الفصل الأول: صيغ حل عصمة الزوجية

الفصل الأول

صيغ حل عصمة الزوجية

أولا ـ أنواع التعبير عن الطلاق وشروطها

لا يخلو التعبير عن الطلاق من أنواع أربعة تقتضيها القسمة العقلية، وهي تتدرج قوة واعتبارا كما يلي:

1 ـ أن يعبر عن الطلاق بالكلام.

2 ـ أن يعبر عن الطلاق بالكتابة.

3 ـ أن يعبر عن الطلاق بالإشارة.

4 ـ أن يعبر في نفسه عن إرادة الطلاق من غير استعمال أي وسيلة.

وقد يذكر البعض الآن بعض وسائل الاتصال الحديثة، وهي كما نرى لا تخرج عن هذه الوسائل الأربعة، فالتلفون والتلفزيون والإذاعة تدخل في التعبير الكلامي، والانترنت والفاكس يدخل في التعبير الكتابي، أو الكلامي، وأحكام هذه الوسائل هي نفس ما نص عليه الفقهاء بشرط كونها مأمونة.

وسنتناول هنا الأنواع الثلاثة الأخيرة بأحكامها وشروطها ونرجئ الحديث عن النوع الأول الذي هو أهم الأنواع إلى سائر الفصول.

1 ـ الكتابة:

وهو من أنواع التعبير عن المقاصد، ولكنه مع ذلك أدنى من المشافهة، ومما يدخل في مسمى الكتابة في عصرنا الإنترنت والفاكس وغيرها من الوسائل التي توصل المعلومة عن طريق الكتابة، فيمكن للزوج مثلا في عصرنا أن يرسل بطلاق زوجته عن طريق الفاكس، أو البريد الالكتروني بالإضافة للرسالة، ومن المسائل المتعلق بهذا النوع المسائل التالية:

وقد اختلف الفقهاء في حكم الطلاق بالكتابة لمن قدر على النطق على قولين:

القول الأول: عدم صحة الطلاق كتابة لمن قدر على الكلام، وهو قول عطاء، فقد قال: (ومن كتب الطلاق ولم يلفظ بشيء فليس بطلاق)، وهو قول للشافعية، وهو مذهب ابن حزم، قال في المحلى: (ومن كتب إلى امرأته بالطلاق فليس شيئا)([1])وقد استدل على ذلك بقوله تعالى:{ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ } (البقرة: 229)، وقوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(الطلاق:1)، ووجه الاستدلال بالآيتين كما قال ابن حزم هو أن ذلك (لا يقع في اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم اسم تطليق على أن يكتب إنما يقع ذلك اللفظ به، فصح أن الكتاب ليس طلاقا حتى يلفظ به إذ لم يوجب ذلك نص)([2])

القول الثاني: صحة الطلاق كتابة بالشروط التي سنذكرها، وهو قول جمهور الفقهاء، قال الباجي: (وأما من نوى الطلاق ولم يلفظ بشيء جملة، فلا يخلو أن يقترن به كتابة أو إشارة أو لا يقترن به شيء، فإن اقترنت به كتابة، وذلك أن ينوي إيقاع الطلاق بكتابة، فإنها طالق بذلك ([3])، ومن الأدلة على ذلك([4]):

1 ـ أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وإظهاره بالكتابة كإظهاره بالنطق كلفظه بالتوحيد يكتبه من لا يقدر على الكلام، فإنه يقضى له به.

2 ـ أن البيان بالكتاب بمنزلة البيان باللسان ؛ لأن المكتوب حروف منظومة تدل على معنى مفهوم كالكلام، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مأمورا بتبليغ الرسالة، وقد بلغ تارة بالكتاب وتارة باللسان.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو صحة وقوع الطلاق كتابة لتعبيرها عن مقصد صاحبها، أما الزوجة، فلا تطلق بالرسالة ونحوها إلا بعد ثبوت ذلك بصفة قطعية لاحتمال تزوير الرسالة، وتزوير توقيع الزوج، فلذلك يمكن القول بصحة الطلاق، وتوقفه على ثبوته من الزوج، وهو ما يدعو إلى التثبت في إمضائه.

أما مجرد كتابة رسالة للزوجة يخبرها فيه بطلاقها من غير عزم، ومن غير إرسال ولا إشهاد فإن ذلك يشبه حديث النفس، قال الباجي: (وإذا كتب الطلاق على غير عزم فله تركه ما لم يخرجه عن يده أو شهد عليه، فإن أخرجه عن يده على وجه الإرسال به إلى الزوجة فهو إنفاذ له كالإشهاد به وسواء كتب أنت طالق، أو إذا جاءك كتابي فأنت طالق قاله مالك) ([5])

وهو كلام صحيح، لكنه عقب عليه بقوله: (فإذا كتب ولم يشهد به، ولم يخرجه عن يده، فإن له رده ويحلف أنه ما أراد إنفاذ الطلاق، ووجه ذلك أنه يكتبه على وجه الارتياب فيه أو على وجه التهديد فيحلف لما احتمل أنه لم يكتبه إلا على وجه الطلاق([6])فلسنا ندري الضرورة الداعية لتحليفه، ولسنا ندري قبل ذلك الطريقة التي توصل بها من يريد تحليفه للكتاب، بعد أن أخفاه صاحبه، فمثل هذه الأمور الخاصة لا ينبغي التجسس عليها والتضييق على الناس بسببها، بل من ظفر بكتاب مثل هذا ضاع من صاحبه، فالأولى له أن يحرقه، فلعله يحرق بذلك النزغات الشيطانية التي أملت ذلك الكتاب، ويحفظ بيتا من بيوت المسلمين.

أنواع صيغة الطلاق كتابة وأحكامها

شروط الطلاق بالكتابة

اشترط الفقهاء لوقوع الطلاق بالكتابة شرطين:

1 ـ نية الطلاق في الكتابة:

اختلف الفقهاء في اشتراط النية في الكتابة على قولين:

القول الأول: إذا كتب الطلاق، فإن نواه طلقت زوجته، وإن لم ينو لم تطلق، وبهذا قال الشعبي، والنخعي، والزهري، والحكم، وأبو حنيفة، ومالك وهو المنصوص عن الشافعي، واستدلوا على ذلك بأن الكتابة محتملة، فإنه يقصد بها تجربة القلم، وتجويد الخط، من غير نية، ككنايات الطلاق فإن نوى بذلك تجويد خطه، أو تجربة قلمه، لم يقع ؛ لأنه لو نوى باللفظ غير الإيقاع، لم يقع، فالكتابة أولى.

القول الثاني: يقع الطلاق، ولو لم ينو، وهو قول الشعبي، والنخعي، والزهري، والحكم؛ ورواية عن أحمد، بناء على اعتباره من صيغ الطلاق الصريحة، وهي لا تفتقر إلى نية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول، لأن جزاء الأعمال مرتبط بالنية لا بصورة العمل، ولكن مع ذلك نرى حرمة التعامل غير الجدي مع هذه المسائل، كأن يكتب شخص ما مثل هذا فيطلع عليه أهله أو غيرهم فيكون في ذلك ضررا عليه وعليهم، بل نرى مثل هذا من الاستهزاء المحرم بآيات الله، ثم إن في هذا بعد ذلك اقترابا من هذه الحمى، ومن رعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه.

2 ـ أن تكون مستبينة مرسومة:

والمقصود أن تكون مكتوبة بشكل ظاهر يبقى له أثر يثبت به، كالكتابة على الورق، أو الأرض، بخلاف الكتابة في الهواء أو الماء، فإنها غير مستبينة ولا يقع بها الطلاق، وهذا لدى الجمهور، وفي رواية لأحمد يقع بها الطلاق ولو لم تكن متبينة.

وقد نص الحنفية على أن الكتابة إذا كانت مستبينة ومرسومة يقع الطلاق بها، نوى أو لم ينو، وإذا كانت غير مستبينة لا يقع مطلقا وإن نوى. أما إذا كانت مستبينة غير مرسومة، فإن نوى يقع، وإلا لا يقع وقيل: يقع مطلقا، والكتابة المرسومة عندهم هي ما كان معتادا ويكون مصدرا ومعنونا، مثل ما يكتب إلى الغائب، والكتابة المستبينة هي ما يكتب على الصحيفة والحائط والأرض على وجه يمكن فهمه وقراءته([7]).

2 ـ الإشارة

لا يختلف معناها الاصطلاحي عند الفقهاء عن معناها اللغوي، بخلاف معناها عند الأصوليين، فهم يستعملونها في مبحث الدلالات، ويعرفون دلالة الإشارة بأنها: دلالة اللفظ على ما لم يقصد به، ولكنه لازم له.

وقد اتفق الفقهاء([8]) على أن إشارة الأخرس في الطلاق يصح اعتبارها، بخلاف إشارة من له القدرة على الكلام، قال ابن قدامة: (ولا يقع الطلاق بغير لفظ الطلاق، إلا في موضعين ؛ أحدهما، من لا يقدر على الكلام، كالأخرس إذا طلق بالإشارة، طلقت زوجته. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي. ولا نعلم عن غيرهم خلافهم)([9])

واستدل لذلك ابن حزم بقوله: (وأما الأخرس، فإن الله تعالى يقول:{ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا }(البقرة:286)، وليس في وسعه الكلام فلا يجوز أن يكلف إياه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، فصح أنه يلزم كل أحد مما أمر الله تعالى به ما استطاع، والأخرس يستطيع الإفهام بالإشارة فعليه أن يأتي بها([10])

إلا أن المالكية قد نصوا على ما يشير إلى وقوع طلاق القادر على الكلام، قال الباجي: (إن نوى الطلاق وأشار به لزمه الطلاق، ولا فرق بين إظهاره بالكتابة أو إظهاره بالنطق سواء أشار بيده أو رأسه([11]) واستدل لذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى:{ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا }(آل عمران:41)

2 ـ أن طلاق الأخرس إنما يكون بالإشارة.

3 ـ أن الإشارة عبارة عما نواه منه كالنطق.

وقد نص الفقهاء القائلون باعتبار الطلاق الثلاث في مجلس واحد على أن الأخرس إن أشار بأصابعه الثلاث إلى الطلاق، طلقت ثلاثا ؛ لأن إشارته جرت مجرى نطق غيره، أما القادر على الكلام، فإنه لو قال: أنت طالق، وأشار بأصابعه الثلاث لم يقع إلا واحدة.

أما إن قال: أنت طالق هكذا، وأشار بأصابعه الثلاث، فإنها تطلق ثلاثا، وقد استدلوا على ذلك بأن قوله هكذا تصريح بالتشبيه بالأصابع في العدد، وهو بذلك يصلح أن يكون دليلا على مراده، كما ثبتت الإشارة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا،وأشار بيديه مرة ثلاثين، ومرة تسعا وعشرين.

ولكن مع اتفاق الفقهاء على صحة إشارة الأخرس، فإن الأمر ليس على إطلاقه، بل قيد أكثر الفقهاء ذلك بما يضيق الأمر في إطار محدود حتى لا يتخذ من إشارة الأخرس مهما كانت وسيلة للتفريق بينه وبين زوجه، وهذا ما ذكروا من شروط:

أن يكون الأخرس عاجزا عن الكتابة:

اختلف الفقهاء في اشتراط عجز الأخرس عن الكتابة لوقوع طلاقه بالإشارة على قولين:

القول الأول: عدم اعتبار هذا الشرط، مع أولوية الكتابة على الإشارة للقادر عليها، وهو قول جمهور الفقهاء، ففي المدونة مثلا: أرأيت الأخرس، هل يجوز طلاقه ونكاحه وشراؤه وبيعه وتحده إذا قذف وتحد قاذفه وتقتص له في الجراحات وتقتص منه؟ قال: نعم هذا جائز فيما سمعت من مالك، وبلغني عنه إذا كان هذا يعرف من الأخرس بالإشارة وبالكتاب يستيقن ذلك منه فإن ذلك لازم للأخرس قلت: وكذلك إن كتب بيده الطلاق والحرية؟ قال: قد أخبرتك أن مالكا قال: يلزمه ذلك في الإشارة فكيف لا يلزمه في الكتاب؟([12])

القول الثاني: اعتبار هذا الشرط، وعدم صحة إشارة الخرس القادر على الكتابة، وهو قول للحنفية في ظاهر الرواية، وقول للشافعية، قال الغزالي: (وأما كتابة الأخرس فهو طلاق لأنها أظهر من الإشارة، ومع ذلك فلا نكلف الأخرس القادر على الكتابة بأن يكتب الطلاق، بل نقنع بالإشارة، وأما القادر فإشارته فيها لا نجعلها صريحا لأن عدوله إليها مع القدرة موهم)([13])

وقد نص ابن عابدين على أن هذا هو ظاهر الرواية، قال: (ففي كافي الحاكم الشهيد ما نصه: فإن كان الأخرس لا يكتب، وكان له إشارة تعرف في طلاقه ونكاحه وشرائه وبيعه فهو جائز، وإن كان لم يعرف ذلك منه أو شك فيه فهو باطل)، قال تعليقا على هذه الرواية: (فقد رتب جواز الإشارة على عجزه عن الكتابة فيفيد أنه إن كان يحسن الكتابة لا تجوز إشارته)([14])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اعتبار هذا الشرط، لأن الإشارة مهما كان ظهورها لن تعبر عن صريح الطلاق، فلذلك كانت الكتابة هي المؤدية لهذا الغرض، لكن إن كان عاجزا، فإنه لا ينبغي الاستعجال بالحكم عليه بتطليق زوجته إلا بعد التريث لمعرفة حقيقة قراره.

هذا بالنسبة للأخرس العاجز عن السمع، أما القادر على السمع، فإنه يسهل التعرف على رأيه، ولو بدون الحاجة إلى الكتابة.

أن تكون الإشارة مفهمة:

فقد نص الفقهاء على أنه يقع الطلاق بإشارة القادر على الكلام، كالأخرس إن كانت إشارته مفهمة([15])، أما إن لم تكن مفهمة فلا يقع بها الطلاق عند أكثر الفقهاء، وفي قول لبعض المالكية يقع بها الطلاق بالنية، ولسنا ندري كيف يتعرف على النية مادم هذا الأخرس عاجزا عن الكلام وعن التفهيم بالإشارة.

أن يكون الخرس دائما:

وقد نص الحنفية على أن الأخرس هو الذي ولد وهو أخرس أو طرأ عليه ذلك ودام حتى صارت إشارته مفهومة وإلا لم تعتبر([16])، قال الطحاوي: (الخرس مخالف للصمت العارض كما أن العجز عن الجماع العارض بالمرض ونحوه يوما ونحوه مخالف العجز الميؤوس معه الجماع نحو المجبوب ([17])

وبناء على ذلك نصوا على أن المريض، وإن اعتقل لسانه لا ينفذ تصرفه بإشارته ؛ لأنه لم يقع اليأس عن نطقه، وإقامة الإشارة مقام العبارة عند وقوع اليأس عن النطق ؛ لأجل الضرورة، وإن لم تكن له إشارة معروفة يعرف ذلك منه، أو يشك فيه فهو باطل ؛ لأنه لا يوقف على مراده بمثل هذه الإشارة ؛ فلا يجوز الحكم بها.

3 ـ القصد المجرد عن اللفظ

قسم ابن القيم المراتب التي اعتبرها الشارع من حيث علاقة النية بالتلفظ إلى أربعة أقسام هي: أن يقصد الحكم ولا يتلفظ به، والثانية أن لا يقصد اللفظ ولا حكمه، والثالثة أن يقصد اللفظ دون حكمه، والرابعة أن يقصد اللفظ والحكم([18]).

أما المراتب الثلاثة الأخيرة فأحكامها واضحة وسنفصل الكلام عنها في المباحث التالية، وقد اختلف الفقهاء في المرتبة الأولى ـ أي قصد الطلاق المجرد عن التلفظ ـ على قولين([19]):

القول الأول: وقوع الطلاق إذا جزم عليه، وهو رواية أشهب عن مالك وروي عن الزهري، قال الباجي: (إن لم يقترن به كتابة ولا إشارة، ففي كتاب ابن المواز عن مالك من طلق ثلاثا على ذلك فلا شيء عليه، وروى أشهب عن مالك في العتبية يلزمه ذلك، قال ابن عبد الحكم وليس بشيء) ([20])ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله تعالى:{ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(البقرة:284)

2 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إنما الأعمال بالنيات) وهذا قد نوى الطلاق فوجب أن يكون له.

3 ـ أن ألفاظ الطلاق إذا لم يرد بها طلاقا لا يكون طلاقا، إنما يوقع عليه الطلاق ؛ لأنا لا نعلم صدقه في أنه لم يرد الطلاق فنحمله على مقتضى لفظه. وقد أجمعنا على أنه إذا أراد بها الطلاق وقع بها الطلاق فدل ذلك على أن الاعتبار بالنية دون اللفظ.

4 ـ أن المصر على المعصية مؤاخذ وإن لم يفعلها.

5 ـ أن أعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح يثاب على الحب والبغض والموالاة والمعاداة في الله وعلى التوكل والرضى على الطاعة ويعاقب على الكبر والحسد والعجب والشك والرياء وظن السوء.

القول الثاني: اشتراط التلفظ بالطلاق، وأن ما لم ينطق به اللسان من طلاق ونحوه غير لازم بمجرد النية والقصد، وهو قول جمهور العلماء، ومن أدلتهم على ذلك([21]):

1 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به) ([22])

2 ـ أن حديث إنما الأعمال بالنيات حجة عليهم لأنه أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر لا وحدها.

3 ـ أن من اعتقد الكفر بقلبه أو شك فهو كافر لزوال الإيمان الذي هو عقد مع الإقرار، فإذا زال العقد الجازم كان نفس زواله كفرا، لأن الإيمان أمر وجودي محله القلب، فما لم يقم بالقلب حصل ضده وهو الكفر، وهو في ذلك كالعلم والجهل إذا فقد العلم حصل الجهل، ككل نقيضين إذا زال أحدهما خلفه الآخر.

4 ـ أن الآية التي استدلوا بها ليس فيها أن المحاسبة بما يخفيه العبد إلزامه بأحكامه بالشرع وإنما محاسبته بما يبديه أو يخفيه ثم هو مغفور له أو معذب فأين هذا من وقوع الطلاق.

5 ـ أن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ فهذا إنما هو فيمن عمل المعصية ثم أصر عليها لأنه عمل اتصل به العزم على معاودته، فهذا هو المصر، أما من عزم عليها ولم يعملها فهو بين أمرين: إما أن لا تكتب عليه، وإما أن تكتب له حسنة.

6 ـ أن وقوع الطلاق بالنية من غير تلفظ أمر خارج عن الثواب والعقاب، لأن ما يعاقب عليه من أعمال القلوب هو معاص قلبية يستحق العقوبة عليها كما يستحقه على المعاصي البدنية لأنها منافية لعبودية القلب، كالكبر والرياء وظن السوء، وهي أمور اختيارية يمكن اجتنابها، بخلاف الطلاق فإنه قائم باللسان أو ما ناب عنه من إشارة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، وهو ما اتفق عليه أكثر الفقهاء، وما تدل عليه النصوص الصحيحة الصريحة، والطلاق في هذا لا يختلف عن سائر العقود فالزواج والبيع والشراء والإجارة وغيرها لا يصح أحد منها بالتصميم الجازم إن لم يبرز هذا التصميم بما يدل عليه من لفظ وغيره من وسائل الدلالة.

ثانيا ـ حكم الإشهاد على الصيغة

وهي من المسائل المهمة التي تضيق المجال أمام الطلاق غير المقصود، ومع ذلك نرى بعض التفريط في البحث فيها في كتب فقه أهل السنة، فلا نجد لها أثرا إلا في كتب التفسير عند قوله تعالى:{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ }(الطلاق:2)

وقد اختلف الفقهاء فيها على قولين:

القول الأول: عدم اعتبار الإشهاد على الطلاق شرطا لصحة إيقاع الطلاق، وهو قول جماهير العلماء، بل قد حكي فيه الإجماع، قال الشوكاني:(ومن الأدلة على عدم الوجوب أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق كما حكاه الموزعي في تيسير البيان والرجعة قرينته فلا يجب فيها كما لا يجب فيه) ([23])، ومن الأدلة كذلك عدم الوجوب بالقياس على الأمور التي ينشئها الإنسان لنفسه فإنه لا يجب فيها الإشهاد.

لكن هذا الإجماع قد يكون منتقضا ببعض ما روي عن السلف من ذلك، فعن عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق المرأة ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، وأشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد.

وقال ابن جريج: (كان عطاء يقول في قوله تعالى:{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ }(الطلاق:2) قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل) ([24])

القول الثاني: اشتراط الإشهاد على الطلاق، وهو قول الإمامية، وقد نصوا على أنه لا بد من حضور شاهدين، يسمعان الإنشاء، سواء قال لهما: اشهدا أو لم يقل، وأن سماعهما التلفظ، شرط في صحة الطلاق، حتى لو تجرد عن الشهادة لم يقع، ولو كملت شروطه الأخرى، وكذا لا يقع بشاهد واحد ولو كان عدلا، ولا بشهادة فاسقين بل لا بد من حضور شاهدين ظاهرهما العدالة، ولو شهد أحدهما بالإنشاء، ثم شهد الآخر به بانفراد، لم يقع الطلاق، أما لو شهدا بالإقرار، لم يشترط الاجتماع. ولو شهد أحدهما بالإنشاء، والآخر بالإقرار، لم يقبل([25]).

قال في مقتنيات الدرر: قال أصحابنا: الإشهاد على الطلاق، وهو المروي عن أئمتنا، وهو أليق بظاهر الآية، وعليه العمل عندنا، لأن العطف على قوله:{ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ } في الكافي عن الكاظم قال لأبي يوسف: إن الله تبارك وتعالى أمر في كتابه في الطلاق بشاهدين، ولم يرض لهما إلا عدلين وأمر في كتابه بالتزويج فأهمله بلا شهود، وأنتم أثبتم شاهدين وأوجبتم فيما أهمل، وأبطلتم الشاهدين فيما أكد)([26])

ومن أدلتهم على ذلك([27]):

1 ـ قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) (الطلاق:2)

فقد نصوا على ان هاتين الآيتين يحمل سياقها الدلالة على اشتراط الإشهاد ولا بأس من إيراد تفاصيل ما ذكروه هنا:

فالمراد من بلوغهن أجلهن: اقترابهن من آخر زمان العدة وإشرافهن عليه.

والمراد بإمساكهن: الرجوع على سبيل الاستعارة، كما أن المراد بمفارقتهن: تركهن ليخرجن من العدة ويبن.

2 ـ لا شك أن قوله تعالى:{ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } ظاهر في الوجوب كسائر الأوامر الواردة في الشرع ولا يعدل عنه إلى غيره إلا بدليل، إنما الكلام في متعلقه. فهناك احتمالات ثلاثة:

1- أن يكون قيداً لقوله تعالى:{ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }(الطلاق:1)

2- أن يكون قيداً لقوله تعالى:{ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}(الطلاق:2)

3- أن يكون قيداً لقوله تعالى:{ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف}(الطلاق:2)

لم يقل أحد برجوع القيد إلى الأخير فالأمر يدور بين رجوعه إلى الأول أو الثاني، فالظاهر رجوعه إلى الأول وذلك لأن السورة بصدد بيان أحكام الطلاق، فذكرت للطلاق عدة أحكام:

1- أن يكون الطلاق لعدتهن.

2- إحصاء العدة.

3- عدم خروجهن من بيوتهن.

4- خيار الزوج بين الإمساك والمفارقة عند اقتراب عدتهن من الانتهاء.

5- إشهاد ذوي عدل منكم.

6- عدة المسترابة.

7- عدة من لا تحيض وهي في سن من تحيض.

8- عدة أولات الأحمال.

وإذا لاحظنا مجموع آيات السورة من أولها إلى الآية السابعة تجد أنها بصدد بيان أحكام الطلاق لأنه المقصود الأصلي، لا الرجوع المستفاد من قوله تعالى:{ فَأَمْسِكُوهُنَّ }(الطلاق:2) وقد ذكر تبعاً.

3 ـ أنه المروى عن أئمة آل البيت، روى محمد بن مسلم قال: قدم رجل إلى أمير المؤمنين بالكوفة فقال: إني طلقت امرأتي بعد ما طهرت من محيضها قبل أن أُجامعها، فقال أمير المؤمنين:(أشهدت رجلين ذوي عدل كما أمرك الله؟ فقال: اذهب فإن طلاقك ليس بشيء)([28])

وروى بكير بن أعين عن الصادقين أنهما قالا:(وإن طلقها في استقبال عدتها طاهراً من غير جماع، ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين، فليس طلاقه إياها بطلاق) ([29])

وروى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن أنه قال لأبي يوسف:(إن الدين ليس بقياس كقياسك وقياس أصحابك، إن الله أمر في كتابه بالطلاق وأكد فيه بشاهدين ولم يرض بهما إلا عدلين، وأمر في كتابه التزويج وأهمله بلا شهود، فأتيتم بشاهدين فيما أبطل الله، وأبطلتم شاهدين فيما أكد الله عز وجل، وأجزتم طلاق المجنون والسكران)، ثم ذكر حكم تظليل المحرم([30]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على النص القرآني الواضح في الدلالة عليها، بالإضافة إلى أنه قول الإمامية، وهو مذهب معتبر من مذاهب المسلمين لا يصح اعتبار الإجماع عند مخالفته.

ونرى أن ما توهم من الإجماع هو الذي صرف الكثير من المحققين القدامى عن البت فيها بقول، وإلا فإنها من أكبر المسائل التي تسد كل ما ذكر من منافذ الطلاق، بل تعطي فرصة للمطلق القاصد لمراجعة نفسه.

بالإضافة إلى ذلك فإن الدليل النصي وحده كاف، ولا حاجة معه لتأييده بالإجماع، فهو كما ذهب الإمامية واضح الدلالة على الأمر بالإشهاد على الطلاق، خلافا لما قال القرطبي: (قوله تعالى:{ وَأَشْهِدُوا }(الطلاق:2)أمر بالإشهاد على الطلاق، وقيل على الرجعة والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق) ([31])

وقد ذهب من المحدثين سيد سابق ـ رحمه الله ـ إلى ترجيح هذا القول واعتبار الإجماع عليه دعوى غير صحيحة، قال: (إذا تبين لك أن وجوب الإشهاد على الطلاق هو مذهب هؤلاء الصحابة والتابعين المذكورين تعلم أن دعوى الإجماع على ندبه المأثورة في بعض كتب الفقه مراد بها الإجماع المذهبي لا الإجماع الأصولي الذي حده كما في المستصفى اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة على أمر من الأمور الدينية لانتقاضه بخلاف من ذكر من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المجتهدين، وتبين مما نقلناه قبل عن السيوطي وابن كثير أن وجوب الإشهاد لم ينفرد به علماء آل البيت كما نقله السيد مرتضى في كتاب الانتصار، بل هو مذهب عطاء وابن سيرين وابن جريج) ([32])

وممّن ذهب إلى هذا أو كاد يذهب إليه عالمان جليلان، وهما: أحمد محمد شاكر القاضي المصري، والشيخ أبو زهرة.

قال الأوّل ـ بعد ما نقل الآيتين من أوّل سورة الطلاق ـ: (والظاهر من سياق الآيتين أنّ قوله تعالى:{ وأشهدوا} راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معاً، والأمر للوجوب، لأنّه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب ـ كالندب ـ إلاّبقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب، بل القرائن هنا تؤيّد حمله على الوجوب) إلى أن قال: (فمن أشهد على طلاقه، فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدّى حدود اللّه الذي حدّه له فوقع عمله باطلاً، لا يترتّب عليه أيُّ أثر من آثاره) ([33]).

وقال أبو زهرة: قال فقهاء الشيعة الإمامية الاثنا عشرية والإسماعيلية: إنّ الطلاق لا يقع من غير إشهاد عدلين، لقوله تعالى ـ في أحكام الطلاق وإنشائه في سورة الطلاق: { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً} (الطلاق:2) فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر إنشاء الطلاق وجواز الرجعة، فكان المناسب أن يكون راجعاً إليه، وإنّ تعليل الإشهاد بأنّه يوعظ به من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر يرشّح ذلك ويقوّيه، لأنّ حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين، فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى اللّه سبحانه وتعالى) ([34])

ويضيف: (وأنّه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي، فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين)

وهذه المسألة من المسائل التي تبين فهم فقهاء الإمامية وتطبيقهم للمقاصد الشرعية من تشريع الطلاق، ولهذا، فإنهم يفتون بالإشهاد على الطلاق، ولا يفتون بالإشهاد عند الرجعة، وقد كان هذا محل استغراب من الشيخ أحمد محمد شاكر، القاضي الشرعي بمصر الذي كتب كتاباً حول (نظام الطلاق في الإسلام) وأهدى نسخة منه مشفوعة بكتاب إلى العلامة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء وكتب إليه:(إنني ذهبت إلى اشتراط حضور شاهدين حين الطلاق، وإنه إذا حصل الطلاق في غير حضرة الشاهدين لم يكن طلاقاً ولم يعتد به، وهذا القول وإن كان مخالفاً للمذاهب الأربعة المعروفة إلا أنه يؤيده الدليل ويوافق مذهب أئمة أهل البيت والشيعة الإمامية، وذهبت أيضاً إلى اشتراط شاهدين حين المراجعة، وهو يوافق أحد قولين للإمام الشافعي ويخالف مذهب أهل البيت والشيعة، واستغربت من قولهم أن يفرقوا بينهما والدليل له:{ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}(الطلاق:2) واحد فيها)

فأجاب العلامة كاشف الغطاء في رسالة إليه يبين وجه التفريق بينهما، لا بأس من نقل بعضها هنا لأهميتها:(وكأنك ـ أنار الله برهانك – لم تمعن النظر هنا في الآيات الكريمة كما في عادتك من الإمعان في غير هذا المقام، وإلا لما كان يخفي عليك أن السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه حتى أنها قد سميت بسورة الطلاق، وابتدأ الكلام في صدرها بقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ }(الطلاق:1)

 ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدة أي لا يكون في طهر المواقعة، ولا في الحيض، ولزوم إحصاء العدة، وعدم إخراجهن من البيوت، ثم استطرد إلى ذكر الرجعة في خلال بيان أحكام الطلاق حيث قال عز شأنه:{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}(الطلاق:2)) أي إذا أشرفن على الخروج من العدة، فلكم إمساكهن بالرجعة أو تركهن على المفارقة، ثم عاد على تتمة أحكام الطلاق فقال:{ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم}(الطلاق:2) أي في الطلاق الذي سيق الكلام كله لبيان أحكامه ويستهجن عوده إلى الرجعة التي لم تذكر إلا تبعاً وستطراداً، ألا ترى لو قال القائل: إذا جاءك العالم وجب عليك احترامه وإكرامه وأن تستقبله سواء جاء وحده أو مع خادمه أو رفيقه، ويجب المشايعة وحسن الموادعة، فإنك لا تفهم من هذا الكلام إلا وجوب المشايعة والموادعة للعالم لا له ولخادمه ورفيقه، وإن تأخرا عنه، وهذا عمري حسب القواعد العربية والذوق السليم جلي واضح لم يكن ليخفى عليك وأنت خريج العربية لولا الغفلة (والغفلات تعرض للاريب)، هذا من حيث لفظ الدليل وسياق الآية الكريمة) ([35])

وبعد هذا البيان التفسيري للآية ذكر الوجه المقاصدي لهذا الحكم، فقال:(وهنالك ما هو أدق وأحق بالاعتبار من حيث الشرعية والفلسفة الإسلامية وشموخ مقامها وبعد نظرها في أحكامها. وهو أن من المعلوم أنه ما من حلال أبغض إلى الله سبحانه من الطلاق، ودين الإسلام كما تعلمون ـ جمعي اجتماعي – لا يرغب في أي نوع من أنواع الفرقة لا سيما في العائلة والأسرة، وعلى الأخص في الزيجة بعد ما أفضى كل منهما إلى الآخر بما أفضى.

فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثر قيوده وشروطه على القاعدة المعروفة من أن الشيء إذا كثرت قيوده، عز أو قل وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أولاً وللتأخير والأناة ثانياً، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندهما يحصل الندم ويعودان إلى الألفة كما أشير إليه بقوله تعالى:{ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً }(الطلاق:1)

وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين، لا شك أنها ملحوظة للشارع الحكيم مضافاً إلى الفوائد الأُخر، وهذا كله بعكس قضية الرجوع فإن الشارع يريد التعجيل به ولعل للتأخير آفات فلم يوجب في الرجعة أي شرط من الشروط)

ثالثا ـ ألفاظ الكناية ومواقف الفقهاء منها

تنقسم ألفاظ الطلاق بحسب دلالتها الصريحة وعدمها على الطلاق إلى قسمين: صريحة وكناية، وسنتحدث عن الأحكام المرتبطة بكلا القسمين هنا:

أما الكناية: فهي اللفظ المستعمل في غير موضوعه لغة([36])، وعرفت بأنها ترك التصريح بذكر الشيء إلى ما يلزمه لينتقل من المذكور إلى المتروك([37]).

ونستطيع من خلال هذين التعريفين وغيرهما أن نجمل خصائص الكناية فيما يلي:

1 ـ أن تكون خفية في الدلالة على معناها، لأن أصلها ما فيه خفاء ومنه كنيته أبا عبد الله كأنك أخفيت الاسم بالكنية تعظيما له، ومنه الكن لإخفائه الأجسام وما يوضع فيه.

2 ـ أنها ليست مناقضة للصريح، لأن خلاف الشيء قد يكون نقيضه وقد يكون ضده ؛ فإن كان المراد من الخلاف ههنا نقيضه، فهو ما لم يظهر المراد به ظهورا بينا، وهو ليس بكناية،

3 ـ أن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة بلفظها وأن مبناها على الانتقال من اللازم إلى الملزوم.

وأما الصريح: فقد عرفه ابن عرفة بقوله: هو ما لا ينصرف عنه بنية صرفه، وقد فسر بأن معناه ما لا تنفع النية في رفعه([38]).

1 ـ حكم طلاق الكناية

اختلف الفقهاء في وقوع الطلاق بألفاظ الكناية على قولين:

القول الأول: عدم وقوع الطلاق بها، وهو قول الظاهرية والإمامية، كما سبق ذكره في المواقف العامة للمذاهب الفقهية، ومن الأدلة على ذلك([39]):

1 ـ أن الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم اقتصرت على ما ذكره من ألفاظ، كقوله تعالى { ثم طلقتموهن } وقوله تعالى: { فطلقوهن }، { وللمطلقات متاع}وقوله تعالى: { وسرحوهن سراحا جميلا }، وقوله تعالى: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ }(الطلاق:2)، قال ابن حزم بعد إيراده لهذه الآيات:(لم يذكر الله تعالى حل الزوج للزوجة إلا بهذه الألفاظ، فلا يجوز حل عقدة عقدت بكلمة الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بما نص الله تعالى عليه: { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ }(الطلاق:1)، وقد استدل على اشتراط النية مع التلفظ بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) ([40])

2 ـ الدليل على التفريق بين ألفاظ الطلاق، من حيث عدم اعتبار نيته قضاء في لفظ الطلاق وحده دون سائر الألفاظ أن لفظة الطلاق وما تصرف منها لا يقع في اللغة إلا على عقد الزواج فقط، فلا يجوز أن يصدق في دعواه في حكم قد ثبت بالبينة عليه وفي إسقاط حقوق وجبت يقينا للمرأة بالطلاق قبله، أما في الفتيا، فإنه قد يريد لفظا آخر فيسبقه لسانه إلى ما لم يرده، فإذا لم يعرف ذلك إلا بقوله، فقوله كله مقبول لا يجوز أخذ بعضه وإسقاط بعضه.

3 ـ أن لفظي السراح، والفراق يدلان في اللغة على حل عقد النكاح، وعلى معان أخر وقوعا مستويا ليس معنى من تلك المعاني أحق بتلك اللفظة من سائر تلك المعاني، فيكون: أنت مسرحة، أي: أنت مسرحة للخروج إذا شئت، وبقوله قد فارقتك، وأنت مفارقة، في شيء مما بينهما ما لم توافقه فيه.

4 ـ أن ما ذهب إليه العلماء من صيغ الكناية، وهي ألفاظ جاءت فيها آثار مختلفة الفتيا عن نفر من الصحابة ولم يأت فيها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيء أصلا، ولا حجة في كلام غيره صلى الله عليه وآله وسلم لا سيما في أقوال مختلفة ليس بعضها أولى من بعض.

القول الثاني: وقوع الطلاق بألفاظ الكناية، وهو قول جمهور العلماء، واستدلوا لذلك بما سنذكره من أدلة ألفاظ الكناية.

ومنها ما روي عن مالك أنه بلغه أنه كتب إلى عمر من العراق أن رجلا قال لامرأته: حبلك على غاربك فكتب عمر إلى عامله أن مره يوافيني بمكة في الموسم فبينما عمر يطوف بالبيت إذ لقيه الرجل فسلم عليه فقال عمر: من أنت فقال أنا الذي أمرت أن أجلب عليك، فقال له عمر أسألك برب هذه البنية، ما أردت بقولك حبلك على غاربك، فقال له الرجل: لو استحلفتني في غير هذا المكان ما صدقتك، أردت بذلك الفراق، فقال عمر: هو ما أردت([41]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة بناء على ما ذكرنا من أن العبرة في الطلاق بمقصد المطلق، لا باللفظ المعبر عنه، فإن صيغة الطلاق بالتالي لا يصح تقسيمها إلى هذين القسمين من الصريح والكناية، لأن كل لفظ من الألفاظ المذكورة في الصريح أو الكناية يحتمل معاني متعددة في اللغة العربية بحسب الوضع وبحسب الاصطلاح فكيف بتغاير الأعراف واللهجات، ولذلك فإن المرجع في تحديد معنى اللفظ هو المتلفظ بذلك اللفظ، لا ما حدده الفقهاء، قال ابن القيم: (والله سبحانه ذكر الطلاقَ ولم يُعين له لفظاً، فعلم أنه رد الناسَ إلى ما يتعارفونه طلاقاً، فأيُّ لفظ جرى عرفهم به، وقع به الطلاقُ مع النية) ([42])

وعلل ذلك بأن الألفاظ لا تُراد لعينها، بل للدلالة على مقاصد لافظها، فإذ تكلم بلفظ دال على معنى، وقصد به ذلك المعنى، ترتب عليه حكمه، ولهذا يقع الطلاقُ مِن العجمي والتركي والهندي بألسنتهم، بل لو طلق أحدهم بصريحِ الطلاق بالعربـية ولم يفهم معناه، لم يقع به شيء قطعاً، فإنه تكلّم بما لا يفهم معناه ولا قصده.

ولذلك، فإن الجهد الذي بذله الفقهاء في ضبط صيغ الطلاق وأنواع دلالتها، وجهد الطلبة على مدى الأجيال في حفظ كل ذلك يكاد يكون كله هدرا، فهو في أحسن حالاته ينطبق على بيئة معينة وواقع محدود وزمان ضيق لا يكاد يعدو الفترة القريبة من أزمنة السلف الأول، في البيئة العربية وحدها أو ما قاربها.

وقد أشار ابن القيم إلى هذا الجهد الذاهب هدرا في قوله: (وتقسيمُ الألفاظ إلى صريح وكناية، وإن كان تقسيماً صحيحاً في أصل الوضع، لكن يختلِفُ باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة، فليس حكماً ثابتاً للفظ لذاته، فرُب لفظٍ صريح،عند قوم كناية عند آخرين، أو صريح في زمان أو مكان كنايةٌ في غير ذلك الزمان والمكان، والواقعُ شاهد بذلك)

ويضرب مثالا لذلك بلفظ السراح فقال: (فهذا لفظ السراحِ لا يكادُ أحدٌ يستعمله في الطلاق لا صريحاً ولا كناية، فلا يسوغُ أن يقال: إن من تكلم به، لزمه طلاقُ امرأته نواه أو لم ينوه، ويدعي أنه ثبت له عُرف الشرع والاستعمال، فإن هذه دعوة باطلة شرعاً واستعمالاً. أما الاستعمال، فلا يكاد أحدٌ يطلق به ألبتة، وأما الشرعُ، فقد استعمله في غير الطلاق، كقوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:49)، فهذا السراح غير الطلاق قطعاً، وكذلكَ الفراق استعمله الشرعُ في غير الطلاق، كقوله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(الطلاق:1) إلى قوله:{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}(الطلاق:2) فالإمساك هنا: الرجعة، والمفارقةُ: تركُ الرجعة لا إنشاء طلقة ثانية، هذا مما لا خلاف فيه ألبتة، فلاَ يجوز أن يُقال: إن من تكلم به طلقت زوجته، فهم معناه أو لم يفهم، وكلاهما في البطلان سواء) ([43])

وقد رد ابن حزم على ما ذهب إليه الفقهاء من هذا التقسيم ردا علميا، حيث جمع الألفاظ التي ذكرها الفقهاء واعتبروها من صيغ الكناية وقسمها إلى ثلاثة أقسام وناقشها جميعا، وهذه الأقسام هي:

1 ـ الألفاظ التي وردت بها النصوص، والتي تشكل الدعامة الأساسية التي تقوم عليها صيغ الكناية في الطلاق، ووجه الأحاديث الواردة فيها كما سنراه عند ذكر ألفاظ التعبير عن الطلاق.

2 ـ الألفاظ التي لم يأت في شيء منها أثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا صحيح ولا سقيم، ولا عن أحد من الصحابة، ولكن جاءت فيها فتاوى مختلفة عن نفر من التابعين، وهذه لا تشكل دليلا يمكن الاعتماد عليه في هذا المجال.

3 ـ الألفاظ التي لم يأت فيها أثر لا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من التابعين، وإنما جاءت فيها فتاوى عن فقهاء الأمصار بآرائهم، قال ابن حزم:(فلا معنى للاشتغال بها، لأنه لا يستحل تفريق نكاح مسلم، وإباحة فرج مسلمة لغير من أباحه الله تعالى له إلا مقلد ضال بتقليده، مستهلك هالك)

2 ـ ألفاظ الكناية في الطلاق أحكامها

سنذكر في هذا المطلب بعض الصيغ التي ذكرها الفقهاء، واختلفوا فيها فاعتبرها بعضهم كناية، وبعضهم صريحة، وحملها بعضهم على الرجعي، وحملها آخرون على البائن، ولا يمكن حصر كل ما ذكروا، وإنما سنركز على الصيغ المشهورة، أما ما عداها، فقد ذكرت أقوال الفقهاء فيها في محلها.

لفظة الإطلاق:

اختلف الفقهاء في اعتبار لفظة الإطلاق من صيغ الطلاق الصريحة على قولين:

القول الأول: أنها ليست صريحة في الطلاق، وهو قول الجمهور؛ لأنها لم يثبت لها عرف الشرع، ولا الاستعمال، فأشبهت سائر كناياته.

القول الثاني: احتمال كونها صريحة، وقد ذكره القاضي فيها، ومن الأدلة على ذلك عدم تفريقه بين فعلت وأفعلت، نحو عظمته وأعظمته، وكرمته وأكرمته.

وقد رد ابن قدامة على هذا بأنه ليس هذا الذي ذكره بمطرد ؛ فإنهم يقولون: حييته من التحية، وأحييته من الحياة، وأصدقت المرأة صداقا، وصدقت حديثها تصديقا([44]).

أنت الطلاق:

وقد اختلف الفقهاء في هذه الصيغة على قولين:

القول الأول: أنه لفظ كناية، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد وقول للشافعية، لأنه مصدر، والأعيان لا توصف بالمصادر إلا مجازا.

القول الثاني: أنه لفظ صريح، فلم يفتقر إلى نية، كالمتصرف منه، وهو قول للشافعية، واستدلوا على ذلك بأنه مستعمل في عرفهم، كما قال الشاعر:

نوهت باسمي في العالمين     وأفنيت عمري عاما فعاما

فأنت الطلاق وأنت الطلاق وأنت الطلاق ثلاثا تماما

الفراق والتسريح:

وقد اختلف الفقهاء فيها هل هي من الألفاظ الصريحة أم لا على قولين:

القول الأول: أن صريح الطلاق ثلاثة ألفاظ ؛ الطلاق، والفراق، والسراح، وما تصرف منهن، وهو قول الشافعي وأحمد، واستدلوا على ذلك بأن هذه الألفاظ ورد بها الكتاب بمعنى الفرقة بين الزوجين، فكانا صريحين فيه، كلفظ الطلاق، قال الله تعالى: { فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}(البقرة:229)، وقال:{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } (الطلاق:2)، وقال:{ وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته }، وقال: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:28)

القول الثاني: أن صريح الطلاق لفظ الطلاق وحده، وما تصرف منه لا غير، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وعلى هذا لو قال: أردت بقولي: فارقتك أي بجسمي، أو بقلبي أو بمذهبي، أو سرحتك من يدي، أو شغلي، أو من حبسي، أو أي سرحت شعرك. قبل قوله. وإن قال: أردت بقولي: أنت طالق أي: من وثاقي. أو قال: أردت أن أقول: طلبتك. فسبق لساني، فقلت: طلقتك. ونحو ذلك، دين فيما بينه وبين الله تعالى، فمتى علم من نفسه ذلك، لم يقع عليه فيما بينه وبين ربه.إلا أن مالكا يوقع الطلاق بلفظ الطلاق بغير نية ؛ لأن الكنايات الظاهرة لا تفتقر عنده إلى النية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

الحقي بأهلك:

اختلف الفقهاء في هذه الصيغة على قولين:

القول الأول: أنها من ألفاظ الطلاق إذا نوى بها الطلاق، وهو قول الجمهور، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن إسماعيل بن إبراهيم u طلق به امرأته لما قال لها إبراهيم u: مريه فليغير عتبة بابه، فقال لها: أنت العتبة، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك([45]).

2 ـ عن عائشة أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك؟ قال لها: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك([46])، وهو كالصريح في أنه كان عقد عليها، فإنها قالت: لما أدخلت، فهذا دخول الزوج بأهله، ويؤكده قولها: ودنا منها.

3 ـ أن حديث أبي أسيد غاية ما فيه قوله: هبي لي نفسك، وهذا لا يدل على أنه لم يتقدم لها، وجاز أن يكون هذا استدعاء منه للدخول لا للعقد.

4 ـ أنه لم يزل هذا اللفظ من الألفاظ يطلق بها في الجاهلية والإسلام، ولم يغيره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل أقرهم عليه، وقد أوقع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والسلف الطلاق وهم القدوة بـ (أنت حرام، وأمرك بيدك واختاري، ووهبتك لأهلك، خلية وقد خلوت مني وأنت برية وقد أبرأتك وأنت مبرأة وحبلك على غاربك)

القول الثاني: ليس هذا بطلاق، ولا يقع به الطلاق نواه أو لم ينوه، وهو قول الظاهرية والإمامية، وقد رد ابن حزم على هذا بقوله: (وليس في هذا الخبر حجة لمن ادعى أن [الحقي بأهلك] لفظ يقع به الطلاق.

ثم ساق من النصوص ما يدل على أن هذا اللفظ كان لا يقصد به في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إيقاع الطلاق، ومنها حديث كعب بن مالك في حديث تخلفه عن تبوك، فذكر فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسل إليه يأمره أن يعتزل امرأته؟ قال: فقلت لرسوله: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربها؟ قال كعب فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني فيهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال ابن حزم: فهذا كعب لم ير [الحقي بأهلك] من ألفاظ الطلاق، ولا يعرف له مخالف في ذلك من الصحابة.

قوله: أنت علي حرام:

وهي من الصور الواقعية المهمة، والتي اشتد فيها الخلاف بين السلف والخلف، وقد ذكر العلماء لهذا التعبير صورا مختلفة حصرها ابن العربي في عشرة صور، هي: قوله: حرام. الثانية: قوله: علي حرام الثالثة: أنت حرام. الرابعة: أنت علي حرام. الخامسة: الحلال علي حرام. السادسة: ما أنقلب إليه حرام. السابعة: ما أعيش فيه حرام. الثامنة: ما أملكه حرام علي. التاسعة: الحلال حرام. العاشرة: أن يضيف التحريم إلى جزء من أجزائها.

أما حكم هذه الألفاظ والتي لا يزال بعضها وما يشببها مستعملا فقد اختلف الفقهاء فيه اختلافا شديدا يعسر حصره أو ضبطه، وقد عد ابن العربي من الأقوال في المسألة خمسة عشر قولا، منها([47]):

1 ـ أنها يمين تكفر ؛ قاله أبو بكر، وعائشة، والأوزاعي.

2 ـ تجب فيها كفارة، وليست بيمين، وبه قال ابن مسعود وابن عباس في إحدى روايتيه، والشافعي في أحد قوليه.

3 ـ أنها طلقة رجعية ؛ قاله عمر، والزهري، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون.

4 ـ أنها ظهار ؛ قاله عثمان، وأحمد بن حنبل.

5 ـ أنها طلقة بائنة ؛ قاله حماد بن سلمة، ورواه ابن خويز منداد عن مالك.

6 ـ إن نوى الطلاق أو الظهار كان ما نوى، وإلا كانت يمينا وكان الرجل موليا من امرأته، وهو قول أبي حنيفة.

7 ـ أنه لا تنفعه نية الظهار، وإنما يكون طلاقا ؛ قاله ابن القاسم.

وقد أضاف ابن القيم إلى هذه الأقوال غيرها نقلا عن ابن حزم وغيره، فقال: (وهذه المسألة فيها عشرون مذهبا للناس)، وقد حاولنا أن نحصر أهم الأقوال مما ذكره ابن العربي وابن القيم وابن حزم وغيرهم في الأقوال الأربعة التالية مع أدلتها:

القول الأول: أن التحريم لغو لا شيء فيه لا في الزوجة، ولا في غيرها لا طلاق ولا إيلاء يمين ولا ظهار، وقد روي عن بعض السلف، فقد روي عن مسروق أنه قال: (ما أبالي حرمت امرأتي أو قصعة من ثريد)، وعن الشعبي أنه قال في تحريم المرأة: (لهي أهون علي من نعلي)، وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن أنه قال: (ما أبالي حرمتها يعني امرأته أو حرمت النهر)، وقال قتادة سأل رجل حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ذلك فقال قال الله تعالى:{ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} وأنت رجل تلعب فاذهب، فالعب، وهو قول الظاهرية، ومن الأدلة على ذلك([48]):

1 ـ أن الله تعالى لم يجعل للعبد تحريما ولا تحليلا، وإنما جعل له تعاطي الأسباب التي بها تحل العين وتحرم كالطلاق والنكاح والبيع والعتق، أما مجرد قوله حرمت كذا وهو حرام، فليس إليه كما قال تعالى:{ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ}(النحل:116)، وقال تعالى { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ }(التحريم:1)

2 ـ إذا كان تعالىلم يجعل لرسوله أن يحرم ما أحل الله له فكيف يجعل لغيره التحريم؟

3 ـ أنه لا فرق بين تحريم الحلال وتحليل الحرام، وكما أن هذا الثاني لغو لا له فكذلك الأول.

4 ـ أنه لا فرق بين قوله لامرأته: أنت علي حرام، وبين قوله لطعامه هو علي حرام.

5 ـ أن قوله: أنت علي حرام، إما أن يريد به إنشاء تحريمها، أو الإخبار عنها بأنها حرام، وإنشاء تحريم محال، فإنه ليس إليه إنما هو إلى من أحل الحلال وحرم الحرام وشرع الشرائع، وإن أراد الإخبار فهو كذب، فهو إما خبر كاذب أو إنشاء باطل، وكلاهما لغو.

6 ـ أن ما سوى هذا القول أقوال مضطربة متعارضة يرد بعضها بعضا، فيحرم الزوجة بشيء منها بغير برهان من الله ورسوله.

7 ـ أنه بتحريمها نكون قد ارتكبنا أمرين تحريمها على الأول وإحلالها لغيره والأصل استمرار النكاح حتى تجمع الأمة أو يأتي برهان من الله ورسوله على زواله.

القول الثاني: اعتباره من صيغ الطلاق، وقد اختلف أصحاب هذا القول على الآراء التالية:

الرأي الأول: أن التحريم في الزوجة طلاق ثلاث، وقد ذكر ابن حزم أنه قول زيد بن ثابت وابن عمر([49]) وهو قول الحسن ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وروي عن ابن عتيبة

الرأي الثاني: أنه ثلاث في حق المدخول بها لا يقبل منه غير ذلك، وإن كانت غيرها وقع ما نواه من واحدة واثنتين وثلاث، فإن أطلق فواحدة، وإن قال لم أرد، فإن كان قد تقدم كلام يجوز صرفه إليه قبل منه، وإن كان ابتداء لم يقبل، وإن حرم أمته أو طعامه أو متاعه فليس بشيء، وهو قول مالك، ومن الأدلة على ذلك أن المدخول بها لا يحرمها إلا الثلاث، وغير المدخول بها تحرمها الواحدة، فالزائدة عليها ليست من التحريم.

القول الثالث: اعتبار النية، وقد اختلفوا في المرجح من النية عند الإطلاق على الآراء التالية:

الرأي الأول: أنه إن نوى الطلاق كان طلاقا، فإن نوى به الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة([50])، وإن نوى يمينا فهو يمين فيها كفارة، وإن لم ينو شيئا فهو إيلاء له حكم الإيلاء، فإن نوى الكذب صدق في الفتيا ولم يكن شيئا، وهو قول أبي حنيفة.

الرأي الثاني: أنه إن نوى به الطلاق كان طلاقا، ويقع ما نواه فإن أطلق وقعت واحدة، وإن نوى الظهار كان ظهارا، وإن نوى اليمين كان يمينا وإن نوى تحريم عينها من غير ظهار فعليه كفارة يمين، وإن لم ينو شيئا ففيه قولان أحدهما: لا يلزمه شيء، وقيل: يلزمه كفارة يمين، وهو قول الشافعي.

الرأي الثالث: أنه ظهار بإطلاقه نواه أو لم ينوه إلا أن يصرفه بالنية إلى الطلاق أو اليمين فينصرف إلى ما نواه، وهو ظاهر مذهب أحمد.

القول الرابع: الفرق بين أن يوقع التحريم منجزا أو معلقا تعليقا مقصودا وبين أن يخرجه مخرج اليمين، فالأول ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق ولو وصله بقوله أعني الطلاق، والثاني يمين يلزمه به كفارة يمين، فإذا قال: أنت علي حرام، أو قال: إذا دخلت فأنت علي حرام، فظهار، وإذا قال: إن سافرت أو إن أكلت هذا الطعام أو كلمت فلانا فأنت علي حرام فيمين مكفرة وهذا اختيار ابن تيمية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن حكم هذا اللفظ تابع لنية صاحبه، فإن أراد به الطلاق كان طلاقا بالشروط التي ذكرناها، ولا يكون إلا طلقة واحدة لعدم صحة طلاق الثلاث بكلمة واحدة أو في مجلس واحد.

وإن نوى به تحريم معاشرتها كان إيلاء، فيتربص أربعة أشهر، ولا تطلق منه إلا بعد الرفع للقاضي كما سنراه في محله.

وإن نوى به الظهار لم يصح اعتباره ظهارا لافتقاره للمشبه به، فالمشبه به من الأم وغيرها من المحارم ركن من أركان الظهار، وهي سبب جعله منكرا من القول وزورا.

وإن لم ينو شيئا لم يجب عليه شيء، لا كفارة يمين ولا غيرها، لأن هذا اللفظ ليس من صيغ اليمين إلا إذا نواه، وكثيرا ما يستعمل عندنا بهذه الصورة، فيتلفظ الرجل بهذه الكلمة من غير أن يعلم لها معنى أو يريد بها شيئا.

البات، وألبتة:

وقد اختلف الفقهاء في هذه الصيغة على الأقوال التالية:

القول الأول: اعتبارها من صيغ الكناية التي يقع بها الطلاق، وهو قول الجمهور، وقد اختلفوا في العدد المراد منها، فروي عن عمر أنه قال: هي واحدة، وبه قال أبان بن عثمان وقال علي بن أبي طالب:هي ثلاث، وروي أيضا عن عمر، وبه قال الزهري وعمر بن عبد العزيز، وهو قول المالكية([51])، ومن الأدلة التي استدلوا بها على ذلك:

1 ـ عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إني كنت تحت رفاعة القرظي فطلقني ألبتة فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإن ما معه إلا مثل الهدبة وأخذت هدبة من جلبابها فقال تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك([52])، ووجه الدليل من هذا الحديث أنها قالت: كنت تحت رفاعة القرظي فطلقني ألبتة، ثم أجابها أنها لا ترجع إليه حتى يمسها غيره، وهذا يقتضي أن هذا حكم طلاق البتة، ولو اختلف حكم البتة لما منعها حتى سألها عن أنواع البتة كان طلاقه إياها.

2 ـ أن معنى البتة القطع، وهذا يقتضي قطع العصمة بينهم، والمبالغة في ذلك، ولذلك يقال ما بقي بينهما شيء ألبتة يريدون المبالغة في قطع ما كان بينهما.

3 ـ قال عمر بن عبد العزيز: (لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا، ومن قال ألبتة فقد رمى الغاية القصوى) قال الباجي:(يريد أنه من قال ألبتة في طلاقه، فقد بلغ أقصى الغايات في الطلاق ومنع التراجع الذي لا توصف الفرقة التي لا تمنعه بالبتة، وهذا المعنى من المبالغة في ذلك لا يكون إلا بالثلاث) ([53])

4 ـ أن مروان بن الحكم كان يقضي في البتة بالثلاث([54])، وهذا يقتضي تكرار هذا القضاء منه، قال الباجي:(وإنما استظهر مالك بذلك ؛ لأن مروان كان أميرا بالمدينة في زمان جماعة من الصحابة وأجلة التابعين وعلمائهم، وكان لا يقضي إلا عن مشورتهم، وبما اتفق عليه جميعهم أو أكثرهم وأعلمهم، فإذا تكرر قضاؤه في البتة أنها ثلاث دل ذلك على أنه كان الظاهر من أقوالهم، والمعمول به من مذاهبهم أو أنه الذي اتفق عليه جميعهم) ([55])

القول الثاني: لا يقع بها الطلاق، وهو قول ابن حزم، وقد ساق ابن حزم ما روي من ذلك عن بعض الصحابة ثم قال:لا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا سيما في أقوال مختلفة لا برهان على صحة شيء منها، فلم يبق إلا الآثار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

اعتدي:

وقد استدل القائلون باعتباره من صيغ الطلاق كناية بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لسودة أم المؤمنين: اعتدي، فكان طلاقا ثم راجعها.

وقد رد ابن حزم على هذا الحديث بأنه كذب موضوع ما صح قط أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلق امرأة من نسائه إلا حفصة فقط ثم راجعها، وأما سودة فلم يطلقها إنما جاء فيها: أنها وهبت يومها وليلتها – لما أسنت – لعائشة وجاء أنه صلى الله عليه وآله وسلم أراد فراقها، فلما رغبت إليه صلى الله عليه وآله وسلم في إمساكها وتجعل يومها وليلتها لعائشة لم يفارقها.

رابعا ـ الصيغة المقيدة للطلاق وأحكامها

ينقسم الطلاق من حيث تقييد صيغته إلى الأنواع التالية:

النوع الأول ـ الطلاق المقيد بإضافة

إضافة الطلاق نوعان:

1 ـ الإضافة إلى الوقت:

ومعناها تأخير الآثار المترتبة على الطلاق إلى حلول الوقت الذي أضيف إليه، وقد نص أكثر الفقهاء على أن الطلاق من التصرفات التي تصح إضافتها([56])، واختلفوا في بعض الأزمنة التي تعتبر فيها الإضافة على الأحوال التالية:

إضافة الطلاق إلى زمان ماض:

اختلف الفقهاء في وقوع هذا الطلاق على قولين:

القول الأول: أنه إن أضاف الطلاق إلى الماضي وقع في الحال، وهو قول جمهور الفقهاء، قال الشافعي: (ولو قال لها: أنت طالق الشهر الماضي طلقت مكانها وإيقاعه الطلاق الآن في وقت مضى محال، ولو قال: عنيت أنها مطلقة من غيري لم يقبل منه إلا أن يعلم أنها كانت في ذلك الوقت مطلقة من غيره فالقول قوله مع يمينه)([57])

القول الثاني: أنه يلغو، وهو قول للشافعية، وقول ابن حزم.

القول الثالث: وقوع الطلاق إن نواه، وإلا فهو لغو، وهو قول الحنابلة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول بعدم وقوع الطلاق، لأن القول بوقوعه يستلزم أحد احتمالين: إما أن الزوج قد راجع زوجته إن كان الطلاق رجعيا، أو أنه بعد الفترة التي أضاف إليها طلاقه كان معاشرا لزوجته بغير الطريق الشرعي إن كان طلاقا بائنا.

ولم يقل بأحد هذين الاحتمالين أحد من الفقهاء، فكيف يستقيم أن تطلق زوجته بما استحال شرعا، وأي فرق بين الاستحالة الشرعية والاستحالة العقلية، وهم يقولون بعدم وقوع الطلاق إن أضيف إلى مستحيل عقلي.

إضافة الطلاق إلى زمان مستقبل:

اختلف الفقهاء في حكم هذه الحالة على الأقوال التالية:

القول الأول: أن الطلاق المضاف إلى المستقبل ينعقد سببا للفرقة في الحال، ولكن لا يقع به الطلاق إلا عند حلول أجله المضاف إليه بعد استيفائه لشروطه الأخرى، فإذا قال لها: أنت طالق آخر هذا الشهر، لم تطلق حتى ينقضي الشهر، ولو قال: في أوله طلقت أوله، ولو قال: في شهر كذا، طلقت في أوله، وهو قول الجمهور.

وقد ذكر الفقهاء القائلون بهذا الصور الكثيرة من الإضافات، بحيث لا تكاد تنحصر، واختلفوا في كل واحدة منها اختلافا يعسر ضبطه، وقد ذكر القرافي عن بيت واحد من الشعر من ألغاز هذا الباب، بأنه اشتمل على سبعمائة مسألة وعشرين مسألة من المسائل الفقهية المتعلقة بهذا الباب، فقال: (أنشد بعض الفضلاء:

ما يقول الفقيه أيده الله      ولا زال عنده إحسان

في فتى علق الطلاق بشهر قبل ما قبل قبله رمضان

ولصعوبة ضبط هذه الصور نكتفي هنا بالإشارة المختصرة لبعضها كنماذج عن أقوال الفقهاء في هذه المسائل:

1 ـ لو قال الرجل لامرأته: أنت طالق قبل قدوم فلان، فقد نص بعضهم على وقوع الطلاق، واستدل الجصاص لذلك بقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}(النساء:47) قال الجصاص في بيان وجه الاستدلال بالآية: (فكان الأمر بالإيمان صحيحا قبل طمس الوجوه ولم يوجد الطمس أصلا، وكان ذلك إيمانا قبل طمس الوجوه وما وجد ؛ وهو نظير قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا }(المجادلة:3) فكان الأمر بالعتق للرقبة أمرا صحيحا وإن لم يوجد المسيس([58])، وفي مقابل ذلك نص آخرون على عدم وقوع الطلاق إلى أن يجيء من علق عليه الطلاق.

2 ـ لو قال لزوجته: (أنت طالق ليلة القدر([59]))، فقال أبو حنيفة:إن قال لها ذلك قبل شهر رمضان، لم يقع الطلاق حتى يمضي شهر رمضان، لما قد اختلف في موضع ليلة القدر من ليالي شهر رمضان، ومما روي أنها في الشهر كله، ومما قد روي أنها في خاص منه قال أبو حنيفة: (فلا أحكم بوقوع الطلاق، إلا بعد مضي الشهر، لأني أعلم بذلك أنه قد مضى الوقت الذي أوقع الطلاق فيه، وأن الطلاق قد وقع ([60])

أما إن قال لها ذلك في شهر رمضان، في أوله، أو في آخره، أو في وسطه، فلا يقع الطلاق عنده، حتى يمضي ما بقي من ذلك الشهر، وحتى يمضي شهر رمضان أيضا كله، من السنة القابلة، واستدل على ذلك بأنه يجوز أن تكون فيما مضى من هذا الشهر الذي هو فيه، ويجوز أن تكون فيما بقي من ذلك الشهر الذي هو فيه، قال: (فلما أشكل ذلك، لم أحكم بوقوع الطلاق إلا بعد علمي بوقوعه، ولا أعلم ذلك، إلا بعد مضي شهر رمضان، الذي هو فيه، وشهر رمضان الجائي بعده([61])

وفي مقابل ذلك قال أبو يوسف: (إذا قال لها ذلك القول في بعض شهر رمضان، لم يحكم بوقوع الطلاق حتى يمضي مثل ذلك الوقت من شهر رمضان، من السنة الجائية)، واستدل على ذلك) لأن ذلك إذا كان، فقد كمل حول، منذ قال ذلك القول وهي في كل حول فعلمنا بذلك وقوع الطلاق)

3 ـ لو قال لامرأتيه: (أطولكما حياة طالق الساعة)، فقال أكثر الحنفية:لم يقع الطلاق حتى تموت إحداهما ؛ لأن المراد طول الحياة في المستقبل لا في الماضي حتى إذا كانت إحداهما بنت عشر سنين، والأخرى بنت ستين سنة لم تطلق العجوز فعرفنا أن طول الحياة في المستقبل مراد وذلك غير معلوم ؛ لجواز أن يموتا معا، فإن ماتت إحداهما طلقت الأخرى في الحال، وذهب زفر إلى أنها تطلق من حين تكلم الزوج ؛ لأنه تبين أنها كانت أطولهما حياة، وأن الزوج علق الطلاق بشرط موجود([62]).

4 ـ لو قال: أنت طالق في شهر عينه، كشهر رمضان مثلا، فقيل: يقع الطلاق في أول جزء من الليلة الأولى منه، وذلك حين تغرب الشمس من آخر يوم من الشهر الذي قبله، وهو شهر شعبان. وبهذا قال أبو حنيفة والحنابلة، واستدلوا على ذلك بأنه جعل الشهر ظرفا للطلاق، فإذا وجد ما يكون ظرفا له طلقت، كما لو قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق، وقيل يقع الطلاق في آخر رمضان ؛ لأن ذلك يحتمل وقوعه في أوله وآخره، فلا يقع إلا بعد زوال الاحتمال، وهو قول أبي ثور.

5 ـ لو قال: أنت طالق إذا رأيت هلال رمضان طلقت برؤية الناس له في أول الشهر، وهو قول الشافعي والحنابلة،، لأن الرؤية للهلال في عرف الشرع العلم به في أول الشهر، والمراد به رؤية البعض، وحصول العلم، فانصرف لفظ الحالف إلى عرف الشرع،وفي مقابل ذلك قال الحنفية: لا تطلق إلا أن يراه ؛ لأنه علق الطلاق برؤية نفسه، فأشبه ما لو علقه على رؤية زيد([63]).

وقد استدلوا على وقوع هذا الطلاق بما يلي:

1 ـ قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }(المائدة:1)

2 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المسلمون عند شروطهم) ([64])

3 ـ أن ابن عباس كان يقول: من قال لامرأته: أنت طالق إلى رأس السنة -: أنه يطؤها ما بينه وبين رأس السنة، وعن عطاء من قال لامرأته: أنت طالق إذا ولدت؟ فله أن يصيبها ما لم تلد، ولا يطلق حتى يأتي الأجل. وكذلك من قال: أنت طالق إلى سنة، وعن سفيان الثوري قال: من قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالق؟ فإنها إذا دخلت في الدم طلقت عليه.

4 ـ أن الإضافة صحت إلى محلها، والطلاق بعد الوقوع لا يحتمل الرفع فلا ينعدم بذكر التوقيت فيما وراء المدة، بخلاف النكاح فإنه يحتمل الرفع فبالتوقيت ينعدم فيما وراء الوقت ولا يمكن تصحيحه موقتا([65]).

القول الثاني: إذا أضيف إلى وقت محقق الوقوع وقع في الحال، وهو قول المالكية، ففي المدونة: (قلت: أرأيت إن قال لها أنت طالق بعد قدوم فلان بشهر؟ قال مالك: إذا قدم فلان وقع الطلاق عليها مكانه ولا ينتظر بها الأجل الذي قال) ([66])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن إضافة الطلاق إلى الزمن المستقبل أو المحقق مجيئه تجعل النكاح مؤقتا، فحينئذ يشبه نكاح المتعة، وهو حرام، فينجز الطلاق.

2 ـ عن سعيد بن المسيب فيمن طلق امرأته إلى أجل؟ قال: يقع الطلاق ساعتئذ ولا يقربها، وعن الحسن: أنه كان لا يؤجل في الطلاق، وعن الزهري من طلق إلى سنة؟ فهي طالق حينئذ، وعن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه كان لا يؤجل في الطلاق أجلا.

القول الثالث: عدم وقوع الطلاق مطلقا،وهو مذهب الظاهرية، قال ابن حزم: (من قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، أو ذكر وقتا ما؟ فلا تكون طالقا بذلك، لا الآن، ولا إذا جاء رأس الشهر) ([67])واستدل لذلك بما يلي:

1 ـ أنه لم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطلاق بذلك، وقد علمنا الله الطلاق على المدخول بها، وفي غير المدخول بها، وليس هذا منها { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ }(الطلاق:1)، قال ابن حزم:ولم نجد لمن فرق بين الأجل الآتي والآبد، وبين الأجل الذي لا يأتي حجة أصلا، غير دعواه؟ لا سيما وهم يفسدون النكاح إذا أجل الصداق إلى أجل قد يكون وقد لا يكون، بعكس قولهم في الطلاق؟ وكلا الأمرين أجل ولا فرق. وأيضا – فقد يأتي الأجل الذي قالوا فيه: إنه يجيء – وهو ميت أو وهي ميتة، أو كلاهما، أو قد طلقها ثلاثا فظهر فساد هذا القول جملة.

2 ـ إن كان كل طلاق لا يقع حين إيقاعه فمن المحال أن يقع بعد ذلك في حين لم يوقعه فيه.

3 ـ أن في القول بالطلاق تحريما للزوجة على زوجها بالظن على من أباحه الله تعالى له باليقين.

4 ـ أن الاستدلال بأن هذا طلاق إلى أجل، باطل كالنكاح إلى أجل ـ كما استدل به المالكية ـ مردود بعدم قولهم باطراد هذا القياس، وقد رد ابن حزم على ذلك بقوله:(لم قلتم: إنه إن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق؟ أنها لا تطلق إلا بدخول الدار، فإنه طلاق إلى أجل، فأوقعتموه حين لفظ به، وبهذا نعارضهم في قولهم: إن ظاهر أمره أنه ندم إذ قال: أنت طالق، فأتبع ذلك بالأجل؟ فيلزمهم ذلك فيمن قال: أنت طالق إن دخلت الدار)

5 ـ الاستدلال بأنه إذا قال: أنت طالق، فالطلاق مباح، فإن أتبعه أجلا فهو شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل ـ كما استدل به أصحاب القول الثاني ـ مردود بأنه لا يجوز إلزامه بعض ما التزم دون سائره.

6 ـ أن قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }(المائدة:1)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المسلمون عند شروطهم (خاص بكل عقد أمر الله تعالى بالوفاء به، أو ندب إليه – لا في كل عقد جملة، ولا في معصية، ومن المعاصي أن يطلق بخلاف ما أمر الله تعالى به، فلا يحل الوفاء به.

7 ـ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل). والطلاق إلى أجل مشترط بشرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثالث، فهو أقوى الأقوال أدلة وأوفقها بالمقاصد الشرعية:

أما من حيث الأدلة، فإن الطلاق في الوضع الشرعي تعبير يراد منه التفريق في الحال بناء على مقصد تعلق به، أو لاستحالة الاستمرار في الحياة الزوجية، أما القول بالإضافة فيناقض ذلك، فهو على أحسن أحواله وعد بالطلاق، ولا يصح تسمية الوعد بغير مسماه، فالوعد قد يقع وقد لا يقع، بل إنه هنا أليق بالوعيد منه بالوعد، فلذلك لا نرى صحة ما استدلوا به من النصوص الموجبة للوفاء بالوعد، لأن الوعد لا يجب الوفاء به في كل حين، بل حكمه يتبع موضوعه وما يترتب عنه.

ونعجب من الفقهاء القائلين بهذا مع أنهم في الشروط المقيدة للعقد، والتي قد تتعلق بها مصالح الحياة الزوجية لا يستدلون بهذا ويعتبرون هذه الشروط مجرد وعود أخلاقية لا شروطا إلزامية.

أما من حيث المصلحة، فكيف تستقيم الحياة الزوجية، والزوجة تنتظر في كل حين مطلع الشمس أو مغربها، أو ترقب الهلال أو تعد الأشهر، أو تضع يديها على قلبها وهي تنتظر مجيء زيد أو سفر عمرو، بل تنتظر موت ضرتها لتطلق بموتها، وعندما يتطلع الناس لليلة القدر يلتمسون بركاتها تتطلع إليها تشاؤما ورهبة لأن مصير حياتها الزوجية معلق بليلة القدر.

أما الزوج، فقد لا يقل عن زوجه أسفا على ذلك التوقيت الذي حدد به حياته مع زوجته، فهو يعد الأيام والليالي والدقائق والثواني ويحتار أيأخذ بقول زفر أم أبي يوسف.

فلذلك كان قول مالك في هذا أقرب مقاصدية من القول الثاني، لأن انتظار المؤلم ألم، وهو كمن يذبح الشاة دون أن يحد الشفرة ليقتلها قتلا بطيئا.

انطلاقا من هذا نرى أن هذا اللفظ مجرد وعيد لا أثر له، وأنه نوع من الألفاظ المحرمة التي لا يجوز ذكرها والتلاعب بها، فللطلاق صيغته الشرعية المحدودة بشروطها، كشروط الصلاة وفرائضها سواء بسواء.

ونرى كذلك أن الورع في هذا الوعيد ليس تنفيذه كما ينص كثير من الفقهاء، بل الورع والسنة عدم الوفاء به كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه)([68])

وقد قال تعالى:{ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:224)، وقوله تعالى:{ وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور:22)، وقد ورد في سبب نزولها أن أبا بكر ـ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره ـ قال بعد حديثه في الإفك:(واللّه لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة، فأنزل اللّه تعالى الآية السابقة، فقال أبو بكر:(بلى واللّه إني لأحب أن يغفر اللّه لي)، فرجَّع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال:(واللّه لا أنزعها منه أبداً)

2 ـ الإضافة إلى الشخص:

وقد تحدثنا عن أحكامها الخاصة بها في الفصل الثاني عند الحديث عن التوكيل في الطلاق، ويتعلق بها أيضا التعليق بالمشيئة، وسنتحدث عنه في هذا الفصل عند الحديث عن تقييد الطلاق بالاستثناء.

النوع الثاني ـ الطلاق المعلق على شرط

المراد بالتعليق ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى سواء أكان ذلك المضمون من قبل المطلق أو المطلقة أو غيرها، أو لم يكن من فعل أحد.

فإن كان من فعل المطلق أو المطلقة أو غيرهما سمي يمينا لدى الجمهور مجازا، وذلك لما فيه من معنى القسم، وهو: تقوية عزم الحالف أو عزم غيره على فعل شيء أو تركه، كما إذا قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت دار فلان، أو: أنت طالق إن ذهبت أنا إلى فلان، أو: أنت طالق إن زارك فلان.

والفرق بين الإضافة والتعليق من وجهين: أحدهما: أن التعليق يمين، وهي للبر إعدام موجب المعلق، ولا يفضي إلى الحكم. أما الإضافة فلثبوت حكم السبب في وقته، لا لمنعه، فيتحقق السبب بلا مانع، إذ الزمان من لوازم الوجود وثانيهما: أن الشرط على خطر، ولا خطر في الإضافة([69]).

وقد اختلف الفقهاء في أثر الطلاق المعلق، هل يقع أم لا على ثلاثة أقوال:

القول الأول: يقع الطلاق إذا حصل ما علق عليه الطلاق، وهو قول جمهور الفقهاء، قال ابن تيمية: (وهذا هو المشهور عند أكثر الفقهاء المتأخرين، حتى اعتقد طائفة منهم أن ذلك إجماع ؛ ولهذا لم يذكر عامتهم عليه حجة) ([70])، وقد ذكر ابن تيمية أن دليلهم على هذا هو أنه التزم أمرا عند وجود شرط فلزمه ما التزمه.

القول الثاني: إن الطلاق المعلق يمين يجري فيها ما يجري في أيمان المسلمين من الكفارة عند الحنث ؛ إلا أن يختار الحالف إيقاع الطلاق فله أن يوقعه ولا كفارة، وقد نسبه ابن تيمية لطائفة من السلف والخلف، كطاوس، وغيره، قال: (وهو مقتضى المنقول عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب، وبه يفتي كثير من المالكية وغيرهم، حتى يقال: إن في كثير من بلاد المغرب من يفتي بذلك من أئمة المالكية، وهو مقتضى نصوص أحمد بن حنبل، وأصوله في غير موضع)([71])

ومن أدلة التي استدلوا بها على هذا:

1 ـ قوله تعالى: { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم}(التحريم:2)، وقوله تعالى:{ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ }(المائدة:89)، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه)، وهو يتناول أيمان جميع المسلمين لفظا ومعنى ؛ ولم يخصه نص ولا إجماع ولا قياس ؛ بل الأدلة الشرعية تحقق عمومه.

2 ـ أن المعروف عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه لا فرق بين أن يحلف بالطلاق، أو العتاق، أو النذر، إما أن تجزئه الكفارة في كل يمين، وإما أن لا شيء عليه، وإما أن يلزمه كما حلف به ؛ بل إذا كان قوله: إن فعلت كذا فعلي أن أعتق رقبة وقصد به اليمين لا يلزمه العتق ؛ بل يجزئه كفارة يمين، ولو قاله على وجه النذر لزمه بالاتفاق.

3 ـ أن ثبوت الحقوق في الذمم أوسع نفوذا ؛ فإن الصبي والمجنون والعبد قد تثبت الحقوق في ذممهم مع أنه لا يصح تصرفهم، فإذا كان قصد اليمين مع ثبوت العتق المعلق في الذمة ممنوع، فلأن يمنع وقوعه أولى وأحرى، وإذا كان العتق الذي يلزمه بالنذر لا يلزمه إذا قصد به اليمين فالطلاق الذي لا يلزم بالنذر أولى أن لا يلزم إذا قصد به اليمين.

4 ـ أن التعليق إنما يلزم فيه الجزاء إذا قصد وجوب الجزاء عند وجوب الشرط، كقوله: إن أبرأتني من صداقك فأنت طالق، وإن شفا الله مريضي فثلث مالي صدقة، أما إذا كان يكره وقوع الجزاء وإن وجد الشرط، وإنما التزمه ليحض نفسه أو يمنعها، أو يحض غيره أو يمنعه، فهذا مخالف لقوله: إن فعلت كذا فمالي صدقة وعبيدي أحرار، ونسائي طوالق، وعلي عشر حجج.

القول الثالث: لا يقع به طلاق، ولا يلزمه كفارة، وهو مذهب الإمامية، قال ابن تيمية: (ويذكر ما يدل عليه عن طائفة من السلف ؛ بل هو مأثور عن طائفة صريحا كأبي جعفر الباقر رواية جعفر بن محمد)([72])، وذكر أنه يفتي به في اليمين التي يحلف بها بالتزام الطلاق بعض الحنفية والشافعية، وهو مذهب الظاهرية، قال ابن حزم:(واليمين بالطلاق لا يلزم – سواء بر أو حنث – لا يقع به طلاق، ولا طلاق إلا كما أمر الله تعالى، ولا يمين إلا كما أمر الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم)([73])، وقال: (والطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق باليمين، كل ذلك لا يلزم، وبالله تعالى التوفيق، ولا يكون طلاقا إلا كما أمر الله تعالى به وعلمه، وهو القصد إلى الطلاق وأما ما عدا ذلك فباطل، وتعد لحدود الله تعالى)، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قول الله تعالى: { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } (المائدة:89)، وجميع المخالفين هاهنا لا يختلفون في أن اليمين بالطلاق والعتاق والمشي إلى مكة وصدقة المال بأنه لا كفارة عندهم في حنثه في شيء منه إلا بالوفاء بالفعل، أو الوفاء باليمين، فصح بذلك أنه ليس شيء من ذلك يمينا، إذ لا يمين إلا ما سماه الله تعالى يمينا.

2 ـ قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله)، وذلك يدل على أن كل حلف بغير الله عز وجل معصية وليس يمينا.

3 ـ ما روي عن الحسن البصري أن رجلا تزوج امرأة وأراد سفرا فأخذه أهل امرأته، فجعلها طالقا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل ولم يبعث إليها بشيء فلما قدم خاصموه إلى علي فقال علي: اضطهدتموه حتى جعلها طالقا، فردها عليه، قال ابن حزم: (لا متعلق لهم بما روي من قول علي اضطهدتموه، لأنه لم يكن هنالك إكراه، إنما طالبوه بحق نفقتها فقط، فإنما أنكر على اليمين بالطلاق فقط ولم يرد الطلاق يقع بذلك).

4 ـ ما روي عن شريح أنه خوصم إليه في رجل طلق امرأته إن أحدث في الإسلام حدثا فاكترى بغلا إلى حمام أعين فتعدى به إلى أصبهان فباعه واشترى به خمرا؟ فقال شريح: إن شئتم شهدتم عليه أنه طلقها؟ فجعلوا يرددون عليه القصة ويردد عليهم، فلم يطلقها مع هذا الحدث العظيم.

5 ـ القياس على عدم إجازة الجمهور لنكاح التعليق أو الرجعة على التعليق، قال ابن حزم: (ثم نقول لهم: من أين أجزتم الطلاق بصفة ولم تجيزوا النكاح بصفة؟ والرجعة بصفة؟ كمن قال: إذا دخلت الدار فقد راجعت زوجتي المطلقة – أو قال: فقد تزوجتك؟ وقالت هي مثل ذلك، وقال الولي مثل ذلك – ولا سبيل إلى فرق)

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن الطلاق يتوقف على قصد المطلق حين إيقاعه الطلاق، لا على ما ارتبط به من قيود قد لا تكون مقصودة للمطلق، وهذا القول يتوافق مع كلا القولين الثاني والثالث، فالفرق بينهما ليس بعيدا.

أما لزوم التكفير في حال النطق بمثل هذه التعليقات، فقد يقال به من باب التورع والاحتياط، ولكن الألزم من التكفير هو الاستغفار والتوبة، لأن مثل هذه الألفاظ إذا استعملت في غير مقصودها الشرعي كانت نوعا من الاستهزاء بآيات الله، وهي لا تقل عن الاستهزاء بالألفاظ الشرعية المحترمة كالصلاة والذكر وغيرها.

ولهذا الترجيح زيادة على ما سبق ذكره من أدلة القولين الثاني والثالث دليل نعتبره من أهم الأدلة، وهو ما ينجر عن القول الأول من المفاسد، ولا نقصد بذلك ما ذكرنا سابقا من تضييق باب الطلاق، وإنما نقصد مفاسد هي أهم وأخطر امتلأت بها كتب الفقهاء، وتشوشت بها أذهان طلبة العلم وهم يحفظونها ويتبارون في الإلغاز بها كما يتبارى اللاعبون في سائر أنواع اللهو.

وهذه المفسدة هي تلك الفتاوى الكثيرة المتعلقة بالصيغ المختلفة لأنواع التعليق، والكثير منها يحمل أنواعا من التشويش الذهني والتسلط الزوجي الذي يحمل الزوج على أن يقول لزوجته، وهي واقفة على سلم: إن صعدت فيه أو نزلت منه أو قمت عليه أو رميت نفسك، أو حطك إنسان فأنت طالق، فتبقى الزوجة محتارة ما تصنع، ويسرع زوجها لرجال الفتوى الذي يعملون عقولهم لا ليئنبوه على هذا الظلم المجحف، وإنما ليطلبوا منه شراء سلم أو كراءه، لتنتقل إليه زوجته، فتسلم من الطلاق.

وقد فتح بهذا القول باب من التلاعب على الأحكام الشرعية، فأصبح العقل المسلم الذي هذبه القرآن وترفعت به السنة منغمسا في البحث عن حيل لأنواع غريبة من الصيغ يحتال بها على ربه، فأفتوا فيمن قال لزوجته: لا وطئتك إلا وأنت لابسة عارية راجلة راكبة، وطئها بليل عريانة في سفينة، ولسنا ندري سبب عدم اعتبار العاري في الليل عاريا، إن كان قوله تعالى:{ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا}(النبأ:10) فإنه ليس في الآية دلالة على عدم اعتبار العري في الليل، وإلا لجوز عدم ستر العورة في الليل، ولسنا ندري كذلك عدم اعتبار راكب السفينة راكبا.

وأفتوا فيمن حلف لا يأكل بيضا، وليأكلن مما في كمه فإذا هو بيض، عمل منه ناطف يستهلك، ومثله أفتوا فيمن حلف ليطبخن قدرا برطل ملح، ويأكل منه لا يجد طعم الملح، سلقت بيضا، بل وصلت الجرأة إلى المسائل العقدية نفسها، فأفتوا فيمن قال: إن لم تخرج الفساق من النار فأنت طالق ثلاثا، لا تطلق لتعارض الأدلة([74]).

بل وصل الإغراب إلى القول بأنه إذا قال: (إن كنت تحبين أن يعذبك الله في نار جهنم فأنت طالق)، فقالت: أحب، تطلق إن كانت صادقة لشدة بغضها إياه، فقد تحب التخلص منه بالعذاب، أما إن تيقن كذبها، بأن كانت تحبه وتحب المقام معه فإنه لا يقع الطلاق عليها([75]).

بل أفتوا بفعل المحرم لأجل تفادي الطلاق في بعض الأحوال، فقالوا فيمن حلف في شعبان بثلاث ليطأنها في نهار شهرين متتابعين، سافر في رمضان، فإن حاضت وطئ وكفر لحيض([76]).

بل كانت هذه الفتاوى شعرت أو لم تشعر، تشرع لطرق ظلم الزوجة، وتعلم طلبة العلم ماذا يقال للزوجات، قال في الفتاوى الهندية: (سئل والدي عمن قال لامرأته في حالة الغضب: إن لم أكسر عظامك وأشج لحومك فأنت طالق ثلاثا فقال: لو ضربها حتى لا تكاد تبرح عن مكانها لا يحنث ويكون هذا مجازا عن الضرب الشديد)([77])

وفيها: ولو قال لامرأته: إن لم أضربك حتى أتركك لا حية ولا ميتة، قال أبو يوسف: هذا على أن يضربها ضربا موجعا شديدا، فإذا فعل ذلك بر في يمينه، وقوله حتى تبولي أو تشتكي أو حتى تستغيثي ما لم يوجد حقيقة هذه الأشياء لم يبر.

وفيها لو قال رجل لامرأته: إن لم أضرب اليوم ولدك حتى ينشق نصفين طلقت ثلاثا، ثم ضربه على الأرض، فلم ينشق طلقت ثلاثا.

إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي لا نكاد نفقدها في أي باب من أبواب الفقه، بل انتقلت للتفسير والحديث وكل العلوم الشرعية، وأصبحت ميدانا للتعرف على أعلم العلماء وحيد دهره وعلامة زمانه، فإذا ما جلس مصلح أو داعية ليرشد الناس ويعلمهم نهض إليه متفيهق ليسأله عن مثل هذه المسألة، والويل له منهم إن لم يجب، والويل للشريعة إن أجاب.

النوع الثالث: الطلاق المقيد بالعدد

والمراد منه ذكر المطلق عددا لطلقاته، كطلقة أو طلقتين أو أكثر، والعلماء تكلموا في هذا النوع عن مسألة تشعبت فيها الأقوال وتنازعت فيها الأدلة، وكان أثرها الاجتماعي على الأسرة المسلمة خطيرا جدا، بحيث ألغي الطلاق الشرعي العادي ليحل هذا النوع من التقييد بدله، وهي الطلاق الثلاث في مجلس واحد، فأصبح الرجل لا يرضيه ولا يشفي غليله إلا أن يعدد الطلقات، فيرمي بها بالمئات بل بالآلاف، فإذا ما عاد إليه عقله التمس الحيل ليعود لزوجته، ولم تدخل الحيل التي يطلق عليها شرعية في باب كما دخلت هذا الباب، وهذا ما يستدعي ذكر المسألة بما يجلي صورتها، ويبين منازع الأقوال فيها دون غلو في التفصيل.

وصورة هذا النوع من الطلاق أن يطلقها ثلاثا في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات ؛ مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا. أو أنت طالق وطالق وطالق، أو أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق. أو أنت طالق، ثم يقول: أنت طالق، ثم يقول: أنت طالق، أو يقول: أنت طالق ثلاثا، أو عشر طلقات، أو مائة طلقة، أو ألف طلقة ونحو ذلك من العبارات.

حكمه:

وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه الصيغة من الطلاق على الأقوال التالية:

القول الأول:أنه طلاق مباح لازم، وهو مذهب الشافعي وأبي ثور، والظاهرية، ورواية عن أحمد، وروي عن الحسن بن علي، وعبد الرحمن بن عوف، والشعبي، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن الآيات التي استدل بها المخالفون نزلت فيمن طلق واحدة أو اثنتين فقط.

2 ـ أن معنى قوله تعالى:{ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ }(البقرة: 229) كقوله تعالى: { وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} (الأحزاب:31) أي مضاعفا معا، قال ابن حزم: (وهذه الآية أيضا تعليم لما دون الثلاث من الطلاق، وهو حجة لنا عليهم، لأنهم لا يختلفون في أن طلاق السنة هو أن يطلقها واحدة، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها في قول طائفة منهم، وفي قول آخرين منهم أن يطلقها في كل طهر طلقة، وليس شيء من هذا في هذه الآية، وهم لا يرون من طلق طلقتين متتابعتين في كلام متصل: طلاق سنة، فبطل تعلقهم بقوله تعالى: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ }(البقرة: 229)(([78])

3 ـ أن عويمر العجلاني لما لاعن امرأته، قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينقل إنكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ([79]).

4 ـ ما روي عن عائشة، قالت جاءت امرأة رفاعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن ابن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب([80])، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك([81])

5 ـ في حديث فاطمة بنت قيس، أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات.

6 ـ أنه طلاق جاز تفريقه، فجاز جمعه، كطلاق النساء.

القول الثاني: أنه طلاق بدعي محرم، وهو قول جماهير العلماء عدا من ذكروا في القول الأول، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(الطلاق:1) إلى قوله { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ثم قال بعد ذلك: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}(الطلاق:2)، وقال تعالى:{ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا }، ومن جمع الثلاث لم يبق له أمر يحدث، ولا يجعل الله له مخرجا ولا من أمره يسرا.

2 ـ قوله تعالى: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229) ولا يخلو هذا أن يكون أمرا بصفة الطلاق، والأمر يقتضي الوجوب، أو يكون إخبارا عن صفة الطلاق الشرعي، ثم إن الألف، واللام تكون للحصر، وهذا يقتضي أن لا يكون الطلاق الشرعي على غير هذا الوجه، ويدل على ذلك أنه قال بعد ذلك { فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}(البقرة:229)، ثم أفرد الطلقة الثالثة لما لم تكن رجعية وفارق حكمها حكم الطلقتين فقال تعالى:{ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }(البقرة:230)

3 ـ أن الزعم بأن لفظ التكرار إذا علق باسم أريد به العدد دون تكرار الفعل كما يدل على ذلك قوله تعالى: نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ }(الأحزاب:31)لا يصح لأن المعنى: مرة بعد مرة في الجنة وعلى هذا لم يخرج اللفظ عن بابه الأعدل به عن حقيقته.

4 ـ عن محمود بن لبيد قال أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فغضب، ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله([82]).

5 ـ أنه قول كثير من الصحابة، بل لم يصح في عصرهم خلاف قولهم، فيكون ذلك إجماعا، ومن الآثار عن الصحابة: قال علي: لا يطلق أحد للسنة فيندم، وفي رواية قال: يطلقها واحدة، ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاث حيض، فمتى شاء راجعها، وعن مالك بن الحارث قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله وأطاع الشيطان، فلم يجعل الله له مخرجا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة بناء على ما سبق من أدلة، وبناء على ما تقتضيه المقاصد الشرعية اعتبار الطلاق الثلاث بدعيا من الجهات التالية:

1 ـ أنه استهزاء بآيات الله تعالى، لأن الله جعل الطلاق ثلاثا من باب الفسحة والتيسير، فجاء هذا المطلق ليرد هذا التيسير بأقبح رد وأوقحه، وكأنه يقول لربه تعالى إن كنت شرعت هذا التشريع، فأنا أناقضه بجمعها جميعا.

2 ـ أن فيه ضررا بالغا للزوجين، والشرع جاء لتحريم الضرر، فقد يندم الزوج، وقد يزول الخلاف، فيحب مراجعتها، ثم لا يجد السبيل لذلك.

3 ـ ما أنشأ مثل هذا النوع من الطلاق في المجتمعات الإسلامية من شرخ وانحرافات حيث أصبح الرجل لا يكتفي بطلاق واحد، وذلك ما يدعو إلى التشدد في بيان تحريمه والإثم المعلق عليه.

وغير ذلك من الأدلة والتي سنذكرها عند بيان أثر هذا النوع من الطلاق.

أثره:

اختلف الفقهاء في أثر جمع الطلاق الثلاث في مجلس واحد أو بكلمة واحدة على أربعة أقوال:

القول الأول: لزومه بناء على عدم بدعيته، وهو مذهب الشافعي وأبي ثور، والظاهرية، ورواية عن أحمد، وروي عن الحسن بن علي، وعبد الرحمن بن عوف، والشعبي، وقد استدلوا على ذلك بعدم بدعيته، وهو ما ذكرنا أدلته سابقا.

القول الثاني: أنه طلاق محرم لازم وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، وهو منقول عن كثير من السلف، من الصحابة، والتابعين، وقد روي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وقد استدلوا علىذلك بأدلة كثيرة، وكان الخلاف بينهم وبين أصحاب القول الثالث شديدا، فلذلك اقتصرت أكثر أدلتهم على الرد على أصحابه([83]):

1 ـ قوله تعالى: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229) الآية، يدل على وقوع الثلاث معا مع كونه منهيا عنها،قد أبان عن حكمه إذا أوقع اثنتين بأن يقول) أنت طالق أنت طالق (في طهر واحد ؛ فإذا كان في مضمون الآية الحكم بجواز وقوع الاثنتين على هذا الوجه، دل ذلك على صحة وقوعهما لو أوقعهما معا ؛ لعدم وجود من يفرق بينهما.

2 ـ قوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } (البقرة:230) فحكم بتحريمها عليه بالثالثة بعد الاثنتين، ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد أو في أطهار، فوجب الحكم بإيقاع الجميع على أي وجه أوقعه من مسنون أو غير مسنون ومباح أو محظور.

3 ـ أنه لا تناقض بين اعتبار الطلاق الثلاث طلاقا بدعيا مع عدم اعتبار أثره، قال الجصاص: (قد دلت الآية على هذه المعاني كلها من إيقاع الاثنتين والثلاث لغير السنة، وأن المندوب إليه والمسنون تفريقها في الأطهار، وليس يمتنع أن يكون مراد الآية جميع ذلك ؛ ألا ترى أنه لو قال طلقوا ثلاثا في الأطهار وإن طلقتم جميعا معا وقعن، كان جائزا؟ فإذا لم يتناف المعنيان واحتملتهما الآية وجب حملها عليهما)، فالمندوب إليه المأمور به هو الطلاق للعدة، وإن طلق لغير العدة وجمع الثلاث وقعن لما اقتضته الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229) وقوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }(البقرة:230)، إذ ليس في قوله { فطلقوهن } نفي لما اقتضته هذه الآية الأخرى.

4 ـ أن في فحوى الآية التي فيها ذكر الطلاق للعدة، وهي قوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(الطلاق:1) دلالة على وقوعها، إذا طلق لغير العدة، لقوله تعالى بعدها: { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ }(الطلاق:1) فلولا أنه إذا طلق لغير العدة وقع ما كان ظالما لنفسه بإيقاعه ولا كان ظالما لنفسه بطلاقه، وفي هذه الآية دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة.

القول الثالث: أنه لا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وهو منقول عن طائفة من السلف والخلف كالزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس؛ وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم ؛ مثل طاوس وخلاس بن عمرو ؛ ومحمد بن إسحاق؛ ويروى عن أبي جعفر وابنه جعفر بن محمد، ولهذا ذهب إلى ذلك من ذهب من الشيعة، وهو قول عند الإباضية([84])، وهو قول بعض أتباع المذاهب الأربعة.

وقد كان هذا القول مغمورا، والقائل به شاذا حتى قال ابن القيم: (لقد طوفت في الآفاق، ولقيت من علماء الإسلام وأرباب المذاهب كل صادق فما سمعت لهذه المقالة بخبر ولا أحسست لها بأثر إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزا، ولا يرون الطلاق واقعا)([85])

بل كان هذا القول في كتب الفقهاء ينسب للمبتدعة، قال الباجي: (إذا ثبت ذلك، فمن أوقع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة لزمه ما أوقعه من الثلاث، وبه قال جماعة الفقهاء، وحكى القاضي أبو محمد في إشرافه عن بعض المبتدعة يلزمه طلقة واحدة، وعن بعض أهل الظاهر لا يلزمه شيء) ([86])

ومن الأدلة على ذلك ما سبق ذكره من الاستدلال على بدعية الطلاق الثلاث، وزيادة على ذلك ما يدل على اقتصار البدعية على الإثم دون أن يكون لها أثر عملي، ومن هذه الأدلة:

1 ـ قوله تعالى:{ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ }(البقرة: 229)وهو يدل على تفريق الطلاق، وتدل عليه النصوص الكثيرة والأحكام الشرعية، كقوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ }(النور:58)، فلو قال الرجل ثلاث مرات هكذا كانت مرة واحدة حتى يستأذن مرة بعد مرة، ولو قال الملاعن: (أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين (كان مرة واحدة، ولو حلف في القسامة وقال: (أقسم بالله خمسين يمينا أن هذا قاتله (كان ذلك يمينا واحدة، ولو قال المقر بالزنا: (أنا أقر أربع مرات أني زنيت (كان مرة واحدة ؛ فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارا واحدا.

ومثله ما ورد من الأحاديث كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال في يومه سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ([87])فلو قال: (سبحان الله وبحمده مائة مرة (لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة، وكذلك كل ما ورد من هذا الباب، قال ابن القيم: (فهذا المعقول من اللغة والعرف في الأحاديث المذكورة، وهذه النصوص المذكورة وقوله تعالى: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ}(البقرة: 229)كلها من باب واحد ومشكاة واحدة، والأحاديث المذكورة تفسر المراد من قوله: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ}(البقرة: 229)كما أن حديث اللعان تفسير لقوله لقوله تعالى: { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ}(النور:6) فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه لغة العرب، وهذا عرف التخاطب([88])

2 ـ ضعف ما استدل به المخالفون من نصوص، قال ابن تيمية: (كل حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألزم الثلاث بيمين أوقعها جملة، أو أن أحدا في زمنه أوقعها جملة فألزمه بذلك، مثل حديث يروى عن علي، وآخر عن عبادة بن الصامت، وآخر عن الحسن عن ابن عمر، وغير ذلك، فكلها أحاديث ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، ويعرف أهل العلم بنقد الحديث أنها موضوعة([89])

3 ـ أن المروي عن ابن عباس في حديث ركانة من وجهين، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس من وجهين عن عكرمة، وهو أثبت من رواية عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة ونافع بن عجين أنه طلقها ألبتة، وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استحلفه، فقال: ما أردت إلا واحدة؟ فإن هؤلاء مجاهيل لا تعرف أحوالهم، وليسوا فقهاء، وقد ضعف حديثهم أحمد بن حنبل وأبو عبيد، وابن حزم، وغيرهم، قال الأثرم: قلت لأحمد: حديث ركانة في البتة، فضعفه([90]).

4 ـ الإجماع القديم على هذا القول، ولم يأت بعده إجماع يبطله، فعن أبي الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم، قال ابن القيم: (هذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة كلهم معه في عصره وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب ؛ فلو عدهم العاد بأسمائهم واحدا واحدا لوجد أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها، ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرا للفتوى به، بل كانوا ما بين مفت ومقر بفتيا وساكت غير منكر. وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون على الألف قطعا)

5 ـ استمرار الخلاف في المسألة، فلم يجمع أبدا على خلاف هذا القول، وقد ذكر ابن القيم العصور المختلفة للفقه الإسلامي، ومن كان يفتي بهذا القول وسنده، وهذا ملخص ما ذكر هنا، قال ابن القيم: (ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن، وإلى يومنا هذا، فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وأفتى أيضا بالثلاث، أفتى بهذا وهذا، وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، وعن علي كرم الله وجهه وابن مسعود روايتان كما عن ابن عباس، وأما التابعون فأفتى به عكرمة، وأفتى به طاوس، وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق وأفتى به خلاس بن عمرو والحارث العكلي، وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه، وأفتى به بعض أصحاب مالك، وأفتى به بعض الحنفية، وأفتى به بعض أصحاب أحمد، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، قال: وكان الجد يفتي به أحيانا)([91])

6 ـ أن كل طلاق شرعه الله في القرآن في المدخول بها إنما هو الطلاق الرجعي؛ لم يشرع الله لأحد أن يطلق الثلاث جميعا، ولم يشرع له أن يطلق المدخول بها طلاقا بائنا، ولكن إذا طلقها قبل الدخول بها بانت منه، فإذا انقضت عدتها بانت منه.

7 ـ أن الشرع وضع للطلاق ضوابط لا يجوز تجاوزها، فأجاز الطلاق على وصف ولم يجزه على غيره، فلا يجوز تعدي ما وضع الشرع من ذلك، ومثاله ما لو أمر رجل رجلا أن يطلق امرأته في وقت على صفة، فطلقها في غيره، أو أمره أن يطلقها على شريطة، فطلقها على غير تلك الشريطة، أن ذلك لا يقع، إذ كان قد خالف ما أمر به.

القول الرابع: هو محرم، ولا يلزمه شيء، وهو قول الإمامية، قال المحقق الحلي: (أقسام الطلاق ولفظه يقع على البدعة والسنة، فالبدعة: طلاق الحائض بعد الدخول، مع حضور الزوج معها ومع غيبته، دون المدة المشترطة. وكذا النفساء، أو في طهر قربها فيه، وطلاق الثلاث من غير رجعة بينها والكل عندنا باطل لا يقع معه طلاق([92])ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ الروايات الثابتة عن الإمام علي وغيره من أئمة أهل البيت في عدم إيقاع الطلاق الثلاث.

2 ـ أن الزوج مأمور شرعا بإيقاع الطلاق للسنة، والمأمور من جهة الزوج بإيقاع الطلاق للسنة وهو الوكيل إذا أوقع لغير السنة لا يقع، فكذلك المأمور شرعا بل أولى لأن أمر الشرع ألزم ولأن نفوذ تصرفه بالإذن شرعا والمنهي عنه غير مأذون فيه فلا يكون نافذا كطلاق الصبي والمعتوه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة، والأوفق بمقاصد الشريعة، هو القول الثالث، وهو قول الإمامية، وربما يتحرج البعض من أن يكون القول بعدم وقوع الطلاق الثلاث لم يرو إلا عن الإمامية، فلذلك نقول بأنه لازم قول الظاهرية، لأنهم يقولون بعدم اعتبار الطلاق البدعي، ولم يمنعهم من القول بعدم وقوع هذا الطلاق إلا ما رأوه من عدم بدعيته، بل هو لازم قول ابن تيمية وابن القيم وغيرهما في موقفهما من الطلاق البدعي، كما رأينا ذلك في حكم طلاق الحائض.

ولن يشق علينا هنا ذكر الأدلة لذلك لأن نفس أدلة عدم وقوع الطلاق البدعي التي ذكرناها سابقا تنطبق على هذا.

النوع الرابع: الطلاق المقيد بالاستثناء

وهو([93]) الإخراج بإلا أو بإحدى أخواتها، بعضا مما يوجبه عموم سابق، تحقيقا أو تقديرا، والأول هو المتصل، والثاني هو المنقطع، والأول هو المراد هنا دون الثاني لدى الفقهاء، ويضاف إلى الأول الاستثناء الشرعي، وهو التعليق على مشيئة الله تعالى، أخذا من قوله تعالى: { إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17)وَلَا يَسْتَثْنُونَ}(القلم: 17،18)وقد سبق الكلام عنه.

ومن صور الاستثناء التي ذكرها الفقهاء:

1 ـ استثناء عدد:

اتفق جمهور الفقهاء القائلين بوقوع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة على أن الاستثناء اللغوي بإلا وأخواتها مؤثر وملغ للطلاق بحسبه إذا استوفى شروطه، وعلى ذلك لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، طلقت اثنتين فقط، ولو قال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين طلقت واحدة فقط([94]).

واختلفوا فيما لو قال: أنت طالق ثلاثا إلا طلقة وطلقة وطلقة على قولين:

القول الأول: يلغو الاستثناء، ويقع ثلاث ؛ وهو وجه عند الشافعية، وقول أبي حنيفة، ووجه للحنابلة، لأن العطف يوجب اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه، فيصير مستثنيا لثلاث من ثلاث.

القول الثاني: يصح الاستثناء في طلقة ؛ وهو وجه للحنابلة، لأن الاستثناء الأقل جائز، وإنما لا يصح استثناء الثانية والثالثة، فيلغو وحده.

القول الثالث: يصح استثناء اثنتين، ويلغو في الثالثة، وهو قول أبي يوسف ومحمد وهو وهو وجه عند الشافعية ؛ بناء على أن استثناء الأكثر جائز.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذكرنا سابقا من عدم اعتبار الطلاق الثلاث في مجلس واحد أو كلمة واحدة، وذلك الترجيح يستدعي طرح مثل هذه المسألة، لأن كل ما تلفظ به من طلاق يؤول إلى طلقة واحدة، ولكن عند عدم اعتبار الطلاق الثلاث، فإن الأرجح في الخلاف في هذه المسائل هو اعتبار نية صاحبها دون التفريعات النحوية الكثيرة التي ذكرها الفقهاء للمسألة، لأن أكثرها مما يجهله العامة.

فلذلك لو نوى ثلاثا ثم استدرك في حينه وألغى اثنتين صح ذلك منه، بل هو الأفضل والأولى، لأنه ترك الطلاق البدعي إلى الطلاق السني، كما لو أراد أن يحلف بغير الله، ثم استدرك وحلف بالله، وهكذا يقال في كل المسائل التي يؤول الطلاق فيها إلى واحدة.

أما التلفظ بالاستثناء الملغي للطلاق، كأن يقول: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، فإنه نوع من الاستهزاء أو الهزل أو استعمال لفظ الطلاق في غير مراده، فلذلك نرى أن يعتبر التلفظ بهذا طلقة واحدة بدل اعتباره طلاقا ثلاثا، لأنه قصد الاستثناء فأخطأه، فيعامل بأدنى عدد للطلاق.

2 ـ استثناء مشيئة الله:

وهو أن يستثني في صيغة الطلاق مشيئة الله تعالى سواء كان على جهة الشرط مثل أن يقول أنت طالق إن شاء الله، أو على جهة الاستثناء مثل أن يقول أنت طالق إلا أن يشاء الله([95])، وقد اختلف الفقهاء في وقوع الطلاق بذلك على قولين:

القول الأول: لا يؤثر هذا في الطلاق شيئا وهو واقع ولا بد، وهو قول المالكية، ومن الأدلة على ذلك([96]):

1 ـ عن أبي سعيد الخدري وابن عمر قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نرى الاستثناء جائزا في كل شيء إلا في الطلاق والعتاق، وروي عن ابن عباس قال: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله فهي طالق، وكذلك روي عن أبي بردة.

2 ـ أنه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح، كقوله أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، ولأنه إنشاء حكم في محل، فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح.

3 ـ أنه إزالة ملك فلم يصح تعليقه على مشيئة الله تعالى كما لو قال: أبرأتك إن شاء الله.

4 ـ أنه تعليق على ما لا سبيل إلى العلم به، فلم يمنع وقوع الطلاق، كما لو قال: أنت طالق إن شاءت السموات والأرض.

القول الثاني: إذا استثنى المطلق مشيئة الله لم يقع الطلاق، وهو قول الجمهور، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن قوله: إن شاء الله لا يريد به إن شاء الله طلاقها ماضيا قطعا، بل إما أن يريد به هذا الطلاق الذي تلفظ به أو طلاقا مستقبلا غيره، فلا يصح أن يراد به هذا الملفوظ ؛ فإنه لا يصح تعليقه بالشرط ؛ إذ الشرط إنما يؤثر في الاستقبال، فحقيقة هذا التعليق أنت طالق إن شاء الله طلاقك في المستقبل، ولو صرح بهذا لم تطلق حتى ينشأ لها طلاقا آخر.

2 ـ أنه علقه بمشيئة من له مشيئة صحيحة معتبرة، فهو أولى بالصحة من تعليقه بمشيئة آحاد الناس.

3 ـ أنه لو علقه بمشيئة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته لم يقع في الحال، ومعلوم أن ما شاءه الله فقد شاءه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فلو كان التعليق بمشيئة الله موجبا للوقوع في الحال لكان التعليق بمشيئة رسوله في حياته كذلك.

4 ـ أن مشيئة اللفظ لا تكون مشيئة للحكم حتى يكون اللفظ صالحا للحكم، ولهذا لو تلفظ المكره أو زائل العقل أو الصبي أو المجنون بالطلاق فقد شاء الله منهم وقوع هذا اللفظ، ولم يشأ وقوع الحكم، فإنه لم يرتب على ألفاظ هؤلاء أحكامها ؛ لعدم إرادتهم لأحكامها، فهكذا المعلق طلاقه بمشيئة الله يريد أن لا يقع طلاقه، وإن كان الله قد شاء له التلفظ بالطلاق.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو توقفها على مقصد قائلها كما ذكرنا في المسائل السابقة، هل هو التحقيق أم التعليق، لأن العبرة بمقصد المطلق ورغبته في التطليق وعدمها، قال ابن القيم بعد إفاضته في ذكر مسائل الفريقين (التحقيق في المسألة أن المستثني إما أن يقصد بقوله: إن شاء الله التحقيق أو التعليق ؛ فإن قصد به التحقيق والتأكيد وقع الطلاق، وإن قصد به التعليق وعدم الوقوع في الحال لم تطلق، هذا هو الصواب في المسألة، وهو اختيار شيخنا وغيره من الأصحاب) ([97])

وبناء على أن العادة الجارية في استعمال هذه اللفظة ليس التحقيق، وإنما تجري على سبيل الوعد والوعيد دون الجزم، فإن الأرجح هو ما ذكره أصحاب القول الثاني، وقد استدل ابن حزم لعدم وقوع الطلاق من القرآن استدلالا جيدا، فقد استدل بقول الله تعالى:{ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا(23)إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ }(الكهف:23،24)، وقوله تعالى:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ }(التكوير:30) قال ابن حزم: (ونحن نعلم أن الله تعالى لو أراد إمضاء هذا الطلاق ليسره لإخراجه بغير استثناء، فصح أنه تعالىلم يرد وقوعه إذ يسره لتعليقه بمشيئته تعالى) ([98])

وبذلك يمكن اعتبار الاستثناء بالمشيئة مخرجا من المخارج التي يلغي بها من تلفظ بالتطليق آثار ما تلفظ به، وخاصة على ما نص عليه الحنفية من عدم اشتراط النية، فلو قال لها: أنت طالق إن شاء الله ولا يدري أي شيء شاء الله لا يقع الطلاق ؛ لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع، فعلمه وجهله يكون سواء، ولو قال لها: أنت طالق فجرى على لسانه من غير قصد إن شاء الله، وكان قصده إيقاع الطلاق لا يقع الطلاق ؛ لأن الاستثناء قد وجد حقيقة، والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعا.

وهو مخرج من المخارج قد يفتى به للحاجة، ولو أن الأصل هو اعتبار القصد والنية.

3 ـ استثناء مطلقة

وقد مر ذكر المسألة بصورها والخلاف الواقع فيها في الفصل الخاص بمن يقع عليها الطلاق.


([1]) المحلى:9/454.

([2]) المحلى:9/454.

([3]) المنتقى:4/15.

([4]) المبسوط:6/143.

([5]) المنتقى:4/15.

([6]) المنتقى:4/15.

([7]) المبسوط:6/143.

([8]) انظر: المبدع: 7/274، منار السبيل: 2/216، كشاف القناع: 5/249، المغني: 7/373، المهذب: 2/83، إعانة الطالبين: 4/16، الإقناع للشربيني: 2/449، البحر الرائق: 3/267، حاشية ابن عابدين: 3/21، التاج والإكليل: 4/58، المدونة:6/24، القوانين الفقهية: 153، المحلى:10/147، مختصر اختلاف العلماء: 2/451.

([9]) المغني:7/374.

([10]) المحلى:10/147.

([11]) المنتقى:4/15.

([12]) المدونة:2/79.

([13]) الوسيط:5/378.

([14]) حاشية ابن عابدين: 3/241.

([15]) وقد ذكر الحنفية قيد الاقتران بالتصويت، فنصوا على أنه يقع بإشارته المعهودة أي المقرونة بتصويت منه، لأن العادة منه ذلك فكانت الإشارة بيانا لما أجمله الأخرس، حاشية ابن عابدين:3/241.

([16]) حاشية ابن عابدين:3/241.

([17]) مختصر اختلاف العلماء:2/451.

([18]) زاد المعاد:5/205.

([19]) هناك قول ثالث، هوالتوقف فيها، فقد سئل ابن سيرين عمن طلق في نفسه فقال قد علم الله ما في نفسك قال بلى قال فلا أقول فيها شيئا.

([20]) المنتقى:4/15.

([21]) زاد المعاد:5/206.

([22]) البخاري: 6/2454، مسلم: 1/116، ابن خزيمة: 2/52، ابن حبان: 10/178، الترمذي: 3/489، البيهقي: 7/209، أبو داود: 2/264، النسائي: 3/360، ابن ماجة: 1/658، أحمد: 2/393.

([23]) نيل الأوطار: 6/300، وانظر: القرطبي: 3/120.

([24]) انظر: ابن كثير: 4/380.

([25]) شرائع الإسلام/ 3/12، وقد نصوا على أن الشهادة ليست شرطا في شيء من العقود إلا في الطلاق، ويستحب في النكاح، والرجعة، وكذا في البيع.

([26]) مقتنيات الدرر: 11/171، وانظر الآثار في ذلك في: البرهان: 5/347.

([27]) انظر: العلامة جعفر السبحاني: الإشهاد على الطلاق.

([28]) الوسائل: ج 15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7/3/12 ولاحظ بقية أحاديث الباب.

([29]) الوسائل: ج 15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7/3/12.

([30]) الوسائل: ج 15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7/3/12.

([31]) القرطبي: 18/157.

([32]) فقه السنة: 2/292.

([33]) نظام الطلاق في الإسلام: 118.

([34]) الأحوال الشخصية: 365.

([35]) الشيخ جعفر السبحاني، سلسلة المسائل الفقهية، ص17 فما بعدها.

([36]) أنوار البروق: 3/152.

([37]) كشف الأسرار:1/66.

([38]) شرح حدود ابن عرفة: 193.

([39]) المحلى:9/437.

([40])   والبخارى (6/2551، رقم 6553)، ومسلم (3/1515، رقم 1907)

([41]) انظر: المنتقى: 4/7.

([42]) زاد المعاد: 5/320.

([43]) زاد المعاد: 5/320.

([44]) انظر: المغني:7/295.

([45]) البخاري: 3/147 (2368) و4/172 (3364).

([46]) البخاري: 5/2012، ابن حبان: 10/83، الحاكم: 4/38، البيهقي: 7/39، النسائي: 3/355، ابن ماجة: 1/661.

([47]) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: 4/256.

([48]) المحلى: 10/127.

([49]) قال ابن القيم:» الثابت عن زيد بن ثابت وابن عمر ما رواه هو من طريق الليث بن عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي هبيرة عن قبيصة أنه سأل زيد بن ثابت وابن عمر عمن لامرأته أنت علي حرام فقالا جميعا: كفارة يمين، ولم يصح عنهما خلاف ذلك»، زاد المعاد: 5/303.

([50]) واختلفوا فيما لو نوى اثنتين على قولين:

           القول الأول: هي واحدة بائنة، وهو قول جمهور الحنفية، لأن نية الثنتين فيه عدد، وهذا اللفظ لا يحتمل العدد، لأنها كلمة واحدة وليس فيها احتمال التعدد، والنية إذا لم تكن من محتملات اللفظ لا تعمل، أما صحة نية الثلاث ليس باعتبار العدد، بل باعتبار أنه نوى حرمة وهي الحرمة الغليظة، فإنها لا تثبت بما دون الثلاث فأما الثنتان فلا يتعلق بهما في حق الحرة حرمة.

           القول الثاني: هي بحسب نيته، وهو قول زفر، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:« وإنما لكل امرئ ما نوى» ولأن الثنتين بعض الثلاث فإذا كانت نية الثلاث تسع في هذا اللفظ فنية الثنتين أولى.

([51]) وهذا في المدخول بها فأما غير المدخول بها، فإن نوى الثلاث أو لم ينو شيئا فلا خلاف في المذهب أنها ثلاث، إن نوى واحدة فهل ينوي أو لا فيه روايتان إحداهما لا ينوي وتلزمه الثلاث وبه قال سحنون وابن حبيب، والرواية الثانية أنه ينوي وبها قال مالك فالرواية الأولى مبنية على أن ألبتة لا تتبعض ولا يصح الاستثناء منها، وهو معنى قول أصبغ في العتبية ونص عليه سحنون في المجموعة. والرواية الثانية مبنية على أنها تتبعض ويصح الاستثناء منها، وقد روي عنه في العتبية ورواه سحنون عن العتبي، وعلى هذا الاختلاف يجب أن يجري القول في الخلع وكل طلاق لا تتعقبه رجعة يوقعه الزوج باختياره، انظر: المنتقى: 4/7.

([52]) ابن حبان: 10/97، الحاكمك 2/218، الترمذي: 3/480، الدارمي: 2/216، البيهقي: 7/329، الدارقطني: 4/33، أبو داود: 2/259، ابن ماجة: 1/661، أحمد: 1/265، مسند أبي يعلى: 4/379.

([53]) المنتقى: 4/6.

([54]) وهذا من الغرائب، فكيف يستدل بمروان على أحكام الشريعة، وجرائمه وجرائم أبنائه لا تخفى على أحد.

([55]) المنتقى: 4/6.

([56]) الإضافة تتبع طبيعة التصرفات، ومن التصرفات ما يضاف إلى الوقت، ومنها ما لا يضاف إليه. فالتصرفات التي تصح إضافتها إلى الوقت عند أكثر الفقهاء هي: الطلاق، وتفويضه، والخلع، والإيلاء، والظهار، واليمين، والنذر، والعتق، والإجارة، والمعاملة، والإيصاء، والوصية، والقضاء، والمضاربة، والكفالة، والوقف، والمزارعة، والوكالة وهناك تصرفات لا تصح إضافتها إلى الوقت كالنكاح، والبيع، وغيرهما.

([57]) الأم:2/297.

([58]) أحكام القرآن للجصاص:2/291.

([59]) انظر الخلاف في المسألة في: أحكام القرآن لابن العربي:4/376.

([60]) شرح معاني الآثار:3/94.

([61]) شرح معاني الآثار:3/94.

([62]) المبسوط:6/120.

([63]) المغني:7/326.

([64])   أخرجه الطبرانى (4/275، رقم 4404). قال الهيثمى (4/205): فيه حكيم بن جبير، وهو متروك، وقال أبو زرعة: محله الصدق إن شاء الله. وأخرجه أيضا: الإسماعيلى (3/749)، وابن عدى (6/42 ترجمة 1586 قيس بن الربيع)

([65]) المبسوط:6/90.

([66]) المدونة:2/62.

([67]) المحلى:9/479.

([68]) البخاري: 6/2463، ابن خزيمة: 3/352، ابن حبان: 10/233، الدارمي: 2/241، الترمذي: 4/104، البيهقي:9/231.

([69]) انظر: تبيين الحقائق:2/205.

([70]) الفتاوى الكبرى:3/241.

([71]) الفتاوى الكبرى:3/241.

([72]) الفتاوى الكبرى:3/241.

([73]) المحلى:7/476.

([74]) البحر الرائق:4/24.

([75]) البحر الرائق: 4/28.

([76]) الفروع:6/366،، فلو وطئ مع الحيض وعصى فهل يتخلص من الحنث؟ فيه وجهان في مذهب مالك وأحمد هما:

           الأول: يتخلص، وإن أثم بالوطء كما لو حلف بالطلاق ليشربن هذه الخمر فشربها فإنه لا تطلق عليه زوجته.

           الثاني: لا يبر ; لأنه إنما حلف على فعل وطء مباح، فلا تتناول يمينه المحرم.

 قال ابن القيم:« إذا كان إنما حلف على وطء مأذون فيه شرعا لم تتناول يمينه المحرم فلا يحنث بتركه بعين ما ذكرتم من الدليل، وهذا ظاهر، وحرف المسألة أن يمينه لم تتناول المعجوز عنه لا شرعا ولا قدرا فلا يحنث بتركه» إعلام الموقعين:4/93.

([77]) الفتاوى الهندية:1/445.

([78]) المحلى:9/385.

([79]) البخاري: 5/2014، مسلم: 2/1129، الدارمي: 2/201، المنتقى لابن الجارود:189، البيهقي:7/398 الدارقطني: 3/277، النسائي: 3/371.

([80]) هو طرف الثوب الذي لم ينسج، مأخوذ من هدب العين وهو شعر الجفن، وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار، فتح الباري:9/465.

([81]) البخاري: 5/2014، البيهقي: 7/374.

([82]) قال ابن حجر: أخرجه النسائي ورجاله ثقات لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يثبت له منه سماع وأن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع، فتح الباري: 9/362.

([83]) انظر: القرطبي: 3/130، فتح الباري: 9/362، التمهيد: 13/227، سبل السلام: 3/172، نيل الأوطار: 7/11، شرح معاني الآثار:3/55.

([84]) انظر: شرح النيل:6/438.

([85]) حاشية ابن القيم:6/201.

([86]) المنتقى:4/3.

([87]) مسلم: 4/2071، أحمد: 2/302، شعب الإيمان: 1/422.

([88]) إعلام الموقعين:3/33.

([89]) الفتاوى الكبرى:3/253.

([90]) إعلام الموقعين:3/33.

([91]) إعلام الموقعين:3/33.

([92]) شرائع الإسلام:3/13.

([93]) المدونة: 2/80، الأم: 5/201، الجصاص: 3/315، المنتقى: 4/2، المبسوط: 6/91، 9/26، المغني: 7/321.

([94]) وقد اختلفوا في استثناء الأكثر، فنص أحمد على أنه لو قال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين. وقع ثلاث، والأكثرون على أن ذلك جائز، وفي اللغة العربية يجوز في القليل من الكثير، انظر: المغني: 7/322.

([95]) ولاختلاف الصيغة تبحث المسألة في الطلاق المعلق، وتبحث في الاستثناء في الطلاق.

([96]) إعلام الموقعين: 4/62.

([97]) إعلام الموقعين: 4/77.

([98]) المحلى:9/485.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *