الفصل الأول: أحكام العقد وشروطه

الفصل الأول

أحكام العقد وشروطه

يحتوي هذا الفصل على ثلاثة مباحث هي:

  1. : ذكرنا فيه التصنيفات الفقهية المختلفة لأركان العقد وشروطه، واصطلاحات المذاهب في ذلك مما تمس إليه الحاجة في هذا الجزء أو في الأجزاء اللاحقة، وقد ذكرنا التصنيف الذي نعتمده في ذلك، والذي على أساسه ينبني حديثنا عن أركان العقد وشروطه.
  2. : باعتبارها الركن الأول والأساسي للعقد.
  3. ، وقد اقتصرنا هنا على أهم الشروط، وسنذكر الموانع المتعلقة بالمحل في فصل خاص في هذا الجزء.

أولا ـ مدخل إلى أحكام العقد

الغرض من هذا المبحث هو التعرف على المواقف المختلفة للمذاهب الفقهية من عقد الزواج، والتعرف على الاصطلاحات المستعملة في ذلك لتفادي الأخطاء التي تقع عند بيان خلافات العلماء، والناتجة من عدم التعرف على اصطلاحات المذاهب المختلفة، ولذلك كان هذا مبحثا تمهيديا لتسهيل الوصول إلى تفاصيل الخلافات وأدلتها في المباحث أو الفصول القادمة.

1 ـ تعريف العقد

لغة([1]): نقيض الحل عقده يعقده عقدا وتعقادا وعقده، وهو الربط والشد والضمان والعهد، وهو الجمع بين الشيئين بما يعسر الانفصال معه، وأصله الشد والجمع عقود ومنه قوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}(المائدة:1)وقوله تعالى:{ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ }(البقرة:235)أي: أحكامه، والمعنى: لا تعزموا على عقدة النكاح في زمان العدة.

وأصل العقد الربط والوثيقة قال الله تعالى: { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}(طه:115)وتقول العرب: عهدنا أمر كذا وكذا أي: عرفناه، وعقدنا أمر كذا وكذا أي: ربطناه بالقول، كربط الحبل بالحبل.

اصطلاحا: يطلق العقد على معنيين:

المعنى العام: وهو كل ما يعقد الشخص أن يفعله هو، أو يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه، وعلى ذلك فيسمى البيع والنكاح وسائر عقود المعاوضات عقودا، لأن كل واحد من طرفي العقد ألزم نفسه الوفاء به، وسمي اليمين على المستقبل عقدا، لأن الحالف ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من الفعل أو الترك، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}(المائدة:1)، قال العلماء في تفسيرها: يعني بذلك عقود الدين، وهي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة، وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام([2]).

وهو ما فسرها به الصدر الأول، قال ابن عباس: أوفوا بالعقود، معناه: بما أحل وبما حرم وبما فرض، وبما حد في جميع الأشياء، وكذلك قال مجاهد وغيره([3]).

المعنى الخاص: ويطلق على ما ينشأ عن إرادتين لظهور أثره الشرعي في المحل، قال الجرجاني: العقد ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول([4])، وقد عرفته مجلة الأحكام في المادة 103 بأنه: التزام المتعاقدين وتعهدهما أمرا هو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول([5]).وهذا المعنى الخاص هو المراد هنا بعقد النكاح.

2 ـ تصنيف أركان العقد وشروطه في المذاهب الفقهية:

اختلف الفقهاء في تصنيف أركان العقد وشروطه، وهو في مجمله خلاف اصطلاحي لا علاقة كبيرة له بالأحكام، ومع ذلك فإنه من المهم الاطلاع على هذه التصنيفات، ليسهل التعرف من خلالها على وجوه الاختلاف العامة، وعلى مدى الأهمية التي تكتسيها بعض نواحي عقد الزواج على البعض الآخر بحسب رؤية الفقهاء لفلسفة الزواج ومقاصده في الشريعة الإسلامية.

تصنيف المالكية:

صنف جمهور المالكية([6]) أركان النكاح إلى أربعة إجمالا وخمسة تفصيلا، وهي:

الولي: ولا يصح الزواج بدونه، وشروطه هي: وهي الإسلام والبلوغ والعقل والذكورية، واختلف في اشتراط العدالة والرشد فقيل يعقد السفيه على وليته،وقيل يعقد وليه([7]).

الصداق: فلا يصح نكاح بغير صداق، لكن لا يشترط ذكره عند عقد النكاح لجواز نكاح التفويض فإنه عقد بلا ذكر مهر، فإن تراضيا على إسقاطه أو اشترطا إسقاطه أصلا، فإن النكاح لا يصح.

المحل: أي ما تقوم به الحقيقة، وهي لا تقوم إلا من الزوج والزوجة الخاليين من الموانع الشرعية كالإحرام والمرض وغير ذلك، لأن المحل من الأمور النسبية التي لا تقوم إلا بمتعدد، وللمحل نوعان من الشروط عند المالكية هي شروط صحة النكاح:وهي الإسلام في نكاح مسلمة، والعقل والتمييز وتحقيق الذكورية،وشروط انعقاد النكاح: وهي الحرية والبلوغ والرشد والصحة والكفاءة.

الصيغة: وهي ما صدر من الولي ومن الزوج أو من وكيلهما الدالة على انعقاد، وشروط الصيغة هي: أن تكون بما يقتضي الإيجاب والقبول، كلفظ التزويج والتمليك ويجري مجراهما، وألا تكون معلقة عل شرط غير محقق، وأن تكون فورا من الطرفين، فإن تراخى فيه القبول عن الإيجاب يسيرا جاز، وأن يكون اللفظ على التأبيد([8]).

واعتبار هذه الخمسة أركانا ـ بمعنى أن يكون كل واحد منها جزءا من ماهية العقد ـ من باب التجوز، وباعتبار انعدام الماهية بانعدامها، غير أن هذا رد بعدم اعتبار الشهود ركنا في العقد.

وللحطاب من المالكية تصنيفه الخاص، وهو اعتباره الزوج والزوجة ركنين لا ركنا واحدا، لأن حقيقة النكاح لا توجد إلا بهما، أما الولي والصيغة فشرطان لخروجهما عن ذات النكاح، أما الصداق والشهود فلم يعدهما من الأركان ولا من الشروط لوجود النكاح بدونهما، لأن المضر إسقاط الصداق والدخول بلا شهود.

وقد رد عليه بأن حقيقة النكاح، وهي العقد المخصوص لا تتحصل إلا بالصيغة كما أنه لا يتحصل إلا بالزوج والزوجة من حيث إنهما محلان لا من حيث إنهما مقومان لحقيقته([9]).

تصنيف الشافعية:

صنف الشافعية([10]) أركان الزواج إلى أربعة أركان، وهي: الصيغة والزوجة والشهادة والعاقدان، وقد يعبر عن العاقدين بالولي.

وقد اختلف في عد الزوجين ركنا واحدا أوركنين منفصلين، لأنه يعتبر في كل منهما ما لا يعتبر في الآخر أو لتعلق العقد بهما.

وقد علل بعضهم عدم ذكر االصداق في أركان النكاح بخلاف الثمن في البيع، لأن الغرض من النكاح الاستمتاع وتوابعه وذلك قائم بالزوجين فهما الركنان.

وذكر بعضهم أن أركان النكاح تشمل الإيجاب والقبول فقط، لأن النكاح هو العقد المركب من الإيجاب والقبول، وهذه الأمور التي ذكروها لم تتركب منها ماهيته كما هو مقتضى التعبير بالأركان، لأن الركن ما تتركب منه الماهية كأركان الصلاة.

وأجابوا عن ذلك بأن المراد بالأركان ما لا بد منها فيشمل الأمور الخارجة كالشاهدين، فإنهما خارجان عن ماهية النكاح ولهذا اعتبرهما الغزالي شرطين.

تصنيف الحنابلة:

صنف الحنابلة([11]) أركان الزواج إلى ثلاثة هي: الزوجان الخاليان من الموانع، والإيجاب، والقبول، وقد أسقط بعضهم الزوجين كما في المقنع والمنتهى وغيره لوضوحه، ولأن ماهية النكاح مركبة من الإيجاب والقبول ومتوقفة عليهما ولا ينعقد النكاح إلا بهما.

تصنيف الحنفية:

اعتبر الحنفية([12]) ركنا واحدا للزواج هو الإيجاب والقبول، لأن الانعقاد هو ارتباط أحد الكلامين بالآخر على وجه يسمى باعتباره عقدا شرعيا، ويستعقب الأحكام، وذلك بوقوع الثاني جوابا معتبرا محققا لغرض الكلام السابق، ويسمع كل من العاقدين كلام صاحبه، والكلامان هما الإيجاب والقبول.

وقد صنفوا الشروط من حيث أثر وجودها أو فقدانها إلى الأصناف التالية([13]):

شروط الانعقاد: وهي التي يلزم توافرها في أركان العقد، أو في أسسه وإذا تخلف شرط منها كان العقد باطلا باتفاق، وخلاصة شروط الانعقاد عندهم هي:

ما يرجع إلى محل العقد:ويشترط لمحل العقد شرطان هما:

  1. أن يكون كل من العاقدين أهلاً لمباشرة العقد بأن يكون مميزاً، سواء كان كامل الأهلية كالبالغ الرشيد أو ناقصها كالصبي المميز، غير أن كامل الأهلية عقده نافذ، وناقصها عقده موقوف.
  2. أن يعلم كل من العاقدين ما صدر من الآخر، بأن يسمع كلامه أو يرى إشارته ويعرف مراده منها، وأن يعرف أن هذه العبارة أو تلك الإشارة يقصد بها إنشاء العقد وإن لم يعرف معاني الكلمات اللغوية.

ما يرجع إلى الصيغة:

  1. اتحاد مجلس الإيجاب والقبول.
  2. أن يوافق القبول الإيجاب حتى يتلاقيا على شيء واحد.
  3. أن تكون الصيغة منجزة. بأن تكون مفيدة لمعناها في الحال غير معلقة على أمر سيحدث في المستقبل.

ما يرجع إلى المحل: وهو المرأة المعقود عليها فيشترط فيها:

  1. أن تكون أنثى محققةالأنوثة.
  2. ألا تكون المرأة محرمة عليه تحريماً قطعياً لا شبهة فيه.

شروط الصحة: ويترتب على تخلف شيء منها بطلان العقد أو فساده على الخلاف بين الجمهور والحنفية في ذلك، والذي سنشرحه في محله، وشروط الصحة عند الحنفية هي:

  1. ألا تكون المرأة محرمة على الرجلالذي يريد التزويج بها تحريماً ظنياً، بأن كانت حرمتها ثابتة بدليل ظني أو مما يخفى تحريمها للاشتباه في أمره.
  2. أن يكون العقد أمام شهود.

شروط النفاذ: العقد إذا كان مستوفياً لأركانه وشروط صحته لا تترتب عليه آثاره بالفعل إلا بشروط تسمى في عرف الفقهاء بشروط النفاذ، ويجمعها أن يكون لكل من العاقدين الحق في إنشاء عقد الزواج، ويتحقق ذلك بكمال أهليتهما مع وجود صفة شرعية تجيز لهما إنشاء هذا العقد، وكمال الأهلية بالحرية والبلوغ والعقل، والصفة هي الأصالة أو الولاية أو الوكالة.

شروط اللزوم: هي الشروط التي إذا تحققت كلها لم يكن لأحد الحق في فسخ العقد، فإن تخلفت تلك الشروط أو بعضها كان العقد غير لازم يجوز فسخه إذا طلب ذلك صاحب الشأن، ويشترط للزوم عقد الزواج إجمالاً أن يكون خالياً مما يوجب الفسخ، ويتحقق ذلك بتوفر الشروط التالية:

  1. أن يكون الزوج كفئاً للزوجة إذا زوجت نفسها وهي كاملة الأهلية، أي بالغة عاقلة رشيدة.
  2. ألا يقل مهرها عن مهر أمثالها من قوم أبيها إذا زوجت نفسها ولو كان الزوج كفئاً لها.
  3. أن يكون المزوج لفاقد الأهلية أو ناقصها كالمجنون والمعتوه والصغير والصغيرة الأب أو الجد المعروفين بحسن التصرف والاختيار.
  4. ألا يكون الزوج قد غرر في أمور تتعلق بكفاءته، كأن يدعي نسباً معيناً تم الزواج على أساسه ثم ظهر كذبه كان العقد غير لازم بالنسبة إلى طرف الزوجة فلها أو لوليها حق طلب الفسخ.

مذهب الزيدية:

ولهم([14]) تقسيم خاص تميزوا به عن غيرهم، فقد نصوا على أن شروط الزواج التي لا يصح إلا بها أربعة، وهي:

الشرط الأول: العقد: وله خمسة أركان هي:

  1. الولي، ويشترط أن يكون بالغا عاقلا ولو كان فاسقا ذكرا حرا لأنه لا ولاية لامرأة ولا لعبد على ملتها.
  2. أن يعقد بلفظ تمليك خاص للتزويج كزوجت أو أنكحت أو نحوهما أو عام كملكت ونذرت وتصدقت وبعت ووهبت حسب ما يقتضيه العرف.
  3. أن يكون لفظ التمليك متناولا لجميعها أو بعضها، إذ هو المقصود بالتمليك بالنكاح فيقول: زوجتكها أو ملكتك إياها أو زوجتك بعضها أو ملكتك بعضها.
  4. أن يقع قبول لعقد النكاح مثله، لأن من حق العقد أن يكون ماضيا مضافا إلى النفس مشتملا على جميعها أو بعضها، فيقول فيه زوجتك أو أنكحتك ويصح بدون كاف الخطاب فيقول زوجت أو أنكحت.
  5. أن يكون القبول واقعا في المجلس الذي وقع فيه الإيجاب وهو ما حواه الجدار في العمران وما يسمع فيه الخطاب المتوسط في الفضاء.

الشرط الثاني: إشهاد عدلين، فلا يصح العقد إلا بحضور شاهدين وسماعهما الإيجاب والقبول تفصيلا وإن لم يقصد إشهادهما.

الشرط الثالث: هو رضا الحرة والمكاتبة المكلفة، وهي البالغة العاقلة ومن شرط الرضا أن يكون نافذا بأن تقول رضيت أو أجزت أو أذنت أو نحو ذلك مما يدل على أنها قد قطعت بالرضا، فرضا الثيب يكون بالنطق بماض وذلك بأن تقول رضيت أو نحو ذلك، فأما لو قالت سوف أرضى أو ما في حكمه فإنه ليس برضاء وإنما هو وعد بالرضاء.

ومما يقوم مقام النطق القرائن القوية كقبض المهر وطلبه والتهيؤ للزواج ومسيرها إلى بيت الزوج ومد يدها للحناء هذا إذا لم يدخل هذه القرائن احتمال كأن يكون الولي مهيبا تخشى منه إن لم ترض فلا يصح أن تكون هذه القرائن رضى.

الشرط الرابع: تعيين المرأة حال العقد، وكذا تعيين الزوج فلا يكفي قبلت لأحد أولادي.

مذهب الإمامية:

والظاهر أن مذهب الإمامية([15]) يقصر العقد على الصيغة، فقد نصوا عند الحديث عن العقد أن النكاح يفتقر إلى إيجاب وقبول، دالين على العقد الرافع للاحتمال، ومن الشروط التي ذكروها:

الأوّل: الإيجاب والقبول اللفظيّان، ولا يكفي مجرّد الرضا، ولا المعاطاة، ولا الكتابة، ولا الإشارة إلّا في الأخرس فله إيقاعه بالإشارة.

الثاني: أن يكون اللفظ بالعربية على الأحوط وجوباً، نعم مع العجز عن العربيّة يجوز إيقاعه بغيرها بعبارة تؤدّي نفس المعنى، بحيث تعدّ ترجمته.

الثالث: أن يكون الإيجاب من طرف الزوجة والقبول من طرف الزوج، فلا يكفي العكس.

الرابع: أن يُقدّم الإيجاب على القبول على الأحوط وجوباً إذا كان القبول بمثل (قبلت)

الخامس: أن يكون الإيجاب في الزواج الدائم بلفظ زوّجت، أو أنكحت، أو متّعت مع الاتيان (في الأخير: متّعت) بما يجعله ظاهراً في الدوام، ولا يقع بغير ذلك، مثل (وهبت) ونحوها. فتقول الزوجة مثلاً: (زَوّجْتُك نفسي على مهرٍ وقدرُهُ كذا)، فيقول الزوج: (قَبِلْتُ)، أو رَضِيْتُ، ويمكن أن يقول (قبلت التزويج)، ولا يجب ذلك.

السادس: لا يشترط التطابق بين لفظ الإيجاب ومتعلّق القبول، فلو قالت (زوّجْتُك نفسي) فقال الزوج: (قبلت النكاح) صحّ.

السابع: أن لا يكون اللفظ ملحوناً بنحو يؤدّي إلى تغيير المعنى، ولا يؤثّر اللحن إن لم يكن مبدّلاً للمعنى.

الثامن: القصد إلى إيجاد مضمون العقد (أي قصد إيجاد الزوجية بين طرفيّ العقد)، وهو متوقّف على فهم معنى لفظ (زوجت)، أي أنّ هذا القصد لا يتمّ ولا يمكن تحقيقه من دون فهم معنى لفظ (زوجت) ولو بنحو الإجمال، فلا يشترط الفهم التفصيليّ، فيكفي أن يعلم أنّ ما يقوله يدلّ على الزواج الدائم على المهر المعيّن المعلوم.

التاسع: قصد الإنشاء، بأن يكون الموجب قاصداً بإيجابه إيقاع الزواج، وأن يكون القابل قاصداً قبول ما أوقعه الموجب.

العاشر: الموالاة، بمعنى عدم الفصل المعتدّ به بين الإيجاب والقبول.

الحادي عشر: التنجيز، بمعنى عدم تعليق العقد على شرط أو مجيء زمان، فلو قالت الزوجة مثلاً: (زوّجتك نفسي على المهر المعلوم بشرط مجيء زيد)، يبطل العقد ولا يصحّ حتّى لو جاء زيد. نعم لو علّق العقد على أمرٍ محقّق الحصول كما إذا قالت الزوجة في يوم الجمعة: (أنكحتك إن كان اليوم يوم الجمعة)، فيصحّ العقد.

الثاني عشر: أن يكون العاقد: بالغاً، عاقلاً، قاصداً غير هازل ولا سكران.

الثالث عشر: تعيين الزوجين ولو إجمالاً، بنحو يؤدّي إلى تمييزهما عن غيرهما، فلا يكفي أن يقول: زوّجتك إحدى بناتي. ولو كان عنده بنت واحدة كفى أن يقول زوّجتك بنتي، ولو تعدّدن كفى أن يقول زوجتك الكبرى، بذكر الوصف، أو زوّجتك هذه، بأن يشير إلى واحدة بعينها.

الرابع عشر: الاختيار من الزوجين، فلو أُكرها أو أُكره أحدهما لم يصحّ العقد، نعم لو لحقه الرضا صحّ.

مذهب الإباضية:

الظاهر من مذهبهم قصر العقد على الصيغة، وقد نصوا على أنه يجوز عقد النكاح من ولي أو نائبه مع زوج أو نائبه، ولا يجوز – قيل – لولي امرأة أن يوكل غير ثقة، فإن فعل جدد ولا يفرق بينهما إن دخل، ولا يقبل من مدعي وكالة إلا بصحة.

وجاز للشهود أن يشهدوا على هذا القول، وإن ادعت أن وليها وكلها في تزويج نفسها لم يقبل عنها ولم يجز ولو بينت، وقيل: يجوز وتصدق إن كانت ثقة، وقيل: مطلقا ومن ادعى أنه ولي فوكل أو زوج جاز ما لم يرب، وقيل: إن أقرت، وقيل إن كانت بنتا أو أختا، وقيل: إن كانت بنتا، وقيل: لا مطلقا إلا بالصحة، ونصوا على وجوب افشهاد على الزواج([16]).

ثاينا ـ الصيغة وشروطها

1 ـ تعريف الصيغة وأركانها

تعريف الصيغة:

تطلق الصيغة في الاستعمال الفقهي على الألفاظ والعبارات التي يتركب منها العقد، أي العبارات المتقابلة التي تدل على اتفاق الطرفين وتراضيهما على إنشاء العقد، وهي التي تسمى في لغة الفقهاء بالإيجاب والقبول، وعلى ذلك عرفها بعضهم بقوله: هي ما يكون به العقد، من قول أو إشارة أو كتابة، تبيينا لإرادة العاقد، وكشفا عن كلامه النفسي.

وعرفها ابن عرفة بأنها مادل على عقد النكاح([17])، وعرفها الإمامية بأنها اللفظ الذي وضعه الشرع وصلة إلى انعقاده([18]).

مكونات الصيغة:

تتركب الصيغة من لفظين صادرين من كلا طرفي العقد، يطلق عليهما [الإيجاب والقبول]، وقد اختلف الفقهاء في استعمال هذين الاصطلاحين، وفيما يلي توضيح هذا الاختلاف الاصطلاحي.

الإيجاب: اختلف الفقهاء في استعمال لفظ الإيجاب على فريقين:

الحنفية: الإيجاب هو اللفظ الصادر أولا من أحد المتخاطبين مع صلاحية اللفظ لذلك رجلا كان أو امرأة([19]).

الجمهور: الإيجاب هو ما صدر من البائع، والمؤجر، والزوجة، أو وليها سواء صدر أولا أو آخرا، لأنهم هم الذين سيملكون: المشتري السلعة المبيعة، والمستأجر منفعة العين، والزوج العصمة، وهكذا.

القبول: اختلف الفقهاء في استعمال لفظ القبول ـ كما اختلف سابقا ـ على فريقين:

الحنفية: القبول اللفظ الصادر ثانيا من أحدهما الصالح لذلك مطلقا([20]).

الجمهور: هو ما يصدر ممن يتملك المبيع أو القرض، أو ممن ينتفع به كالمستأجر والمستعير، أو ممن يلتزم بعمل كالمضارب والمودع، أو ممن يملك الاستمتاع بالبضع كالزوج، وسواء صدر القبول أولا أو آخرا، وقد عرفه في شرائع الإسلام بقوله: القبول: هو اللفظ الدال على الرضا بذلك الإيجاب، كقوله: قبلت النكاح([21]).

حكم تقدم القبول على الإيجاب:

اختلف العلماء في حكم تقدم القبول على الإيجاب على قولين:

القول الأول: اشتراط تقدم القبول على الإيجاب، وهو مذهب الحنابلة، فلا يجوز عندهم تقدم الإيجاب على القبول، واستدلوا على ذلك بأن القبول إنما يكون للإيجاب، فمتى وجد قبله لم يكن قبولا لعدم معناه، بخلاف البيع، لأن البيع يصح بالمعاطاة، ولأنه لا يتعين فيه لفظ، بل يصح بأي لفظ كان مما يؤدي المعنى([22]).

القول الثاني:عدم اشتراط تقدم أحدهما على الآخر، وهو مذهب الجمهور والإمامية، إلا أن الحنفية يعتبرون القبول هو ما يذكره الطرف الثاني في العقد دالا على رضاه بما أوجبه الطرف الأول، فهم يعتبرون الكلام الذي يصدر أولا إيجابا والكلام الذي يصدر ثانيا قبولا([23]).

2 ـ ما تتحقق به صيغة العقد

وهي إما أن تتحق باللفظ، وهو الأصل، أو بغيره من الإشارة والكتابة وغيرها، وسنتحدث عن كلا النوعين فيما يلي:

أ ـ الصيغة اللفظية للعقد

لما كان الأصل في الصيغة هو الألفاظ التي تعبر عن تراضي المتعاقدين، فقد عني الفقهاء ببيان الألفاظ التي ينعقد بها من ناحية مادتها وناحية صورتها حتى تدل دلالة صحيحة صريحة على مراد المتعاقدين، وسنفصل كلام الفقهاء في ذلك فيما يلي:

لغة الصيغة:

اتفق الفقهاء على صحة استعمال اللغة العربية للتعبير عن الإيجاب والقبول، واختلفوا في غيرها من اللغات على قولين:

القول الأول: يصح التعبير عن العقد بأي لغة كانت: عربية، أو غير عربية سواء كان العاقدان قادرين على العربية أو عاجزين عنها، وهو مذهب جمهور الفقهاء، ومن أدلتهم على ذلك([24]):

  1. أن المقصود من الصيغة هو التعبير الواضح الصريح عن إرادة العاقدين، وذلك يصح بأي لغة.
  2. أن الزواج ليس أمرا تعبديا محضا بحيث تشترط فيه لغة بعينها أو صيغ بعينها، بل هو كسائر العقود الشرعية.

القول الثاني ([25]): أنه لا يجوز للقادر على العربية أن يعقده بغيرها، وهو مذهب الشافعية في قول، والحنابلة، ومذهب الظاهرية والإمامية، أما من لا يحسن العربية، فيصح منه عقد النكاح بلسانه لأنه عاجز عما سواه فسقط عنه كالأخرس، ويحتاج أن يأتي بمعناهما الخاص، بحيث يشتمل على معنى اللفظ العربي، فإن كان أحد المتعاقدين يحسن العربية دون الآخر أتى الذي يحسن العربية بها والآخر يأتي بلسانه. فإن كان أحدهما لا يحسن لسان الآخر، احتاج أن يعلم أن اللفظة التي أتى بها صاحبه لفظة الإنكاح، بأن يخبره بذلك ثقة يعرف اللسانين جميعا، ومن أدلتهم على ذلك:

  1. أنه عدول عن لفظ الإنكاح والتزويج مع القدرة عليهما، وهما اللفظان اللذان يصح بهما فقط الزواج.
  2. أن الزواج فيه ناحية تعبّدية فأشبه الصلاة، فكما أنها لا تصح بغير العربية للقادر عليها فكذلك الزواج.

وقد اختلف القائلون بهذا القول في وجوب تعلم ألفاظ الزواج والنكاح باللغة العربية على الرأيين التاليين:

الرأي الأول: أنه لا يجب على من لا يحسن العربية تعلم ألفاظ النكاح بها، لأن النكاح غير واجب، فلم يجب تعلم أركانه بالعربية.

القول الثاني: وجوب تعلمها، لأن ما كانت العربية شرطا فيه لزمه أن يتعلمها مع القدرة، كالتكبير.

الترجيح:

الظاهر من المقاصد الشرعية في العقود هو أنها معبرة عن رضا أصحابها، وذلك يقتضي التعبر عن الرضا بأوضح ألفاظها وأدلها عرفا على المقصود من العقد، وإلا أصبح مجرد عقد شكلي لا يعبر عن مراده الشرعي، ولذا نعجب أن يلغي بعض الفقهاء هذا الاعتبار فينص على أنه لو لو لقنت المرأة غير العربية أن تقول لمن يريد الزواج بها: زوجت نفسي بالعربية، وهي لا تعلم معناها، وقبل الزوج، والشهود يعلمون جهلها بالعربية وعدم فهمها لما قالت، أو لا يعلمون صح الزواج، ومثله في جانب الرجل إذا لقنه وهو لا يعلم معناه، وقد علل ذلك قاضي خان بقوله: ينبغي أن يكون النكاح كذلك لأن العلم بمضمون اللفظ إنما يعتبر لأجل القصد، فلا يشترط فيما يستوي فيه الجد والهزل، بخلاف البيع ونحوه)([26])

وقد رد ابن القيم على هذا الاشتراط بقوله:(وأفسد من ذلك اشتراط العربية مع وقوع النكاح من العرب والعجم والترك والبربر ومن لا يعرف كلمة عربية، والعجب أنكم اشترطتم تلفظه بلفظ لا يدري ما معناه ألبتة، وإنما هو عنده بمنزلة صوت في الهواء فارغ لا معنى تحته، فعقدتم العقد به، وأبطلتموه بتلفظه باللفظ الذي يعرفه ويفهم معناه ويميز بين معناه وغيره)([27])

ومثله جعفر السبحاني الذي خالف المشهور من مذهب الإمامية في ذلك، فقال: (والظاهر عدم القصور في الخطابات العامّة الواردة في القرآن نحو قوله تعالى: { وأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ والصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وإِمائِكُمْ} (النور: 32) إذا كان المنشأ بغير العربي، إنشاء نكاح في متعارفهم. مضافاً إلى أنّ سيرة المسلمين في فتح البلاد غير العربية كانت على بعث رجال لتعليم الأحكام والقرآن ولم ينقل في التاريخ دعوة المسلمين غير العرب على تعليم صيغ النكاح، مع أنّ الشارع أمضى نكاح كلّ أُمّة بقوله: (ولكل قوم نكاح)([28]) وبالتالي أمضى ما يعبّرون به عن هذه العلقة والمعاهدة. والظاهر الاكتفاء بغير العربية مطلقاً ـ وطريق الاحتياط واضح ـ. هذا كلّه في التمكّن من العربية، ولو بالتوكيل كما هو المعمول، وأمّا فيما إذا لم يتمكّن فلاشكّ في كفاية غيرها لأنّ القدر المسلّم من تقييد الإطلاقات هو حالة التمكّن من العربية، لأنّ المقيّد دليل لبّي وهو التسالم بين الأصحاب وأمّا غير المتمكّن فهو باق تحته وإلاّ يلزم تعطيل الزواج والنكاح وهو قطعيّ البطلان لاستلزامه الفساد العظيم)([29])

ولكن مع ذلك، فإن إجراء العقد باللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم، ولها محلها من القداسة لذلك، تأثير نفسي كبير على المتعاقدين، بحيث يحول من إجراءات العقد إلى إجراءات تعبدية تعطيها نوعا من القيمة والقداسة، وهو مطلب من مطالب الشارع الحكيم.

ألفاظ الصييغة:

وهي الألفاظ التي يصح التعبير بها عن عقد الزواج، وقد بحث الفقهاء فيما يصح من هذه الألفاظ خشية تسرب مفاهيم أخرى للزواج غير التي أرادها الشارع عن طريق تبديل الألفاظ، وهو إدراك سابق من الفقهاء لما للمصطلحات من تدخل في تثبيت المفاهيم أو تغييرها، وفيما يلي ذكر هذه الألفاظ بقسميها: ما اختلف فيه الفقهاء وما اتفقوا عليه، وقد ذكرنا هذا التقسيم حرصا على بناء الزواج على ألفاظ متفق عليها مراعاة لاختلاف العلماء.

ألفاظ متفق على صحة العقد بها:

أجمع العلماء([30]) على أنه ينعقد بكل لفظ مأخوذ من مادتي الزواج والنكاح، سواء اتفقا من الجانبين أو اختلفا، مثل أن يقول: زوجتك بنتي هذه. فيقول: قبلت هذا النكاح، أو هذا التزويج، لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما نص الكتاب في أكثر من عشرين آية منها قوله تعالى:{ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (النساء:3)وقوله: { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ }(النور:32)وقوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} (الأحزاب: 37)

ألفاظ متفق على عدم صحة العقد بها:

اتفق الفقهاء عدم انعقاده بـالألفاظ التالية:

ألفاظ الإباحة والإحلال والإيداع والإعارة والرهن: لأنها لا تفيد تحليل المرأة لزوجها، والزواج من عقود التحليل، لأنه يفيد ملك المتعة للزوج.

لفظ الوصية: لأنه يفيد تمليكا مضاف لما بعد الموت، والزواج يفيد التمليك في الحال، فلم توجد علاقة مسوغة لاستعمال لفظ الوصية في الزواج، وروي عن الطحاوي من الحنفية أنه ينعقد مطلقا، وعن الكرخي أنه ينعقد به إن قيدت بالحال، كما إذا قال: أوصيت بابنتي لك الآن([31]).

لفظ الإجارة: لأنها مع إفادتها ملك المنفعة في الحال إلا أنها شرعت مؤقتة بوقت معين والزواج شرع على الدوام والتأبيد، وكل تأقيت فيه يلحق به الفساد على الأصح.

والعلة الجامعة بين عدم صحة العقد بهذه الألفاظ جميعا هي عدم انطباقها مع شروط الزواج من ملك المتعة الدائمة من حين العقد، ولهذا يقاس على هذه الألفاظ كل ما لا يدل على ذلك([32]).

الألفاظ المختلف فيها:

اختلف الفقهاء فيما عدا الألفاظ السابقة، كالهبة والتمليك والبيع والصدقة والجعل على الأقوال التالية:

القول الأول([33]): منع انعقاده بهذه الألفاظ كلها وقصوره على لفظي النكاح والتزويج وما اشتق منهما،كأنا متزوج مثلاً، وهو قول الشافعية والحنابلة، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والزهري، وربيعة، ومن الأدلة على ذلك:

  1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله)([34])، وكلمة الله هي التزويج أو الإنكاح، فإنه لم يذكر في القرآن سواهما فوجب الوقوف معهما تعبدا واحتياطا.
  2. أن النكاح يميل إلى العبادات لورود الندب فيه، والأذكار في العبادات تتلقى من الشرع، والشرع إنما ورد بلفظي التزويج والإنكاح.
  3. أنه عقد له خطره، إذ به تحل المرأة بعد أن كانت حراماً، وتثبت به الأنساب، فيحتاج فيه إلى ألفاظ صريحة.
  4. أن الشهادة شرط في النكاح، والكناية إنما تعلم بالنية، ولا يمكن الشهادة على النية، لعدم اطلاعهم عليها، فيجب أن لا ينعقد، وبهذا فارق بقية العقود والطلاق.
  5. أما ما روي من أنه صلى الله عليه وآله وسلم زوج امرأة، فقال: ملكتكها بما معك من القرآن([35])، فقد أجيب على ذلك بأنه وهم من الراوي، أو أن الراوي رواه بالمعنى ظنا منه ترادفهما، وبتقدير صحته فهو معارض برواية الجمهور: زوجتكها. قال البيهقي: والجماعة أولى بالحفظ من الواحد، ويحتمل أنه صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين اللفظين، ومما احتج به على اختصاصه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك قوله تعالى { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } (الأحزاب:50) حيث جعل النكاح بلفظ الهبة من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم ([36]).

القول الثاني: صحة استعمال هذه الألفاظ مع القرينة الدالة على أن المتكلم أراد بها الزواج، كذكر المهر معها وإحضار الشهود وما شابه ذلك، وهو قول الحنفية([37])، والضابط عندهم في ذلك هو أن كل لفظ وضع لتمليك العين في الحال يجوز العقد به، واحترز بالحال عن الوصية، لأنها لتمليك العين بعد الموت،بل روي عن الطحاوي من الحنفية أنه ينعقد مطلقا، وعن الكرخي أنه ينعقد به إن قيدت بالحال ـ كما مر بيان ذلك سابقا ـ ومن أدلتهم على ذلك:

  1. أن ورود القرآن بهذين اللفظين لا يعني قصر إقامة العقد عليهما،فيكون ما يفيد معناهما مثلهما فلا وجه لمنع الزواج بهذه الألفاظ.
  2. دعوى أن النصوص الشرعية لم تذكر في معرض تشريعة إلا لفظي النكاح والزواج فغير مسلمة، لأن القرآن الكريم ذكر لفظ الهبة أيضاً في مقام تشريعه في قوله تعالى { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} (الأحزاب:50)ودعوى الخصوصية بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مسلمة، لأن الخصوصية الثابتة له في هذا هي الزواج بدون مهر لا في خصوص لفظ الهبة، لأن الله تعالى قال بعد ذلك: { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}(الأحزاب:50)، ونفى الحرج عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكون في اختصاصه بعقد الزواج بلفظ خاص لعدم أي مزية في ذلك.
  3. أن السنة وردت بلفظ التمليك في قصة المرأة التي جاءت تعرض نفسها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعرض عنها إلى أن قال أحد أصحابه: يا رسول الله إن لم يكن بك حاجة إليها فزوجنيها، فسأله عن مهر يعطيه لها،واعتذر بأنه لا يجد شيئاً، حتى قال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:(قد ملكتكها بما معك من القرآن)([38])
  4. أن كلمة الله الواردة في الحديث لا يراد بها لفظا النكاح والتزويج لعدم أي فائدة معنوية من ذلك، بل معناه كما ذكره شراح الحديث إما أنه دلالة على قوله تعالى:{ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}(البقرة:229)أو أن المراد كلمة التوحيد وهي لا اله الا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم، أو أن المراد باباحة الله والكلمة قوله تعالى: { فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} (النساء:3)قال النووي:(وهذا الثالث هو الصحيح، وبالأول قال الخطابي والهروى وغيرهما)([39])،أو أن المراد بالكلمة الايجاب والقبول ومعناه على هذا بالكلمة التي أمر الله تعالى بها.
  5. أن هذه الألفاظ تفيد تمليك العين في الحال، ولا تقبل التوقيت، فإذا قالت المرأة للرجل: وهبت لك نفسي بمهر كذا أو ملكت نفسي أو جعلت لك نفسي بمهر قدره كذا، أو قال وليها ذلك وقبل الرجل ينعقد الزواج، لأن القرينة تعين المراد منها، وأنه لا يقصد بها حقيقتها، بل يقصد بها الزواج، وأي شخص يفهم منها الزواج إذا ذكر المهر مع حضور الناس الحفل المعد للزواج.
  6. أن تصور حكم الحقيقة ليس بشرط، فإنه لو قال لحرة: اشتريتك بكذا كان نكاحا صحيحا، والحرة ليست بمحل للبيع بل الشرط صحة التكلم([40]).

القول الثالث: التوسط بين المذهبين، فأجازوا التزويج بلفظ الهبة إذا ذكر معها الصداق، كأن يقول طالب الزواج: هب لي ابنتك بمهر كذا، أو يقول ولي المرأة: وهبت لك ابنتي بمهر كذا، ويقول الآخر: قبلت، وهو قول المالكية، وقد اختلفوا في كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة مثل:(بعت أو ملكت أو أحللت أو أعطيت أو منحت)على رأيين([41]):

  1. ينعقد بها النكاح إن سمى صداقا حقيقة أو حكما، وهو قول ابن القصار وعبد الوهاب والباجي وابن العربي.
  2. أنه لا ينعقد بها ولو سمى صداقا، وهو قول ابن رشد.

ومن أدلتهم على صحة العقد بلفظ الهبة قصة واهبة نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم التي سبق ذكرها، وأدلة من أجاز غيرها من الألفاظ وهي أدلة الحنفية السابقة.

وذهب الظاهرية إلى أنه لا يجوز النكاح إلا باسم الزواج أو النكاح، أو التمليك، أو الإمكان([42]).

الترجيح:

من خلال ما سبق بيانه من أن العبرة في العقود ما اصطلحت عليه الأعراف، فإنه ليس لصيغة الزواج صيغة مخصوصة دل عليها الشرع، أو حصر الشرع إقامة العقد بها، لأن الزواج ليس عبادة محضة تفتقر إلى هذا النوع من التحديد.

ولكن مع ذلك، فإن الاقتصار على الألفاظ التي وردت بها النصوص مراعاة للاختلاف في هذا الجانب الخطير من الدين، وحرصا على عدم تغيير معنى الزواج الذي ورد به الشرع إذا عبر عنه بألفاظ لا تدل عليه، لأن كل لفظ يحمل دلالة معينة، ويدل على فهم معين للزواج، فمن زوج ابنته بلفظ البيع ـ مثلا ـ فإنه يدل على نظرة خاطئة للزواج تحمل معاني استعباد المرأة واسترقاقها، وما أنزل الله بذلك من سلطان.

زمن الصيغة:

زمن الفعل الذي تتم به الصيغة إما أن يكون ماضيا أو مضارعا أو أمرا، وقد اتفق الفقهاء على بعض هذه الصيغ واختلفوا في أخرى:

الصيغة الزمنية المتفق عليها: اتفق الفقهاء([43]) على انعقاد الزواج بصيغة الماضي مثلقول ولي المرأة: زوجتك ابنتي،وقول الزوج: قبلت الزواج بها، ومن الأدلة على ذلك:

أن النكاح عقد، فينعقد بصيغة الماضي كسائر العقود، واختص بما ينبئ عن الماضي لأنه إنشاء تصرف وهو إثبات ما لم يكن ثابتا.

أنه ليس لثبوت الزواج لفظ يختص به باعتبار الوضع فاستعمل فيه لفظ ينبئ عن الثبوت، وهو الماضي دفعا للحاجة لأن الإنشاء يعرف بالشرع لا باللغة، فكان ما ينبئ عن الثبوت أولى من غيره لأن غرضهما الثبوت دون الوعد.

الصيغة الزمنية المختلف فيها: وهي أنيعبر بلفظين أحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل، كما إذا قال رجل لرجل: زوجني ابنتك أو قال: جئتك خاطبا ابنتك، أو قال جئتك لتزوجني بنتك فقال الأب: قد زوجتك أو قال لامرأة: أتزوجك على ألف درهم، فقالت: قد تزوجتك على ذلك، أو قال لها: زوجيني أو انكحيني نفسك فقالت: زوجتك أو أنكحت، وغيرها من الصيغ وقد اختلف الفقهاء فيها على قولين:

القول الأول: ينعقد الزواج بهذه الصيغ، بشرط وجود قرينة مانعة من احتمال معنى آخر غير إنشاء العقد، مثل إحضار الشهود، وإعداد الحفل ودعوة الناس، فهذه قرائن كافية تؤكد إرادة إنشاء العقد بقوله: زوجني نفسك أو أتزوجك، وهو قول الحنفية والمالكية، ومن أدلتهم على ذلك:

  1. روايتهم عن بلال أنه خطب إلى قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه فقال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني أن أخطب إليكم لما خطبت فقالوا له: ملكت، ولم ينقل أن بلالا أعاد القول، ولو فعل لنقل، ولأن الظاهر أنه أراد الإيجاب.
  2. الاستحسان، وجه الاستحسان هنا أن المساومة التي توهمها هذه الصيغ لا تتحقق في النكاح عادة، فكان محمولا على الإيجاب بخلاف البيع، فإن السوم معتاد فيه فيحمل اللفظ عليه، فلا بد من لفظ آخر يتأدى به الإيجاب.

القول الثاني: لا ينعقد بهذه الصيغ جميعا، وهو مذهب الشافعية والحنابلة والإمامية([44])، ومن أدلتهم على ذلك، أن لفظ الاستقبال عدة، والأمر من فروع الاستقبال، فلم يوجد الاستقبال، فلم يوجد الإيجاب.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في هذا هو مراعاة الصيغة التي يعتبرها العرف بشرط دلالتها على الجزم، فإن كانت الصيغة لا تدل على الجزم، فإنه لا ينعقد العقد بها ولو كانت بالزمن الماضي، لأن دلالة الماضي على الثبوت هي دلالة في العرف العربي الذي أجاز له الفقهاء هذه الصيغة، وهي لا تعني بالضرورة سريانها في جميع الأعراف، أما غيرها من الأزمنة فلا حرج في استعمالها إذا كانت دالة على هذا الجزم، وقد ورد في القرآن الكريم قول الشيخ الصالح لموسى u:{ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ}(القصص:27)فقال له موسى u: { ذلك بيني وبينك}(القصص:28)، قال ابن العربي: (وهذا انعقاد عزم، وتمام قول، وحصول مطلوب، ونفوذ عقد. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم فقالوا: لا نطلب ثمنه، إلا إلى الله([45]). فانعقد العقد، وحصل المقصود من الملك)([46])

حكم التصحيف في الصيغة:

التصحيف هو تغيير في اللفظ يؤدي إلى تغيير في معناه، ومن أمثلة التصحيف في ألفاظ العقد التي ذكرها الفقهاء:(زوزتك بإبدال الجيم زايا أو جوزتك بإبدال الزاي جيما)، ومثله قول الألثغ في إيجاب عقد النكاح وقبوله:(زودني أو أنتحني وتزويدها ونتاجها بدلا عن زوجني وأنكحني وتزويجها ونكاحها)، وقد ذكر الفقهاء في هذا التصحيف رأيين:

  1. رأي اتبع فيه العلماء قول الغزالي:(أن الخطأ في الصيغة إذا لم يخل بالمعنى ينبغي أن يكون كالخطإ في الإعراب)وأن جميع ما ذكر فيها ونحوه من اللغات التي ألفتها العامة لا يضر([47]).
  2. رأي عن بعض الحنفية: أنه لا ينعقد بألفاظ مصحفة على طريق الغلط، أما لو اتفق قوم على النطق بهذه الغلطة بحيث إنهم يطلبون بها الدلالة على حل الاستمتاع، وتصدر عن قصد واختيار، ففيه قول بانعقاد النكاح بها حتى أفتى به بعض المتأخرين، وأما صدورها لا عن قصد إلى وضع جديد فلا اعتبار به لأن استعمال اللفظ في الموضوع له أو غيره طلب دلالته عليه وإرادته فبمجرد الذكر لا يكون الاستعمال صحيحا فلا يكون وضعا جديدا([48]).

ونرى أن كلا الرأيين متفقين على جواز التصحيف بشرط أن يكون اللفظ المصحف معروفا في دلالته على الزواج وهو ما يعرف بالعرف، أما ما لا يدل على ذلك ولا يفهمه الشهود فلا يصح به العقد إلا إذا دلت القرائن عليه.

حكم الأخطاء النحوية في الصيغة:

ومن الأمثلة التي ذكرها الفقهاء لهذا النوع من الخطأ (زوجت لك أو إليك بدل زوجتك أو زوجتك بفتح التاء)ومثله ما لو قال الزوج: قبلت بفتح التاء، وقد أفتى أكثر الفقهاء بجواز الأخطاء النحوية لعمو البلوى بها([49]).

وفصل آخرون في المسألة على النحو التالي:

  1. إن كان ذلك الخطأ من قادر على العربية عارف بها قادر عل إصلاحها، فإنه لا يصح عقده.
  2. أما إن كان من جاهل عاجز فيصح([50]).

ونرى أن الأرجح في هذا هو الجواز مطلقا لأن العبرة في العقود هو دلالتها لا ألفاظها، وقد عمت البلوى بالأخطاء النحوية، ولكنه مع ذلك يستحب أن يؤتى بها فصيحة معربة تعبدا من غير اعتقاد لوجوب ذلك أو تكليف للعامة به.

ب ـ صيغة العقد من غير الكلام:

الأصل في صيغة العقد أن تكون بالكلام، ولكن قد تحصل بغير الكلام من وسائل التعبير الأخرى، ومن هذه الوسائل:

الكتابة:

يختلف حكم التعاقد عن طريق الكتابة بحسب الحالتين التاليتين:

الحالة الأولى: إذا كان العاقدان في مجلس واحد، وكانا قادرين على الكلام، ومع ذلك عبرا عن العقد بالكتابة بدل الكلام، فإنه لا ينعقد الزواج بالكتابة في هذه الحالة باتفاق الفقهاء للأدلة التالية:

  1. أن عقد الزواج أساسه العلنية دون السرية، وبالكتابة يكون سراً.
  2. أن الشهادة شرط فيه، ولا اطلاع للشهود على النية ولو قالا بعد المكاتبة: نوينا كانت شهادة على إقرارهما لا على نفس العقد فلا يصح([51]).

الحالة الثانية: إذا لم يكن العاقدان في مجلس واحد، وقد اختلف فيها الفقهاء عل قولين:

القول الأول([52]): أن ذلك جائز إذا كان بمحضر الشهود وسمع الشهود كلا من الإيجاب والقبول كما لو قالت حين بلغها الكتاب وقرأته على الشهود: إن فلانا كتب إلي يخطبني فاشهدوا أني قد زوجت نفسي منه فهذا صحيح، لأنهم سمعوا كلام الخاطب بإسماعها إياهم إما بقراءة الكتاب أو العبارة عنه، وسمعوا كلامهما حيث أوجبت العقد بين أيديهم، فلهذا تم النكاح، أما إذا كتب إليها فلما بلغها الكتاب قالت: زوجت نفسي منه بغير محضر من الشهود، فإنه لا ينعقد النكاح كما في حق الحاضر لاشتراط الشهود حين العقد، وكذلك لو قالت بين يدي الشهود: زوجت نفسي منه لا ينعقد النكاح أيضا، لأن سماع الشهود كلام المتعاقدين شرط لجواز النكاح، وإنما سمعوا كلامها هنا لا كلامه.

وقاعدة الحنفية في ذلك أن (الكتاب من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر)، ومن أدلتهم على ذلك:

  1. أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع شرحبيل بن حسنة([53]).
  2. أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يرى الكتاب تبليغا تقوم به الحجة، وقد بلغ تارة بالكتاب وتارة باللسان فإنه كتب إلى ملوك الآفاق يدعوهم إلى الدين، وكان ذلك تبليغا تاما فكذلك في عقد النكاح الكتاب بمنزلة الخطاب.
  3. أن الكتاب له حروف ومفهوم يؤدي عن معنى معلوم، فهو بمنزلة الخطاب من الحاضر.

القول الثاني([54]): لا ينعقد الزواج في غيبة أو حضور بالكتابة، وهو قول الشافعية، واختلف قول الحنابلة في ذلك، للأدلة التالية:

  1. اشتراط حضور الشهود وسماع كلا المتعاقدين، وهو يتنافى مع الكتابة.
  2. أن الصحيح في حديث النجاشي أن عمرو بن أمية كان وكيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك بعث به إلى النجاشي يزوجه إياها، وقيل الذي ولي العقد عليها خالد بن سعيد بن العاص ابن عم أبيها([55]).
  3. أن الكتابة كناية،قال الدردير:(لا تكفي الإشارة ولا الكتابة إلا لضرورة خرس)([56])
  4. تراخي القبول عن الإيجاب في الكتابة مع اشتراطهما.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو صحة العقد بالكتابة إذا دعت الضرورة لذلك، كأن يكون العاقد غائبا، أو أخرس، والأولى توكيل من يتولى العقد مراعاة للخلاف.

وقد ذهب إلى هذا الترجيح العلامة السبحاني، فقال: (المشهور عدم كفاية الكتابة، لعدم الدليل عليها، وجريان السيرة على اللفظ في الإنشاء. ولكنّه لو كانت الكتابة أمراً رائجاً بين الأقوام بحيث يكون الاعتبار بها دون اللفظ فالأقوى الاكتفاء بها، وقد عرفت أنّه [لكلّ قوم نكاح]، وهو إمضاء له بكلّ ما يتحقّق به من الشؤون، ومع ذلك ـ طريق الاحتياط معلوم)([57])

وقد ذكر النووي الكيفية المثلى لذلك إذا دعت الضرورة لمثل هذه الطريقة من التعاقد، فقال:(وحيث حكمنا بانعقاد النكاح بالمكاتبة فليكتب: زوجتك بنتي، ويحضر الكتاب عدلان، ولا يشترط أن يحضرهما، ولا أن يقول لهما: اشهدا، بل لو حضرا بأنفسهما كفى فإذا بلغ الكتاب الزوج فليقبل لفظا، ويكتب القبول ويحضر القبول شاهدا الإيجاب، فإن شهده آخران فوجهان أصحهما لا يصح لأنه لم يحضره شاهد له،والثاني الصحة، لأنه حضر الإيجاب والقبول شاهدان ويحتمل تغايرهما)([58])

الإشارة:

يختلف حكم التعاقد عن طريق الإشارة بحسب الأحوال التالية([59]):

الحالة الأولى: العاجز عن الكلام إن كان لا يحسن الكتابة، فإنه ينعقد زواجه بإشارته المعروفة باتفاق الفقهاء،، وقد أجاز الحنفية الإشارة من المصمت هو الذي عرض له مانع من الكلام لأجل علة عرضت، وقد كان فصيحا ولو كان مما يرجى زواله كوجع الحلق.

وفرق الشافعية بين إشارة الأخرس التي لا يختص بها الفطنون فحكموا بانعقاده بها بخلاف ما يختص بها الفطنون فإنه لا ينعقد بها لأنها كناية.

الحالة الثانية: العاجز عن الكلام إن كان يحسن الكتابة، وقد اختلف الفقهاء في صحة عقده على قولين:

القول الأول: أنه ينعقد، لأن الأصل في العقد أن يكون بالكلام، فإذا عجز عنه طلب معرفة غرضه بأي وسيلة، ويستوي في ذلك الإشارة والكتابة لأنهما يدلان على مراده.

القول الثاني: أنه لا ينعقد بالإشارة بل لا بد من الكتابة، لأنها أقوى بياناً من الإشارة حيث يعرفها كل من يقرأ، بخلاف الإشارة فانه لا يعرفها إلا القليل، وإذا لم يتساويا اعتبر الأقوى.

الحالة الثالثة: إشارة القادر على الكلام، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم اعتبارها في العقود خلافا للمالكية الذين ذهبوا إلى أن إشارة الناطق معتبرة كنطقه لأنها يعبر عليها بالكلام، كما قال تعالى: { قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار}(آل عمران:41)والرمز: الإشارة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ـ نظرا لخطورة العقد ـ عدم صحة التعبير بالإشارة في مجلس العقد لعدم دلالتها الصريحة، إلا للأخرس الذي لا يعرف الكتابة، فعقد الزواج أخطر من أن يبنى على إشارة قد يساء فهمها.

إرسال الرسول:

ومثل الكتابة إرسال الرسول الذي يبلغ إيجاب الموجب، وقد اتفقت المذاهب الفقهية على صحة العقد بهذه الصورة إن حصل الإشهاد، فلو أرسل شخص رسولاً لامرأة ليبلغها أنه يقول لها: تزوجتك أو زوجيني نفسك فتقول: قبلت زواجه أو زوجته نفسي تَمَّ العقد إذا كان أمام شاهدين سمعا كلام الرسول بالإيجاب وقبولها في مجلس تبليغ الرسالة، ولم يفرق الحنفية في ذلك بين الزوج أو الولي ولو كان الرسول كافرا أو امرأة أو صبيا مميزا أو عبدا محرما، وأجازوا أن يكون الرسول أحد الشاهدين.

بل أجاز أبو يوسف أن لا يسمع كلام الرسول أو قراءة الكتاب، بناء على أن قولها: زوجت نفسي شطر العقد عند أبي حنيفة ومحمد، والشهادة في شطري العقد شرط، لأنه يصير عقدا بالشطرين، فإذا لم يسمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب فلم يوجد شطر الشهادة على العقد، وقول الزوج بانفراده عقد عند أبي يوسف، وقد حضر الشاهدان، وهو خلاف رأي الجمهور في ذلك، ومما استدلوا به لذلك:

  1. أن الرسالة تبليغ عبارة المرسل إلى المرسل إليه، ولكل واحد من هؤلاء عبارة مفهومة فيصلح أن يكون رسولا.
  2. أن سليمان u جعل الهدهد رسولا في تبليغ كتابه إلى بلقيس، فالآدمي المميز أولى أن يصلح لذلك.

لكن الزواج بهذه الصورة لا يلزم الزوج إلا إذا أقر بالرسالة أوأقامت عليه البينة بأن الرسول بلغها رسالة المرسل، أما إذا أنكر الزوج الرسالة ولم تقم عليه البينة لها فالقول قوله، ولا نكاح بينهما لأن الرسالة لما لم تثبت كان المخاطب فضوليا ولم يرض الزوج بما صنع فلا نكاح بينهما.

والأولى حتى لا يتلاعب الناس بالعقود الشرعية أن يجعل الضمان على الرسول المبلغ إن كان من أهل الضمان، وقد اختلف الحنفية في مقدار المهر الذي يجب ضمانه على المبلغ في حال جحود المرسل على رأيين:

  1. أن على الرسول جميع المهر بحكم الضمان، وذلك لأن الزوج منكر لأصل النكاح، وإنكاره أصل النكاح لا يكون طلاقا فلا يسقط به شيء من الصداق بزعم الكفيل.
  2. أن على الرسول نصف الصداق، لأن من ضرورة سقوط نصف الصداق عن الأصيل سقوطه عن الكفيل، فلهذا كان الكفيل ضامنا لنصف الصداق([60]).

وقد جمع بعض الحنفية بين الرأيين كما يلي:

  1. أن لها على الرسول نصف الصداق إذا استحلف القاضي الزوج بنكاحها فنكل، وطلبت المرأة من القاضي التفريق ففرق بينهما، لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول بها.
  2. إذا لم تطالب المرأة القاضي بالتفريق، فيكون في زعمها أن الواجب جميع المهر فيجب على الرسول كله([61]).

ونرى أن هذا الرأي هو الأرجح احتراما للعقد وتعظيما له ومنعا للتلاعب به.

المعاطاة:

وهو([62]) أن لا يذكر العاقدان شيئا من الإيجاب والقبول، بل يتراضيان على قدر من المهر وينفذه الزوج أو وكيله، وتأخذه المرأة أو وكيلها، وتسلم المرأة نتيجة ذلك نفسها، وهو لا يجوز إجماعا، ومن الأدلة على ذلك:

  1. أن الناس كانوا يتزوجون في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل وفي جميع العصور ولم يؤثر عنهم أنهم عقدوا الزواج بهذه الصورة، بخلاف العقود الأخرى فإن الكثير منها كانوا يعقدونه بالأفعال [التعاطي] فليس في هذه الصورة إلا الإيجاب، والزواج لا يتحقق بالإيجاب وحده.
  2. لم ينعقد الزواج بالمعاطاة مع جوازها في البيع مبالغة في صيانة الحرمات عن الهتك واحتراما لشأنها، ولذا قال بعضهم: ينعقد به في الخسيس لا النفيس.
  3. أن الإسلام رسم للعقد طريقة يعقد بها ليست هذه منها.

الإقرار بالزواج:

كأن يقول الرجل هي امرأتي من دون عقد سابق، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين كلاهما نص عليه الحنفية:

القول الأول: أنه لا ينعقد الزواج به، لأن الإقرار إظهار لما هو ثابت وليس بإنشاء، وهذا لا يتنافى مع ما صرحوا به من أن النكاح يثبت بالتصادق، لأن الإقرار لا يكون من صيغ العقد، والمراد بقولهم: إنه يثبت بالتصادق أن القاضي يثبت الزواج بالتصادق ويحكم به.

القول الثاني: أنه ينعقد به إن كان بمحضر من الشهود ويجعل الإقرار إنشاء، كما لو قالت: جعلت نفسي زوجة لك فإنه ينعقد به، وإن لم يكن بمحضر من الشهود لا ينعقد.

وقد نصوا على أن الأرجح في هذا الخلاف أنه تفصيل في المذهب فان الأول محمول على ما إذا قصدا مجرد الإخبار عن حصول عقد الزوجية بينهما في الماضي ولم يكن بينهما عقد أو كان العقد بغير شهود، والثاني على ما إذا قصدا بالإخبار إنشاء العقد فينعقد في الحال.

العقد بالهاتف:

لا ينعقد الزواج بواسطة الهاتف الحالي والمستعمل عند جماهير الناس، لأنه يشترط لصحته حضور شاهدين يسمعان كلام العاقدين ويفهمان المراد منه إجمالا عند جماهير الفقهاء.

وحضور الشهود وسماعهم ممكن في حال اجتماع العاقدين في مكان واحد وفي حالة إرسال الرسول أو الكتاب لأن السماع ممكن فيها، أما في حال التكلم في الهاتف فان الشاهدين يسمعان كلام أحد العاقدين فقط وسماعهما الإيجاب وحده أو القبول وحده غير كاف في صحة العقد، وكذلك لو شهد اثنان على كلام أحدهما وآخران على كلام الآخر لأن الشهادة لم توجد على العقد.

أما عند من لم يشترط الشهادة فيمكن أن يقال إنه ينعقد متى تأكد كل من الطرفين من شخصية الآخر ووضوح عبارته والتأكد من ذلك عسير لاشتباه الأصوات وإمكان تقليدها.

ولكن الهواتف الحديثة المتطورة، والتي قد تكون لها تطويرات أكثر في المستقبل تزيل هذا العائق فتنقل الصوت والصورة بدقة عالية، بحيث يمكن أن يرى الشهود ويسمعون كلا العاقدين، ولكنه مع ذلك يبقى هذا حلا ضروريا لا يغني عن المجالسة واللقاء في حال انتفاء الضرورة سدا لذريعة التلاعب بالعقود الشرعية.

أما عند المالكية الذين لا يشترطون الإشهاد إلا عند البناء، فيمكن أن يتم العقد بهذه الصورة بشرط التأكد من أن الصوت غير مقلد، وأن الأمر جد لا تلاعب فيه.

الإنترنت:

من وسائل الاتصال الحديثة (الانترنت)، وهي من الوسائل التي يجري بها الاتصال الكثيف بين الناس، بل تعقد بها الصفقات وتتم من خلالها جميع الخدمات، فهل يجوز إجراء عقد الزواج من خلالها؟

نرى ـ والله أعلم ـ بناء على الضوابط السابقة، بأن الانترنت أكثر تطورا من الهاتف، فيمكن أن تنقل الصورة والصوت، وأن تجمع بين الكلام والكتابة، فهي بذلك وسيلة مضمونة الأداء، فيصح العقد من خلالها بشرط تولي وسيط عارف بالأحكام الشرعية، ضامن للحقوق، كأن يتولى مختصون وضع برنامج وسيط لإجراء العقود الشرعية، تتوفر فيه المعرفة بالأحكام الشرعية بالإضافة إلى ضمان الحقوق في حال النكول.

وقد أفتى بهذا الكثير من الفقهاء المعاصرين من المدارس الإسلامية المختلفة.

3 ـ شروط الصيغة

ذكر الفقهاء للصيغة الشروط التالية مع اختلاف بينهم في تفاصيلها:

أ ـ اتحاد المجلس في عقد النكاح

للعلماء في ارتباط الإيجاب بالقبول في عقد النكاح مع اتحاد المجلس ثلاثة أقوال:

القول الأول([63]): اشتراط اتحاد المجلس، مع عدم اشتراط الفور، وهو مذهب الحنفية والصحيح عند الحنابلة وعند بعض المالكية، فلو اختلف المجلس لم ينعقد، فلو لم يصدر من العاقدين أو أحدهما ما يلغي الإيجاب بعد صدوره، كأن يرجع الموجب عن إيجابه قبل القبول، أو يعرض الطرف الآخر فلا يجد ذلك القبول إيجاباً يرتبط به، فإنه لا ينعقد العقد، لأن المكان وإن كان واحداً إلا أن وجود الفاصل بين الإيجاب والقبول بالعمل الأجنبي منع الاتحاد حكما.

هذا ومجلس عقد الزواج بالنسبة للتعاقد بطريق الرسالة أو الكتاب هو مجلس تبليغ الرسالة أو قراءة الكتاب أمام الشهود، فلو بلغ الرسول الرسالة إلى المرأة ثم اشتغلت بشيء آخر، ثم قبلت فإنه لا ينعقد العقد، وكذلك لو قبلت في مجلس آخر لعدم اتحاد المجلس فيهما.

ولا يلزم من اشتراط اتحاد المجلس أن يكون القبول فور الإيجاب، لأن المراد كما ذكرنا ألا يوجد منهما أو من أحدهما ما يلغيه، فلو صدر الإيجاب وطال الوقت والمجلس قائم، ولم يوجد رجوع من الموجب، ولا اشتغال بشيء آخر ممن وجه إليه الإيجاب ثم صدر القبول انعقد العقد.

هذا إذا كان العقد بين حاضرين، فان كان بين غير حاضرين بكتاب مكتوب أو برسالة رسول فالقبول مقيد بمجلس تبليغ الرسالة أو قراءة الكتاب لأنه هو مجلس العقد في هذه الصورة كما قلنا.

القول الثاني ([64]): اشتراط الفورية بين الإيجاب والقبول في المجلس الواحد، واغتفروا فيه الفاصل اليسير، وهو قول المالكية والشافعية، وقد استثنى المالكية من اشتراط الفورية بين الإيجاب والقبول أن يقول الشخص في مرضه: إن مت فقد زوجت ابنتي فلانة من فلان المشار إليها بقول خليل:(وصح: إن مت فقد زوجت ابنتي بمرض)، وهل إن قيل بقرب موته تأويلان، فنص أصبغ على جوازها سواء طال زمان المرض أو قصر خلاف لمن اعتبر قصر الزمن، وقد خرحت هذا المسألة عن الأصل بالإجماع.

وضبط الفاصل الكثير بأن يكون زمنا لو سكتا فيه لخرج الجواب عن كونه جوابا، والأولى ضبطه بالعرف.

القول الثالث([65]): صحة العقد مع اختلاف المجلس، وهو رواية للحنابلة، وعليها لا يبطل النكاح مع التفرق.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو اعتبار العرف في ذلك، وقد قال السبحاني مشيرا إلى هذا: (إنّ إطلاقات الكتاب والسنّة ناظرة إلى العقد العرفي، فلو كان الفصل على حدّ، لايصدق معه العقد لاتشمله الإطلاقات، وإلاّ فلا وجه لعدم الصحّة ومثله اتّحاد مجلس الموجب والقابل فلو فرض صدق العقد وإن اختلف مجلس الإيجاب والقبول لكفى كما إذا عقدا بالهاتف. وبالجملة: فالمعيار صدق العقد عرفاً سواء اتّحد مجلسهما أم لا، توالى الإيجاب والقبول أم لا)([66])

ومع ذلك، ومع انعدام العرف في ذلك، فإن المجلس والفورية أدل على الإيجاب والقبول، وأضمن لرضى الطرفين، لأنه قد يتراجع الموجب بعد إيجابه بسبب عدم القبول، فلذلك من اليسر أن ينقلب القابل موجبا، ويعيد الموجب الأول صيغة قبوله، فيتفادى بذلك هذا العقد الخطير أي لبس قد يدل على عدم الرضى.

ب ـ مطابقة القبول للإيجاب

الزواج من التصرفات التي لا تنتج آثارها إلا بمطابقة القبول للإيجاب فهو عقد، والعقد مأخوذ من عقد طرفي الحبل، وقد شبه الفقهاء العقد بالحبل، لاحتياجه إلى طرفين، وبالتالي إلى إرادتين ويتحقق باتفاق الإرادتين على شيء واحد، فإذا تخالفا مخالفة كلية أو جزئية لا ينعقد الزواج إلا في حالة ما إذا كانت المخالفة إلى خير للموجب فإنه ينعقد، لأن التوافق موجود وإن لم يكن صريحاً، ويمكن حصر الحالات التي تتم فيها المخالفة في الحالتين التاليتين([67]):

المخالفة في محل العقد: وذلك فيما لو كانت المخالفة في المحل، مثل أن يقول الراغب في الزواج: زوجني ابنتك فلانة، فيرد عليه بقوله: زوجتك ابنتي الأخرى، وفي هذه الصورة لا ينعقد العقد، لعدم التراضي على محله.

المخالفة في مقدار المهر: وذلك بأن يقبل بأقل أو أكثر مما أوجبه الموجب، وهو لا يخلو من أن تكون المخالفة فيها خير للموجب أو ليس فيها ذلك، وإما أن تكون ضارة للموجب أو نافعة له، وحكمها في هذه الحالة هو كما يلي:

إن كانت ضارة: مثل أن يقول الراغب في الزواج: زوجني ابنتك فلانة بمائة فيقول الآخر: زوجتكها بمائتين، وفي هذه الحالة لا ينعقد العقد، لأن الإيجاب والقبول تخالفا في المهر، وهو وإن لم يكن ركناً في العقد إلا أنه عند ذكره بمقداره مع الإيجاب يلتحق به ويصير كجزء منه فيجب أن يكون القبول موافقاً لهذا المجموع.

إن كانت المخالفة فيها خير للموجب: مثل أن يقول الراغب في الزواج: زوجني أختك فلانة بألف، فيقول الآخر: زوجتكها بخمسمائة، أو يقول ولي المرأة: زوجتك أختي بألف، فيقول الآخر قبلت زواجها بألفين، ففي هذه الحالة ينعقد العقد، لأن المخالفة هنا فيها موافقة ضمنية لإيجاب الموجب، والإرادتان متوافقتان، فإن من يلزم نفسه بالأكثر يقبل بالأقل، ومن يقبل أن يزوج بنته أو أخته بالقليل لا يمانع في زواجها بالكثير، لكن هذه الزيادة في المهر من قبل الزوج لا تستحقها الزوجة إلا إذا قبلتها، فلو لم تقبلها صراحة في المجلس لا يجوز لها بعد ذلك أن تطالب بها، لأن التمليك لا يكون بدون قبول إلا في الميراث بجعل الشارع، أما النقصان من جانب الزوجة فلا يشترط فيه قبول الزوج، لأنه إسقاط وحط عنه وهو لا يحتاج إلى قبول.

ج ـ إنجاز الصيغة

ويتحقق ذلك بأن تكون مفيدة لمعناها في الحال غير معلقة على أمر سيحدث في المستقبل، أو مضافة إلى زمن مستقبل، ويمكن حصر الصور التي قد ينتفي فيها إنجاز الصيغة فيما يلي([68]):

الصورة الأولى: تعليق العقد بشرط:

ويسمى الزواج في هذه الحالة (الزواج المعلق)، وهو هو ما جعل تحقق الإيجاب والقبول أو أحدهما معلقاً على تحقق شيء آخر، كأن يقول رجل لآخر: زوجتك ابنتي إن رضي أخي فيقول الآخر قبلت، أو يقول الرجل للمرأة زوجيني نفسك، فتقول زوجتك نفسي إن رضي أبي.

ففي كل منهما تعليق على شيء آخر فيرتبط وجوده بوجوده.

وقد نص كثير من الفقهاء من المدارس المختلفة على أن حكم هذا الزواج يختلف تبعاً لوجود الشيء المعلق عليه وعدمه وقت التعليق، وبيان حكم ذلك فيما يلي([69]):

انعدام المعلق عليه وقت التعليق:

إذا كان المعلق عليه معدوماً وقت التعليق لا ينعقد العقد في أي حالة([70])، ومن نظم المالكية في ذلك:

لا يقبل التعليق بيع والنكاح  فلا يصح بعت ذا إن جا فلاح

ومن الأدلة على ذلك:

  1. أن عقد الزواج من عقود التمليكات وهي لا تقبل التعليق.
  2. أن الشارع وضعه ليفيد حكمه في الحال بدون تأخير، والتعليق تأخير له.
  3. أن تعليقه على أمر سيحدث في المستقبل يخرجه عما وضعه الشارع له ويجعله محلاً للمقامرة واحتمال حصول آثاره أو عدم حصولها، فكان تعليقه منافياً لوضعه الشرعي.

وقد ذكر الفقهاء الصور المحتملة لذلك وحكموا على عدم انعقادها جميعا، وهي:

أن يكون المعلق عليه محقق الوجود، وذلك مثل قوله: إذا جاء الشتاء زوجتك ابنتي، ومثله ما لو قال: زوجتك حمل هذه المرأة لأنه لم يثبت له حكم البنات قبل الظهور في غير الإرث والوصية، ولأنه لم يتحقق أن في البطن بنتا،ومثله لو قال: إذا ولدت امرأتي بنتا زوجتكها لأنه تعليق للنكاح على شرط فهو مجرد وعد لا ينعقد به عقد.

أن يكون المعلق عليه محتمل الوجود: مثل قوله لها: إن ربحت من تجارتك زوجتك، أو إن نجحت في الامتحان تزوجتك، فإن الربح والنجاح لا نقطع بوجودهمان وقد نص المالكية هنا على مسألة مستثناة هي أن يقول الشخص في مرضه: (إن مت فقد زوجت ابنتي فلانة من فلان)فقد نص أصبغ على جوازها سواء طال زمان المرض أو قصر، وهي مسألة خارجة عن الأصل بالإجماع.

أن يكون المعلق عليه مستحيل الوجود:مثل ما لو قال لها: زوجيني نفسك فقالت: إن شربت ماء هذا البحر كله زوجتك نفسي.

وجود المعلق عليه وقت التعليق:

ومثال ذلك ما لو قالت امرأة لرجل بحضرة شاهدين: تزوجتك على كذا من المال إن أجاز أبي أو رضي، فقال: قبلت، فإنه لا يصح إلا إذا كان الأب حاضرا في المجلس، وأن يقول رضيت أو أجزت، ومن الأدلة النصية على ذلك([71]):

  1. ما روي أن فتاة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرته أنا أباها زوجها ابن أخيه وهي كارهة. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء([72]).
  2. أن أم حبيبة كانت تحت عبد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع شرحبيل بن حسنة([73]).
  3. روي عن علي أن رجلا أتاه بعبد له فقال: إن عبدي تزوج بغير إذني، فقال له علي: فرق بينهما. فقال السيد لعبده: طلقها يا عدو الله. فقال علي للسيد: قد أجزت النكاح، فإن شئت أيها العبد فطلق وإن شئت فأمسك([74]).

ويلحق بهذه الحالة ما لوقال الولي: زوجتك ابنتي إن كانت حية مع كونها كانت غائبة، وتحدث بموتها أو ذكر موتها أو قتلها، ولم يثبت ذلك فإن هذا التعليق يصح معه العقد، لأن إن إذا أدخلت على ماض محقق كانت بمعنى إذ وإذ معناها التحقيق.

ويلحق بها كذلك تعليقه بمشيئة الله تعالى فإن العقد يصح به، وقد نقل الإجماع في ذلك، لأنه شرط موجود إذا الله شاءه، حيث استجمعت أركانه وشروطه.

ولكن يجب التنبيه هنا إلى أن لفظ المشيئة قد تطلقه العامة وتريد به التعليق لا التحقيق، ففي هذا الحالة لا ينعقد العقد مع لفظ المشيئة،وهو ما قيده الفقهاء بقولهم:(لو قال زوجتك إن شاء الله تعالى وقصد التعليق، أو أطلق لم يصح، وإن قصد التبرك أو أن كل شيء بمشيئته تعالى صح)

ويلحق بها كذلك ما لو قال: (زوجتك ابنتي إن شئت)، فقال:(قد شئت وقبلت) فإنه يصح، لأنه شرط موجب العقد ومقتضاه، لأن الإيجاب إذا صدر كان القبول إلى مشيئة القابل، ولا يتم العقد بدونه.

الصورة الثانية: تعليق العقد على زمن:

وهو أن يضيف الموجب الصيغة إلى زمن مستقبل، كأن يقول لها: زوجيني نفسك في أول العام القادم فتقول قبلت.

وهذا لا ينعقد أصلاً لا في وقت العقد ولا في الزمن الذي أضافه إليه، لأن الزواج مشروع ليفيد ملك المتعة في الحال، والإضافة إلى المستقبل مانعة من ترتيب آثاره في الحال، فتكون الإضافة منافية لمقتضى العقد فيلغو، ولأن الإضافة لا تخرج عن كونها وعداً بالزواج حين يجيء الوقت المذكور والوعد بالزواج ليس زواجاً([75]).

د ـ تأبيد الصيغة

أي أن لا تحمل الصيغة أي دلالة على التوقيت، كأن يؤقت العقد بمدة محددة، ويبحث الفقهاء عادة هنا مسألة حكم زواج المتعة، وقد رأينا أن أولى الفصول تعلقا بهذه المسألة هو الفصل التالي، لأن زواج المتعة مع كثرة الجدل الدائر بشأنه لا يعدو أن يكون نوعا من أنواع الشروط المقيدة للعقد.

ونحب أن نشير هنا إلى أن من أهل السنة من أجاز تقييد العقد بالمدة مع إلغائها، وهو قول زفر فقد قال فيمن يتزوج امرأة بشهادة شاهدين إلى عشرة أيام هو صحيح لازم لأن الزواج لا يبطل بالشروط الفاسدة، قال الشارح: (عني النكاح الموقت هو أن يتزوج امرأة بشهادة شاهدين عشرة أيام لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، بل تبطل هي ويصح النكاح، فصار كما إذا تزوجها على أن يطلقها بعد شهر صح وبطل الشرط، أما لو تزوج وفي نيته أن يطلقها بعد مدة نواها صح)([76])

وقد رجح كثير من الحنفية قول زفر لأن مقتضى قواعدهم في الشروط المقيدة للعقد تؤيده، يقول ابن الهمام:(ومقتضى النظر أن يترجح قوله، لأن غاية الأمر أن يكون الموقت متعة،وهو منسوخ، لكن نقول: المنسوخ معنى المتعة على الوجه الذي كانت الشرعية عليه، وهو ما ينتهي العقد فيه بانتهاء المدة ويتلاشى، وأنا لا أقول به كذلك، وإنما أقول ينعقد مؤبدا ويلغو شرط التوقيت، فحقيقة إلغاء شرط التوقيت هو أثر النسخ)([77])

ولهذا لا يختلف قول الحنفية وخاصة زفر عن قول الإمامية إلا في أن زواج المتعة عند الإمامية ينتهي بانتهاء المدة بينما لا ينتهي عند الحنفية إلا بالطلاق (ولذا إذا انقضت المدة لا ينتهي النكاح بل هو مستمر إلى أن يطلقها)، بل إن في أقوالهم ما يتفق مع ذلك أيضا، فكلهم يتفقون على أنه إن قال:(تزوجتك على أن أطلقك إلى عشرة أيام) أن الزواج صحيح، لأنه أبد الزواج ثم شرط قطع التأبيد بذكر الطلاق في الزواج المؤبد، والزواج المؤبد لا تبطله الشروط([78]).

بل إن الزواج بلفظ المتعة نفسه فيه مجال عندهم للنظر فـ(المعتبر في العقود معانيها لا الألفاظ)وفي كتب الحنفية (وقال أتزوجك متعة انعقد النكاح ولغا قوله متعة)([79])

وسنأتي لمزيد من التحقيق في زواج المتعة بين السنة والإمامية في محله من هذا الجزء.

ثالثا ـ شروط المحل

المراد بالمحل هنا هو طرفا العقد، وهما (الزوج والزوجة)، وسنتحدث هنا عن الشروط الأساسية المرتبطة بهما، وسنرى المزيد من الشروط في محالها من الأجزاء التالية من هذه السلسلة.

1 ـ شروط الزوجة

من أهم الشروط المرتبطة بالزوجة الشرطان التاليان:

أ ـ أن تكون الزوجة امرأة:

وذلك([80]) بأن تكون أنثى محققة الأنوثة، وهو ما أشير إليه في تعريف ابن عرفة للزواج بأنه (بآدمية)، وهو يخرج بذلك أصنافا كثيرة ذكرها الفقهاء السابقون، وأصنافا حدثت في عصرنا كزواج الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وهذه الأصناف هي:

الزواج من الجن:

وهي مسألة ذكرها الفقهاء في كتبهم قديما وحديثا مع عدم مايدل عليها من النصوص الشرعية، وهو من الدخن الذي نراه لحق بالفقه نتيجة تدخل الأعراف والتقاليد والأساطير في الشريعة السمحة النقية.

ومن الأمثلة على ذلك ما علق به بعض المالكية معقبا على تعريف ابن عرفة للزواج بأنه (بآدمية) بقوله: (قول ابن عرفة بآدمية يقتضي عدم صحة نكاح الجنية وليس كذلك، فقد سئل الإمام مالك عن نكاح الجن فقال: لا أرى به بأسا في الدين، ولكن أكره أن توجد امرأة حاملة فتدعي أنه من زوجها الجني فيكثر الفساد، فقوله لا بأس يقتضي الجواز، والتعليل يقتضي المنع وهو منتف في العكس)([81])

ولا نرى لهذا التعليق من قيمة شرعية لأنه لا يوجد في النصوص الشرعية ما يدل على إمكانية زواج الإنس بالجن فكيف بإباحته، وسد الذريعة يقتضي سد كل المنافذ المؤدية إلى الانحراف، وهو ما أشار إليه الإمام مالك، والانحراف لا يقتصر فقط على الانحراف الجنسي بل يعدوه إلى الانحراف العقلي بتقبل الخرافات واعتقادها دينا.

وقد أدت المبالغة في أمر الجن بعضهم إلى أن يدعو فيقول في دعائه: (اللهم ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كنت)([82])

بل دخلت هذه الأساطير والخرفات التفاسير القرآنية حتى ما اختص منها بأحكام القرآن، والعامة يعتقدون في التفسير ما يعتقدونه في القرآن، قال ابن العربي عن ملكة سبأ بحماسة وشدة:(قال علماؤنا: هي بلقيس بنت شرحبيل ملكة سبأ، وأمها جنية بنت أربعين ملكا، وهذا أمر تنكره الملحدة، ويقولون: إن الجن لا يأكلون، ولا يلدون وكذبوا لعنهم الله أجمعين، ذلك صحيح ونكاحهم مع الإنس جائز عقلا. فإن صح نقلا فبها ونعمت، وإلا بقينا على أصل الجواز العقلي)([83])

ونحن لا ننكره ـ كما يقول ابن العربي ـ لإلحادنا وإنما لتوقفنا عند الحدود التي وضعها لنا الشرع، فأي نص من القرآن أو من السنة يثبت ذلك حتى نعتقده أو ندعو لاعتقادنا؟ ثم هل الجواز العقلي هو المعتبر في العقائد والفقه أم الجواز الشرعي؟ وهل كل جائز عقلا جائز واقعا وشرعا؟

إن السبب، في ما نرى، في انتشار مثل هذه الأقوال وما أكثرها، هو مايسمى بالفقه الافتراضي الذي يبدؤه الأول احتمالا عقليا ويختمه الآخر جوازا شرعيا، ويرتب عليه من بعده التفاصيل مثل ما نرى في هذا النص:(وإن صح نكاح جنية فيتوجه أنها في حقوق الزوجية كالآدمية لظواهر الشرع، إلا ما خصه الدليل، وقد ظهر مما سبق أن نكاح الجني للآدمية كنكاح الآدمي للجنية، وقد يتوجه القول بالمنع هنا، وإن جاز عكسه لشرف جنس الآدمي، وفيه نظر، لمنع كون هذا الشرف له تأثير في منع النكاح، وقد يحتمل عكس هذا الاحتمال، لأن الجني يتملك فيصح تمليكه للآدمية، ويحتمل أن يقال ظاهر كلام من لم يذكر عدم صحة الوصية لجني صحة ذلك، ولا يضر نصه في الهبة لتعتبر الوصية بها، ولعل هذا أولى، لأنه إذا صح تمليك المسلم الحربي فمؤمن الجن أولى، وكافرهم كالحربي، ولا دليل على المنع، ويبايع ويشارى، إن ملك بالتمليك وإلا فلا، فأما تمليك بعضهم من بعض فمتوجه، ومعلوم إن صح معاملتهم ومناكحتهم فلا بد من شروط صحة ذلك بطريق قاطع شرعي، ويقطعه قاطع شرعي، ويقبل قولهم أن ما بيدهم ملكهم مع إسلامهم، وكافرهم كالحربي)([84])

هذا ما ذكره ابن مفلح [ت763هـ] على هيئة احتمالات تبرز البراعة الفقهية في تخريج مثل هذا النوع من الفرضيات، ليأتي بعده السيوطي [ت911هـ] ليرتب الاحتمالات ويضع الأسئلة في كتاب خصصه لجانب مهم في الشريعة هو القواعد الفقهية فيقول:(إذا أراد أن يتزوج بامرأة من الجن – عند فرض إمكانه – فهل يجوز ذلك أو يمتنع فإن الله تعالى قال: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(الروم:21)، فامتن الباري تعالى بأن جعل ذلك من جنس ما يؤلف، فإن جوزنا ذلك – وهو المذكور في شرح الوجيز لابن يونس – فهل يجبرها على ملازمة المسكن أو لا؟ وهل له منعها من التشكل في غير صور الآدميين عند القدرة عليه، لأنه قد تحصل النفرة أو لا، وهل يعتمد عليها فيما يتعلق بشروط صحة النكاح من أمر وليها وخلوها عن الموانع أو لا، وهل يجوز قبول ذلك من قاضيهم أو لا، وهل إذا رآها في صورة غير التي ألفها وادعت أنها هي، فهل يعتمد عليها ويجوز له وطؤها أو لا، وهل يكلف الإتيان بما يألفونه من قوتهم، كالعظم وغيره إذا أمكن الاقتيات بغيره)([85])

بل نرى كل متأخر يجتهد لينبه عل مالم ينبه له السابق، فبعد أن أصل السيوطي زواج الإنس بالجن، وقرر ما قرر مما ينفيه ما استدل به أولا من أن الباري تعالى جعل الزوجة من جنس ما يؤلف، إذا به ببحث في حكم الأولاد المتناسلين من الجن والإنس، وينبه على أنه لم ينتبه له أحد، فمن الوجوه التي ذكرها لمنع الزواج بالجنية (أنه قد منع من نكاح الحر للأمة لما يحصل للولد من الضرر بالإرقاق، ولا شك أن الضرر بكونه من جنية وفيه شائبة من الجن خلقا وخلقا، وله بهم اتصال ومخالطة أشد من ضرر الإرقاق الذي هو مرجو الزوال بكثي،ر فإذا منع من نكاح الأمة مع الاتحاد في الجنس للاختلاف في النوع، فلأن يمنع من نكاح ما ليس من الجنس من باب أولى، وهذا تخريج قوي لم أر من تنبه له)([86])

ولتسهيل مثل هذا التدليس على العامة يروون في ذلك حديثا يستدلون به على عدم الجواز الشرعي، وكأنهم بذلك يصححون به الجواز الوقوعي، وهو ما رواه ابن لهيعة عن يونس بن يزيد عن الزهري قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نكاح الجن)([87]) والحديث ضعيف من وجهين: هو مرسل عن الزهري من جهة، وفيه ابن لهيعة من جهة أخرى.

ومع روايتهم للحديث ومعرفتهم بضعفه ومصادمته للنصوص الصريحة الثابتة إلا أنهم يضيفون إليه تأويلا فيجعلون النهي للكراهة لا للتحريم ([88]).

وليست فروع الزواج من الجن بمسائل نادرة أو شاذة أو خاصة، بل إن العامة عندنا تطبقها عقودا شرعية يقيمها بعض المشايخ بين الإنس والجن معتمدين في ذلك على قول هؤلاء الفقهاء، ولا يستغرب ذلك من العامة بعد أن ينص الفقهاء على ذلك بقولهم:(وعلى كلام القمولي الذي هو المعتمد لو جاءت امرأة جنية للقاضي وقالت له: لا ولي لي خاص وأريد أن أتزوج بهذا جاز له العقد عليها، ومثلها الإنسية لو أرادت التزويج بجني)([89])، ولم يبق إلا أن يجعل قاض خاص يقوم بإجراء العقود الشرعية بين الجن والإنس.

ومن الفروع التي ذكرها الفقهاء لأمثال هذه المسائل والتي تذكر في مظانها من أبواب الفقه ما ذكر في باب الرضاع عند ذكر اشتراط كون المرأة حية أن ذلك يشمل الجنية قال البلقيني: (يحتمل أن يحرم لبنها لأنها من جنس المكلفين)([90])

وفي الباب المخصص لحقوق الزوجية، أن من تزوج بجنية جاز له وطؤها وهي على غير صورة الآدمية، ولا ينقض لمسها وضوءه، ومن الدواهي التي تقشعر لها الأبدان ما قرره بعضهم في ذلك من أن (للآدمية تمكين زوجها الجني ولو على صورة نحو كلب حيث ظنت زوجيته، وللآدمي وطء زوجته الجنية ولو على صورة نحو كلبة حيث ظن زوجيتها، ولا ينتقض الوضوء بمس أحدهما للآخر في غير صورة الآدمي، لأنه حينئذ كالبهيمة ولا يصير أحدهما بوطئه في هذه الحالة محصنا، وتثبت هذه الأحكام إن كانا على صورة الآدمي)([91])

بل إن هذه الأحكام تدخلت حتى في العبادات ففي باب الإمامة ينص بعض الفقهاء على أن شرط صحة الاقتداء بالجني أن يكون على صورة الآدمي، وكذا في صحة الجمعة به حيث كان من الأربعين([92]).

ومما يدل على أن منبع هذه الأحكام الخرافة لا الشرع ما ذكره الفقهاء من عدم الجواز الشرعي للتزاوج بين البشر وعروس البحر، فـ(لا تجوز بين بني آدم وإنسان الماء والجن، ويجوز تزوج الجنية بشهادة الرجلين)، وهو مقدمة لتعقيب من فقهاء آخرين لتنتج عنه بعد ذلك التفاصيل الكثيرة.

الزواج من الخنثى

يقسم الفقهاء الخنثى إلى قسمين:

الخنثى غير مشكل: وهو من تظهر فيه علامات الذكورة أو الأنوثة، فيعلم أنه رجل، أو امرأة، وإنما فيه خلقة زائدة أو فيها خلقة زائدة،وحكمه الشرعي في إرثه وسائر أحكامه حكم ما ظهرت علاماته فيه من الذكورة والأنوثة.

الخنثى المشكل: وهو من لا تظهر فيه علامات الذكورة أو الأنوثة، ولا يعلم أنه رجل أو امرأة، أو تعارضت فيه العلامات.

فتبين من هذا أن الخنثى المشكل نوعان: نوع له آلتان، واستوت فيه العلامات، ونوع ليس له واحدة من الآلتين([93]).

ولا ندري نسبة وجود هذا النوع من الخنثى،ولكنها فيما يبدو نسبة نادرة جدا، ومع ذلك يحضى الخنثى المشكل بنصيب عظيم في تراثنا الفقهي وفي معظم أبواب الفقه، وكأن له وجودا فعليا واقعيا خطيرا، وما أحسن ما استدل به ابن قدامة عند ذكره للخنثى من قوله تعالى: { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} (النجم:45)، وقوله تعالى:{ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً }(النساء:1)،وقد علق على ذلك بقوله: (فليس ثم خلق ثالث)([94])

وأحسن ما قيل في حكم الخنثى المشكل فيما يتعلق بالزواج هو اعتبار ميله الطبيعي، لأنه هو المعتبر في النواحي الجنسية بخلاف المبال، فإنه لا علاقة له بذلك، بل علاقته بجهاز الإطراح، قال ابن قدامة:(وقد يعرف نفسه بميل طبعه إلى أحد الصنفين وشهوته له، فإن الله تعالى أجرى العادة في الحيوانات بميل الذكر إلى الأنثى وميلها إليه، وهذا الميل أمر في النفس والشهوة لا يطلع عليه غيره، وقد تعذرت علينا معرفة علاماته الظاهرة، فرجع فيه إلى الأمور الباطنة، فيما يختص هو بحكمه)([95])

ولكن ميله لا يعتبر إلا مرة واحدة فلو تزوج بعدها رجلا كان أو امرأة لا يبقى له بعد ذلك من مجال لتغيير الجنس،قال ابن قدامة: (إذا قال الخنثى المشكل: أنا رجل. لم يمنع من نكاح النساء، ولم يكن له أن ينكح بغير ذلك بعد، وكذلك لو سبق، فقال: أنا امرأة. لم ينكح إلا رجلا)([96])

وليس من الخنثى المشكل في عصرنا من بدل جنسه، فإنه يبقى على أصل الجنس الذي خلق عليه ولا ينفعه التبديل.

الزواج المثلي

الجنسية المثلية هو مصطلح حديث يراد منه الميل الجنسي إلى الجنس المماثل، ولا شك في رفض الاسلام لهذا النوع من الزواج رفضا شديدا، سواء كان هذا الزواج ضمن دائرة الشذوذ الجنسي الذي يسمى اللواط، أو ضمن الدائرة الثانية دائرة الشذوذ الجنسي المؤنث والذي يسمى السحاق.

وقد نص القرآن الكريم على اعتبار النوع الأول سببا من أسباب هلاك حضارة كاملة جعلها تعالى في القرآن الكريم نموذجا لحضارة الشواذ، قال تعالى على لسان لوط u، وهو يخاطبهم:{ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} (لأعراف:81)

وقد نعت القرآن الكريم قوم لوط الذين اشتهروا بهذا الإجرام وانفردوا به عن العالمين حينا بالظالمين حيث قال تعالى:{ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} (هود:82 ـ 83)، وحينا بالعادين قال تعالى: {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} (الشعراء:166)، وحينا بالفاسقين، قال تعالى:{ وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} (الانبياء:74)

وقد بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشاعة هذا الانحراف، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:(أخوف ما أخاف عليكم عمل قوم لوط)([97])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:(لا ينظر الله إلى رجل أتى ذكرا أو امرأة في دبرها)([98])

ونرى لهذا أن يحكم بأشد العقوبات على من يقع في هذه الفواحش ـ استدلالا بما قصه الله تعالى في قصة لوط u ـ سدا لذرائعها، وقمعا للانحراف، فلا يقمع الانحراف مثل الردع.

أما النوع الثاني، وهو علاقة الانثى بالانثى جنسياً، فهو لا يختلف عن اللواط في أسبابه ونتائجه، وإن كان يختلف في العقوبة المرتبطة به.

ب ـ كون المرأة محلا أصليا للزوج:

وهو([99]) ألا تكون المرأة محرمة عليه تحريماً قطعياً، سواء كان التحريم مؤبداً كالأم والبنت والأخت وباقي المحرمات، أو مؤقتاً كزوجة الغير والمسلمة بالنسبة لغير المسلم، والوثنية بالنسبة للمسلم، فإن عقد على واحدة من هؤلاء كان العقد باطلاً، لأن هذه المرأة ليست محلاً أصلاً للزواج فيكون العقد خالياً من المحل والعقد لا يوجد بدون محله.

ولذلك يشترط التحقق من العلاقة الرابطة بين الزوجين قبل إيقاع العقد بله الدخول لما يترتب من عدم التحقق من مفاسد نرى الكثير منها يحدث بسبب التساهل خاصة في الحرمة الناشئة عن الرضاع،ولذلك ذكر الفقهاء أنه لو (اشتبهت أخته بعدد محصور من الأجنبيات منع من التزوج بكل واحدة منهن حتى يعلم أخته من غيرها)([100])، وللمسألة تفاصيل كثيرة، وقد خصصنا لها فصلا خاصا في هذا الجزء تناولنا فيه بتفصيل موانع الزواج المؤبدة والمؤقتة.

وقد فرق الحنفية بين المرأة المحرمة بدليل قطعي فجعلوها من شروط الانعقاد بينما جعلوا المرأة المحرمة تحريماً ظنياً من شروط الصحة، فمن كانت حرمتها ثابتة بدليل ظني أو مما يخفى تحريمها للاشتباه في أمره، كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها، وتزوج المعتدة من طلاق بائن، وتزوج أخت زوجته التي طلقها في أثناء عدتها لخفاء كل منهما والاشتباه فيه، فمثل هذا الزواج عندهم يكون منعقداً، لأن المرأة محل للزواج في الجملة حيث يرى بعض الفقهاء صحته لكنه يكون فاسداً لعدم صلاحيته في ذاته لترتب الآثار عليه، وما يترتب عليه من بعض الآثار جاء نتيجة الدخول بتلك المرأة بعد العقد.

فإن وقع العقد وجب التفريق بينهما إن لم يتفرقا باختيارهما، ولا يجب به شيء إن وقع التفريق قبل الدخول، فان أعقبه دخول ترتب عليه بعض الآثار من وجوب المهر والعدة وثبوت النسب إن أثمر هذا الزواج.

والخلاصة أن الزواج بالمرأة المحرمة عند الحنفية يختلف حكمه باختلاف نوع التحريم، فإن كان قطعياً متفقاً عليه جعل العقد باطلاً، وكان انتفاء هذه الحرمة شرطاً لانعقاد العقد.

وإن كان ظنياً أو مختلفاً فيه كان للعقد وجود، غير أنه لا يصلح في ذاته لترتب الآثار عليه، فان أعقبه دخول ترتب على هذا الدخول بعض آثار الزواج لوجود العقد صورة، وكان انتفاء هذه الحرمة شرطاً لصحة العقد بحيث إذا تخلف هذا الشرط كان العقد فاسداً.

وهذه التفرقة مبنية على التفرقة بين الباطل والفاسد في الزواج كما هو مذهب الحنفية، أما من لا يفرق بين الزواج الباطل والفاسد فقد سوى بين المحرمات كلها وجعل انتفاء المحرمية شرطاً لصحة العقد سواء كانت قطعية أو ظنية مختلفاً فيها أو مما يخفى أمرها للاشتباه فيها([101]).

2 ـ شروط الزوج

كل الشروط التي ذكرها الفقهاء للزوج تصب في الأهلية لإجراء العقد، وذلك بأن يكون أهلاً لمباشرة العقد بأن يكون مميزاً، فان كان فاقد التميز كالمجنون والصبي غير المميز لا ينعقد الزواج، لأن فاقد التميز لا إرادة له، ومتى انعدمت الإرادة انعدم العقد.

وتنقسم أهلية العاقدين بحسب نفاذها وعدمه إلى قسمين:

نفاذ العقد: وهو ما كان من كامل الأهلية كالبالغ الرشيد.

عدم نفاذ العقد: وهو ما كان من ناقص الأهلية كالصبي المميز.

وسنتحدث هنا عن بعض المسائل المتربطة بفقد الأهلية:

حكم زواج الصغير قبل البوغ:

مع عدم إجازة الفقهاء لعقد الصبي لعدم تمييزه إلا أنهم أجازوا تزويجه، فقد اتفق الفقهاء على جواز تزويج الصغار، وعدم اشتراط البلوغ في صحة الزواج،ولا العقل، بل ذهب الفقهاء إلى أنه (إن احتاج الصغير العاقل والمجنون المطبق البالغ إلى النكاح زوجهما الحاكم بعد الأب والوصي)

بل ذهبوا إلى أن للولي تزويج ابنه الصغير بأربع لأنه قد يرى المصلحة فيه (وليس له تزويجه بمعيبة عيبا يرد به في النكاح لأن فيه ضررا به وتفويتا لما له فيما لا مصلحة له فيه)أما المجنون فلا يجوز تزويجه أكثر من واحدة لاندفاع الحاجة بها([102])

بل نقل بعضهم الإجماع على ذلك، فقال: (أجمع العلماء على أنه يجوز للآباء تزويج الصغار من بناتهم وإن كن في المهد، إلا أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلا إذا صلحن للوطء واحتملن الرجال، وأحوالهن تختلف في ذلك على قدر خلقهن وطاقتهن)([103])

وقد لخص اللخمي من المالكية أحكام الصبي بقوله:(والصواب إن أمن طلاقه وخشي فساده إن لم يزوج ولا وجه لتسريه وجب تزويجه، ولو لم يطلبه ومقابله يمنع ولو طلب إلا أن يقل المهر، وإن أمن طلاقه ولم يخش فساده أبيح إلا أن يطلبه فيلزم، ومقابله إن قدر على صونه منع وإلا زوج بعد التربص)([104])

ومن الأدلة التي استدلوا بها على جواز ذلك:

  1. قوله تعالى:{ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ }(الطلاق:4) فجعل على اللائي لم يحضن عدة ولا يكون إلا عن نكاح.
  2. ما قد يكون فيه من تحقيق مصلحة في بعض الحالات، فقد يجيء الكفء يطلب زواج الصغيرة، والولي حريص على مصلحة ابنته الصغيرة، فيزوجها حتى لا يفوت الكفء إذا ما انتظر بلوغها حيث لا يوجد في كل وقت([105]).

ونرى من خلال الشرط الأساسي في الزواج، وهو رضا الطرفين [الزوج والزوجة] التام، والمبني على قناعة تامة من غير أي إكراه أوجبر أنه لا يجوز هذا النوع من الزواج في الأحوال العادية لتوقف الرضا والقناعة على كمال العقل، وذلك لا يكون إلا بالبلوغ، فلا يمكن لإنسان أن يبني حياته جميعا على تصرف تصرف به، وهو في صباه الباكر لا يعقل شيئا، أما الخوف من فوات الفرصة كما يذكر الفقهاء، فيمكن أن يعتبر ذلك من باب الوعد، والذي لا يتحقق إلا بعد موافقة صاحب الشأن، وهو [الزوج والزوجة]

لكن وبسبب ظروف خاصة، قد يضطر الأب إلى تزويج ابنته وهي صغيرة من باب الحرص عليها، وفي هذه الحالة فإن الأرجح في حال حصول مثل هذا الزواج ثبوت الخيار للصغار إذا بلغوا درءا للمفسدة بعد حصولها، وإن كان الأولى هو درء المفسدة قبل حصولها بعدم التزويج إلا بعد البلوغ، وبعد تمكن الطرفين من الإدلاء برأيهما بعد الإدراك التام الذي يحصل بالبلوغ.

وليس منع زواج الصغار من المسائل المجمع عليها، فيكون الخلاف فيها شذوذا في الرأي، وإنما هو خلاف قديم، قال الجصاص: (إن للأب تزويج ابنته الصغيرة… إذ كان هو أقرب الأولياء، ولا نعلم في جواز ذلك خلافا بين السلف والخلف من فقهاء الأمصار إلا شيئا رواه بسر بن الوليد عن ابن شبرمة أن تزويج الآباء على الصغار لا يجوز، وهو مذهب الأصم)

ولكن الأدلة النصية مع ذلك على خلاف قول ابن شبرمة ومذهب لأصم، فالله تعالى يقول: { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ }(الطلاق: 4)، فحكم بصحة طلاق الصغيرة التي لم تحض، والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح، فتضمنت الآية جواز تزويج الصغيرة إذا اقتضت الضرورة ذلك.

وإنما أوردنا هذا الخلاف من باب التوسعة التي تتيح لولي الأمر أن يسن من القوانين ما يمنع زواج الصغار خشية الغرر، حتى لو كان الولي أبا، فإنا نرى ونسمع الأخبار الكثيرة عن الآباء الذي يبيعون أولادهم وبناتهم بأسماء مختلفة، وقد يكون من بينها اسم الزواج، فلذلك يجوز لولي الأمر أن يغلق هذا الباب من غير أن يكون بذلك مخالفا إجماع الأمة أو المعلوم من الدين بالضرورة.

حكم زواج المجنون:

وقد أباحت الشريعة الإسلامية كذلك زواج المجنون، بل قال بعض الشافعية بوجوب تزويج المجنونة في حالتين:

  1. حالة توقها للزواج، بأن فهم منها ذلك.
  2. توقع الشفاء بالزواج بقول عدلين من الأطباء([106]).

وكذلك المجنون فقد تظهر رغبته في النساء أو يتوقع شفاؤه بالزواج أو يحتاج إلى متعهدة، ولا يوجد في محارمه من يقوم بذلك.

وجعل المالكية العلة في تزويج المجنون ما لوخشي منه الفساد أما إن لم يخش منه ذلك فلا يزوج كما عبر خليل عن ذلك بقوله:(مجنونا احتاج)([107])

أما من من كان جنونه متقطعا فلا يجوز تزويجه إلا بإذنه إن كان بالغا، لأنه يمكن أن يتزوج لنفسه فلم تثبت ولاية تزويجه لغيره كالعاقل، ومثله من زال عقله بمرض مرجو للزوال، فإن حكمه حكم العاقل، فإن دام به صار كالمجنون)([108])

ويلحق الإباضية الشيخ الخرف بالمجنون في الحكم([109])، ويلحق به كذلك السكران،وعن مالك أنه لا يجوز نكاح السكران ويلزمه طلاقه، وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ سبيل السكران في نكاحه وإنكاحه سبيل المعتوه ولا يلزمه منه شيء([110]).

ويفهم من قول الفقهاء في هذه المسائل جميعا أن العبرة بالحاجة سواء للصبي أو المجنون (أما تزويجه بغير حاجة، فلا يلزم بل لا يجوز)([111])

ويزوج المجنونة أبوها أو جدها في حال صغرها أما إن بلغت فيمكن أن يزوجها ولو ثيبا القاضي ويسن له مراجعة أقاربها وأقارب المجنون تطييبا لقلوبهم، ولأنهم أعرف بمصلحتها فيراجع الجميع حتى الأخ والعم والخال([112]).

حكم زواج السفيه:

اتفق الفقهاء على صحة نكاح السفيه([113]) المحجور عليه، لكنهم اختلفوا في اشتراط إذن الولي لصحته على الأقوال التالية([114]):

القول الأول:صحة نكاحه أذن الولي أو لم يأذن، وهو مذهب الحنفية، ومن أدلتهم على ذلك:

  1. أن السفيه كالبالغ الرشيد في وجوب العبادات والعقوبات كالحدود والقصاص وغيرها.
  2. أنه عقد غير مالي ولزوم المال فيه ضمني.
  3. أن عقد الزواج يصح مع الهزل.
  4. أن الزواج من الحوائج الأصلية للإنسان.

القول الثاني: عدم صحته إلا بإذن الولي،وقد جعلوا الخيار للولي: إن شاء زوجه بنفسه وإن شاء أذن له ليعقد بنفسه، وهو مذهب الشافعية وأبي ثور، ومن أدلتهم على ذلك أنه تصرف يجب به المال فلم يصح بغير إذن وليه كالشراء.

فإذا تزوج بغير إذن وليه فلا شيء للزوجة إن لم يدخل بها عند الشافعية، فإن دخل بها فلا حد للشبهة. ولا يلزمه شيء – كما لو اشترى شيئا بغير إذن وليه وأتلفه([115])، والقول الثاني يلزمه مهر المثل – كما لو جنى على غيره، والثالث: يلزمه أقل شيء يتمول([116]).

القول الثالث: صحة نكاح المحجور عليه بسفه، ويكون النكاح موقوفا على إجازة الولي، فإن أجازه نفذ، وإن رده بطل، وهو مذهب المالكية والإمامية([117])، ومن آثار البطلان عندهم:

إن كان قبل البناء: لا شيء عليه من مهر ولا غيره وكانت طلقة واحدة.

إن كان بعد البناء: فقد اختلف فيه قول المالكية حول حق المرأة في المهر على الآراء التالية:

  1. ترد الزوجة ما قبضت أو قبض ولا يترك لها شيئا، وهو قول عبد الملك، لأن ما سلم إلى السفيه على وجه المعاوضة بطل جميع عوضه كالبيع، فقاس ابن ماجشون ذلك على البيع.
  2. يترك لها، وهو قول مالك وأكثر أصحابه، ودليله الاستحسان، لأن البضع لا يحل بذله بغير عوض، فيلزم المحجور فيستوفيه على وجه مباح أقل ما يكون عوضا له، لأنه بذلك يتميز من السفاح وما زاد على ذلك فلا تأثير له في الإباحة فيرد عليه.
  3. أن السفيه إذا انتفع بما اشترى بغير إذن وليه لزمه قيمته فكذلك يلزمه ما يستباح به البضع إذا استوفاه([118]).                    

القول الرابع: يصح زواجه بشرط احتياجه إليه، سواء كانت الحاجة للمتعة أم للخدمة، وهو قول للحنابلة والشافعية، بل يحق للولي عندهم إجبار السفيه على النكاح إن كان السفيه محتاجا إليه بأن كان زمنا أو ضعيفا يحتاج إلى امرأة تخدمه، فإن لم يكن محتاجا إليه فليس للولي ذلك، ومن أدلتهم على ذلك: أنه مصلحة محضة والنكاح لم يشرع لقصد المال([119]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة جواز زواجه، أذن وليه أو لم يأذن بشرط أن يحتاط في مهره، لأنه بسبب تصرفاته في ماله حجر عليه،وقد نصت على طريقة التعامل مع ماله مجلة الأحكام العدلية في المادة 993 بقولها:(صح نكاح السفيه المحجور وطلاقه …وعليه فيجوز تزوج السفيه المحجور بامرأة مع تسمية مهر معين، فإذا كان المهر المسمى مهر المثل أو أنقص من مهر المثل فبها، وإذا زاد فالزيادة باطلة، وإذا طلق المحجور بالسفه زوجته قبل الدخول لزمه نصف المهر المسمى، وكذلك الحكم فيما لو تزوج أربع نسوة)([120]).

وبهذا يمكن تفادي علة السفه مع بقاء أصل حل الزواج، والمرأة المحجورة في ذلك لها نفس حكم الرجل، فتزويج المرأة المحجورة نفسها من رجل كفؤ بمهر المثل جائزة، ولو تزوجت امرأة سفيهة من رجل كفؤ بمهر مثلها أو بأقل مما يتغابن فيه جاز، لأن النكاح يصح مع الحجر، وإن كان المهر أقل من مهر مثلها بما لا يتغابن فيه، فإن كان لم يدخل بها يقال له: إن شئت الدخول بها فتمم لها مهر مثلها، وإلا يفرق بينكما، وإن كان قد دخل بها فعليه أن يتمم لها مهر مثلها، فإن كان زوجها محجورا مثلها وسمي أكثر من مهر مثلها بطل الفضل، وإن كان أقل خوطب بالإتمام أو الفرقة.

وبمثل هذا التشريع وغيره من الإجراءات التي قد يضعها ولي الأمر يمكن زواج السفيه مع بقاء الحجر على تصرفاته المالية، لأن الحجر لا يتعلق إلا بالمال.


([1])  انظر: لسان العرب:3/296، التبيان في تفسير غريب القرآن:1/176، أحكام القرآن لابن العربي:2/7.

([2])  تفسير القرطبي: 6/32.

([3])  تفسير ابن كثير: 2/4.

([4])  التعريفات:196.

([5])  درر الحكام:1/360.

([6])  انظر:  الخرشي:3/172، الفواكه الدواني: 2/4.

([7])  القوانين الفقهية: 134.

([8])  القوانين الفقهية:131.

([9])  الخرشي:3/172.

([10])  شرح البهجة:4/103، تحفة المحتاج:7/218، حاشية الجمل:4/133، حاشية البجيرمي على الخطيب:3/387.

([11])  كشف القناع:5/37.

([12])  فتح القدير: 3/189، البحر الرائق:3/87، الفتاوى الهندية:1/267.

([13])  درر الحكام: 1/494 ،بدائع الصنائع:2/233، الفقه الإسلامي وأدلته:7/ 47، الموسوعة الفقهية:9/11.

([14])  انظر: التاج المذهب: 2/22، البحر الزخار:4/18.

([15])  شرائع الإسلام: 2/218.

([16])  شرح النيل: 6/87.

([17])  شرح حدود ابن عرفة:157.

([18])  شرائع الإسلام: 2/246.

([19])  البحر الرائق:3/87..

([20])  درر الحكام: 1/104.

([21])  شرائع الإسلام:2/247.

([22])  مطالب أولي النهى:5/46.

([23])  البحر الرائق: 3/87، مواهب الجليل:3/422.

([24])  مجمع الأنهر:1/318 ،الفروع:5/169.

([25])  المجموع:9/190، المنثور في القواعد الفقهية:1/283، تحفة المحتاج:7/221، مغني المحتاج:4/229، المحلى: 9/47، شرائع الإسلام: 2/217.

([26])  فتح القدير:3/196، وانظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام: 1/328.

([27])  إعلام الموقعين:1/221.

([28])   التهذيب:7/472، برقم 99..

([29])   نظام النكاح في الشريعة الاسلامية الغراء، ج1، ص123.

([30])  البحر الزخار: 4/18، الأشباه والنظائر:300.

([31])  مجمع الأنهر:1/318.

([32])  المغني ،7/60، البحر الزخار:4/18.

([33])  المغني:7/60، أسنى المطالب:3/119، مطالب أولي النهى:5/46، الأم8/267.

([34])  صحيح ابن خزيمة:4/251، المنتقى لابن الجارود:1/125، المسند المستخرج على صحيح مسلم:3/318، سنن الدارمي:2/69.

([35])  البخاري: 4/1920، المسند المستخرج على صحيح مسلم:4/89، سنن النسائي:3/312.

([36])  النووي على مسلم:9/214، شرح الزرقاني:3/168، مغني المحتاج:4/228.

([37])  الفتاوى الهندية:1/271.

([38])  سبق تخريجه.

([39])  النووي عل مسلم: 8/183.

([40])  العناية شرح الهداية:4/440.

([41])  انظر: حاشية الصاوي:2/350.

([42])  المحلى:9/47.

([43])  تبيين الحقائق: 2/96، شرائع الإسلام، 2/217.

([44])   لكن المعاصرين من فقهاء الشيعة والحنفية والمالكية لا يرون مانعاً من صحة العقد بصيغة المضارع أو الأمر. فلو قالت المرأة: أزوجك نفسي على الصداق المعلوم، فقال: قبلت صح العقد. وكذلك لو قال الرجل: زوجيني نفسك. فقالت المرأة: زوجتك نفسي صح العقد أيضاً.

([45])  البخاري: 1/165، مسلم:1/373، صحيح ابن خزيمة:2/5، صحيح ابن حبان:6/97.

([46])  أحكام القرآن:3/497.

([47])  الفتاوى الفقهية الكبرى، ابن حجر:4/103.

([48])  مجمع الأنهر:1/318.

([49])  مغني المحتاج:4/226.

([50])  كشاف القناع:5/39، الفتاوى الفقهية الكبرى:4/103.

([51])  المجموع:9/190.

([52])  بدائع الصنائع:2/231، المبسوط: 5/16، فتح القدير: 3/197، تبيين الحقائق:2/96، كشف الأسرار:3/41، البحر الرائق: 4/272، رد المحتار:6/415.

([53])  قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه،المستدرك:2/198، وانظر:صحيح ابن حبان:13/386، المنتقى لابن الجارود:179، سنن أبي داود:2/235، سنن النسائي:3/315.

([54])  المجموع:9/190، الإنصاف: 8/473، أسنى المطالب:3/118.

([55])  حاشية ابن القيم:6/75.

([56])  حاشيسة الصاوي:2/350، وانظر: الإنصاف: 8/473.

([57])   نظام النكاح في الشريعة الاسلامية الغراء (ج1، ص: 124)

([58])  المجموع:9/190، وانظر: الأشباه والنظائر:309.

([59])  بدائع الصنائع:2/231، الموسوعة الفقهية: 4/278، مغني المحتاج:4/230.

([60])  المبسوط:5/20.

([61])  مجمع الضمانات:345.

([62])  درر الحكام: 1/328، بلغة السالك:2/387، تبيين الحقائق: 2/95.

([63])  درر الحكام: 1/327، الفتاوى الهندية:1/269، المبسوط:6/212، الفتاوى الهندية:1/269.

([64])  الفواكه الدواني:2/4.

([65])  الموسوعة الفقهية:1/207.

([66])   نظام النكاح في الشريعة الاسلامية الغراء (ج1، ص126)

([67])  المبسوط: 5/61،فتح القدير:3/196،شرح البهجة:4/104الفتاوى الهندية:1/269.

([68])  درر الحكام:1/334،فتوحات الوهاب:4/133،حاشية البجيرمي:3/333، مطالب أولي النهى:5/129، منح الجليل:3/304.

([69])  البحر الزخار:4/19، الخرشي:5/184، المغني:7/70، الفواكه الدواني:2/4، الجوهرة النيرة:2/8، رد المحتار:3/53، نظام النكاح في الشريعة الاسلامية الغراء ج1، ص: 127.

([70])   أما إن أراد تأجيل الثمن والصداق كأن يقول: إذا جاء الشهر الفلاني دفعت لك الصداق أو الثمن فهو جائز قطعا بلا خلاف.

([71])  الإنصاف:8/47، أسنى المطالب:3/120، تحفة المحتاج:7/323،مغني المحتاج:4/231، نهاية المحتاج:6/214.

([72])  سنن النسائي: 3/284 ،سنن ابن ماجة:1/602، أحمد: 6/136، قال الزيلعي: قال البيهقي هذا مرسل ابن بريدة لم يسمع من عائشة، نصب الراية:3/192.

([73])  مر تخريجه سابقا.

([74])  البحر الزخار:4/20.

([75])  المحلى:9/481،المنثور:373،فتح القدير:3/193،البحر الرائق:3/83،الفتاوى الهندية:1/273،مجمع الأنهر:2/405،حاشية الدسوقي:2/4222.

([76])  تبيين الحقائق:2/115.

([77])  فتح القدير: 3/249.

([78])  بدائع الصنائع:2/274.

([79])  مجمع الأنهر:1/331.

([80])  أسنى المطالب:3/162، الغرر البهية:4/146.

([81])  الفواكه الدواني:2/3.

([82])  الفروع:1/604..

([83])  أحكام القرآن لابن العربي: 3/481.

([84])  الفروع:1/606.

([85])  الأشباه والنظائر:256.

([86])  الأشباه والنظائر:257.

([87])  الأشباه والنظائر:256.

([88])  حاشية البجيرمي:3/359.

([89])  حاشية البجيرمي:3/359.

([90])  أسنى الطالب:3/416.

([91])  حاشيتا قليوبي وعميرة:3/242، وانظر: تحفة المحتاج:1/137،حاشية الجمل:4/177.

([92])  حاشيتا قليوبي:1/36.

([93])  الموسوعة الفقهية:20/22، الفروع:5/40.

([94])  المغني:7/158.

([95])  المغني:7/158.

([96])  المغني:7/158.

([97])  ابن ماجة والترمذي وصححه الحاكم.

([98])  ابن حبان في صحيحه.

([99])  انظر:المدونة:2/122، المبسوط:10/220،الفروق:2/212، قواعد الأحكام:2/67، البحر الرائق:3/99.

([100])  القواعد لابن رجب:241.

([101])  انظر: البحر الرائق:3/99.

([102])  الأشباه والنظائر: 85.

([103])   ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري في صفحة 172 – 173.

([104])  المنتقى: 2/272.

([105])  المنتقى:2/272.

([106])  شرح البهجة:4/112.

([107])  مواهب الجليل:3/458.

([108])  مطالب أولي النهى: 5/55.

([109])  شرح النيل:6/367.

([110])  المنتقى:2/272.

([111])  شرح البهجة:4/112.

([112])  نهاية المحتاج:6/364.

([113])  السفه هو التبذير في المال والإسراف فيه ولا أثر للفسق والعدالة فيه. ويقابله الرشد: وهو إصلاح المال وتنميته وعدم تبذيره، هذا عند الجمهور (أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، ومالك ، وهو المذهب عند الحنابلة ، والمرجوح عند الشافعية ، وهو قول  الحسن ، وقتادة ، وابن عباس ، والثوري ، والسدي ، والضحاك)، والراجح عند الشافعية أنه: التبذير في المال والفساد فيه وفي الدين معا. وهو قول لأحمد.

([114])  انظر: تبيين الحقائق:5/193، العناية شرح الهداية:9/259،الموسوعة الفقهية:11/252،درر الحكام:2/110.

([115])  المنثور:331.

([116])  الأشباه والنظائر:113، أسنى المطالب:3/145، شرح البهجة:4/121 حاشيتا قليوبي وعميرة:2/377، فتاوى الرملي:3/157.

([117])   قال تقي المدرسي: (لا يصح زواج السفيه بدون إذن الولي أو إجازته، لكن يصح طلاقه وظهاره وخلعه، ويقبل إقراره إذا لم يتعلق بالمال كما لو أقر بالنسب أو بما يوجب القصاص ونحو ذلك ولو أقر بالسرقة يقبل في القطع دون المال)، وقال السيد إسماعيل الحسيني المرعشي في (إجماعيات فقه الشيعة): (والسفيه إذا كان به ضرورة إلى النكاح وتعذّر الحاكم والولىّ، فإنّه يجوز أن يتزوّج واحدة لا أزيد بمهر المثل)

([118])  المنتقى:3/286، التاج والإكليل:5/101، مواهب الجليل:3/457، شرح الخرشي:3/201.

([119])  فتاوى السبكي:2/277.

([120])  درر الحكام:2/110، الجوهرة النيرة:1/243.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *