يريدون غيره، كما قال تعالى:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23]

لكن أبا هريرة لم يكن ينظر إلى الدين بهذه الصفة، بل كان ينظر إلى ما حققه بسببه من مكاسب دنيوية، ويقارن بين حالته المادية قبل التدين وبعده، ولعل هذا هو الذي جعله يختار صحبة معاوية والفئة الباغية معه على صحبة علي ومن معه من السابقين من الصحابة، فقد كان ينظر إلى الدين باعتباره فرصة لتحقيق المكاسب، لا كونه محلا للبلاء والتضحيات، كما قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142]

وقد عبر عن ذلك بصراحة في روايات كثيرة صحيحة، منها قوله وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين كان أميرا على المدينة بتكليف من الفئة الباغية: (الحمد لله الذي أطعمني الخمير، وألبسني الحرير؛ وزوجني بنت غزوان بعد ما كنت أجيراً لها بطعام بطني، فأرحلتني فأرحلتها كما أرحلتني)([38])

وروي أنه صلى بالناس يوماً، فلما سلم رفع صوته فقال: (الحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماما، بعد ان كان أجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله)([39])

وكان كثيرا ما يذكر بفخر كيف تحول من ماضيه الممتلئ بالفقر إلى حاضره الجديد الممتلئ بالغنى، ومن ذلك قوله: (نشأت يتيما، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لبسرة بن غزوان بطعام بطني، وعقبة رجلي، فكنت أخدم اذا نزلوا، وأحدوا اذا ركبوا فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة إماما) ([40])

وقال مضارب بن جزء: كنت أسير في الليل فإذا رجل يكبر، فلحقته فإذا هو أبو هريرة، فقلت: ماهذا؟. قال: اشكر الله على ان كنت اجيراً لبسرة بنت غزوان بطعام بطني؛ فكنت إذا ركبوا سقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم والآن تزوجتها فأنا الأن اركب، فاذا نزلت خدمتني، وكانت اذا اتت على مكان سهل نزلت فقالت: لا اريم حتى تجعل لي عصيدة، فها اناذا إذا اتيت على نحو من مكانها قلت لها: لا اريم حتى تجعلي لي عصيدة([41]).

وكان يقول: أكريت نفسي من ابنة غزوان على الطعام بطني وعقبة رجلي قال: فكانت تكلفني أن أركب قائماً؛ وأورد حافياً، فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله فكلفتها أن تركب قائمة، وأن تورد حافية) ([42])

وهذا الموقف إن صح عنه يدل على عدم استيعابه لقيم الإسلام، وأخلاقه العالية، وإلا كيف يتحدث عمن صارت زوجته بهذه الطريقة، ثم كيف يرضى أن يتصرف معها بمثل ما كانت تتصرف به معه؟

ولذلك فإن المشكلة مع أبي هريرة لا تتعلق برواياته فقط، وإنما تتعلق أيضا بسلوكاته التي أرادت الفئة الباغية أن تنسخ بها تلك القيم النبيلة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي مثلها السابقون الصادقون من الصحابة، لتجعل أبا هريرة هو نموذجهم لا عمارا وبلالا وأبا ذر وغيرهم من الذين ضحوا بكل شيء في سبيل الله، ومثلوا القيم الإسلامية بأرقى درجاتها.

وقد روي أنه أيام ولايته على المدينة في خلافة معاوية كان يتصرف تصرفات غريبة تلفت الانتباه إليه، وهم يحملونها على تواضعه، ولكنها قد تحمل على محامل أخرى، ومنها ما رواه محمد بن زياد قال: كان مروان ـ أيام ولايته على المدينة في خلافة معاوية ـ يستخلف أبا هريرة على المدينة فيضرب برجليه فيقول: خلوا الطريق خلوا الطريق قد جاء الأمير قد جاء الامير ـ يعني نفسه([43]).

وعن أبي رافع قال: كان مروان يستحلف أبا هريرة على المدينة فيركب حماراً قد شدّ عليه برذعة وفي رأسه خلبة من ليف فيسير فيلقى الرجال فيقول: الطريق! قد جاء الأمير! (قال): وربما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب فلا يشعرون بشيء حتى يلقى نفسه بينهم، ويضرب برجليه([44]).

لكن المهم في الولاية ليس في التواضع أو اللعب مع الصبيان، وإنما في حفظ الأمانة، وعدم الانجرار وراء مغرياتها، وهذا ما افتقده أبو هريرة في ولاياته المختلفة للأسف.

وكمقارنة بسيطة بين تلاميذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكبار، وبين أبي هريرة في امتحان الولاية والمنصب نكتشف الفرق الكبير بين التربية النبوية الخالصة، وبين التربية المختلطة.

فقد اتفق المؤرخون لأبي هريرة أن عمر بن الخطاب حين ولاه على البحرين سنة 21هـ، بلغته عنه أشياء تخل بأمانة الوالي، فعزله وولى مكانه عثمان بن أبي العاص الثقفي.

فقد روي أنه قدم بعشرة آلاف، وهو مبلغ ضخم جدا في ذلك الحين وفي هذا الحين، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، فقال له عمر: فمن أين هي لك؟ قال أبو هريرة: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطية تتابعت علي([45]).

وفي رواية أن عمر قال لأبي هريرة: (كيف وجدت الإمارة يا أبا هريرة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها، وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين، فقال: أظلمت أحدا، قال: لا، قال: أأخذت شيئا بغير حقه؟ قال: لا، قال: فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفا، قال: من أين أصبتها؟ قال: كنت أتجر، قال: فانظر رأس مالك ورزقك فخذه واجعل الآخر في بيت المال([46]).

وهذه روايات خطيرة جدا، لأنه إما أن ننسب فيها الظلم لعمر بن الخطاب، بسبب أخذه مال امرئ مسلم بغير حق، وإما أن نقر بأن ما فعله كان عدلا ومتناسبا مع السلوك الذي سلكه أبو هريرة، وفي هذه الحالة نحن مضطرون للإقرار بأن تلمذة أبي هريرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن كافية لتملأه بتلك القيم النبيلة التي تمثلت في كبار الصحابة.

وكلنا نعرف ونردد بفخر قصة سعيد بن عامر حين كان واليا على حمص، وسأله عمر بن الخطاب، فقال له: ما لك من المال؟ قال: سلاحي وفرسي وأبغل أغزو عليها، وغلام يقوم عليَّ وخادم لامرأتي، وسهم يعد في المسلمين. فقال له عمر: ما لك غير هذا؟ قال: حسبي هذا، هذا كثير. فقال له عمر: فلمَ يحبك أصحابك؟ قال: أواسيهم بنفسي، وأعدل عليهم في حكمي. فقال له عمر: خذ هذه الألف دينار فتقوَّ بها. قال: لا حاجة لي فيها، أعط من هو أحوج إليها مني. فقال عمر: على رسلك حتى أحدثك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إن شئت فاقبل وإن شئت فدع: إن رسول الله عرض عليَّ شيئًا فقلت مثل الذي قلت، فقال رسول الله: (من أعطي شيئًا من غير سؤال ولا استشراف نفس، فإنه رزق من الله فليقبله ولا يرده)، فقال الرجل: أسمعت هذا من رسول الله؟ قال: نعم. فقبله الرجل ثم أتى امرأته فقال: إن أمير المؤمنين أعطانا هذه الألف دينار، فإن شئت أن نعطيه من يتجر لنا به ونأكل الربح ويبقى لنا رأس مالنا، وإن شئت أن نأكل الأول فالأول. فقالت المرأة: بل أعطه من يتجر لنا به ونأكل الربح، ويبقى لنا رأس المال. قال: ففرقيه صررًا. ففعلت، فجعل كل ليلة يخرج صرة فيضعها في المساكين ذوي الحاجة، فلم يلبث الرجل إلا يسيرًا حتى توفي، فأرسل عمر يسأل عن الألف، فأخبرته امرأته بالذي كان يصنع، فالتمسوا ذلك فوجدوا الرجل قدمها لنفسه، ففرح بذلك عمر وسُرَّ وقال: يرحمه الله، إن كان الظن به كذلك([47]).

وكلنا نعرف ما ذكره المؤرخون عن عمير بن سعد الذي كان عاملا على حمص، وبقى فيها عامًا كاملا دون أن يرسل إلى عمر بالمدينة أي رسالة، فأرسل إليه عمر ليأتي إليه، وجاء عمير وشاهده الناس، وهو يدخل المدينة وعليه آثار السفر، وهو يحمل على كتفيه جرابًا وقصعة (وعاء للطعام) وقربة ماء صغيرة، ويمشي في بطء شديد من التعب والجهد.

ولما وصل إلى عمر بن الخطاب قال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فرد عمر السلام ثم قال له: ما شأنك يا عمير؟ فقال عمير: شأني ما ترى، ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم، معي الدنيا؟ فقال عمر: وما معك؟ قال عمير: معي جرابي أحمل فيه زادي، وقَصْعَتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي، وإداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي، وعصاي أتوكأ عليها، وأجاهد بها عدوًا إن عَرَض (ظهر)، فوالله ما الدنيا إلا تَبعٌ لمتاعي. فقال عمر: أجئت ماشيًا؟ قال عمير: نعم. فقال عمر: أَوَلَمْ تَجدْ من يعطيك دابة تركبها؟ قال عمير: إنهم لم يفعلوا، وإني لم أسألهم. فقال عمر: فماذا عملت فيما عهدنا إليك به؟ قال عمير: أتيت البلد الذي بعثتني إليه، فجمعت صُلَحَاء أهله، ووليتُهم جَبايَة فيئهم (جمع صدقاتهم) وأموالهم، حتى إذا جمعوها وضعتها، ولو بقى لك منها شيء لأتيتك به، فقال عمر: فما جئتنا بشيء؟ قال عمير: لا. فقال عمر: جدِّدوا لعمير عهدًا، ولكن عميرًا رفض وقال في استغناء عظيم: تلك أيام خَلَتْ، لا عَمِلتُ لك، ولا لأحد بعدك([48]).

وكلنا نعرف ما ذكروه عن حذيفة بن اليمان، ذلك التلميذ الذكي النجيب من تلاميذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روي أن عمر ولاه على المدائن، وكتب له عهدا قال فيه لأهل المدائن: (اسمعوا له وأطيعوا وأعطوه ما سألكم)، فخرج على حمار موكف، تحته زاده، فلما قدم المدائن، استقبله أعاظم الدهاقين (التجار) وبيده رغيف، وعرق من لحم. ولما قرأ عليهم عهده، قالوا: سل ما شئت، قال: طعاما آكله، وعلف حماري هذا – ما دمت فيكم – من تبن. فأقام ما شاء الله، ثم كتب إليه عمر: (أقدم)، فلما بلغه قدومه، كمن له على الطريق – وكانت هذه عادته – فلما رآه على الحال التى خرج عليها، أتاة فالتزمه وقال: أنت أخى وأنا أخوك([49]).

وكلنا نعرف ما ذكروه عن سلمان الفارسى الذي دخل عليه قوم – وهو أمير على المدائن – وهو يعمل الخوص، فقيل له: لم تعمل هذا وأنت أمير يجرى عليك رزق؟ فقال: (إنى أحب أن آكل من عمل يدى)، وكان يشترى خوصا بدرهم فيعمله ويبيعه بثلاثة دراهم ينفق درهما ويتصدق بدرهمين، وروي أنه تعلم عمل الخوص بالمدينة من الأنصار أيام كان بها مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان عطاؤه خمسة آلاف، يتصدق به، ويأكل من عمل يده([50]).

هذه هي نماذج التربوية في أسمى قممها، وهي النماذج التي لا يهتم لها السلفية، ولا يراعونها، ولا ينشرون قصصها، لأنها تشوه كل أولئك الذين تعلقوا بهم من أصحاب الفئة الباغية، الذين خرجوا لأجل الدنيا، وشوهوا الدين وحرفوه لأجل الدنيا، غير مراعين لوصيته صلى الله عليه وآله وسلم بالحذر من الدنيا وفتنها، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبْسَطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا فتهلككم كما أهلكتهم) ([51])

وليت المشكلة في حرص أبي هريرة على الدنيا توقفت عند هذا الحد، بل أنها امتدت إلى الجانب المهم في شخصيته، وهي الجانب الروائي، حيث كان يخضع في روايته أو كتمانه للحديث إلى الرغبة والرهبة، لا إلى مجرد رغبته في تبليغ الدين.

ونحن لا نحتاج فيه إلى تكلف استدلال، فأبو هريرة نفسه صرح به، وحديثه في ذلك موجود في الصحاح المعتبرة، وإن كان السلفية ينشرون الحديث الذي يناقضه، والذي يقول فيه: (والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئاً ابداً: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159، 160]) ([52])

لكنهم يتعمدون أو يتجاهلون حديثه الآخر، والذي يشوهه تشويها خطيرا، وهو قوله في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم) ([53])

وقد قال ابن حجر في تفسير ذلك الوعاء الذي لم يبثه: (حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضهم ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان. يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية ؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة) ([54])

ولسنا ندري كيفية الجمع بينهما، وهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أحدهما نبينا مبلغا، وفي الآخر قاصا حكواتيا مع أن الله تعالى قال فيه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]، أم السكوت عن أولئك المجرمين الذين حذر منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبين خطرهم على دين المسلمين ودنياهم جائز لمن تصدر للرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع أن الله تعالى قال: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39]؟

وهل هناك موضع أهم من ردع المحرفين والتحذير منهم حتى يبقى الدين صافيا نقيا، أم أن الكتمان جائز هنا، وغير جائز في القصص والأساطير وغيرها؟

لكن السلفية الممعنين في التناقض استطاعوا أن يجمعوا بين النقيضين، واستطاعوا أن يخرجوا أبا هريرة كالشعرة من العجيبن من هذا التناقض العجيب.

وقد قال بعضهم بعد رواية حديث الكتمان: (في غاية الصحة رواية ودراية، والمراد بالوعاءين: نوعان من الأحاديث التي تلقاها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأحد الوعاءين، وهو الأول: فيه ما يتعلق بأحاديث الأحكام والآداب والمواعظ وقد بلغه حتى لا يكون كاتما للعلم، وأما الآخر: وهو ما يتعلق بالفتن والملاحم، وأشراط الساعة، والإشارة إلى ولاة السوء، فقد آثر أن لا يذكر الكثير منه حتى لا يكون فتنة لسامعه) ([55])

وقال آخر بثقة عجيبة: (إن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها؛ لما ذكره في الحديث الأول من الآية الدالة على ذم كتم العلم)([56])

وقال ابن كثير: (وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم، وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع مع معرفة أبي هريرة لها، التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم، وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني) ([57])

بل إن الذهبي استنبط من هذا حكما شرعيا، ودليله فعل الصحابي الذي هو نجم من النجوم التي يمكن أن تعوض الاستنان بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال في تأويل الحديث: (هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول، أو الفروع، أو المدح والذم، أما حديث يتعلق بحل أو حرام فلا يحل كتمانه، فإنه من البينات والهدى) ([58])

هذا ما ذكره بعضهم، أما بعضهم الآخر، فراح يورد موقفا هشا ضعيفا من مواقفه ليبينوا أنه استطاع أن يقف في وجه السلطة التي خدمها بكل ما يقدر عليه، وهو موقفه من دفن الإمام الحسن في بيت عائشة، فقد ذكر ابن كثير في [البداية والنهاية] عن الوليد بن رباح، قال: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: والله ما أنت وال، وإن الوالي لغيرك فدعه – يعني حين أرادوا أن يدفنوا الحسن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك، يعني معاوية) ([59])

وهم لا ينظرون إلى السبب الحقيقي الذي جعل أبا هريرة يقف هذا الموقف، مع أنه واضح لا يحتاج كثير تأمل، ذلك أن الخلاف ـ كما ذكرنا سابقا ـ كان شديدا بينه وبين عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعندما رآها معارضة لدفن الإمام الحسن أمام قبر جده راح يعارضها في ذلك.. بدليل أنه استمر مع مروان ومع الفئة الباغية، ولم يمسوه بسوء كما فعلوا مع غيره من الذين قتلوهم وعذبوهم([60]).

ونحب أن نضيف لما ذكره هؤلاء من أسباب كتم أبي هريرة لأحاديث مثالب الفئة الباغية، سببا آخر مهما نص عليه بعض كبار السلف الذين يثق فيهم السلفية، بالإضافة إلى تأييده من طرف كبار أعلامهم.

وهو ما ذكره الإمام أحمد بسنده الصحيح إلى سعيد بن المسيب من قوله: (كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية، سكت، فإذا أمسك عنه، تكلم) ([61])

وقد علق الشيخ حسن بن فرحان المالكي على هذا الحديث بقوله: (فأبو هريرة يمسك عن بعض العلم خوفاً ويمسك عنه طمعاً أيضاً.. إذاً فالرجل يتأثر بالسياسة، وهذا الأثر السياسي موجود على من دونه، وعلى هذا فأهل الحديث عندما يظهرون بأن الصحابة والتابعين وأهل الحديث لا يتأثرون بالسلطة ولا يخافون لومة لائم، هذا كله غير صحيح على إطلاقه، هم مثل علماء ودعاة اليوم.. يتأثرون بالسلطة السياسية والمذهبية، خوفاً وطمعاً، رغبة ورهبة.. فيجب مراقبة الأثر السياسي والمذهبي، ثم سلفية اليوم يزايدون على الإمام أحمد والذهبي وابن كثير! وقد يضطرون لتكذيب أحمد بن حنبل – مع أنه لم ينفرد بالخبر، ففي الثقات للعجلي: (حدثنا العلاء ثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت وإذا أمسك عنه تكلم) ([62])، فهذا العجلي يتابع الإمام أحمد بالسند نفسه في أن أبا هريرة كان (لأجل المال) يسكت عن بعض العلم، ومعاوية خبير في اشتراء الذمم.. وعلى هذا يمكن أن نفهم الأحاديث التي رواها أبو هريرة في فضل أهل البيت أو ذم بني أمية، فيحتمل أنه تكلم بها في فترة تأخر المال من معاوية) ([63])

ثانيا ـ آثار الجانب النفسي على روايات أبي هريرة

لقد كان لتلك الجوانب النفسية في شخصية أبي هريرة تأثيراتها السلبية عليه في جوانبه الروائية، والتي تهمنا أكثر من جوانبه الشخصية التي لا يختلف فيها أبو هريرة عن أكثر المسلمين، بل عن أكثر البشر، فكلهم يحب أن تكون له سمعة طيبة، ويحب أن يذكر بخير، ويحب أن يحبه الناس، ويتعلقوا به، وبكل ما يرتبط به.

ولكن المشكلة التي جعلتنا نختص أبا هريرة بذلك الاهتمام هو كونه تصدر لرواية حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولذلك لم يبق مجرد شخص عادي، تحرم غيبته، ويحرم التنقيب عن أسراره وأغوار حياته.. بل إنه صار نائبا أو وكيلا أو ناطقا رسميا باسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهذه الوظيفة الخطيرة التي تولاها تستدعي منا أخذ أكبر قدر من الحيطة، لأن كل حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دين..

وبناء على هذا لا تعنينا كل تلك البحوث التي تقصر أو تطول في بيان مدة صحبته، فلا حرج عليه أن يصحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أول البعثة أو من آخرها، فالصدق هو المعتبر، لا السبق.

وبناء عليه كذلك لا تعنينا أعداد الأحاديث التي رواها، فقد روى غيره ممن بعده أكثر منه، بل يروون عن أحمد بن حنبل أنه حفظ ألف ألف حديث.. ولذلك لا حاجة لتلك المعجزة التي ذكرها، والتي جعلته ـ كما يذكر ـ يحفظ أكثر مما يحفظ غيره.

وبناء عليه كذلك لا يهمنا صحبته لمعاوية والفئة الباغية معه، أو صحبته لعلي ومن معه من السابقين الصادقين.. فكم من أصحاب علي أو معاوية ممن لا نسمع به، ولا نهتم له.

إنما الذي يعنينا هو تلك السموم التي وردت في بعض أحاديثه، والتي تشوه الدين تشويها تاما، ولا يعنينا عددها، فقد يقضي فيروس واحد لا تراه العين المجردة، ولا المجاهر الإلكترونية على إنسان كامل، بل قد تقضي على بشر كثيرين.

وهكذا فعلت الكثير من أحاديث أبي هريرة التي لم تترك مجالا من مجالات الدين، وقيمة من قيمه إلا حرفتها عن مسارها.. وهذا ما أرضى عنه الفئة الباغية، وما أسخط عليه الكثير من الصحابة السابقين والمحققين اللاحقين من أصحاب العقول التي لم تعطل..

وبما أننا سنتعرض بتفصيل لذلك في الفصل الثاني من هذا الكتاب، فإننا نكتفي هنا ببعض الأمثلة والنماذج عن تخريب أحاديث أبي هريرة لقيم الدين.

فأحاديثه التجسيمية الكثيرة لله، ككونه على مثل صورة آدم؛ طوله ستون ذراعاً في سبعة أذرع عرضاً، وكونه يظهر في صور مختلفة، وأن الخلق يعرفونه من خلال رؤية ساقه بعد أن يكشف عنها، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها.. تدمر كل تلك المعاني التنزيهيه التي وردت في القرآن الكريم عن الله.

وأحاديثه عن موسى عليه السلام وجريه عريانا أمام بني إسرائيل، ولطمه لملك الموت، وإحراقه لقرى النمل، وغيرها تمسخ كل تلك الصورة الجميلة التي رسمها القرآن الكريم لموسى والأنبياء عليهم السلام.

وأحاديثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه كان يؤذي ويسب ويلعن ويجلد من لا يستحق ذلك في حال غضبه، ولذلك شرط على الله تعالى أن يحول من كل تلك التصرفات كفارة لذنوب من يتعرض منه لهذا الشر.. يقضي على تلك الصورة الجميلة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الممتلئ بالحنان والرحمة والحكمة.

وأحاديثه عن المرأة، وتحقيرها، وأنه لولا حواء ما خانت امرأة زوجها، وحكايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)([64])، وحديثه (يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب)، وحديثه (الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرس) يقضي على كل تلك المعاني النبيلة التي وردت في القرآن الكريم عن كرامة المرأة، وكونها شقيقة الرجل، لا تختلف عنه في شيء.

وأحاديثه المتعلقة بالكون، وخارطته، وأنه لولا بني إسرائيل لما خنز اللحم، ودعوته لغمس الذباب في الطعام، وغيره كثير.. هي التي جعلت السلفية يخالفون العالم أجمع في علوم الفلك والجغرافيا والبيولوجيا وكل العلوم.

وأحاديثه المتعلقة ببني اسرائيل، وأن أمة منهم فقدت، وبعد البحث عنها تبين أنها الفأر بدليل أن الفأر إذا وضع لها ألبان الابل لم تشرب، واذا وضع لها ألبان الشاة شربت.. ينسخ كل معارف البشرية المتعلقة بالتاريخ والبيولوجيا وكل العلوم.

وحديثه عن بعض الصحابة، وأنه ـ بصحبة أربعة آلاف من الجيش ـ خاضوا في بحر لجاج لم يره أحد قبلهم، ولا بعدهم، فساروا عليه بأقدامهم، ولم تبتل قدم ولا خف ولا حافر في معجزة أكبر من معجزة موسى عليه السلام، يقضي على أرخميدس وقوانينه، بل يقضي على كل قوانين البحار.

هذه مجرد نماذج عن أحاديث أبي هريرة، سنتعرض لها ولغيرها بتفصيل في الفصل الثاني من هذا الكتاب، وهي تبين خطورة الأحاديث التي رواها.. ولا يهم عدد تلك الأحاديث.. فقد يقضي ذئب واحد على قطيع كامل من الغنم.. وهكذا فعلت تلك الأحاديث.

فنحن بين أمرين، بين حماية الذئب الذي سطا على الغنم، أو بين وضع سياج له يحول بينه وبين الوصول إليها.

ومشكلة أصحاب العواطف المجردة والورع البارد أنهم لأجل الحرص على سمعة أبي هريرة يحطمون سمعة أعظم إنسان محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ويحطمون سمعة أعظم دين ممتلئ بكل القيم النبيلة.

فأيهما أشد خطرا أن يعتبروا أبا هريرة اجتهد مثلما اجتهد ولي نعمته معاوية فأخطأ، وبذلك يحمون حبيبهم أبا هريرة، كما حموا حبيبهم معاوية، ويحمون معه سياج الدين وقيمه.. أو أن يعتبروه أصاب في كل ما روى، وأن عدالته مطلقة، وحينها سيحطمون كل قيم الدين، ويحطمون معها مكانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الممتلئ بالطهر والنبل والكمال.

بناء على هذا سنحاول في هذا المبحث تبيان الثغرات المرتبطة بالجانب الروائي في شخصية أبي هريرة، والتي أفرزها الجانب النفسي فيه، وقد رأينا أنه يمكن جمعها في ثغرتين خطيرتين:

الأولى: الحشو والإغراب، فأبو هريرة كان لشدة حرصه على الحديث يجمع من كل من هب ودب من غير تحقيق ولا تثبت، ويحاول أن يغرب في ذلك لإرضاء جماهير المحيطين به.. وهي صفة قربته للسلفية وحببتهم فيه، فكلاهما يميل إلى الحشو كما يميل إلى الإغراب.

وثانيهما: التدليس والخلط، فأبو هريرة لم يكتف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. بل أضاف إليه الكثير من الروايات.. سواء تلك التي اجتهد فيها.. أو تلك التي رواها عن غيره، وخصوصا كعب الأحبار.

وسنحاول هنا إثبات ذلك من خلال الروايات والمصادر المعتبرة لدى السلفية.

1 ـ الحشو والإغراب:

من أول مظاهر الشخصية الروائية لأبي هريرة، وأكثرها خطرا ظاهرة الحشو والإغراب، وهي تعني الجمع من دون تمحيص ولا تحقيق ولا غربلة ولا تثبت.. وهي نفس الصفة التي اتسم بها السلفية في عصورهم المختلفة، ولذلك لقبوا بالحشوية، من طرف الكثير من العلماء المتقدمين، وخاصة المتكلمين منهم.

وأبو هريرة والسلفية في هذا يشبهون ذلك الصحفي اللاهث وراء جمع أكبر قدر من المعلومات المرتبطة بالحادثة التي يريد الحديث عنها من دون التحقق منها، أو التحقيق فيها، لأن هدفه الوصول إلى الخبر، وإمتاع فضول السامع به، ولا بأس ـ إن كان كاذبا ـ أن يصدر تكذيبه بعد ذلك.

ولعل سبب هذا هو أن أبا هريرة يحاول التعويض عن تأخر صحبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجمع أكبر قدر من الروايات، وهو هدف نبيل لو أضاف إليه التحقق والتثبت، لأن الحديث الواحد كما ذكرنا قد ينسخ الجبال من الحقائق.

وقد ورد في الروايات الكثيرة ما يدل على أنه اتهم من لدن الصحابة، بل كبارهم بسبب ذلك بالكذب على رسو الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أشار إلى ذلك، بل صرح به فيما رواه أبو رزين قال: خرج إلينا أبو هريرة، فضرب بيده على جبهته، فقال: (ألا إنكم تحدثون أني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتهتدوا وأضل..) ([65])

ومن الصحابة الذي ورد النص الصريح بتكذيبهم له سعد بن أبي وقاص، فقد نقل ابن عساكر رد سعد بن أبي وقاص لروايته، فقال: (حدث أبو هريرة، فرد عليه سعد فتواثبا حتى قامت الحجزة، وأرتجت الأبواب بينهما) ([66])

ومنهم عبد الله بن عمر الذي كذبه بصراحة ليس فوقها صراحة، فقد حدث طاووس قال: (كنت جالسا عند ابن عمر فأتاه رجل فقال: إن أبا هريرة يقول: إن الوتر ليس بحتم فخذوا منه ودعوا، فقال ابن عمر: كذب أبو هريرة جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فواحدة) ([67])

وهكذا رد عليه حديثه في فضل اتباع الجنائز، فقد ورد في الحديث الذي رواه البخاري: (حُدث ابن عمر أن أبا هريرة يقول: من تبع جنازة فله قيراط، فقال: أكثر أبو هريرة علينا) ([68])

ومنهم عائشة التي اعترضت عليه في رواياته، بل اتهمته بالكذب، لكنه بدل أن يخضع لقولها، ويحترم محلها، وكونها أسبق منه للإسلام، وأكثر قربا منه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، راح يتهمها بكونها كانت مشغولة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ففي الحديث عن سعيد بن العاص عن عائشة: أنها دعت أبا هريرة، فقالت له: يا أبا هريرة، ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هل سمعت إلاّ ما سمعنا؟ وهل رأيت إلاّ ما رأينا؟ قال: يا أماه، إنه كان يشغلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المرآة والمكحلة، والتصنع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء) ([69])

ولست أدري لم لم يلتفت السلفية لهذا الطعن الخطير من أبي هريرة في أم المؤمنين عائشة، واتهامها بانشغالها بنفسها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهل هناك تهمة أخطر من هذا؟ وهل يمكن لزوجة أن تنشغل عن زوجها، وخاصة إن كان رسولا لله؟

بل إنها أنكرت عليه إنكارا شديدا ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل) ([70])

حيث ردت عليه بقولها: (قد شبهتمونا بالحمير والكلاب. والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنسل من عند رجليه) ([71])

وفي رواية قالت: (إن المرأة لدابة سوء، لقد رأيتني بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي)

وردت عليه ما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: (إنما الطيرة في المرأة، والدابة، والدار) بغضب شديد، وصفه الراوي بقوله: (فطارت شقة منها في السماء، وشقة في الأرض)، ثم قالت: (والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: (كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة، ثم قرأت عائشة: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22]) ([72])

وهذه الروايات كلها مقبولة لدى السلفية، ولسنا ندري من نصدق فيها، هل عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أبا هريرة.. وفي حال تكذيبنا له، فإن هذا سيجعلنا نشك في باقي أحاديثه، لأن من قواعد المحدثين إلقاء التهمة على من كذب في حديث واحد.

ومثل ذلك كان موقف عمر ـ الذي عرفنا سابقا أنه اتهمه في أمانته ـ وقد أضاف إلى ذلك اتهامه في صدقه، بل هدده بتسليط العقوبة عليه إن حدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولهذا قلت روايته في عهده، ولم يتحرر إلا في عهد معاوية.

وقد روي عن أبي سلمة أنه قال لأبي هريره: أكنت تحدث في زمان عمر هكذا؟ فقال: (لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته) ([73])

وقد روى مسلم أن عمر بن الخطاب ضربه لما سمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الحديث الإرجائي الخطير: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) ([74])

وقد قال الشيخ المحدث رشيد رضا معلقا على موقف عمر: (لو طال عمر عمر حتى مات أبو هريرة لما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة) ([75])

ولست أدري لم لا يعمل السلفية هنا بسنة عمر التي يدعون لها كل حين، بل يصرخون في كل حي باسمه، ويزعمون أنه سلفهم، وأنهم أتباعه من دون الناس، فقد كان عمر من أكثر الصحابة شدة على الحشوية الذين يروون ما لا يتثبتون في روايته، وقد روي عن أبي سعيد الخدري قال:كنت في مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً، فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع). فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك([76]).

وروي عن هشام،عن أبيه، أن عمر نشد الناس: من سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في السقط، فقال المغيرة: أنا سمعته قضى فيه بغرة عبد أو أمة، قال: ائت بمن يشهد معك على هذا، فقال محمد بن مسلمة: أنا أشهد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمثل هذا) ([77])

وفي رواية في صحيح البخاري عن المغيرة بن شعبة قال: سأل عمر بن الخطاب عن إملاص المرأة؛ هي التي يضرب بطنها فتلقي جنينا فقال: أيكم سمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه شيئا، فقلت: أنا، فقال: ما هو؟ قلت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (فيه غرة عبد أو أمة)، فقال: لا تبرح حتى تجيئني بالمخرج فيما قلت، فخرجت، فوجدت محمد بن مسلمة، فجئت به، فشهد معي أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (فيه غرة عبد أو أمة) ([78])

وهكذا كان الكثير من الصحابة لا يقبلون أي حديث يروى لهم، خشية أن يدس في السنة ما ليس منها، وقد روي عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23] {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض، فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]؟ أو لم تسمع أن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]؟ قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]، قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]) ([79])

وفي هذه الرواية نلاحظ كيف كانت عائشة تعرض الروايات التي كانت تنتشر في عهدها على القرآن الكريم، لأنه يستحيل أن تعارض السنة القرآن.

ولهذا كان موقف السلفية شديدا على عائشة في هذه الناحية، ويفضلون أبا هريرة وأمثاله عليها، وقد قال ابن خزيمة الذي يلقبونه [إمام الأئمة] ردا عليها: (هذه لفظة أحسب عائشة تكلمت بها في وقت غضب، ولو كانت لفظة أحسن منها يكون فيها درك لبغيتها كان أجمل بها.. ولكن قد يتكلم المرء عند الغضب باللفظة التي يكون غيرها أحسن وأجمل منها) ([80])

ولم يكن الإنكار على أبي هريرة خاصا بعمر وعائشة، بل شمل الإنكار كثيرا من الصحابة السابقين، ومنهم الزبير بن العوام الذي قال واصفا روايته للحديث: (صدق كذب، صدق كذب)، فسأله ابنه عن معنى كلامه؟ فقال: (أمّا أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا شكّ، ولكن منها ما وضعه على مواضعه، ومنها ما لم يضعه على مواضعه)([81])

وهكذا أنكر الحنفية أحاديثه التي ينفرد بها، ولم يأخذوا بها، بل قدموا عليها القياس، مع العلم أنه لا اجتهاد في موضع نص، وقد نقل محمّد بن الحسن – صاحب أبي حنيفة – عن أبي حنيفة قوله: (أُقلّد من كان من القضاة من الصحابة: كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، والعبادلة الثلاثة، ولا أستجيز خلافهم برأيي، إلاّ ثلاثة نفر)، وفي رواية: (أُقلّد جميع الصحابة ولا أستجيز خلافهم برأي إلاّ ثلاثة نفر: أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب)، فقيل له في ذلك؟! فقال: أمّا أنس، فاختلط في آخر عمره، وكان يفتي من عقله، وأنا لا أُقلّد عقله؛ وأمّا أبو هريرة، فكان يروي كلّ ما سمع من غير أن يتأمّل في المعنى، ومن غير أن يعرف الناسخ والمنسوخ) ([82])

وروى أبو يوسف صاحب أبي حنيفة المعروف قوله: (قلت لأبي حنيفة: الخبر يجيء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخالف قياسنا، ما تصنع به؟ فقال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي. فقلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر؟ قال: ناهيك بهما. فقلت: وعليّ وعثمان؟ قال: كذلك. فلمّا رآني أعدّ الصحابة، قال: والصحابة كلّهم عدول ما عدا رجالاً، ثمّ عدَّ منهم أبا هريرة، وأنس بن مالك) ([83])

ومن أبرز الأمثلة العملية على اتهام الحنفية لأبي هريرة، وتركهم حديثه إذا عارض قياسهم، تركهم لحديث المُصَرّاة الذي رواه أبو هريرة([84]).

ومثل ذلك قولهم ببطلان الصلاة بالكلام مطلقاً، ولو عن نسيان، أو جهل، أو ظنّ المصلّي بأنّه خرج من الصلاة، خلافا لحديث أبي هريرة، الذي حدّث بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم سها فسلّم في الرباعية عن ركعتين، ثمّ قام من مصلاّه ودخل حجرته، ثمّ رجع فقيل له: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تقصر، ولم أنسَ. فقالوا: بلى، صلّيت بنا ركعتين. وبعد حوار كان بينه وبينهم أيقن ممّا يقولون، فبنى على الركعتين وأتمّ الصلاة، ثمّ سجد للسهو([85]).

وهكذا نجد الحنفية لا يبنون على الأحاديث التي يرويها أبو هريرة، وينفرد بروايتها أي حكم فقهي، وكل ذلك من اتهامهم له، فهم لا يشترطون ستر العورة في الطواف، خلافا لحديث هريرة: (لا يطوف بالبيت عريان) ([86])

وهم يقولون ببطلان الفريضة بطلوع الشمس على خلاف حديث أبي هريرة في الصحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر)([87])

وهم يقولون بعدم وجوب الفدية على من أفطر لعذر ولم يصم إلى رمضان الآخر، خلافاً لما روى أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في رجل مرض في رمضان، ثم صحّ ولم يصم حتّى أدركه رمضان آخر، فقال: (يصوم الذي أدركه، ويطعم عن الأوّل لكلّ يوم مدّاً من حنطة لكلّ مسكين) ([88])

وهم يقولون بمنع وقف المنقول، خلافاً لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما ينقم ابن جميل إلاّ أنّه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأمّا خالد فإنّكم تظلمون خالداً قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله) ([89])

وليس هذا الموقف خاصا بفقهاء الحنفية، بل إنه شمل الكثير من التابعين ومن بعدهم، وقد عبر عن ذلك إبراهيم النخعي وهو من كبار التابعين المعتبرين لدى السلفية، فقد قال: (كانوا يتركون أشياء من أحاديث أبي هريرة) ([90])،وقال: (كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون) ([91])، وقال: ((كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة شيئاً)([92])

بل عبر عن ذلك بعبارة جامعة خطيرة، ليت السلفية طالعوها وتدبروها وأعملوها إن كانوا يزعمون حقيقة أنهم يرجعون إلى السلف، ويأخذون عنهم، فقد قال: (لم يكونوا يأخذوا من حديث أبي هريرة إلاّ ما كان في صفة جنّة أو نار)([93])

وهكذا أنكر المعتزلة حديثه، فقد روي عن أبي جعفر الإسكافي قوله: (وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا، غير مرضي الرواية، ضربه عمر بالدرّة، وقال له: قد أكثرت الرواية وأحر بك أن تكون كاذباً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)([94])

وهكذا كان موقف الشيعة منه، فقد رووا عن الإمام عليّ قوله: (ألا إنّ أكذب الناس – أو قال: أكذب الأحياء – على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو هريرة الدوسي) ([95])

ورووا عن الإمام جعفر الصادق قوله: (ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة) ([96])

وكل ذلك الإنكار بسبب تسرعه وعدم تثبته، ومحاولته جمع أكبر قدر من الروايات لينال الرقم القياسي في الرواية، وقد عبر عن ذلك فقال: (لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر حديثاً مني إلاَّ عبد الله بن عمرو، فإنه كتب ولم أكتب) ([97])

بناء على هذا سنحاول أن نذكر هنا باختصار بعض مظاهر الحشو والإغراب في أحاديث أبي هريرة، والتي تدعونا إلى المزيد من التثبت فيها.

أ ـ الحشو في أحاديث أبي هريرة:

من أول مظاهر الحشو عند أبي هريرة اهتمامه بأن يكون أكثر الصحابة رواية حتى أنه كان يتسابق مع من يراه يحفظ أو يروي أكثر منه، فعن المغيرة بن حكيم ومجاهد أنهما سمعا أبا هريرة يقول: (ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني، إلاَّ عبد الله بن عمرو، فإني كنت أعـــي بقلبي، ويعي بقلبه ويكتب، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأذن له)([98])

وعن المغيرة بن حكيم أنه سمع أبا هريرة يقول: (ما كان أحد أعلم بحديث رســـــــول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني إلاَّ عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بــيــده، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأذن له، فكان يكتب بـــيـــده، ويعي بقلبه، وإنما كنت أعي بقلبي) ([99])

وعند التأمل البسيط فيما ذكره أبو هريرة نكتشف سرا خطيرا من أسرار تقديم أبي هريرة على غيره، ذلك أنه ـ بحسب قول أبي هريرة ـ فإن أحاديث عبد الله بن عمرو أكثر عددا من أحاديثه، لكن الواقع لا يقول بذلك، فروايات عبد الله بن عمرو لا تعدو الـ(1000) حسب رواية ابن الأثير و(700) عند ابن الجوزي لم يرو منها البخاري غير ثمانية ومسلم غير عشرين (208)

وسبب ذلك أن الفئة الباغية وفرت لأبي هريرة من التلاميذ ومن البيئة المناسبة، ما لم توفره لعبد الله بن عمرو، ولا لغيره من الصحابة، وقد قال ابن حجر تعليقا على قول أبي هريرة، وتبريرا لغياب أحاديث عبد الله بن عمرو: (هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبد الله بن عمرو، أي ابن العاص، على ما عنده. ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازماً بأنَّه ليس في الصحابة أكثر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه إلاَّ عبد الله، مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو، أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة) ([100])

وقد برر ذلك بتبريرات هزيلة لا يصح اعتبارها، (أحدها: إن عبد الله كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم. فقلّت الرواية عنه. ثانيها: إنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو الطائف ولم تكن الرحلة إليها ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصدياً فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات.. ثالثها: ما اختصَّ به أبو هريرة من دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بأنه لا ينسى ما يحدث به.. رابعها: إن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها، ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثرت أئمة التابعين..)([101])

وأحسن من تبريراته ما ذكره الشيخ حسن بن فرحان المالكي في مقال مهم له حول الموضوع، حيث تساءل تساؤلا مشروعا عبر عنه بقوله: (مع أن هناك خلافا في أبي هريرة خاصة، لكن تعالوا نتعلم ونسأل: فأبو هريرة مثلاً أسلم عام 7 هـ ومات عام 57هـ، وسعد بن أبي وقاص من أوائل من أسلم بمكة، وشهد المشاهد كلها، ومات في السنة نفسها تقريباً (57هـ) ومكانهما واحد، فلماذا أحاديث سعد (121) فقط؟!)([102])

ثم أجاب عن ذلك بتساؤل آخر مشروع عبر عنه بقوله: (هذا سؤال مشروع.. رجل صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنتين أو ثلاثاً يروي أكثر من ثلاثة آلاف، ورجل صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم 23 سنة يروي فوق المئة فقط، والطلاب هم الطلاب، بمعنى أن سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة كلاهما مدنيان، وسنة الوفاة واحدة، وسعد من أول من أسلموا، وأبو هريرة من آخر من أسلمو.. وليس معروفاً عن سعد أنه يمتنع عن الحديث، فلماذا انهال رواة التابعين على أبي هريرة وتركوا سعد بن أبي وقاص البدري؟)([103])

ثم أجاب الإجابة المنطقية التي يدل عليها كل شيء، فقال: (إنه الرضا السياسي)

ثم بين البراهين الدالة على هذا الرضا، فقال: (سعد بن أبي وقاص كان يعاند سياسة معاوية، وينكر عليه، ويذكره بفضائل علي ويمتنع من سبه، فموقفه السياسي قلل رواته وأحاديثه بعكس أبي هريرة الذي – وإن كان يمانع أحياناً – إلا أن أبناءه كانوا من قواد معاوية يوم صفين، ودخل هو مع معاوية الكوفة، وولي له على المدينة.. فالرضا السياسي عن أبي هريرة أدى لتكالب الناس عليه، كما أن السخط السياسي على سعد بن أبي وقاص أضاع كثيراً من أحاديثه) ([104])

وقد ذكر الشيخ حسن بن فرحان المالكي بعض مظاهر الخصومة بين معاوية وسعد بن أبي وقاص، وهي نفس الخصومة التي كان يواجه بها معاوية السابقين من الصحابة، فقال: (أنا اقول هذه الأمور باختصار شديد، ولا أريد أن أذكر المواقف، ولا أن سعد بن أبي وقاص مات مسموماً على الأرجح من معاوية، ولا أن معاوية كان يشكك في نسب سعد بن أبي وقاص وقال له: (يأبى عليك الخلافة بنو عذرة) فهو يتهمه في نسبه، وأنه من بني عذرة، وهم ليسوا من قريش) ([105])

ونفس التساؤلات تطرح عند مقارنة عدد أحاديث أبي هريرة بأحاديث غيره من الصحابة ممن سبقوه في الإسلام، لكنهم حرموا من الرضا السياسي من الفئة الباغية مما صرف التلاميذ عنهم.

ومثله أبو حميد الساعدي([106]) الذي توفي بعد أبي هريرة بثلاث سنوات، (توفي بعد عام 60 هـ)، وسبقه إلى الإسلام، بل كان من البدريين، ومع ذلك لم يرووا عنه سوى ثلاثة أحاديث.. فهل يعقل أن يصحب رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل تلك المدة، ويرى بدرا وأحدا والأحزاب، وغيرها كثير، ومع ذلك لا يروي إلا ثلاثة أحاديث؟

ومثله أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم([107]) التي توفيت بعد أبي هريرة بأربع سنوات (توفيت سنة 61 هـ)، ومع ذلك لم ترو سوى 158حديثا.. مع أنها كانت من السابقين للإسلام، وهاجرت للحبشة، ثم عادت مع زوجها أبي سلمة، وتحاصرا في الشعب مع بني هاشم، ولم يشترك أحد غيرهما مع بني هاشم.. وسبب ذلك التقصير في الرواية عنها هو موقفها المتشدد من معاوية والفئة الباغية معه، فقد كانت معارضة شديدة للعن الإمام علي على المنابر، ورثت الحسين، وروت فضائل أهل البيت.. ولذلك لا يكاد السلفية يذكرونها أو يهتمون بها، لأنهم يرتبون أمهات المؤمنين بحسب مواقفهم من معاوية، لا بحسب كونهن أمهات المؤمنين.

ومثله صالح شقران([108]) مولى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي توفي بعد أبي هريرة بثلاثة عشر عاماً (توفي عام 70 هـ)، ومع ذلك لم يرووا عنه سوى حديث واحد فقط، رغم أنه بدري، ومولى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمولى أقرب من غيره([109]).. ومع ذلك لم يرووا عنه إلا حديثا واحدا فقط.. وسبب ذلك بسيط، وهو أن صالحا كان قد قاتل مع الإمام علي بصفين، وهو مولى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، وكل ذلك ساهم في (إماتة حديثه وسيرته، كل تلامذة أبي هريرة بقوا بعد أبي هريرة في المدينة ثلاثة عشر عاماً، وقد انقطع حديث أبي هريرة بموته، فلماذا لم يبحثوا عن صحابة كشقران؟)([110])

ومما يدل على كون الرضا السياسي هو السبب في كثرة أحاديث أبي هريرة هو كون أكثر الروايات الواردة عن أبي هريرة رواها أبو سلمة بن عبد الرحمن، وكان مقربا للفئة الباغية، بل كان يعمل شرطياً وقاضياً لمعاوية ومروان.

ومن العجيب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن روى من حديث أبي هريرة أكثر من سعيد بن المسيب على الرغم من كونه كان صهرا لأبي هريرة، وزوجا لابنته، ومع أنه أقدم صحبة لأبي هريرة منه، وماتا في سنة واحدة (94هـ)

وسبب ذلك بسيط، وهو سعيد بن المسيب لم يكن مقربا من الفئة الباغية، بل (كان يدعو على بني مروان في سجوده، ويتهم معاوية بأنه (أول من رد قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويصرح بذمه، كل هذا بأسانيد صحيحة)

وعلى خلاف سعيد بن المسيب نرى الزهري يشتهر أكثر من غيره من تلامذة أبي هريرة، والسبب بسيط، وهو أن الزهري كان مقربا للفئة الباغية، بل (عمل في بلاط عبد الملك ثم الوليد ثم سليمان ثم يزيد بن عبد الملك ثم هشام، وكتب حديثه في بلاط هشام بن عبد الملك، ورواته موالي هشام.. ونصف الحديث في الكتب الستة يكاد يكون عن الزهري وتلامذته كشعيب بن أبي حمزة ويونس بن يزيد الأيلي وعقيل بن خالد (كلهم موالي لبني أمية)]. وقد عاصر الزهري علماء أجل منه مدنيون (بينما هو شامي وشيوخه مدينون)، فمن أهل المدينة من طبقة الزهري محمد الباقر وزيد بن علي وربيعة الرأي)

والسبب في ذلك هو الرضا السياسي من الفئة الباغية سوى كان ذلك الرضا متوجها للصحابة أو للتابعين أو من بعدهم.

وليس الأمر قاصرا على تلاميذ أبي هريرة، بل يتعداه إلى تلاميذ غيره من الصحابة، فأكبر من روى أحاديث عائشة هو عروة بن الزبير، لكونه كان من أكثر التابعين قربا من معاوية والفئة الباغية، (وقد مدحه أهل الحديث، وهو عند التحقيق متهم بكثير من أحاديث عائشة، ومعظم الأحاديث التي يحتج بها الشيعة في تكذيب عائشة، أو يحتج بها المستشرقون في ذم النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي من طريق عروة عن عائشة، أنا اتهم عروة.. فأحاديثه عن عائشة فيها الكثير من الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولعائشة نفسها، كما أن المكثر عنه ابنه هشام (صديق المنصور)، وهو يروي عن أبيه عن عائشة، هذا الطريق (هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) مادته المسيئة خرجت في كثير من الكتب والأفلام التي تسيء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم)

ب ـ الإغراب في أحاديث أبي هريرة:

من الظواهر البادية للعيان في أحاديث أبي هريرة كونها تميل إلى الإغراب والخيال أكثر من روايات غيره من الصحابة، بل يصح أن نعتبره أول مخرج لهذا النوع من الروايات في التاريخ الإسلامي، ولعل سبب ذلك يعود لتلمذته الطويلة لكعب الأحبار، ولكتب أهل الكتاب كما سنرى أدلة ذلك لاحقا، ويعود أيضا لرغبته في إرضاء جمهور المحيطين به، وهم عادة ـ كسائر البشر ـ يميلون للحكايات والقصص الغريبة التي ترضي الخيال، وإن كانت تتصارع مع العقل.

وهذه السمة في روايات أبي هريرة هي التي جعلته أكثر الصحابة قربا من العقل السلفي، فهو عقل لا عقلاني، يقبل كل ما يستحسنه الخيال، ويرضى عنه، ولا يهم بعد ذلك أن يتناقض مع العقل، أو لا يتناقض، فالعقل لا أهمية له عند السلفية، بل هم يذكرون أن كل حديث ورد في شأنه إما ضعيف أو موضوع، وكل آية تدعو إلى استعماله مؤولة أو محددة بزمن معين هو زمن السلف.. وبعدها ينتهي دور العقل ليبدأ دور التبعية.

وسنذكر هنا باختصار بعض الروايات الغريبة التي حدث بها، ووقعت له، وسنذكر في الفصل الثاني نماذج أخرى عن الأحاديث الغريبة التي رواها عن بني إسرائيل وغيرهم..

فمن تلك الأحاديث هذه القصة العجيبة التي أخبر فيها عن خوارق كبرى رآها بزعمه آلاف الناس، ومع ذلك لم يهتموا بروايتها ولا إشاعتها، ولا نقلها، وكأنها حدث عادي لا قيمة له.

وقد عبر عن تلك الرواية بقوله: (لما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم العلاء بن الحضرمي إلى البحرين تبعته فرأيت منه ثلاث خصال لا أدري أيتهن أعجب، انتهينا إلى ساحل البحر فقال: (سموا الله واقتحموا)، فسمينا الله واقتحمنا، فعبرنا فما بل الماء أسافل أخفاف إبلنا، فلما قفلنا صرنا معه بفلاة من الأرض، وليس معنا ماء، فشكونا إليه فقال: (صلوا ركعتين)، ثم دعا فإذا سحابة مثل الترس ثم أرخت عزاليها فسقينا وأسقينا، ومات فدفناه في الرمل، فلما سرنا غير بعيد قلنا: يجيء سبع فيأكله، فرجعنا فلم نره([111]).

وهذه غرائب لم تحصل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، ومع كبار الصحابة، ونحن نعرف جيدا ما حصل للمسلمين في أحد والأحزاب وتبوك وغيرها، وقد أخبر الله تعالى عن ذلك الرعب الشديد الذي أصاب المسلمين في غزوة الأحزاب مع كون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان بينهم، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 9 – 11]

وجل ما حصل في تلك الغزوة هو تلك الريح الشديدة التي جعلت الأحزاب يتفرقون، وهو شيء لا يمكن مقارنته بتلك المعجزة التي ذكرها أبو هريرة، والتي جعلت جيشا بأكمله يسير على الماء من غير أن تبتل أحفاف إبلهم.

بل إن هذه المعجزة الكبيرة التي ذكرها أبو هريرة تفوق المعجزة التي حصلت لموسى عليه السلام، فموسى عليه السلام احتاج لأن ينشق البحر، حتى يسير على اليابسة، لكن أبا هريرة ومن معه لم يحتاجوا إلى ذلك، بل عطلوا كل قوانين المياه، ليسيروا عليه.

وهذا كله يدعو إلى الشك في روايته خاصة وأنه خص بهذه الكرامات العلاء الحضرمي باعتباره ولي نعمته في البحرين، مثلما كان جعفر ولي نعمته في المدينة، بالإضافة إلى أن أسرة العلاء كانت ذات علاقة كبيرة ببني أمية، فقد سكن أبوه مكةَ، وحالف حَرْب بن أمية والد أبي سفيان، وتزوّج أَبو سفيان بنته الصعبة بنت الحضرمي.

ومن تلك الأحاديث الغريبة التي رواها عن نفسه قصته مع المزود، فعنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومًا بتمرات، فقلت: ادع الله لي فيهن بالبركة، قال: فصفهن بين يديه، قال: ثم دعا، فقال لي: (اجعلهن في مزود، فأدخل يدك، ولا تنثره)، قال: (فحملت منه كذا وكذا وسقًا في سبيل الله، ونأكل، ونطعم، وكان لا يفارق حقوي، فلما قتل عثمان، انقطع عن حقوي، فسقط) ([112])

وهذا حديث ممتلئ بالغرابة، ويدعو إلى الكثير من التساؤلات، ولعل أولها هو ارتباطه بالجانب السياسي، فقد كان لأبي هريرة ـ كما ذكرنا سابقا ـ موقف سلبي من الإمام علي، ولذلك راح يصور في هذا الحديث أن البركة رفعت أيام ولايته.. بالإضافة إلى أن من العجب أن تحصل له مثل هذه الكرامة العظيمة، ثم لا يحدث بها في عهد أبي بكر ولا عهد عمر ولا عهد عثمان، بل ينتظر حتى تأتي الفئة الباغية ليحدثها بها، وليتزلف إليها عن طريق ذلك.

بالإضافة إلى ذلك كله، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه يضع الحجر على بطنه من الجوع، وكان ـ كما ورد في الأحاديث الصحيحة ـ لا يجد من الدقل ما يملأ بطنه، هو والكثير من صحابته.. فكيف لم يقم بتفعيل البركة في ذلك الوقت، ومع غيره من الصحابة، وخص بها أبا هريرة من دون الناس.

وغيرها من التساؤلات الكثيرة التي لا تعني أننا ننكر الكرامات ولا البركات، ولكنا نعتبر أصل التكليف الإلهي مرتبط بسنن الله تعالى العادية، لا بالخوارق.. فللخوارق مجالها المحدود الضيق.

ومن تلك الأحاديث الغريبة التي رواها عن نفسه قصته مع الشيطان، والتي عبر عنها بقوله: (وكَّلني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟)، قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته، فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذَبك، وسيعود)، فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: دعني؛ فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك؟)، قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته، فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك وسيعود)، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما فعل أسيرك البارحة؟)، قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: (ما هي؟)، قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح – وكانوا أحرص شيء على الخير – فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أما إنه قد صدَقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟)، قال: لا، قال: (ذاك شيطان) ([113])

وهذا الحديث ممتلئ بالغرابة من نواح كثيرة جدا، لعل أوضحها معارضته لما ورد في النصوص الكثيرة من أن الشيطان يخنس عند ذكر الله تعالى، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس) ([114])

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقل: تعس الشيطان؛ فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: بسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب) ([115])

وغيرها من الأحاديث الكثيرة، التي تبين معنى قوله تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: 4]

لكن الشيطان الذي وصفه أبا هريرة كان قويا إلى الدرجة التي لم يفر منها عند سماع القرآن، أو عند ذكر الله، وإنما راح هو نفسه يقرأ القرآن الكريم، بل يقرأ سيدة آي القرآن.

بالإضافة إلى ذلك، فإن ما ذكره يخالف تلك النصوص المقدسة الكثيرة التي تبين خطورة الشيطان، وعداوته الشديدة للإنسان، كقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]، لكن أبا هريرة جعله ناصحا وصادقا.

بالإضافة إلى ذلك كله، فإن هذا الحديث وغيره أشاع تلك الثقافة الخطيرة المرتبطة بعالم الجن والعفاريت، والتي يحبها السلفية ويتمسكون بها، ويبدعون من يخالفهم فيها.. مع أن عالم الجن عالم مختلف عن عالمنا تماما، فلا حاجة للشيطان في التمر، ولا في أكله، ولو أراد ذلك لأخذه من غير أن يراه أحد، وقد قال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]

هذه بعض التساؤلات البسيطة حول الحديث الذي أصبح شعارا للسلفية يرددونه كل حين، لصلته الشديدة بعوالم الجن والشياطين، وليبرروا حواراتهم معهم أثناء الرقية، وليجدوا الذريعة لكل الخرافات التي كان يلقيها ابن تيمية على السذج من أتباعه عن علاقته بعالم الجن والشياطين كما وضحنا ذلك في ردودنا المفصلة على الرقية السلفية في سلسلة [الدين والدجل]

ومن تلك الأحاديث الغريبة تصويره لأصحاب الصفة، وكيف كان حالهم وفقرهم في مجتمع المدينة المنورة، وتحت عين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والصحابة الكبار، فقد وصفهم، فقال: (لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفَّة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده، كراهية أن ترى عورته)([116])

ومنها ذلك الحديث العجيب الغريب الذي تكذبه سنن الله تعالى في كونه، كما تكذبه النصوص المقدسة، وهو روايته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لو تابعني عشَرة من اليهود، لم يبقَ على ظهرها يهودي إلا أسلم)، وفي رواية: (لو آمن بي عشرة من أحبار اليهود، لآمن بي كل يهودي على وجه الأرض)، وفي رواية: (لو تابعني عشرة من اليهود، لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم)، وفي رواية: (لو اتبعني وآمن بي عشرة من اليهود، لأسلم كل يهودي) ([117])

وهذا الحديث ممتلئ بكل أصناف الغرابة، وللأسف تلقاه السلفية بكل أنواع القبول، لأن راويه أبو هريرة، ومخرجه البخاري ومسلم..

وأول تلك التساؤلات هو ارتباط العشرة من اليهود بجميع يهود العالم كما تنص على ذلك بعض روايات الحديث.. فهل للعقول العشرة تأثيرها على جميع من عداها من العقول؟

ثم إن المسيح عيسى عليه السلام اتبعه من اليهود أكثر من عشرة بكثير.. ومع ذلك لم يتبعه أكثر اليهود.. ومثله كل أنبياء بني إسرائيل، فقد كان لهم من الحواريين ـ كما ورد في الحديث ـ ما هو أكثر من العشرة.. ومع ذلك لم يؤمن باقي اليهود، ولم يخضعوا لأنبيائهم.

فهذا الحديث يهدم كل قوانين التكليف الإلهي ونظامه الكوني المرتبط بحرية كل إنسان في اختيار ما يراه مناسبا.

بل يهدم تلك البرمجة الإلهية للعقول، والتي تجعل كل عقل كائنا قائما بذاته، لا يمكن لأحد أن يؤثر فيها إلا باختياره المطلق، وبعد قناعته الشخصية، بينما هذا الحديث يربط قناعة كل العقول اليهودية بقناعة عشرة من الناس فقط.

2 ـ التدليس والخلط:

من أخطر الظواهر في شخصية أبي هريرة الروائية ظاهرتا التدليس والخلط، وهما ظاهرتان خطيرتان تجعلان كل رواية ينفرد بها أبو هريرة محل شك وريبة.. ذلك أن كل حديث من الأحاديث يؤسس لمعنى من المعاني وقيمة من القيم التي يكلف المؤمنون جميعا بالتعبد بها ومراعاتها باعتبارها معبرة عن مراد الله.

ولذلك يحتاج تبيان ذلك المراد إلى الصدق المطلق الذي يؤكده التواتر، أو تؤكده وثاقة الراوي وصدقه، بالإضافة إلى كونه مندرجا في المعاني العامة التي دعا إليها القرآن الكريم.

وروايات أبي هريرة للأسف لا تحوي هذه الصفات.. وباتفاق المحدثين أنفسهم، ولو أنهم طبقوا مقاييسهم في الجرح والتعديل عليه لضعفوه، بل لجعلوه من الوضاعين، لأنهم اتهموا من هو أدنى منه بذلك.. لكن الذي حماه هو تلك القاعدة التي ابتدعوها من غير دليل، وهي أن الصحابة كلهم عدول، ومحصنون من الأحكام التي تجري على غيرهم، وهي قاعة مناقضة للعقل، وللقرآن الكريم، وللسنة المطهرة، ولكل شيء.

وسنرى هنا نماذج وأمثلة وأدلة على تدليسه وخلطه، ودور ذلك في تشويه عقائد الدين وقيمه.

أ ـ التدليس:

يتفق كل علماء الحديث المحققين على أن أول من سن سنة التدليس في الحديث أبو هريرة، كما قال الذهبي تعليقا على قول شعبة: (كان أبو هريرة يدلس): (قلت [أي الذهبي]: تدليس الصحابة كثير، ولا عيب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم والصحابة كلهم عدول)([118])

لكن المشكلة التي لا يستقيم معها قول الذهبي ولا غيره من المبررين لتدليس الصحابة هو أن أبا هريرة لا يروي فقط أقوالا، بل يضيف إليها مواقف حصلت له، مع أنها لم تحصل..

 فهو يصدر معظم رواياته بقوله: قال رسول الله k أو سمعت، أو حدثني دون أن يكون سمع من النبي k أو تحدث معه.. بل إنه فوق ذلك روى مشاهد كثيرة لم يحضرها، كحديثه عن فتح خيبر، وحديث دخوله على رقية زوجة عثمان، التي توفيت في الثانية من الهجرة، رغم أنه أسلم بعد فتح خيبر سنة سبع من الهجرة.. وأنه أفتى بفطر من أصبح جنبا في رمضان قبل الغسل، ولما بلغه عن عائشة وأم سلمة خلاف ذلك، قال: إنه لم يسمعه من النبي k وإنما أخبره به الفضل بن عباس.

لكن المحدثين وجدوا مع ذلك كله مبررات تنفي هذا الغموض، وتستر هذه الثغرة الخطيرة، فذكروا أن قول أبي هريرة: (سمعت، أو حدثني، أو قال فلان، أو قال رسول الله k) حتى ولو لم يحصل ذلك كله، فإنه مرسل من الصحابة.. والصحابة كلهم عدول.

واعتذروا لذلك أيضا بما قال ابن سيرين: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم…)([119])

وهذا تبرير أخطر، لأنه يدل على أن الأمر كان قبل ذلك سائبا يحدث من شاء بما شاء، من غير أن يطالب بأي بينة.

وقد رووا في ذلك عن حميد قوله: (كنا مع أنس بن مالك، فقال: والله ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله k، ولكن كان يحدث بعضنا بعضا، ولا يتهم بعضنا بعضا)([120])

وعن البراء، قال: (ما كل الحديث سمعناه من رسول الله k كان يحدثنا أصحابنا عنه، بل كانت تشغلنا عنه رعية الإبل)([121])

وقال: (ليس كلنا كان يسمع حديث رسول الله k إذ كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون – يومئذ – فيحدث الشاهد الغائب)([122])

وهذا عجيب.. ويدل على سذاجة كبيرة، فمنذ متى كان الناس لا يكذبون.. وهل هناك عصر من العصور تقاعد فيه الشيطان عن الوسوسة إلى الناس، بل كيف يدعون هذا، وهم يرمون أنبياء الله، بل يرمون خليله عليه السلام بكونه كذب ثلاث مرات.

لكن ما أسهل أن يجد المحدثون مصطلحا معينا، ويضعوا معه قانونا استثنائيا حتى لا ترمى روايات أبي هريرة أو غيره من المدلسين، يقول ابن الصلاح: (ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله k ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول)([123]).. و(الصحابة جميعا عدول مرضيين، فإن الجهل بأسمائهم في السند لا يضر، وعليه فإن العلم بهم والجهل سواء، وأن السند متصل غير منقطع، ويكون – حينئذ – حجة يلزم العمل بها)([124])

ويقول السيوطي ـ معبرا عن وجهة نظر المحدثين في ذلك ـ: (أما مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النبي k أو نحوه، مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه، فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم، وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف المرسل، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى؛ لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها وبينوها، بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليست أحاديث مرفوعة، بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات)([125])

وما ذكره السيوطي خطير جدا، فهو يذكر أن في الصحيحين من ذلك ما لا يحصى.. ثم بعد ذلك يتهمون كل من طعن في حديث من الصحيحين بسبب مخالفته للقرآن الكريم أو للعقل أو للقيم الإنسانية بأنه زنديق وضال مضل..

بناء على هذا سنذكر هنا بعض النماذج عن تلك الأحاديث التي لا ندري ما نصف فيها أبا هريرة، هل بالتدليس، أم بالكذب، لأنه لا يكتفي بأن يروي الحديث من غير سند، وإنما يضيف إليه ادعاء سماعه له، مع العلم أنه لم يشهد الحادثة، ولم يرها، ولم يسمع ما دار فيها، إلا إذا كان ذلك من باب المعجزات التي ادعى حصولها للعلاء الحضرمي، فيكون قد حضر بقلبه لا بجسمه.

فمن تلك الأحاديث ما رووه عنه أنه قال: (دخلت على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة عثمان، وبيدها مشط، فقالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عندي آنفا، رجلت رأسه، فقال لي: كيف تجدين أبا عبد الله؟ قلت: بخير، قال: (أكرميه، فإنه من أشبه أصحابي بي خلقا)([126])

وهذا من الأحاديث التي تقرب بها إلى بني أمية، وهي كثيرة جدا، وليته قبل أن يرويه تثبت من وقت وفاة رقية، لأنها توفيت بإجماع العلماء سنة ثلاث للهجرة، بعد فتح بدر، وقبل أن يسلم أبو هريرة، لأنه أسلم سنة سبع بعد فتح خيبر.

ولهذا اعتبر علماء الحديث هذا الحديث من الأحاديث التي صح سندها ووهى متنا، فقد قال الحاكم في المستدرك بعد إخراجه للحديث من طريقين قال فيهما: (هذا حديث صحيح الإسناد واهي المتن)، وقال الذهبي: (صحيح منكر المتن) ([127])

وقد حاول السلفية بكل ما أوتوا من صنوف الحيلة أن يدافعوا عن هذه التهمة، وأبرز تلك الحيل، وأيسرها عليهم هو رد اعتبار الحاكم لصحة الحديث، باعتباره من غير جهابذة هذا العلم، مع كونهم يرجعون إلى حديثه في حال انسجامه مع أهوائهم.

بل إنهم يضعون هذا الحديث فيما يوردونه من مناقب عثمان، ليلبسوا به على العوام، وليردوا به على الشيعة، فإن أنكر عليهم أحد، بادروه بما يذكرونه من توهين الحاكم وتضعيفه.

مع العلم أن الذهبي نفسه ـ مع تشدده في الرجال ـ قال بصحة السند، لكنه تعجب من المتن، فقد قال في تلخيص المستدرك: (صحيح منكر المتن فإن رقية ماتت وقت بدر وأبو هريرة أسلم وقت خيبر) ([128])

لكنه لم يجرؤ ـ بسبب تلك القواعد التي وضعوها حول عدالة الصحابة ـ أن يتهم فيه أبا هريرة بالكذب.. ولو أن غيره من قال ذلك لاعتبروه كذابا وضاعا.

ومن تلك الأحاديث ما رواه في سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث روي عنه أنه قال: (بينما أنا أصلى صلاة الظهر، سلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ركعتين، فقام رجل من بني سليم، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم تقصر ولم أنسه، قال: يا رسول الله، إنما صليت ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أحق ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم، قال: فقام فصلى بهم ركعتين آخرتين) ([129])

فهذا الحديث برواياته الصحيحة المختلفة يشكل أكبر سند اتهام لأبي هريرة، لأنه ادعى حضور صلاة كان فيها ذو اليدين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع أن ذا اليدين ـ باتفاق المؤرخين ـ استشهد ببدر قبل أن يسلم أبو هريرة بزمن طويل([130]).

ومن تلك الأحاديث ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، أنه قال: (افتتحنا خيبر، ولم نغنم ذهباً، ولا فضة، إنما غنمنا البقر، والإبل، والمتاع) ([131])، مع أنه ـ باتفاق المؤرخين ـ لم يشهد فتح خيبر، بل جاء بعد فتحها..

فقد روى ابن سعد في الطبقات: أن أبا هريرة قدم المدينة في نفر من قومه وافدين، وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر واستخلف على المدينة رجلا من بنى غفار يقال له سباع بن عرفطة، فأتيناه وهو في صلاة الصبح فقرأ في الركعة الأولى كهيعص (مريم)، وقرأ في الركعة الثانية (ويل للمطففين) (المطففين)، قال أبو هريرة: ويل لأبي فلان له مكيالان، إذا اكتال، اكتال بالوافي وإذا كال، كال بالناقص، فلما فرغنا من صلاتنا أتينا سباعا فزودنا شيئا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد افتتح خيبر فكلم المسلمين فأشركونا في سهمانهم([132]).

وقد قال القسطلاني تعليقا على قول أبي هريرة (افتتحنا خيبر): (أي افتتح المسلمون خيبر، وإلا فأبو هريرة لم يحضر فتح خيبر، نعم حضرها بعد الفتح) ([133])

ومن تلك الأحاديث المرتبطة بأخبار خيبر، وادعائه حضورها مع كونها لم يحضر ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أنه قال: (شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر، فقال لرجل ممن يدعى بالإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضر القتال، قاتل الرجل قتالا شديدا، فأصابته جراحة، فقيل له: يا رسول الله، الذي قلت له آنفا: إنه من أهل النار، فإنه قد قاتل اليوم قتالا شديدا، وقد مات؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إلى النار، فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك، إذ قيل له: إنه لم يمت، ولكن به جراح شديدة، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح، فقتل نفسه، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله، ثم أمر بلالا فنادى في الناس: إنه لن يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) ([134])

بالإضافة إلى ذلك فإن الرجل الذي ادعى أبو هريرة أنه قتل نفسه وهو (قزمان بن الحرث) كان قد قتل بأحد قبل اسلام أبي هريرة، ولم يكن ذلك في خيبر([135]).

ومن تلك الأحاديث قوله: (لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفَّة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده، كراهية أن ترى عورته)([136])

مع أن هؤلاء استشهدوا ـ كما هو معلوم ـ جميعا يوم بئر معونة، فحزن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، وقنت شهراً يدعو في الصلاة على قاتليهم، وقد حصل ذلك في صفر سنة أربع من الهجرة قبل اسلام أبي هريرة.

وقد برروا ذلك كعادتهم بأن السبعين الذين رآهم أبو هريرة غير أولئك السبعين الذين استشهدوا([137])، وكأن الصفة فندق لا يأوي إلا السبعين.

ونختم هذه النماذج بهذا النموذج الخطير الذي ندعو فيه السلفية إلى التخلي عن غرورهم وكبريائهم، والتأمل فيه وفيما قاله أهل علمهم الذين يثقون فيه، لعلهم يغلبون الدين على الأهواء، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كل رجال الدنيا.

والحديث هو ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي فقال: (خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل) ([138])

وهذا الحديث الذي يصرح فيه أبو هريرة بالسماع، بل يصرح بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصه به، بل أخذ بيده حين قاله، اتفق سلف السلفية على عدم صحة نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأن أبا هريرة أخطأ فيها، فبدل أن يقول: أخذ كعب الأحبار بيدي، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي.

يقول ابن كثير في تفسيره تعليقا عليه: (فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه، والنسائي من غير وجه عن حجاج وهو ابن محمد الأعور عن ابن جريج به وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال في ستة أيام، ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعا) ([139])

بل إن ابن تيمية نفسه رد الحديث، فقال في (مجموع الفتاوى): (.. خلق الدواب يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة فإن هذا طعن فيه من هو أعلم من مسلم مثل يحيى بن معين ومثل البخارى وغيرهما وذكر البخارى أن هذا من كلام كعب الأحبار) ([140])

هذه مجرد نماذج عن ادعاءات أبي هريرة من خلال الأحاديث الصحيحة المروية في الكتب المعتبرة لدى السلفية، وهي وحدها كافية لإعادة النظر في أحاديثه، وعدم التسرع برمي كل من يدعو إلى النظر فيها بكونه طاعنا في السنة، فليس أبو هريرة سنة حتى يعتبر الطاعن فيه طاعنا في السنة.

ب ـ الخلط:

ربما يكون حديث عائشة في الرد على أبي هريرة حول ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: (إنما الطيرة في المرأة، والدابة، والدار) أحسن تعبير عن الطريقة التي يروي بها أبو هريرة أحاديثه، فهو يريد أن يحصل أكبر قدر من الحديث دون تأكد أو تثبت، أو دون أن يعلم بأن الذي ينقل حديثه هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وليس شخصا آخر.

ففي الحديث عن أبي حسان الأعرج، أن رجلين، دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان يقول: (إنما الطيرة في المرأة، والدابة، والدار)، قال: فطارت شقة منها في السماء، وشقة في الأرض، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: (كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة، ثم قرأت عائشة: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22]) ([141])

وفي رواية عن مكحول، قيل لعائشة إن أبا هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرس)، فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: (قاتل الله اليهود، يقولون إن الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرس، فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله)

فهذا الحديث بروايتيه يشير إلى ذلك التسرع الذي اتسمت به رواية أبي هريرة للأحاديث، وهو ما جعله يقع في خلط كثير، ولهذا غضبت عائشة، بل طارت شقة منها في السماء، وشقة في الأرض، من ذلك الخلط الذي يمارسه أبو هريرة في رواية الحديث.

ولو أن السلفية كانوا صادقين مع أنفسهم لصدقوا أمهم عائشة، تلك التي أقاموا الحروب المختلفة من أجلها، لكنهم ـ إذا عارضت أهواءهم ـ رموها عرض الجدار، وتمسكوا بغيرها بدلها.

وسنذكر هنا تأكيدا لموقف عائشة بعض الأمثلة والنماذج عن الخلط الذي أوقع فيه أبو هريرة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد اقتصرنا على ثلاثة أنواع خطيرة من الخلط هي: الرواية عن اليهود، والتناقض في الحديث، والخلط بين حديثه وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

الرواية عن اليهود:

وهذه من أكبر البلايا التي وقع فيها أبو هريرة، وبسببه تسربت الكثير من الأساطير والخرافات الإسرائيلية إلى العقائد والقيم والإسلامية، كما سنرى ذلك بتفصيل في الفصل الثاني من هذا الكتاب.

ونرى أن خطورة أبي هريرة في هذه الناحية أعظم بكثير من خطورة كعب الأحبار ووهبه بن المنبه وغيرهما، وذلك لاعتبارين:

أولهما أن أبا هريرة صحابي، والصحابة كلهم عدول عند السلفية، ولذلك يتلقون كل ما يقوله بالقبول التام، والإذعان المطلق، بخلاف كعب أو وهب، فهما يعتبران عندهم من التابعين، وهم مع توثيقهم لهم، إلا أنهم أدنى منزلة من الصحابة.

وثانيهما، وهو أخطر الاعتبارين، نسبة أبي هريرة لما يرويه عن كعب أو غيره من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد مر معنا مثال ذلك، وهو ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيدي فقال: (خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل) ([142])

وقد ذكرنا أن كبار أئمة الحديث، يعتبرونه من قول كعب، لا من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال ابن كثير تعليقا عليه: (رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه، والنسائي من غير وجه عن حجاج وهو ابن محمد الأعور عن ابن جريج به وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال في ستة أيام، ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعا) ([143])

وقال ابن تيمية: (.. خلق الدواب يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة فإن هذا طعن فيه من هو أعلم من مسلم مثل يحيى بن معين ومثل البخارى وغيرهما وذكر البخارى أن هذا من كلام كعب الأحبار) ([144])

ولكنهم اقتصروا على هذا الحديث، ولم يطبقوه على كل تلك الأحاديث الأخرى، بسبب أن هذا الحديث يتعارض تماما مع ما ورد في القرآن الكريم من الأيام الستة، ونسوا أن أحاديث أبي هريرة الأخرى تتعارض مع ما ذكره القرآن الكريم عن حقائق العقائد في الله وفي الأنبياء وغير ذلك، مما خالفته أحاديث أبي هريرة مخالفة تامة.

والمشكلة الأكبر التي جرها أبو هريرة ومن معه ممن جمعوا بين التلمذة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتملذة على اليهود هو تلك الأحاديث التي بثوها، ونشروها، ليعتذروا عن تلمذتهم لليهود، وروايتهم لأخبارهم، ومنها ما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن، فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه.. وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)([145])

ومن العجائب في هذا الحديث أنه ينهى عن كتابة حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في نفس الوقت الذي يجيز الحديث عن بني إسرائيل..

وهذا الحديث معارض بتلك النصوص المقدسة الكثيرة التي تحذر من خلط دين الله الصافي بأي منبع من المنابع المختلطة، ومن أهم تلك الأحاديث الحديث الذي ضربه السلفية عرض الحائط، ولم يعطوا له أي قيمة عملية على الرغم من صحته وصراحته، وهو ما روي أن عمر أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب، وقال: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى – صلى الله عليه وآله وسلم – كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني)([146])

وللأسف فإن السلفية الذين يزعمون التزامهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي غضب لأجل موقف عمر ذلك الغضب الشديد، يعتبرون من مناقب أبي هريرة ما مدحه به كعب الأحبار من قوله له: (ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة) ([147])

وهذا يدل على التلمذة الطويلة لأبي هريرة على يدي أستاذه كعب الأحبار، وأن تلك الشهادة أو الإجازة، لم ينلها أبو هريرة إلا بعد أن امتحنه كعب، وأدرك حفظه عنه حفظا جيدا.

وهذا مما لا يخالف فيه أحد من المحدثين، حتى أن ابن كثير روى عن مسلم صاحب الصحيح بسنده عن بكير بن الأشج، قال: قال لنا بشر بن سعيد: (اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا تجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله، ويحدثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض ما كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كعب وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ([148])

وهذا وإن كان ينفي التهمة عن أبي هريرة في تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه لا ينفي دوره في خلط أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأحاديث غيره، وذلك في الواقع سيان، لأن المشكلة أن الكثير من الأحاديث التي وصلتنا عن طريقه تضعنا موضع شك، هل هي من قوله أو من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو من قول كعب الأحبار.

وقد ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى قصة أول لقاء بين كعب وأبي هريرة، فروى عن عبد الله بن شقيق قال: جاء أبو هريرة إلى كعب يسأل عنه، وكعب في القوم، فقال كعب: ما تريد منه؟، فقال: أما إني لا أعرف أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني، فقال كعب: أما إنك لم تجد طالب شيء إلا سيشبع منه يوما من الدهر إلا طالب علم أو طالب دنيا. فقال: أنت كعب؟، فقال: نعم، فقال: لمثل هذا جئتك([149]).

وهكذا انقلب الحال، فبدل أن يصبح كعب الأحبار تلميذا لأبي هريرة باعتباره صحابيا، صار أبو هريرة تلميذا لكعب، والعجب أن كعبا راح يرغب أبا هريرة في طلب العلم على يديه، وكأن علوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي حفظها لم تكفه حتى راح يطلب علوما جديدة من كعب.

ومن الأمثلة على تلك التلمذة التي حاول فيها أبو هريرة التوفيق بين المدرسة النبوية والمدرسة اليهودية ما حدث به عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مسيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس، شفقا من الساعة، إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل الله حاجة، إلا أعطاه إياها)

ثم حدث عن حوار جرى بينه وبين كعب حول الحديث، فقال: (قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، فقلت: بل في كل جمعة، قال: فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام، فحدثته بمجلسي مع كعب، فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي، قال أبو هريرة: فقلت له: فأخبرني بها، فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، فقلت: كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي)، وتلك الساعة لا يصلي فيها، فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي)، قال: فقلت: بلى، قال: هو ذاك) ([150])

وفي رواية: (خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان فيما حدثته)، ثم ذكر الحديث.

والمشكلة في هذا الحديث وغيره أن كعبا كان يستغفل أبا هريرة كما يستغفل غيره من المسلمين الذين رضوا بالتلمذة عليه، فلست أدري أي توراة هذه التي رجع إليها، والتي وجد فيها ما ذكره..

فالتوراة التي بين أيدينا والتي هي نفسها التوراة في ذلك الحين ليس فيها أمثال هذه النصوص، وذلك يدل على أن كعب الأحبار كان يكذب عليهم، وكانوا يصدقونه لسجاذتهم، ولإهمالهم تلك التحذيرات المقدسة التي لو طبقوها لحفظوا دين الله من أن يختلط بدين البشر.

ولست أدري كيف كان أبو هريرة يقبل على كعب الأحبار، ويتفانى في التلمذة على يده مع أن كبار الصحابة كانوا يتهمونه، ويكذبونه، فقد اتهمه عبد الرحمن بن عوف بالاحتيال، فقد ورد في بعض الروايات: (كان كعب الأحبار يقص فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو محتال. فأتي كعب فقيل له: ثكلتك أمك، هذا عبد الرحمن يقول كذا وكذا، فترك القصص، ثم إن معاوية أمره بالقصص فاستحل ذلك بعد)([151])

وهكذا اتهمه عبد الله بن مسعود، فقد روي أن رجلا جاء إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إن كعبا يقرأ عليك السلام ويبشركم أن هذه الآية نزلت في أهل الكتاب: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 187]، قال ابن مسعود: وعليه السلام، إذا أنت أتيته فأخبره أنها نزلت وهو يهودي) ([152])

وهكذا كذبه عمر في ادعائه جلوس الله على قبة الصخرة في الهواء([153]).

وكذبه أبو ذر الغفاري، فقد روي أنه قال له في مجلس عثمان: يا ابن اليهودية ما أنت وما هاهنا؟ وقال لعثمان: (والله لتسمعن مني أو لا أدخل عليك: والله لا يسمع أحد من اليهود إلا فتنوه)([154])

ومن المكذبين لكعب الأحبار عبد الله بن عباس، فقد قال ابن عباس لرجل مقبل من الشام: من لقيت؟ قال: كعبا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إن السماوات على منكب ملك. فقال: كذب كعب، أما ترك يهوديته بعد! ثم قرأ: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} [فاطر: 41])([155])

وحتى معاوية ـ الذي يسبح السلفية بحمده صباح مساء ـ كذب كعبا، فقد عقد البخاري في صحيحه بابا تحت عنوان (باب قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)، ورى فيه عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: (إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلوا عليه بالكذب) ([156])

وهكذا كذبه عمرو بن العاص، فقد روي أنه مر على كعب الأحبار، فعثرت به دابته، فقال: (يا كعب أتجد في التوراة أن دابتي تعثر بي؟)([157])

وقد أشار الشيخ محمد رشيد رضا ـ وهو مرضي عنه من لدن الكثير من السلفيين ـ إلى الخطورة التي يشكلها كعب الأحبار، فقال: (إن ثبوت العلم الكثير لا يقتضي نفي الكذب. وكان جل علمه عندهم ما يرويه عن التوراة ليقبل وغيرها من كتب قومه وينسبه إليها ليقبل ولا شك أنه كان من أذكى علماء اليهود قبل إسلامه وأقدرهم على غش المسلمين بروايته بعده) ([158])

بل إنه اتهمه في إسلامه، وأنه قصد من إعلان إسلامه خداع المسلمين، وأنه من زنادقة اليهود الذين أظهروا الإسلام لتقبل أقوالهم في الدين، فقال: (وقد راجت دسيسته حتى انخدع به بعض الصحابة ورووا عنه، وصاروا يتناقلون قوله بدون إسناد إليه، حتى ظن بعض التابعين ومن بعدهم أنها مما سمعوه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأدخلها بعض المؤلفين في الموقوفات التي لها حكم المرفوع كما قال الحافظ ابن كثير في مواضع من تفسيره) ([159])

وقال: (إنه كان بركان الخرافات، وأجزم بكذبه، بل لا أثق بإيمانه)([160])

وقال في كعب ووهب: (إن شر رواة هذه الإسرائيليات، أو أشدهم تلبيا وخداعا للمسلمين هذان الرجلان فلا تجد خرافة دخلت في كتب التفسير والتاريخ الإسلامي في أمور الخلق والتكوين والأنبياء وأقوامهم والفتن والساعة والآخرة، إلا وهي منهما مضرب المثل، ولا يهولن أحد انخداع بعض الصحابة والتابعين بما بثاه وغيرهما من هذه الأخبار، فإن تصديق الكاذب لا يسلم منه أحد من البشر ولا المعصومين من الرسل) ([161])

وقال: (رأينا الشيء الكثير في روايتهما مما نقطع بكذبه، لمخالفة ما روياه، فما كانا يعزوانه للتوراة وغيرها من كتب الأنبياء فجزمنا بكذبهما… وقال عن روايتهما: إن أكثرها خرافات إسرائيلية شوهت كتب التفسير وغيرها من الكتب، وكانت شبها على الإسلام يحتج بها أعداؤه الملاحدة أنه كغيره دين خرافات وأوهام وما كان فيها غير خرافة. فقد تكون الشبهة فيه أكبر كالذي ذكره كعب من صفة النبي في التوراة) ([162])

وقال العلامة المحقق الكبير الشيخ محمود أبو رية: (.. وقد كان أقوى هؤلاء الكهان دهاء وأشدهم مكرا، كعب الأحبار ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام. ولما وجدوا أن حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى، وأن المسلمين قد سكنوا إليهم، واغتروا بهم، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم، وذلك بأن يدسوا إلى أصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات، وأوهام وترهات، لكي تنتهي هذه الأصول وتضعف. فلما عجزوا عن أن ينالوا من القرآن الكريم لأنه قد حفظ بالتدوين، واستظهره آلاف من المسلمين، وأنه قد أصبح بذلك في منعة من أن يزاد فيه كلمة أو يدس إليه حرف اتجهوا إلى التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فافتروا ما شاءوا أن يفتروا عليه أحاديث لم تصدر عنه. وأعانهم على ذلك أن ما تحدث به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته لم يكن محدد المعالم، ولا محفوظ الأصول، لأنه لم يكتب في عهده صلى الله عليه وآله وسلم كما كتب القرآن، ولا كتبه صحابته من بعده، وأن في استطاعة كل ذي هوى أو دخلة سيئة، أن يدس إليه بالافتراء، ويسطوا عليه بالكذب. ويسر لهم كيدهم أن يجدوا الصحابة يرجعون إليهم في معرفة ما لا يعلمون من أمور العالم الماضية) ([163])

بل إن ابن تيمية نفسه يكذبه، ولكن في المواضع التي ترتبط بمزاجه وهواه، فقد قال: (لما دخل عمر بن الخطاب البيت المقدس وأراد أن يبني مصلى للمسلمين: قال لكعب؟ أين أبنيه؟ قال ابنه خلف الصخرة. قال: خالطتك يهودية يا ابن اليهودية ؛ بل أبنيه أمامها، وذلك لأن اليهود تعظم تلك الصخرة، ولم يأت ديننا بأي فضيلة لها.. ولهذا كان عبد الله بن عمر إذا دخل بيت المقدس صلى في قبليه ولم يذهب إلى الصخرة. وكانوا يكذبون ما ينقله كعب: أن الله قال لها: أنت عرشي الأدنى ويقولون: من وسع كرسيه السموات والأرض كيف تكون الصخرة عرشه الأدنى؟)([164])

لكنه لا يعمم ذلك على رواياته التجسيمية أو المدنسة للأنبياء، بل يعتبره فيها إماما من أئمة الدين، ووعاء من أوعية العلم.

ومن النماذج عن الروايات التي خلط فيها أبو هريرة بين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأساطير أهل الكتاب هذا الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، نفر من الملائكة، جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) ([165])

فهذا الحديث يطابق ما في الكتاب المقدس، ففي سفر التكوين (الاصحاح الأول: 26 – 28): (وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا على شبهنا… فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه ذكرًا وأنثى خلقهم)، وفي سفر (التثنية الاصحاح 4: 15 – 16): (فإنكم إن لم تروا صورة ما في يوم كلَّمكم الرب في حوريب من وسط النار لئلا تفسدوا وتعملوا لأنفسكم تمثالا منحوتاً صورة مثال ما شبه ذكر أو أنثى)

ومن تلك الأحاديث التي خلط فيها أبو هريرة بين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتب أهل الكتاب، ما رواه البخاري عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء) ([166])

فهذا الحديث منقول من [سفر التكوين الإصحاح الثاني، الفقرات 21-22]، ففيها: (فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، وأحضرها إلى آدم، فقال آدم: هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي)

ومن تلك الأحاديث التي خلط فيها أبو هريرة بين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتب أهل الكتاب، ما رواه مسلم عنه قال:: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فخنتن إبراهيم – عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم) ([167])

فقد نقل هذا النص مع تحريف بسيط من [سفر التكوين، الإصحاح 17]، ففيه: (وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة حين ختن في لحم غرلته)

وغيرها من النصوص الكثيرة التي سنرى نماذج مفصلة عنها في الفصل الثاني من هذا الكتاب.

التناقض في الروايات:

من أهم مظاهر الخلط في أحاديث أبي هريرة ذلك التناقض الذي يجعلنا محتارين حوله، وحول حقيقة الأمر، وهو من الأمور التي يعتمدها المحدثون للتشكيك في الراوي، ورفع الثقة عنه، لأنه يستحيل أن يصدق الإنسان في خبرين متناقضين.

وقد يقال ـ كما يدعي المبررون عادة ـ بإمكانية الجمع بين الأخبار المتناقضة، لكن هذا لا يصلح مع جميع العقول، بل يصلح فقط مع العقول المعطلة، أما العقول العاملة والمفعلة، فيستحيل أن يتم الجميع بينهما، كما لا يتم الجمع بين النار والماء، والمقدس والمدنس.

ولعل أبا هريرة في جمعه في التلمذة بين المقدس والمدنس، أو بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكعب الأحبار صار سهلا عليه أن يلقي بالمتناقضات لعلمه أن هناك من العقول من يتلقفها منه ويقبلها.

ومن أمثلة تلك التناقضات ما ذكره من كونه من أهل الصفة وليس له مأوى في نفس الوقت الذي يذكر أن له بيتا وأما:

أما الحديث الأول، فيقول فيه: (كنت من أهل الصفة فظللت صائما فأمسيت وأنا أشتكى بطني، فانطلقت لأقضى حاجتى، فجئت وقد أكل الطعام..) ([168])إلى آخر الحديث الذي سبق ذكره، والعلماء كلهم متفقون على أنه من أهل الصفة، وأنه لم يكن له بيت، بل كان يبيت في المسجد.

أما الحديث الثاني، فيذكر فيه أن له بيتا وأما، وأنه كان يأوي إليهما، ففي الحديث الذي سبق ذكره قال: (كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما، فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلموأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى، فدعوتها فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم اهد أم أبي هريرة)، فخرجت مستبشرا بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشفة قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله، أبشر، قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة. فحمد الله وقال خيرا. قال: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم حبب عبيدك هذا – يعنى أبا هريرة – وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهما المؤمنين)، فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني([169]).

وهكذا ذكر أنه حضر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتح خيبر، ثم رأيناه في أحاديث أخرى يذكر أنه كان معهم فيها قبل أن تفتح.

وهكذا روى في حديث آخر أنه نشأ يتيماً، وهاجر مسكيناً، وكان أجيراً لفلان وفلانة بطعام بطنه يسوق بهم إذا ركبوا، ويخدمهم إذا نزلوا.. لكنه في نفس الوقت، وفي حديث آخر صحيح رواه البخاري يدعي أنه يوم هجرته كان يملك غلاما، فأعتقه لوجه الله.. ولسنا ندري من نصدق هل أبو هريرة الغني صاحب الغلام، أم أبو هريرة المسكين الفقير؟

أما الحديث الأول، فقوله: (نشأت يتيما، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لبسرة بن غزوان بطعام بطني، وعقبة رجلي، فكنت أخدم اذا نزلوا، وأحدوا اذا ركبوا فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة إماما) ([170])

وأما الحديث الثاني، فقوله: (لما قدمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلت فى الطريق شعرا: يا ليلة من طولها وعنائها، على أنها من دارة الكفر نجت.. وأبق مني غلام لى فى الطريق، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا هريرة هذا غلامك، قلت: هو لوجه الله، فأعتقته) ([171])

الخلط بين حديثه وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

وهذا من أكبر المخاطر التي قد يصعب صعوبة شديدة التعرف عليها، أو التنبه لها إلا إذا أخبر أبو هريرة بنفسه عن ذلك.. والمشكلة أنه لا يخبر عن ذلك إلا إذا سئل، فإذا لم يسأل ساق الحديث من دون بيان ما هو من كيسه، وما هو من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وخطورة هذا المسلك من مسالك الخلط هي أنه يوقعنا في التمويه والتضليل، فنعتبر أقوال أبي هريرة واجتهاداته ورؤاه حديثا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهنا يختلط المدنس بالمقدس، والبشري بالإلهي.

قد أشار إلى هذا الخلط في بعض أحاديثه، فقال ـ فيما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني)، فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال، لا، هذا من كيس أبي هريرة) ([172])

وهذا أمر ينقضي دونه العجب، لأنه ما دام الحديث من كيسه، فلم يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم لم يبين الموضع الذي ينتهي فيه الحديث.. ولنفرض أن هؤلاء لم يسألوه، فكيف سيساق الحديث: هل يساق مرفوعا، أم يساق موقوفا؟

وهذا الحديث الصحيح وحده كاف في رفع الثقة من جميع أحاديثه التي ينفرد بها سواء ما تعلق منها بالقصص أو ما تعلق بالأحكام.. ولا يهمنا بعد ذلك هل وقع الخلط منه، أم وقع الخلط من الرواة الذين رووا عنه.

ذلك أن كل حديث دين، ولا يصح أن نأخذ أحكام ديننا من غير المعصوم، وقد قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} [الأنعام: 93]

ومن أمثلة ذلك ما ورد في حديث إفطار الجنب الذي رواه مالك في الموطأ وغيره، فقد روى بسنده عن أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحرث بن هشام قال: كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فذكر له أن أبا هريرة يقول: من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم، فقال مروان: أقسمت عليك يا عبد الرحمان لتذهبن إلى أم المؤمنين عائشة وأم سلمة فلتسألنهما عن ذلك، فذهب عبد الرحمان وذهبت معه، حتى دخلنا على عائشة فسلم عليها، ثم قال: يا أم المؤمنين، إنا كنا عند مروان فذكر له أن أبا هريرة يقول من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم، قالت عائشة: ليس كما قال أبو هريرة يا عبد الرحمن، أترغب عما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنع؟ قال عبد الرحمن: لا والله. قالت عائشة: فأشهد على رسول الله أنه كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم، قال: ثم خرجنا حتى دخلنا على أم سلمة فسألها عن ذلك فقالت مثل ما قالت عائشة، قال: فخرجنا حتى جئنا مروان بن الحكم، فذكر له عبد الرحمن ما قالتا فقال مروان: أقسمت عليك يا أبا محمد لتركبن دابتي فإنها بالباب، فلتذهبن إلى أبي هريرة فإنه بأرضه بالعراق، فلتخبرنه ذلك، فركب عبد الرحمان وركبت معه، حتى أتينا أبا هريرة فتحدث معه عبد الرحمن ساعة، ثم ذكر له ذلك، فقال أبو هريرة: لا علم لي بذلك، إنما أخبرنيه مخبر) ([173])

ولست أدري لم لم يخبر عن ذلك الذي أخبره، حتى يتبين الصادق من المحدثين من الكاذب.. لكنه على ما يبدو كان يمتنع عن ذلك، لأنه يريد أن يكون المرجع الوحيد، هذا إن لم يكن هو من أفتى بتلك الفتوى، ثم نسبها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


([1]) قال ابن بطال في شرحه للحديث: (واعجبًا لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن) وقد روى من رأس ضأن، فمن رواه لوبر بفتح الباء فمعناه أنه شبه أبا هريرة بالوبر الذى لا حطب له ولا مقدار ؛ لأنه لم يكن لأبى هريرة عشيرة ولا قوم يمتنع بهم ولا يغنى فى قتال ولا لقاء عدو وكان ابن سعيد وأبو هريرة طارئين، ذكر الطبرى أن أبا هريرة وأبانًا قدما على الرسول بخيبر. ومن روى الوبر بإسكان الباء فمعناه أنه يشبهه بالوبر وهو دويبة على قدر السنور، عن صاحب العين، فأراد به فى ضعف المنة وقلة الغناء كالنسور فى السباع [ شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال (5 / 40)]

([2]) أورد البخاري القصة في موضع متفرقة، انظر: فتح الباري: 7/ 395.

([3]) ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، ص 86 و87.

([4]) الطيالسى (ص 315، رقم2393)، وأحمد (2/513، رقم 10673)، وأبو يعلى (12/5، رقم6650)، والبيهقى فى شعب الإيمان (3/290، رقم 3574)، وأبو نعيم (1/382)

([5]) البخاري 9/128 (7324)

([6]) الصفة موقع مظلل في مؤخرة مسجد النبي a بالمدينة من الجهة الشمالية.

([7]) رواه ابن حبان في صحيحه، انظر: حياة الصحابة (1/ 379)

([8]) رواه البخاري (3798)

([9]) رواه الضياء في المختارة (5/ 290)

([10]) رواه البخاري (2048)

([11]) رواه البخاري.

([12])  رواه أبو داود رقم (1643) في الزكاة، باب كراهية المسألة، والنسائي 5 / 96 في الزكاة، باب فضل من لا يسأل الناس شيئا.

([13]) رواه مسلم: 3/97 (2367)

([14]) أحمد 3/100 (11990) وفي 3/100 (11991) و3/114 (12158) وأبو داود 1641 وابن ماجة: 2198 والترمذي: 1218 والنسائي 7/259.

([15]) رواه البخاري : 1/40 (118)

([16]) البخاري: 8/67 (6246)

([17]) في هذا القول غمز كبير للأنصار، لأن معاوية والفئة الباغية كان له موقف سلبي منهم.

([18]) أبو نعيم في الحلية: 1/378.

([19]) رواه البخاري.

([20]) رواه أحمد 2/413 (9342) والترمذي: 3764 .

([21]) رواه البخاري.

([22]) رواه الترمذي.

([23]) رواه البخاري.

([24]) رواه الخلال في (السنة) (2/ 372)

([25]) الباعث الحثيث (ص: 183)

([26]) تأويل مختلف الحديث ص 48- 49

([27]) الضعفاء ج4 ص 179، وقد ذكر ابن أبي الحديد الخبر في [شرحه على نهج البلاغة: ج4، ص 76 ] عن شيخه الأسكافي قال: وروى الأعمش قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مرارا، وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله، وأحرق نفسي بالنار، والله لقد سمعت رسول الله a يقول: (إن لكل نبي حرما وإن حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور فمنا حدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها)، فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة.

([28]) رواه الحميدي (1142) وأحمد: 2/240 (7273) والبخاري: 1/40 (118) ومسلم: 7/166.

([29]) الطبقات الكبرى (2/ 278)

([30]) رواه أحمد (2/373)، والبخاري (1/35)

([31]) رواه البخاري 1 / 192 و193

([32]) انظر هذه الروايات في: الطبقات الكبرى (2/ 278)

([33]) رواه الحميدي (1142) وأحمد: 2/240 (7273) والبخاري: 1/40 (118) ومسلم: 7/166.

([34]) رواه النسائي.

([35]) رواه أحمد 2/352 (8613) والترمذي: 3839.

([36]) أحمد 2/319 (8242)

([37]) منهاج السنة النبوية (7/ 137)

([38]) أبو نعيم في الحلية: 1/384.

([39]) أبو نعيم في الحلية:1/379.

([40])  طبقات ابن سعد: 4/53.

([41]) أبو نعيم 1 / 380، وابن عساكر 19 / 123 / 1.

([42]) الطبقات الكبرى (4/ 243)

([43]) رواه أحمد: 2/94.

([44]) المعارف لابن قتيبة الدينوري، ص94.

([45]) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد، (5/ 252). تاريخ دمشق، ابن عساكر، (67/370). سير أعلام النبلاء (2/612)

([46]) الطبقات الكبرى، ابن سعد، (5/ 252، 253)

([47]) ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق 1/1309.

([48]) الطبراني في الكبير من 17 / 51 (109) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية 1 / 250، وابن عساكر في تاريخه 46/ 489، وابن الجوزي في المنتظم 4 / 319.

([49]) سير أعلام النبلاء: 2/260.

([50]) الاستيعاب: 2/572.

([51]) رواه البخارى (3/1152، رقم 2988)، ومسلم (4/2273، رقم 2961)

([52]) الحميدي (1142) وأحمد 2/240 (7273) والبخاري: 1/40 (118)، ومسلم: 7/166.

([53]) صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العلم، باب: حفظ العلم، (1/261)، رقم (120)

([54]) فتح الباري: (1/216)

([55]) دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين، د. محمد محمد أبو شهبة، ص262.

([56]) فتح الباري (1/ 262).

([57]) البداية والنهاية، (4/ 590)

([58]) سير أعلام النبلاء،  (2/ 597)

([59]) البداية والنهاية، (4/ 593)

([60]) أمثال محمد بن أبي بكر الذي قتله معاوية، وأحرق في جوف حمار ميت‏،‏ وقيل: قتله عمرو بن العاص صبراً، ولما بلغ عائشة قتله إشتد عليها، وقالت:‏ كنت أعده ولداً وأخا، ومذ أحرق لم تأكل عائشة لحماً مشوياً،‏ وكان له فضل وعبادة، وكان علي يثني عليه. [إبن الأثير – أسد الغابة: 4/324]

([61]) سير أعلام النبلاء [ج 2 / 615] البداية والنهاية – [ج 8 / ص 122]

([62]) الثقات للعجلي:ج 1 / 405.

([63]) انظر مقالا له على موقعه الإلكتروني بعنوان [علم الحديث – أمانة أهل الحديث… في الميزان]

([64]) ابن ماجة (1853)

([65]) رواه مسلم ج3 ص1660.

([66]) تاريخ دمشق ج67 ص 346.

([67]) جامع بيان العلم وفضله: ج2ص 1101، قال محقق الكتاب أبو الأشبال الزهيري: إسناده صحيح، ومن هذا الوجه أخرجه النسائي في (الكبرى) كما في التحفة (5/ 238)

([68]) صحيح البخاري: ج2 ص110.

([69]) فتح الباري 7/76.

([70]) مسلم (1/365، رقم 511)

([71]) رواه أحمد 6/41، والبخاري 1/136 ومسلم 2/60.

([72]) رواه أحمد: 6/150 وفي 6/240 وفي 6/246.

([73]) تذكرة الحفاظ (1/ 12)

([74]) صحيح مسلم ج 1 ص 201.

([75]) مجلة المنار ج 10 ص 851.

([76]) رواه البخاري 11 / 23، ومسلم رقم (2153)، والموطأ 2 / 963 و964.

([77]) البخاري: (6/2531)

([78]) البخاري: (6/2531)

([79]) أحمد 6/236، والبخاري 4/140، ومسلم 1/110 و111.

([80]) التوحيد لابن خزيمة (2/ 556)

([81]) انظر: تاريخ مدينة دمشق، 67: 356 (8895)، البداية والنهاية، لابن كثير 8: 117.

([82]) مختصر المؤمل في الردّ إلى الأمر الأوّل، لأبي شامة 1: 62 – 63 (148، 149).

([83]) نقلا عن: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 68 (56)

([84])  وهي: البقرة، أو الشاة، أو الناقة، يجمع اللبن في ضرعها ويحبس أياماً لا تحلب فيها لإيهام المشتري أنّها غزيرة اللبن، وقد عللوا ذلك بأن أبا هريرة غير فقيه، وحديثه هذا مخالف للأقيسة بأسرها؛ فإنّ حلب اللبن من التعدّي، وضمان التعدّي يكون بالمثل أو القيمة، والصاع من التمر ليس واحداً منها.

([85]) صحيح البخاري 1: 175، صحيح مسلم 2: 86.

([86]) قال ابن حجر في (فتح الباري): (قوله: باب لا يطوف بالبيت عريان)، أورد فيه حديث أبي هريرة في ذلك، وفيه حجّة لاشتراط ستر العورة في الطواف كما يشترط في الصلاة… والمخالف في ذلك الحنفية؛ قالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط) (فتح الباري 3: 387)

([87]) صحيح البخاري 1: 144.

([88]) سنن الدارقطني 2: 176، 177.

([89]) صحيح البخاري 2: 129، صحيح مسلم 3: 68.

([90]) العلل، لأحمد بن حنبل 1: 428 الحديث (946)

([91]) الفصول في الأُصول، للجصّاص 3: 127.

([92]) تاريخ مدينة دمشق 67: 360 (8895)

([93]) تاريخ مدينة دمشق 67: 361 (8895)

([94]) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 67.

([95]) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 68.

([96]) الخصال: 190 الحديث (263)

([97]) تقييد العلم: ص82.

([98]) تقييد العلم: ص82.

([99]) تقييد العلم: ص83.

([100]) فتح الباري: ج1 ص217.

([101]) فتح الباري: ج1 ص217.

([102]) انظر مقالا له على موقعه الإلكتروني بعنوان [علم الحديث – أمانة أهل الحديث… في الميزان]

([103]) المرجع السابق.

([104]) المرجع السابق.

([105]) المرجع السابق.

([106]) انظر ترجمته في الإصابة في تمييز الصحابة (7/ 80)

([107]) انظر ترجمتها في الإصابة في تمييز الصحابة (8/ 404)

([108]) وهو مولى رسول الله a، واسمه صالح بن عديّ، قال ابن حجر: (وكان حبشيا، يقال أهداه عبد الرّحمن بن عوف لرسول الله a، ويقال اشتراه منه فأعتقه بعد بدر، ويقال: إن النّبيّ a ورثه من أبيه هو وأمّ أيمن، ذكر ذلك البغويّ عن زيد بن أخرم، سمعت ابن داود يعني عبد اللَّه الخريبي يقول ذلك.. وقال أبو حاتم: يقال إنه كان على الأسارى يوم بدر، وكذا حكى ابن سعد، وزاد: لم يسهم له لكونه مملوكا، لكن كان كلّ من افتدى أسيرا وهب له شيئا، فحصل له أكثر مما حصل لمن شهد القسمة) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة (3/ 284)

([109]) ومن دلائل قربه من رسول الله a ما رواه التّرمذيّ، عن شقران، قال: أنا واللَّه طرحت القطيفة تحت رسول اللَّه a في القبر. ورواه ابن السّكن من طريق ابن إسحاق عن الزّهري عن علي بن الحسين، قال: نزل في قبر رسول الله a العبّاس، والفضل، وشقران، وأوس بن خولي، وكان شقران قد أخذ قطيفة كان النبيّ a يلبسها فدفنها في قبره.

([110]) علم الحديث – أمانة أهل الحديث… في الميزان، للشيخ حسن بن فرحان المالكي.

([111]) الطبراني في الاوسط 4/15

([112]) رواه أحمد 2/ 352 والترمذي (3839)، وقال: حسن غريب من هذا الوجه وقد روي من غير هذا الوجه عن أبي هريرة. وقال الألباني في صحيح الترمذي (3015): حسن الإسناد.

([113]) البخارى (2/812، رقم 2187)

([114]) مسند أبي يعلى (7/278،279)

([115]) رواه أحمد (5/59)

([116]) رواه البخاري.

([117]) رواه أحمد 2/346 (8536) و2/416 (9377)، والبخاري: 5/89 (3941) ومسلم  8/128.

([118])   سير النبلاء 2/608.

([119])   صحيح مسلم (بشرح النووي) (1/173)

([120])   الجامع لأخلاق الراوي، (1/174، 175)

([121])   أحمد، رقم (18516)

([122])   الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (1/174)

([123])   علوم الحديث، ابن الصلاح، ص50، 51.

([124])   التأصيل الشرعي لقواعد المحدثين، د. عبد الله شعبان، ص470.

([125])   تدريب الراوي، (1/ 207)

([126]) الحاكم في المستدرك، (4/52)، رقم (6854)

([127]) الحاكم في المستدرك، (4/52)، رقم (6854)

([128]) تلخيص المستدرك: 5/2410.

([129]) رواه الحميدي (984) وابن أبي شيبة  2/37 (4510) وفي (4511)، وأحمد  2/386 (8998) وفي 2/423 (9458)، والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي  3/23، وفي الكبرى  565 و1151.

([130]) طبقات ابن سعد ج3 ص119.

([131]) البخاري: 3/37.

([132]) طبقات ابن سعد: (5/233،232)

([133]) شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (6/ 373)

([134]) رواه البخاري (4/88 و5/169) ومسلم (1/73) أحمد (2/309) والدارمي (2520)

([135]) ذكر ذلك الواقدي وابن اسحاق وغيرهما من أصحاب المعاجم والتراجم، وقزمان هذا هو الذي كان في احد لا يدع للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه حتى قيل لرسول الله a يومئذ ما أجزأ عنا أحدكما أجزأ فلان، فقال النبي a: اما انه من أهل النار، فجرح جرحا شديداً فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الارض وذبا به بين ثديه ثم نحامل عليه فقتل نفسه الحديث، أخرجه البخاري: 2/101.

([136]) رواه البخاري.

([137]) ارشاد الساري: 2/220.

([138]) مسلم (2789)

([139]) تفسير ابن كثير ج 2 ص 294.

([140]) مجموع فتاوى ابن تيمية ج 18 ص 18.

([141])  رواه أحمد 6/150، وفي 6/240 وفي 6/246.

([142]) مسلم (2789)

([143]) تفسير ابن كثير: ج 2 ص 294.

([144]) مجموع فتاوى ابن تيمية: ج 18 ص 18.

([145])  البخاري (6 / 496 رقم 3461) والترمذي (7 / 431 – 432 رقم 2806)

([146])   مسند الإمام أحمد بن حنبل: 3/387 ح(15195).

([147]) تذكرة الحفاظ 1 / 36، ابن عساكر في تاريخ دمشق (67/ 343) سير أعلام النبلاء: (2/ 600)

([148]) البداية والنهاية ج 8 ص 109.

([149]) الطبقات الكبرى (4/ 332)

([150]) مالك: 88 وأحمد: 2/486 (10308) و5/451 (24194) وأبو داود: 1046 والترمذي: 491، والنسائي: 3/113.

([151]) مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور 21 / 186.

([152]) مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور 21 / 187.

([153]) تاريخ الطبري 3 / 160

([154]) مختصر تاريخ ابن عساكر، ابن منظور 28 / 299.

([155]) كتاب الكافي الشافي لابن حجر العسقلاني، 139.

([156]) صحيح البخاري 8 / 160.

([157]) الإيضاح 43.

([158]) مجلة المنار 27 / 752.

([159]) مجلة المنار 27 / 752.

([160]) مجلة المنار 27 / 697.

([161]) مجلة المنار 27 / 783.

([162]) مجلة المنار 27 / 618.

([163]) أضواء على السنة المحمدية 149.

([164]) مجموع الفتاوى: (15/153)

([165]) صحيح البخاري، الحديث رقم: 3361.

([166]) صحيح البخاري، الحديث رقم 3366.

([167]) رواه مسلم، الحديث رقم 6290.

([168]) أبو نعيم في الحلية: 1/378.

([169]) أحمد 2/319 (8242) والبخاري في الأدب.

([170])  طبقات ابن سعد: 4/53.

([171]) رواه أحمد 2/286 (7832) والبخاري 3/191 (2530) وفي 5/220 (4393)

([172]) رواه أحمد 2/252 (7423) وفي 2/476 (10175)، والبخاري:  5355 وأبو داود: 1676.

([173]) ابن عبد البر في التمهيد (22/ 39)

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *