الفصل الأول: أحكام العدة

الفصل الأول

أحكام العدة

بعد أن عرفنا الأنواع المختلفة لحل العصمة الزوجية، سنتناول في هذا الفصل الأحكام الخاصة بالعدة، وينحصر الحديث عنها في ذكر أسباب العدة وأنواعها وآثارها، وغير ذلك:

أولا ـ أحكام العدة وأسبابها

1 ـ تعريف العدة وحكمها:

من التعاريف التي قيلت في العدة، وهي متقاربة:

1 ـ هي مدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها، أو للتعبد، أو لتفجعها على زوج([1]).

2 ـ هي تربص من فارقت زوجها بوفاة أو حياة([2]).

وقد اتفق الفقهاء على وجوب العدة على المرأة عند وجود سببها، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قول الله تعالى:{ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } (البقرة:228) وقوله تعالى:{ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}(الطلاق:4) وقوله تعالى:{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(البقرة:234)

2 ـ عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:(لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) ([3])

3 ـ أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة بنت قيس:(اعتدي في بيت ابن أم مكتوم) ([4])، وروي عن عائشة قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض.

4 ـ أن الأمة أجمعت على مشروعية العدة ووجوبها من عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لى يومنا هذا دون نكير من أحد.

ومن الحكم التي ذكرها الفقهاء للعدة:

1 ـ العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمع ماء الأزواج على زوجة واحدة، فتختلط الأنساب وتفسد.

2 ـ تعظيم خطر الزواج ورفع قدره وإظهار شرفه، بحيث لا تنتقل الزوجة من زوج إلى زوج إلا بعد إمضاء فترة العدة.

3 ـ تطويل زمان الرجعة للمطلق لعله يندم ويفيء فيصادف زمنا يتمكن فيه من الرجعة.

4 ـ قضاء حق الزوج وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل، ولذلك شرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد.

5 ـ الاحتياط لحق الزوج، ومصلحة الزوجة، وحق الولد، والقيام بحق الله الذي أوجبه.

انطلاقا من هذه المقاصد فإن الأرجح في أكثر مسائل الخلاف في العدة هو الأخذ بأقصى الآجال رعاية للمصالح التي ذكرت في مقاصد العلة، فقد يفيئ الزوج المطلق إن طالت مدة العدة، ويستبرأ الرحم، وليس في القول بذلك أي مضرة للمرأة.

2 ـ أسباب العدة

نص الفقهاء على أسباب العدة التالية مع اختلاف بينهم في تفاصيلها:

الطلاق:

أجمع العلماء على أن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها([5]) ؛ لقول الله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا}(الأحزاب:49) ولأن العدة تجب لبراءة الرحم، وقد تيقنا هنا تحقق هذه البراءة، ومثل الطلاق الفرقة الحاصلة في الحياة، كالفسخ لرضاع، أو عيب، أو عتق، أو لعان، أو اختلاف دين قبل الدخول.

وأجمعوا على وجوب العدة من الطلاق بعد الدخول من الزواج الصحيح للأدلة الكثيرة في ذلك، والتي سنستعرضها في محالها من هذا الفصل.

الفسخ:

اختلف الفقهاء في العدة من الفرقة الحاصلة بسبب الفسخ على الأقوال التالية:

القول الأول: إن كل فرقة بين زوجين فعدتها عدة الطلاق، سواء كانت بخلع أو لعان أو رضاع، أو فسخ بعيب، أو إعسار، أو إعتاق، أو اختلاف دين، أو غيره، وهو قول أكثر العلماء كما ذكر ابن قدامة.

القول الثاني: لا عدة في الفسخ إلا في المعتقة التي تختار فراق زوجها، وهو قول الظاهرية، ومن الأدلة على ذلك([6]):

1 ـ قال الله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(الممتحنة:10)، فلم يوجب تعالى عليهن عدة في انفساخ نكاحهن من أزواجهن الكفار بإسلامهن.

2 ـ عن ابن عباس قال: كانوا إذا هاجرت امرأة من دار الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، وهو يدل على أن هذا فعل الصحابة جملة فلا يجوز خلافه.

3 ـ أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها بالعدة، ولم يأمر غيرها بعدة ولا يجوز أمرها بذلك ؛ لأنه شرع لم يأذن به الله تعالى.

4 ـ لا يجوز قياس الفسخ على الطلاق، لأنهما مختلفان، لأن الطلاق لا يكون إلا بلفظ المطلق واختياره، والفسخ يقع بغير لفظ الزوج أحب أم كره.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بشرط معرفة براءة الرحم بأي وسيلة تدل على ذلك دلالة جازمة، لأن المقصد من العدة في أكثر مواضعها، هي ترك فرصة للتراجع عن الطلاق، واستمرار الحياة الزوجية، بالإضافة إلى استبراء الرحم.

والمقصد الأول يدعو إلى ترجيح طول المدة حتى لو علمت براءة الرحم، بخلاف المقصد الثاني، وفي هذه الحالة ينتفي المقصد الأول لفساد الزواج، فلم يبق إلا المقصد الثاني، ولا معنى لتطويل العدة بعد معرفة براءة الرحم من غير سبب داع، بل في ذلك إيذاء شديد للمرأة وحبس لها عن الزواج من غير فائدة.

بالإضافة إلى هذا الترجيح المقاصدي ليس هناك دليل نصي في المسألة على وجوب العدة في الفسخ كما وجبت في الطلاق، ولا يصح قياس الفسخ على الطلاق لانتفاء الجامع بينهما، فالمطلقة يصح لزوجها إرجاعها بخلاف المفسوخ زواجها.

الخلع:

اختلف الفقهاء في المختلعة هل عليها عدة ثلاثة قروء أو تستبرأ بحيضة على قولين:

القول الأول: أن عدة المختلعة هي نفس عدة المطلقة، وقد روي عن سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وعروة، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والشعبي، والنخعي، والزهري، وقتادة وخلاس بن عمرو، وأبو عياض،وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في المذهب، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ }(البقرة:228)

2 ـ أن الخلع فرقة بين الزوجين في الحياة بعد الدخول، فكانت العدة ثلاثة قروء كعدة المطلقة.

القول الثاني: تستبرئ بحيضة، وهو قول عثمان وابن عباس وابن عمر في آخر روايتيه، وهو قول إسحق وابن المنذر وغيرهما وهو رواية عن أحمد، واستدلوا علىذلك بما يلي([7]):

1 ـ أنه لو كان الخلع طلاقا لما جاز في الحيض لأن الله حرم طلاق الحائض، وقد سلم المخالفون أو أكثرهم أنه يجوز في الحيض.

2 ـ أن الحاجة داعية إليه في الحيض، والله تعالى إنما حرم المرأة بعد الطلقة الثالثة عقوبة للرجل لئلا يطلق لغير حاجة لأن الأصل في الطلاق الحذر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة والحاجة تندفع بثلاث مرات، ولهذا أبيحت الهجرة ثلاثا والإحداد لغير موت الزوج ثلاثا، ومقام المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، والأصل في الهجرة ومقام المهاجر بمكة التحريم.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ـ بناء على ما سبق ـ أن الخلع ما دام فسخا للأدلة التي ذكرناها في محلها من الفصل الخاص به، فإنه يكتفى فيه باستبراء الرحم، لأنه لا معنى لتطويل عدة من لا تحب الرجوع لزوجها بعد أن افتدت منه بمالها، ونرى أن هذا الاستبراء يمكن أن يتم بأي وسيلة بشرط دلالتها على الجزم.

اللعان:

اختلف الفقهاء في عدة الملاعنة على قولين:

القول الأول: أنها كعدة المطلقة، لأنها مفارقة في الحياة، فأشبهت المطلقة عند جمهور الفقهاء.

القول الثاني: أن عدتها تسعة أشهر، وهو قول ابن عباس.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أنه ما دام اللعان فسخا، فإن الأرجح فيه الاكتفاء باستبراء الرحم، ويدل عليه قول ابن عباس لأن تحديد تسعة أشهر يقصد منه التأكد التام ببراءة الرحم، ويمكن معرفة ذلك دون الحاجة لهذا التحديد بأي وسيلة جازمة كما ذكرنا.

الزنى:

اختلف الفقهاء في عدة الزانية على الأقوال التالية([8]):

القول الأول: أن الزانية لا عدة عليها، حاملا كانت أو غير حامل، وهو المروي عن أبي بكر وعمر وعلي، وهو قول الحنفية والشافعية([9]) والثوري، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:(الولد للفراش وللعاهر الحجر) ([10])

2 ـ أن العدة شرعت لحفظ النسب، والزنا لا يتعلق به ثبوت النسب، ولا يوجب العدة.

القول الثاني: أن المزني بها تعتد عدة المطلقة، وقد روي عن الحسن والنخعي، وهو القول المعتمد لدى المالكية([11]) والحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنه وطء يقتضي شغل الرحم، فوجبت العدة منه.

2 ـ أنها حرة فوجب استبراؤها بعدة كاملة قياسا على الموطوءة بشبهة.

3 ـ أن المزني بها إذا تزوجت قبل الاعتداد اشتبه ولد الزوج بالولد من الزنا، فلا يحصل حفظ النسب.

القول الثالث: أن الزانية تستبرأ بحيضة واحدة، وهو قول للمالكية وقول للحنابلة، واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) ([12])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول باستبرائها بأي وسيلة من وسائل الاستبراء، لأنه لا حاجة لتطويل مدة العدة من غير سبب داع إلى ذلك، وليس في الأدلة ما ينص على أن عدة الزانية كعدة المطلقة.

الزواج الفاسد:

نص أكثر الفقهاء على وجوب العدة بالدخول في النكاح الفاسد المختلف فيه بين المذاهب، وذلك بسبب الفرقة الكائنة بتفريق القاضي.

واتفقوا على وجوب العدة في النكاح المجمع على فساده بالوطء، أي بالدخول، كنكاح المعتدة وزوجة الغير، والمحارم إذا كانت هناك شبهة تسقط الحد، بأن كان لا يعلم بالحرمة.

واختلفوا فيما لو كان يعلم بالحرمة على قولين:

القول الأول: وجوب عدة الاستبراء ؛ لأنها وجبت للتعرف على براءة الرحم، لا لقضاء حق النكاح، إذ لا حق للنكاح الفاسد أيا كان نوعه، وهو قول المالكية والحنابلة وبعض الحنفية.

القول الثاني: عدم وجوب العدة عند العلم بالحرمة، وهو قول الشافعية وبعض الحنفية، لعدم وجود الشبهة المسقطة للحد، ولعدم ثبوت النسب.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة الاكتفاء باستبراء الرحم لعدم إمكان الرجعة، ولا معنى لتطويل العدة من غير حاجة إلى ذلك، وليس في الأدلة ما يوجب العدة على المرأة في النكاح الفاسد أو الباطل.

الوطء بشبهة:

نص الفقهاء على أن عدة الموطوءة بشبهة وهي التي زفت إلى غير زوجها، والموجودة ليلا على فراشه إذا ادعى الاشتباه كعدة المطلقة، واتفقوا على أنه لا يجب عليها عدة وفاة، قال السرخسي: (ذا أدخل على الرجل غير امرأته فدخل بها فعلى الزوج مهر التي دخل بها ؛ لأنه دخل بها بشبهة النكاح بخبر المخبر أنها امرأته، وخبر الواحد في المعاملات حجة فيصير شبهة في إسقاط الحد فإذا سقط الحد وجب المهر، وعليها العدة ويثبت نسب ولدها منه، ولا تتقي في عدتها ما تتقي المعتدة، وبنحوه قضى علي في الوطء بالشبهة) ([13])

وقد ذكر العز عند بيانه لشبه الدارئة للحدود علة ذلك بقوله:(الثانية: شبهة في الموطوءة كوطء الشركاء الجارية المشتركة.. فدرأت عن الواطئ الحد لأنه غير آثم، والنسب لاحق به، والعدة واجبة على الموطوءة، والمهر واجب عليه) ([14])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ التعرف على براءة الرحم لشغله ولحقوق النسب فيه، كالوطء في النكاح الصحيح، فكان مثله فيما تحصل البراءة منه.

2 ـ أن الشبهة تقام مقام الحقيقة في موضع الاحتياط، وإيجاب العدة من باب الاحتياط.

ارتداد الزوج:

اتفق الفقهاء على وجوب عدة زوجة المرتد بعد الدخول أو ما في حكمه بسبب التفريق بينهما، فإن جمعها الإسلام في العدة دام النكاح، وإلا فالفرقة من الردة وعدتها تكون بالأشهر، أو بالقروء، أو بالوضع كعدة المطلقة، أما لو مات المرتد أو قتل حدا وامرأته في العدة، فقد اختلف الفقهاء على قولين:

القول الأول: أنه لا يجب عليها إلا عدة الطلاق، وهو قول المالكية والشافعية وأبي يوسف من الحنفية ؛ لأن الزوجية قد بطلت بالردة، وعدة الوفاة لا تجب إلا على الزوجات، قال الكاساني موجها قول أبي يوسف:(أن الشرع إنما أوجب عدة الوفاة على الزوجات وقد بطلت الزوجية بالطلاق البائن إلا أنا بقيناها في حق الإرث خاصة لتهمة الفرار ممن ادعى بقاءها في حق وجوب عدة الوفاة فعليه الدليل) ([15])

القول الثاني: أن المرتد إذا مات أو قتل وهي في العدة وورثته قياسا على طلاق الفار، فإنه يجب عليها عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض، حتى إنها لو لم تر في مدة الأربعة أشهر والعشر ثلاث حيض تستكمل بعد ذلك، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أن كل معتدة ورثت تجب عليها عدة الوفاة.

2 ـ أن النكاح لما بقي في حق الإرث فلأن يبقى في حق وجوب العدة أولى ؛ لأن العدة يحتاط في إيجابها فكان قيام النكاح من وجه كافيا لوجوب العدة احتياطا فيجب عليها الاعتداد أربعة أشهر وعشرا فيها ثلاث حيض.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة القول بأمرين:

1 ـ أنه لا يجب عليها أن تعتد عدة الوفاة، لأن زوجتيها معه انقطعت بردته، أما وجوب العدة قبل موته، فلإمكان إسلامه ورجعته لها.

2 ـ أنها تستحق الميراث، لأنه توفي أو حد، وهي في عدتها منه، وللمرأة الحق في الميراث ما دامت في عدتها.

وفاة الزوج:

وسبب وجوبها الوفاة بعد زواج صحيح سواء أكانت الوفاة قبل الدخول أم بعده، وسواء أكانت ممن تحيض أم لا، بشرط ألا تكون حاملا ومدتها أربعة أشهر وعشر لعموم قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا }(البقرة:234) وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا) ([16])

وقد ذكر الفقهاء حكمة عدة الوفاة بهذه المدة ؛ وهي أن الولد يكون في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم أربعين يوما علقة، ثم أربعين يوما مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في العشر، فأمرت بتربص هذه المدة ليستبين الحمل إن كان بها حمل، وهذا التعليل لا يتفق مع ما صرحت به الأحاديث من أن كل هذه المراحل تستمر اثنين وأربعين يوما، وهو ما كشف عنه العلم حديثا([17])، ولو كان هذا التعليل صحيحا لعم كل مفارقة لزوجها بطلاق وغيره، ولما كان القصد من عدة الوفاة الإحداد.

وقد اتفق الفقهاء على عدم وجوب عدة الوفاة في النكاح المجمع على فساده، واختلفوا في وجوب عدة الوفاة في النكاح الفاسد المختلف فيه على قولين:

القول الأول: عدم وجوب عدة الوفاة في النكاح الفاسد المختلف فيه كالمجمع عليه، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

  • أن عدة الوفاة تجب في النكاح الصحيح ؛ لأن الله تعالى أوجبها على الأزواج، لقوله تعالى { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } (البقرة:234) ولا يصير زوجا حقيقة إلا بالنكاح الصحيح.
  • أن عدة الوفاة تجب إظهارا للحزن والتأسف لفوات نعمة النكاح، والنعمة في النكاح الصحيح دون الفاسد.

القول الثاني: وجوب عدة الوفاة في النكاح الفاسد المختلف فيه، وهو قول المالكية، وهو قول للحنابلة، لأنه نكاح يلحق به النسب، فوجبت به عدة الوفاة كالنكاح الصحيح.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة القول بعدم وجوب عدة الوفاة من نكاح فاسد لعدم قيام الزوجية الصحيحة، ولا معنى لإحداد امرأة على شخص لم يصح زواجها منه، بل في ذلك مضرة محضة لتطويل العدة من غير سبب.

قال الشافعي مبينا هذه العلة: (إذا نكح الرجل المرأة نكاحا فاسدا فمات عنها، ثم علم فساد النكاح بعد موته أو قبله، فلم يفرق بينهما حتى مات، فعليها أن تعتد هذه عدة مطلقة، ولا تعتد عدة متوفى عنها ولا تحد في شيء من عدته، ولا ميراث بينهما لأنها لم تكن زوجة وإنما تستبرأ بعدة مطلقة، لأن ذلك أقل ما تعتد به حرة فتعتد إلا أن تكون حاملا فتضع حملها فتحل للأزواج بوضع الحمل) ([18])

ثانيا ـ أنواع العدة

فصلت النصوص الشرعية أنواع العدة بحسب أسبابها، ومن تجب عليهن من النساء، وسنفصل أقوال الفقهاء في ذلك في هذا المبحث:

النوع الأول: عدة القروء

اختلف الفقهاء في معنى القرء اصطلاحا على قولين:

القول الأول: أن المراد بالقرء الطهر، وهو قول المالكية والشافعية، ومن أدلتهم على ذلك:

1 ـ قوله تعالى: { ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}(البقرة:228)، فذكره وأثبت الهاء في العدد، فدل على أنه أراد الطهر المذكر، ولو أراد الحيضة المؤنثة لأسقط الهاء، وقال: ثلاث قروء ؛ فإن الهاء تثبت في عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة وتسقط في عدد المؤنث([19]).

2 ـ قوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(الطلاق:1) أي في عدتهن أو في الزمان الذي يصلح لعدتهن، فاللام بمعنى في، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالطلاق في الطهر، لا في الحيض لحرمته بالإجماع، فيصرف الإذن إلى زمن الطهر، ففيه دليل على أن القرء هو الطهر الذي يسمى عدة، وتطلق فيه النساء.

3 ـ قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء)، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى الطهر وأخبر أنه العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء، فصح أن القرء هو الطهر.

4 ـ أن احتجاج المخالفين بقوله صلى الله عليه وآله وسلم للمستحاضة:(اقعدي أيام أقرائك وانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي) ونحو هذا فليس فيه حجة، لأن الحيض قد يسمى قرءا، قال ابن عبد البر: (ولسنا ننازعهم في ذلك، ولكنا ننازعهم أن يكون الله عز وجل أراده بقوله:{ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}(البقرة:228) على أن هذا الحديث قد ضعفه أهل العلم، لأنه يروى عن عائشة، وعائشة لم يختلف عنها في أن الأقراء الأطهار، فيبعد عن عائشة أن تروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للمستحاضة:(دعي الصلاة أيام أقرائك) وتقول: الأقراء الأطهار، فإن صح عن عائشة، فهو حجة عليهم لأن عائشة تكون حينئذ أخبرت بأن القرء الذي يمنع من الصلاة ليس هو القرء الذي تعتد به من الطلاق، وكفى بتفرقة عائشة بين هذين حجة)

القول الثاني: المراد بالقرء الحيض، وهو ما ذهب إليه جماعة من السلف كالخلفاء الأربعة وابن مسعود وطائفة كثيرة من الصحابة والتابعين وبه قال أئمة الحديث والحنفية وأحمد في رواية أخرى حيث نقل عنه أنه قال: كنت أقول: إنها الأطهار، وأنا اليوم أذهب إلى أنها الحيض. وقال ابن القيم: (إنه رجع إلى هذا، واستقر مذهبه عليه فليس له مذهب سواه) ([20])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}([21]) (البقرة: 228) فقد أمر الله تعالى بالاعتداد بثلاثة قروء، ولو حمل القرء على الطهر لكان الاعتداد بطهرين وبعض الثالث ؛ لأن بقية الطهر الذي صادفه الطلاق محسوب من الأقراء عند القول الأول، والثلاثة اسم لعدد مخصوص، والاسم الموضوع لعدد لا يقع على ما دونه، فيكون ترك العمل بالكتاب، ولو حمل على الحيض يكون الاعتداد بثلاث حيض كوامل ؛ لأن ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة عندهم فيكون عملا بالكتاب، فكان الحمل على ذلك أولى لموافقته لظاهر النص وهو أولى من مخالفته.

2 ـ ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (طلاق الأمة اثنتان، وعدتها حيضتان) ([22])، ومعلوم أنه لا تفاوت بين الحرة والأمة في العدة فيما يقع به الانقضاء، إذ الرق أثره في تنقيص العدة التي تكون في حق الحرة لا في تغيير أصل العدة، فدل على أن أصل ما تنقضي به العدة هو الحيض.

3 ـ أن المعهود في لسان الشرع استعمال القرء بمعنى الحيض، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تدع الصلاة أيام أقرائها، وقال لفاطمة بنت أبي حبيش:(انظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء)فهذا دليل على أنه لم يعهد في لسان الشرع استعماله بمعنى الطهر في موضع، فوجب أن يحمل كلامه على المعهود في لسانه.

4 ـ قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح المشهور: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض) ([23])، فنص الشارع صلى الله عليه وآله وسلم على أن براءة رحم الأمة هو الحيض، وبه يقع الاستبراء بالواحد في الأمة، فكذلك فليكن بالثلاثة في الحرة، لأن المطلوب من الحرة في استبراء الرحم هو المطلوب من الأمة بعينه.

الترجيح:

هذه المسألة من المسائل التي اشتد فيها الخلاف من لدن السلف، والأدلة فيها تكاد تتكافأ، وسبب ذلك أن القرء في اللغة العربية يشترك إطلاقه في الحيض والطهر، مع دلالته في نفس الوقت على الوقت، ولعل المراد في النص القرآني هو الوقت بغض النظر عن كونه وقت حيض أم وقت طهر، للدلالة على أن المعتدة تعتد ثلاث دورات إما باعتبار طهرها، أو باعتبار حيضها، وقد قال ابن العربي:(وبه تشاغل الناس قديما وحديثا من فقهاء ولغويين في تقديم أحدهما على الآخر ؛ وأوصيكم ألا تشتغلوا الآن بذلك لوجوه؛ أقربها أن أهل اللغة قد اتفقوا على أن القرء الوقت، يكفيك هذا فيصلا بين المتشعبين وحسما لداء المختلفين)([24])

ولكن الناحية المقاصدية قد ترجح القول باعتباره حيضا، ففي ذلك تأكيد لبراءة الرحم، وتطويل للفترة التي يمكن للزوجين فيها أن يتراجعا، وكلا الأمرين من مقاصد الشريعة في العدة كما ذكرنا.

وذلك لأن القائلين بأن القرء هو الطهر، تقل عندهم الفترة الموضوعة للرجعة، وليس ذلك في مصلحة الزوجين في حال التراجع عن الطلاق بالرجعة، قال النووي:(من قال بالاطهار يجعلها قرئين وبعض الثالث، وظاهر القرآن أنها ثلاثة، والقائل بالحيض يشترط ثلاث حيضات كوامل، فهو أقرب الى موافقة القرآن، ولهذا الاعتراض صار ابن شهاب الزهرى الى أن الاقراء هي الاطهار، قال: ولكن لا تنقضي العدة الا بثلاثة أطهار كاملة، ولا تنقضي بطهرين وبعض الثالث، وهذا مذهب انفرد به، بل اتفق القائلون بالاطهار على أنها تنقضي بقرءين وبعض الثالث، حتى لو طلقها وقد بقى من الطهر لحظة يسيرة حسب ذلك قرءا ويكفيها طهران بعده) ([25])

النوع الثاني ـ العدة بالأشهر

اتفق الفقهاء على أن العدة بالأشهر تجب لسببين:

السبب الأول: بدل الحيض:

وهي ما تجب بدلا عن الحيض في المرأة المطلقة أو ما في معناها التي لم تر دما ليأس أو صغر، أو بلغت سن الحيض، أو جاوزته ولم تحض، فعدتها ثلاثة أشهر بنص القرآن الكريم، لقوله تعالى:{ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ }(الطلاق:4) أي فعدتهن كذلك، ولأن الأشهر هنا بدل عن الأقراء، والأصل مقدر بثلاثة فكذلك البدل، وسنتكلم عن كل حالة فيما يلي:

الحالة الأولى: الصغيرة التي لم تحض:

وقد اتفق الفقهاء على أن عدتها ثلاثة أشهر، قال ابن العربي في قوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ }(الطلاق:4):(يعني الصغيرة، وعدتها أيضا بالأشهر ؛ لتعذر الأقراء فيها عادة ؛ والأحكام إنما أجراها الله على العادات، فهي تعتد بالأشهر، فإذا رأت الدم في زمن احتماله عند النساء انتقلت إلى الدم، لوجود الأصل. فإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم، كما أن المسنة إذا اعتدت بالدم، ثم انقطع عادت إلى الأشهر)([26])

وقد نص أكثر الفقهاء على أن أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين ؛ لأن المرجع فيه إلى الوجود الواقعي، وقد وجد من تحيض لتسع، وقد روي عن الشافعي أنه قال: (رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة) ([27])، فهذه إذا أسقطت من عمرها مدة الحملين في الغالب عاما ونصفا، وقسمت الباقي بينها وبين ابنتها، كانت كل واحدة منهما قد حلمت لدون عشر سنين.

فإن رأت دما قبل ذلك، فليس بحيض ؛ لأنه لم يوجد مثلها متكررا، والمعتبر من ذلك ما تكرر ثلاث مرات في حال الصحة، ولم يوجد ذلك، فلا يعتد به.

وقد اختلف الفقهاء فيما لو بلغت سنا تحيض فيه النساء في الغالب، فلم تحض، كخمس عشرة سنة على قولين:

القول الأول: عدتها ثلاثة أشهر، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو ظاهر مذهب أحمد، وضعف أبو بكر الرواية المخالفة لهذا، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قول الله تعالى: { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ }(الطلاق:4) وهذه من اللائي لم يحضن.

2 ـ أن الاعتبار بحال المعتدة، لا بحال غيرها، ولهذا لو حاضت قبل بلوغ سن يحيض لمثله النساء في الغالب، مثل أن تحيض ولها عشر سنين، اعتدت بالحيض.

3 ـ أنها تخالف من ارتفع حيضها ولا تدري ما رفعه ؛ فإنها من ذوات القروء، وهذه لم تكن منهن.

القول الثاني: أنها تعتد سنة، وقد رواه أبو طالب عن أحمد، ومن الأدلة على ذلك أنه متى أتى عليها زمان الحيض فلم تحض، صارت مرتابة، يجوز أن يكون بها حمل منع حيضها، فيجب أن تعتد بسنة، كالتي ارتفع حيضها بعد وجوده.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بشرط استبراء رحمها بأي وسيلة من وسائل الاستبراء، فإن لم تستبرئ أو لم يوثق في وسيلة الاستبراء بقيت إلى آخر مدة الحمل من باب الاحتياط لاحتمال حملها، لأن العادة أن تحمل من في مثل هذه السن.

الحالة الثانية: الآيسة من المحيض

الإياس دور من حياة المرأة، ينقطع فيه الحيض والحمل، بسبب تغيرات تطرأ على جسمها، وقد اختلف الفقهاء في تحديد سن الإياس اختلافا شديدا يعسر ضبطه نحاول حصره في الأقوال التالية([28]):

القول الأول: لا يحد الإياس بمدة، بل إياسها أن تبلغ من السن ما لا يحيض مثلها فيه، فإذا بلغته، وانقطع دمها، حكم بإياسها، فما رأته بعد الانقطاع حيض، فيبطل به الاعتداد بالأشهر، ويفسد نكاحها إن كانت اعتدت بالأشهر وتزوجت، ثم رأت الدم، وهو قول بعض الحنفية، واستدل له السرخسي بقوله: (لأنه معنى في باطنها لا يوقف على حقيقته، فلا بد من اعتبار السبب الظاهر فيه، وإذا بلغت من السن ما لا يحيض فيه مثلها وهي لا ترى الدم فالظاهر أنها آيسة) ([29])

القول الثاني: تحديده بسن معينة، وقد اختلف في تحديد هذه السن على الآراء التالية:

الرأي الأول: يحد بخمس وخمسين سنة، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، قيل فيه إن عليه الاعتماد، وإن عليه أكثر المشايخ، فما رأته من الدم بعدها فليس بحيض في ظاهر المذهب، إلا إذا كان دما خالصا فحيض، حتى يبطل به الاعتداد بالأشهر، إن جاءها قبل تمام الأشهر لا بعدها، حتى لا تفسد الأنكحة، قالوا: وهو المختار للفتوى، وعليه فالنكاح إن وقع بعد انقضاء الأشهر ثم رأت الدم جائز.

الرأي الثاني: يحد بخمسين سنة، وهو قول للحنفية ورواية عن أحمد، وقول للشافعية واستدلوا على ذلك بقول عائشة ا: لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد الخمسين.

الرأي الثالث: أن الإياس له حدان: أعلى وأدنى. فأقله خمسون سنة، وهو قول المالكية وقول للحنابلة، وقد اختلفوا في أعلاه كما يلي:

مذهب المالكية: أنمن بلغت سبعين فدمها غير حيض قطعا، ومن لم تبلغ خمسين فدمها حيض قطعا. ولا يسأل النساء – أي ذوات الخبرة – فيهما. وما بين ذلك يرجع فيه للنساء ؛ لأنه مشكوك فيه.

مذهب الحنابلة: أعلاه عند أحمد على هذه الرواية ستون سنة، تيأس بعدها يقينا، وما بين الخمسين والستين من الدم مشكوك فيه، لا تترك له الصوم والصلاة، وتقضي الصوم المفروض احتياطا، قال ابن قدامة:(الصحيح إن شاء الله أنه متى بلغت المرأة خمسين فانقطع حيضها عن عادتها عدة مرات لغير سبب فقد صارت آيسة ؛ لأن وجود الحيض في حق هذه نادر، بدليل قلة وجوده) ([30])

القول الثالث: أن سن اليأس يختلف باختلاف البيئة، وقد اختلف أصحاب هذا القول على الآراء التالية:

الرأي الأول: سن اليأس بالنسبة إلى كل امرأة بيأس نساء عشيرتها من الأبوين ؛ لتقاربهن في الطبع. فإذا بلغت السن الذي ينقطع فيه حيضهن فقد بلغت سن اليأس، وهو أحد قولي الشافعي([31]).

الرأي الثاني: التفريق بين بعض الأجناس وبعض، فهو للعربيات ستون عاما، وللعجميات خمسون، وهو رواية عن أحمد، وعلل ذلك بأن العربية أقوى طبيعة، وهو رواية كذلك عند الحنفية، قال السرخسي:(وفصل في رواية بين الروميات والخراسانيات، ففي الروميات التقدير بخمسين سنة، لأن الهرم يسرع إليهن، وفي الخراسانيات التقدير بستين سنة)([32])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول مع الرجوع في حال الشك في حصول الإياس أو عدمه إلى رأي المختصين احتياطا للحمل، وذلك إما بتحديد سن الإياس أو باستبراء الرحم بأي وسيلة من وسائل الاستبراء.

وما ذكره أصحاب القول الثالث معتبر من الناحية الواقعية لا من الناحية الشرعية، فلذلك لا يمكن الاحتكام إليه مطلقا لاحتمال تخلفه.

النوع الثالث: العدة بوضع الحمل

اتفق الفقهاء على أن الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل، سواء أكانت عن طلاق أم وطء شبهة لقوله تعالى:{ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }(الطلاق:4)، ولأن القصد من العدة براءة الرحم، وهي تحصل بوضع الحمل، وقد نص الفقهاء على شروط الحمل الذي تنقضي العدة بوضعه، وهي على اختلاف بين العلماء في اعتبارها أو اعتبار بعض تفاصيلها:

الشرط الأول: تبين خلقة الجنين

اختلف الفقهاء في اعتبار هذا الشرط على قولين:

القول الأول: أن الحمل الذي تنقضي العدة بوضعه هو ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان ولو كان ميتا أو مضغة تصورت، ولو صورة خفية تثبت بشهادة الثقات من القوابل([33])، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، ومن الأدلة على ذلك([34]):

1 ـ أن ما لم يظهر فيه شيء من خلق الإنسان، فليس بحمل وأن العدة لا تنقضي به ؛ إذ ليس هو بولد، كما أن العلقة والنطفة لما لم تكونا ولدا لم تنقض بهما العدة.

2 ـ حديث عبد الله بن مسعود:(إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله ثم يكتب شقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح) ([35]) فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه يكون أربعين يوما نطفة وأربعين يوما علقة وأربعين يوما مضغة، ومعلوم أنها لو ألقته علقة لم يعتد به ولم تنقض به العدة وإن كانت العلقة مستحيلة من النطفة ؛ إذ لم تكن له صورة الإنسانية، وكذلك المضغة إذا لم تكن لها صورة الإنسانية فلا اعتبار بها وهي بمنزلة العلقة والنطفة.

3 ـ أن المعنى الذي به يتبين الإنسان من الحمار وسائر الحيوان وجوده على هذا الضرب من البنية والشكل والتصوير، فمتى لم يكن للسقط شيء من صورة الإنسان فليس ذلك بولد وهو بمنزلة العلقة والنطفة سواء فلا تنقضي به العدة لعدم كونه ولدا.

4 ـ أنه يجوز أن يكون ما أسقطته مما لا تتبين له صورة الإنسان دما مجتمعا أو داء أو مدة، فغير جائز أن نجعله ولدا تنقضي به العدة، وأكثر أحواله احتماله لأن يكون مما كان يجوز أن يكون ولدا ويجوز أن لا يكون ولدا. فلا نجعلها منقضية العدة به بالشك.

5 ـ أن العلقة قد يجوز أن يكون منها ولد وكذلك النطفة وقد تشتمل الرحم عليهما وتضمهما، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن:(النطفة تمكث أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة) ومع ذلك لم يعتبر أحد العلقة في انقضاء العدة.

وقد اختلف أصحاب هذا القول فيما لو كانت مضغة لم تتصور لكن شهدت الثقات من القوابل أنها مبدأ خلقة آدمي لو بقيت لتصورت على رأيين:

الرأي الأول: تنقضي بها العدة، وهو رأي الشافعية في المذهب ورواية عند الحنابلة لحصول براءة الرحم به.

الرأي الثاني: عدم انقضاء العدة في هذه الحالة بالوضع لأن الحمل اسم لنطفة متغيرة، فإذا كان مضغة أو علقة لم تتغير ولم تتصور فلا يعرف كونها متغيرة إلا باستبانة بعض الخلق، وهو قول الحنفية وقول للشافعية ورواية للحنابلة.

القول الثاني: أنه إن كان الحمل دما اجتمع تنقضي به العدة، وهو قول المالكية، ففي المدونة: (قلت: أرأيت إن أسقطت سقطا لم يتبين بشيء من خلقه، أسقطته علقة أو مضغة أو عظما أو دما أتنقضي به العدة أم لا في قول مالك؟ قال: قال مالك: ما أتت به النساء من مضغة أو علقة أو شيء يستيقن أنه ولد فإنه تنقضي به العدة وتكون به الأمة أم ولد) ([36])

وهو قول الظاهرية، قال ابن حزم: (إن أسقطت الحامل المطلقة، أو المتوفى عنها زوجها ؛ أو المعتقة المتخيرة فراق زوجها حلت، وحد ذلك أن تسقطه علقة فصاعدا، وأما إن أسقطت نطفة دون العلقة فليس بشيء، لا تنقضي بذلك عدة) ([37])

وهو قول الإمامية، فقد نصوا على أن (الحامل وهي تعتد في الطلاق بوضعه، ولو بعد الطلاق بلا فصل، سواء كان تاما أو غير تام، ولو كان علقة، بعد أن يتحقق أنه حمل، ولا عبرة بما يشك فيه) ([38])

ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ حديث عبد الله بن مسعود السابق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة)

2 ـ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:(إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟) قال ابن حزم مبينا وجه استدلاله من الحديث: (معناه خلق الجملة التي تنقسم بعد ذلك سمعا وبصرا وجلدا ولحما وعظاما – فصح أن أول خلق المولود كونه علقة لا كونه نطفة، وهي الماء) ([39])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني بشرط اليقين بأن السقط علقة، أما إن كان مجرد دم، فقد يكون دم علة،وليس سقطا، ولعل هذا الاشتباه بدم العلة هو ما دفع أصحاب القول الأول لما ذهبوا إليه، فلذلك إن اشتبه الأمر عرض على أهل الاختصاص، فإن لم يوجدوا بني على اليقين، وهو في هذه الحالة استمرار الحمل، ولو بمضي مدة الحمل، خشية اختلاط الأنساب إن تزوجت، أو الشك في النسب إن لم تتزوج.

الشرط الثاني: إمكان نسبة الحمل لصاحب العدة

ويتعلق بهذا الشرط المسائل التالية:

عدة زوجة الصغير أو من في حكمه:

اتفق الفقهاء على أن عدة زوجة الصغير المتوفى عنها هي أربعة أشهر وعشر، كعدة زوجة الكبير سواء بسواء إذا لم تكن حاملا، واختلفوا فيما لو مات عن امرأته وهي حامل على قولين:

القول الأول: أنها لا تنتهي بوضع الحمل، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة في قول وأبي يوسف، ومن الأدلة على ذلك([40]):

1 ـ أن اعتبار وضع الحمل في العدة لحرمة الماء وصيانته ولا حرمة لماء الزاني.

2 ـ أنا نتيقن بفراغ رحمها من ماء الزوج عند موته فعليها العدة بالشهور حقا لنكاحه كما لو لم يكن بها حبل.

3 ـ أن هذا الحمل ليس منه بيقين، بدليل أنه لا يثبت نسبه إليه، فلا تنقضي به العدة، كالحمل من الزنا أو الحادث بعد موته، والحمل الذي تنقضي العدة بوضعه هو الذي ينسب إلى صاحب العدة ولو احتمالا.

القول الثاني: أن عدة زوجة الصغير الذي مات وهي حامل تكون بوضع الحمل، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وأحمد في رواية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ عموم قوله تعالى:{ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } (الطلاق:4)، وقد اعتبر الحنفية هذا النص مقدما على القياس، الذي أخذ به أصحاب القول الأول، فقد ذكر محمد بن الحسن أن القياس أن تكون عدتها أربعة أشهر وعشرا، لأن الحمل من غير الزوج، إلا أنه ترك القياس، واستحسن أن يجعل عدتها وضع الحمل للآية، قال أبو بكر:(فسمى ترك القياس للعموم استحسانا) ([41])

2 ـ أن وجوب العدة للعلم بحصول فراغ الرحم، والولادة دليل فراغ الرحم بيقين، والشهر لا يدل على الفراغ بيقين، فكان إيجاب ما دل على الفراغ بيقين أولى، إلا إذا ظهر الحمل بعد موته لم تعتد به، بل تعتد بأربعة أشهر وعشر.

3 ـ أن الحمل إذا لم يكن موجودا وقت الموت وجبت العدة بالأشهر، فلا تتغير بالحمل الحادث، وإذا كان موجودا وقت الموت وجبت عدة الحبل، فكان انقضاؤها بوضع الحمل، ولا يثبت نسب الولد في الوجهين جميعا ؛ لأن الولد لا يحصل عادة إلا من الماء، والصبي لا ماء له حقيقة، ويستحيل وجوده عادة فيستحيل تقديره.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على عموم الأدلة، ولحاجة الحامل لرعاية ولدها، وذلك قد يستدعي التعجيل بزواجها قبل انقضاء المدة المحددة للعدة، وقد سبق بيان العلة في ذلك.

عدة زوجة المجبوب والخصي والممسوح:

اختلف الفقهاء في عدة زوجة المجبوب والخصي والممسوح على الأقوال التالية([42]):

القول الأول: أن زوجة المجبوب كزوجة الصبي، لا عدة عليها من طلاقه، كالمطلقة قبل الدخول، ولو طلقت زوجته أو مات عنها وهي حامل فلا تنقضي عدتها بوضع الحمل، لا من موت ولا طلاق، بل لا بد من ثلاثة أقراء في الطلاق، ويعد نفاسها حيضة، وعليها في الوفاة أقصى الأجلين، وهو المتأخر من الوضع أو تمام الأربعة أشهر وعشر، وهو قول للمالكية.

القول الثاني: أنها تعتد، وهو قول الشافعية والحنفية والحنابلة، وقد اختلفوا على الآراء التالية:

الرأي الأول:أن المجبوب أو الخصي كالعنين في وجوب العدة على الزوجة عند الفرقة بناء على طلبها، وهو قول الحنفية، ونصوا على أن الخصي كالصحيح في وجوب العدة على زوجته عند الفرقة، وكذلك المجبوب بشرط الإنزال.

الرأي الثاني: تعتد المرأة من وطء خصي لا مقطوع الذكر ولو دون الأنثيين لعدم الدخول، لكن إن بانت حاملا لحقه الولد، لإمكانه إن لم يكن ممسوحا، واعتدت بوضعه وإن نفاه، بخلاف الممسوح، لأن الولد لا يلحقه على المذهب، ولا تجب العدة من طلاقه، وهو قول الشافعية([43]).

الرأي الثالث: أنه إذا طلق الخصي المجبوب امرأته أو مات عنها فأتت بولد لم يلحقه نسبه([44])، ولم تنقض عدتها بوضعه وتستأنف بعد الوضع عدة الطلاق: ثلاثة قروء، أو عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشرا، وهو قول الحنابلة([45]).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو قول الجمهور بناء على أن العلة في العدة ليست استبراء الرحم فقط، ولو كانت العلة هي استبراء الرحم وحدها لاكتفي فيها بالاستبراء بحيضة، ولكنها تشمل أيضا ما ذكرنا من إعطاء فرصة طويلة للرجعة، وهو من مقاصد الشريعة في لم الأسرة ولو في آخر اللحظات.

ثالثا ـ تحول العدة أو انتقالها

وهو أن تنتقل العدة من نوع إلى نوع آخر، ولا يخلو ذلك من الحالات التالية:

1 ـ انتقال العدة أو تحولها من الأشهر إلى الأقراء:

وذلك مثل الصغيرة التي لم تحض، والآيسة من المحيض، وقد اتفق الفقهاء على أن الصغيرة أو البالغة التي لم تحض إذا اعتدت بالأشهر فحاضت قبل انقضاء عدتها ولو بساعة لزمها استئناف العدة، فتنتقل عدتها من الأشهر إلى الأقراء، لأن الأشهر بدل عن الأقراء فإذا وجد المبدل بطل حكم البدل كالتيمم مع الماء.

أما إن انقضت عدتها بالأشهر ثم حاضت بعدها ولو بلحظة لم يلزمها استئناف العدة لأنه معنى حدث بعد انقضاء العدة، كالتي حاضت بعد انقضائها بزمن طويل، ولا يمكن منع هذا الأصل ؛ لأنه لو صح منعه لم يحصل لمن لم تحض الاعتداد بالأشهر بحال.

وقد اختلف الفقهاء في الآيسة إذا اعتدت ببعض الأشهر، ثم رأت الدم، على قولين:

القول الأول: تتحول عدتها إلى الأقراء، وهو قول للشافعية والحنفية في ظاهر الرواية، واستدلوا على ذلك بأنها لما رأت الدم دل على أنها لم تكن آيسة وأنها أخطأت في الظن فلا يعتد بالأشهر في حقها لأنها بدل فلا يعتبر مع وجود الأصل.

وهو قريب من قول المالكية القائلين بأن الآيسة إذا رأت الدم بعد الخمسين وقبل السبعين، والحنابلة القائلين بعد الخمسين وقبل الستين، فإنه يكون دما مشكوكا فيه يرجع فيه إلى النساء لمعرفة هل هو حيض أم لا؟ إلا أن الحنابلة صرحوا بأن المرأة إذا رأت الدم بعد الخمسين على العادة التي كانت تراه فيها فهو حيض في الصحيح ؛ لأن دليل الحيض الوجود في زمن الإمكان، وهذا يمكن وجود الحيض فيه وإن كان نادرا، وإن رأته بعد الستين فقد تيقن أنه ليس بحيض، فعند ذلك لا تعتد به، وتعتد بالأشهر، كالتي لا ترى دما.

القول الثاني: أنه إذا بلغت سن الإياس ثم رأت بعده الدم لم يكن ذلك الدم حيضا كالدم الذي تراه الصغيرة التي لا يحيض مثلها، إلا إذا كان دما خالصا فحيض حتى يبطل به الاعتداد بالأشهر، وهو قول الحنفية على الرواية التي وقتوا للإياس فيها وقتا.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو النظر إلى ما يقوله أهل الاختصاص من الأطباء في ذلك لاحتمال أن يكون بسبب مرض ونحوه، وهو الظاهر خاصة مع الكبر في السن على ما ذكرناه في تحديد سن الإياس، فإن السن الذي ذكره الفقهاء يحيل في العادة حصول الحيض.

2 ـ انتقال العدة من الأقراء إلى الأشهر:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن العدة تنتقل من الأقراء إلى الأشهر في حق من حاضت حيضة أو حيضتين ثم يئست من المحيض فتستقبل العدة بالأشهر، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى:{ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ }(الطلاق:4)

2 ـ أن الأشهر بدل عن الحيض، فلو لم تستقبل وثبتت على الأول لصار الشيء الواحد أصلا وبدلا وهذا لا يجوز.

3 ـ أن العدة لا تلفق من جنسين وقد تعذر إتمامها بالحيض فوجبت بالأشهر.

تحول المعتدة من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة:

اتفق الفقهاء على أنه إذا طلق الرجل زوجته طلاقا رجعيا، ثم توفي وهي في العدة، سقطت عنها عدة الطلاق، واستأنفت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا من وقت الوفاة، قال ابن المنذر: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك)([46])

واستدلوا على ذلك بأن المطلقة الرجعية زوجة ما دامت في العدة يلحقها طلاقه وينالها ميراثه، فاعتدت للوفاة كغير المطلقة، لقوله تعالى { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا }(البقرة:234)

واتفقوا على أنه إذا طلق الرجل زوجته طلاقا بائنا في حال صحته، أو بناء على طلبها، ثم توفي وهي في العدة، فإنها تكمل عدة الطلاق ولا تنتقل إلى عدة الوفاة، لانقطاع الزوجية بينهما من وقت الطلاق بالإبانة، فلا توارث بينهما لعدم وجود سببه، فتعذر إيجاب عدة الوفاة فبقيت عدة الطلاق على حالها.

واختلفوا فيما لو طلق زوجته طلاقا بائنا في مرض موته دون طلب منها، ثم توفي وهي في العدة، على قولين:

القول الأول: أنها تعتد بأبعد الأجلين – من عدة الطلاق وعدة الوفاة – احتياطا، لشبهة قيام الزوجية لأنها ترثه، فلو فرضنا بأنها حاضت قبل الموت حيضتين، ولم تحض الثالثة بعد الموت حتى انتهت عدة الوفاة، فإنها تكمل عدة الطلاق، بخلاف ما لو حاضت الثالثة بعد الوفاة وقبل انتهاء عدة الوفاة فإنها تكمل هذه العدة، وهو قول أبي حنيفة وأحمد والثوري ومحمد بن الحسن.

واستدلوا على ذلك بأن النكاح لما بقي في حق الإرث خاصة لتهمة الفرار فلأن يبقى في حق وجوب العدة أولى، لأن العدة يحتاط في إيجابها فكان قيام النكاح من وجه كافيا لوجوب العدة احتياطا فيجب عليها الاعتداد أربعة أشهر وعشرا فيها ثلاث حيض.

القول الثاني: أن المعتدة تبني على عدة الطلاق لانقطاع الزوجية من كل وجه، وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وأبي يوسف وابن المنذر، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنها بائن من النكاح فلا تكون منكوحة.

2 ـ أن الإرث الذي ثبت معاملة بنقيض القصد لا يقتضي بقاء زوجية موجبة للأسف والحزن والحداد على المتوفى.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو وجوب عدة الوفاة عليها، لأن إرثها منه بسبب ثبوت زوجيتها له، مع كونه أبانها، ولكن الشرع لم يقر تلك الإبانة بالنسبة لحقها في إرثه، وهو دليل على اعتبارها زوجة له.

4 ـ تحول العدة من القروء أو الأشهر إلى وضع الحمل:

اتفق الفقهاء على أنه لو ظهر في أثناء العدة بالقروء أو الأشهر أو بعدها أن المرأة حامل من الزوج، فإن العدة تتحول إلى وضع الحمل، ويسقط حكم ما مضى من القروء أو الأشهر، وتبين أن ما رأته من الدم لم يكن حيضا، لأن الحامل لا تحيض، ولأن وضع الحمل أقوى دلالة على براءة الرحم من آثار الزوجية التي انقضت، ولقوله تعالى:{ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }(الطلاق:4)

وقد اختلفوا في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا على قولين([47]):

القول الأول: أن عدتها تنقضي بوضع الحمل، قلت المدة أو كثرت، حتى ولو وضعت بعد ساعة من وفاة زوجها، وهو قول جمهور الفقهاء، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ عموم قوله تعالى:{ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } (الطلاق:4)،فقد جاءت عامة في المطلقات ومن في حكمهن والمتوفى عنها زوجها وكانت حاملا، والآية مخصصة لعموم قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا }(البقرة:234)

2 ـ ما روي عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت([48])، وقيل: إنها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة.

3 ـ ما روي عن عمر وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأبي هريرة أنهم قالوا في المتوفى عنها زوجها: إذا ولدت وزوجها على سريره جاز لها أن تتزوج ([49]).

4 ـ أن المقصود من العدة من ذوات الأقراء العلم ببراءة الرحم، ووضع الحمل في الدلالة على البراءة فوق مضي المدة، فكان انقضاء العدة به أولى من الانقضاء بالمدة.

القول الثاني: أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين، وضع الحمل أو مضي أربعة أشهر وعشر، أيهما كان أخيرا تنقضي به العدة، وهو قول علي وابن عباس – في إحدى الروايتين عنه – وابن أبي ليلى وسحنون، وهو قول الإمامية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } (البقرة:234) فالآية الكريمة فيها عموم وخصوص من وجه ؛ لأنها عامة تشمل المتوفى عنها زوجها حاملا كانت أو حائلا وخاصة في المدة { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } (البقرة:234)وقوله تعالى { وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } (الطلاق:4) فيها عموم وخصوص أيضا، لأنها تشمل المتوفى عنها وغيرها وخاصة في وضع الحمل.

2 ـ أن الجمع بين الآيتين والعمل بهما أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول ؛ لأنها إذا اعتدت بأقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، فإعمال النصين معا خير من إهمال أحدهما.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، للجمع بين الآيات القرآنية، أما الحديث، فقد تكلم فيه، وهو الذي منع أصحاب القول الأول من الأخذ بالقول الثاني، قال ابن عبد البر: (فمن لم يبلغه حديث سبيعة لزمه الأخذ باليقين في عدة المتوفى عنها الحامل، ولا يقين في ذلك لمن جهل السنة في سبيعة إلا الاعتداد بآخر الأجلين) ([50])

بالإضافة إلى ذلك فإن عدة الوفاة حق للزوج، ودليل على وفاء المرأة لزوجها، ولذلك فإن أحكامها تختلف عن العدة العادية كما سنرى.

وهذا ما راعاه الإمامية، فقد ذكروا أن ابتداء عدة المتوفى عنها زوجها (علم الزوجة بوفاة زوجها فلو تأخرعلمها بذلك مهما تأخر فلا تتزوج حتى تمضي عليها – بعد علمها بالوفاة – أربعة أشهر وعشر، وحينئذ تحل للأزواج عملاً بالتربص الذي هو صريح الآية، وأخذاً بالحداد الواجب على المرأة يموت زوجها)

رابعا ـ آثار العدة

نص الفقهاء على أنه يلزم عن العدة الآثار التالية، مع اختلاف بينهم في تفاصيلها:

الأثر الأول: لزوم المعتدة بيتها

ويتعلق بهذا الأثر المسائل التالية:

1 ـ مكان العدة

اتفق الفقهاء على أن مكان العدة من طلاق رجعي هو بيت الزوجية التي كانت تسكنه قبل مفارقة زوجها، فإذا كانت في زيارة أهلها، فطلقها، كان عليها أن تعود إلى منزلها الذي كانت تسكن فيه للاعتداد وإن كانت في غيره، فالسكنى في بيت الزوجية وجبت بطريق التعبد، فلا تسقط ولا تتغير إلا بالأعذار.

واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ }(الطلاق:1)، ووجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى أضاف البيت إليها، والبيت المضاف إليها هو الذي كانت تسكنه قبل مفارقة زوجها.

واختلفوا في اشتراط إقامة المتوفى عنها زوجها في بيت الزوج على قولين:

القول الأول: يجوز لها أن تعتد حيث شاءت، وقد روي ذلك عن علي، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وهو قول جابر بن زيد، والحسن، وعطاء، وهو قول الإمامية والظاهرية، قال ابن حزم:(وتعتد المتوفى عنها، والمطلقة ثلاثا، أو آخر ثلاث والمعتقة تختار فراق زوجها حيث أحببن ولا سكنى لهن، لا على المطلق، ولا على ورثة الميت، ولا على الذي اختارت فراقه، ولا نفقة، ولهن أن يحججن في عدتهن، وأن يرحلن حيث شئن) ([51])

واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى:(فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(البقرة:240) قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهله، وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت([52]) ؛، قال عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ السكنى، تعتد حيث شاءت.

القول الثاني: يجب على المتوفى عنها زوجها الاعتداد في منزلها، وقد روي عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن مسعود، وأم سلمة، وبه يقول مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي، وإسحاق، قال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار، بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر([53])، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ ما روت فريعة بنت مالك بن سنان، أخت أبي سعيد الخدري، أنها جاءت إلى رسول الله r فأخبرته أن زوجها خرج في طلب أعبد له، فقتلوه بطرف القدوم، فسألت رسول الله r أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله r: نعم، قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد، دعاني، أو أمر بي فدعيت له، فقال رسول الله r: كيف قلت فرددت عليه القصة، فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي، فسألني عن ذلك، فأخبرته فاتبعه، وقضى به([54]).

2 ـ أنه قضى به عثمان في جماعة الصحابة فلم ينكروه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول، بناء على أن علة هذه العدة هي الحداد على الزوج، وهو يتحقق في أي مكان، بالإضافة إلى أنها أيضا تحتاج إلى رعاية خاصة، ولذلك لا يصح التضييق عليها.

ونحسب أن الحديث ـ إن صح ـ خاص بالواقعة، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفتاها أولا بأن تعتد حيث شاءت، ثم طلب منها أن ترجع، وطلب منها أن تعتد في بيت زوجها، وعصمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المطلقة تقتضي صدقه في كلا الحكمين، ويكون بذلك الحكم الأول عاما، والحكم الثاني خاصا أو تطبيقا لبعض مصاديق الحكم الأول.

بالإضافة إلى أن السكنى وردت في حق المطلقات فقط، قال ابن عبد البر:(وكان داود وأصحابه يذهبون إلى أن المتوفى عنها زوجها ليس عليها أن تعتد في بيتها وتعتد حيث شاءت، لأن السكنى إنما ورد به القرآن في المطلقات، ومن حجته أن المسألة مسألة اختلاف قالوا: هذا الحديث إنما ترويه معروفة بحمل العلم وإيجاب السكنى إيجاب حكم والأحكام لا تجب إلا بنص كتاب أو سنة ثابتة أو إجماع)([55])

2 ـ أحكام خروج المعتدة

ويتعلق به المسائل التالية:

خروج المطلقة الرجعية:

اختلف الفقهاء في حكم خروج المطلقة الرجعية من بيتها على قولين:

القول الأول: أن المطلقة الرجعية لا يجوز لها الخروج من مسكن العدة لا ليلا ولا نهارا إلا بإذن زوجها، وهو قول الحنفية والشافعية، والظاهرية والإمامية، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ قوله تعالى:{ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } (الطلاق:1)،فقد نهى الله تعالى الأزواج عن الإخراج والمعتدات عن الخروج، إلا إذا ارتكبن فاحشة.

2 ـ قوله تعالى: { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ }(الطلاق:6) والأمر بالإسكان نهي عن الإخراج والخروج.

3 ـ أنها زوجته بعد الطلاق الرجعي لقيام ملك النكاح من كل وجه، فلا يباح لها الخروج كما قبل الطلاق، إلا أن بعد الطلاق لا يباح لها الخروج وإن أذن لها به، بخلاف ما قبل الطلاق ؛ لأن حرمة الخروج بعد الطلاق لمكان العدة وفيها حق الله تعالى فلا يملك إبطاله، بخلاف ما قبل الطلاق، لأن الحرمة ثمة لحق الزوج خاصة فيملك إبطال حق نفسه بالإذن بالخروج.

القول الثاني: جواز خروج المطلقة الرجعية نهارا لقضاء حوائجها، وتلزم منزلها بالليل لأنه مظنة الفساد، وهو قول المالكية([56]) والحنابلة.

واستدلوا على ذلك بما روي عن جابر بن عبد الله قال: طلقت خالتي ثلاثا، فخرجت تجد نخلا لها، فلقيها رجل فنهاها، فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت ذلك له، فقال لها: (اخرجي فجدي نخلك لعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيرا) ([57])، قال ابن الجوزي: (وجه الحجة أن النخل خارج المدينة والجداد بالنهار) ([58])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على مراعاته لمقصد الرجعة، وهو عودتها إلى بيت الزوجية، أما الحديث فربما تكون دلالته خاصة بالمرأة، أو تكون المرأة قد استأذنت زوجها.

خروج المطلقة البائن والمتوفى عنها زوجها:

اختلف الفقهاء في جواز خروج المعتدة من طلاق بائن على الأقوال التالية:

القول الأول: جواز خروجها نهارا لقضاء حوائجها، أو طرفي النهار لشراء ما يلزمها من ملبس ومأكل ودواء أو بيع غزل، أو كانت تتكسب من شيء خارج عن محلها كالقابلة والماشطة أو لأداء عملها سواء أكان الطلاق بائنا بينونة صغرى أم كبرى، وهو قول المالكية والشافعية([59]) والحنابلة والثوري والأوزاعي والليث بن سعد.

واستدلوا على ذلك بحديث جابر السابق:(طلقت خالتي ثلاثا)

القول الثاني: لا يجوز خروج المعتدة من الطلاق الثلاث أو البائن ليلا أو نهارا، وهو قول الحنفية، لعموم النهي ومسيس الحاجة إلى تحصين الماء.

القول الثالث: جواز الخروج ليلا إن لم يمكنها نهارا، وهو قول الشافعية، وأجازا خروجها إلى دار جارة لها لغزل وحديث ونحوهما للتأنس، بشرط أن تأمن الخروج، ولم يكن عندها من يؤنسها، وأن ترجع وتبيت في بيتها، واستدلوا على ذلك بما روي عن مجاهد قال: استشهد رجال يوم أحد فآم نساؤهم وكن متجاورات في دار فجئن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلن: يا رسول الله، إنا نستوحش بالليل فنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا تبدرنا إلى بيوتنا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة منكن إلى بيتها) ([60])

القول الرابع: جواز الخروج مطلقا، بل والسفر، وهو قول الإمامية والظاهرية، قال ابن حزم:(تعتد المتوفى عنها، والمطلقة ثلاثا، أو آخر ثلاث والمعتقة تختار فراق زوجها حيث أحببن.. ولهن أن يحججن في عدتهن، وأن يرحلن حيث شئن) ([61])، ومن الأدلة على ذلك:

1 ـ قول الله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}(الطلاق:1)،قال ابن حزم:(فهذه صفة الطلاق الرجعي لا صفة الطلاق البات) ([62])

2 ـ حديث جابر السابق:(طلقت خالتي ثلاثا)، قال ابن حزم:(أما خبر جابر ففي غاية الصحة، وقد سمعه منه أبو الزبير، ولم يخص لها أن لا تبيت هنالك من أن تبيت: { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(النجم:4)، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}(مريم:64)، ولا يسع أحدا الخروج عن هذين الأثرين لبيانهما وصحتهما) ([63])

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو جواز خروجها مطلقا لدلالة الحديث على ذلك زيادة على أنه لا ترجى رجعتها لزوجها، فلا حاجة لحبسها في بيته.

وما ذكره ابن الجوزي من الاستدلال بالحديث على جواز خروجها نهارا فقط لا دليل عليه، فالحديث مطلق إلا أن تقيده المصالح والمفاسد التي تنجر عن الخروج ليلا، وذلك يصدق أيضا في حال خروجها نهارا مع عدم الأمن.

خروج المعتدة من وطء شبهة أو نكاح فاسد:

اختلف الفقهاء في حكم خروج المعتدة من شبهة أو نكاح فاسد على قولين:

القول الأول: أنها في الخروج من مسكنها كالمعتدة من وفاة، وهو قول الحنفية والشافعية.

القول الثاني: المعتدة من النكاح الفاسد لها أن تخرج، إلا إذا منعها الزوج لتحصين مائه، والصغيرة لها أن تخرج من منزلها إذا كانت الفرقة لا رجعة فيها، سواء أذن الزوج لها أو لم يأذن، وهو قول الحنفية، واستدلوا على ذلك بأن وجوب السكنى في البيت على المعتدة لحق الله تعالى وحق الزوج، وحق الله عز وجل لا يجب على الصبي، وحق الزوج في حفظ الولد ولا ولد منها.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو أن حكمها هو نفس حكم المطلقة ثلاثا أو المتوفى عنها زوجها لعدم إمكان رجعتها لزوجها، والأصل في حبس المرأة في بيت الزوجية هو الحرص على إرجاعها لزوجها، فإن استحالت الرجعة حل الخروج مطلقا كما ذكرنا.

الأثر الثاني:علاقة الزوج بالمعتدة

ويتعلق بهذا الأثر المسائل التالية:

حكم معاشرة المعتدة ومساكنتها:

اتفق الفقهاء على أن المعتدة من طلاق بائن حكمها حكم الأجنبية، فلا يجوز للمطلق معاشرتها ومساكنتها أو الخلوة بها أو النظر إليها، لانقطاع آثار الزوجية، فلا تحل له إلا بعقد ومهر جديدين في البينونة الصغرى، أو أن تنكح زوجا غيره ثم يفارقها في البينونة الكبرى.

واختلفوا في معاشرة المعتدة من طلاق رجعي أو مساكنتها والاستمتاع أو الخلوة بها على قولين:

القول الأول: أنه لا يجوز للمطلق لزوجته طلاقا رجعيا معاشرتها ومساكنتها في الدار التي تعتد فيها، بل يجب عليه الخروج من المسكن، إلا إذا كانت الدار واسعة ومعها محرم مميز يستحى منه ويكون بصيرا، وهو قول المالكية والشافعية وفي رواية للحنابلة، واستدلوا على ذلك بما يلي:

1 ـ أنه يؤدي إلى الخلوة بها وهي محرمة عليه.

2 ـ أن في ذلك إضرارا بها وقد قال تعالى:{ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ } (الطلاق:6)

3 ـ أن الطلاق رفع لحل النكاح ومقدماته، فلا يجوز الدخول عليها أو الأكل معها أو لمسها أو النظر إليها.

القول الثاني: أنه يجوز الاستمتاع بالرجعية والخلوة بها ولمسها والنظر إليها بنية المراجعة، أو بدونها مع الكراهة التنزيهية، وهو قول الحنفية وظاهر مذهب الحنابلة، لأنها في العدة كالزوجة يملك مراجعتها بغير رضاها، وهو قول الظاهرية، فقد نص ابن حزم على أبعد مما ذكروا فقال مبينا رأية ووجه استدلاله: (إن المطلقة طلاقا رجعيا فهي زوجة للذي طلقها ما لم تنقض عدتها، يتوارثان، ويلحقها طلاقه، وإيلاؤه، وظهاره، ولعانه إن قذفها، وعليه نفقتها، وكسوتها، وإسكانها، فإذ هي زوجته فحلال له أن ينظر منها إلى ما كان ينظر إليه منها قبل أن يطلقها، وأن يطأها، إذ لم يأت نص بمنعه من شيء من ذلك، وقد سماه الله تعالى بعلا لها، إذ يقول تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا}(البقرة: 228)) ([64])

ثم قال مؤكدا على رأية الذي قد يفهم منه قصد الرجعة:(فإن وطئها لم يكن بذلك مراجعا لها حتى يلفظ بالرجعة ويشهد، ويعلمها بذلك قبل تمام عدتها، فإن راجع ولم يشهد فليس مراجعا لقول الله تعالى: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ } (الطلاق:2) فرق عز وجل بين المراجعة، والطلاق والإشهاد، فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض)

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو جواز مساكنة الزوج لمطلقته الرجعية، وحرمة مباشرتها أو معاشرتها الجنسية، للمصالح المترتبة عن ذلك، فيترتب عن جواز المساكنة، احتمال رجعته لها، وهو مقصد من مقاصد الشريعة، ويترتب عن حرمة معاشرتها جنسية أمران:

1 ـ استبراء رحمها، لأنه مقصد من مقاصد العدة ومعاشرتها تؤدي إلى الإخلال بهذا المقصد.

2 ـ أن معاشرتها جنسيا، مع كونه مطلقا لها، قد يزيل رغبته في رجعتها، بخلاف ما لو حرم عليه ذلك ومنع منه مع كونه مساكنا لها، وهي تتزين له، فقد يدعوه ذلك إلى رجعتها، فيتحقق مقصود الشرع، أو يستمر في عدم رجعتها، فيدل ذلك على النفرة الشديدة منها وأنه طلقها طلاق رغبة ووطر لا طلاق حال.

وقد أشار إلى بعض ما ذكرنا السرخسي بقوله:(والمعتدة من طلاق رجعي تتشوف وتتزين له لأن الزوجية باقية بينهما، وهو مندوب على أن يراجعها وتشوفها له يرغبه في ذلك)([65])

أما إن كان لا يرجو مراجعتها، فإن الأولى هو الأخذ بالقول الأول، حتى لا يرجعها شهوة، ثم يعود لتطليقها فيكثر ذلك من عدد الطلقات، وقد أشار إلى هذا أيضا السرخسي بقوله:(فإن كان من شأنه أن لا يراجعها، فأحسن ذلك أن يعلمها بدخوله عليها بالتنحنح وخفق النعل كي تتأهب لدخوله، لا لأن الدخول عليها بغير الاستئذان حرام، ولكن المرأة في بيتها في ثياب مهنتها فربما يقع بصره على شيء منها وتقترن به الشهوة فيصير مراجعا لها بغير شهود وذلك مكروه، وإذا صار مراجعا وليس من قصده إمساكها احتاج إلى أن يطلقها وتستأنف العدة فيكون إضرارا بها من حيث تطويل العدة) ([66])

ثبوت النسب في العدة

اختلف الفقهاء في ثبوت النسب في العدة على قولين:

القول الأول: ثبوت نسب الولد في العدة، ما دام قد ولد في نطاق الحد الأقصى لمدة الحمل من وقت الطلاق أو الموت، فيثبت نسبه ولا ينتفي عنه إلا باللعان – سواء أقرت المعتدة بانقضاء عدتها أو لم تقر، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة.

القول الثاني: التفريق في ثبوت النسب بين المعتدة التي أقرت بانقضاء عدتها أو لم تقر، وبين البائن والرجعية والمتوفى عنها، وهو قول الحنفية، فإذا أقرت بانقضاء العدة، ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه اتفاقا ؛ لأنه ظهر عكسه بيقين، فصارت كأنها لم تقر به بخلاف ما لو جاءت به لستة أشهر فأكثر فإنه لا يثبت نسبه،لأنه لم يظهر عكسه، فيكون من حمل حادث بعده ولأنها أتت به بعد الحكم بقضاء عدتها وحل النكاح لها بمدة الحمل، فلم يلحق به كما لو أتت به بعد انقضاء عدتها بوضع حملها لمدة الحمل.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ما ذكرناه في الجزء الخاص بحقوق الأولاد النفسية والصحية من أن النسب في الأصل ثابت للأبوين إلا إذا نفاه الإمكان الواقعي، والمرجع في ذلك ليس ما نص عليه الفقهاء من التحديدات التي يعود معظمها للمعارف الموجودة في عهدهم أو للأخبار التي تردهم، فيفتون على أساسها، وإنما لأهل الاختصاص من العلماء والأطباء بشرط العدالة والجزم.


([1]) شرح البهجة:4/343.

([2]) دليل الطالب:275.

([3]) البخاري: 5/2042، مسلم: 2/1124، ابن حبان: 10/140، الترمذي: 3/501، البيهقي: 7/439، أبو داود: 2/290، النسائي:3/384، المجتبى: 6/198، ابن ماجة: 1/674، الموطأ: 2/597، أحمد: 6/37.

([4]) رواه مسلم رقم (1480) والموطأ 2 / 580 و 581.

([5]) المغني:8/78.

([6]) المحلى:9/358.

([7]) مجموع فتاوى ابن تيمية: 32/293.

([8]) الإنصاف للمرداوي: 9/295، المغني: 7/108، الأم: 5/216، إعلام الموقعين: 2/90.

([9]) إذا تزوج الرجل امرأة وهي حامل من الزنا جاز نكاحه عند أبي حنيفة ومحمد، ولكن لا يجوز وطؤها حتى تضع، لئلا يصير ساقيا ماءه زرع غيره، لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: « لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره »وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لا توطأ حامل حتى تضع »فهذا دليل على امتناع وطئها حتى تضع حملها. خلافا للشافعية الذين يقولون بجواز النكاح والوطء للحامل من زنا على الأصح، إذ لا حرمة له، وقد سبق ذكر المسألة بتفاصيلها في محلها.

([10]) الترمذى (4/434، رقم 2121) وقال: حسن صحيح. وغيره.

([11]) وقد نصوا على أن الاستبراء يكون بثلاث حيض، قال ابن عرفة: براءة الحرة من وطء زنا أو غلط أو غيبة ; غصب أو سبي أو مالك ارتفع باستحقاق ثلاث حيض استبراء لا عدة، انظر: التاج والإكليل: 5/478.

([12]) أحمد (3/62، رقم 11614)، والدارمى (2/224، رقم 2295)، وأبو داود (2/248، رقم 2157)، والدارقطنى (4/112)، والحاكم (2/212، رقم 2790) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقى (5/329، رقم 10572)

([13]) المبسوط: 5/22.

([14]) قواعد الأحكام: 2/160.

([15]) بدائع الصنائع: 3/200.

([16]) مالك (2/596، رقم 1245، 1246)، وعبد الرزاق (7/48، رقم 12130)، وأحمد (6/326، رقم 26809)، والبخارى (5/2042، رقم 5024)، ومسلم (2/1123، رقم 1486)

([17]) سنتحدث عن هذه المسألة عند الحديث عن الإجهاض في الجزء الخاص بالحقوق النفسية والصحية للأولاد.

([18]) الأم: 5/237.

([19]) لكن ابن عبد البر أنكر الاحتجاج بهذا، فقال: « وقد احتج أصحابنا بهذا وهذا عندي ليس بشيء لأن التذكير في العدد إنما جاء على لفظ القرء وهي مذكرة» التمهيد: 15/98.

([20]) زاد المعاد: 5/601.

([21]) قال ابن العربي:هذه الآية من أشكل آية في كتاب الله تعالى من الأحكام، تردد فيها علماء الإسلام، واختلف فيها الصحابة قديما وحديثا، ولو شاء ربك لبين طريقها وأوضح تحقيقها، ولكنه وكل درك البيان إلى اجتهاد العلماء ليظهر فضل المعرفة في الدرجات الموعود بالرفع فيها ; وقد أطال الخلق فيها النفس، فما استضاءوا بقبس، ولا حلوا عقدة الجلس، أحكام القرآن:1/250.

([22]) ابن ماجة: 1/627، البيهقي: 7/369، قال ابن حجر: وفي إسناده عمر بن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان، تلخيص الحبير:3/213.

([23]) أحمد (3/62، رقم 11614)، والدارمى (2/224، رقم 2295)، وأبو داود (2/248، رقم 2157)، والدارقطنى (4/112)، والحاكم (2/212، رقم 2790) وقال: صحيح على شرط مسلم. والبيهقى (5/329، رقم 10572)

([24]) أحكام القرآن:1/250.

([25]) شرح النووي على مسلم:10/63.

([26]) أحكام القرآن لابن العربي: 4/245.

([27]) لم أجده في كتبه، لكن نص عليه في كتب كثيرة منها: منار السبيل: 1/62، كشاف القناع: 1/202، المغني: 8/87.

([28]) انظر: المبدع: 1/268، الكافي في فقه ابن حنبل: 3/306، كشاف القناع: 1/202، المبسوط: 6/27، التاج والإكليل: 1/367، مواهب الجليل: 3/404.

([29]) المبسوط: 6/27.

([30]) المغني: 8/87.

([31]) والقول الجديد للشافعي: المعتبر سن اليأس لجميع النساء بحسب ما يبلغ الخبر عنهن. وأقصاه فيما علم اثنتان وستون سنة، وقيل: ستون، وقيل خمسون.

([32]) المبسوط: 6/27.

([33]) وقد نص الشافعي على أنه إذا ألقت شيئا مجتمعا شك فيه أهل العدل من النساء أخلق هو أم لا لم تحل به ولا تخلو إلا بما لا يشككن فيه. وإن اختلفت هي وزوجها فقالت: قد وضعت ولدا أو سقطا قد بان خلقه، وقال زوجها: لم تضعي فالقول قولها مع يمينها، وإن لم تحلف ردت اليمين على زوجها. فإن حلف على البت ما وضعت كانت له الرجعة وإن لم يحلف لم يكن له الرجعة قال ولو قالت وضعت شيئا أشك فيه أو شيئا لا أعقله وقد حضره نساء فاستشهدت بهن وأقل من يقبل في ذلك أربع نسوة حرائر عدول مسلمات لا يقبل أقل منهن ولا يقبل فيهن والدة ولا ولد وتقبل أخواتها وغيرهن من ذوي قرابتها والأجنبيات ومن أرضعها من النساء، انظر: الأم: 5/236..

([34]) انظر: الجصاص: 3/335.

([35]) أحمد (1/382، رقم 3624)، والبخارى (3/1174، رقم 3036)، ومسلم (4/2036، رقم 2643)، وأبو داود (4/228، رقم 4708) والترمذى (4/446، رقم 2137) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (1/29، رقم 76)

([36]) المدونة: 2/237.

([37]) المحلى: 10/47.

([38]) شرائع الإسلام: 3/26.

([39]) المحلى: 10/47.

([40]) المبسوط: 6/53.

([41]) الفصول في الأصول: 4/244.

([42]) الكافي في فقه ابن حنبل: 3/318، المغني: 8/100، روضةالطالبين: 8/365، حاشية الدسوقي: 2/468، التاج والإكليل: 3/485.

([43]) انظر: شرح البهجة: 4/344.

([44]) وذكر القاضي: أن ظاهر كلام أحمد أن الولد يلحق به ; لأنه قد يتصور منه الإنزال بأن يحك موضع ذكره بفرجها فينزل، فعلى هذا القول يلحق به الولد وتنقضي به العدة، والصحيح أن هذا لا يلحق به ولد، لأنه لم تجر به عادة، فلا يلحق به ولدها، كالصبي الذي لم يبلغ عشر سنين.المغني: 8/100.

([45]) المغني: 8/100.

([46]) المغني: 8/94.

([47]) انظر: القرطبي: 3/175، التمهيد: 20/34.

([48]) البخاري: 5/2038، مسلم: 2/1122، ابن حبان: 10/132، 10/135، الدارمي: 2/220، البيهقي: 7/429، ابن ماجة: 1/653، أحمد: 1/447، 4/305.

([49]) انظر: القرطبي: 3/175.

([50]) التمهيد: 20/33.

([51]) المحلى: 10/73.

([52]) انظر: البخاري: 4/1646، البيهقي: 7/435، أبو داود: 2/291، الطبري: 2/582.

([53]) التمهيد: 21/31.

([54]) ابن حبان: 10/128، الحاكم: 2/226، الترمذي: 3/508، الدارمي: 2/221، البيهقي: 7/435، أبو داود: 2/291، النسائي: 6/303، ابن ماجة: 1/654 الموطأ: 2/591، أحمد: 6/370.

([55]) التمهيد: 21/31.

([56]) نص المالكية على أن خروج المعتدة لقضاء حوائجها يجوز لها في الأوقات المأمونة وذلك يختلف باختلاف البلاد والأزمنة، ففي الأمصار وسط النهار، وفي غيرها في طرفي النهار، ولكن لا تبيت إلا في مسكنها، انظر: الفواكه الدواني: 2/64.

([57]) أبو داود: 2/289، النسائي: 3/399، مجمع الزوائد: 5/4، قال ابن حجر: أبو داود وابن حبان والحاكم وأصله في صحيح مسلم، التلخيص الحبير:3/240.

([58]) التحقيق في أحاديث الخلاف:2/304.

([59]) والضابط عند الشافعية هو أن كل معتدة لا تجب نفقتها ولم يكن لها من يقضيها حاجتها لها الخروج، أما من وجبت نفقتها فلا تخرج إلا بإذن أو ضرورة كالزوجة، لأنهن مكفيات بنفقة أزواجهن.

([60]) البيهقي: 7/436، مصنف عبد الرزاق: 7/36.

([61]) المحلى: 10/74.

([62]) المحلى: 10/74.

([63]) المحلى: 10/74.

([64]) المحلى: 10/16.

([65]) المبسوط: 6/25.

([66]) المبسوط: 6/25.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *