الفصل الأول: حياة الغزالي

الفصل الأول

حياة الغزالي

اتفق المترجمون للغزالي على أن مولده كان سنة 450 هـ، وأن مكان ولادته هو مدينة طوس، وكانت ثاني مدينة في خراسان بعد نيسابور، وكانت تتألف من مدينتين، يقال لإحداهما (الطابران)، وبها قبر الغزالي، والثانية (نوقان)، وبها قبر الإمام الرضا، وقبر هارون الرشيد إلى جواره، وقد كانت طوس في ذلك العهد مدينة كبيرة حسنة المباني كثيرة الأسواق شاملة الأرزاق عامرة الأمكنة رائعة الجهات بها منابر ([1])، ولكن جحافل المغول دمرتها سنة 607ه تدميرا شنيعا، ولم يبق منها إلا بعض الآثار تشهد على ما كان فيها من حضارة وعمران، وقد كان لطوس أكثر من ألف قرية. ومنها قرية الغزالي المسماة ب(الغزالة) وقد تخرج من هذه القرى ما لا يحصى من أئمة العلم والفقه ([2]).

ولا تذكر لنا المصادر شيئا ذا بال عن أسرة الغزالي، وجل ماهناك أن أباه كان فقيرا صالحا لا يأكل إلا من كسب يده في العمل غزل الصوف، ويطوف على المتفقهة، ويجالسهم، ويتوفر على خدمتهم، ويجد في الإحسان إليهم، وأنه كان إذا سمع كلامهم بكي وتضرع وسأل الله تعالى أن يرزقه ابنا، ويجعله فقيها، ويحضر مجالس الوعظ، فإذا طاب وقته بكى، وسأل الله أن يرزقه ابنا واعظا. قال السبكي: (فاستجاب الله دعوتيه، فأما أبو حامد فكان أفقه أقرانه.. وأما أحمد فكان واعظا تلين الصخور الصم عند سماع تحذيره، وترعد فرائص الحاضرين في مجالس تذكيره)([3])

أما أصل أسرته، فالظاهر أنها فارسية، إذا لو كانت عربية لانتسبت إلى القبيلة التي تنتمي إليها كعادة أهل ذلك العصر، وخاصة من يقطنون بلاد العجم، ومع ذلك فقد كانت عربية اللسان كشأن معظم أهل خرسان في ذلك الوقت ([4])

ويمكن تقسيم حياة الغزالي إلى أربع مراحل هي:

مرحلة الدراسة:

وتمتد هذه المرحلة إلى سنة 478هـ، أي حتى توليه التدريس بنظامية بغداد، وقد بدأ تلقي العلم في بلده، والظاهر أنه كان ما يبدأ به المسلمون جميعا، في ذلك الوقت، من حفظ القرآن الكريم، وتعلم للقراءة والكتابة، وما يتبع ذلك من نحو وصرف ولغة.

وقد ذكر السبكي قصة بداية تلقيه العلم، وهي أنه لما حضرت والده الوفاة أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير، وقال له: (إن لي لتأسفا عظيما على تعلم الخط، وأشتهي استدراك ما فاتني في ولدي هذين، فعلمهما، ولا عليك أن تنفذ في ذلك جميع ما خلفته لهما)، فلما مات أقبل الصوفي على تعليمهما إلى أن فني ذلك النزر اليسير الذي خلفه لهما أبوهما، وتعذر على الصوفي القيام بقوتهما، فقال لهما: (اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما، وأنا رجل من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي، فأواسيكما به، وأصلح ما أرى لكما أن تلجآ إلى مدرسة، فإنكما من طلبة العلم، فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما)

قال السبكي: (وكان الغزالي يحكي هذا، ويقول: (طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا الله) ([5])

ثم قرأ، وهو في صباه، طرفا من الفقه ببلده على (أحمد بن محمد الراذكاني)([6])، وبعدها انتقل إلى (جرجان) ([7])، وقد تلقى الغزالي العلم فيها عن الشيخ (أبي نصر الإسماعيلي)([8])، وعلق عنه (التعليقة) ثم رجع إلى طوس.

ومن طوس انتقل إلى نيسابور ([9])، وفيها التقى الغزالي بالشخصية التي كان لها تأثير كبير في حياته العقلية، وهي شخصية إمام الحرمين (أبي المعالي الجويني). الذي قال عنه معاصروه: (إن ما يوجد في مصنفاته من العبارات قطرة من سيل كان يجريه لسانه على شفتيه عند المذاكرة، وغرفة من بحر كان يفيض من فمه في مجلس المناظرة([10]).

وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاثمائة رجل من الأئمة ومن الطلبة، وكان من بين هؤلاء، بل أشدهم ملازمة (أبو حامد الغزالي) وقد بدت حينذاك ينابيع عبقريته تتفجر عن ذكاء شديد، وفطرة عجيبة، وإدراك مفرط، وحافظة قوية، وغوص على المعاني الدقيقة، مما جعل إمام الحرمين يقول عنه: (الغزالي بحر مغدق)([11])

وقد جد واجتهد حتى برع في المذهب والخلاف والجدل والأصلين والمنطق، وشرع يصنف فيها، ويقال: (إن الجويني لما رأى كتابه المسمى ب(المنخول)، قال له: (دفنتني، وأنا حي، هلا صبرت حتى أموت) ([12])

وقد بقي الغزالي ملازما لشيخه إلى أن توفي سنة 478هـ، وبذلك انتهى ما يمكن تسميته بمرحلة الدراسة، ولو أن حياة الغزالي كانت كلها تعلما وتعليما.

مرحلة المناظرة والتدريس:

و تبدأ من سنة 478 هـ حين ارتحل الغزالي إلى المعسكر ــ وقد كان ميدانا فسيحا يجوار نيسابور أقام فيه (نظام الملك) ـ وقد كان مجلسه مجمع أهل العلم وملاذهم، وهناك، وبحضرته ناظر الغزالي الأئمة والعلماء، فظهر كلامه عليهم، فاعترفوا بفضله، وأقروا بنبوغه، وكأن (نظام الملك) قد وجد فيه الشخصية التي يمكنها أن تسد الفراغ الذي تشكو منه مدرسته في بغداد، فأمره بالتوجه إليها، وفوضه شؤونها، فباشر إلقاء الدرس بها في جمادى الأولى سنة 484هـ([13]).

قال (عبد الغافر الفارسي)([14]) –معاصر الغزالي ـ:(وهناك أعجب الكل تدريسه ومناظرته، وصار بعد إمامة خرسان إمام العراق) ([15]).

وقد علت حشمته ودرجته في بغداد حتى كانت تغلب حشمة الأكابر والأمراء ودار الخلافة، وظل مقيما على التدريس ونشر العلم والفتيا والتصنيف أربع سنوات (تضرب به الأمثال، وتشد إليه الرحال)([16])

وكان يحضر مجلسه الجلة من العلماء كابن عقيل([17]) وأبي الخطاب([18]) وينقلون كلامه في مصنفاتهم([19]).

واهتم في هذه المرحلة –زيادة على التدريس ـ بدراسة الفلسفة، فحصلها في أقل من سنتين – مع انشغاله بتدريس ما ينوف عن ثلاثمائة من طلبة العلم([20]) – وكتب فيها، ثم رد عليها، وكتب في ذلك وغيره كتبا جمة.

مرحلة العزلة:

وهي أدق مراحل حياته وأغناها وأهمها، ولولاها ما كان لأبي حامد ذلك الدور الكبير الذي قام به في الإصلاح، وقد بلغت مدتها إحدى عشرة سنة ابتداء من ذي القعدة سنة 499هـ، كما نص على ذلك في (المنقذ من الضلال)([21])

أما سببها فقد ذكرها الغزالي في كتابه القيم (المنقذ من الضلال)، وهو من أهم الوثائق المبينة لحياته الفكرية والروحية،ولذلك سنتخذه المصدر الوحيد لمعرفة سبب هذه العزلة:

لقد مر الغزالي نتيجة لعقله الوقاد من جهة،وللبيئة والعصر الذي عاش فيه من جهة أخرى إلى مرحلة شك استغرقت فترة ذات بال من حياته.

قال الغزالي –بعد أن ذكر اختلاف الفرق والملل ـ: (ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين أقتحم لجة البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور)([22])

وكان لذلك يتفحص عقيدة كل فرقة، ويستكشف أسرار كل طائفة حتى انحلت عنه رابطة التقليد، وانكسرت عليه العقائد الموروثة،وهنا بدأت مرحلة شك زجت به إلى السفسطة([23]) بحكم الجال لا يحكم اللسان والمقال، ولكن الله خلصه منها بنور الإيمان الذي قذفه في قلبه لتبدأ مرحلة الشك الثانية.

قال الغزالي: (ولما شفاني الله تعالى من هذا المرض بفضله وسعة جوده انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق: المتكلمون والباطنية والفلاسفة والصوفية) ([24])

وقد بدأ يعلم الكلام فحصله، وصنف فيه، ولكنه وجده ـ كما يذكر ـ علما وافيا بمقصودهم غير واف بمقصوده،فانتقل إلى الفلسفة فبحث فيها، وسرعان ما بان له عوارها، وظهر له أن العقل ليس مستقلا بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات، فرد عليهم([25])، وانتقل إلى مذهب الباطنية فوجدهم لا حاصل عندهم، ولا طائل لكلامهم، فرد عليهم([26])، ثم أقبل بهمته على طريق (الصوفية)، وقد بدأ بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل (قوت القلوب) لأبي طالب المكي([27])، وكتب (الحارث المحاسبي)([28])، والمتفرقات المأثورة عن (الجنيد)([29]) و(الشبلي)([30]) و(البسطامي)([31])، فظهر له أن أخص خصائصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم، بل بالذوق والحال، وتبدل الصفات([32])، ثم قارن ما علمه بما هو فيه من جاه.

قال معبرا عن حاله تلك الفترة: (وكان قد ظهر عندي أنه لامطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، وأن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل واللواحق)([33])

ولكنه لاحظ أحواله فوجدها منغمسة في العلائق، وقد أحدقت به من كل الجوانب، ولاحظ أعماله، فإذا هو مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة، وبحث في نيته فوجدها غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت.

ويصور لنا حاله في ذلك الحين بقوله:(فتيقنت أني على شفا جرف هار،وأني أشفيت على نار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال)([34])

وبقي يتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر، وهو حينذاك يقدم رجلا ويؤخر أخرى إلى أن أقفل على لسانه، وضعف عن التدريس.

لقد كان منادي الإيمان يناديه: (الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل، فإن لم تستعد للآخرة الآن فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع هذه العلائق، فمتى تقطع؟)([35])

وهنا، ولما أحس بعجزه، وسقط بالكلية اختياره التجأ إلى الله تعالى، فسهل على قلبه العزلة.

هذا هو السبب الذي ذكره الغزالي، ولا نرى فيه أي غرابة تجعلنا ننكره أو نحيد عنه، فاعتزال أهل العلم أو السلطان عن الجاه وأسبابه طلبا للآخرة شيء عادي، ونماذجه في التاريخ كثيرة.

وقد ذكر الزبيدي سببا يؤيد ما ذكره الغزالي فقال: رأيت في بعض المجامع أن سبب سباحته وزهده أنه كان يوما يعظ الناس، فدخل عليه أخوه أحمد، فأنشده:

أخذت بأعضادهم إذا ونوا

  وخلفك الجهد إذ أسرعوا



 
وأصبحت تهدي ولا تهتدي
وأصبحت تهدي ولا تهتدي
  وتسمع وعظا ولا تسمع



وأصبحت تهدي ولا تهتدي
فيا حجر الشح حتى متى
 
  تسن الحديد ولا تقطع

قال: فكان ذلك سببا في تركه علائق الدنيا([36]).

ومع ذلك فقد اختلفت آراء الباحثين في سبب عزلته، فمنهم من أعاد ذلك إلى مرض أصيب به، وقد فسره ديورانت على أنه انهيار في قواه العقلية([37])، وفسرة عمر فروخ على أنه الكنط([38])، ومنهم من أرجع ذلك إلى خطر الباطنية، يقول صلاح الدين عبد اللطيف: (ولعل الباطنية أحرجت موقفه فهددته، ولوحت له بالحساب على مافرط في حقهم في الثورة على الخلافة العباسية، وتفويض دعمائمها، فضاق به المقام في بغداد)([39])

وقد أشار الغزالي إلى أن معاصريه – أيضا – قد احتاروا في سبب عزلته (وارتبكوا في الاستنباطات، وظن من بعد عن العراق أن ذلك كان الإستشعار من جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة وكان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي ولاانكباب علي، وإعراضي عنهم، وعن الالتفات إلى قولهم، فيقولون: (هذا أمر سماوي، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم) ([40]).

هذا عن سبب عزلته، أما حاله فيها فيمكننا تقسيم عزلته بحسه إلى مرحلتين:

العزلة الأولى:

ودامت مايقرب السنتين لا شغل له فيها إلا العزلة والخلوة والرياضة اشتغالا يتزكية النفس وتهذيب الأخلاق ([41])، وكان يكثر الجلوس في زاوية الشيخ (نصر المقدسي) بالجامع الأموي، والتي صارت تعرف ب(الغزالية)([42])، وكان يصعد أحيانا منارة المسجد الأموي، ويعتكف فيها، ثم رحل منها إلى (بيت المقدس) يدخل كل يوم الصخرة ويغلق بابها على نفسه([43]).

وقد ذكر عتبد الغافر الفارسي – حكاية عن الغزالي – حاله في تلك الخلوات، فقال: (وحكى لنا في ليال كيفية أحواله، وابتداء ماظهر له من سلوك طريق التآله)([44])، وكان من جملة ذلك: أنه ابتدأ بصحبة (الفارمذي)([45])، وامتثل ماكان يشير عليه من القيام بوظائف العبادات، والإمعان في النوافل، واستدامة الأذكار، ثم ذكر أنه راجع العلوم وخاض في الفنون وعاود الجد في كتب العلوم الدقيقة، واقتفى تأويلها حتى انفتحت له أبوابها، ثم ذكر أنه فتح عليه باب من الخوف بحيث شغله عن كل شيء، وحمله على الإعراض عما سواه حتى ارتاض كل الرياضة ([46]). وقد ذكر الزبيدي للغزالي شيخا آخر في التربية – زيادة على ما ذكره عبد الغافر – هو (يوسف النسلج)([47])

العزلة الثانية:

ودامت ما يقارب عشر سنوات، وتتميز عن الأولى بأنه لم يكن معتكفا فيها اعتكافا كليا، وإنما هو يدرس أحيانا ويعظ، ويسبح في الأرض، ويخالط الناس، وييسعى في مهمات أهله، ولكنه مع ذلك ينقطع أحيانا للخلوة([48]).

وللمترجمين له في هذه المرحلة زيادات على ماذكره الغزالي، منها سفره إلى الإسكندرية، وعزمه على ركوب البحر للقاء (يوسف بن تاشفين)([49]) لما بلغه من عدله، لكنه عدل عن ذلك حين بلغه موته([50])، وهي زاوية منحولة للأدلة التالية:

1 ـ أن الغزالي بعد أن ذكر رحيله إلى بيت المقدسن ذكر بعده خروجه إلى الحجاز لزيارة مكة والمدينة.

2 ـ أن عبد الغافر الفارسي، معاصر الغزالي، لم يذكرها في ترجمته، مع اهتمامه برحلاته وتفاصيلها.

3 ـ أن (يوسف بن تاشفين) توفي سنة 500 هـ، والرواية المذكورة تفترض أن الغزالي كان في الإسكندرية سنة 500هـ،مع أن جمع الروايات تؤكد أنه كان في تلك السنة في خراسان.

يقول الغزالي – بعد ماذكر عزلته الأولى ـ: (ثم تحركت بي داعية فريضة الحج، والاستمداد من بركات (مكة) و(المدينة)، وزيارة رسول الله a بعد الفراغ من زيارة (الخليل) –صلوات الله عليه ـ فسرت إلى الحجاز) ([51]).

وبعدها سار عائدا إلى وطنه، وفي طريقه مر على بغداد، ونزل برباط (أبي سعيد) إزاء (المدرسة النظامية)، وقد لقيه فيها (أبوبكر بن العربي)([52]) الذي وصف حاله حينذاك بقوله: (ورد علينا أنشمند (يعني الغزالي) فنزل برباط أبي سعيد بإزاء المدرسة النظامية معرضا عن الدنيا مقبلا على الله تعالى، فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: (أنت ضالتنا التي كنا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة) ([53]).

وقد ذكر ابن العربي أنه سمع منه في هذا اللقاء (إحياء علوم الدين)، وهو يؤيد ماذكره المترجمون من أن الغزالي صنف كتابه هذا وهو في الخلوة([54]).

ومما روي عنه في هذه الفترة، وجزم به المترجمون، مانقله ابن العماد عن أبي بكر بن العربي، قال: (رأيت الغزالي في البرية، وبيده عكازة، وعليه مرقعة، وعلى عاتقه ركوة، وقد كنت رأيته ببغداد يحضر دروسه أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم، فدنوت منه، فسلمت عليه، وقلت له: (يا إمام، أليس التدريس ببغداد خيرا من هذا؟)، فنظرإلي شزرا وقال: (لما بزغ بدر السعادةفي فلك الإرادة، وجنحت شمس الوصول في مغارب الأصول:

تركت هوى ليلي وسعدي بمنزل

  وعدت إلى مصحوب أول منزل

ونادتني الأشواق مهلا فهذه

  منازل من تهوى، زويدك فانزل

غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد

  لغزلي نساجا، فكسرت مغزلي ([55])

 

وهي مع جمالها وشاعريتها لايمكن قبولها، فابن العربي لم يلق الغزالي إلا في سنة 490هـ، كما نص على ذلك في (العواصم من القواصم) بقوله: (ولقد فاوضت فيها أبا حامد حين لقائي له بمدينة السلام في جمادى الآخرة سنة تسعين وأربعمائة)([56])، ونص لقائه له يدل على أنه كان أول لقاء، فكيف يكون قد رآه ببغداد قبل عزلته؟

مرحلة الدعوة والإفادة:

بعد إحدى عشر سنة من العزلة قرر الغزالي أن يخرج منها ليتفرغ للعمل الإصلاحي، وهو في تبريره لترك عزلته يكاد يصدر من نفس المنبع الذي دعاه قبل ذلك إليها، وهو (الإيمان)

يقول عن ذلك: (فلما رأيت أصناف الخلق من ضعف إيمانهم إلى هذا الحد بهذه الأسباب، ورأيت نفسي ملبة بكشف هذه الشبهة حتى كان فضح هؤلاء أيسر عندي من شربة ماء لكثرة خوضي في علومهم وطرقهم، انقدح في نفسي أن ذلك متعين في هذا الوقت محتوم)([57])

وكما حصل له عند عزمه على العزلة من حيرته بين تلبية دواعي إيمانه أو دواعي نفسه حتى اعتقل لسانه عن التدريس، حصل له –هنا – عند عزمه على العودة بين دواعي إصلاح الخلق، وهو متعين محتوم، وبين بقائه على عزلته.

يقول – مخاطبا نفسه، معبرا عن حاله في تلك الفترة ـ:(فما تغنيك الخلوة والعزلة، وقد عم الداء، ومرض الأدباء، وأشرف الخلق على الهلاك) ([58]).

ولكنه يعود، فيقول لنفسه: (متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة، ومصادفة هذه الظلمة، والزمان زمان فترة، والدور دور الباطل؟ ولو اشتغلت بدعوة الخلق عن طرقهم إلى الحق لعاداك أهل الزمان بأجمعهم، وأنى تقاومهم؟ فكيف تعايشهم؟) ([59])

ولكن خاطر الإيمان يجيبه، فيقول:(لا ينبغي أن يكون باعثك على ملازمة العزلة الكسل والإستراحة وطلب عز الننفس وصونها عن أذى الخلق، والله تعالى يقول: { ألم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت: 1، 2)([60])

هذا هو المحرك الأصلي للغزالي لترك عزلته، وقد ذكره عبد الغافر الفارسي في ترجمته له في قوله: (ثم سألناه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته، والرجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور)، فقال – معتذرا عنه ـ: (ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة ومنفعة الطالبين بالإفادة، وقد حق علي أن أبوح بالحق، وأنطق به، وأدعو إليه)([61])

وأضيف إلى هذا أسباب أخرى كانت مساعدة على رجوعه للتدريس ذكرها الغزالي منها:

1 ـ ورود أمر إلزامي له من السلطان بالتدريس في المدرسة النظامية بنيسابور.

2 ـ مشاورته جماعة من (أرباب القلوب)، فاتفقوا على الإشارة بترك العزلة والخروج من الزاوية.

3 ـ رؤى كثيرة متواترة من الصالحين تشهد بأن هذه الحركة مبدأ خير ورشد قدرها الله سبحانه على رأس المائة الخامسة([62]).

وأهم أعمال الغزالي في هذه الفترة:

1 ـ تدريسه في المدرسة النظامية، ولم تجدد لنا المصادر مدتها، ولكن ذلك ربما يكون قد امتد من سنة 499هـ إلى سنة 500هـ، وبذلك تكون فترة تدريسه قصيرة قد لا تتجاوز بضعة أشهر([63]).

وقد قارن الغزالي بين تدريسه من قبل في نظامية بغداد، وبين تدريسه في نظامية نيسابور قائلا: (وأنا أعلم إني إن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت، لأن الرجوع عود إلى ما كان، وكنت في الزمان أنشر العلم الذي يكسب الجاه، وأدعو إليه بقولي وعملين وكان ذلك قصدي ونيتي، وأما الآن فأدعو إلى العلم الذي به يترك الجاه، ويعرف به سقوط رتبة الجاه) ([64]) ويضيف: (هذا هو الآن نيتي وقصدي وأمنيتي يعلم الله ذلك مني)

2 ـ تأسيسه مدرسة للعلم وخانقاه للصوفية، بعد ما لاحظ أن السياسة كانت تلقي بأوزارها على التعليم، فبتغير الحاكم يتغير الأستاذ، ويتغير البرنامج، وتتغير المذاهب نفسها، فهذه مصر كانت سنية إبان الحكم العباسي، ولكنها في زمانه فاطمية تدين بالمذهب الإسماعيلي، وتنشره في جميع أروقة مدارسها بدءا من الأزهر الشريف، فأراد أن يؤسس مدرسة لا يكون للحكام عليها سلطة، فأسس مدرسته، وأسس بجوارها الخانقاه ليجمع بين العلم والتربية.

وقد ذكر ابن كثير أنه اتخذ في بلده طوس دارا حسنة، وغرس فيها بستانا أنيقا([65])، وقد كان لطلبته نعم القدوة، فهو (موزع أوقاته على وظائف الحاضرين من ختم للقرآن ومجالسة أهل القلوب والقعود للتدريس، بحيث لا تخلو لحظة من لحظاته ولحظات من معه من الفائدة) ([66]).

وكانت خاتمة أمره –كما يذكر عبد الغافر الفارسي ـ: (إقباله على حديث المصطفى a، مجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين، وذلك لا يعني أنه لم يسمع الأحاديث قبل ذلك، وإنما اشتغل بها في آخر عمره وتفرغ لها)، ويضيف عبد الغافر: (ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام يستفرغه في تحصيله)([67])

وفاته:

 في يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الاخرة سنة 505هـ مضى إلى رحمة الله تعالى، وقد نقل السبكي قصة وفاته قائلا: (قال أحمد أخو الإمام الغزالي: لما كان يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخي أبو حامد، وصلى وقال: علي بالكفن)، فأخذه وقبله ووضعه على عينيه، وقال (سمعا وطاعة للدخول في الملك)، ثم مد رجليه واستقبل القبلة، ومات قبل الإسفار –قدس الله روحه ـ ([68]).

وروى ابن كثير أن سائلا سأله، وهو في حال الاحتضار، فقال: أوصني، فأجابه الغزالي: عليك بالإخلاص، ولم يزل يكررها حتى مات –رحمه الله ([69]).

وقد رثاه الشعراء، ومن أفضل المراثي مرثية (أبي المظفر الأبيوردي) التي يقول فيها:

بكى على حجة الإسلام حين ثوى  ولإضافة شطر

  من كل عظيم القدر أشرفه

ومنها:

مضى وأعظم مفقود فجعت به ولإضافة شطر

  من لا نظير له في الخلق يخلفه ([70])
 

رحم الله أبا حامد الغزالي، وأسكنه فسيح جنانه.


([1])    محمد الحميري، الروض المعطار، تحقيق إحسان عباس، لبنان، دار القلم، 1975، ص398، وتسمى اليوم مشهد، وهي مدينة في أقصى الشمال الشرقي من إيران، وعاصمة مقاطعة خراسان، تعد مركزا دينيا مرموقا لمشهد الرضا بها، والذي يقصده الشيعة من كل مكان، نقلا عن: د. محمد إبراهيم الفيومي، الإمام الغزالي وعلاقة اليقين بالعقل، القاهرة، دار الفكر العربي، ص215.

([2])     ياقوت .معجم البلدان، ج4، ص49.

([3])   السبكي .الطبقات الكبرى، ج4، ص102  .

([4])   شمس الدين المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، (د.ط)(د.ت)، ص334  .

([5])     السبكي، الطبقات الكبرى، ج4،ص102.

([6])     المرجع السابق، ج4،ص102.

([7])     تقع بين طبرستان وخرسان، يقول عنها ياقوت: (ليس بالمشرق بعد أن تجاوز العراق مدينة أجمع ولا أظهر حسنا من جرجان على مقدارها)، انظر: ياقوت ، معجم البلدان ،ج4 ،ص49.

([8])   هو إسماعيل بن مسعدة الإسماعيلي الجرجاني، ولد سنة407هـ، وتوفي سنة 477ه، انظر: السبكي، الطبقات الكبرى، ج4، ص294  .

([9])    كانت من أشهر مدن خرسان وأجملها وأكثرها علماء حتى لقبت بعروس خرسان، انظر ، الحميري، الروض المعطار، ص588 .

([10])    السبكي، الطبقات الكبرى، ج5، ص103 .

([11])    المرجع السابق، ج5 ، ص103 .

([12])   ابن الجوزي، المنتظم ج9، ص103.

([13])    السبكي، الطبقات الكبرى، ج4، ص107 .

([14])    تعتبر ترجمة عبد الغافر الفارسي التي أودعها كتابه (السياق في تاريخ نيسابور) أول ترجمة للغزالي، وهذا الكتاب ضائع، المتبقي منه نقله ابن عساكر في (تاريخ دمشق) وعنه نقل السبكي وكل المترجمين (انظر: د.عبد الأمير الأعم، الفيلسوف الغزالي إعادة تقويم لمنحى تطوره الروحي، ط2، بيروت: الأندلس ،1981، ص12). وتمتاز ترجمته ببيان موقف المعاصرين للغزالي منه، سواء المادحين أو الطاعنين.

([15])     السبكي ،الطبقات الكبرى ،ج4 ،ص107.

([16])     المرجع السابق، ج4 ،ص107.

([17])   هو أبو الوفا علي بن عقيل بن محمد [431 ـ 513هـ]. كان شيخ الحنابلة في بغداد وكان واعظا عظيما التدين يجتمع بجميع العلماء من كل مذهب ،انظر: ابن كثير ،البداية والنهاية ،ج11 ،ص677  .

([18])     هو محفوظ بن أحمد الكلواذي ،أحد أئمة الحنابلة في الأصول والفروع ، توفي سنة 510ه، انظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج4 ،ص69.

([19])    ابن الجوزي المنتظم، ج9، ص69 .

([20])     الغزالي، المنقذ من الضلال ،ص93.

([21])     المرجع السابق، ص140.

([22])     الغزالي، المنقذ من الضلال ، ص81.

([23])     مأخوذ من اللفظ اليوناني [سفرما]، ويعني التميز بالمهارة والحذق، ثم أخذت بعد ذلك تدل على القول المموه والقياس الخادع الذي يلتمس منه التلبيس على الناس والتغرير بهم، انظر ،مراد وهبة، المعجم الفلسفي، ص11.

([24])  الغزالي، المنقذ من الضلال ،ص81  .

([25])    المرجع السابق، ص87 .

([26])  المرجع السابق ،ص92 .

([27])   هو محمد بن عطية الحارثي العجمي (ت386ه)، رجع الغزالي إلى كتابه (قوت القلوب) كثيرا في (الإحياء) انظر: ابن العماد، شذرات الذهب، ج3، ص210.

([28])   هو الحارث بن أسد المحاسي (ت243ه) ، رجع الغزالي إلى كتبه، وخاصة (الرعاية لحقوق الله) كثيرا في (الإحياء)، انظر :أبو نعيم، حلية الأولياء، ط1، القاهرة : مطبعة السعادة، ج10، ص74.

([29])   هو أبو القاسم الجنيد بن محمد (ت298هـ) أصله من نهاوند، لقبه المتأخرون [سيد الطائفة]، و[شيخ المشايخ]، و [طاووس الفقراء]، انظر: أبو نعيم ،حلية الأولياء، ج10، ص255  .

([30])     هو أبو بكر الشبلي (ت334هـ) صحب الجنيد، وكان شيخ وقته علما وحالا وظرفا، وكان شديد التعظيم للشريعة، انظر :أبو نعيم ،حلية الأولياء، ج10 ،ص366.

([31])     هو طيفور بن عيسى (ت261هـ) من كبار الصوفية أصحاب الأحوال ،انظر أبو نعيم، حلية الأولياء، ج10 ص33.

([32])   الغزالي، المنقذ من الضلال، ص123  .

([33])     المرجع السابق، ص124.

([34])     الغزالي، المنقذ من الضلال ،ص124.

([35])     المرجع السابق، ص124.

([36])     الزبيدي، إتحاف السادة المتقين شرح أسرار علوم الدين، دط، دت، 1/8.

([37])     وول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود، القاهرة، 1950، مج4، 2/363.

([38])     هو مرض وراثي من أعراضه هبوط في القوى الجسمانية والعقلية، ينتج اضطرابا نفسيا (انظر: د. عمر فروخ، رجوع الغزالي إلى اليقين [ضمن كتاب: مهرجان الغزالي، إشراف المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، القاهرة، مطابع كونستا توماس وشركاه]، ص307)..

([39])   د.صلاح الدين عبد اللطيف الناهي، الحوائد من آراء حجة الإسلام الغزالي. ط1، بيروت: دار الجيل، دار عمار 1407ه، 1987م، ص45.

([40])   الغزالي، المنقذ من الضلال، ص126  .

([41])    المرجع السابق، ص126.

([42])   السبكي، الطبقات الكبرى، ج4، ص104  .

([43])    الغزالي، المنقذ من الضلال، ص126.

([44])   السبكي الطبقات الكبرى، ج4، ص108  .

([45])     هو أبو علي الفارمذي الطوسي، من أعيان تلامذة أبي القاسم القشيري، توفي بطوس سنة 497ه، انظر: الزبيدي، إتحاف السادة المتقين، ج1، ص19.

([46])     السبكي، الطبقات الكبرى ،ج4 ،ص108.

([47])   الزبيدي، إتحاف السادة المتقين، ج1، ص19  .

([48])    الغزالي، المنقذ من الضلال، ص126 .

([49])     هو يوسف بن تاشفين المصالي المتوفي [410 ـ 500ه] أكبر سلاطين المرابطين، أسس مدينة مراكش، أول من تلقب بأمير المسلمين، صاحب وقعة الزلاقة المشهورة، انظر:الزركلي الأعلام، ج8، ص222.

([50])     ابن كثير، البداية والنهاية ،ج12 ،ص142.

([51])     الغزالي، المنقذ من الضلال، ص126.

([52])    هو العلامة الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله الأشبلي، من كبار علماء المالكية، توفي سنة 543ه، انظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج4، ص 1294 .

([53])     نقلا عن: عمار طالبي، آراء بن بكر العربي الكلامة، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ج1، ص53.

([54])    ابن العربي، العواصم من القواصم، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، ص30 .

([55])     ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب في اخبار من ذهب، القاهرة: مكتبة القدسي،1350ه، ج4، ص13.

([56])     ابن العربي، العواصم من القواصم، ص30.

([57])     الغزالي، المنقذ من الضلال، ص138.

([58])  المرجع السابق، ص139.

   ([59])  المرجع السابق، ص139.

   ([60])  المرجع السابق، ص139.

([61])     السبكي، الطبقات الكبرى، ج4، ص109.

([62])   الغزالي، المنقذ من الضلال، ص140  .

([63])     ابن كثير، البداية والنهاية، ج12، ص663.

([64])    الغزالي، المنقذ من الضلال، ص140 .

([65])     ابن كثير، البداية و النهاية، ج12، ص663.

([66])   ابن خلكان ، وفيات الأعيان، ج4، ص219  .

([67])     المرجع السابق، ج4، ص219.

([68])     السبكي، الطبقات الكبرى، ج4، ص105.

([69])     ابن كثير، البداية و النهاية، ج12،ص663.

([70])     السبكي، الطبقات الكبرى، ج4، ص105.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *