الفصل الأول: التفريق بسبب الضرر الجبلي

الفصل الأول

التفريق بسبب الضرر الجبلي

أولا ـ العيوب التي تثبت الخيار للزوجين

اختلفت تعابير الفقهاء في تعريف العيب بحسب مواضع العيب، فالعيب المؤثر في البيع الذي يثبت بسببه الخيار هو ما نقصت به الملكية أو الرغبة أو الغبن، والعيب في الكفارة ما أضر بالعمل ضررا بينا، والعيب في الأضحية هو ما نقص به اللحم، والعيب في النكاح ما ينفر عن الوطء ويكسر ثورة التواق، والعيب في الإجارة ما يؤثر في المنفعة تأثيرا يظهر به تفاوت الأجرة([1]).

1 ـ العيوب المعتبرة في الفسخ:

اختلف الفقهاء في العيوب التي تثبت الخيار للزوجين على قولين:

القول الأول: أنه ليس في النكاح عيوب توجب الحق في طلب الفسخ، لا بشرط ولا بغير شرط مطلقاً إلا في ثلاثة أمور هي: كون الرجل عنيناً أو مجنوناً أو خصياً أما ما عدا ذلك فلا يترتب عليه فسخ النكاح، ولو اشتد، أما المرأة، فخلوها عن العيب ليس بشرط للزوم النكاح، فلا يفسخ النكاح بشيء من العيوب الموجودة فيها، وهو قول النخعي، والثوري، والحنفية([2])، وقد روي عن علي:(لا ترد الحرة بعيب)، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن علاقة الزوجية لها قدسية لا تقل عن قدسية القرابة، فإذا ارتبط اثنان برابطة الزوجية، وجب على كل منهما أن يحتمل ما ينزل بصاحبه من بلواء، فلا يصح أن ينفصل منه لمصيبة حلت به، بل يجب عليه مواساته بقدر ما يستطع فكما أن الإنسان لا يمكنه أن يقطع لحمة القرابة عندما يصاب أخوه أو قريبه بداء، فكذلك لا يصح له أن يقطع علاقة الزوجية لذلك.

2 ـ أن الجب والعنة والخصاء تتنافى معها الزوجية، لأن المجبوب، والعين والخصي كالمرأة – والمرأة لا تتزوج المرأة – لولا ذلك لما جاز طلب فسخ عقد الزواج بحال.

3 ـ أن النكاح لا يفسخ بسائر العيوب، فلا يفسخ بهذه العيوب أيضا.

4 ـ أن العيب لا يفوت ما هو حكم هذا العقد من جانب المرأة، وهو الازدواج الحكمي، وملك الاستمتاع، وإنما يختل، ويفوت به بعض ثمرات العقد، وفوات جميع ثمرات هذا العقد لا يوجب حق الفسخ بأن مات أحد الزوجين عقيب العقد حتى يجب عليه كمال المهر، ففوات بعضها أولى.

5 ـ أن الحكم الأصلي للنكاح هو الازدواج الحكمي، وملك الاستمتاع شرع مؤكدا له، والمهر يقابل إحداث هذا الملك، وبالفسخ لا يظهر أن إحداث الملك لم يكن، فلا يرتفع ما يقابل، وهو المهر، فلا يجوز الفسخ.

6 ـ أن هذه العيوب لا تمنع من الاستمتاع أما الجنون، والجذام، والبرص، فلا يشكل، وكذلك الرتق والقرن؛ لأن اللحم يقطع والقرن يكسر، فيمكن الاستمتاع.

7 ـ أن الحديث الذي استدل به أصحاب القول الثاني نقول بموجبه فإنه يجب الاجتناب عنه، والفرار يمكن بالطلاق لا بالفسخ، وليس فيه تعيين طريق الاجتناب والفرار.

القول الثاني: وهو اعتبار غيرها من العيوب، وهو قول الجمهور، وقد روي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس. وبه قال جابر بن زيد، والشافعي، وإسحاق وأحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)([3])، والفسخ طريق الفرار، ولو لزم النكاح لما أمر بالفرار.

2 ـ أن مصالح النكاح لا تقوم مع هذه العيوب أو تختل بها ؛ لأن بعضها مما ينفر عنها الطباع السليمة، وهو الجذام والجنون والبرص، فلا تحصل الموافقة فلا تقوم المصالح أو تختل وبعضها مما يمنع من الوطء وهو الرتق والقرن، وعامة مصالح النكاح يقف حصولها على الوطء، فإن العفة عن الزنا والسكن والولد لا يحصل إلا بالوطء.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو عدم اعتبار التحديد الذي ذكره الحنفية أو الذي ذكره الجمهور من اقتصارهم على عيوب معينة، وإغفال ما هو أخطر منها، كالأمراض المعدية مثلا، لأن من تزوجت بمريض بهذا المرض ونحوه تؤدي بنفسها إلى حصول العدوى لا محالة، أما الأمراض غير المعدية والتي تقتصر خطورتها علىعدم حصول الرضى الجنسي بين الزوجين، فهو يرجع إلى مدى تقبلها لذلك، كما ذكرنا سابقا.

قال ابن القيم: (وأما الإقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها، أو مساو فلا وجه له، فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين أو الرجلين أو إحداهما كون الرجل كذلك من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، والإطلاق ينصرف إلى السلامة، فهو كالمشروط عرفا، وقد قال أمير المؤمنين عمر الله عنه لمن تزوج امرأة وهو لا يولد له: أخبرها أنك عقيم،وخيرها) ([4])

ثم أعطى قاعدة ذلك بقوله: (والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح، يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغرورا قط ولا مغبونا بما غر به وغبن، ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من الرحمة لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة)

وبهذا كان يقضي السلف، فعن ابن سيرين، أنه خاصم رجل إلى شريح فقال: إن هؤلاء قالوا لي إنا نزوجك بأحسن النساء، فجاءوني بامرأة عمشاء، فقال شريح:(إن كان دلس لك بعيب لم يجز)، قال ابن القيم معلقا على هذا القول:(فتأمل هذا القضاء إن كان دلس لك بعيب كيف يقتضي أن كل عيب دلست به المرأة فللزوج الرد به، وما قال يرد النكاح من كل داء عضال)

وليس هذا القضاء خاصا بشريح، بل (ومن تأمل فتاوي الصحابة والسلف علم أنهم لم يخصوا الرد بعيب دون عيب)

أما العيوب غير المنفرة أو المعدية، والتي لا يحصل بها ضرر للزوجة، فإنها غير معتبرة في الكفاءة إلا إذا تم الاتفاق على اشتراط السلامة منها، أو دل العرف على اشتراطها، قال ابن القيم:(إذا اشترط السلامة أو شرط الجمال فبانت شوهاء أو شرطها حديثة السن فبانت عجوزا شمطاء أو بيضاء فبانت سوداء أو بكرا فبانت ثيبا فله الفسخ في ذلك كله، فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها، وإن كان بعده فلها المهر، وهو غرم على وليها إن غره، وإن كانت هي الغارة سقط مهرها أو رجع عليها به إن كانت قبضته) ([5])

هذا بالنسبة للزوج، أما الزوجة، فهي أولى لأنه إذا جاز له الفسخ مع تمكنه من الفراق فلأن يجوز لها الفسخ مع عدم تمكنها أولى، وإذا جاز لها الفسخ إذا ظهر للزوج صناعة دنيئة لا تشينه ولا في عرضه وإنما تمنع كمال لذتها واستمتاعها به، فإنها إذا شرطته شابا جميلا صحيحا فبان شيخا مشوها أعمى أطرش أخرس أسود، فكيف تلزم به وتمنع الفسخ، (هذا في غاية الامتناع والتناقض والبعد عن القياس وقواعد الشرع، وكيف يمكن أحد الزوجين من الفسخ بقدر العدسة من البرص، ولا يمكن منه بالجرب المتمكن وهو أشد إعداء من ذلك البرص اليسير، وكذلك غيره من أنواع الداء، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرم على البائع كتمان عيب سلعته، وحرم على من علمه أن يكتمه فكيف بالعيوب في النكاح، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة بنت قيس حين استشارته في معاوية أو أبي الجهم:(أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) فعلم أن بيان في النكاح أولى وأوجب، فكيف يكون كتمانه وتدليسه والغش الحرام به سببا للزومه)([6])

وقد قسم الجمهور العيوب التي تجوز للزوجين الخيار إلى ثلاثة أقسام هي:

أ ـ العيوب المشتركة بين الزوجين

أي([7]) أنها قد توجب في الرجل، وقد توجد في المرأة، وقد توجد فيهما معا، فمتى أصاب أحدهما بالآخر عيبا، وبه عيب من غير جنسه، كالأبرص يجد المرأة مجنونة أو مجذومة كان للآخر أن يطلب مفارقته بفسخ النكاح، ولو كان معيباً مثله، لأن الإنسان يكره من غيره ما لا يكره من نفسه.

أما إذا وجد المجبوب المرأة رتقاء، فلا يثبت لهما خيار ؛ لأن عيبه ليس هو المانع لصاحبه من الاستمتاع، وإنما امتنع لعيب نفسه، أما إن وجد أحدهما بصاحبه عيبا به مثله، ففيه قولان كلاهما وجهان عند الحنابلة([8]):

القول الأول: لا خيار لهما ؛ لأنهما متساويان، ولا مزية لأحدهما على صاحبه، فأشبها الصحيحين.

القول الثاني: له الخيار ؛ لوجود سببه، فأشبه ما لو غر عبد بأمة.

الترجيح: نرى أن الأرجح في المسألة هو ثبوت الخيار لهما، لوجود الغرر من كليهما، فلذلك لكل منهما الحق في فسخ هذا الزواج المبني على التدليس.

وقد ذكر الجمهور هذه العيوب، وهي:

الجنون:

وهو يثبت الخيار في قول الجمهور، سواء كان مطبقا أو كان يجن في الأحيان ؛ لأن النفس لا تسكن إلى من هذه حاله، إلا أن يكون مريضا يغمى عليه، ثم يزول، فذلك مرض لا يثبت به خيار. فإن زال المرض، ودام به الإغماء، فهو كالجنون، وقد ذكر المالكية للجنون حالتين هما:

الحالة الأولى: أن يحدث قبل العقد، وحكمه في هذه الصورة أنه إن لم يعلم به الزوج أو العكس، فلكل من الزوجين أن يرد به الآخر قبل الدخول وبعده، بشرط أن يقع من صاحبه ضرر كضرب أو إفساد مال، أما إذا كان يتخبط ويفيق، كالمصروع، فإنه لا يرد به.

الحالة الثانية: أن يحدث بعد العقد وقبل الدخول، وللمالكية في هذه الحالة أربعة آراء هي:

الرأي الأول: لا يثبت الخيار للزوج، سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده، وهذا هو المعتمد، لأن المرأة مستضعفة بطبيعها، وهي رهينة المنزل، يمكن اتقاء الضرر الذي يترتب على جنونها، ويمكن الاستمتاع بها وهي على هذه الحالة بخلاف الزوج، كما أن الزوج بيده عقد النكاح فيمكنه أن يطلق عند عدم تمكنه من دفع ضررها.

الرأي الثاني: أنه لا فرق في ذلك بين الزوج والزوجة، فالجنون العارض بعد العقد يجعل الخيار لكل من الزوجين قبل الدخول وبعده.

قال الباجي:(فإذا قلنا: يفرق بينهما في الجنون ضرب له أجل سنة يتعالج فيها، وقد قال مالك: يحبس في حديد أو غيره إن خيف عليها منه، وهذا في الذي يخاف عليها منه وهي مع ذلك لا تستوحش من مجالسته ويخاف عليها من ذلك أذى، فإن عندي أنه يفرق بينهما، فإن برئ المجنون في السنة قال مالك، فإن برئ وإلا فهي بالخيار) ([9])

الرأي الثالث: إن حدث قبل الدخول كان للمرأة الرد دون الرجل، وإن حصل بعد الدخول ليس لها الرد كالرجل، وأشار ابن حبيب إلى التفرقة بين الجنون الموجود حين العقد، والحادث بعده فقال فيمن زوج ابنه صغيرا فلما بلغ ظهر أنه أحمق مطبق فأرادت هي أو ولي الصغيرة الفسخ وقالت: كان الجنون به قديما وبالبلوغ ظهر فهذا لا يعرف، وهو على أنه حادث

الرأي الرابع: لا يرد بالجنون الحاصل بعد العقد مطلقاً سواء عرض للرجل أو للمرأة، وقد روى عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب في المجنون سواء كان جنون إفاقة أو مطبق إن كان يؤذيها ويخاف عليها منه حيل بينهما وأجل سنة ينفق عليها من ماله، فإن برئ وإلا فهي بالخيار، وإن كان يعفيها من نفسه ولا تخاف منه في خلوته بها فلا حجة لها وقال نحوه أشهب ووجه ذلك أن هذا ليس بمعنى مؤثر في الاستمتاع، فإذا أعفاها من نفسه ولم يخف منه عليها فلا خيار لها.

الجذام:

وييثبت به([10]) الخيار للزوجة، سواء وجد في الرجل قبل العقد أو بعده، سواء كان قليلاً أو كثيراً بشرط أن يكون محققاً، أما إذا كان مشكوكاً في أنه جذام، أو لا، فإنه لا يرد به اتفاقاً أما الرجل فله حق الفسخ إن كان موجوداً في المرأة قبل العقد أو عند العقد، سواء كان قليلاً أو كثيراً، ولا حق له في الفسخ بالجذام الحادث بعد العقد مطلقاً، كما لا حق لأحدهما في الفسخ بالجذام القائم بأصولهما كالأب، والجد والأم خوفاً من وصول الداء بطريق الوراثة لأن ذلك غير مستيقن، فلا عبرة به.

وقد اختلف الفقهاء في مقدار الجذام الذي يوجب لها الخيار على قولين كلاهما للمالكية([11]):

القول الأول: ليس له حد إلا أن يكون بشعا حسا لا يحتمل النظر إليه وتغض الأبصار دونه فلها الخيار، وهو قول أشهب، لأنه لا يمنع نفس الاستمتاع، وإنما يلزمه، فإذا لم يكن فيه أذى ولا مضرة من قبحه فلا خيار لها.

القول الثاني: أنه إذا كان بالرجل جذام لا شك فيه، وإن لم يكن مؤذيا ولا فاحشا فليفرق بينهن إن طلبت ذلك ؛ لأنه لا تؤمن زيادته. وأما الخفي الذي يشك فيه ولا يعرف أنه جذام فلا يفرق بينهما، وهو قول ابن وهب ؛ لأن النفوس مجبولة على كراهته، والنفار ممن هو به، وذلك يمنع النشاط إلى الاستمتاع، والانبساط إليه فاقتضى ذلك منع الاستمتاع كما لو كان الجذام بالمرأة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اعتبار الأذى وعدم إمكان الشفاء والأمن من العدوى في الجذام وغيره، فإذا تحققت هذه الاعتبارات الثلاثة، بأن كان غير مؤذ لقلته أو لخفائه، وكان في نفس الوقت محتمل الشفاء، أو على الأقل أمن عدم الانتشار، وأمن أن تحصل به العدوى لم يستحق أحد الزوجين الفسخ، بخلاف غياب أحد هذه الاعتبارات.

طلب التفريق بعد الرضى:

اختلف الفقهاء فيما لو اختارت المقام معه، ثم قامت بعد سنين بطلب التفريق بينها وبينه بسبب جذامه على قولـين([12]):

القول الأول: أنه يصح طلبها التفريق، وهو قول أشهب، لأن هذا أمر يشتد ضرره ويتزايد أمره ولا يكاد يثبت على حالة واحدة.

القول الثاني: أن الإمام إذا خير زوجة الأجذم فاختارت المقام ثم قامت بعد سنين لا حجة لها إذا كان رضاها عند السلطان أو غيره إذا أشهدت إلا أن يتزايد أمره، وهو قول ابن القاسم، لأنها إذا رضيت المقام معه عند السلطان لزمها، لأن السلطان قد حكم بإسقاط خيارها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أنه ليس لها الفسخ بعد الرضى التام كما نص عليه أصحاب القول الثاني إلا إذا تزايد الداء، أو خافت من العدوى، فلها الخيار في ذلك، ولو كان بعد الرضى، لأن في رضاها ثم نفورها بعد مدة أذى للزوج، وقد يسبب ذلك ضررا له، فلذلك لم يكن لها الحق في التفريق بالفسخ، وإن أرادت مفارقة زوجها كان لها الحق في الخلع الذي يعوض بعض أضرار الزوج من فراقها.

البرص:

ولحكمه حالتان([13]):

الحالة الأولى: إن يكون قبل العقد:ويفرق في هذه الحالة بين كون البرص([14]) كثيراً، فيجعل لكل من الزوجين الخيار في الفسخ، أما إذا كان يسيراً فترد به المرأة باتفاق، وفي رد الرجل باليسير من البرص رأيان:

الرأي الأول: وهو الرد من قليله وكثيره، ففي العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك: أترد المرأة من قليل البرص؟، فقال: ما سمعت إلا ما في الحديث، وما فرق بين قليل ولا كثير.

الرأي الثاني: ترد من قليله ولو أحيط علما فيما خف منه أنه لا يزيد لم ترد منه، ولكن لا يعلم ذلك فترد من قليله، وهو قول ابن القاسم ودليله أن يسيره لا يؤثر في الاستمتاع، ولكنه لا يكاد يتوقف قبل المعتاد منه التزايد فكان ذلك لتيقنه بمنزلة الموجود منه. ([15])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو الرد من قليله وكثيره قبل العقد حتى لا يتم البناء إلا على توافق تام بين الزوجين، ومثله في كل مرض يمكن تطوره، فالأفضل قبل البناء التروي حتى لا يحصل التفريق بعد البناء، تطبيقا لقواعد إزالة الضرر.

الحالة الثانية: أن يحدث بعد العقد: ويفرق في هذه الحالة كذلك بين كونه يسيراً، فلا رد به لأحدهما، سواء وجد في الزوج أو الزوجة، أما إن كان كثيراً وكان في الرجل كان للمرأة الحق في الفسخ، وإن كان في المرأة فليس للرجل حق الفسخ، وذلك لأن الرجل بيده الطلاق، فإن تضرر منها فارقها بالطلاق، والفرق بين حدوثه بعد العقد وقبله ظاهر، لأن المفروض قبل العقد أن تكون المرأة سليمة من العيوب المنفرة، أما بعد العقد فالبرص مصيبة من المصائب التي تعرض لأحد الزوجين، ولما كانت الزوجة لا تملك الفراق جعل لها الخيار بخلاف الرجل الذي يملكه.

العذيطة:

وهي([16]) عيب يرد به الزوجان إذا كان قديماً موجوداً في أحدهما قبل العقد، أما إذا حدث بعد العقد أو شك في حدثه بعد العقد، فإنه لا يثبت لأحدهما به الخيار،وبعضهم يقول، إن العذيطة إذا حدثت على الرجل بعد العقد كان للمرأة حق الفسخ بها، بخلاف ما إذا حدثت على المرأة فإنها لا تجعل للرجل الحق في الفسخ، كالجذام، لأن الرجل بيده الطلاق دونها.

أما البول على الفراش أو عند الجماع أو بالريح، فهذه لا فسخ فيها عند الجمهور، وقال أبو بكر وأبو حفص: إذا كان أحدهما لا يستمسك بوله فللآخر الخيار، قال أبو الخطاب: ويتخرج على ذلك من به الباسور، والناصور، والقروح السيالة في الفرج، لأنها تثير نفرة، وتتعدى نجاستها، وتسمى من لا تحبس نجوها الشريم، ومن لا تحبس بولها المشولة، ومثلها من الرجال الأفين. ([17])

 كون أحد الزوجين خنثى:

وقد ذكر الحنابلة فيه وجهان ؛ أحدهما، يثبت الخيار ؛ لأن فيه نفرة ونقصا وعارا، وهو الأرجح لما سبق بيانه.

ب ـ العيوب الخاصة بالرجل

وهي أربعة عيوب هي: الجب، والعنة، والخصاء، والاعتراض، وهذا تعريفها عندهم:

المجبوب: وهو أن يكون جميع ذكره مقطوعا، أو لم يبق منه إلا ما لا يمكن الجماع به، فإن بقي منه ما يمكن الجماع به، ويغيب منه في الفرج قدر الحشفة، فلا خيار لها ؛ لأن الوطء يمكن، وإن اختلفا في ذلك، فالقول قول المرأة([18]) ؛ لأنه يضعف بالقطع، والأصل عدم الوطء.

العنين: هو من له ذكر صغير لا يتأتى به الجماع، ومثله الذي له آلة ضخمة لا يتأتى بها الجماع، فكلاهما عيب يجعل للمرأة حق فسخ، وقد سبق الحديث عن أحكام العنين.

الخصي: هو مقطوع الأنثيين دون الذكر، ولو انتصب ذكره، ولكنه لا يمني كان معيباً، أما إذا أمنى فلا رد بالخصاء، والرد به هو مذهب المالكية وأحد قولي الشافعي وقول عند الحنابلة لأن فيه نقصا وعارا، ويمنع الوطء أو يضعفه. وقد روى أبو عبيد، بإسناده عن سليمان بن يسار، أن ابن سندر تزوج امرأة وهو خصي، فقال له عمر: أعلمتها؟ قال: لا. قال: أعلمها، ثم خيرها.

المعترض: وهو الذي لا يتنصب ذكره لمرض ونحوه.

ج ـ العيوب الخاصة بالمرأة

وقد اختلف الفقهاء([19]) في تعدادها وأوصافها بناء على ندرتها من جهة، وعلى اختلافهم في تفسيرها من جهة أخرى([20])، وقد ذكر المالكية([21]) خمسة عيوب للمرأة عرفوها كما يلي:

الرتق: وهو انسداد مدخل الذكر من الفرج فلا يمكن من الجماع، سواء كان الانسداد غدة لحم أو بعظم.

القرن: وهو شيء يبرز في الفرج كقرن الشاة.

العفل: وهو لحم يبرز في القبل، ولا يخلو عن رشح يشبه الأدرة للرجل.

الإفضاء: وهو أن يختلط مسلك الذكر بمسلك البول أو الغائط ويقال للمرأة حينئذ: مشروم، أو شريم.

البخر: وهو نتن الفرج بخلاف نتن البدن فلا رد به.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن العيوب التناسلية لا يمكن حصرها في هذه الخمس، ولم يقصد الفقهاء المتقدمون ذلك، وإنما قصدوا التمثيل لها، وقد روى ابن المواز عن مالك: أن كل ما يكون عند أهل المعرفة من داء الفرج فإن للزوج الرد به وإن لم يمنع الوطء([22]).

2 ـ العيوب غير المعتبرة

اتفق الفقهاء على أن سائر العيوب غير ما ذكر سابقا كالقرع([23])، والعمى، والعرج، وقطع اليدين والرجلين أو أن تكون المرأة سوداء([24])،لا علاقة لها بالكفاءة، ولا يثبت بها الخيار([25])، إلا أن يشترط الصحة كالعمى والعور والعرج ونحو ذلك من العاهات فإن اشترط الصحة فله الرد وإلا لم ترد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنها لا تمنع من الاستمتاع المعقود عليه، ولا يخشى تعديه، فلم يفسخ به النكاح، كالعمى والعرج.

2 ـ أن الفسخ إنما يثبت بنص أو إجماع أو قياس، ولا نص في غير هذه ولا إجماع، ولا يصح قياسها على هذه العيوب ؛ لما بينهما من الفرق.

الترجيح:

نرى أن يضاف لهذه العيوب في عصرنا الأمراض الخطيرة المعدية كالسيدا، ونحوها مما تؤثر بالعدوى للمرأة أو للرجل أو لنسلهما، وقد سبق ذكر ذلك في محله.

3 ـ شروط التفريق بالعيب

من الشروط التي ذكرها الفقهاء للتفريق بالعيب مع اختلاف بينهم في تفاصيلها:

عدم العلم به وقت العقد:

اتفق الفقهاء([26]) على أن من شرط ثبوت الخيار بهذه العيوب، أن لا يكون عالما بها وقت العقد، ولا رضى بها بعده، قال ابن قدامة:(لا نعلم فيه خلافا) ([27])

وقد روي أن عمر رفع إليه خصي تزوج امرأة ولم يعلمها ففرق بينهما([28])، وفي المدونة:(أرأيت المجبوب والخصي هل يحصنان المرأة؟ قال: نعم في رأيي ؛ لأن المرأة إذا رضيت بأن تتزوج مجبوبا أو خصيا قائم الذكر فهو وطء يجب فيه الصداق، ويجب بوطء المجبوب والخصي الحد، فإذا كان هكذا فجماعه في النكاح إحصان وهو نكاح صحيح إلا أن لها أن تختار إن لم تعلم، وإن علمت فرضيت فوطئها بعد علمها فهو نكاح) ([29])

ونصوا على أن مثل ذلك ما لو ظن العيب يسيرا فبان كثيرا، كمن ظن أن البرص في قليل من جسده، فبان في كثير منه، ومثله ما لو رضي بعيب، فزاد بعد العقد، مثل أن يكون به قليل من البرص، فينبسط في جلده، فلا خيار له في كل ذلك بخلاف مالو رضي بعيب، فبان به غيره، فإن له الخيار، ومن الأدلة على هذه التفاصيل المختلفة القياس على الرضى في عيوب البيع، فإنه إذا رضي به، أشبه مشتري المعيب مع العلم به، فإنه ليس الخيار في كل الحالات المذكورة ما عدا لو وجد عيبا لم يعلم به.

ونرى أن الأرجح في هذا أن يوصف العيب وصفا دقيقا قبل العقد، فإذا تبين أنه أكثر مما وصف جاز الخيار وحل الفسخ، لأن العيب يعظم بوصفه وقدره ونوعه، فالأمراض التي يتم على أساسها الفسخ متنوعة متعددة متفاوتة، فقد ترضىالمرأة بمرض دون مرض، فإطلاق القول في ذلك لا يصح، ولهذا نرى أن يقبل قول كل واحد من الزوجين إذا ادعى عدم العلم الدقيق بتفاصيل المرض.

وقد ذكرنا في الفصول الماضية عدم صحة قياس أي أمر في الزواج على البيع ونحوه لعدم المناسبة بينهما، ولو فرضنا صحة القياس، فإن العيب في البيع إذا لم يوصف وصفا دقيقا كان غررا استحق به المشتري الخيار، وأمر الزواج أولى من ذلك.

الفورية:

اختلف الفقهاء في اعتبار هذا الشرط على قولين([30]):

القول الأول: أن خيار العيب ثابت على التراخي، لا يسقط، ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى به، من القول، أو الاستمتاع من الزوج، أو التمكين من المرأة، وهو قول للحنابلة، وقول الحنفية، فقد نصوا على أن ما يبطل به الخيار نوعان: نص، ودلالة:

النص: هو التصريح بإسقاط الخيار، وما يجري مجراه نحو أن تقول أسقطت الخيار أو رضيت بالنكاح أو اخترت الزوج ونحو ذلك سواء كان ذلك بعد تخيير القاضي أو قبله.

الدلالة: هي أن تفعل ما يدل على الرضا بالمقام مع الزوج بأن خيرها القاضي. فأقامت مع الزوج مطاوعة له في المضجع، وغير ذلك ؛ لأن ذلك دليل الرضا بالنكاح، والمقام مع الزوج، ولو فعلت ذلك بعد مضي الأجل قبل تخيير القاضي لم يكن ذلك رضا ؛ لأن إقامتها معه بعد المدة قد تكون لاختياره، وقد تكون للاختيار بحاله، فلا تكون دليل الرضا مع الاحتمال. وهل يبطل خيارها بالقيام عن المجلس([31]).

واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنه خيار لدفع ضرر متحقق، فكان على التراخي، كخيار القصاص، وخيار العيب في المبيع يمنعه.

2 ـ عدم صحة القياس على الخيار في البيع، لأن ضرره في المبيع غير متحقق ؛ لأنه قد يكون المقصود ماليته أو خدمته، ويحصل ذلك مع عيبه بخلاف المقصود من الزواج الذي هو الاستمتاع، فإنه يفوت ذلك بعيبه.

القول الثاني: أن خيار العيب ثابت على الفور، فمتى أخر الفسخ مع العلم والإمكان، بطل خياره، ولزم العقد، وهو قول الشافعي وقول للحنابلة، وهو قول الإمامية، واستدلوا على ذلك بأنه خيار الرد بالعيب، فكان على الفور، كالذي في البيع.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن الخيار يختلف باختلاف العيوب شدة ونوعا، وباختلاف المخير زوجا أو امرأة، وباختلاف الظروف الداعية إلى تأجيل التصريح بطلب التفريق، ومن الخطأ التنصيص على قول واحد مع اختلاف الاعتبارات.

ولكن مع ذلك فإن لما شرطه أصحاب القول الأول من ظهور ما يدل على الموافقة سواء بالتنصيص أو بدلالة الحال اعتبارا وقوة، لأن الظروف التي ترتبط بالبناء قد تحول بين الزوجين وإبداء رأيهما بصراحة، فلذلك كان الأرجح هو أن تترك لهما فرصة التثبت والتحقق إلى أن يقررا القرار النهائي في المسألة من القبول أو الرفض.

أن يتم ذلك على يد القاضي:

اتفق الفقهاء على اعتبار هذا الشرط، فيحتاج الفسخ إلى حكم القاضي، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ أن هذه الفرقة فرقة بطلان، والمرأة لا تملك الطلاق، وإنما يملكه الزوج إلا أن القاضي يقوم مقام الزوج.

2 ـ أن هذه الفرقة يختص بسببها القاضي، لما قد يكون فيها من التأجيل ؛ لأنه لا يكون إلا من القاضي، فكذا الفرقة المتعلقة به كفرقة اللعان.

وذكر الكاساني أنه تقع الفرقة بنفس الاختيار في ظاهر الرواية، ولا يحتاج إلى القضاء كخيار المعتقة، ووجه الكاساني هذه الرواية بأن تخيير المرأة من القاضي تفويض الطلاق إليها، فكان اختيارها الفرقة تفريقا من القاضي من حيث المعنى لا منها، والقاضي يملك ذلك لقيامه مقام الزوج([32]).

حصول العيب قبل العقد:

اختلف الفقهاء في اعتبار هذا الشرط، وفي حكم ما لو حدث العيب بأحدهما بعد العقد على قولين:

القول الأول: يثبت لهما الخيار، وهو قول الحنابلة، وقول للشافعية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنه عيب لنكاح يثبت الخيار مقارنا، فأثبته طارئا، كالإعسار وكالرق، فإنه يثبت الخيار إذا قارن، مثل أن تغر الأمة من عبد، ويثبته إذا طرأت الحرية، مثل إن عتقت الأمة تحت العبد.

2 ـ أنه عقد على منفعة، فحدوث العيب بها يثبت الخيار، كالإجارة.

3 ـ أنهما تساويا فيما إذا كان العيب سابقا، فتساويا فيه لاحقا، كالمتبايعين.

4 ـ أن ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني ينتقض بالعيب الحادث في الإجارة.

القول الثاني: لا يثبت الخيار، وهو قول مالك،وأبي بكر وابن حامد، وهو قول الإمامية، فقد نصوا على أن (العيوب الحادثة للمرأة قبل العقد مبيحة للفسخ، وما يتجدد بعد العقد والوطء لا يفسخ به، وفي المتجدد بعد العقد وقبل الدخول، تردد، أظهره أنه لا يبيح الفسخ) ([33])، وهو قول الظاهرية، قال ابن حزم:(لا يفسخ النكاح بعد صحته بجذام حادث، ولا ببرص كذلك، ولا بجنون كذلك، ولا بأن يجد بها شيئا من هذه العيوب، ولا بأن تجده هي كذلك. ولا بعنانة، ولا بداء فرج، ولا بشيء من العيوب) ([34])

ومن الأدلة على ذلك أنه عيب حدث بالمعقود عليه بعد لزوم العقد، فأشبه الحادث بالمبيع.

القول الثالث: إن حدث بالزوج، أثبت الخيار، وإن حدث بالمرأة لا يثبته، وهو قول للشافعية، وقول للمالكية، لأن الرجل يمكنه طلاقها، بخلاف المرأة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثالث، لأن الرجل يمكنه التفريق بالطلاق بخلاف المرأة، قال الباجي:(فذهب القاضي أبو محمد إلى إثبات الخيار لها بهذه العيوب كلها كانت موجودة حين العقد أو ثبتت بعده، والفرق بين ما يحدث من ذلك بالزوجة وبين ما يحدث بالزوج أن الزوج يقدر على رفع العقد بالطلاق، والزوجة لا تقدر على ذلك فلو لم يثبت لها الخيار لأدى إلى استدامة الضرر وما قاله القاضي أبو محمد يقتضي أن حق المرأة في ثبوت الخيار لها بما حدث بالزوج من ذلك آكد من حق الزوج مما يثبت بالمرأة، وهو ظاهر)([35])

والمسألة مع ذلك تختلف عن العيوب الحادثة قبل العقد، لأنه في الذي كان موجودا به قبل العقد وسكت عن ذكره دل على قصده للخديعة، والإضرار بها، والذي حدث به بعد العقد غير قاصد إليه، فلذلك ترغب الزوجة في الصبر مع زوجها إلا إذا أحال عيبه العيش معه.

4 ـ الآثار المالية للفسخ بالعيب

ويختلف ذلك باختلاف الحالتين التاليتين:

الفسخ قبل الدخول:

وهو إما أن يكون طلاقا أو فسخا:

الطلاق: اتفق الفقهاء على أنه إذا طلقها قبل الدخول، ثم علم أنه كان بها عيب، فعليه نصف الصداق، ولا يرجع به ؛ لأنه رضي بالتزام نصف الصداق، فلم يرجع على أحد، ومثله ما لو ماتت أو مات قبل العلم بالعيب، فلها الصداق كاملا، ولا يرجع على أحد ؛ لأن سبب الرجوع الفسخ، ولم يوجد.

الفسخ: اتفق الفقهاء على أنه إذا حصل الفسخ قبل الدخول، فإنه لا مهر لها عليه، سواء كان العيب من الزوج أو المرأة، وذلك للأدلة التالية:

1 ـ أن الفسخ إن كان منها، فالفرقة من جهتها، فسقط مهرها، كما لو فسخته برضاع زوجة له أخرى، وإن كان منه، فإنما فسخ لعيب بها دلسته بالإخفاء، فصار الفسخ كأنه منها.

2 ـ أن العوض من الزوج في مقابلة منافعها، فإذا اختارت فسخ العقد مع سلامة ما عقدت عليه، رجع العوض إلى العاقد معها، وليس من جهتها عوض في مقابلة منافع الزوج، وإنما ثبت لها الخيار لأجل ضرر يلحقها، لا لتعذر ما استحقت عليه في مقابلته عوضا، فافترقا.

حصول الفسخ بعد الدخول:

اتفق الفقهاء على أنه إذا حصل الفسخ بعد الدخول فإن لها المهر ؛ لأن المهر يجب بالعقد، ويستقر بالدخول، فلا يسقط بحادث بعده، ولذلك لا يسقط بردتها، ولا بفسخ من جهتها، واختلفوا في نوع المهر الواجب على قولين:

القول الأول: يجب المهر المسمى، وهو رواية عند الحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنها فرقة بعد الدخول في نكاح صحيح فيه مسمى صحيح، فوجب المسمى، كغير المعيبة، وكالمعتقة تحت عبد.

2 ـ أن النكاح صحيح، لأنه وجد بشروطه وأركانه، فكان صحيحا، كما لو لم يفسخه.

3 ـ أنه لو لم يفسخه لكان صحيحا، فكذلك إذا فسخه، كنكاح الأمة إذا عتقت تحت عبد.

4 ـ أنه تترتب عليه أحكام الصحة من ثبوت الإحصان والإباحة للزوج الأول، وسائر أحكام الصحيح.

5 ـ أنه لو كان فاسدا لما جاز إبقاؤه وتعين فسخه.

6 ـ أن الفسخ يثبت حكمه من حينه، غير سابق عليه، وما وقع على صفة يستحيل أن يكون واقعا على غيرها.

القول الثاني: يجب مهر المثل، وهو قول الشافعية، ورواية عند الحنابلة، واستدلوا على ذلك بأن الفسخ استند إلى العقد، فصار كالعقد الفاسد.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن لها المهر المسمى، لأنه المهر الذي تراضيا عليه، أما مهر المثل فقد يكون أكثر من المسمى، فيتضرر الزوج، وقد يكون أقل منه فتتضرر الزوجة، وهذا المهر يثبت للزوجة من الزوج حال كون العيب منه، أما إن كان العيب منها وغرر به، فقد ذكرنا في الفصل المتعلق بالكفاءة أن الرجل الذي دخل على المرأة مغررا به لا يجب عليه من المهر إلا أدنى ما يطلق عليه، بما استحل منها، أما المهر الكامل الذي هو مهر مثلها، أو ما سمي لها فتستحقه من الذي غرر بها إن كانت جاهلة بوقوع هذا التغرير، أما إن كانت عالمة فلا تستحق من المهر إلا ما أعطاها زوجها، وهو أدنى ما يطلق عليه المهر على خلاف العلماء في ذلك.


([1]) انظر: المجموع: 11/301، المبسوط:18/133، فتح القدير:6/355.

([2]) وقال محمد: خلوه من كل عيب لا يمكنها المقام معه إلا بضرر كالجنون والجذام والبرص، شرط لزوم النكاح حتى يفسخ به النكاح، وخلوه عما سوى ذلك ليس بشرط، انظر: بدائع الصنائع:2/327..

([3]) البخاري: 5/2158، البيهقي: 7/135، ابن أبي شيبة: 5/142، أحمد: 2/443.

([4]) زاد المعاد:5/184.

([5]) زاد المعاد:5/185.

([6]) زاد المعاد:5/185.

([7]) دليل الطالب: 235، منار السبيل: 2/164، إعانة الطالبين: 3/334، الفواكه الدواني: 2/37، الشرح الكبير: 2/77، القوانين الفقهية: 142، حاشية العدوي: 2/101، جواهر العقود: 2/32.

([8]) كشاف القناع: 5/111.

([9]) المنتقى:4/122.

([10]) وهو علة يحمر منها العضو ثم يسود ثم يتقطع ويتناثر، ويحدث ذلك في كل عضو لكنه في الوجه أغلب، الإقناع للشربيني:4/320.

([11]) المنتقى:4/121.

([12]) المنتقى:4/121.

([13]) الوسيط: 5/159، حواشي الشرواني: 7/278، روضة الطالبين: 7/176، شرح فتح القدير: 4/304، التاج والإكليل: 3/484، الكافي: 259.

([14]) وهو بياض شديد يبقع الجلد ويذهب دمويته، الإقناع للشربيني:4/320.

([15]) المنتقى:3/279.

([16]) وهي بفتح العين وسكون الذال خروج الغائط عند المعاشرة الجنسية.

([17]) انظر: الشرح الكبير: 2/279، مواهب الجليل: 3/484.

([18]) قال قي المغني:ويحتمل أن القول قوله، كما لو ادعى الوطء في العنة، ولأن له ما يمكن الجماع بمثله، فأشبه من له ذكر قصير، المغني: 7/438.

([19]) الإقناع للشربيني: 2/420، مغني المحتاج: 3/224، البحر الرائق: 3/163، حاشية ابن عابدين: 3/114، شرح فتح القدير: 4/205، التاج والإكليل: 3/85، المطلع: 323، أنيس الفقهاء: 151.

([20]) معظم الفقهاء اكتفوا بذكر عيوب المرأة التناسلية، ما عدا فقهاء الإمامية، فقد ذكروا سبعة عيوب للمرأة هي: الجنون، والجذام، والبرص، والقرن، والإفضاء، والعرج والعمى، ونصوا على أن العرج فيه تردد، أظهره دخوله في أسباب الفسخ، إذا بلغ الإقعاد، قالوا: ولا ترد بعيب غير هذه السبعة، انظر:شرائع الإسلام:2/263.

([21]) اختلف المالكية كذلك في تعدادها،فقال ابن حبيب وتفسيره ما كان في الفرج مما يقطع لذة الوطء مثل العفل والقرن والرتق، وقال القاضي أبو محمد داء الفرج هو القرن والرتق وما في معناهما وزاد الشيخ أبو القاسم في تفريعه البخر والإفضاء، والأرجح في ذلك ما روى ابن المواز عن مالك أن كل ما يكون عند أهل المعرفة من داء الفرج، فإن للزوج الرد به وإن لم يمنع الوطء مثل العفل القليل والقرن وحرق النار، المنتقى:3/279.

([22]) المنتقى: 3/279.

([23]) أما القرع الفاحش فإن ابن حبيب من المالكية قال: له الرد به لأنه من معنى الجذام والبرص، قال الباجي:ولم أر ذلك لغيره من أصحابنا، والأظهر من المذهب أنه لا يرد به لأنه مما يرجى برؤه في الأغلب، ولا يمنع المقصود من الاستمتاع ولا يؤثر فيه كالجرب ونحوه، المنتقى: 3/279.

([24]) قال ابن حبيب في السوداء أن له الرد، وإن لم يشترطه إذا لم يكن في أهلها سواد،لأن ذلك كالشرط، ويجب على هذا أن يعلم الزوج بذلك، المنتقى: 3/279.

([25]) قال ابن قدامة:ولا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا، إلا أن الحسن قال: إذا وجد الآخر عقيما يخير. وأحب أحمد أن يتبين أمره، وقال: عسى امرأته تريد الولد وهذا في ابتداء النكاح، فأما الفسخ فلا يثبت به، ولو ثبت بذلك لثبت في الآيسة، ولأن ذلك لا يعلم، فإن رجالا لا يولد لأحدهم وهو شاب، ثم يولد له وهو شيخ، ولا يتحقق ذلك منهما. وأما سائر العيوب فلا يثبت بها فسخ عندهم. انظر: المغني:7/141.

([26]) الأم: 5/43، المنتقى: 3/278، بدائع الصنائع: 2/326، الفتاوى الكبرى:4/105.

([27]) المغني: 7/142.

([28]) ابن أبي شيبة:3/458.

([29]) المدونة:2/204.

([30]) انظر: المغني:7/143.

([31]) بدائع الصنائع:2/327.

([32]) بدائع الصنائع: 2/326.

([33]) شرائع الإسلام:2/264.

([34]) المحلى: 9/279.

([35]) المنتقى:4/122.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *