العفيف الزاهد

العفيف الزاهد

سيدي ومولاي.. حبيب الله ورسوله..

من المعاني العظيمة التي أتذكرها في هذه الأيام.. أيام شهادتك.. عفتك وزهادتك.. فقد كان من أكبر ثمار التربية النبوية والقرآنية لشخصك الكريم ذلك العفاف والزهد الذي ملأ حياتك من صغرك الباكر إلى أن قبضك الله شهيدا..

وما كان لمثلك في تقواه وورعه وأخلاقه العالية ومعارفة السامية ألا يكون زاهدا.. فالزهد ثمرة لمعرفة حقيقة الحياة الدنيا، وهوانها على الله.. وقد كنت أدرى الناس بذلك، وأدرى الناس بما عند الله من الفضل العظيم.. ولذلك كنت تستغرب ذلك التثاقل الذي يقع فيه محبو الدنيا، الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، مع أنهم يقرؤون قوله تعالى: { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)} (النساء)

ولذلك كنت تذكرهم بنفس ما كان يذكرهم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين يقول: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)([1])، أو حين يقول: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بماذا ترجع)([2])، أو حين يقول: (ما لى وللدنيا وما للدنيا وما لى والذى نفسى بيده ما مثلى ومثل الدنيا إلا كراكب سار فى يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها)([3])

والزهد هو التربة الطيبة التي تنتج كل الأخلاق الطاهرة، فما يستطيع راغب في الدنيا الحريص على شهواتها أن يملأ قلبه بأخلاق الطاهرين، وهو يلوث نفسه بشهوات الملطخين.

ولهذا اعتبر القرآن الكريم التثاقل إلى الدنيا، والرغبة فيها والرغبة عن فضل الله سبب الانتكاسة الإنسانية، قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِين (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون (176) سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُون} [الأعراف:175-177]

وقد كنت ـ سيدي ـ ترى بعينيك كيف تشتري الفئة الباغية ذمم الناس بأموالها وبهرجها وزخارفها.. لذلك كنت تدعو إلى الزهد، وتربي أصحابك عليه، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يربيك عليه.

الزهد.. والترفع:

ولهذا كنت تردد بين أصحابك وأتباعك، كل الحكم والمواعظ الداعية للترفع عن الدنيا.. فلا يمكن أن تنبت شجرة المكارم في أرض غرس فيها حب الدنيا..

وقد حفظ لنا التاريخ من كلماتك البليغة في هذا قولك: (إليك عنّي يا دنيا، فحبلك على غاربك، قد انسللت من مخالبك، وأفلتّ من حبائلك، واجتنبت الذّهاب في مداحضك، أين القرون الّذين غررتهم بمداعبك؟ أين الأمم الّذين فتنتهم بزخارفك؟ فها هم رهائن القبور، ومضامين اللّحود! واللّه لو كنت شخصا مرئيّا، وقالبا حسّيّا، لأقمت عليك حدود اللّه في عباد غررتهم بالأمانيّ، وأمم ألقيتهم في المهاوي، وملوك أسلمتهم إلى التّلف، وأوردتهم موارد البلاء إذ لا ورد ولا صدر.. هيهات من وطئ دحضك زلق، ومن ركب لججك غرق، ومن ازورّ عن حبائلك وفّق، والسّالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه، والدّنيا عنده كيوم حان انسلاخه)([4])

وكنت تصيح فيها كل حين: (اعزبي عنّي، فو اللّه لا أذلّ لك فتستذلّيني، ولا أسلس لك فتقوديني، وايم اللّه- يمينا أستثني فيها بمشيئة اللّه- لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ معها إلى القرص، إذا قدرت عليه مطعوما، وتقنع بالملح مأدوما، ولأدعنّ مقلتي كعين ماء نضب معينها، مستفرغة دموعها، أ تمتلئ السّائمة من رعيها فتبرك؟ وتشبع الرّبيضة من عشبها فتربض؟ ويأكل عليّ من زاده فيهجع، قرّت إذا عينه إذا اقتدى بعد السّنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة، والسّائمة المرعيّة!) ([5])

وكنت تخطب فيهم، وتقول:(و أحذّركم الدّنيا فإنّها منزل قلعة، وليست بدار نجعة، قد تزيّنت بغرورها، وغرّت بزينتها. دارها هانت على ربّها، فخلط حلالها بحرامها، وخيرها بشرّها، وحياتها بموتها، وحلوها بمرّها. لم يصفها اللّه تعالى لأوليائه، ولم يضنّ بها على أعدائه. خيرها زهيد، وشرّها عتيد، وجمعها ينفد، وملكها يسلب، وعامرها يخرب. فما خير دار تنقض نقض البناء، وعمر يفنى فيها فناء الزّاد، ومدّة تنقطع انقطاع السّير. اجعلوا ما افترض اللّه عليكم من طلبكم، واسألوه من أداء حقّه ما سألكم، وأسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم) ([6])

وكنت تبين لهم آثار حب الدنيا على قلوبهم وعلاقاتهم، وأنها هي السبب في كل ما حل بهم من انحرافات، فتقول: (قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال، وحضرتكم كواذب الآمال، فصارت الدّنيا أملك بكم من الآخرة، والعاجلة أذهب بكم من الآجلة. وإنّما أنتم إخوان على دين اللّه، ما فرّق بينكم إلّا خبث السّرائر، وسوء الضّمائر، فلا توازرون ولا تناصحون، ولا تباذلون ولا توادّون.. ما بالكم تفرحون باليسير من الدّنيا تدركونه، ولا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه، ويقلقكم اليسير من الدّنيا يفوتكم، حتّى يتبيّن ذلك في وجوهكم، وقلّة صبركم عمّا زوي منها عنكم، كأنّها دار مقامكم، وكأنّ متاعها باق عليكم.. وما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه، إلّا مخافة أن‏ يستقبله بمثله، قد تصافيتم على رفض الآجل، وحبّ العاجل، وصار دين أحدكم لعقة على لسانه، صنيع من قد فرغ من عمله، وأحرز رضا سيّده)([7])

ولكنك مع ذلك كله سيدي كنت تفرق بين دنيا الصالحين المترفعين، ودنيا العابثين المتثاقلين.. وقد روي أنك رأيت قوما يذمون الدنيا ذما مطلقا، فرحت تقول لهم: (ما بال أقوام يذمّون الدنيا وقد انتحلوا الزهد فيها؟!، الدنيا منزل صدق لمن صدّقها، ومسكن عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، مسجد أنبياء اللّه، ومهبط وحيه، ومصلّى ملائكته، ومسكن أحبّائه، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا منها الجنّة.فمن ذا يذم الدنيا- يا جابر- وقد آذنت ببينها؟! ونادت بانقطاعها، ونعت نفسها بالزوال، ومثّلت ببلائها البلاء، وشوّقت بسرورها إلى السرور، وراحت بفجيعة، وابتكرت بنعمة وعافية، ترهيبا وترغيبا، فذمّها قوم غداة الندامة، وحمدها آخرون، خدمتهم جميعا فصدقتهم، وذكّرتهم فاذّكّروا، ووعظتهم فاتّعظوا، وخوّفتهم فخافوا، وشوقتهم فاشتاقوا) ([8])

وسمعت آخر يذم الدنيا ذما مطلقا، فرحت تصحح له، وتقول: (فأيّها الذامّ للدنيا المغترّ بغرورها! متى استذمّت إليك؟ بل متى غرّتك بنفسها؟ أ بمصارع آبائك من البلى؟! أم بمضاجع أمّهاتك من الثرى؟ كم مرّضت بيديك، وعلّلت بكفّيك؟ تستوصف لهم الدواء، وتطلب لهم الأطباء، لم تدرك فيه طلبتك، ولم تسعف فيه بحاجتك. بل مثّلت الدنيا به نفسك، وبحاله حالك، غداة لا ينفعك أحباؤك، ولا يغني عنك نداؤك، يشتد من الموت أعالين المرضى، وأليم لوعات المضض، حين لا ينفع الأليل، ولا يدفع العويل، حين يحفز بها الحيزوم، ويغصّ بها الحلقوم، حين لا يسمعه النداء، ولا يروعه الدعاء، فيا طول الحزن عند انقطاع الأجل. ثمّ يراح به على شرجع تقلّه أكفّ أربع، فيضجع في قبره في لبث، وضيق جدث، فذهبت الجدّة، وانقطعت المدة، ورفضته العطفة، وقطعته اللطفة، لا تقاربه الإخلاء، ولا تلمّ به الزوّار، ولا اتّسقت به الدار. انقطع دونه الأثر، واستعجم دونه الخبر، وبكّرت ورثته، فأقسمت تركته، ولحقه الحوب، وأحاطت به الذنوب، فإن يكن قدّم خيرا طاب مكسبه، وإن يكن قدّم شرّا تبّ منقلبه، وكيف ينفع نفسا قرارها، والموت قصارها، والقبر مزارها؟ فكفى بهذا واعظا كفى) ([9])

الزهد.. والتخلق:

وقد كان حرصك سيدي على إحياء قيم الزهد والترفع عن الدنيا لما علمت من آثاره على السلوك والأخلاق، وعلى التوجه الصادق لله تعالى، والتسليم المطلق له.. فيستحيل على من انغمس في الدنيا، وركن إلى أهوائها أن تحن نفسه للملأ الأعلى، أو أن يتحقق بأخلاق الطاهرين.

ولذلك امتلأت كل خطبك وكتبك من بيان ثمار الزهد الطيبة اليانعة.. ومن ذلك قولك: (إنّ الزّاهدين في الدّنيا تبكي قلوبهم وإن ضحكوا، ويشتدّ حزنهم وإن فرحوا، ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رزقوا)([10])

وإن نسيت من كلماتك ما نسيت.. فلن أنسى رسالتك الرقيقة التي كتبتها إلى عاملك على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري، بعد أن بلغك أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها..

فقد كتبت له رسالة تبين فيها غرضا كريما من أغراض الزهد.. وهو العدالة.. فلا يمكن للحريص أن يعيش العدالة، ولا أن يفهمها، ولا أن يطبقها..

لقد كتبت تقول له: (أمّا بعد يا ابن حنيف، فقد بلغني أنّ رجلا من فتية أهل البصرة، دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها، تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ، وغنيّهم مدعوّ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه) ([11])

ثم رحت تصف له حالك، ليأتم بك، ولتأتم بك الأجيال من بعده، فقلت: (ألا وإنّ لكلّ مأموم إماما يقتدي به، ويستضي‏ء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد.. فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادّخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا، ولا حزت من أرضها شبرا، ولا أخذت منه إلّا كقوت أتان دبرة، ولهي في عيني أوهى وأوهن من عفصة مقرة)

ثم ذكرت له أن زهدك في الدنيا ليس ناشئا من جهلك بها، وإنما ناشئ من زهدك فيها، ورغبتك فيما عند الله.. ولتستوي أنت وأبسط مستضعف من رعيتك.. فلا يمكن أن يدرك عوز المعوزين، ولا فقر الفقراء من أتخم نفسه، وأعطاها كل ما تشتهي.

لقد كتبت له تقول: (و لو شئت لاهتديت الطّريق إلى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في‏ القرص، ولا عهد له بالشّبع!! أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى، وأكباد حرّى!! أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داء أن تبيت ببطنة

   وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ!

وكتبت له تقول: (أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدّهر؟ أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطّيّبات، كالبهيمة المربوطة همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها، تكترش من أعلافها وتلهو عمّا يراد بها، أو أترك سدى أو أهمل عابثا، أو أجرّ حبل الضّلالة، أو أعتسف طريق المتاهة)

ثم بينت له ـ سيدي ـ أن الزهد لا يعني العجز، ولا الضعف، فقلت: (و كأنّي بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب، فقد قعد به الضّعف عن قتال الأقران، ومنازلة الشّجعان؟! ألا وإنّ الشّجرة البرّيّة أصلب عودا، والرّواتع الخضرة أرقّ جلودا، والنّابتات العذية أقوى وقودا، وأبطأ خمودا!)

ثم ختمت رسالتك له بهذا الشعار الذي لا نزال نردده: (فاتّق اللّه يا ابن حنيف، ولتكفف أقراصك، ليكون من النّار خلاصك)

ومن خطبك في هذا، والتي تأسر القلوب ببلاغتها وبيانها وحقائقها قولك ـ وأنت تستعرض الأنبياء وزهدهم في الدنيا ـ: (و لقد كان في رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كاف لك في الأسوة، ودليل لك على ذمّ الدّنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها، إذ قبضت عنه أطرافها، ووطّئت لغيره أكنافها، وفطم عن رضاعها، وزوي عن زخارفها.. وإن شئت ثنّيت بموسى كليم اللّه عليه السّلام حيث يقول: {رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، واللّه ما سأله إلّا خبزا يأكله، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذّب لحمه.. وإن شئت ثلّثت بداود عليه السّلام صاحب المزامير، وقارئ أهل الجنّة، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده، ويقول لجلسائه: أيّكم يكفيني بيعها؟ ويأكل قرص الشّعير من ثمنها.. وإن شئت قلت في عيسى ابن مريم عليه السّلام فلقد كان يتوسّد الحجر، ويلبس الخشن، ويأكل الجشب، وكان إدامه الجوع، وسراجه باللّيل القمر، وظلاله في الشّتاء مشارق الأرض ومغاربها، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم، ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذلّه، دابّته رجلاه، وخادمه يداه) ([12])

ثم ختمت خطبتك بذكر حبيتك صلى الله عليه وآله وسلم، الذي رباك على عينه، فقلت: (فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر صلى الله عليه وآله وسلم فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى، وعزاء لمن تعزّى، وأحبّ العباد إلى اللّه المتأسّي بنبيّه، والمقتصّ لأثره.. قضم الدّنيا قضما، ولم يعرها طرفا، أهضم أهل الدّنيا كشحا، وأخمصهم من الدّنيا بطنا، عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أنّ اللّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه، وحقّر شيئا فحقّره، وصغّر شيئا فصغّره.. ولو لم يكن فينا إلّا حبّنا ما أبغض اللّه ورسوله، وتعظيمنا ما صغّر اللّه ورسوله، لكفى به شقاقا للّه، ومحادّة عن أمر الله)

ثم رحت تصف حاله صلى الله عليه وآله وسلم، وزهده في الدنيا، وتواضعه فيها، فقلت: (و لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري، ويردف خلفه. ويكون السّتر على باب بيته، فتكون فيه التّصاوير فيقول: يا فلانة- لإحدى أزواجه- غيّبيه عنّي، فإنّي إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا وزخارفها. فأعرض عن الدّنيا بقلبه، وأمات ذكرها من نفسه، وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتّخذ منها رياشا، ولا يعتقدها قرارا، ولا يرجو فيها مقاما، فأخرجها من النّفس، وأشخصها عن القلب، وغيّبها عن البصر، وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه، وأن يذكر عنده)

ثم رحت تخاطب عقولهم، وتقول: (لقد كان في رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ما يدلّك على مساوئ الدّنيا وعيوبها، إذ جاع فيها مع خاصّته، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته، فلينظر ناظر بعقله، أكرم اللّه محمّدا بذلك أم أهانه؟.. فإن قال: أهانه فقد كذب واللّه العظيم بالإفك العظيم.. وإن قال: أكرمه، فليعلم أنّ اللّه قد أهان غيره حيث بسط الدّنيا له، وزواها عن أقرب النّاس منه.. فتأسّى متأسّ بنبيّه، واقتصّ أثره، وولج مولجه، وإلّا فلا يأمن الهلكة، فإنّ اللّه جعل محمّدا صلى الله عليه وآله وسلم علما للسّاعة، ومبشّرا بالجنّة، ومنذرا بالعقوبة، خرج من الدّنيا خميصا، وورد الآخرة سليما، لم يضع حجرا على حجر حتّى مضى لسبيله، وأجاب داعي ربّه.. فما أعظم منّة اللّه عندنا حين أنعم علينا به، سلفا نتّبعه، وقائدا نطأ عقبه)

وقد كان سلوكك سيدي في حياتك جميعا مطابقا لقولك.. وقد روي في الروايات الكثيرة من أحبابك وأعدائك ما يثبت ذلك..

فقد ذكرك الأرقم، فقال: (رأيت علي بن أبي طالب يعرض سيفا له في رحبة الكوفة ويقول: (من يشتري مني سيفي هذا والله لقد جلوت به غير مرة عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو كان عندي أربعة دراهم ثمن إزار لم أبعه)([13])

وذكرك سفيان، فقال: (إن عليا لم يبن آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة وان كان ليؤتى بحبوبه من المدينة في جراب.. وكان يختم على الجراب الذي يأكل منه ويقول: لا احب أن يدخل بطني إلا ما اعلم) ([14])

وذكرك عمر بن قيس، فقال: (رئي على علي إزار مرقوع فقيل له فقال: (يقتدى به المؤمن ويخشع به القلب)([15])

وذكرك ابنك الحسن، فقال: (في صبيحة الليلة التي قتل فيها أمير المؤمنين والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا ثلاثمائه درهم فضلت من عطائه)([16])


([1]) رواه الترمذي وابن ماجة.

([2]) رواه مسلم.

([3]) رواه أحمد وهناد والترمذى – وقال: حسن صحيح – وابن ماجه وابن سعد والطبرانى والحاكم والبيهقى فى شعب الإيمان.

([4]) نهج البلاغة: الكتاب 45 ص 417.

([5]) نهج البلاغة: الكتاب 45 ص 417.

([6]) نهج البلاغة: الخطبة رقم(113)

([7]) الخطبة 111 ص 164.

([8]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 1 ص 352- 357 الخطبة رقم(117)

([9]) مستدرك نهج البلاغة للمحمودي: ج 1 ص 352- 357 الخطبة رقم(117)

([10]) نهج البلاغة: الخطبة 111 ص 164.

([11]) نهج البلاغة: الكتاب رقم(45)

([12]) نهج البلاغة: الخطبة رقم 160.

([13]) الكامل لابن الأثير ج3 ص201.

([14]) الكامل لابن الأثير ج3 ص201.

([15]) منتخب الكنز ج3 ص57.

([16]) الإمامة والسياسة ج1 ص170.

د. نور الدين أبو لحية

كاتب، وأستاذ جامعي، له أكثر من مائة كتاب في المجالات الفكرية المختلفة، وهو مهتم خصوصا بمواجهة الفكر المتطرف والعنف والإرهاب، بالإضافة لدعوته لتنقيح التراث، والتقارب بين المذاهب الإسلامية.. وهو من دعاة التواصل الإنساني والحضاري بين الأمم والشعوب.. وقد صاغ كتاباته بطرق مختلفة تنوعت بين العلمية والأكاديمية والأدبية.

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *